ليس إلا مذكورا فى اللفظ بل متضمنا.
(وغير كإلا فى إفادة القصرين) قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف؛ إفرادا، وقلبا، وتعيينا (و) فى (امتناع مجامعة لا) العاطفة لما سبق؛ فلا يصح: ما زيد غير شاعر لا كاتب، ولا ما شاعر غير زيد لا عمرو.
===
المحصور فيه ولو قدمت عمرا كان زيد هو المحصور فيه، وانعكس المعنى المراد؛ لأن المقصود حصر ضرب زيد فى عمرو وتقديم عمرو يفيد حصر مضروبية عمرو فى زيد ولم يجعلوا تقديم أحدهما على إنما أمارة على أن ما بعدها هو المقصور عليه كما تقدم فى النفى والاستثناء لكون إنما لا تقع إلا فى صدر الكلام، ولا يقال: إن دفع الإلباس كما يحصل باشتراط كون المقصور عليه هو المؤخر يحصل باشتراط كونه هو المقدم فلم اشترط تأخيره؛ لأنا نقول الترتيب الطبيعى يقتضى تقديم المقصور على المقصور عليه كما مر، فتعين أن يكون طريقة القصر بإنما أن يذكر المقصور بعدها ويذكر بعده المقصور عليه
(قوله: ليس إلا مذكورا فى اللفظ) أى: ليس لفظ إلا مذكورا فى الكلام وقوله بل متضمنا أى: بل تضمنه معنى الكلام.
(قوله: وغير كإلا) أى: ولفظ غير كلفظ إلا أى الاستثنائية لأنها هى التى تفيد القصرين بخلاف إلا التى تقع صفة، وإنما خص غير بالذكر دون بقية أدوات الاستثناء؛ لأنه لا يستعمل فى التفريغ من أدوات الاستثناء غير إلا غيرها وهذا مبنى على أن سوى ملازمة للنصب على الظرفية وإلا فهى كغير فى إفادة القصرين
(قوله: قصر الموصوف إلخ) نحو: ما زيد غير عالم وما كريم غير زيد فقد قصر فى الأول زيد على العلم وفى الثانى الكرم على زيد
(قوله: إفرادا وقلبا وتعيينا) ظاهره أنها لا تستعمل للقصر الحقيقى؛ لأن الإفراد والقلب والتعيين أقسام للإضافى- وليس كذلك، فكان الأولى أن يقول ويكون حقيقيا نحو لا إله غير الله وما خاتم الأنبياء غير محمد وغير حقيقى إفرادا إلخ
(قوله: لما سبق) أى: من أن شرط المنفى بلا أن لا يكون منفيا قبلها بغيرها
(قوله: فلا يصح ما زيد إلخ) أى: فلا يصح أن يقال فى قصر الموصوف: ما زيد شاعر لا كاتب، ولا يصح أن يقال فى قصر الصفة: ما شاعر غير زيد لا عمرو، وذلك لفقد الشرط السابق، والله أعلم.
стр. 1052
[[الباب السادس: ] القول فى الإنشاء]:
[الإنشاء]:
اعلم أن الإنشاء قد يطلق على نفس الكلام الذى ليس لنسبته خارج تطابقه، أو لا تطابقه. وقد يقال على ما هو فعل المتكلم؛ أعنى: إلقاء مثل هذا الكلام؛ ...
===
[الإنشاء]
هذه ترجمة وهو الباب السادس من الأبواب الثمانية المذكورة أول الكتاب، فهو اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعانى المخصوصة.
(قوله: اعلم أن الإنشاء إلخ) أعاد المظهر إشارة إلى أنه ليس المراد الإنشاء بالمعنى المتقدم، بل بمعنى اللفظ أى: اعلم أن لفظ إنشاء، وقوله يطلق أى: اصطلاحا، وأما لغة: فهو الابتداع والاختراع.
(قوله: الذى ليس لنسبته) أى: ليس للنسبة المفهومة منه وهى النسبة الكلامية، وقوله خارج أى: نسبة خارجية
(قوله: تطابقه) هو محط النفى وإلا فالإنشاء لا بد له من نسبة خارجية تارة لا تكون مطابقة لنسبته الكلامية، وتارة تكون مطابقة لها إلا أنه لا يقصد مطابقتها لها، فاضرب مثلا نسبته الكلامية طلب الضرب ولا بد له من نسبة خارجية، فإن كان المتكلم طالبا للضرب فى نفسه كانت الخارجية طلب الضرب أيضا وكانت مطابقة الكلامية إلا أنه لم يقصد مطابقتها لها وإن كان المتكلم غير طالب له فى نفسه كانت الخارجية عدم الطلب فلم يكونا متطابقين، فإن قصد المتكلم المطابقة فى القسم الأول كان من باب استعمال الإنشاء فى الخبر لقصد حكاية تحقق النسبة الحاصلة فى الخارج كما مر أول الكتاب فى التنبيه. إذا علمت هذا فقوله تطابقه أعنى أى: تقصد مطابقته أو لا تقصد مطابقته فلا بد من هذا
(قوله: وقد يقال) أى: وقد يطلق الإنشاء على ما أى: على شىء هو فعل المتكلم أعنى: الإتيان بالكلام الذى ليس لنسبته خارج إلخ، وليس المراد فعل المتكلم المطلق، وقول الشارح أعنى إلقاء مثل هذا الكلام لفظ مثل- فيه مقحمة؛ لأن الكلام الذى ليس لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه أمر كلى لا
стр. 1053
كما أن الإخبار كذلك. والأظهر أن المراد هاهنا هو الثانى؛ بقرينة تقسيمه إلى الطلب، وغير الطلب، وتقسيم الطلب إلى التمنى، والاستفهام، وغيرهما؛ والمراد بها معانيها المصدرية ...
===
مثل له، ولذا أسقطها فى المطول
(قوله: كما أن الإخبار كذلك) أى: يطلق على الكلام الخبرى الذى لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه أمر كلى لا مثل له، ولذا أسقطها فى المطول
(قوله: كما أن الإخبار كذلك) أى: يطلق على الكلام الخبرى الذى لنسبته خارج تطابقه أولا تطابقه وعلى إلقاء نفس هذا الكلام المذكور، وانظر ما وجه الجمع بين كما وكذلك، مع أن اللفظ الأول يقتضى تشبيه الإنشاء بالإخبار ولفظ كذلك يقتضى العكس؛ لأن مقتضى كما أن الإنشاء مشبه والخبر مشبه به ومفاد قوله كذلك العكس
(قوله: والأظهر أن المراد) أى: بالإنشاء هاهنا أى: فى قول المصنف الآتى إن كان طلبا، وليست الإشارة للترجمة كما يوهمه كلام الشارح؛ لأن الإنشاء الواقع ترجمة لا يصح أن يراد به واحد من هذين الأمرين، وقوله هو الثانى أى: فعل المتكلم لا الكلام الذى ليس لنسبته خارج، فمحصله أن فى كلام المصنف استخداما حيث ذكر الإنشاء أولا، على أنه ترجمة بمعنى الألفاظ المخصوصة الدالة على المعانى المخصوصة، ثم أعاد عليه الضمير بمعنى: آخر وهو فعل المتكلم أعنى: إلقاء الكلام الإنشائى والتلفظ به
(قوله: بقرينة تقسيمه) أى: تقسيم المصنف الإنشاء
(قوله: وغير الطلب) إظهار فى محل الإضمار، فالأولى: وغيره، والمراد بذلك الغير ما ذكره الشارح من أفعال المقاربة وأفعال المدح والذم وصيغ العقود إلخ
(قوله: وتقسيم الطلب) من إضافة المصدر لمفعوله أى:
وتقسيم المصنف الطلب إلخ
(قوله: وغيرهما) أى: كالأمر والنهى والنداء
(قوله: والمراد بها) أى: بالتمنى والاستفهام وغيرهما وهذا فى معنى العلة أى لأن المراد بها إلخ أى إنما كان ذلك التقسيم قرينة دالة على ما ذكر؛ لأن المراد إلخ أى: وإذا كانت هذه الأقسام بمعانيها المصدرية كان المقسم كذلك لئلا يكون بين المقسم والأقسام تباين
(قوله: معانيها المصدرية) أعنى: الإلقاآت، فسياقه يقتضى أن التمنى بالمعنى المصدرى إلقاء عبارة التمنى، والاستفهام كذلك: إلقاء عبارة الاستفهام، وهكذا فيكون التمنى والاستفهام
стр. 1054
لا الكلام المشتمل عليها؛ بقرينة قوله: واللفظ الموضوع له كذا وكذا؛ لظهور أن لفظ ليت مثلا مستعمل لمعنى التمنى، لا لقولنا: ليت زيدا قائم؛ فافهم. فالإنشاء
===
وغيرهما تطلق على إلقاآت التراكيب المخصوصة، كما تطلق على الأحوال القلبية كطلب الأمر المحبوب بالنسبة للتمنى، وطلب التفهيم بالنسبة للاستفهام، وهكذا، ولا مانع من ذلك
(قوله: لا الكلام المشتمل عليها) أى: على أدواتها
(قوله: بقرينة قوله واللفظ الموضوع له كذا) فيه أن هذا لا يصح أن يكون قرينة لما ادعاه؛ لأن المتبادر أن اللام فى قوله الموضوع له للتعدية، ومن المعلوم أن الذى وضع له ليت مثلا الطلب القلبى لا إلقاء الكلام المخصوص وهو الذى فيه ليت اللهم إلا أن يتكلف بجعل اللام للعلة الغائبة لا للتعدية، والمعنى: أن اللفظ الموضوع لأجل القاء وإيجاد كلام التمنى ليت، والمراد بكلام التمنى الكلام الذى فيه أداته، وكذا يقال فى قوله: واللفظ الموضوع للاستفهام هل وهذا
(قوله: لظهور إلخ) أى: وإنما كان قوله واللفظ الموضوع له كذا قرينة على أن المراد بالتمنى والاستفهام وغيرهما معانيها المصدرية وهو إلقاء كلامها، لا الكلام المشتمل على أدواتها لظهور أن لفظ ليت إلخ.
(قوله: مستعمل لمعنى التمنى) أى: فى معنى التمنى وإضافة معنى للتمنى بيانية أى:
مستعمل فى معنى هو التمنى الذى هو بالمعنى المصدرى أعنى: إلقاء نحو: ليت زيدا قائم هذا ما يقتضيه سياقه وهو غير مسلم، فإن ليت لم تستعمل فى فعل المتكلم الذى هو إلقاء هذا الكلام، وإنما تستعمل فى نفس التمنى الذى هو الحالة القلبية، ولذلك يقال: إن ليت تتضمن معنى أتمنى، إن قلت نجعل اللام فى قوله لمعنى التمنى للعلة لا للظرفية والمعنى لظهور أن ليت تستعمل لأجل إلقاء التمنى قلت: هذا التأويل وإن صح به كلام الشارح هنا، لكنه لا يناسب قوله: بعد لا لقولنا إلخ- تأمل.
(قوله: لا لقولنا ليت إلخ) أى: لا فى قولنا أى: مقولنا إلخ
(قوله: فالإنشاء) أى:
إلقاء الكلام الإنشائى وتقسيمه للطلب وغيره ظاهر؛ لأن الإلقاء عين الطلب فى الخارج وإن اختلفا مفهوما، فإن قلت: إن تقسيم المصنف فى أول الفن الكلام التام إلى الخبر والإنشاء يقتضى أن المراد بالإنشاء المقسم لما ذكره الكلام الإنشائى كالخبر لا إلقاء
стр. 1055
إن لم يكن طلبا كأفعال المقاربة، وأفعال المدح والذم، وصيغ العقود، والقسم، ورب؛ ونحو ذلك فلا يبحث عنها هنا لقلة المباحث البيانية المتعلقة بها، ولأن أكثرها فى الأصل أخبار ...
===
الكلام المذكور، وإلا لزم أن هذا الفن باحث عن غير أحوال اللفظ العربى؛ لأن الإلقاء من أحوال الشخص. قلت: المقصود هنا البحث عن أحوال إلقاء الكلام الإنشائى وهو يجر للبحث عن أحوال اللفظ العربى؛ لأن علل الإلقاء المذكور تجر إلى علل الملقى
(قوله: إن لم يكن طلبا إلخ) أشار بهذا إلى أن قسيم قول المصنف إن كان طلبا محذوف لعدم البحث عنه هاهنا
(قوله: كأفعال المقاربة) أى: كإلقاء أفعال المقاربة، وكذا يقال فيما بعده، وإنما احتيج لذلك؛ لأن الإلقاء المذكور هو الذى يصبح جعله قسما من الإنشاء بمعنى إلقاء الكلام الإنشائى، وقوله كأفعال المقاربة أى: كبعض أفعال المقاربة أى:
كبعض أفعال المقاربة، إذ الإنشاء إنما يظهر فى أفعال الرجاء وهى: عسى، وحرى، واخلولق- ولا يظهر فى غيرها من أفعال الشروع والمقاربة
(قوله: وأفعال المدح والذم) أى: كإلقاء نعم وبئس لإفادة المدح والذم
(قوله: وصيغ العقود) أى: كبعت لإنشاء البيع ونكحت لإنشاء التزوج، ولم يقل وأفعال: ليتناول المشتقات كأنا بائع وكالعقود الفسوخ
(قوله: والقسم) أى: وكإلقاء جملة القسم كأقسم بالله لإفادة إنشاء القسم
(قوله: ورب) أى وكإلقاء رب لإفادة إنشاء التكثير بناء على أنها للإنشاء باعتبار أنك إذا قلت مثلا: رب جاهل فى الدنيا فالمراد أنك تظهر كثرة الجاهلين ولا يعترضك تكذيب ولا تصديق فى ذلك الاستكثار، وإن كان يعترض باعتبار وجودهم فى الدنيا نظرا لمدلول قولك فى الدنيا، والحاصل أنه باعتبار نسبة الظرف إلى الجهال كلام خبرى يحتمل الصدق والكذب، وأما باعتبار استكثار المتكلم إياهم فلا يحتملهما؛ لأنه إنما استكثرهم ولم يخبر عن كثرتهم، لكن المتبادر أنها للإخبار وأن الغرض الإخبار بالكثرة لا مجرد إظهار الاستكثار، وحينئذ فيعترضه التصديق والتكذيب
(قوله: ونحو ذلك) مثل فعلى التعجب وكم الخبرية المفيدة لإنشاء التكثير
(قوله: لقلة المباحث البيانية المتعلقة بها) وذلك لقلة دورها على الألسنة، وقد أطلق البيان على ما يعم المعانى
(قوله: ولأن أكثرها)
стр. 1056
نقلت إلى معنى الإنشاء و (إن كان طلبا استدعى مطلوبا غير حاصل وقت الطلب) لامتناع طلب الحاصل فلو استعمل صيغ الطلب لمطلوب حاصل امتنع إجراؤها على معانيها الحقيقية، ...
===
أى: أكثر هذه الأشياء الإنشائية الغير الطلبية، والمراد بذلك الأكثر ما عدا أفعال الترجى والقسم
(قوله: نقلت إلى معنى الإنشاء) أى نقلت عن الخبرية إلى الإنشائية، وحينئذ فيستغنى بأداتها الخبرية عن الإنشائية؛ لأنها تنقل مستصحبة لما يرتكب فيها فى الخبرية.
(قوله: وإن كان طلبا استدعى إلخ) المناسب للمقابلة أن يقول: وإن كان طلبا فيبحث عنه هنا، ولذا قال: إن كان إلخ، والمراد بالطلب معناه الاصطلاحى أعنى: إلقاء الكلام المخصوص لا اللغوى الذى هو من فعل القلب- قاله الفنرى.
(قوله: استدعى مطلوبا) أى: استلزم مطلوبا أى: لأن الطلب نسبة بين الطالب والمطلوب، فطلبك بدون أن يكون لك مطلوب مما هو محال عند العقل، وأما كون غير المطلوب غير حاصل وقت الطلب فلما قال الشارح
(قوله: غير حاصل) أى: فى اعتقاد المتكلم فيدخل فيه ما إذا طلب شيئا حاصلا وقت الطلب لعدم علم المتكلم بحصوله
(قوله: وقت الطلب) لم يقل وقته لئلا يتوهم كونه فاعل حاصلا والضمير راجع للمطلوب، وقوله غير حاصل إلخ صفة لمطلوب أى اقتضى مطلوبا من وصفه أنه غير حاصل وقت الطلب سواء طلب حصوله فيما مضى كما فى تمنى حصول ما لم يحصل كقولك ليتنى جئتك بالأمس أو فى المستقبل وهو ظاهر
(قوله: لامتناع طلب الحاصل) فيه أن الممنوع تحصيل الحاصل لا طلب ذلك إلا أن يقال: المراد بالامتناع عدم اللياقة لا الامتناع العقلى- كذا قرر شيخنا، وهو مبنى على أن المراد بالطلب الطلب اللفظى الذى كلامنا فيه، ولك أن تحمله على الامتناع العقلى، ويراد بالطلب الطلب القلبى ولا شك أن طلب تحصيل الحاصل بالطلب القلبى محال؛ لأن الطلب القلبى: إما الإرادة أو المحبة والشهوة، والإرادة لا تتعلق بالواقع والشهوة فى حصول المشتهى لا تبقى بعد حصوله، وإنما تبقى شهوة دوامه، وإن أريد بالطلب القلبى الكلام النفسانى فهو تابع لأحد هذين وينتفى بانتفائهما
(قوله: لمطلوب) أى: لطلب مطلوب حاصل
(قوله: امتنع إجراؤها)
стр. 1057
ويتولد منها بحسب القرائن ما يناسب المقام.
[أنواع الإنشاء]:
[الطلب]:
(وأنواعه) أى: الطلب (كثيرة؛ منها: التمنى) وهو طلب حصول شىء على سبيل المحبة ...
===
أى: إجراء تلك الصيغ
(قوله: ويتولد منها) أى: من تلك الصيغ ما يناسب المقام كطلب دوام الإيمان والتقوى فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ (١) ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ (٢)، ثم إن الغرض من ذكر هذه المقدمة التى ذكرها المصنف التمهيد لبيان المعانى المتولدة من صيغ الطلب المستعملة فى مطلوب حاصل.
(قوله: وأنواعه كثيرة) هى على ما ذكره المصنف خمسة: التمنى والاستفهام والأمر والنهى والنداء، ومنهم من يجعل الترجى قسما سادسا، ومنهم من أخرج التمنى والنداء من أقسام الطلب بناء على أن العاقل لا يطلب ما يعلم استحالته، فالتمنى ليس طلبا ولا يستلزمه وأن طلب الإقبال خارج عن مفهوم النداء الذى هو صوت يهتف به الرجل وإن كان يلزمه- أ. هـ فنرى.
[ومن أنواع الطلب: التمني]:
(قوله: منها التمنى) قدمه لعمومه؛ لجريانه فى الممكن والممتنع، وعقبه الاستفهام بكثرة مباحثه، ثم بالأمر لاقتضائه الوجود، ثم بالنهى لمناسبته له فى الأحكام.
(قوله: وهو طلب إلخ) هذا يخالف مقتضاه سياق الشارح السابق وموافق لما قلناه سابقا من أن المراد الطلب القلبى- اللهم إلا أن يحمل الطلب فى التعريف على الطلب اللفظى وهو إلقاء الكلام، فكأنه قال: وهو إلقاء كلام يدل على حصول شىء إلخ، وقوله: وهو طلب حصول شىء أى: ولو على جهة النفى على سبيل المحبة إن قيل هذا التعريف غير مانع؛ لأن طلب حصول الشىء على سبيل المحبة موجود فى بعض أقسام الأمر والنهى وغيره
стр. 1058
(واللفظ الموضوع له: ليت ولا يشترط إمكان المتمنى) ...
===
مما معه المحبة، وبيان ذلك أن طلب حصول الشىء على سبيل المحبة إن كان مع طمع فى حصوله من المخاطب فأمر، وإن كان مع طمع فى الترك معه فنهى، إن كان مع الطمع فى إقباله فنداء، وإن لم يكن طمع أصلا فهو التمنى فهذا تعريف بالأعم، وهو وإن أجازه بعض المتقدمين، لكن الأكثر من الناس على منعه قلت المحبة هنا الواقعة فى التعريف مقيدة بالتجرد عن الطمع، وحينئذ فتخرج الأوامر والنواهى والنداآت التى وجدت المحبة فيها، فإنها مصحوبة بالطمع، أو أن المراد بقوله على سبيل المحبة أى: على طريق يفهم منه المحبة أو أن قيد الحيثية المعتبر فى التعريف يكفى فى دفع النقض، إذ المعنى طلب حصول الشىء من حيث إنه محبوب، ولذا يطلب المحال وهذا يخرج الأوامر والنواهى والنداء؛ لأنها ليست طلبا لحصول الشىء من حيث إنه محبوب، بل من حيث قصد وجوده أو عدم وجوده أو إقباله- تأمل.
(قوله: واللفظ الموضوع له) أى: للتمنى بالمعنى المصدرى أعنى: إلقاء كلامه كما فى سياق كلام الشارح، والمعنى واللفظ الموضوع لأجل إلقائه وإيجاد كلام التمنى ليت، فاللام فى قوله له للتعليل لا صلة للموضوع؛ لأن ليت لم توضع لفعل المتكلم الذى هو إلقاء كلام التمنى، وإنما وضعت لنفس التمنى الذى هو الحالة القلبية أعنى:
الطلب القلبى المتعلق بالنسبة، فإذا قيل: ليت لى مالا استفيد منه أن المتكلم تمنى وجود المال وليس إخبارا عن وجود التمنى مثل قولك: أتمنى ونحوه وإلا كانت ليت جملة، بل هى حرف تصير به نسبة الكلام إنشاء بحيث لا يحتمل الصدق والكذب، وتفيد أن المتكلم طالب لتلك النسبة، وحينئذ فلا يقال للمتكلم بقولنا: ليت لى مالا أحج به إنه صادق أو كاذب فى نسبة الثبوت للمال؛ لأنه متمن لتلك النسبة لا حاك لتحققها فى الخارج، وإن كانت باعتبار ما وضعت له مستلزمة لخبر وهو أن هذا المتكلم يتمنى تلك النسبة، ولهذا يقال: الإنشاء يستلزم الإخبار.
(قوله: ولا يشترط) أى: فى صحة التمنى
(قوله: إمكان المتمنى) أى: إمكانه لذاته بأن يكون جائز الوجود والعدم، بل يصح مع استحالته لذاته، وأما وجوبه فقد
стр. 1059
بخلاف المترجى (تقول: ليت الشباب يعود) ولا تقول: لعله يعود، لكن إذا كان المتمنى ممكنا يجب أن لا يكون لك توقع وطماعية فى وقوعه، وإلا لصار ترجيا
===
تقدم أن الحاصل يستحيل طلبه والواجب حاصل
(قوله: بخلاف المترجى) أى: فإنه يشترط إمكانه كما أن الأمر والنهى والاستفهام والنداء يشترط فيها أن يكون المطلوب ممكنا فلا تستعمل صيغها إلا فيما كان كذلك- كما قال بعضهم، ولعل مراده أن الأصل ذلك وإلا فالأمر بالمحال، بل التكليف به واقع، ثم إن قوله بخلاف المترجى يقتضى أن بين التمنى والترجى مشاركة فى مطلق الطلب، وأنه لا فارق بينهما إلا اشتراط إمكان المترجى دون اشتراط إمكان المتمنى- وليس كذلك، إذ الترجى ليس من أقسام الطلب على التحقيق، بل هو ترقب الحصول.
قال الشيخ يس: إن كان المراد بالإمكان المنفى اشتراطه فى المتمنى الإمكان الخاص الذى هو سلب الضرورة عن الجانبين فهذا باطل؛ لأنه حين نفى اشتراطه صدق بالواجب، مع أنه لا يقع فيه التمنى- فلا يقال: ليت الله عالم، ولا ليت الإنسان ناطق ويصدق بالممتنع ويقع فيه التمنى، وإن كان المراد به الإمكان العام وهو سلب الضرورة عن الجانب المخالف للنسبة، فكذلك يصدق بالواجب؛ لأن نفى اشتراط العام يستلزم نفى اشتراط الخاص؛ لأن نفى الأعم يستلزم نفى الأخص، والحاصل أنه يرد على كل من الاحتمالين أنه يصدق بالواجب مع أنه لا يتمنى، وقد يقال: المراد الإمكان الخاص ولا يرد على الاحتمالين أنه يصدق بالواجب لخروجه بقوله قبل غير حاصل وقت الطلب- تأمل.
(قوله: تقول) أى: فى التمنى ليت الشباب يعود أى: مع أن عوده محال عادة- كذا فى ابن يعقوب، وهو مبنى على أن المراد بالشباب قوة الشبوبية، فإن عودها بالنوع محال عادة ممكن عقلا، وفى عبد الحكيم: أن الشباب عبارة عن زمان ازدياد القوى النامية- كما مر فى المجاز العقلى، وإعادة الزمان محال عقلا لاستلزامه أن يكون للزمان زمان
(قوله: يجب أن لا يكون إلخ) لما تقدم أن المتمنى يجب أن لا يكون فيه طماعية
(قوله: وإلا لصار ترجيا) أى وإلا بأن كان هناك طماعية فى الوقوع صار ترجيا، وحينئذ
стр. 1060
(وقد يتمنى بهل؛ نحو: هل لى من شفيع؛ حيث يعلم أن لا شفيع) لأنه حينئذ يمتنع حمله على حقيقة الاستفهام لحصول الجزم بانتفائه. والنكتة فى التمنى بهل، والعدول عن ليت- هو إبراز المتمنى ...
===
لا يستعمل فيه إلا الألفاظ الدالة على الترجى: كلعل وعسى مثلا إذا كنت تطلب حصول مال فى العام متوقعا وطامعا فى حصوله، قلت: لعل لى مالا فى هذا العام أحج به، وإن كان غير متوقع ولا طماعية لك فيه- قلت: ليت لى مالا- كذا قرر شيخنا العدوى، وفى الفنرى: أنه إذا كان الأمر الممكن متوقعا يستعمل فيه: لعل، وإن كان مطموعا فيه تستعمل فيه: عسى، والفرق بين التوقع، والطمع- أن الأول أبلغ من الثانى، ولذا أخر الطماعية عن التوقع. اهـ كلامه.
ويؤخذ من قول الشارح لكن إن كان إلخ: التباين بين التمنى والترجى؛ لأنهما وإن اشتركا فى طلب الممكن، لكنهما متمايزان بما ذكره وعلى ما فى المطول وهو التحقيق من أن الترجى ليس بطلب، بل هو ترقب الحصول يكون التباين بينهما أظهر والطماعية بتخفيف الياء ككراهية مصدر يقال: طمع فيه طمعا وطماعية.
(قوله: وقد يتمنى بهل) أى: على سبيل الاستعارة التبعية بأن شبه التمنى المطلق بمطلق استفهام بجامع مطلق الطلب فى كل شىء، فسرى التشبيه للجزئيات، فاستعيرت هل الموضوعة للاستفهام الجزئى للتمنى الجزئى أو على سبيل المجاز المرسل من استعمال المقيد فى المطلق، ثم استعماله فى المقيد بيان ذلك أن هل لطلب الفهم، فاستعملت فى مطلق الطلب، ثم استعملت فى طلب حصول الشىء المحبوب من حيث اندراجه تحت المطلق فيكون مجازا بمرتبة أو من حيث خصوصه فيكون مجازا بمرتبتين لخروجه بقوله قبل غير حاصل وقت الطلب- تأمل.
(قوله: حيث يعلم إلخ) حيث ظرف لمحذوف أى: وإنما يقال هذا لقصد التمنى حيث يعلم إلخ، وهذا إشارة لقرينة المجاز
(قوله: لأنه حينئذ) أى: حين يعلم أنه لا شفيع وقوله لحصول الجزم بانتفائه أى: والاستفهام يقتضى عدم الجزم بالانتفاء، بل الجهل بالشىء فلو حمل على الاستفهام الحقيقى لحصل التناقض، والحاصل أنه حيث كان يعلم
стр. 1061
لكمال العناية به فى صورة الممكن الذى لا جزم بانتفائه (و) قد يتمنى (بلو؛ نحو:
لو تأتينى فتحدثنى؛ بالنصب) على تقدير: فأن تحدثنى؛ ...
===
أنه لا شفيع يطمع فيه لا يصح حمل الكلام على الاستفهام المقتضى لعدم العلم بالمستفهم عنه ثبوتا أو نفيا، فحمل الكلام على الاستفهام يؤدى إلى التناقض فتعين الحمل على التمنى، وقد يقال: هذا إنما يفيد عدم صحة حمل الكلام على الاستفهام، وأما حمله على خصوص التمنى فيفتقر إلى قرينة أخرى معينة له، ولا تكفى الصارفة، بدليل أن مثل هذا الكلام يقال: عند العلم بنفى الشفيع لمجرد التحسر والتحزن، فإنه يقال: ما أعظم الحزن لنفى الشفيع، ولك أن تقول: لما كان التحسر والتحزن على نفى الشىء الذى لا يطمع فيه الآن ولا فى المستقبل يستلزم كون الموصوف بذلك يتمنى ما فات والألم يتحزن عليه كان ذلك الكلام تمنيا فى المعنى، ولو أمكن أن يقصد معه التحزن، فصح التمثيل لمجرد ما ذكر
(قوله: لكمال العناية به) أى: لإظهار الرغبة فيه
(قوله: فى صورة الممكن إلخ) أى: والممكن الذى لا جزم بانتفائه حاصل مع الاستفهام؛ لأن المستفهم عنه لا بد أن يكون ممكنا لا جزم بانتفائه بخلاف المتمنى؛ فإنه قد يكون مجزوما بانتفائه وإن كان ممكنا.
(قوله: وقد يتمنى بلو) أى: على طريق التجوز؛ لأن أصل وضعها الشرطية والتجوز فيها مثل ما تقدم فى هل، ولم يذكر الشارح نكتة العدول عن التمنى بليت إلى التمنى بلو كما ذكر فى هل، وقد يقال: إن نكتته الإشعار بعزة متمناه حيث أبرزه فى صورة ما لم يوجد؛ لأن لو بحسب أصلها حرف امتناع لامتناع- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: نحو لو تأتينى فتحدثنى) أى: ليتك تأتينى فتحدثنى
(قوله: بالنصب) أى:
بنصب تحدثنى بأن مضمرة بعد الفاء فى جواب التمنى، وأما تأتينى فهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل والفعل المنصوب فى تأويل مصدر معطوف على مصدر متوهم والمعنى أتمنى إتيانا منك فتحديثا لى، وسمى ما بعد الفاء جوابا، والحال أنه فى تأويل مفرد نظرا لمعنى الكلام؛ لأن المعنى إن وقع منك إتيان فإنه يقع تحديث فقد تضمن الكلام جواب
стр. 1062
فإن النصب قرينة على أن لو ليست على أصلها؛ إذ لا ينصب المضارع بعدها بإضمار أن، وإنما يضمر بعد الأشياء الستة، والمناسب هاهنا هو التمنى، قال (السكاكى: كأن حروف التنديم والتحضيض؛ وهى: هلا، وألا؛ بقلب الهاء همزة، ولولا، ولوما؛ ...
===
شرط اقتضاه المعنى
(قوله: فإن النصب قرينة إلخ) أى: قرينة لفظية والظاهر أنه لو رفع الفعل بعدها إن كان هناك قرينة تدل على التمنى عمل بها وإلا فلا
(قوله: ليست على أصلها) أى: وهو الشرطية والتعليق
(قوله: بعد الأشياء الستة) وهى الاستفهام والتمنى والعرض ودخل فيه التحضيض لقربه منه والأمر والنهى والنفى، وأما الترجى فساقط؛ لأنه لا ينتصب فى جوابه عند البصريين، بل عند الكوفيين والدعاء داخل فى الأمر والنهى، فاندفع ما يقال: إن الأشياء التى ينصب المضارع بعد الفاء بأن فى جوابها تسعة لا ستة
(قوله: والمناسب هاهنا هو التمنى) أى: والأولى بالحمل عليه هنا فى المثال هو التمنى دون غيره من هذه الأشياء، وذلك لشيوع استعمال لو لذلك؛ لأنها فى الأصل تدخل على المحال والممنوع والمحال يتمنى كثيرا، وإن احتملت الاستفهام والنفى، لكن الأكثر شيوعا التمنى والحمل على الشائع أولى وما استفيد من كلام المصنف من أن المضارع ينصب فى جواب التمنى بلو- نقل السيوطى فى النكت عن ابن هشام عن السفاقسى خلافه، ثم إن المستفاد من كلام الشارح أن لو التمنية هى لو الشرطية إلا أنها أشربت معنى التمنى، وحينئذ فلا بد لها من جواب، لكنه التزم حذفه، وعليه فإذا قيل لو تأتينى فتحدثنى فالمعنى لو حصل ما يتمنى وهو الإتيان، فالتحديث لسرنا ذلك وقيل: إنها نقلت من الشرط للتمنى مستقلة من غير أن يبقى فيها معنى الشرطية، وقيل: إنها هى التى تستعمل مصدرية، وعلى هذين القولين فلا جواب لها لخروجها عن معنى الشرطية والتعليق، والخلاف مبسوط فى كتب النحو.
(قوله: كأن حروف إلخ) الأولى أحرف بصيغة جمع القلة إلا أن يقال: إنه مبنى على أن مبدأ جمع الكثرة من ثلاثة، وأورد لفظ كأن لعدم الجزم بما ذكره من التركيب لجواز أن يكون كل كلمة برأسها؛ لأن التصرف فى الحروف بعيد وسميت حروف التنديم؛
стр. 1063
مأخوذة منهما) خبر كأن؛ أى: كأنها مأخوذة من هل ولو اللتين للتمنى حال كونهما: (مركبتين مع لا وما المزيدتين لتضمينهما) ...
===
لأنها إذا دخلت على الفعل الماضى أفادت جعل المخاطب نادما على ترك الفعل وسميت حروف التحضيض؛ لأنها إذا دخلت على المضارع أفادت حض المخاطب وحثه على الفعل
(قوله: مأخوذ منهما مركبتين) الضمير فى منهما لهل ولو ومركبتين حال من الضمير المجرور بمن كما أشار له الشارح، وقوله: مع لا وما ظرف لقوله مركبتين، وذلك بأن ضمت لا مع هل فصارت هلا، ثم أبدلت الهاء همزة فصارت ألا وضمت مع لو فصارت لولا فحصل من التركيب مع لا ثلاثة أحرف وضمت ما مع لو فصارت لوما فلا تكون مع هل ومع لو وما تكون مع لو خاصة، لكن قد اشتهر أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضى انقسام الآحاد على الآحاد كما فى ركب القوم دوابهم، والأمر هنا ليس كذلك، ووزان هذا التركيب الواقع فى المتن أن تقول أكل الزيدان مع عمرو وبكر على معنى أن عمرا صاحب كلا من الزيدين فى الأكل، وإن بكرا صاحب أحدهما فقط، وقد يقال: إن ما اشتهر هذا أمر أغلبى لا كلى فلا منع فى مخالفته- كما صرح بذلك حواشى الأشمونى، واعترض على المصنف بأن هذه الحروف إنما أخذت من هل ولو قبل التركيب لا فى حالة التركيب؛ لأنه يلزم عليه اتحاد المأخوذ والمأخوذ منه؛ لأنه قيد المأخوذ منه بالتركيب المذكور فالمأخوذ هلا وألا ولولا ولوما والمأخوذ منه هل ولو فى حال تركيبهما مع لا وما المزيدتين وذلك بعينه: هلا وألا ولولا ولو ما فيتحد المأخوذ والمأخوذ منه، ولا يخفى فساده؛ لأن فيه أخذ الشىء من نفسه، وأجيب بأن قوله مركبتين حال مقدرة والمعنى أنها مأخوذة من لو وهل حال كونهما مقدرتى التركيب مع ذكر لا حال محققة بحيث يكون المعنى أنها مأخوذة منهما حال كونهما مركبتين عند الأخذ- كذا فى الفنرى ورد بأنه لا حصول لهذه الكلمات فى حال التقدير، فالأولى ما أجاب به سم: بأن معنى كلام المصنف أن هذه الأربعة حال كون كل منها مجعولا كلمة واحدة لمعنى واحد مأخوذة من نفسها حال كونها غير مجعولة كذلك، بل حال كونها كلمتين فتغايرا بهذا الاعتبار وهو معنى قول عبد الحكيم: إن المأخوذ الكلمات
стр. 1064
علة لقوله: مركبتين، والتضمين: جعل الشىء فى ضمن الشىء، تقول ضمنت الكتاب ...
===
الأربعة والمأخوذ منه هل ولو حال التركيب مع لا وما لا بعده فلم يتحد المأخوذ والمأخوذ منه على ما وهم، والعجب الجواب بجعل الحال مقدرة مع أنه لا حصول لهذه الكلمات فى حال التقدير. اهـ.
والحاصل أنه على الجواب الأول المأخوذ محقق التركيب بالفعل والمأخوذ منه مقدر التركيب، وعلى الجواب الثانى المأخوذ مركب تركيبا جعل فيه الكلمات كلمة واحدة بمعنى واحد والمأخوذ منه مركب تركيبا ليس بهذه المثابة، بل هو ضم إحدى الكلمتين إلى أخرى- فتأمل.
(قوله: علة لقوله مركبتين) أى: فالمعنى أن تركب هل ولو مع ما ذكر إنما هو لأجل تضمينهما أى: جعلهما متضمنتين أى: مشتملتين دالتين على معنى التمنى، فالمراد بالتضمين هنا جعل الشىء مدلولا للفظ لا جعله جزء من المدلول الذى هو التضمن اصطلاحا، ونظير ذلك قولك: ضمنت هذا الكتاب كذا كذا بابا، فليس المراد أنى جعلت الأبواب جزءا من أجزاء الكتاب، بل جعلت الأبواب نفس أجزاء الكتاب لا مع زائد عليها، فإن قلت أن معنى التمنى حاصل قبل التركيب فكيف يكون علة غائية وغرضا من التركيب مع أن الغرض والعلة الغائية لا يسبقان ما ترتبا عليه أجيب بأن المراد بتضمينهما معنى التمنى على جهة النص واللزوم، فالتمنى مدلول لهما قبل التركيب على جهة الجواز وبعده على جهة الوجوب بمعنى أنهما قبل التركيب يجوز أن يراد بهما التمنى بخلافهما بعده فإنه معناهما نصا فكان التركيب قرينة على ذلك، وربما كان تعبير المصنف بالمصدر المضاف للمفعول مشيرا لقصد هذا المعنى؛ لأن تضمينهما التمنى إلزامهما إياه أى جعلهما ملزومين بإفادته ولم يعبر بالتضمن بحيث يكون المصدر مضافا للفاعل لئلا يوهم أن تضمنهما معنى التمنى بعد التركيب ليس بلازم كما كان فى الأصل؛ لأن التضمن عبارة عن الاشتمال كان هناك إلزام أو لا بخلاف التضمين فإنه الإلزام كما عرفت
(قوله: جعل الشىء فى ضمن الشىء) أى: محتويا عليه ومفيدا له
стр. 1065
كذا كذا بابا إذا جعلته متضمنا لتلك الأبواب؛ يعنى: أن الغرض المطلوب من هذا التركيب والتزامه هو جعل هل ولو متضمنتين (معنى التمنى ليتولد) علة لتضمينهما؛ يعنى: أن الغرض من تضمينهما معنى التمنى ليس إفادة التمنى، بل أن يتولد (منه) أى: من معنى التمنى المتضمنين هما إياه (فى الماضى التنديم؛ ...
===
(قوله: كذا كذا بابا) أى: أحد عشر بابا مثلا أو إثنى عشر وكذا الثانية توكيد للأولى
(قوله: إذا جعلته متضمنا لتلك الأبواب) أى: مشتملا عليها من اشتمال الكل على أجزائه
(قوله: والتزامه) هو بالجر عطف على التركيب أى: الاعتراف به والقول به مع أن الأصل فى كل كلمة أن تكون بسيطة، ويحتمل أن المراد بالتزامه جعله لازما وأخذ الشارح هذا من القيد أعنى: الحال، فإنها قيد وشأن القيد اللزوم- كذا قرره شيخنا العدوى.
(قوله: متضمنتين) أى: مستلزمتين
(قوله: معنى التمنى) الإضافة بيانية
(قوله: ليس إفادة التمنى) فالتمنى ليس مقصودا بالذات، بل ليتوصل به إلى التنديم والتحضيض
(قوله: بل أن يتولد إلخ) فإن قلت ما المانع من جعل تركيبهما للتحضيض والتنديم من أول الأمر من غير توسط التمنى قلت: لو لم يضمنا معنى التمنى بعد التركيب للزم بناء مجاز على مجاز وهو ممنوع عند بعضهم وهذا منفى عند التضمين المذكور؛ لأن التمنى بالوضع التركيبى معنى حقيقى لهما بالوضع الثانى، وأجيب أيضا: بأن التنديم متعلق بالمضى والتحضيض بالمستقبل وهما مختلفان، فارتكب معنى التمنى واسطة؛ لأنه طلب فى المضى والاستقبال ليكون كالجنس لهما فيكون استعمال هذين الحرفين فى هذين المعنيين كاستعمال الكلى فى إفراده فيكون فى الحروف شبه تواطؤ، ولو جعل الحرفان المذكوران من أول الأمر للتنديم والتحضيض لاقتضى أنهما موضوعان لكل منهما بالاشتراك والتواطؤ أقرب من الاشتراك؛ لأن الأصل عدم تعدد الوضع، وإنما قلنا شبه إلخ؛ لأن التواطؤ الحقيقى إنما يتصور فى غير الحروف
(قوله: المتضمنين) بصيغة اسم الفاعل صفة للتمنى جرت على غير من هى له فلذا أبرز الضمير ولو قال أى: من معنى التمنى الذى تضمنتاه لكان أوضح
(قوله: فى الماضى) أى: مع الفعل الماضى
(قوله: التنديم)
стр. 1066
نحو: هلا أكرمت زيدا) ولو ما أكرمته؛ على معنى: ليتك أكرمته؛ قصدا إلى جعله نادما على ترك الإكرام (وفى المضارع التحضيض؛ نحو: هلا تقوم) ولو ما تقوم على معنى: ليتك تقوم؛ قصدا إلى حثه على القيام. والمذكور فى الكتاب ليس عبارة السكاكى؛ لكنه حاصل كلامه. وقوله: لتضمينهما مصدر مضاف إلى المفعول الأول، ومعنى التمنى مفعوله الثانى، ووقع فى بعض النسخ: لتضمنهما على لفظ التفعل؛ وهو ...
===
أى: جعل المخاطب نادما ووجه التولد أن التمنى إنما يكون فى الأمور المحبوبة، فإذا فات الأمر المحبوب له ندم المخاطب عليه وإن كان مستقبلا حضه عليه، فإن قلت: إن محبة المتكلم للشىء لا تقتضى تنديم المخاطب عليه فكيف يتولد من طلب المحبوب التنديم- قلت: إن المتكلم إنما يحث المخاطب على الشىء لأجل شفقته عليه، فإذا ترك المخاطب ما هو محبوب للمتكلم ندمه عليه شفقة عليه- وكذا يقال فى التحضيض.
(قوله: نحو هلا أكرمت زيدا) أى: نحو قولك لمخاطبك بعد فوات إكرامه زيدا
(قوله: على معنى) أى: بمعنى ليتك أكرمته؛ وذلك لأن الفعل بعد فوات وقته لا يمكن طلب فعله فى وقته حقيقة نعم يمكن تمنيه لصيرورته محال، ولما فات وقت إمكانه مع ما فيه من الحكمة المقتضية للفعل المعلومة للمخاطب صار فى الكلام إشارة إلى أنه كان مطلوبا من المخاطب فعله فيصير المخاطب بسماع هذا الكلام المفيد لهذا المعنى نادما فقوله على معنى إلخ: إشارة إلى أصل التمنى، وقوله قصدا إلخ إشارة إلى تولد التنديم
(قوله: وفى المضارع) أى: ويتولد منه مع الفعل المضارع وكان المناسب أن يقول وفى المستقبل؛ لأن صيغة المضارع مع هذه حروف تحتمل الحال والاستقبال والتحضيض إنما يكون فى المستقبل، وأيضا صيغة المضارع إذا كانت بمعنى الماضى كانت تلك الحروف معها للتنديم
(قوله: التحضيض) أى: الحث على الفعل لإمكان وجوده
(قوله: نحو هلا تقوم إلخ) أى: نحو قولك فى حض المخاطب على القيام هلا تقوم
(قوله: على معنى) أى: بمعنى ليتك تقوم، وهذا إشارة إلى أصل التمنى، وقوله قصدا إلخ: إشارة إلى تولد التحضيض
(قوله: فى الكتاب) أى: المتن
(قوله: مصدر مضاف إلخ) أى: وتقدير الكلام
стр. 1067
لا يوافق معنى كلام المفتاح وإنما ذكر هذا بلفظ كأن لعدم القطع بذلك (وقد يتمنى بلعل فتعطى حكم ليت) وينصب فى جوابه المضارع على إضمار أن (نحو:
لعلى أحج فأزورك بالنصب؛ لبعد المرجو عن الحصول) ...
===
لتضمين المتكلم هل ولو معنى التمنى أن لإلزامهما إفادة، ذلك لأن التضمين هو الإلزام
(قوله: لا يوافق معنى كلام المفتاح) أى: لأن التضمن عبارة عن الاشتمال، سواء كان على وجه الإلزام، أو لا وصاحب المفتاح عبر بالإلزام حيث قال مطلوبا بإلزام التركيب التنبيه على إلزام هل ولو معنى التمنى- كذا قرر بعضهم، وعبارة يس: عدم الموافقة من جهة أن صيغة التفعل تقتضى أن هلا ولولا يدلان على أمر زائد على التمنى بطريق الوضع- وليس كذلك، بل هما لا يدلان بطريق الوضع إلا على التمنى كما يدل عليه كلام المفتاح، ويحتمل أن عدم الموافقة من جهة أن كلام المفتاح يدل على أن دلالة هل ولو على التمنى بفعل فاعل وجعل جاعل، فيوافق النسخة التى فيها التضمين على لفظ التفعيل؛ لأن الإلزام فى كلامه فعل الملزم وهو المتكلم بخلاف التضمن على وزن التفعل، فإنه يقتضى أن دلالتهما على التمنى أمر ذاتى لا بفعل فاعل، فلا تكون هذه النسخة موافقة لكلام المفتاح
(قوله: لعدم القطع بذلك) أى: بالأخذ المذكور المقتضى لتركيبها لجواز أن يكون كل كلمة برأسها؛ لأن التصرف فى الحروف بعيد
(قوله: وقد يتمنى بلعل) التى هى موضوعة للترجى وهو ترقب حصول الشىء سواء كان محبوبا، ويقال له طمع نحو: لعلك تعطينا، أو مكروها ويقال له إشفاق نحو: لعلى أموت الساعة، فليس الترجى من أنواع الطلب فى الحقيقية؛ لأن المكروه لا يطلب
(قوله: وينصب فى جوابه المضارع إلخ) بيان لإعطائه حكم ليت، فلو استعملت لعل فى موضعها الأصلى وهو الترجى لم ينصب المضارع بعدها، ثم إن نصب المضارع بعد لعل لا يدل على أنها مستعملة فى التمنى إلا على مذهب البصريين الذين لا ينصبون المضارع فى جواب الترجى، إذ لا جواب له عندهم لا على مذهب الكوفيين الذين يثبتون له جوابا ويجوزون نصب المضارع فى جوابه
(قوله: لبعد المرجو) أى: وإنما يتمنى بلعل إذا كان المرجو كالحج فى المثال المذكور بعيد الحصول فاللام فى قوله لبعد المرجو متعلقة بقوله
стр. 1068
وبهذا يشبه المحالات والممكنات التى لا طماعية فى وقوعها فيتولد منه معنى التمنى.
(ومنها) أى: من أنواع الطلب (الاستفهام) وهو طلب حصول صورة الشىء فى الذهن، ...
===
يتمنى بلعل كما يدل عليه كلام الشارح بعد
(قوله: وبهذا) أى: وبسبب هذا البعد أشبه ذلك المرجو البعيد الحصول المحال بجامع عدم الحصول فى كل
(قوله: فيتولد منه) أى:
من ذلك البعد أو الشبه المذكور معنى التمنى لما مر من أنه طلب محال أو ممكن لا طمع فى وقوعه، فقد ظهر لك من هذا أن التمنى فى هل ولو معنى مجازى وفى لعل من مستتبعات التركيب وليس معنى مجازيا لها- كذا فى عبد الحكيم، والحاصل أن لعل مستعملة فى مرجو شبيه بالتمنى فى البعد، فتولد من ذلك الشبه تمنيه.
[ومن أنواع الطلب: الاستفهام]:
(قوله: طلب حصول صورة الشىء فى الذهن) أى: طلب حصول صورة الشىء المستفهم عنه فى ذهن المستفهم، وفى هذا التعريف إشارة إلى أن السين والتاء فى الاستفهام للطلب أى: طلب الفهم وأن الفهم هو العلم؛ لأن الحصول هو الإدراك، واعترض هذا التعريف بأنه غير مانع؛ وذلك لأنه يشمل مثل علمنى على صيغة الأمر فإنه دال على طلب حصول صورة فى الذهن، مع أنه أمر لا استفهام فكان على الشارح أن يزيد بأدوات مخصوصة ليخرج نحو: علمنى وفهمنى، وأجيب بأنه تعريف بالأعم، أو أن الإضافة للعهد أى: طلب معهود وهو ما كان بالأدوات المخصوصة، أو أن أل فى الذهن عوض عن المضاف إليه أى: فى ذهن المتكلم، وأما علم وفهم فإن كلا منهما يدل على طلب حصول صورة فى أى: ذهن كان، ولا يقال: إن علمنى، وكذا فهمنى يدل على طلب حصول صورة فى ذهن المتكلم؛ لأن هذا ليس من صيغة علم وفهم، بل من الإتيان بضمير المتكلم، وأجاب الحفيد بجواب آخر، وحاصله أن المقصود بالذات فى الاستفهام المعلوم من حيث صورته المسماة بالوجود الظلى أى: الذهنى لا المعلوم من حيث ذاته فقولك: هل قام زيد المقصود بذلك الاستفهام حصول صورة القيام فى الذهن لتعذر وجوده فيه والمقصود بالذات فى الأمر المذكور هو العلم من حيث ذاته،
стр. 1069
فإن كانت وقوع نسبة بين أمرين أولا وقوعها- فحصولها هو التصديق، ...
===
لا من حيث صورته؛ لأن المقصود به حصول نفس العلم فى الذهن، والحاصل أن المراد بالصورة فى تعريف الاستفهام المعلوم من حيث صورته، وفى ذلك الأمر العلم من حيث ذاته، وحينئذ فلا شمول، وهذا نظير اختلاف أهل الميزان فى أن المترتب على النظر بطريق الأصالة هل هو المعلوم أو العلم، فذهب بعض إلى الأول والعلم بطريق التبعية، وذهب آخرون إلى الثانى، والمعلوم بطريق التبعية وهذا مبنى على مغايرة العلم للمعلوم وذهب الحكماء إلى أن العلم عين المعلوم، حيث فسروا العلم بحصول الصورة، وجعلوا الإضافة من قبيل إضافة الصفة للموصوف أى: الصورة الحاصلة، وفرق السكاكى فى المفتاح بفرق آخر بين الاستفهام والأمر، وهو أن المقصود فى الأمر حصول ما فى الذهن فى الخارج والمقصود فى الاستفهام حصول ما فى الخارج فى الذهن، لكن خصوص الفعل فى هذا المثال وهو علمنى اقتضى حصول أثره فى الذهن لكون الفعل أمرا، فالمقصود من قولك هل قام زيد حصول القيام الذى فى الخارج فى الذهن، والمقصود من قولك قم حصول القيام الذى فى الذهن فى الخارج وحاصل هذا الفرق أن الاستفهام طلب حصول صورة الشىء الذى فى الخارج فى الذهن، وحينئذ فلا شمول وعبارته فى المفتاح، والفرق بين الطلب فى الاستفهام والطلب فى الأمر والنهى والنداء واضح، فإنك فى الاستفهام تطلب ما هو فى الخارج ليحصل فى ذهنك نقش مطابق له وفيما سواه تنقش فى ذهنك، ثم تطلب أن يحصل له فى الخارج مطابق فنقش الذهن فى الأول تابع، وفى الثانى متبوع، وتبعه على ذلك العلامة السيد فى حواشى المطول، وفيه نظر؛ لأن صيغة الأمر لطلب حصول أمر مطلقا سواء كان فى الذهن كعلمنى أو الخارج كقم فيدخل فى الاستفهام بعض صور الأمر فالمعول عليه الفرق الأول. اهـ غنيمى.
(قوله: فإن كانت) أى: الصورة التى طلب حصولها فى الذهن
(قوله: وقوع نسبة بين أمرين) المراد بوقوعها مطابقتها للواقع، ونفس الأمر كما أن المراد بلا وقوعها عدم مطابقتها للواقع
(قوله: فحصولها) أى: إدراكها أى: فإدراك تلك الصورة التى هى مطابقة النسبة للواقع تصديق.
стр. 1070
وإلا فهو التصور (والألفاظ الموضوعة له: الهمزة، وهل، وما، ومن، وأى، وكم، وكيف، وأين، وأنى، ومتى، وأيان. فالهمزة لطلب التصديق) أى: انقياد الذهن وإذعانه لوقوع نسبة تامة بين الشيئين (كقولك: ...
===
(قوله: وإلا فهو تصور) أى: وإلا تكن الصورة وقوع نسبة أو لا وقوعها، بل كانت تلك الصورة موضوعا أو محمولا أو نسبة مجردة أو اثنتين من هذه الثلاثة أو الثلاثة فحصولها أى: إدراكها تصور فتحصل من كلامه أن التصديق إدراك مطابقة النسبة الكلامية للواقع أو عدم مطابقتها وأن التصور إدراك الموضوع أو المحمول أو النسبة أو اثنين من هذه الثلاثة أو الثلاثة، ثم إن هذا التقسيم الذى ذكره الشارح مبنى على أن المراد بالصورة فى التعريف المعلوم كما سبق وهو ما ذكره فى حاشية المطالع؛ لأن الوقوع واللاوقوع من قبيل المعلوم، ولذلك قال بعد ذلك فحصولها تصديق، وذهب بعضهم إلى أن تلك الصورة هى العلم بناء على أنه لا تفاوت بين العلم والمعلوم إلا بالاعتبار، فالصورة من حيث وجودها فى الذهن علم ومن حيث وجودها فى الخارج معلوم، وهذا مذهب الحكماء كما مر
(قوله: الهمزة وهل إلخ) اعلم أن هذه الألفاظ على ثلاثة أقسام منها ما يستعمل لطلب التصور فقط، ومنها ما يستعمل لطلب التصديق فقط ومنها ما يستعمل لطلب التصور تارة ولطلب التصديق تارة أخرى، فالقسم الثالث هو الهمزة، والقسم الثانى هل، والقسم الأول بقية الألفاظ وبهذا الاعتبار صارت الهمزة أعم، فلذا قدمها المصنف على غيرها
(قوله: وإذعانه لوقوع نسبة إلخ) عطف الإذعان على انقياد الذهن عطف تفسير، والمراد بالإذعان لوقوع النسبة إدراك وقوعها أو اللاوقوعها، فكأنه قال الهمزة لطلب التصديق الذى هو إدراك وقوع نسبة تامة بين شيئين أو اللاوقوعها أى: إدراك موافقتها لما فى الواقع أو عدم موافقتها له، وتفسير الإذعان بالإدراك هو مذهب المناطقة، وأما عند المتكلمين فهو قبول النفس للشىء والرضا به فهو يرجع لكلام نفسانى وهو قول النفس قبلت ذلك ورضيت به، واعلم أن إدراك وقوع النسبة أو اللاوقوعها كما يسمى تصديقا يسمى حكما وإسنادا وإيقاعا وانتزاعا وإيجابا وسلبا وقرره شيخنا العدوى.
стр. 1071
أقام زيد؟ ) فى الجملة الفعلية (وأزيد قائم؟ ) فى الاسمية (أو) لطلب (التصور) أى:
إدراك غير النسبة (كقولك) ...
===
(قوله: أقام زيد) أن فقد تصورت القيام وزيدا والنسبة بينهما، وسألت عن وقوع النسبة بينهما هل هو محقق خارجا أو لا فإذا قيل قام حصل التصديق، والحاصل أن السائل عالم بأن بينهما نسبة ملتبسة بالوقوع أو اللاوقوع ويطلب تعيين ذلك، وكذا يقال فى المثال الثانى
(قوله: فى الاسمية) لكن دخول الهمزة على الجملة الفعلية أكثر
(قوله: غير النسبة) الأولى غير وقوع النسبة أو لا وقوعها، وذلك كإدراك الموضوع والمحمول والنسبة التى هى مورد الإيجاب والسلب وإنما كان الأولى ما قلناه؛ لأن كلامه يفيد أن إدراك النسبة من حيث ذاتها ليس تصورا مع أنه تصور، إلا أن يقال: المراد غير النسبة من حيث وقوعها أو اللاوقوعها فدخل فيه إدراك ذات النسبة، واعلم أن الفرق بين الاستفهام بالهمزة عن التصور والاستفهام بها عن التصديق من وجهين لفظى وهو أن ما صلح أن يؤتى بعده بأم المنقطعة دون المتصلة استفهام عن التصور وما صلح أن يؤتى بعده بأم المتصلة فهو استفهام عن التصديق ومعنوى، وهو أن الاستفهام عن التصديق يكون عن نسبة تردد الذهن فيها بين ثبوتها ونفيها، والاستفهام عن التصور يكون عند التردد فى تعيين أحد الشيئين بقى شىء آخر وهو أن جعل الهمزة فى المثالين المذكورين لطلب التصور يلزم عليه طلب تحصيل الحاصل؛ وذلك لأن تصور الطرفين حاصل قبل السؤال؛ لأنه متصور للمستند إليه وهو الدبس وللمسند وهو الكون فى الإناء قبل السؤال وبعده، فلا يتفاوت تصور الطرفين بعد السؤال وقبله فى الحصول للسائل، بل هو حاصل فى الحالين، ولا يصح أيضا أن تكون لطلب التصديق؛ لأن التصديق حاصل للسائل قبل السؤال؛ لأنه أدرك قبل السؤال أن أحد الأمرين حاصل فى الإناء وهذا الإدراك عين التصديق، والحاصل أن الهمزة فى المثالين لا يصح أن تكون لطلب التصور ولا لطلب التصديق لما فيه من طلب تحصيل الحاصل، وأجيب بأنه يصح أن تكون لطلب التصور والمراد التصور على وجه التعيين أى: تصور المسند إليه من حيث إنه مسند إليه وتصور المسند من حيث إنه مسند وهذا غير التصور الحاصل قبل
стр. 1072
فى طلب تصور المسند إليه (أدبس فى الإناء أم عسل؟ ) عالما بحصول شىء فى الإناء، طالبا لتعيينه (و) فى طلب تصور المسند (أفى الخابية دبسك أم فى الزق؟ ) عالما بكون الدبس فى واحد من الخابية والزق، طالبا ...
===
السؤال؛ لأنه تصور للمسند إليه والمسند من حيث ذاتهما وهو تصور على وجه الإجمال، وبيان ذلك أن السائل تصور قبل السؤال ذات الدبس وذات العسل، وأما الموصوف منهما بكونه فى الإناء فغير متصور له فإذا قيل له فى الجواب دبس تصور الموصوف منهما بكونه فى الإناء وهو خصوص الدبس، وكذا إذا أجيب بالعسل ويصح أن تكون الهمزة فى المثالين لطلب التصديق والمراد تصديق خاص، فإن التصديق الحاصل قبل السؤال تصديق على سبيل الإجمال وهو إدراك أن أحدهما فى الإناء، والحاصل بعد السؤال تصديق على سبيل التعيين وهو إدراك أن الحاصل فى الإناء دبس، فإن قلت حيث كان يصح جعل الهمزة فى المثالين لطلب التصديق فلا وجه لاقتصارهم على كونها لطلب التصور- قلت: إنما اقتصر عليه لكون تصور المسند إليه أو المسند على جهة التعيين هو المقصود للسائل، وأما التصديق الخاص فهو حاصل غير مقصود، والحاصل أن الهمزة فى المثالين المقصود بها طلب تصور خاص ويلزم من حصوله حصول تصديق خاص، وهذا لا ينافى أن السائل عنده قبل السؤال تصور إجمالى وتصديق كذلك وبما ذكرناه لك يندفع ما أورد على قول الشارح عالما بحصول شىء فى الإناء، وقوله عالما بكون الدبس إلخ: من أن هذا يقتضى تقدم التصديق على التصور ولا قائل بهذا، وحاصل الدفع أن التصور المطلوب بالهمزة تصور خاص وهذا يصاحبه تصديق خاص، وهذا لا ينافى أن السائل عنده قبل السؤال تصديق إجمالى وهو ما ذكره الشارح وهو مصاحب لتصور المسند إليه أو المسند على وجه الإجمال- قرر ذلك شيخنا العلامة العدوى.
(قوله: فى طلب تصور المسند إليه) أى: من حيث إنه مسند إليه وإلا فتصور ذاته حاصل قبل السؤال كما علمت، وكذا يقال فيما بعده
(قوله: أدبس فى الإناء أم عسل) الدبس عسل متخذ من الزبيب والمراد من العسل عسل النحل؛ لأنه المتبادر عند
стр. 1073
لتعيين ذلك (ولهذا) أى: ولمجىء الهمزة لطلب التصور (لم يقبح) فى طلب تصور الفاعل: (أزيد قام؟ ) كما قبح: هل زيد قام؟ (و) لم يقبح فى طلب تصور المفعول: (أعمرا عرفت؟ ) كما قبح: هل عمرا عرفت؟ وذلك لأن التقديم يستدعى حصول التصديق بنفس الفعل ...
===
الإطلاق
(قوله: لتعيين ذلك) أى الواحد والحاصل أن السائل فى المثال المذكور عالم بالنسبة أعنى: ثبوت الكونية للدبس والمجهول له هو الظرف المكون فيه، فإنه وإن كان معلوما له أنه أحدهما، إلا أنه مجهول من حيث التفصيل أعنى: كونه الخابية أو الزق لا يقال: كون الهمزة فى: أزيد قائم للتصديق، وفى قولك: أفى الخابية دبس أم فى الزق للتصور تحكم؛ لأن فى الأول: ترددا بين قيام زيد وعدمه، وفى الثانى: التردد بين كون الدبس فى الخابية وكونه فى الزق، لأن نقول: متعلق الشك فى الأول: حصول النسبة وعدمها، وفى الثانى: نفس الموصوف بها وهو المحكوم به مع مقابله، بدليل الإتيان بأم فناسب كون الأول للتصديق الذى هو العلم بالنسبة دون الثانى، وإن لزم من الشك فى أحدهما الشك فى الآخر، وحاصله أن السؤال عن التصديق هو ما يكون عن نسبة المحمول للموضوع أو سلبها عنه، والسؤال عن التصور هو ما يكون عن نفس المحمول أو مقابله كما تقدم ذلك الفرق المعنوى.
(قوله: فى طلب تصور الفاعل) أى: الفاعل المعنوى.
(قوله: وذلك) أى: وبيان ذلك القبح فيما ذكر مع هل فى المرفوع والمنصوب وعدم القبح مع الهمزة فى المرفوع والمنصوب، فقوله: لأن التقديم أى: للمرفوع والمنصوب
(قوله: لأن التقديم إلخ) توضيح ذلك أن التقديم يفيد الاختصاص، فيكون مفاد التركيب الأول السؤال عن خصوص الفاعل بمعنى أنه يسأل عن المختص بالقيام:
هل زيد أو عمرو بعد تعقل وقوع القيام، فيكون أصل التصديق بوقوع القيام من فاعل ما معلوما عنده، فلزم كون السؤال عن تعيين الفاعل، ومفاد الثانى: السؤال عن خصوص المفعول أى: الذى اختص بالمعرفة دون غيره بمعنى أنه يسأل عن الذى يصدق عليه أنه المعروف فقط دون غيره بعد العلم بوقوع المعرفة على عمرو غيره، فأصل
стр. 1074
فيكون هل لطلب حصول الحاصل؛ وهذا ظاهر فى: أعمرا عرفت؟ لا فى: أزيد قام؟ فليتأمل (والمسئول عنه بها) أى: بالهمزة ...
===
التصديق بوقوع الفعل على مفعول ما معلوم، وإنما سأل عن تعيين المفعول، فالسؤال فى الجملتين لطلب التصور، فلو استعملت فيهما هل لأفادت طلب التصديق، وأصل التصديق معلوم فيهما فيكون الطلب بها لتحصيل الحاصل، بخلاف استعمال الهمزة، فإنه لا ضرر فيه؛ لأنها لطلب التصور، فإن قلت: مقتضى هذا أن استعمال هل فيما ذكر من التركيبين ممنوع لا أنه قبيح فقط- قلت: إنما لم يكن ممنوعا لجواز أن يكون التقديم لغير التخصيص؛ لأنه لا يتعين أن يكون للتخصيص، فلذا لم يمنع أصل التركيب. اهـ يعقوبى.
(قوله: فيكون هل) أى: لو أتى بها فى هذا التركيب لطلب حصول الحاصل فى هذا التركيب لطلب حصول الحاصل أى: لأنها لطلب التصديق أى: وطلب حصول الحاصل عبث
(قوله: وهذا ظاهر إلخ) أى: واستدعاء التقديم حصول التصديق بنفس الفعل ظاهر فى تقديم المنصوب؛ لأن تقديم المنصوب يفيد الاختصاص ما لم تقم قرينة على خلافه، فالغالب فيه الاختصاص، وأما كونه للاهتمام أو التبرك أو الاستلذاذ فخلاف الغالب، وأما تقديم المرفوع فليس للاختصاص فى الغالب، بل الغالب فيه أن يكون لتقوى الإسناد، وأما كونه للتخصيص فخلاف الغالب، وحينئذ فلا يكون هل زيد قام قبيحا لما ذكر، نعم يقبح لأمر آخر على ما يأتى من أن هل فى الأصل بمعنى قد فلا يليها إلا الفعل غالبا
(قوله: فليتأمل) إنما قال ذلك لأن تقديم المنصوب يكون أيضا لغير الاختصاص: كالاهتمام فيساوى تقديم المرفوع من جهة أن كلا قد يكون لاختصاص ولغيره، وحينئذ فلا فرق بينهما، وحينئذ فيكون الإتيان بهل قبيحا دون الهمزة فى تقديم المنصوب والمرفوع، ويجاب عنه بأن النظر فى الفرق بينهما للغالب فتقديم المرفوع والمنصوب وإن اشتركا فى أن كلا يكون للاختصاص ولغيره، لكن الغالب فى تقديم المنصوب التخصيص وفى تقديم المرفوع غير التخصيص، وحينئذ فيكون الإتيان بهل قبيحا دون الهمزة فى تقديم المنصوب دون المرفوع نظرا للغالب فيهما.
стр. 1075
(هو ما يليها؛ كالفعل فى: أضربت زيدا؟ ) إذا كان الشك فى نفس الفعل؛ أعنى:
الضرب الصادر من المخاطب الواقع على زيد، وأردت بالاستفهام أن تعلم وجوده؛ فيكون لطلب التصديق، ويحتمل أن يكون لطلب تصور المسند بأن تعلم أنه قد تعلق فعل من المخاطب بزيد، ...
===
(قوله: هو ما يليها) أى هو تصور ما يليها والتصديق به
(قوله: إذا كان الشك) أى: يقول ذلك إذا كان الشك فى نفس الفعل أى: من حيث صدوره من المخاطب حتى يصح تعلق الشك به، وإلا فالفعل فى حد ذاته لا يتعلق به شك، ويدل لذلك قول الشارح أعنى إلخ أى: تقول ذلك إذا حصل عنك شك فى أن المخاطب ضرب زيدا أم لا
(قوله: أن تعلم وجوده) أى: أردت أن تعلم أن الضرب وجد من المخاطب أم لا
(قوله: ويحتمل أن يكون إلخ) أى: فهذا التركيب أعنى أضربت زيدا، وكذا ما ماثله من كل تركيب ولى الهمزة فيه فعل محتمل؛ لأن يكون لطلب التصديق ولطلب التصور وتعيين أحد الأمرين بالقرائن اللفظية: كاقتران المعادل لما يلى الهمزة بأم المنقطعة أو المتصلة فمثل: أضربت زيدا أم لا لطلب التصديق، وقولك: أضربت زيدا أم أكرمته لطلب التصور، أو المعنوية كما فى أفرغت من الكتاب الذى كنت تكتبه؟ فإنه سؤال عن التصديق بالفراغ منه، وقوله الذى كنت تكتبه: قرينة على ذلك؛ لأنه يفيد أن السائل عالم بأن المخاطب يكتب كتابا، وأما قولك: أكتبت هذا الكتاب أم اشتريته؟ فإنه سؤال عن تصور المسند أى: تعيينه والقرينة حالية، وإذا علمت أن ما ذكره المصنف من المثال محتمل للأمرين ظهر لك أن فى كلام المصنف أعنى قوله: والمسئول عنه بها هو ما يليها كالفعل إلخ نظر؛ وذلك لأنه لا يظهر إلا إذا كان المسئول عنه تصور المسند أو المسند إليه أو شىء من متعلقاتهما؛ لأن هذا هو الذى يتأتى إيلاؤه لها، ولا يظهر إذا كان المطلوب بها التصديق بوقوع النسبة، إذ ليس له لفظ واحد يلى الهمزة، بل دائر بين المسند والمسند إليه فليس أحدهما أولى بالإيلاء من الآخر، وقد يجاب بأنه لما كان الغرض عند السؤال بها عن التصديق السؤال عن حال النسبة وهى جزء مدلول الفعل، فلا بد أن يلى الفعل الهمزة، هذا وبعضهم حمل كلام المصنف على ما إذا كان المسئول عنه أحد الطرفين لا النسبة ولا وجه له كما علمت.
стр. 1076
لكن لا تعرف أنه ضرب أو إكرام (والفاعل فى: أأنت ضربت؟ ) إذا كان الشك فى الضارب (والمفعول فى: أزيدا ضربت؟ ) إذا كان الشك فى المضروب؛ وكذا قياس سائر المتعلقات.
(وهل لطلب التصديق ...
===
بقى بحث آخر: وهو أن الشارح حمل المتن على صورة التصديق وجعل صورة التصور احتمالا، مع أن التصديق إنما يحصل بالطرفين، فلم يل التصديق الذى هو المسئول عنه الهمزة، فهلا حمل المتن على صورة التصور ابتداء- كذا فى يس، والجواب عنه ما علمته- فتأمل.
(قوله: لكن لا تعرف أنه ضرب أو إكرام) أى: وأردت بالاستفهام تبيينه
(قوله: والفاعل إلخ) عطف على الفعل وينبغى أن يراد هنا بالفاعل الفاعل المعنوى لا الصناعى إذ لا يجوز تقديمه على فعله
(قوله: إذا كان الشك فى الضارب) أى: تقول هذا الكلام لمخاطبك إذا كنت تعلم أن شخصا صدر منه الضرب وشككت فى كونه المخاطب أو غيره فكأنك تقول له الذى صدر منه الضرب أأنت أم غيرك فالشك هنا فى الفاعل فالسؤال هنا لطلب التصور
(قوله: إذا كان الشك فى المضروب) أى أن هذا الكلام إنما تقوله إذا عرفت أن مخاطبك ضرب أحدا وجهلت عين ذلك الأحد فكأنك تقول مضروبك ما هو هل هو زيد أم غيره فالشك هنا فى المفعول والسؤال هنا للتصور ولا يذهب عنك ما نبهنا عليه آنفا من أن الاستفهام الذى ذكروا أنه يراد به التصور هنا لا يخلو عن مراعاة التصديق المخصوص ولهذا صح إطلاق الشك فيما هو سؤال عن تصور الفاعل أو المفعول مع أن الشك إنما يتعلق بالنسبة لا بالفاعل والمفعول من حيث ذاتهما
(قوله: وكذا قياس سائر المتعلقات) أى المعمولات نحو أفى الدار صليت وأيوم الجمعة سرت وأتأديبا ضربت وأراكبا جئت ونحو ذلك. اهـ مطول. ولم يذكر المفعول المطلق لأنه لا يتقدم على عامله لأنه بمنزلة التأكيد بل ادعى بعضهم أنه توكيد لفظى اصطلاحا كما هو مسطر فى كتب النحو لكن انظر المصدر المبين للنوع والعدد هل يتقدم أو لا وحرره
(قوله: وهل لطلب التصديق) أى لطلب أصل التصديق وهو مطلق
стр. 1077
فحسب) وتدخل على الجملتين (نحو: هل قام زيد؟ وهل عمرو قاعد؟ ) إذا كان المطلوب حصول التصديق بثبوت القيام لزيد، والقعود لعمرو ...
===
إدراك وقوع النسبة أو لا وقوعها فلا يرد أن الهمزة أيضا لطلب التصديق دائما لأنها لطلب تصديق خاص وإن كان الغرض منه قد يكون تصور المسند إليه أو المسند كما مر، ولذا قال العلامة اليعقوبى: المراد بالتصديق هنا مطلق إدراك وقوع النسبة أو لا وقوعها؛ لأنه متى علم أصل الوقوع وطلب الإعلام بوقوع مخصوص عدوه من باب التصور
(قوله: فحسب) أى: إذا عرفت أنها لطلب التصديق فحسبك هى أى هذه المعرفة فحسب مبتدأ، لكن ضمه ليس رفعا؛ لأنه مبنى بعد حذف المضاف إليه على الضم ومآله القصر على طلب التصديق، وإن كان ليس من طرقه. اهـ أطول.
(قوله: وتدخل على الجملتين) أى: الاسمية والفعلية بشرط أن تكون الجملة مثبتة، فلا تدخل على منفى، فلا يقال: هل لا قام زيد؛ لأنها فى الأصل بمعنى قد، وهى لا تدخل على المنفى، فلا يقال: قد لا يقوم زيد.
واعلم أن عدم دخول هل على المنفى لا ينافى أنها لطلب التصديق مطلقا أعنى:
الإيجابى والسلبى، فيجوز أن يقال: هل قام زيد أو لم يقم- كما صرح بذلك العلامة المحلى فى شرح جمع الجوامع ردّا على التاج السبكى فى المتن المذكور، حيث فهم من قولهم: إنها لا تدخل على منفى أنه لا يطلب بها التصديق السلبى
(قوله: نحو هل قام زيد وهل عمرو قاعد) أورد مثالين دفعا لتوهم اختصاص هل بالفعلية لكونها فى الأصل بمعنى قد
(قوله: إذا كان المطلوب حصول التصديق إلخ) الأولى أن يقول إذا كان المطلوب التصديق بثبوت القيام لزيد إلخ، وذلك لأن التصديق كما مر حصول وقوع النسبة أو لا وقوعها فينحل المعنى إذا كان المطلوب حصول إلخ.
ولا معنى له إلا أن يجرد التصديق عن بعض معناه وهو الحصول ويراد به الوقوع، فكأنه قال إذا كان المطلوب حصول الوقوع لثبوت القيام لزيد أى: إدراك أن هذا الثبوت مطابق للواقع مع العلم بحقيقة كل من المسندين. تأمل.
стр. 1078
(ولهذا) أى: لاختصاصها بطلب التصديق (امتنع: هل زيد قام أم عمرو؟ ) لأن وقوع المفرد هاهنا بعد أم دليل على أن أم متصلة وهى لطلب تعيين أحد الأمرين مع العلم بثبوت أصل الحكم، وهل إنما تكون لطلب الحكم فقط، ...
===
(قوله: ولهذا امتنع هل زيد إلخ) أى: امتنع الجمع بينها وبين ما يدل على السؤال عن التصور نحو قولك: هل زيد قائم أم عمرو؟
(قوله: لأن وقوع المفرد إلخ) هذا علة للعلية أى: وامتنع هل زيد قام أم عمرو، لاختصاصها بطلب التصديق؛ لأن وقوع المفرد وهو عمرو هنا، أى: بعد أم الواقعة فى حيز الاستفهام دليل على أن أم متصلة إذ لو كانت منقطعة لوجب وقوع الجملة بعدها، بأن يقال أم عندك بشر. ولا يقال: إن ذلك المفرد الواقع بعدها هنا جزء من جملة، وأنها منقطعة؛ لأن وقوع المفرد الذى هو جزء جملة بعد أم المنقطعة جوازه مشروط بكونها بعد الخبر نحو: إنها لا لإبل أم شاة، وهنا ليست واقعة بعد الخبر، وإنما سميت أم هذه منقطعة لانقطاع ما بعدها عما قبلها؛ لأن الغرض من الإتيان بها الانتقال من كلام إلى كلام آخر، فلذا كانت بمعنى بل الإضرابية، وإنما سميت أم المتصلة بذلك؛ لاتصال ما قبلها بما بعدها
(قوله: وهى لطلب تعيين أحد الأمرين) أى: المفرد الذى قبلها، والمفرد الذى بعدها، وأما المنقطعة وهى التى بمعنى، بل فلطلب التصديق، فيجوز وقوعها بعد هل تأكيدا.
(قوله: مع العلم بثبوت أصل الحكم) أى: المحكوم به، والعلم بثبوت المحكوم به تصديق، وحاصله أنها لا تكون إلا لطلب التصور بعد حصول التصديق بنفس الحكم، فإن قلت: التصديق مسبوق بالتصور فكيف يصح طلب التصور بأم المتصلة، مع حصول التصديق فى نحو: أزيد قام أم عمرو، قلت: التصديق الحاصل، هو العلم بنسبة القيام إلى أحد المذكورين والمطلوب تصور أحدهما على التعيين، وهو غير التصور السابق على التصديق؛ لأنه التصور بوجه ما
(قوله: وهل إنما تكون لطلب الحكم) أى: التصديق أى: فأم المتصلة تفيد أن السائل عالم بالحكم، وهل تفيد أنه جاهل به؛ لأنها لطلبه وحينئذ فبين هل وأم المذكورة تدافع وتناقض فيمتنع الجمع بينهما فى تركيب واحد، وتفسير الحكم بالتصديق بناء على أن التصديق بسيط، وأنه عبارة عن الحكم، وأن تصور المسند والمسند إليه، والنسبة أى:
стр. 1079
ولو قلت: هل زيد قام؟ بدون أم عمرو لقبح، ولا يمتنع لما سيجىء (و) لهذا أيضا (قبح: هل زيدا ضربت؟ لأن التقديم يستدعى حصول التصديق بنفس الفعل) فيكون هل لطلب حصول الحاصل؛ وهو محال، ...
===
إدراك كل منها شروط للتصديق لا أجزاء له وهذا هو مذهب الحكماء وهو المختار وقيل: إن التصديق مركب من تصور المسند والمسند إليه والنسبة ومن الحكم وهو إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة، فإن قلت لم لا يكون المطلوب بنحو قولنا هل زيد قام أم عمرو؟ الأمرين معا، أعنى طلب التعيين وطلب الحكم بأن يكون المطلوب بهل التصديق وبأم التعيين ويقصدان معا باللفظين المختلفين، إذ طلب التعيين لم يقصد بهل بل بأم وطلب الحكم لم يقصد بأم بل بهل، وحينئذ فيسوغ الجمع بين هل وأم المتصلة قلت المراد أن الجملة الواقعة فيها هل لا تكون إلا لطلب التصديق، والجملة الواقعة فيها أم لا تكون إلا لطلب التعيين فالجمع بينهما يؤدى إلى التناقض على أن طلب التعيين بأم يستلزم كون التصديق بأصل الحكم حاصلا إذ قد قلنا إنها لطلب تعيين أحد الأمرين مع العلم بثبوت أصل الحكم وهل تقتضى عدم حصوله، وحينئذ فلا يمكن الجمع بينهما فلا يتوجه السؤال من أصله.
(قوله: ولو قلت إلخ) أفاد بهذا أن محل امتناع المثال المتقدم عند الإتيان بأم بعد هل فلو لم تذكر فإنه لا يمتنع، بل يكون قبيحا لما سيجىء من قول المصنف؛ (لأن التقديم إلخ)
(قوله: ولهذا أيضا قبح) أى: ولأجل اختصاصها بالتصديق قبح استعمالها فى تركيب هو مظنة للعلم بحصول أصل النسبة وهو ما يتقدم فيه المعمول على الفعل سواء كان ذلك المعمول مفعولا نحو هل زيدا ضربت أو غيره نحو: أفى الدار جلست وأراكبا جئت وأعندك قام عمرو
(قوله: لأن التقديم) أى: تقديم المعمول على الفعل.
(قوله: يستدعى) أى: يقتضى غالبا
(قوله: حصول التصديق) أى: حصول العلم للمتكلم.
(قوله: بنفس الفعل) أى: بنفس وقوع الفعل كالضرب أى: أن التقديم يقتضى أن المتكلم عالم بوقوع الفعل
(قوله: فتكون هل إلخ) أى: لأنها لطلب التصديق
(قوله: وهو محال) أى: وحصول الحاصل محال، وحينئذ فيكون طلبه عبثا.
стр. 1080
وإنما لم يمتنع لاحتمال أن يكون زيدا مفعول فعل محذوف، أو يكون التقديم لمجرد الاهتمام، لا للتخصيص؛ ...
===
(قوله: وإنما لم يمتنع) أى: مع أن العلة المذكورة تقتضى منعه لاحتمال أن يكون زيدا أى: فى المثال المذكور مفعول فعل محذوف أى: مقدر قبله ويكون مفعول المذكور محذوفا والتقدير: هل ضربت زيدا ضربته، وحينئذ فلا يكون هناك تقديم حتى يستدعى التصديق بحصول نفس الفعل.
(قوله: أو يكون التقديم لمجرد الاهتمام) أى: للاهتمام المجرد عن التخصيص أى: وحينئذ فلا يكون التقديم مستدعيا للتصديق بحصول الفعل فلا تكون هل لطلب حصول الحاصل.
(قوله: لكن ذلك) أى: ما ذكر من كون زيدا مفعولا لمحذوف أو مفعولا للمذكور قدم لمجرد الاهتمام لا للتخصيص.
(قوله: خلاف الظاهر) أى: لما يلزم على التقدير الأول من منع الفعل الظاهر عن العمل بلا شاغل، وهو قبيح، ولما يلزم على الثانى من مخالفة الغالب المتبادر، إذ الغالب فى تقديم المنصوب كونه للتخصيص ومخالفة الغالب قبيحة، وإذا علمت ما يلزم على كل منهما ظهر لك أن كلا من الاحتمالين بعيد مرجوح، إلا أنه مع بعده يكفى فى تصحيح قولك: هل زيدا ضربت، فلذا عده المصنف قبيحا لا ممتنعا بقى شىء آخر، وهو أن مقتضى ما ذكر أنه إذا قدم المفعول بقصد الاهتمام نحو وجه الحبيب أتمنى كان قبيحا لمخالفة الغالب، قال العلامة اليعقوبى: قيل ولا قائل به، وعلى هذا فيكون القبح مخصوصا بتقدير الفعل، وحينئذ فيراعى ما حصل فى نفس الأمر، فإن قصد التخصيص امتنع، وإن قصد تقدير الفعل قبح، وإن قصد الاهتمام لم يقبح، ولا يراعى فى القبح كون التقديم مظنة للتخصيص سواء قصد أو لا كما هو ظاهر كلام الشارح، وفى هذا المقام بحث ذكره شيخنا الشهاب الملوى فى شرح ألفيته، وحاصله أنه إذا نظرنا إلى الاحتمال لزم جواز مثل هل قام زيد أم عمرو، لاحتمال تقدير: فعل بعد أم لتكون منقطعة، وإن كان خلاف الظاهر، إذ مخالفة الظاهر لا تقتضى الامتناع على ما ذكرتم، وإن اقتضت القبح وأجاب: بأن نحو هل زيد قام أم عمرو ولم يقع فى كلام العرب حتى يتكلف صحته، ولو على قبح إذ أم المنقطعة المذكور بعدها المفرد المعمول لمحذوف إنما نطقوا به بعد الخبر
стр. 1081
لكن ذلك خلاف الظاهر (دون) هل زيدا (ضربته؟ ) فإنه لا يقبح (لجواز تقدير المفسر قبل زيدا) أى: هل ضربت زيدا ضربته (وجعل السكاكى قبح: هل رجل عرف؟ لذلك) أى: لأن التقديم يستدعى حصول التصديق بنفس الفعل لما سبق من مذهبه من أن الأصل: عرف رجل؛ على أن رجل بدل من الضمير فى عرف قدم للتخصيص ...
===
نحو: إنها لإبل أم شاة، وأما أم المذكورة فى الاستفهام فلم ينطقوا بعدها إلا بالجملة بخلاف نحو: هل زيدا ضربت، فإنه وجد فى كلامهم فاضطررنا إلى تكلف صحته، ولو على قبح إذ لو كان ممتنعا لما نطقوا به
(قوله: لكن ذلك خلاف الظاهر) أى: فيكون الحمل عليه بعيدا، والحمل على التخصيص أرجح، وإذا كان المقتضى للامتناع راجحا كان هذا المثال قبيحا مع ذلك الاحتمال المرجوح الكافى فى تصحيحه
(قوله: دون هل زيدا ضربته) أشار المصنف بهذا إلى أن القبح المذكور حيث لا يتصل العامل بشاغل كما فى المثال السابق، أما إذا اتصل به كهذا المثال فلا يقبح
(قوله: لجواز تقدير المفسر إلخ) أى: لجواز ذلك جوازا راجحا؛ لأن الأصل تقديم العامل على المعمول، وحينئذ فلا يستدعى حصول التصديق بنفس الفعل؛ لأن السؤال حينئذ يكون عن أصل ثبوت الفعل لا عن المفعول بعد العلم بأصل الثبوت، وحيث كان لا يستدعى حصول التصديق فتكون هل لطلبه فيحسن، وبما قلناه من أن المراد الجواز الراجح اندفع ما يقال: إن مطلق الجواز لا يخلص من القباحة ولا يدفعها، وإنما عبر بالجواز إشارة إلى أنه قد لا يقدر المفسر قبل زيد بل بعده وهو جائز أيضا، لكن بمرجوحية ويكون التقدير هل زيدا ضربت ضربته ويكون على هذا من باب التخصيص ويلزمه الفساد السابق، والحاصل إن هذا المثال يحتمل احتمالين أحدهما راجح والآخر مرجوح ويلزمه الفساد فحمل على الراجح فلذا كان خاليا عن القبح
(قوله: لما سبق إلخ) أى: وإنما حصل قبحه لأجل كون التقديم يستدعى حصول التصديق بنفس الفعل لما سبق إلخ
(قوله: قدم للتخصيص) أى:
والتقديم للتخصيص يستدعى حصول التصديق بنفس المعرفة والجهل إنما هو بالفاعل فالسؤال عن تعيينه فيكون السائل طالبا لتصوره وهل لطلب التصديق فتكون لطلب
стр. 1082
(ويلزمه) أى: السكاكى (أن لا يقبح: هل زيد عرف؟ ) لأن تقديم المظهر المعرفة ليس للتخصيص عنده حتى يستدعى حصول التصديق بنفس الفعل، مع أنه قبيح بإجماع النحاة؛ وفيه نظر؛ ...
===
حصول الحاصل، ولم يجعل المثال المذكور ممتنعا لجواز أن لا يكون تقديمه من تأخير للتخصيص، بل لمجرد الاهتمام أو يكون الكلام بتقدير فعل رافع لرجل
(قوله: ويلزمه) أى: حيث جعل علة القبح فى المنكر كون التقديم لما كان مؤخرا للتخصيص
(قوله: ليس للتخصيص عنده) بل للاهتمام أو التقوى؛ لأن اعتبار التقديم والتأخير لإفادة التخصيص فى رجل عرف لكونه لا سبب سواه لكون المبتدأ نكرة، وأما المعرفة فغنية عن اعتبار كون التقديم والتأخير فيها للتخصيص، وإذا كان تقديم المعرفة لغير التخصيص فلا ضرر فى كون هل لطلب التصديق
(قوله: حتى يستدعى إلخ) تفريع على المنفى أى: ليس للتخصيص الذى يتفرع عليه استدعاء إلخ
(قوله: مع أنه قبيح بإجماع النحاة) مرتبط بقوله ويلزمه أن لا يقبح ووجه قبحه الفصل بين هل والفعل بالاسم مع أنها إذا رأت الفعل فى حيزها لا ترضى إلا بمعانقته وعدم الانفصال عنه، إن قلت: كيف يكون قبيحا بالإجماع مع أن صاحب المفصل خرجه على تقدير الفعل قلت: ما ذكره صاحب المفصل من التوجيه إنما هو تصحيح للنطق بالوجه القبيح لا أنه توجيه له مع كونه شائعا حسنا.
(قوله: وفيه نظر) أى: وفى هذا اللزوم نظر وهذا جواب عن اعتراض المصنف على السكاكى، وحاصله أن ما ذكره المصنف من اللزوم غير لازم للسكاكى؛ لأن انتفاء علة من علل القبح وهى كون التقديم للتخصيص لا يستلزم انتفاء جميع العلل فلا يلزمه أن يقول بحسن هذا التركيب، بل يجوز أن يقول فيه بالقبح لعلة أخرى، إذ لا يلزم من نفى علة نفى جميع العلل، فاللازم على ما قاله عدم وجود القبح لتلك العلة لا نفى القبح مطلقا كما قال المصنف. اهـ.
لكن هذا الجواب إنما يظهر إذا لم تكن علة القبح منحصرة عند السكاكى فيما ذكره، وظاهر عبارته يفيد الانحصار حيث قال: ولاختصاصه بالتصديق قبح هل زيدا
стр. 1083
لأن ما ذكره من اللزوم ممنوع لجواز أن يقبح لعلة أخرى (وعلل غيره) أى: غير السكاكى (قبحهما) أى: قبح هل رجل عرف؟ وهل زيد عرف؟ (بأن هل بمعنى قد فى الأصل) وأصله: أهل (وترك الهمزة قبلها لكثرة وقوعها فى الاستفهام)
===
عرفت إلا أن يقال: تقديم قوله لاختصاصه لا للاختصاص بل لغرض آخر
(قوله: لأن ما ذكره) أى: المصنف
(قوله: لجواز أن يقبح) أى: هل زيد عرف عند السكاكى لعلة أخرى هى ما ذكره غيره من أن هل فى الأصل بمعنى قد وقد مختصة بالفعل، فكذا ما كان بمعناها فيكون السكاكى قائلا بما علل به غيره فى قبح هذا التركيب
(قوله: وعلل غيره قبحهما بأن هل إلخ) أى: علل غيره قبحهما بعلة أخرى غير ما علل بها هو وهى أن هل داما بمعنى قد فى استعمالها الأصلى، والاستفهام مأخوذ من همزة مقدرة قبلها فأصل هل عرف زيد أهل عرف زيد بإدخال همزة الاستفهام على هل التى بمعنى قد، فكأنه قيل: أقد عرف زيد فقول الشارح، وأصله أى: أصل هل بمعنى قد أهل بهمزة الاستفهام إشارة لذلك قال أبو حيان فى الإفصاح: وذكر جماعة من النحويين وأهل اللغة أن هل قد تكون بمعنى قد مجردة عن الاستفهام وربما فسروا بذلك قوله تعالى:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (١)، ثم إن المراد بمعنى قد المذكورة قيل التقريب أى: قد أتى على الإنسان قبل زمان قريب طائفة من الزمان الطويل الممتد لم يكن شيئا مذكورا، كذا فى الكشاف وفسرها غيره بقد خاصة، لكن حمل قد على معنى التحقيق لا على معنى التقريب وحملها بعضهم على معنى التوقع، وكأنه قيل لقوم يتوقعون الخبر فى شأن آدم قد أتى على الإنسان وهو آدم حين من الدهر لم يكن فيه شيئا مذكورا وذلك الحين من كونه طينا
(قوله: بمعنى قد) أى: ملتبسة بمعنى قد وهو التقريب أو التحقيق أو التوقع على الخلاف فى ذلك
(قوله: وترك الهمزة قبلها) أى: قبل هل وأشار بقوله لكثرة إلخ، إلى أنها قد تقع فى الخبر كما فى قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ كما مر
(قوله: وقوعها فى الاستفهام) أى فى الكلام الذى
стр. 1084
فأقيمت هى مقام الهمزة وتطفلت عليها فى الاستفهام، وقد من خواص الأفعال فكذا ما هى بمعناها، وإنما لم يقبح: هل زيد قائم؟ لأنها إذا لم تر الفعل فى حيزها ذهلت عنه وتسلت، بخلاف ما إذا رأته فإنها تذكرت العهود وحنت إلى الإلف المألوف ...
===
يراد به الاستفهام
(قوله: فأقيمت هى مقام الهمزة) أى: وألقى فيها معنى قد
(قوله: وتطفلت عليها فى الاستفهام) أى: فى إفادته وفيه أن هذا يقتضى أن هل غير موضوعة للاستفهام فينافى ما سبق من أنها موضوعة لطلب التصديق، وأجيب بأن وضعها لذلك باعتبار العرف الطارئ فلا ينافى أنها تطفلت على الهمزة فى إفادة معناه
(قوله: وقد من خواص الأفعال إلخ) هذا من تتمة التعليل، وكذا ما هى بمعناه، لكن لما كان الفرع لا يعطى حكم الأصل من كل وجه جاز دخول هل على الاسم إما بقبح إن كان فى الجملة فعل أو بدونه إن لم يكن فيها فعل نحو: هل زيد قائم لما ذكره الشارح بخلاف قد، فإن دخولها عليه ممنوع
(قوله: وإنما لم يقبح إلخ) هذا جواب عما يقال مقتضى هذا التعليل أن يقبح دخولها على الجملة الاسمية التى طرفاها اسمان نحو هل: زيد قائم مع أنه جائز بلا قبح فأى فرق بين ما إذا كان الخبر فعلا قلتم بقبحه، وإذا كان اسما قلتم بعدم قبحه مع أن مقتضى التعليل استواء الأمرين فى القبح، وحاصل ما أجاب به الشارح أنه فرق بين الأمرين؛ وذلك لأنه إذا كان طرفا الجملة اسمين لم تر هل الفعل فى حيزها فتذهل عنه ويراعى فيها معنى الاستفهام الذى نقلت له، وإذا كان الخبر فعلا رأت هل الفعل فى حيزها فلا ترضى إلا بمعانقته نظرا لمعناها الأصلى وهو كونها بمعنى قد المختصة بالدخول على الفعل.
(قوله: فى حيزها) أى: فى قرب حيزها، وإلا فحيزها مشتغل بها لا يقبل غيرها
(قوله: وتسلت) أى: ولم تتذكر المعاهد والأوطان قائلة: ما غاب عن العين غاب عن الخاطر
(قوله: تذكرت العهود) أى: العهد الذى بينها وبينه من حيث إنها فى الأصل بمعنى قد المختصة بالفعل، وكان المناسب أن يقول: فإنها تتذكر العهود وتحن إلى الإلف المألوف ولا ترضى إلخ؛ لأن إذا للاستقبال، فالمرتب على فعلها المستقبل مستقبل
стр. 1085
فلم ترض بافتراق الاسم بينهما (وهى) أى: هل (تخصص المضارع بالاستقبال) بحكم الوضع كالسين وسوف (فلا يصح: هل تضرب زيدا؟ ) ...
===
(قوله: وحنت إلى الإلف المألوف) المراد بالإلف المألوف الفعل وحنت بالتخفيف بمعنى مالت، وعطفت من حنا يحنو حنوا، وبالتشديد بمعنى اشتاقت من حن يحن حنينا، والمألوف تأكيد لما قبله
(قوله: فلم ترض بافتراق الاسم بينهما) أى: لم ترض بتفريقه ولو بحسب الصورة الظاهرية، وذلك فيما إذا قدر الاسم فاعلا لفعل محذوف يفسره المذكور، وكان المناسب إبدال افتراق بتفريق، إذ لا يقال: افتراق زيد بين بكر وعمرو، وإنما يقال فرق بينهما أو افتراق منهما- تأمل.
(قوله: وهى) أى: هل المنقولة للاستفهام فلا ينافى صحة دخول هل التى بمعنى قد على الحال- قاله سم.
وقوله: تخصص المضارع بالاستقبال أى: تخلصه لذلك بعد أن كان محتملا له وللحال؛ وذلك لأنها لما كانت منقولة للاستفهام التزم فيها مقتضاه وهو تخليص الفعل المضارع للاستقبال؛ لأن حصول الأمر المستفهم عنه يجب أن يكون استقباليا، إذ لا يستفهم عن الواقع فى الحال حال شهوده إلا أن يكون على وجه آخر، ولم يذكر المصنف الجملة الاسمية والماضى، فظاهره بقاء كل منهما على أصله، وأنها لا تؤثر فى أحدهما شيئا
(قوله: بحكم الوضع) أى: لا بالقرائن بمعنى أن الوضع وضع هل لتخصيص المضارع بالاستقبال إذا دخلت عليه بعد أن كان محتملا له وللحال، واعلم أنها ليست من الحروف المغيرة لمعنى الفعل؛ لأنها فى الأصل بمعنى قد وهى لا تغيره فلا يرد ما قيل إنها لو كانت مخصصة بحسب الوضع لكانت مخصصة للماضى بالاستقبال، مع أنه ليس كذلك قال الله تعالى: فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا (١).
(قوله: فلا يصح إلخ) أى: فلأجل أنها تخصص المضارع بالاستقبال لا يصح أن تستعمل فيما يراد به الحال كما فى قولك: هل تضرب زيدا وهو أخوك، ووجه عدم
стр. 1086
فى أن يكون الضرب واقعا فى الحال على ما يفهم عرفا من قوله: ...
===
الصحة أن هل للاستقبال والفعل الواقع بعدها هنا حالى فقد تنافى الأمران والدليل على أن الفعل هنا حالى أن جملة وهو أخوك حالية مضمونها حاصل فى الحال ومضمون الحال قيد فى عاملها، فلما كان مضمون الحال وهو الأخوة ثابتا فى الحال وقيد الحال وهو الضرب بذلك كان العامل أيضا واقعا فى الحال، والحاصل أن مضمون الحال قيد للعامل، ثم إن كان مضمون الحال حاصلا فى حال التكلم كما فى هذا المثال لزم أن يكون مضمون العامل حاصلا فى تلك الحال أيضا لوجوب مقارنة المقيد لقيده فى الزمان وإن لم يكن مضمون الحال ثابتا فى حال التكلم كما فى قولك: جاء زيد راكبا لم يكن مضمون العامل حاصلا فى تلك الحال- كذا قرر شيخنا العدوى، وظهر لك منه أن المراد بعدم الصحة فى قول المصنف فلا يصح عدمها بحسب الاستعمال وإن أمكن عقلا، ولا يقال إن إطلاق عدم الصحة مشكل؛ لأن هل قد تكون بمعنى قد وقد لا تنافى الحالية؛ لأنا نقول كلامنا فى هل المنقولة للاستفهام لا فى هل مطلقا كما مر. اهـ يس.
(قوله: فى أن يكون) متعلق بقول محذوف أى: فلا يصح قولك هذا فى حالة كون الضرب واقعا فى الحال فأن فى كلام الشارح مصدرية، وهل يصح أن تقرأ بالمد وتكون بمعنى زمن أى: لا يصح قولك هذا فى زمن يكون الضرب واقعا إلخ، والظاهر عدم الصحة؛ لأن جملة يكون الضرب إلخ صفة لأن ولا عائد فيها
(قوله: على ما يفهم) أى: وهو هنا كذلك على ما يفهم عرفا من قوله وهو أخوك، فإن الشائع فى العرف أنه إذا قيل: زيد أخوك كان معناه أنه متصف بالأخوة فى الحال، وإنما قيد بالعرف؛ لأن معنى زيد أخوك بحسب الوضع أنه ثبت له الاتصاف بالأخوة ساعة ما ولو فى الماضى- كذا قرر شيخنا العدوى، والحاصل أن تقييد الضرب بالأخوة يفيد شيئين أحدهما الإنكار؛ لأن من أنكر المناكر ضرب الأخ صداقة أو نسبا والآخر حالية الضرب؛ لأن الأخوة حالية، إذ لا يراد استقبالها ولا مضيها؛ لأن الاستفهام الإنكارى لا يناسبه إلا الحال، إذ لا معنى لقولنا: أتضرب زيدا وهو سيكون لك أخا يعنى وهو عدو الآن؛ لأن
стр. 1087
(وهو أخوك كما يصح أتضرب زيدا وهو أخوك؟ ) قصدا إلى إنكار الفعل الواقع فى الحال؛ بمعنى أنه لا ينبغى أن يكون ذلك لأن هل تخصص المضارع بالاستقبال فلا تصلح لإنكار الفعل الواقع فى الحال، بخلاف الهمزة فإنها تصلح لإنكار الفعل الواقع فى الحال لأنها ليست مخصصة للمضارع بالاستقبال، ...
===
ذلك تعسف، وإذا كانت الأخوة حالية وهى قيد فى الفعل أفادت إرادة الحال فى الفعل لوجوب مقارنة المقيد لقيده فى الزمان، وإذا كان المراد بالفعل الحال كان منافيا لمفاد هل مع المضارع وهو الاستقبال، وحينئذ فلا يصح أن يقال ما ذكر من المثال
(قوله: وهو أخوك) قيل المراد بالأخوة التآخى وهو الصداقة لا الأخوة الحقيقية، وإلا لكانت الجملة الاسمية حالا مؤكدة فلم يجز دخول الواو عليها كما تقرر فى النحو. انتهى.
قال العلامة عبد الحكيم: وهذا سهو ظاهر؛ لأن الحال المؤكدة ما كانت مؤكدة لمضمون جملة وهو لا يكون إلا اسما غير حدث كما نص عليه الرضى. اهـ.
أى: وحينئذ فالحال هنا غير مؤكدة سواء أريد بالأخوة الصداقة أو الأخوة الحقيقية.
(قوله: قصدا إلخ) أى: يقال كل من المثالين فى حالة القصد إلى إنكار الفعل أو تقولهما حالة كونك قاصدا إنكار الفعل الواقع فى الحال لا قاصدا الاستفهام عن وقوع الضرب، إذ لا معنى للاستفهام عن الضرب المقارن لكون المضروب أخا
(قوله: بمعنى إلخ) متعلق بإنكار أى: قاصدا إنكاره بهذا المعنى، وإنما قيد بذلك إشارة إلى أنه إنكار توبيخ وهو مستلزم لوقوع الفعل لا أنه إنكار تكذيب وإبطال مستلزم لعدم وقوع الفعل وإلا لورد عليه أن إنكار الفعل الواقع ونفيه باطل، وسيأتى إن شاء الله تعالى أن الإنكار يكون لهذين المعنيين
(قوله: لا ينبغى أن يكون ذلك) أى: أن يقع منك الضرب فالإنكار إنما تسلط على الانبغاء
(قوله: لأن هل إلخ) هذا تعليل لعدم الصحة فى المثال الأول فى كلام المصنف وللصحة فى المثال الثانى فيه، وهذا التعليل يشير إلى قياس من الشكل الأول حذفت كبراه ونظمه هكذا هل تخصص المضارع بالاستقبال وكل ما خصص الفعل المضارع بالاستقبال لا يصلح لإنكار الفعل الواقع فى الحال ينتج هل لا تصلح
стр. 1088
وقولنا: فى أن يكون الضرب واقعا فى الحال ليعلم أن هذا الامتناع جار فى كل ما يوجد فيه قرينة تدل على أن المراد إنكار الفعل الواقع فى الحال؛ سواء عمل ذلك المضارع فى جملة حالية؛ كقولك: أتضرب زيدا وهو أخوك؟ أو لا كقوله تعالى:
أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١)، وكقولك: أتؤذى أباك، وأتشتم الأمير؛ فلا يصح وقوع هل فى هذه المواضع ...
===
لإنكار الفعل الواقع فى الحال وذلك لتنافى مقتضييهما، ويلزم من ذلك عدم صحة المثال المحتوى عليها إذا كان الفعل حاليا كما فى المثال الأول فقول الشارح فلا تصلح إلخ، إشارة للنتيجة والدعوى لازمة لها
(قوله: وقولنا) مبتدأ وقوله ليعلم خبره
(قوله: فى كل ما) أى فى كل تركيب يوجد فيه قرينة، بل فى كل ما أريد به الحال وإن لم يكن قرينة غاية الأمر أنا لا نطلع على البطلان بدون القرينة، إلا أنه فى نفسه غير صحيح لا يسوغ للمستعمل وكلام الشارح يوهم حصر الامتناع فى القرينة- ا. هـ سم.
(قوله: سواء عمل إلخ) الأوضح أن يقول سواء كانت القرينة لفظية كما إذا عمل المضارع فى جملة حالية كقولك: أتضرب زيدا وهو أخوك، فإن قولك: وهو أخوك قرينة على أن الفعل المنكر واقع فى الحال أو كانت حالية كقوله تعالى إلخ، فإن القرينة فى الأمثلة الثلاثة المذكورة حالية وهى التوبيخ؛ لأنه لا يكون إلا على فعل واقع فى الحال أو فى الماضى لا على المستقبل، وقد يقال يبعد كون الفعل واقعا فى الحال فى الأمثلة الثلاثة إذا القول وقع من المخاطبين المنكر عليهم فيما مضى قبل التكلم، وكذا الإيذاء إلا أن يقال: لما كان هذا الخطاب واقعا عقب القول والفعل من غير فصل كان كل منهما حاليا، أو أن كلا منهما حالى من حيث الإدامة عليه- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: أتقولون إلخ) الخطاب لليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله
(قوله: فلا يصح وقوع هل فى هذه المواضع) أى: التى دلت فيها القرينة على إنكار الفعل
стр. 1089
ومن العجائب ما وقع لبعضهم فى شرح هذا الموضع من أن هذا الامتناع بسبب أن الفعل المستقبل لا يجوز تقييده بالحال، وإعماله فيها، ولعمرى إن هذه فرية ما فيها مرية؛ إذ لم ينقل عن أحد من النحاة امتناع مثل: سيجىء زيد راكبا، وسأضرب زيدا، وهو بين يدى الأمير؛ كيف وقد قال الله تعالى: سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (١) ...
===
الواقع فى الحال، وإنما لم يصح وقوع هل فيها؛ لأن هل للاستقبال المنافى لحصول الفعل الحالى
(قوله: ومن العجائب إلخ) اعلم أن السبب فى عدم صحة المثال على كلام شارحنا كون الفعل المضارع معناه واقعا فى الحال وهل لا تدخل عليه؛ لأنها إذا دخلت على مضارع خلصته للاستقبال فلو دخلت على الحاصل فى الحال لحصل التنافى والسبب فى الامتناع على كلام ذلك البعض هو أن هل لما دخلت على الفعل المضارع صيّرته نصا فى الاستقبال، وحينئذ فلا يجوز تقييده بالحال وهو فى هذا المثال قد قيد بها.
(قوله: ما وقع لبعضهم) هو العلامة الشيرازى، وقوله فى شرح هذا الموضع أى:
من المفتاح
(قوله: لا يجوز تقييده إلخ) وذلك لعدم مقارنة الحال للاستقبال والقيد والمقيد يجب اقترانهما فى الزمان أى: وهو فى هذا المثال قد قيد بها وعمل فيها، وقوله وإعماله فيها: عطف لازم على ملزوم
(قوله: ولعمرى إلخ) أى: ولحياتى إن مقالة هذا البعض كذبة من غير شك، فالفرية الكذب والمرية الشك وفى تسميته ذلك فرية تسمح؛ لأن الافتراء تعمد الكذب وهو غير موجود هنا
(قوله: سيجىء زيد إلخ) أى: فالمجىء مستقبل بدليل السين وقد قيد بالحال المنفردة، وكذلك قوله بعد سأضرب زيدا فإنه مستقبل بدليل السين وقيد بالحال التى هى جملة اسمية لنكتة، والنكتة فى تعداد الأمثلة الإشارة إلى أنه لا فرق بين أن تكون الحال التى قيد بها الفعل المستقبل مفردة أو جملة
(قوله: كيف وقد قال إلخ) أى: كيف تصح مقالة هذا البعض والحال أن الله تعالى قال: سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ أى: صاغرين، فإن الدخول استقبالى بدليل السين، وقد قيد بالحال
стр. 1090
و (إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ. مُهْطِعِينَ (١).
وفى الحماسة:
سأغسل عنّى العار بالسّيف جالبا ... علىّ قضاء الله ما كان جالبا
===
وهى قوله داخرين قيل فى تمثيل الشارح بهذه الآية وما بعدها تعريض بذلك البعض، وهذا خلاف الظن بالشارح مع مثل هذا الإمام
(قوله: إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ إلخ) فالتأخير لذلك اليوم وهو يوم القيامة استقبالى، وقد قيد بالحال وهى قوله: مهطعين أى: مسرعين
(قوله: وفى الحماسة) هو ديوان لأبى تمام جمع فيه كلام العرب المتعلق بالحماسة أى: الشجاعة، والمراد بالغسل فى البيت الدفع من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، وبالسيف متعلق بأغسل وهو على تقدير مضاف أى: باستعمال السيف فى الأعداء وجالبا حال من فاعل أغسل وهو محل الاستشهاد؛ لأن عامل الحال فعل مستقبل بدليل اقترانه بالسين وعلى متعلق بجالبا وقضاء الله بالرفع فاعل جالبا الأول وما كان جالبا مفعوله والقضاء بمعنى الحكم، والمعنى: سأدفع عن نفسى العار باستعمال السيف فى الأعداء فى حال جلب حكم الله على الشىء الذى كان يجلبه من عداوة الأعداء وإنكارهم وأذيتهم وإذا دفع العار فى هذه الحالة فيكون دفعه فى غيرها بالأولى، فالمقصود المبالغة فى أنه لا يترك دفع العار فى حال من الأحوال، ويصح نصب القضاء على أنه مفعول لجالبا وفاعله ما كان جالبا، وعلى هذا فالمراد بالقضاء الموت المحتوم والقدر المقدور وإضافته لله لكونه بمعنى إماتة الله، والمعنى: سأدفع العار عن نفسى باستعمال السيف فى الأعداء فى حال جلب الموت الشىء الذى كان جالبه علىّ فهى حال سببية على الاحتمالين رافعة للظاهر، والضمير العائد على ذى الحال منها هو ضمير على المتعلقة بجالبا الثانى على الاحتمال الثانى؛ لأنه من متعلقات السببى وبجالبا الأول على الاحتمال الأول، والضمير فى ما كان على هذا التقدير الثانى عائد على ما وهو اسم كان وجالبا خبرها، وأما على التقدير الأول، فالضمير فى كان عائد على القضاء وكان الواجب إبرازه لجريانه على غير من هو له، والعائد على الموصول أو الموصوف محذوف، وبعد البيت المذكور: