فى أن يكون الضرب واقعا فى الحال على ما يفهم عرفا من قوله: ...
===
الصحة أن هل للاستقبال والفعل الواقع بعدها هنا حالى فقد تنافى الأمران والدليل على أن الفعل هنا حالى أن جملة وهو أخوك حالية مضمونها حاصل فى الحال ومضمون الحال قيد فى عاملها، فلما كان مضمون الحال وهو الأخوة ثابتا فى الحال وقيد الحال وهو الضرب بذلك كان العامل أيضا واقعا فى الحال، والحاصل أن مضمون الحال قيد للعامل، ثم إن كان مضمون الحال حاصلا فى حال التكلم كما فى هذا المثال لزم أن يكون مضمون العامل حاصلا فى تلك الحال أيضا لوجوب مقارنة المقيد لقيده فى الزمان وإن لم يكن مضمون الحال ثابتا فى حال التكلم كما فى قولك: جاء زيد راكبا لم يكن مضمون العامل حاصلا فى تلك الحال- كذا قرر شيخنا العدوى، وظهر لك منه أن المراد بعدم الصحة فى قول المصنف فلا يصح عدمها بحسب الاستعمال وإن أمكن عقلا، ولا يقال إن إطلاق عدم الصحة مشكل؛ لأن هل قد تكون بمعنى قد وقد لا تنافى الحالية؛ لأنا نقول كلامنا فى هل المنقولة للاستفهام لا فى هل مطلقا كما مر. اهـ يس.
(قوله: فى أن يكون) متعلق بقول محذوف أى: فلا يصح قولك هذا فى حالة كون الضرب واقعا فى الحال فأن فى كلام الشارح مصدرية، وهل يصح أن تقرأ بالمد وتكون بمعنى زمن أى: لا يصح قولك هذا فى زمن يكون الضرب واقعا إلخ، والظاهر عدم الصحة؛ لأن جملة يكون الضرب إلخ صفة لأن ولا عائد فيها
(قوله: على ما يفهم) أى: وهو هنا كذلك على ما يفهم عرفا من قوله وهو أخوك، فإن الشائع فى العرف أنه إذا قيل: زيد أخوك كان معناه أنه متصف بالأخوة فى الحال، وإنما قيد بالعرف؛ لأن معنى زيد أخوك بحسب الوضع أنه ثبت له الاتصاف بالأخوة ساعة ما ولو فى الماضى- كذا قرر شيخنا العدوى، والحاصل أن تقييد الضرب بالأخوة يفيد شيئين أحدهما الإنكار؛ لأن من أنكر المناكر ضرب الأخ صداقة أو نسبا والآخر حالية الضرب؛ لأن الأخوة حالية، إذ لا يراد استقبالها ولا مضيها؛ لأن الاستفهام الإنكارى لا يناسبه إلا الحال، إذ لا معنى لقولنا: أتضرب زيدا وهو سيكون لك أخا يعنى وهو عدو الآن؛ لأن
стр. 1087
(وهو أخوك كما يصح أتضرب زيدا وهو أخوك؟ ) قصدا إلى إنكار الفعل الواقع فى الحال؛ بمعنى أنه لا ينبغى أن يكون ذلك لأن هل تخصص المضارع بالاستقبال فلا تصلح لإنكار الفعل الواقع فى الحال، بخلاف الهمزة فإنها تصلح لإنكار الفعل الواقع فى الحال لأنها ليست مخصصة للمضارع بالاستقبال، ...
===
ذلك تعسف، وإذا كانت الأخوة حالية وهى قيد فى الفعل أفادت إرادة الحال فى الفعل لوجوب مقارنة المقيد لقيده فى الزمان، وإذا كان المراد بالفعل الحال كان منافيا لمفاد هل مع المضارع وهو الاستقبال، وحينئذ فلا يصح أن يقال ما ذكر من المثال
(قوله: وهو أخوك) قيل المراد بالأخوة التآخى وهو الصداقة لا الأخوة الحقيقية، وإلا لكانت الجملة الاسمية حالا مؤكدة فلم يجز دخول الواو عليها كما تقرر فى النحو. انتهى.
قال العلامة عبد الحكيم: وهذا سهو ظاهر؛ لأن الحال المؤكدة ما كانت مؤكدة لمضمون جملة وهو لا يكون إلا اسما غير حدث كما نص عليه الرضى. اهـ.
أى: وحينئذ فالحال هنا غير مؤكدة سواء أريد بالأخوة الصداقة أو الأخوة الحقيقية.
(قوله: قصدا إلخ) أى: يقال كل من المثالين فى حالة القصد إلى إنكار الفعل أو تقولهما حالة كونك قاصدا إنكار الفعل الواقع فى الحال لا قاصدا الاستفهام عن وقوع الضرب، إذ لا معنى للاستفهام عن الضرب المقارن لكون المضروب أخا
(قوله: بمعنى إلخ) متعلق بإنكار أى: قاصدا إنكاره بهذا المعنى، وإنما قيد بذلك إشارة إلى أنه إنكار توبيخ وهو مستلزم لوقوع الفعل لا أنه إنكار تكذيب وإبطال مستلزم لعدم وقوع الفعل وإلا لورد عليه أن إنكار الفعل الواقع ونفيه باطل، وسيأتى إن شاء الله تعالى أن الإنكار يكون لهذين المعنيين
(قوله: لا ينبغى أن يكون ذلك) أى: أن يقع منك الضرب فالإنكار إنما تسلط على الانبغاء
(قوله: لأن هل إلخ) هذا تعليل لعدم الصحة فى المثال الأول فى كلام المصنف وللصحة فى المثال الثانى فيه، وهذا التعليل يشير إلى قياس من الشكل الأول حذفت كبراه ونظمه هكذا هل تخصص المضارع بالاستقبال وكل ما خصص الفعل المضارع بالاستقبال لا يصلح لإنكار الفعل الواقع فى الحال ينتج هل لا تصلح
стр. 1088
وقولنا: فى أن يكون الضرب واقعا فى الحال ليعلم أن هذا الامتناع جار فى كل ما يوجد فيه قرينة تدل على أن المراد إنكار الفعل الواقع فى الحال؛ سواء عمل ذلك المضارع فى جملة حالية؛ كقولك: أتضرب زيدا وهو أخوك؟ أو لا كقوله تعالى:
أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١)، وكقولك: أتؤذى أباك، وأتشتم الأمير؛ فلا يصح وقوع هل فى هذه المواضع ...
===
لإنكار الفعل الواقع فى الحال وذلك لتنافى مقتضييهما، ويلزم من ذلك عدم صحة المثال المحتوى عليها إذا كان الفعل حاليا كما فى المثال الأول فقول الشارح فلا تصلح إلخ، إشارة للنتيجة والدعوى لازمة لها
(قوله: وقولنا) مبتدأ وقوله ليعلم خبره
(قوله: فى كل ما) أى فى كل تركيب يوجد فيه قرينة، بل فى كل ما أريد به الحال وإن لم يكن قرينة غاية الأمر أنا لا نطلع على البطلان بدون القرينة، إلا أنه فى نفسه غير صحيح لا يسوغ للمستعمل وكلام الشارح يوهم حصر الامتناع فى القرينة- ا. هـ سم.
(قوله: سواء عمل إلخ) الأوضح أن يقول سواء كانت القرينة لفظية كما إذا عمل المضارع فى جملة حالية كقولك: أتضرب زيدا وهو أخوك، فإن قولك: وهو أخوك قرينة على أن الفعل المنكر واقع فى الحال أو كانت حالية كقوله تعالى إلخ، فإن القرينة فى الأمثلة الثلاثة المذكورة حالية وهى التوبيخ؛ لأنه لا يكون إلا على فعل واقع فى الحال أو فى الماضى لا على المستقبل، وقد يقال يبعد كون الفعل واقعا فى الحال فى الأمثلة الثلاثة إذا القول وقع من المخاطبين المنكر عليهم فيما مضى قبل التكلم، وكذا الإيذاء إلا أن يقال: لما كان هذا الخطاب واقعا عقب القول والفعل من غير فصل كان كل منهما حاليا، أو أن كلا منهما حالى من حيث الإدامة عليه- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: أتقولون إلخ) الخطاب لليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله
(قوله: فلا يصح وقوع هل فى هذه المواضع) أى: التى دلت فيها القرينة على إنكار الفعل
стр. 1089
ومن العجائب ما وقع لبعضهم فى شرح هذا الموضع من أن هذا الامتناع بسبب أن الفعل المستقبل لا يجوز تقييده بالحال، وإعماله فيها، ولعمرى إن هذه فرية ما فيها مرية؛ إذ لم ينقل عن أحد من النحاة امتناع مثل: سيجىء زيد راكبا، وسأضرب زيدا، وهو بين يدى الأمير؛ كيف وقد قال الله تعالى: سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (١) ...
===
الواقع فى الحال، وإنما لم يصح وقوع هل فيها؛ لأن هل للاستقبال المنافى لحصول الفعل الحالى
(قوله: ومن العجائب إلخ) اعلم أن السبب فى عدم صحة المثال على كلام شارحنا كون الفعل المضارع معناه واقعا فى الحال وهل لا تدخل عليه؛ لأنها إذا دخلت على مضارع خلصته للاستقبال فلو دخلت على الحاصل فى الحال لحصل التنافى والسبب فى الامتناع على كلام ذلك البعض هو أن هل لما دخلت على الفعل المضارع صيّرته نصا فى الاستقبال، وحينئذ فلا يجوز تقييده بالحال وهو فى هذا المثال قد قيد بها.
(قوله: ما وقع لبعضهم) هو العلامة الشيرازى، وقوله فى شرح هذا الموضع أى:
من المفتاح
(قوله: لا يجوز تقييده إلخ) وذلك لعدم مقارنة الحال للاستقبال والقيد والمقيد يجب اقترانهما فى الزمان أى: وهو فى هذا المثال قد قيد بها وعمل فيها، وقوله وإعماله فيها: عطف لازم على ملزوم
(قوله: ولعمرى إلخ) أى: ولحياتى إن مقالة هذا البعض كذبة من غير شك، فالفرية الكذب والمرية الشك وفى تسميته ذلك فرية تسمح؛ لأن الافتراء تعمد الكذب وهو غير موجود هنا
(قوله: سيجىء زيد إلخ) أى: فالمجىء مستقبل بدليل السين وقد قيد بالحال المنفردة، وكذلك قوله بعد سأضرب زيدا فإنه مستقبل بدليل السين وقيد بالحال التى هى جملة اسمية لنكتة، والنكتة فى تعداد الأمثلة الإشارة إلى أنه لا فرق بين أن تكون الحال التى قيد بها الفعل المستقبل مفردة أو جملة
(قوله: كيف وقد قال إلخ) أى: كيف تصح مقالة هذا البعض والحال أن الله تعالى قال: سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ أى: صاغرين، فإن الدخول استقبالى بدليل السين، وقد قيد بالحال
стр. 1090
و (إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ. مُهْطِعِينَ (١).
وفى الحماسة:
سأغسل عنّى العار بالسّيف جالبا ... علىّ قضاء الله ما كان جالبا
===
وهى قوله داخرين قيل فى تمثيل الشارح بهذه الآية وما بعدها تعريض بذلك البعض، وهذا خلاف الظن بالشارح مع مثل هذا الإمام
(قوله: إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ إلخ) فالتأخير لذلك اليوم وهو يوم القيامة استقبالى، وقد قيد بالحال وهى قوله: مهطعين أى: مسرعين
(قوله: وفى الحماسة) هو ديوان لأبى تمام جمع فيه كلام العرب المتعلق بالحماسة أى: الشجاعة، والمراد بالغسل فى البيت الدفع من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، وبالسيف متعلق بأغسل وهو على تقدير مضاف أى: باستعمال السيف فى الأعداء وجالبا حال من فاعل أغسل وهو محل الاستشهاد؛ لأن عامل الحال فعل مستقبل بدليل اقترانه بالسين وعلى متعلق بجالبا وقضاء الله بالرفع فاعل جالبا الأول وما كان جالبا مفعوله والقضاء بمعنى الحكم، والمعنى: سأدفع عن نفسى العار باستعمال السيف فى الأعداء فى حال جلب حكم الله على الشىء الذى كان يجلبه من عداوة الأعداء وإنكارهم وأذيتهم وإذا دفع العار فى هذه الحالة فيكون دفعه فى غيرها بالأولى، فالمقصود المبالغة فى أنه لا يترك دفع العار فى حال من الأحوال، ويصح نصب القضاء على أنه مفعول لجالبا وفاعله ما كان جالبا، وعلى هذا فالمراد بالقضاء الموت المحتوم والقدر المقدور وإضافته لله لكونه بمعنى إماتة الله، والمعنى: سأدفع العار عن نفسى باستعمال السيف فى الأعداء فى حال جلب الموت الشىء الذى كان جالبه علىّ فهى حال سببية على الاحتمالين رافعة للظاهر، والضمير العائد على ذى الحال منها هو ضمير على المتعلقة بجالبا الثانى على الاحتمال الثانى؛ لأنه من متعلقات السببى وبجالبا الأول على الاحتمال الأول، والضمير فى ما كان على هذا التقدير الثانى عائد على ما وهو اسم كان وجالبا خبرها، وأما على التقدير الأول، فالضمير فى كان عائد على القضاء وكان الواجب إبرازه لجريانه على غير من هو له، والعائد على الموصول أو الموصوف محذوف، وبعد البيت المذكور:
стр. 1091
وأمثال هذه أكثر من أن تحصى، وأعجب من هذا أنه لما سمع قول النحاة أنه يجب تجريد صدر الجملة الحالية ...
===
وأذهل عن دارى وأجعل هدمها ... لعرضى من باقى المذمّة حاجبا
ويصغر فى عينى تلادى إذا انثنت ... يمينى بإدراك الذى كنت طالبا (١)
بريد أنى أترك دارى وأجعل خرابها وقاية لعرضى ويخف على قلبى تركها خوفا من لحوق العار ويقل فى عينى إنفاق تلادى أى: مالى القديم عند انصراف يمينى حائزة للمطلوب
(قوله: وأمثال هذه) أى: ونظائر هذه الأمثلة والشواهد أكثر من أن تحصى أى: أكثر من ذى أن تحصى أى: أكثر مما يمكن أن يحصى هذا هو المراد إلا أنه تسومح فى العبارة اعتمادا على ظهور المراد، وبهذا اندفع ما يقال: إن ما بعد من وهو الإحصاء أى: الضبط بالعد لا يصلح أن يكون مفضلا عليه، إذ ليس مشاركا لما قبله فى أصل الكثرة فلا صحة للتعبير باسم التفضيل
(قوله: وأعجب من هذا) إنما كان أعجب؛ لأنه دليل فاسد يظهر مما جعله دليلا على دعواه أعنى: قول النحاة؛ لأن ذلك فى الجملة الحالية لا فى عاملها وقوله: أنه أى: ذلك البعض، وهذا الذى قاله هنا مخالف لما فى المطول، فإنه يقتضى أن ذلك السامع المستدل بكلام النحاة بعض آخر غير الأول، وكذا كلام العلامة اليعقوبى.
(قوله: لما سمع قول النحاة إلخ) اعلم أن النحاة اشترطوا فى الجملة الحالية أن تكون غير مصدرة بعلم استقبال؛ لأن الغرض من الحال تخصيص وقوع مضمون عاملها بوقت حصول مضمون الحال، وذلك ينافى الاستقبال، واعترض عليهم بأن الحال بالمعنى الذى نحن بصدده بجامع كلا من الأزمنة الثلاثة ولا مناسبة بين الحال المذكورة وبين الزمان الحاضر المقابل للاستقبال إلا فى إطلاق لفظ الحال على كل منهما اشتراكا لفظيا، وذلك لا يقتضى امتناع تصدير الحال بعلم الاستقبال، وأجيب بأن الأفعال إذا وقعت قيودا لما له اختصاص بأحد الأزمنة فهم منها استقباليتها وحاليتها وماضويتها بالنظر
стр. 1092
عن علم الاستقبال لتنافى الحال والاستقبال بحسب الظاهر على ما سنذكره حتى لا يجوز: يأتينى زيد سيركب، أو لن يركب فهم منه أنه يجب تجريد الفعل العامل فى الحال عن علامة الاستقبال حتى لا يصح تقييد مثل: هل يضرب، وسيضرب، ولن تضرب بالحال، وأورد هذا المقال دليلا على ما ادعاه، ...
===
لذلك القيد لا بالنظر لزمن التكلم كما فى معانيها الحقيقية، وحينئذ يظهر صحة كلامهم من اشتراط التجريد من علامة الاستقبال، إذ لو صدرت بها لفهم كونها مستقبلة بالنظر إلى عاملها- أ. هـ تصريح.
(قوله: عن علم) أى: علامة الاستقبال كالسين وسوف ولن وهل
(قوله: بحسب الظاهر) أى: وإن لم يكن هناك تناف بحسب نفس الأمر، إذ الكلام فى الحال النحوية وهى لا تنافى الاستقبال، بل يكون زمنها ماضيا وحالا ومستقبلا؛ لأن الواجب إنما هو مقارنتها لعاملها فزمنها زمن عاملها أيا كان والمنافى له إنما هو الحال الزمانية المقابلة للماضى والمستقبل
(قوله: على ما سنذكره) أى: فى بحث الحال فى أواخر باب الفصل والوصل فى التذنيب
(قوله: حتى لا يجوز) تفريع على قوله يجب تجريد أو على التنافى
(قوله: فهم منه إلخ) جواب لما وهذا الذى فهمه من كلامهم غير ما قالوه، فالذى ادعاه النحاة وجوب تجريد الحال من علامة الاستقبال، والذى فهمه وجوب تجريد الفعل العامل فى الحال من علامة الاستقبال لا نفس الحال كما هو الواقع فى كلام النحاة وبين الأمرين بون بعيد، ولعل منشأ فهمه- كما فى عبد الحكيم: أنه فهم من الجملة الحالية الواقعة فى قول النحاة الجملة التى وقعت الحال قيدا لها، مع أن مرادهم بالجملة الحالية التى وقعت حالا
(قوله: حتى لا يصح إلخ) غاية لوجوب تجريد الفعل العامل فى الحال من علم الاستقبال لامتناع عمل المستقبل فى الحال
(قوله: مثل هل يضرب) أى: فلا يقال هل يضرب زيد وهو راكب مثلا ولا سيضرب زيد وهو راكب، ولا لن يضرب زيد وهو راكب.
(قوله: وأورد هذا المقال) أى: لكلام النحاة وهو أنه يجب تجريد صدر الجملة الحالية عن علم الاستقبال لتنافى الحال، والاستقبال فى الظاهر، وقوله دليلا على ما ادعاه
стр. 1093
ولم ينظر فى صدر هذا المقال حتى يعرف أنه لبيان امتناع تصدير الجملة الحالية بعلم الاستقبال (ولاختصاص التصديق بها) أى: لكون هل مقصورة على طلب التصديق، وعدم مجيئها لغير التصديق كما ذكر فيما سبق (وتخصيصها المضارع بالاستقبال كان لها ...
===
أى: من وجوب تجريد عامل الحال من علم الاستقبال وفى بعض النسخ وأورد هذا المثال بالثاء المثلثة أى: يأتينى زيد سيركب أو لن يركب، فالمراد بالمثال جنسه أى: أنه ادعى وجوب تجريد عامل الحال من علم الاستقبال، واستدل على ذلك بمنع يأتينى زيد سيركب أو لن يركب
(قوله: ولم ينظر فى صدر هذا المقال) أى: وهو قولهم يجب تجريد صدر الجملة الحالية إلخ، فلو تأمل أدنى تأمل فيما قالوه لوجد أن الذى يجرد صدره هو الجملة الحالية لا عامل الحال- فسبحان من لا يسهو- وفى نسخة ولم ينظر فى صدر هذا المثال بالثاء المثلثة يعنى يأتينى زيد سيركب أى: فلو نظر فى صدره لعرف أنه ليس فى صدره علم استقبال، وإنما هو فى آخره فى الجملة الحالية
(قوله: أنه لبيان امتناع إلخ) أى: لا لبيان امتناع تصدير العامل فى الحال بعلم الاستقبال
(قوله: ولاختصاص التصديق بها إلخ) علة مقدمة على المعلول أعنى: قوله كان لها مزيدا إلخ أى: وكان لها مزيد اختصاص بما زمانيته أظهر لأجل اختصاص التصديق بها ولأجل تخصيصها المضارع بالاستقبال وقدم العلة اهتماما بها أو لأجل أن يكون اسم الإشارة فى قوله: بعد ولهذا كان إلخ عائدا على أقرب مذكور
(قوله: أى لكون هل إلخ) أشار الشارح بذلك إلى أن الباء فى كلام المصنف داخلة على المقصور وأن فى الكلام حذف مضاف، والأصل ولاختصاص طلب التصديق بها أى: ولكونها مقصورة على طلب التصديق لا تتعداه لطلب التصور وليست الباء داخلة على المقصور عليه، إذ التصديق يتعداها للهمزة، فالباء هنا بمنزلتها فى قولك: نخص ربنا بالعبادة بمعنى أن عبادتنا مقصورة عليه تعالى، لا أنه تعالى لا يكون له غيرها وهذا بخلاف الباء فى قوله: بعد، وتخصيصها المضارع بالاستقبال فإنها داخلة على المقصور عليه، فقد جمع المصنف فى العبارتين استعمالى التخصيص
(قوله: وعدم إلخ) هو بالجر عطف على طلب التصديق
(قوله: كما ذكر فيما سبق)
стр. 1094
مزيد اختصاص بما كونه زمانيا أظهر) وما موصولة، وكونه مبتدأ خبره أظهر، وزمانيا خبر الكون؛ أى: بالشىء الذى زمانيته أظهر (كالفعل) فإن الزمان جزء من مفهومه، بخلاف الاسم فإنه إنما يدل عليه حيث يدل بعروضه له؛ ...
===
أى: فى قوله وهل لطلب التصديق فحسب
(قوله: مزيد اختصاص) أى: اختصاص زائد، وإنما قال مزيد؛ لأن للاستفهام مطلقا نوع اختصاص بالفعل كما هو معروف فى علم النحو، والمراد بالاختصاص الارتباط والتعلق لا الحصر؛ لأنه لا يقبل التفاوت أى:
أن تعلقها بالفعل ودخولها عليه أزيد وأكثر من دخولها على الاسم، أو المراد به الاستدعاء أى: أن استدعاءها الفعل أزيد وأشد من استدعاء غيرها له
(قوله: بما كونه زمانيا) أى: بموالاة ما كونه زمانيا ففيه حذف مضاف
(قوله: أظهر) أى زمانية غيره كالاسم.
(قوله: كالفعل) أى: النحوى والإتيان بالكاف يقتضى أن ما زمانيته أظهر من غيره يشمل الفعل وغيره، وليس الأمر كذلك، إذ ما زمانيته أظهر من غيره قاصر على الفعل وكان الأولى أن يقول: وهو الفعل ويحذف الكاف، إلا أن تجعل الكاف استقصائية، ولم يعبر بالفعل من أول وهلة بأن يقول: كان لها مزيد اختصاص بالفعل إشارة إلى أن زيادة اختصاصها به من حيث أظهرية زمانه لا من جهة أخرى: كدلالته على الحدث مثلا، ويصح أن يكون تمثيله باعتبار الأفراد العقلية لما كونه زمانيا أظهر، فإن مفهومه أعم من الفعل وإن انحصر فى الخارج فيه لا باعتبار إدخالها لاسم الفعل بناء على أنه يدل على الحدث والزمان لا على لفظ الفعل كما قال النوبى؛ لأن هذا يتوقف على ثبوت دخول هل على اسم الفعل وأن لها مزيد اختصاص به دون بقية الجمل الاسمية ولم يثبت ذلك- فتأمل.
(قوله: فإن الزمان إلخ) علة لكون الفعل زمانيته أظهر من الاسم وقوله جزء من مفهومه أى: ودلالة الكل على جزئه أظهر من دلالة الشىء على لازمه
(قوله: حيث يدل) أى: إذا دل عليه بأن كان وصفا: كأنا ضارب الآن أو غدا
(قوله: بعروضه له) أى: بسبب عروض الزمان لذلك الاسم أى: لمدلوله من عروض اللازم للملزوم؛ وذلك
стр. 1095
أما اقتضاء تخصيصها المضارع بالاستقبال لمزيد اختصاصها بالفعل فظاهر، وأما اقتضاء كونها لطلب التصديق فقط لذلك فلأن التصديق هو الحكم بالثبوت أو الانتفاء، ...
===
لأن اسم الفاعل موضوع لذات قام بها الحدث ومن لوازم الحدث زمان يقع فيه، فالحاصل أن الفعل من حيث هو فعل لا ينفك عن الزمان بحسب الوضع بخلاف الاسم، فإنه قد ينفك عنه من حيث هو اسم وهذا لا ينافى عروضه أى: لزومه لمدلوله إذا كان وصفا
(قوله: أما اقتضاء إلخ) مصدر مضاف إلى فاعله ومفعوله قوله لمزيد اختصاصها واللام للتقوية متعلقة باقتضاء؛ لأنها ليست زائدة محضة حتى لا تتعلق بشىء والمضارع مفعول تخصيصها، وقوله بالفعل لم يقل بنحو الفعل إشارة إلى أن الكاف فى قوله: كالفعل ليست بمعنى مثل، بل استقصائية
(قوله: فظاهر) وذلك لأن هل إذا كانت تخصص الفعل المضارع بزمان الاستقبال كان لها ارتباط وتعلق بالفعل؛ لأن الفعل المضارع نوع من مطلق الفعل وما كان له تعلق بالنوع كان له تعلق بالجنس؛ ولأنها إذا كانت تخصص المضارع بالاستقبال صار لها فيه تأثير وتأثيرها فى المضارع دليل على أن لها مزيد تعلق بجنس الفعل وإلا لما أثرت فى بعض أنواعه وبما ذكرناه اندفع ما يقال: إن غاية ما يفيده هذا التعليل الثانى الواقع فى المتن أن هل إذا دخلت على المضارع خصصته بالاستقبال ولا يلزم منه مزيد اختصاصها بالمضارع، ولا كون دخولها عليه أكثر من دخولها على الأسماء حتى يتم ما ذكره لجواز أن تدخل عليه قليلا وإذا دخلت عليه خصصته ونظير هذا أن قد تقرب الماضى من الحال ولا يلزم منه كون دخولها على الماضى أكثر من دخولها على المضارع، وحاصل الدفع أنها لما كانت تخصص المضارع بالاستقبال دون الاسم كان لها مزيد ارتباط بالفعل دون الاسم؛ لأن الفعل المضارع نوع من مطلق الفعل وما كان لازما للنوع: كان لازما للجنس، واعلم أن تفصيل الشارح للمقتضى يفيد أن اختصاصها بما زمانيته أظهر نشأ من كل واحد من الأمرين السابقين لا من مجموعهما
(قوله: لذلك) أى: لمزيد اختصاصها بالفعل وهو مفعول باقتضاء واللام للتقوية.
(قوله: هو الحكم بالثبوت أو الانتفاء) المراد بالحكم الإدراك، وأما الثبوت والانتفاء فيحتمل أن يراد بهما الوقوع واللاوقوع للنسبة الحكمية، فكأنه قال فلان
стр. 1096
والنفى والإثبات إنما يتوجهان إلى المعانى والأحداث التى هى مدلولات الأفعال، لا إلى الذوات التى هى مدلولات الأسماء (ولهذا) أى: ولأن لهل ...
===
التصديق وإدراك وقوع الثبوت أو إدراك عدم وقوع الثبوت، والأول فى القضية الموجبة، والثانى فى السالبة، وهذا مبنى على أن النسبة فى القضيتين واحدة وهى الثبوت ويحتمل أن يكون مراده بالثبوت والانتفاء نفس النسبة الحكمية، فكأنه قال فلان التصديق هو إدراك النسبة الحكمية أعنى: الثبوت والانتفاء أى: إدراك مطابقتها أو عدم مطابقتها وهذا مبنى على أن النسبة فى القضية السالبة سلبية
(قوله: والنفى والإثبات إلخ) فيه أن النفى والإثبات هو الحكم الذى هو إدراك وقوع الثبوت فى القضية الموجبة وإدراك وقوع الانتفاء فى القضية السالبة، والحكم لا يتوجه للمعانى والأحداث، وإنما المتوجه إليهما النسب وهى الانتفاء والثبوت، فكان الأولى أن يقول: والانتفاء والثبوت إنما يتوجهان إلخ، وأجيب بأن مراد الشارح بالنفى والإثبات: الانتفاء والثبوت، ومحصل كلامه أن التصديق الذى اختصت به هل متعلق بالأفعال بواسطة أن متعلقه وهو الثبوت والانتفاء يتوجهان للمعانى والأحداث التى هى مدلولات للأفعال، فلذا كان تعلقها بالفعل أشد- كذا قرر شيخنا العدوى
(قوله: والأحداث) عطفها على المعانى عطف تفسير، والمراد بها ما يشمل الصفات القائمة بالغير
(قوله: التى هى مدلولات الأفعال) فى هذا التوجيه نظر؛ لأنه يقتضى أنه لا يجوز دخول هل على الجملة الاسمية لعدم دلالتها على المعانى والأحداث، والمدعى أن لها زيادة تعلق بالفعل لا أنها مختصة به، وأجيب بأن تلك المعانى والأحداث والمدعى أن لها زيادة تعلق بالفعل لا أنها مختصة به، وأجيب بأن تلك المعانى والأحداث كما هى مدلولات الأفعال مدلولات أيضا للأسماء المشتقة، لكنها مدلولات للأفعال بطريق الأصالة ومدلولات للمشتقات بطريق التبعية، فلذا كان لها مزيد تعلق بالأفعال، فقول الشارح التى هى مدلولات الأفعال أى: بطريق الأصالة، وأما فى الأسماء المشتقة فبطريق العروض والتبع
(قوله: لا إلى الذوات) أى: الأمور القائمة بنفسها؛ لأنها مستمرة ثابتة نسبتها فى جميع الأزمنة على السواء؛ لأن الذوات ذوات فى الماضى والحال والاستقبال، وأورد على الشارح أن هذا التوجيه إنما ينتج زيادة تعلق هل بالفعل وأوليتها
стр. 1097
مزيد اختصاص بالفعل (كان: فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (١) أدل على طلب الشكر من: فهل تشكرون، وفهل أنتم تشكرون) مع أنه مؤكد بالتكرير؛ لأن أَنْتُمْ فاعل لفعل محذوف ...
===
بالنسبة للاسم المفرد لا بالنسبة للجملة الاسمية؛ لأنها متضمنة أيضا للنسبة التى تتوجه للمعانى والأحداث، وأجيب بأن صاحب النسبة فى الاسمية المحمول، وقد فصل بين هل وبينه بالموضوع فصارت الجملة المذكورة ليست أولى بهل لما يلزم من دخولها عليها الفصل بينها وبين مطلوبها بخلاف الفعل إذا دخلت عليه هل فلا يلزم عليه فصل بينها وبين مطلوبها، فلذا كان أولى بها على أن النسب فى الجمل المذكورة مدلولات للروابط.
(قوله: مزيدا اختصاص بالفعل) أى: بحيث إذا عدل بها عن موالاتها الفعل كان للاعتناء بالمعدول إليه.
(قوله: كان فهل أنتم شاكرون) أى: الذى عدل فيه عن الفعل إلى الجملة الاسمية (قول: أدل) خبر كان وقوله على طلب الشكر أى: على طلب حصوله فى الخارج؛ لأنه المراد دون الاستفهام لامتناعه من علام الغيوب- كذا قال العلامة السيد، وتبعه عليه غيره وهو يفيد أن المقصود بالاستفهام هنا طلب حصول الفعل، وأن المعنى المراد حصلوا الشكر وهذا معنى آخر غير ما تقدم لهل فى أنها لطلب التصديق، والمذكور هنا معنى مجازى لها مرسل علاقته الإطلاق والتقييد- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: من فهل تشكرون) الحاصل أن الصور ست؛ لأن الاستفهام إما بهل أو بالهمزة وكل منهما إما داخل على جملة فعلية أو اسمية خبرها فعل أو اسم، وفهل أنتم شاكرون أدل على طلب الشكر من الخمسة الباقية بعدها لما ذكره المصنف، وجعل هل داخلة على جملة اسمية خبرها فعل نظرا للصورة.
(قوله: مع أنه مؤكد إلخ) الضمير للمثال الثانى وهو فهل أنتم تشكرون
(قوله: لفعل محذوف) أى: فالأصل هل تشكرون تشكرون فحذف الفعل الأول، فانفصل الضمير وإنما كان أنتم فاعلا لمحذوف كما قال لما تقدم من أن هل إذا رأت الفعل فى
стр. 1098
(لأن إبراز ما سيتجدد فى معرض الثابت أدل على كمال العناية بحصوله) من إبقائه على أصله، ...
===
حيزها لا ترضى إلا بمعانقته وما ذكره من أن أنتم فاعل بمحذوف مبنى على الأصح ويجوز أن يكون فاعلا معنى، ثم قدم على مذهب السكاكى
(قوله: لأن إبراز إلخ) هذا علة للعلية أو للمعلل مع علته، والمراد بالإبراز الإظهار
(قوله: ما سيتجدد) أى: ما يتقيد وجوده بزمن الاستقبال الذى هو مضمون الفعل المضارع الواقع بعد هل كالشكر؛ لأنها تخصص المضارع بالاستقبال
(قوله: فى معرض الثابت) أى: فى صورة الأمر الثابت فى الحال الغير المقيد بالزمان
(قوله: أدل) أى: أقوى دلالة على كمال العناية أى: الاعتناء وقوله بحصوله أى: بحصول ما سيتجدد وقوله من إبقائه أى: من إبقاء ما سيتجدد، وقوله على أصله أى: الذى هو إبراز فى صورة المتجدد وهى الجملة الفعلية والاسمية التى خبرها فعل ووجه كون إبرازه ما سيتجدد فى معرض الثابت يدل على كمال العناية بما سيتجدد أن إبراز ما كان وجوده مقيدا بالاستقبال فى صورة الثابت الغير المقيد بزمان يدل على طلب حصول غير مقيد بزمان من الأزمنة، ولا شك أن المنبئ عن طلب حصول مطلق أقوى دلالة مما ينبئ عن طلب حصول مقيد بزمن، ثم إن هذا الكلام لطلب أصل الشكر لكون المقام مقتضيا لذلك كما يدل عليه قول المصنف أدل على طلب الشكر لا لطلب استمرار الشكر، فلا يرد ما قيل إن الاستمرار التجددى المستفاد من هل أنتم تشكرون أمس بالمقام من الاستمرار الثبوتى المستفاد من فهل أنتم شاكرون لدلالته على طلب استمرار الشكر على سبيل التجدد الأشق على النفس المستدعى لزيادة الثواب، وحينئذ فلا يتم ما ادعاه المصنف من أن فهل أنتم شاكرون أدل على طلب الشكر من فهل أنتم تشكرون- أفاد ذلك العلامة عبد الحكيم- فإن قلت: سلمنا أن هل فى هل أنتم تشكرون داخلة على الفعل تقديرا، لكنه لما كان فى قالب الجملة الاسمية وجد فيه إبراز ما سيتجدد فى معرض الثابت صورة وهم يعتبرونها فى استخراج النكات، فكيف يكون هل أنتم شاكرون أدل عليه من فهل أنتم تشكرون مع أنه مساو له قلت: إن هل أنتم تشكرون لا يفيد الثبوت صورة أيضا لما تقدم للشارح فى بحث
стр. 1099
كما فى: هل تشكرون، وفهل أنتم تشكرون؛ لأن هل فى هل تشكرون وهل أنتم تشكرون على أصلها لكونها داخلة على الفعل؛ تحقيقا فى الأول، وتقديرا فى الثانى (و) فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ أدل على طلب الشكر (من: أفأنتم شاكرون) أيضا (وإن كان الثبوت باعتبار) كون الجملة اسمية (لأن هل أدعى للفعل من الهمزة فتركه معها) أى: ترك الفعل مع هل (أدل على ذلك) أى: على كمال العناية بحصول ما سيتجدد (ولهذا) أى: ولأن هل أدعى للفعل من الهمزة (لا يحسن: هل زيد منطلق إلا من البليغ) ...
===
المسند فى قوله تعالى: لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي (١) من أن الجملة الاسمية إذا كان الخبر فيها جملة فعلية كانت مفيدة لاستمرار التجدد فقط ولا تفيد الثبوت، سلمنا أن فهل أنتم تشكرون يفيد الثبوت صورة، لكن ما يفيد ذلك بحسب الصورة والحقيقة معا أدل مما يفيد ذلك بحسب الصورة فقط
(قوله: كما فى هل تشكرون) أى:
كالإبقاء فى هل تشكرون
(قوله: لأن هل إلخ) علة لكون المثالين المذكورين فيهما إبقاء ما سيتجدد على أصله
(قوله: لكونها داخلة على الفعل) أى: فليس معها إبراز المتجدد فى صورة الثابت
(قوله: وتقديرا فى الثانى) أى: لأن أنتم فاعل بفعل محذوف يفسره الظاهر المذكور بعد
(قوله: من أفأنتم شاكرون) أى: وكذا هو أدل من أفأنتم تشكرون ومن أفتشكرون
(قوله: وإن كان) أى: هذا القول وهو أفأنتم شاكرون
(قوله: لأن هل) علة لكون هل أنتم شاكرون أدل على طلب الشكر من القول الذى فيه الاستفهام بالهمزة
(قوله: أدعى للفعل) أى: أطلب له أى أقوى طلبا له
(قوله: أدل على ذلك) أى:
بخلاف الترك مع الهمزة، وذلك لأن الفعل لازم بعد هل بخلافه بعد الهمزة، وترك اللازم لا يكون إلا لنكتة كشدة الاعتناء والاهتمام وشدة الطلب بخلاف ترك غير اللازم.
(قوله: أى ولأن هل ادعى للفعل) أى: بحيث لا يعدل عنه معها إلا لشدة الاهتمام والاعتناء بمفاد المعدول إليه
(قوله: هل زيد منطلق) أى: دون أن يقال هل ينطلق زيد
(قوله: إلا من البليغ) أى: لا من غيره ولو راعى ما ذكر؛ لأنه إذا اتفق
стр. 1100
لأنه الذى يقصد به الدلالة على الثبوت وإبراز ما سيوجد فى معرض الموجود.
(وهى) أى: هل (قسمان: بسيطة؛ وهى التى يطلب بها وجود الشىء) أو لا وجوده (كقولنا: هل الحركة موجودة) ...
===
مراعاة ما ذكر فى وقت كان بمثابة الأمور الاتفاقية الحاصلة بلا قصد
(قوله: لأنه الذى يقصد إلخ) أى: لأنه الذى شأنه مراعاة الاعتبارات وإفادة اللطائف بالعبارات، فإذا صدر منه مثلا: هل زيد منطلق، فإنه يقصد به الدلالة على الثبوت والاستمرار، وقوله:
وإبراز عطف على الدلالة أى: ويقصد به إبراز ما سيوجد فى معرض الموجود المناسبين للجملة الاسمية، وحاصله أنه إذا صدر هذا القول من البليغ كان المنظور إليه معنى لطيفا وهو الاستفهام عن استمرار انطلاق زيد، وكان الكلام مخرجا على خلاف مقتضى الظاهر، وهذا من فن البلاغة لإحاطة علمه بما تقتضيه هل من الفعل بخلاف ما إذا صدر من غير البليغ؛ لأن استعمال اللفظ فى غير موضعه إنما يكون عن جهل لا عن نظر إلى معنى لطيف فيكون هذا القول منه قبيحا، وعلى فرض أن يقصد نكتة فلا اعتداد بقصده لانتفاء بلاغته
(قوله: بسيطة) يطلق البسيط على ما لا جزء له كالجوهر الفرد وعلى ما يكون أقل أجزاء بالنسبة لغيره المقابل له والبساطة بهذا المعنى أمر نسبى، وهذا المعنى هو المراد هنا، وبساطة هل وتركيبها بالنظر لما تدخل عليه كالحركة فى البسيطة والحركة والدوام فى المركبة، وسيأتى إيضاح ذلك.
(قوله: وهى التى يطلب بها وجود الشىء) أى: التى يطلب بها التصديق بوقوع وجود الشىء ليوافق ما مر من أن هل لطلب التصديق أى: بحيث يكون الوجود محمولا على مدخولها كما فى: هل زيد موجود، وهل النار موجودة، أى: هل زيد ثبت له الوجود فى الخارج، وهل النار ثبت لها الوجود والتحقق فى الخارج، فقد ظهر لك أن المطلوب بها التصديق بوقوع النسبة التى بين الموضوع ووجوده أو بعدم وقوعها، وأن المراد بالشىء فى كلام المصنف الموضوع، وبالوجود الواقع محمولا الوجود الخارجى وهو التحقق فى الخارج لا الوجود بمعنى النسبة.
(قوله: هل الحركة موجودة) يقال هذا بعد معرفة الحركة المطلقة وهى خروج الجسم من حيز إلى حيز وقوله موجودة أى: ثابتة فى الخارج ومتحققة فيه، وقوله أو
стр. 1101
أولا موجودة (ومركبة؛ وهى التى يطلب بها وجود شىء لشىء) أو لا وجوده (كقولنا: هل الحركة دائمة) أو لا دائمة، فإن المطلوب وجود الدوام للحركة، أو لا وجوده لها، ...
===
لا موجودة أى: أو ليست ثابتة فى الخارج، بل هى أمر اعتبارى وهمى
(قوله: أو لا موجودة) فيه أن هذا ينافى ما تقرر بينهم من أن هل لا تدخل على منفى، وإن كانت لطلب التصديق مطلقا إيجابيا أو سلبيا على ما مر، وأجيب بأنه ليس مراد الشارح أنه يفرد هذا السلب بالسؤال بأن يقال هل الحركة لا موجودة، بل قصده بيان أن ذلك السؤال إذا وقع على وجه الإيجاب كان المراد منه طلب بيان أحد الأمرين إما الإيجاب أو السلب، وبعض الأفاضل حمل النفى فى قولهم: هل لا تدخل على نفى على النفى البسيط، وقولنا هل الحركة لا موجودة معدولة، وبعضهم قال: إنها لا تدخل إلا على موجب والسلب فى قولنا: هل الحركة موجودة أو غير موجودة معطوف على هل الحركة موجودة، فصدق أنها لم تدخل إلا على موجب؛ لأنه يعم ما عطف عليه سلب. اهـ يس.
(قوله: يطلب بها وجود شىء لشىء) المراد بالوجود هنا الثبوت الذى هو النسبة بخلافه فى الأولى، فإن المراد به التحقق فى الخارج، والمراد وجود شىء غير الوجود فخرجت البسيطة والقرينة على ذلك المقابلة، وإلا فالمطلوب بالبسيطة أيضا وجود شىء هو الوجود لشىء كالحركة
(قوله: فإن المطلوب وجود الدوام للحركة) أى: ثبوته لها فطهر مما قلناه أن الوجود نوعان أحدهما رابطى وهو النسبة بين المحمول والموضوع، وهذا ثابت فى كل قضية، وهذا هو المراد فى المركبة وغير رابطى وهو ما يكون مطلوبا لنفسه لا للربط، كما فى قولنا فى البسيطة: هل الحركة موجودة، فإن الوجود فيه مطلوب لنفسه، والحاصل أن المركبة وإن شاركت البسيطة فى أنه يطلب بها وجود الشىء كوجود الدوام للحركة فى المثال إلا أنها تخالفها من جهة أن البسيطة يطلب بها وجود نفس الموضوع، والمركبة يطلب بها وجود المحمول، وأيضا الوجود فى البسيطة مقصود فى ذاته؛ لأنه مثبت للموضوع والوجود فى المركبة ليس مقصودا فى ذاته؛
стр. 1102
وقد اعتبر فى هذه شيئان غير الوجود، وفى الأولى شىء واحد؛ فكانت مركبة بالنسبة إلى الأولى، وهى بسيطة بالنسبة إليها ...
===
لأنه رابطة بين المحمول والموضوع، وبهذا كله اندفع ما أورد على قول المصنف فى تعريف البسيطة وهى التى يطلب بها وجود الشىء من أن المركبة كذلك، وحينئذ فالتعريف غير مانع ومحصل الجواب التفرقة بين الوجودين المطلوبين بهما
(قوله: وقد اعتبر فى هذه) أى: المركبة شيئان حيث استفهم بها عن الثبوت الحاصل بين شيئين هما الموضوع والمحمول كالحركة والدوام وقوله غير الوجود أى: المضاف للمحمول وهو النسبة وقوله فى الأولى أى: البسيطة شىء واحد هو الموضوع كالحركة؛ وذلك لأنها استفهم بها عن الثبوت الحاصل بين الشىء ووجوده وهما كالشىء الواحد؛ لأن الوجود عين الموجود على ما فيه فهذه قد استفهم بها عن ثبوت بسيط والثانية عن ثبوت مركب، والحاصل أن كلا من البسيطة والمركبة داخل على جملة مشتملة على ثلاثة أجزاء الموضوع والمحمول كدوامه فى الثانية، ووجوده فى الأولى ونسبة وهى وجود المحمول للموضوع أى: ثبوته له كثبوت الدوام للحركة فى مثال المركبة وثبوت الوجود أى: التحقق فى الخارج للحركة فى مثال البسيطة، ولما كان المحمول غير الموضوع فى المركبة كان الثبوت المستفهم عنه بها الرابط بينهما مركبا، ولما كان الوجود الواقع محمولا عين الوجود الواقع موضوعا فى مثال البسيطة صار الثبوت المستفهم عنه بها الرابط بينهما بسيطا، فإن قلت حيث كانت الجملة التى تدخل عليها البسيطة لا بد فيها من نسبة هى ثبوت المحمول للموضوع كان على الشارح أن يقول وقد اعتبر فى الأولى شىء واحد غير الوجودى أى: المضاف للمحمول كما قال فى المركبة قلت:
فى كلامه حذف من الثانى لدلالة الأول- كذا قرر شيخنا العدوى عليه سحائب الرحمة والرضوان-، وحاصله أنه إذا نظر لغير الوجود الواقع رابطة فى الأمرين كان المعتبر فى أولهما شيئا واحدا وهو الحركة، وفى ثانيهما شيئين هما الحركة ودوامها وإن اعتبر الوجود الواقع رابطة فى الأمرين كان المعتبر فى الأول شيئين، وفى الثانى ثلاثة وعلى كل حال، فالاعتبار فيه بساطة بالنسبة إلى الثانى بمعنى قلة المعتبر وكثرته
стр. 1103
(والباقية) من ألفاظ الاستفهام تشترك فى أنها (لطلب التصور فقط) وتختلف من جهة أن المطلوب بكل منها تصور شىء آخر (قيل: فيطلب بما شرح الاسم؛ كقولنا: ما العنقاء؟ ) طالبا أن يشرح هذا الاسم ...
===
(قوله: والباقية من ألفاظ الاستفهام) أى: المذكورة سابقا وذلك الباقى تسعة وهو ما عد الهمزة وهل فإن حكمهما قد مر وبقولنا أى: المذكورة سابقا اندفع ما يقال أن من جملة بقية ألفاظ الاستفهام أم المنقطعة ولا تكون إلا لطلب التصديق فلا يتم قوله والباقية لطلب التصور فقط
(قوله: تصور شىء آخر) أى: تصور شىء مخالف للشىء المطلوب تصوره بأداة أخرى، وحاصله أن ما سوى هل والهمزة من ألفاظ الاستفهام اشتركت فى طلب التصور، واختلفت فى المتصورات ولا يقال: إن متى وأيان كل منهما لطلب تعيين الزمان وتصوره فقد اتحدا فى المتصور؛ لأنا نقول: إن أحدهما للزمان المطلق والآخر للمستقبل كما يأتى، وحينئذ فهما مختلفان فيه
(قوله: قيل إلخ) القصد بذلك مجرد العزو والنسبة للقائل لا التبرى من هذا القيل، فإنه كلام حق، ومقابل هذا القيل قول السكاكى الآتى
(قوله: فيطلب بما) أى: التى هى من ألفاظ الاستفهام السابقة
(قوله: شرح الاسم أو ماهية المسمى) أى: ويتعين المراد بالقرينة
(قوله: شرح الاسم) أى: الكشف عن معناه وبيان مفهومه الإجمالى الذى وضع له فى اللغة أو الاصطلاح فذلك المفهوم الموضوع له هو المطلوب شرحه وبيانه كما إذا سمعت لفظا ولم تفهم معناه، فإنك تقول ما هو طالبا أن يعين لك مدلوله اللغوى أو الاصطلاحى، وأراد بالاسم هنا ما قابل المسمى فيشمل الفعل والحرف، إذ شرح الاسم لا يختص بالاسم المقابل للفعل والحرف
(قوله: ما العنقاء إلخ) حكى الزمخشرى فى ربيع الأبرار ما حاصله أن العنقاء كانت طائرا وكان فيها من كل شىء من الألوان وكانت فى زمن أصحاب الرس تأتى إلى أطفالهم وصغارهم فتخطفهم وتغرب بهم نحو الجبل فتأكلهم فشكوا ذلك إلى نبيهم صالح- ﵇ فدعا الله عليها فأهلكها وقطع عقبها ونسلها فسميت عنقاء مغرب لذلك
(قوله: طالبا أن يشرح إلخ) حال من نافى قوله كقولنا ما العنقاء، والمراد طالبا كل منا أو الضمير فى قوله كقولنا للمتكلم الواحد المعظم نفسه، فاندفع
стр. 1104
ويبين مفهومه؛ ...
===
الاعتراض بأن المناسب لقوله كقولنا أن يقال طالبين
(قوله: ويبين مفهومه) أى: مدلوله الإجمالى الذى لا يعرف منه الماهية وهذا هو المناسب لقول الشارح، فيجاب بإيراد لفظ أشهر وهذا عطف تفسير، والحاصل أن قول السائل ما العنقاء مثلا فى معنى قوله ما مدلول هذا اللفظ الموضوع له، واعلم أن ما المطلوب بها شرح الاسم على قسمين الأول أن يطلب بها بيان أن الاسم لأى معنى وضع ومآل هذا البيان إلى التصديق دون التصور؛ لأن مقصود السائل هو التصديق بأن اللفظ موضوع فى مقابلة أى: معنى سواء كان يعرف ذلك المعنى الذى هو موضوع بإزائه مجملا أو مفصلا وجوابه إيراد لفظ أشهر وهذا القسم بالمباحث اللغوية أنسب؛ لأنها لبيان مدلولات الألفاظ إجمالا؛ لأن أهل اللغة يعتنون بالمعرفة الإجمالية، كقول الجوهرى فى الصحاح: الخبب: ضرب من العدو، والكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير، والثانى أن يطلب بها تفصيل ما دل عليه الاسم إجمالا بأن يكون السائل عالما بمدلول الاسم إجمالا ويطلب تفصيله، وجواب هذا بالحد الاسمى ومآل هذا الجواب للتصور؛ لأن قصد السائل تصور مفهوم الاسم تفصيلا، وهذا القسم بالمباحث الحكمية أنسب؛ لأنها لبيان تفاصيل الحقائق الموجودة والمفهومات الإصلاحية، مثال الأول قول السائل: ما الغضنفر؟ حال كونه يعرف معنى الأسد من حيث هو بأنه نوع من الحيوان، أو حيوان مفترس، ولا يعرفه من حيث إنه مدلول لفظ الغضنفر، فقصد السائل أيعلم أن لفظه موضوع لأى معنى، فيجاب بإيراد لفظ أشهر وهو أسد، ومثال الثانى قول السائل ما العنقاء؟ والحال أنه يعرف مدلوله إجمالا بأنه نوع من الطير ومقصوده أن يعرفه مفصلا، فيجاب بالحد الاسمى بأن يقال طير صفته كذا وكذا، إذا علمت هذا فقول الشارح طالبا أن يشرح هذا الاسم ويبين مفهومه إن أراد بشرح الاسم وبيان مفهومه بيان المعنى الذى وضع له اللفظ كما هو المتبادر منه كان قوله فيجاب إلخ صحيحا، لكن ما حينئذ لطلب التصديق لا لطلب التصور كما هو الموضوع وإن أراد بشرح الاسم وبيان مفهومه تفصيل ما دل عليه الاسم إجمالا كان التمثيل صحيحا؛ لأن ما حينئذ لطلب التصور، ولكن قوله فيجاب
стр. 1105
فيجاب بإيراد لفظ أشهر (أو ماهية المسمى) أى: حقيقته التى هو بها هو (كقولنا:
ما الحركة؟ ) ...
===
إلخ فيه نظر؛ لأن الجواب حينئذ بالحد الاسمى وهو الرسم لا بإيراد اللفظ الأشهر الذى هو تعريف لفظى- تأمل.
(قوله: فيجاب بإيراد لفظ أشهر) أى: مرادف له أشهر منه عند السامع سواء كان من هذه اللغة التى سأل بها السائل أم لا- كذا فى سم وعمم يس فقال: أشهر منه سواء كان مرادفا له أم لا، كما يقال فى جواب ما العنقاء؟ طائر، وفى جواب ما العقار؟
خمر، وقوله بإيراد لفظ أى: مفرد كقولك فى جواب ما الإنسان بشر لمن لا يعرف مدلول الإنسان، سواء عرف مدل البشر إجمالا بأن عرف إنه نوع من الحيوان أو عرفه تفصيلا، ثم إن قوله: فيجاب بإيراد لفظ بيان لما حق الجواب أن يكون عليه أى: إن حق الجواب حينئذ أن يكون بإيراد لفظ مفرد أشهر عند السامع؛ وذلك لأن مفهوم الاسم أمر مجمل، فإذا أجيب بمركب دخل فى الجواب تفصيل ليس من المسئول عنه، فإذا لم يوجد مفرد أشهر عدل إلى لفظ مركب كقولنا فى جواب ما العنقاء؟ طائر عظيم تختطف الصبيان ولا يكون التفصيل المستفاد من التركيب مقصودا، فإذا حصل المفهوم سأل عن الماهية وذاتيات أفرادها فيؤتى بما يدل عليها
(قوله: أو ماهية المسمى) بالجر عطف على الاسم أى: أو شرح ماهية المسمى، وأراد المصنف بالمسمى المفهوم الإجمالى وبماهيته أجزاء ذلك المفهوم الإجمالى أعنى الماهية التفصيلية التى عرفت بالوجود حتى يكون الجواب المبين لها تعريفا حقيقيا فالإنسان مثلا مفهومه الإجمالى الذى هو مسماه نوع مخصوص من الحيوان، وماهية ذلك المسمى حيوان ناطق
(قوله: أى حقيقته إلخ) أشار بذلك إلى أنه ليس مراد المصنف بالماهية ما يقع جوابا لما هو؛ لأنه شامل لما يكون شرحا للاسم من المفهومات المعدومة، بل مراده الماهية الموجودة، وقوله التى هو أى:
المسمى وقوله بها أى: بالحقيقة أى: بسببها وقوله هو أى: نفسه مثلا مفهوم الإنسان الإجمالى وهو النوع المخصوص من الحيوان صار بسبب ماهيته وهى الحيوانية والناطقية إنسانا، فالمسمى ملاحظا إجمالا والحقيقة ملاحظة تفصيلا، فاختلف السبب والمسبب
стр. 1106
أى: ما حقيقة مسمى هذا اللفظ؛ فيجاب بإيراد ذاتياته ...
===
باعتبار الإجمال والتفصيل، وأما اختلاف المبتدأ والخبر فبإطلاق المبتدأ وتقييد الخبر بالسبب، أو بملاحظة المبتدأ نوعا مخصوصا مع قطع النظر عن العنونة عنه بكذا، والخبر نوعا مخصوصا معنونا عنه بكذا، ووصف الشارح الحقيقة بالتى هو بها إشارة إلى أن المراد بالحقيقة الماهية الثابتة فى نفس الأمر التى بها تحققت أفراد الشىء بحيث لا يزاد فى الخارج عليها إلا العوارض، كأن يقال ما الإنسان؟ فيقال الحيوان الناطق، فأفراد الإنسان لا تزيد على هذه الحقيقة إلا بالعوارض ولم يرد المصنف بالماهية الماهية التفصيلية ولو لم يوجد لها فرد، والدليل على أن مراد المصنف بالماهية الحقيقية الثابتة فى نفس الأمر، لا مطلق ماهية تفصيلية ولو معدومة قوله وتقع هل البسيطة فى الترتيب بينهما؛ لأن الماهية الوجودية هى التى تقع هل بينها وبين شرح الاسم، وقوله كقولنا ما الحركة، ولا شك أنها موجودة الأفراد.
(قوله: أى ما حقيقة مسمى هذا اللفظ) مسماه نوع مخصوص من العرض، وحقيقة ذلك المسمى الذاتيات التى يجاب بها بأن يقال فى الجواب مثلا هى حصول الجرم حصولا أولا فى الحيز الثانى
(قوله: فيجاب بإيراد ذاتياته) من الجنس والفصل كأن يقال فى جواب ما الإنسان؟ حيوان ناطق بعد معرفة أن الإنسان شىء موجود فى نفسه، وإنما قيدوا بذلك لأجل أن يكون الجواب تعريفا حقيقيا، وإلا كان تعريفا اسميا وكانت ما هى التى يطلب بها شرح الاسم لا التى يطلب بها الماهية وربما تذكر الرسوم فى مقام الحدود توسعا أو اضطرارا كما فى شرح الإشارات، وحينئذ فقول الشارح فيجاب بالذاتيات أى: حق الجواب عن ما التى لطلب شرح الماهية أن يكون كذلك، ولذلك لما سأل فرعون موسى عن حقيقة الله بقوله: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (١) أجابه موسى بذكر بعض خواصه وصفاته تعالى حيث قال رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢) تنبيها على أن حقيقته تعالى لا تعلم إلا بذكر الفصول المقومة لها ولا مقوم لها، إذ لا تركيب فيه ولما لم يتنبه فرعون لذلك، بل عد جوابه غير مطابق
стр. 1107
(وتقع هل البسيطة فى الترتيب بينهما) أى: بين ما التى لشرح الاسم، والتى لطلب الماهية؛ ...
===
قال لمن حوله ألا تستمعون؟ يعنى أنا سألته عن حقيقته، فأجابنى بصفاته فلم يتعرض موسى ﵇ لخطابه هذا، بل ذكر صفات أبين حيث قال رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١) لعله ينتبه فلم ينتبه فنسب فرعون- لعنة الله عليه موسى- ﵇ إلى الجنون وقال على وجه الاستهزاء إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢) فذكر موسى- ﵇ ثالثا صفات أبين بقوله رب المشرق والمغرب وما بينهما، وقال عقبه إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ* فأشار إلى أن السؤال عن حقيقة الرب ليس من دأب العقلاء. اه كلامهم.
قال الشيخ يس: وهل يؤخذ من كلامهم هذا أن كل بسيط لا يسأل عن حقيقته- اه والظاهر أنه كذلك.
(قوله: وتقع هل البسيطة) أى: وهى التى يطلب بها نفس وجود الشىء أى:
ويقع السؤال بهل البسيطة بين السؤال بما التى لشرح الاسم وبين التى لطلب الماهية
(قوله: فى الترتيب) أى: فى حال الترتيب أى: ترتيب الطلب
(قوله: أى بين ما التى لشرح الاسم والتى لطلب الماهية) أى: لطلب شرحها وبيانها لما علمت أن قول المصنف أو ماهية المسمى عطف على الاسم ويحتمل أنه عطف على شرح ويدل له ما هنا، واعلم أن مقتضى الترتيب الطبيعى وقوع هل المركبة بعد ما التى لطلب شرح الماهية كما مر، ولذا يقال: إن هل تقع بين ماءين وما تقع بين هلين، وقد أسقط المصنف والشارح هذه المرتبة فيقال مثلا أولا ما العنقاء؟ ثم ثانيا هل هى موجودة، ثم ثالثا ما هى ماهيتها؟ وحقيقتها فإذا عرفت الحقيقة قلت رابعا هل العنقاء دائمة، وكذا تقول ما البشر؟ فتجاب بإنسان، ثم تقول هل موجود أولا؟ فتجاب بموجود، ثم تقول ما ماهيته وحقيقته؟ فتجاب بحيوان ناطق، ثم تقول هل يمشى على أربع أو على رجلين؟ ونحو ذلك من الأحوال العارضة.
стр. 1108
يعنى أن مقتضى الترتيب الطبيعى أن يطلب: أولا: شرح الاسم، ثم وجود المفهوم فى نفسه، ثم ماهيته وحقيقته؛ لأن من لا يعرف مفهوم اللفظ استحال منه أن يطلب وجود ذلك المفهوم، ومن لا يعرف أنه موجود استحال منه أن يطلب حقيقته وماهيته؛ ...
===
(قوله: يعنى أن مقتضى الترتيب الطبيعى) أى: العقلى نسبة للطبع بمعنى العقل، إذ هو المراعى للمناسبات والترتيب الطبيعى هو أن يكون المتأخر متوقفا على المتقدم من غير أن يكون المتقدم علة له كتقدم المفرد على المركب والواحد على الاثنين ووجه كون ما ذكره المصنف مقتضى الترتيب الطبيعى أن مقتضى الطبع أى: العقل المراعى للمناسبة أن الشخص إذا سمع اسما ولم يعرف أن له مفهوما طلب له مفهوما على وجه الإجمال، ثم إذا وقف على مفهومه طلب وجوده لاستحالة طلب وجود مفهوم اللفظ قبل العلم بأن له مفهوما إذ لعله مهمل، ثم إذا علم وجوده طلب تفصيل ذلك المفهوم بالحد المتضمن للجنس والفصل، وإذا علم تفصيل ذلك المفهوم سأل عن أحوال العارضة له كدوامه؛ لأن العلم بدوام ذلك الشىء يستدعى سبق العلم بحقيقته- كذا قيل.
قال السبكى: ولا يخلو عن نظر؛ لأنه إذا كان السؤال عن الدوام يستدعى سبق علم الماهية فالسؤال عن الوجود كذلك، وحينئذ فلا فرق بين هل البسيطة والمركبة نظرا لذلك التعليل- ا. هـ.
وقد يقال: إن وجود الشىء عينه بخلاف الدوام، وحينئذ ففرق بينهما- تأمل.
(قوله: شرح الاسم) أى: بيان مفهومه الإجمالى، وقوله ثم وجود المفهوم أى: ثم يطلب بهل وجود ذلك المفهوم، وقوله: ثم ماهيته أى: ثم يطلب بيان ماهيته بما الثانية وقوله: لأن من لا يعرف مفهوم اللفظ أى: الإجمالى علة لكون مقتضى الترتيب العقلى ما ذكر، وقوله استحال منه أن يطلب وجود ذلك المفهوم أى: الإجمالى وذلك الاحتمال أن يكون اللفظ المسموع مهملا، وقوله استحال منه أن يطلب حقيقته أى:
التفصيلية
(قوله: لأن من لا يعرف مفهوم اللفظ) أى: مفهومه من حيث إنه مدلول اللفظ استحال منه أن يطلب وجوده، فاندفع ما يقال: إن ما ذكر من استحالة طلب
стр. 1109
إذ لا حقيقة للمعدوم ولا ماهية له. والفرق بين المفهوم من الاسم بالجملة وبين الماهية التى تفهم من الحد بالتفصيل غير قليل؛ ...
===
الوجود قبل الوقوف على المفهوم فى الجملة لا يسلم، بل قد يطلب بناء على أن الأصل وضع اللفظ لمفهوم ما ثم على تقدير تسليمه، فإنما ذلك إذا لم يعرف أن له مفهوما أصلا، وأما إن عرف أن له مفهوما ولو لم يقف على ما يعينه فى الجملة فلا مانع من السؤال عن وجوده؛ لأنه إذا عرف أن له معنى فقد تصوره باعتبار أنه معنى اللفظ وإن كان مبهما وهذا التصور كاف فى طلب وجوده والسؤال عن خصوصيته
(قوله: إذ لا حقيقة للمعدوم ولا ماهية له) العطف مرادف ووجه كون المعدوم لا ماهية له أن الماهية ما به يكون الشىء المتعارف وهو الموجود هو هو والمعدوم لا وجود له فلا ماهية له أيضا.
(قوله: والفرق إلخ) أتى بهذا دفعا لما يقال إن المصنف جعل ما قسمين الأول ما يطلب بها بيان مفهوم الاسم، والثانى ما يطلب بها بيان ماهية المسمى وهل هما إلا شىء واحد، وحاصل ذلك الدفع أنا لا نسلم أنهما شىء واحد بل مختلفان- كذا قرر بعضهم، وعبارة السيرامى لما كان الحد والمحدود متحدين ذاتا مختلفين من جهة الإجمال والتفصيل فربما يتوهم متوهم عدم الفائدة فى التحديد سواء كان اسميا أو حقيقيا دفعه بقوله والفرق إلخ، والفرق: مبتدأ، وقوله غير قليل: خبر، ومعنى كونه غير قليل أنه كثير، والمراد لازمه أى: ظاهر وواضح أو المراد بالقلة الخفاء
(قوله: بين المفهوم من الاسم) أى: بين الذى يفهم من الاسم أى: من اللفظ ويدل عليه
(قوله: بالجملة) متعلق بالمفهوم والباء للملابسة أى: المفهوم الملتبس بالجملة أى: بالإجمال أى: بين المفهوم والمجمل أو الإجمالى، أو أنه حال من المفهوم أى: حال كونه إجمالا أى مجملا
(قوله: التى تفهم من الحد) أى: من لفظ الحد وفى كلامه إشارة إلى أن الحد يطلق على اللفظ المعنون به عن أجزاء الماهية كما أنه يطلق على مجموع أجزائها
(قوله: بالتفصيل) متعلق بتفهم أى: تفهم تفصيلا من الحد أو أنه صفة للماهية، أى: الماهية الملتبسة بالتفصيل أى: الماهية المفصلة التى تفهم من الحد
(قوله: غير قليل) أى: ظاهر فلا يتوهم اتحادهما؛
стр. 1110
فإن كل من خوطب باسم فهم فهما ما، ووقف على الشىء الذى يدل عليه الاسم إذا كان عالما باللغة، وأما الحد فلا يقف عليه إلا المرتاض بصناعة المنطق، فالموجودات لها حقائق ...
===
لأن المحدود وهو ما يدل عليه اللفظ ويفهم منه الماهية المجملة، والذى يفهم من الحد الماهية المفصلة، ولا شك أن الماهية المجملة غير نفسها حال كونها مفصلة كما هو ظاهر
(قوله: فإن كل إلخ) هذا من باب التنبيه لا من الدليل، إذ الأمور الواضحة لا يقام عليها دليل، نعم قد ينبه عليها إزالة لما يعرض لها من الخفاء بالنسبة لبعض الأذهان
(قوله: فهم فهما ما) أى: فهم منه الماهية فهما إجماليا فمفعول فهم محذوف
(قوله: ووقف على الشىء الذى يدل عليه الاسم) أى: وقوفا إجماليا وهو تفسير لما قبله؛ لأن فهم الشىء هو إدراكه والوقوف عليه
(قوله: إذا كان عالما باللغة) أى: بوضعها أما غير العالم بوضعها فلا يفهم من الاسم المخاطب به شيئا، فإذا كان عالما بوضع اللغة وخوطب بلفظ الإنسان فهم منه نوعا من الحيوان مخصوصا
(قوله: وأما الحد) المراد به هنا الماهية التفصيلية لا اللفظ الدال عليه بدليل قوله فلا يقف عليه إلخ، وكان المناسب لما قبله أن يقول: والذى يفيده الحد الماهية التفصيلية ولذلك كان لا يقف إلخ، وقوله إلا المرتاض بصناعة المنطق أى: العالم بها المتقن لها؛ وذلك لأن الحد عبارة عن الماهية التفصيلية كما علمت، ولا يعلم الحقائق المفصلة إلا من له إتقان لعلم المنطق لعلم حقيقة الذاتيات أعنى: الجنس والفصل منه، وفيه أن الذاتيات إنما تعرف بالنقل أو بمحض فرض العقل على الأصح، فالارتياض فى صناعة المنطق لا يفيد معرفة ذاتيات الأشياء، وقد يقال المرتاض فى صناعة المنطلق يستخرج للحقيقة أجزاءها الذاتية من الجنس والفصل عند عدم النقل- تأمل.
(قوله: فالموجودات إلخ) الفاء واقعة فى جواب شرط مقدر أى: إذا علمت ما ذكرناه من أنه لا حقيقة للمعدوم ولا ماهية له وأردت الفرق بينه وبين الموجود فنقول لك الفرق بينهما أن الموجودات إلخ، وأراد بالموجودات الأمور التى لها ثبوت فى نفس الأمر لا المتحققة فى الخارج فقط
(قوله: لها حقائق) أى: ماهيات مركبة من الذاتيات ملحوظ باعتبار التحقق فى نفس الأمر وهى حقيقة ذلك الموجود.
стр. 1111
ومفهومات، فلها حدود حقيقية واسمية، وأما المعدومات فليس لها إلا المفهومات؛ فلا حدود لها إلا بحسب الاسم؛ لأن الحد بحسب الذات لا يكون إلا بعد أن يعرف أن الذات موجودة حتى إن ما يوضع فى أول التعاليم من حدود الأشياء التى ...
===
(قوله: ومفهومات) أى: صور حاصلة فى العقل مدركة من الألفاظ الدالة عليها بواسطة معرفة وضعها لها، والحاصل أن كلا من الموجودات والمعدومات وضع له ألفاظ؛ لأن الوضع لا يشترط فيه تحقق الموضوع له، وتلك الألفاظ الموضوعة يدرك العقل منها صورا بواسطة معرفة وضعها وتلك الصور هى مفهومات الألفاظ
(قوله: فلها حدود حقيقية) أى: تدل على الحقائق
(قوله: واسمية) أى: لفظية تدل على المفهومات من الأسماء
(قوله: فليس لها إلا المفهومات) وهى الصور العقلية المدركة من أسمائها
(قوله: إلا بحسب الاسم) أى: لا بحسب الذات وكان الأولى أن يقول: فلا تعريف لها إلا بحسب الاسم؛ لأن الحد ما كان بالذاتيات وهى لا ذاتيات لها
(قوله: لأن الحد بحسب الذات) أى: بالنظر للذات أى: الحقيقة
(قوله: حتى إن ما يوضع إلخ) غاية لقوله لأن الحد بحسب الذات لا يكون إلا بعد إلخ، وحاصل كلامه أن الحد الاسمى قد ينقلب حقيقيا، فالواضع إذا تعقل نفس الحقيقة ووضع الاسم بإزائها فقبل العلم بوجود تلك الحقيقة يكون تعريفا اسميا، وبعد العلم بوجودها ينقلب حدا حقيقيا، فالحد الحقيقى والحد الاسمى لا منافاة بينهما إلا بذلك الاعتبار، مثلا تعريف الشكل المثلث المتساوى الأضلاع بما أحاط به ثلاث خطوط متساوية حد اسمى وبعد علمك بوجوده بالشكل الأول من التحرير يصير حدا حقيقا، وكذلك إذا قلت لمن لا يعرف معنى لفظ صلاة الصلاة عبادة ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم كان ذلك حدا اسميا، فإذا علم المخاطب بعد ذلك بوجودها بأن سأل عن وجودها، وقال هل هى موجودة فقلت له: إن النبى قد أمر بها وكل ما أمر به النبى فهو موجود انقلب ذلك الحد الاسمى حدّا حقيقيّا، بقى شىء آخر وهو أن الحد الاسمى إذا انقلب حدا حقيقيا هل فى هذه الحالة يقال له حد اسمى أو أن الشرط فى كونه اسميا عدم العلم بوجود تلك الحقيقة، فإذا وجد العلم انتفى عنه ذلك الاسم
(قوله: فى أول التعاليم) جمع تعليم والمراد
стр. 1112
يبرهن عليها فى أثناء العلم إنما هى حدود اسمية، ثم إذا برهن عليها وأثبت وجودها صارت تلك الحدود بعينها حدودا حقيقية؛ جميع ذلك مذكور فى الشفاء.
===
به التراجم كالفصل والباب وقوله من حدود الأشياء بيان لما يوضع وذلك مثل حد الصلاة المذكور فى أول بابها
(قوله: يبرهن عليها) أى: على وجودها
(قوله: فى أثناء العلم) أراد بالعلم القواعد المتعلقة بالشىء المحدود المذكورة فى تلك الترجمة، وفى بعض النسخ فى أثناء التعليم أى: فى أثناء الترجمة
(قوله: حدود اسمية) أى: رسوم
(قوله: ثم إذا برهن عليها) أى: على تلك الأشياء أى: أقيم البرهان على وجودها
(قوله: وأثبت وجودها) أى: بالبرهان والمراد الوجود الخارجى لا مطلق الوجود
(قوله: صارت تلك الحدود) أى: التعاريف، وقوله: حدودا حقيقية أى: بحسب الحقيقة، فانقلب الاسمى حقيقيا، وجعل هذا كليا غير مسلم؛ لأن الحد الاسمى عبارة عن جميع ما اعتبره الواضع فى مفهوم اللفظ، وما اعتبره قد يكون عارضا للأفراد لا ذاتيا، فلا يمكن بعد إثبات الوجود أن يصير حدّا حقيقيّا؛ لأن الحد الحقيقى عبارة عن جميع ذاتيات الشىء الموجودة مثلا مفهوم الماشى حد اسمى للإنسان وبعد إثبات الوجود لا يكون حدا حقيقيا؛ لأنه ليس عبارة عن جميع ذاتيات الأفراد: كزيد وعمرو، فلا بد من تأويل كلامه بأن المراد أنه بعد إثبات الوجود يمكن أن يصير حدا حقيقيا بأن يكون ما اعتبره الواضع جمع ذاتيات الأفراد- كذا ذكره العلامة السيد فى حواشى المطول، وفى الفنارى: أن الواضع إذا تصور حقيقة الشىء وعين الاسم بإزائها، فظاهر أن التعريف حد اسمى قبل العلم بوجودها، وحقيقى بعد العلم بالوجود وإذا تصورها ببعض عوارضها واعتباراتها وضع الاسم بإزائها فالتعريف إنما يكون حدا اسميا بالنظر لتلك الاعتبارات، فبعد العلم بالوجود يكون حدا حقيقيا بالنظر إليها بلا اشتباه، وأما بالنظر لنفس الشىء فرسم اسمى قبل العلم بالوجود ورسم حقيقى بعده، وحينئذ فلا حاجة لما ذكره العلامة السيد من التقييد، وهذا كله إذا أريد بالحد والرسم المعنى المصطلح عليه عند أرباب المعقول، وأما إذا أريد بالحد المعرف مطلقا فالأمر ظاهر
(قوله: كذا فى الشفاء) كتاب لابن سينا، وعلم من كلامه أن الجواب الواحد يجوز أن يكون حدا بحسب
стр. 1113
(و) يطلب (بمن العارض المشخص) أى: الأمر الذى يعرض ...
===
الاسم، وبحسب الذات بالقياس إلى شخصين وبالقياس إلى شخص واحد فى وقتين، أما الثانى: فكما مر فى مثالى المثلث والصلاة، وأما الأول فكما إذا سألك سائل عن مفهوم الإنسان فقال ما الإنسان؟ أى: ما مفهوم هذا اللفظ، وكان شخص حاضر يعلم مفهومه وأنه موجود، ولكن لا يعلم تفصيل ذلك المفهوم- فقلت له حيوان ناطق- فهذا حد اسمى بالنظر للسائل، وحقيقى بالنظر للسامع.
(قوله: العارض المشخص لذى العلم) لما كان المتبادر منه أن المراد بالعارض المشخص خصوص الوصف الذى يعين ذا العلم كقولنا فى جواب السؤال المذكور الرجل الطويل الذى لقيته بالأمس إذا كان التعين يحصل بتلك الأوصاف أشار الشارح بقوله: فيجاب بزيد أو نحوه، إلى أن المراد بالعارض المشخص لذى العلم الأمر المتعلق به سواء كان علما له أو وصفا خاصا به كما فى المثال المذكور وسواء اتحد العارض كما فى المثال الأول، أو تعدد كما فى الثانى، وليس المراد المعنى المتبادر فقط وخرج بالمشخص العارض الغير المشخص وهو الأمر العارض العام ككاتب ونحوه، فلا يصح أن يقع فى جواب السؤال بمن لأنها وإن كانت عارضة لحقيقة الإنسان لكنها غير معينة له قال ابن يعقوب، ولما كانت من هاهنا فى غاية الإبهام لم يكن فيها إشعار بخصوصية المجاب به، فإذا قيل فى الجواب زيد تصور السائل من ذلك الجواب ذات زيد، فلذا كانت للتصور وإن لزم من ذلك تصديق بكون خاص فى الدار، وأما قولنا فيما تقدم أدبس فى الإناء أم عسل؟ فالمجاب به مستشعر من السؤال فلم يزد الجواب تصويره، ولهذا قلنا فيما تقدم إنه يرجع إلى التصديق فى التحقيق وعلى هذا يقاس ما يأتى فى ما ونحوها. اه.
ومن هذا تعلم أن قولهم من ونحوها لطلب التصور أى: أصالة فلا ينافى أن طلب التصديق الخاص لازم لها هذا، وذكر السبكى فى عروس الأفراح نقلا عن والده أن الجواب بزيد مفرد لا مركب ولا يقدر مبتدأ ولا خبر، فإذا قلت من عندك؟ فقيل زيد، كان بمنزلة قولك: ما الإنسان؟ فتقول حيوان ناطق، فهو ذكر حد يفيد التصور
стр. 1114
(لذى العلم) فيفيد تشخصه وتعينه (كقولنا: من فى الدار) فيجاب بزيد ونحوه مما يفيد تشخصه (وقال السكاكى يسأل بما عن الجنس؛ تقول: ما عندك؛ أى:
===
فقط، وعلى ذلك قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (١) وأما قوله فى الآية الأخرى: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٢) فهو ابتداء كلام يتضمن الجواب، وليس اقتصارا على نفس الجواب بخلاف الآية قبلها
(قوله: لذى العلم) عبر بالعلم دون العقل ليتناول البارى نحو: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٣)
(قوله: تشخصه) أى: تشخصا شخصيا أو نوعيا كما إذا قيل من فى هذا القصر فقيل مثلا الإنسان الصقلى، وكذا إذا قيل من فى السماء من أنواع العالمين فقيل الملك والمراد بالنوع اللغوى الشامل للصنف
(قوله: وتعينه) عطف تفسير
(قوله: من فى الدار) أى: إذا علم السائل أن فى الدار أحدا، لكن لم يتشخص عنده فيسأل بمن عن مشخصه.
(قوله: فيجاب بزيد) أى: لأن العلم يفيد إحضار ما وضع له بعينه وهو عارض له بمعنى أنه خارج عن ماهيته أو جنسه بالعارض القائم به- قاله عبد الحكيم، أو المراد بكونه عارضا للذات أنه متعلق بها لدلالته عليها كما مر، قال فى المطول وأما الجواب بنحو رجل فاضل من قبيلة كذا ونحو ابن فلان وأخو فلان، فإنما يصح ذلك من جهة أن المخاطب يفهم منه التشخص بحسب انحصار الأوصاف فى الخارج فى شخص، وإن كانت تلك الأوصاف بالنظر إلى مفهوماتها كليات
(قوله: وقال السكاكى) أى: فى الفرق بين من وما وهذا مقابل للقيل المتقدم
(قوله: يسأل بما عن الجنس) أى: من ذوى العلم أو من غيرهم، والمراد بالجنس الماهية الكلية سواء كانت متفقة الأفراد أو مختلفتها مجملة أو مفصلة فيشمل جميع أقسام المقول فى جواب ما هو وهو النوع والجنس والماهية التفصيلية والإجمالية، فإذا قيل ما زيد وعمرو؟ فيجاب بإنسان وما الإنسان والفرس؟
فيجاب بحيوان ناطق، أو نوع من الحيوان، فيطلب بما عند السكاكى شرح الاسم وشرح الماهية الموجودة إلا أنه مختص عنده بالأمر الكلى وعند صاحب القيل السابق يطلب بها شرح الاسم كليا كان أو جزئيا، قال عبد الحكيم: ومما ذكر تعلم أن مراد
стр. 1115
أى أجناس الأشياء عندك، وجوابه: كتاب، ونحوه) ويدخل فيه السؤال عن الماهية ...
===
المصنف بالجنس: الجنس اللغوى، فيدخل النوع سواء كان حقيقيا أو اصطلاحيا نحو قولنا: ما الكلمة: أى: جنس من أجناس الألفاظ هى؟ فيجاب بأنها لفظ مفرد مستعمل
(قوله: أى أجناس الأشياء إلخ) أى: أى جنس من أجناس الأشياء عنك؛ لأن المسئول عنه ليس هو الجمع
(قوله: وجوابه) أى: جواب ما عندك لا جواب أى: جنس من أجناس الأشياء عندك؛ لأن قول المصنف أى: أى أجناس الأشياء عندك إنما أتى به للتفسير من جهة المعنى؛ وذلك لأن السؤال بأى إنما يكون عن المميز كما سيذكره المصنف قريبا، وأما ما فإنه يسأل بها عن الجنس فلم يكن جواب أى: مطابقا لجواب ما؛ وذلك لأن المجاب به عن ما لفظ الجنس ككتاب أو فرس، والمجاب به عن أى:
الجنس ومميزه الذى هو الفصل نحو: شىء مكتوب، أو شىء عاقل، أو شىء ملبوس، أو نحو ذلك، لكن لما كان مميز الجنس يستشعر منه الجنس؛ لأن الشىء المكتوب مثلا يستلزم الكتاب فمتى ذكر مميز الجنس الذى عنده فقد ذكر الجنس الذى عنده فسر المصنف ما عندك بأى جنس عندك تسامحا لتلازم جوابيهما، هذا محصل ما قاله اليعقوبى وسم، قال عبد الحكيم: لا يتوهم من تفسير المصنف مطلب ما بمطلب أى: اتحادهما فإن أيا لطلب المميز وما لطلب الماهية إلا أنه لما كان طلب ماهية الشىء مستلزما لطلب تمييز تلك الماهية بعينها عما عداها من حيث اشتمالها على الخصوصية أقيم مطلب أى: مقام مطلب ما ولذا اتحد جوابهما، فيقال: كتاب ونحوه؛ لأنه من حيث إنه مشتمل على بيان الجنس إجمالا جواب لما ومن حيث اشتماله على الخصوصية المميزة عن الأجناس الآخر جواب لأى، هكذا يستفاد من شرح العلامة الشارح للمفتاح. اه.
فأنت تراه جعل جوابهما واحد بالذات مختلفا بالاعتبار وعلى هذا فيصح جعل ضمير وجوابه لما عندك ولأى الأجناس عندك تأمل
(قوله: ونحوه) أى: كفرس وحمار وإنسان
(قوله: ويدخل فيه) أى فى السؤال عن الجنس السؤال عن الماهية والحقيقة أى:
التى هى النوع سواء كان حقيقيا نحو ما الإنسان؟ أو اصطلاحيا نحو ما الكلمة، وأشار الشارح بهذا إلى أن مراد المصنف بالجنس الجنس اللغوى وهو ما صدق على كثيرين
стр. 1116
والحقيقة؛ نحو: ما الكلمة؛ أى: أى أجناس الألفاظ هى؟ وجوابه: لفظ مفرد موضوع (أو عن الوصف، تقول: ما زيد؟ وجوابه: الكريم، ونحوه، و) يسأل (بمن عن الجنس من ذوى العلم، تقول: من جبريل؟ أى: أبشر هو، أم ملك، أم جنى؛ وفيه نظر) ...
===
لا الجنس المنطقى، إذ هو مقابل للنوع
(قوله: والحقيقة) عطف مرادف
(قوله: ما الكلمة) أى: ما مدلول هذه اللفظة
(قوله: أى أى أجناس الألفاظ هى) أى: جنس من أجناس الألفاظ هى أى: أى نوع من أنواعها؟ لأنها تتنوع لأنواع مفرد ومركب وموضوع وغير موضوع ومستعمل وغير مستعمل
(قوله: أو عن الوصف) عطف على قوله عن الجنس أى: يسأل بما عن الجنس أو عن الوصف
(قوله: تقول ما زيد) أى:
تقول فى السؤال عن الوصف ما زيد؟ أى: أى وصف، يقال فيه أى هل يقال فيه كريم أو بخيل أو غير ذلك؟ وإنما فسرنا بذلك لقول المصنف وجوابه الكريم، فلو كان المراد الوصف القائم به لكان جوابه الكرم ونحوه
(قوله: ونحوه) أى: كالشجاع والبخيل والجبان، وكان الأولى للمصنف أن يقول: وجوابه كريم بالتنكير.
(قوله: وبمن عن الجنس) عطف على ما من قوله يسأل بما عن الجنس فهو من جملة مقول السكاكى، والمراد الجنس اللغوى فيشمل النوع والصنف.
(قوله: من ذوى العلم) أى: الكائن من دون العلم، وذلك بأن يعلم السائل أن المسئول عنه من ذوى العلم، لكنه يجهل جنسه وقضية التقييد بذوى العلم تقتضى أنه لا يسأل بها عن الجنس مطلقا
(قوله: تقول من جبريل) أى: تقول فى السؤال عن الجنس من ذوى العلم من جبريل أى: ما جنسه إذا كنت عالما بأنه من ذوى العلم جاهلا جنسه وجوابه ملك
(قوله: وفيه نظر) أى: وفيما قاله السكاكى بالنظر للشق الثانى وهو جعل من للسؤال عن الجنس نظر، وحاصله أنا لا نسلم ورود من فى اللغة للسؤال عن الجنس، فالصواب ما مر من أنها للسؤال عن العارض المشخص ورجع بعضهم النظر إلى قوله أو عن الوصف أيضا، فإن المنطقيين قالوا لا يسأل بما عن الصفات المميزة، بل بأى، وأجاب بأن مراد السكاكى أنها قد تخرج عن حقيقتها فيستفهم بها عن الصفات. اه يس. فإن قلت قد يستدل على وروده فى اللغة للسؤال عن الجنس ببيت الكتاب وهو قوله:
стр. 1117
إذ لا نسلم أنه للسؤال عن الجنس، وأنه يصح فى جواب: من جبريل؟ أن يقال:
ملك، بل يقال: ملك من عند الله يأتى بالوحى كذا وكذا؛ مما يفيد تشخصه (و) يسأل (بأى عما يميز أحد المتشاركين فى أمر يعمهما) ...
===
أتوا نارى فقلت: منون أنتم ... فقالوا الجنّ قلت: عموا ظلاما (١)
فإن الجواب دليل على أن السؤال عن الجنس، إذ لو كان السؤال عن المشخص لقالوا فلان وفلان، قلت: لا نسلم أن المسئول عنه الجنس، بل الظاهر أن الشاعر ظنهم من البشر فسألهم عن مشخصهم، وأنهم من أى قبيلة؟ فأجابوا بأنا لسنا من جنس البشر حتى تفحص عن المشخص والمعين ففى إجابتهم ببيان الغير المطابق تنبيه على خطأ السائل فى هذا الظن، فكأن المجيب يقول ليس الأمر كما تظن من أننا من أشخاص الآدميين فنجيبك بما يعنينا، وإنما نحن من جنس الجن والتخطئة فى السؤال واردة
(قوله: إذ لا نسلم أنه) أى: من فى اللغة للسؤال إلخ.
(قوله: وأنه يصح) أى: ولا نسلم أنه يصح
(قوله: بل يقال ملك) أى: بل يقال فى جوابه ملك من عند الله إلخ
(قوله: كذا وكذا) أى: إلى الأنبياء من عند الله وقوله مما يفيد إلخ بيان لكذا وكذا أى وإذا كان لا يجاب إلا بذلك فتكون من: لطلب العارض المشخص لذى العلم كما مر، فإن قلت: إن السكاكى ادعى أن من فى قوله تعالى حكاية عن فرعون: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٢) للسؤال عن الجنس قلت: كلامه ممنوع لم لا يجوز أن يكون للسؤال عن الوصف كما يدل عليه الجواب على أنه يجوز أن يكون الجواب من الأسلوب الحكيم إشارة إلى أن السؤال عن الجنس لا يليق بجنابه تعالى إنما اللائق السؤال عن أوصافه الكاملة، فكأنه قيل لفرعون دع السؤال عن الجنس، فإنه معلوم البطلان؛ لأن ذاته تعالى لا تدخل تحت جنس، بل اللائق بجنابه أن يسأل عن صفاته
(قوله: أحد المتشاركين) هو بصيغة التثنية وهو اقتصار على أقل ما يحصل فيه
стр. 1118
وهو مضمون ما أضيف إليه أى ...
===
الاشتراك، وإلا فأى كما يسأل بها عما يميز أحد المتشاركين يسأل بها عما يميز أحد المتشاركات، وقوله فى أمر يعمهما متعلق بالمتشاركين وأتى المصنف بهذا لزيادة البيان والإيضاح للمشاركة، إذ الأمر الذى تشارك فيه الشيئان لا يكون إلا عامّا كذا قيل، وفيه بحث؛ لأن المتشاركين فى دار أو مال لا يسأل بأى عما يميزهما إلا إذا جعلا داخلين تحت أمر يعمهما ولو كان ذلك الأمر يعمهما مفهوم المتشاركين فى هذا المال أو فى هذه الدار- قاله عبد الحكيم، وحاصل ما ذكره المصنف أنه إذا كان هناك أمر يعم شيئين أو أشياء بحيث وقع فيه الاشتراك، وكان واحد منهما أو منها محكوما له بحكم وهو مجهول عند السائل إلا أن له وصفا عند غيره يميزه وأريد تمييزه، فإنه يسأل بأى عن ذلك الموصوف بوصف يميزه وهو صاحب الحكم؛ لأن العلم بالمشترك فيه وهو الأمر العام مع العلم بثبوت الحكم لأحد الشيئين المشتركين أو المشتركات لا يستلزم بالضرورة العلم بتمييز صاحب الحكم من الشيئين أو الأشياء، فيسأل بأى عن الموصوف بالوصف المميز له، فقول المصنف عما يميز المراد عن موصوف ما يميز أى عن موصوف وصف يميز إلخ لقوله بعد أى أنحن أم أصحاب محمد، فالمسئول عنه بأى الأشخاص الموصوفون بالكون كافرين أو الكون أصحاب محمد فقول الشارح بعد، وسألوا عما يميز أى عن موصوف ما يميز وقوله مثل الكون إلخ تمثيل لما يميز- فتأمل.
(قوله: وهو) أى: الأمر الذى يعمهما مضمون إلخ، اعلم أن الأمر المشترك فيه الذى قصد التمييز فيه تارة يكون هو ما أضيف إليه أى: وتارة يكون غيره فالأول كمثال المصنف، فإنهما مشتركان فى الفريقية، والذى يميز أحدهما هو الوصف الذى يذكره المجيب مثل الكون أنتم أو أصحاب محمد ونحو أى: الرجلين أو الرجال عندك فالرجلان مثلا اشتركا فى الرجولية وهو أمر يعمهما، والذى يميز أحدهما هو الوصف الذى يذكره المجيب، والثانى كقوله تعالى حكاية عن سليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسّلام: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها (١) أى: أى الإنس والجن يأتينى بعرشها، فإن الأقرب فيه أن الأمر المشترك فيه هو كون كل منهم من جند سليمان ومنقادا لأمره، وبهذا تعلم
стр. 1119
(نحو: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً أى: أنحن أم أصحاب محمد) فالمؤمنون والكافرون قد اشتركا فى الفريقية، وسألوا عما يميز أحدهما عن الآخر مثل:
الكون كافرين قائلين لهذا القول، ومثل: الكون أصحاب محمد ﵊ غير قائلين (و) يسأل (بكم عن العدد نحو: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ (١) أى: كم آية آتيناهم؟ ...
===
ما فى قول الشارح وهو مضمون ما أضيف إليه أى ويمكن بتكلف أن يجعل الأمر المشترك فيه من هذا المثال مضمون المضاف إليه بمعنى كون كل منهما مخاطبا بالإضمار- فتأمل.
(قوله: نحو أى الفريقين إلخ) هذا حكاية لكلام المشركين لعلماء اليهود منهم معتقدون أن أحد الفريقين ثبت له الخيرية والفريقية تصدق على كل منهما ولم يتميز عندهم من ثبتت له الخيرية، فكأنهم قالوا: نحن خير أم أصحاب محمد؟ وقد أجابهم اليهود بقولهم: أنتم. وقد كذبوا فى هذا الجواب، والجواب الحق هو أصحاب محمد وكل من الجوابين حصل به التمييز
(قوله: أى أنحن إلخ) هذا تفسير للفريقين
(قوله: قد اشتركا فى الفريقية) لم يقل قد اشتركا فى أمر يعمهما وهو الفريقية لعله للإشارة إلى أن قوله فى المتن فى أمر يعمهما لا حاجة إليه إلا التأكيد ودفع التوهم- كذا قال يس، وقد علمت ما فيه
(قوله: وسألوا) أى: الكافرون أعنى: مشركى العرب أحبار اليهود
(قوله: عما يميز أحدهما) فى الكلام حذف كما مر أى: وسألوا عن موصوف ما يميز أى سألوا عن الفريق الموصوف بالوصف الذى يميز أحد الفريقين عن الآخر.
(قوله: مثل الكون كافرين) اسم الكون ضمير نابت عنه أل وكافرين خبره أى: مثل كونهم كافرين، وقوله قائلين حال من الواو فى سألوا بين بها من صدر منه القول أعنى
(قوله: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً) (٢)، ولو قال بدل قوله مثل الكون إلخ مثل كون الجواب أنتم وأصحاب محمد كان أخصر وأوضح
(قوله: ويسأل بكم عن العدد) أى: المعين إذا كان مبهما فيقع الجواب بما يعين قدره كما يقال كم غنما ملكت؟
стр. 1120
أعشرين؟ أم ثلاثين؟ ف مِنْ آيَةٍ مميز كم بزيادة من لما وقع من الفصل بفعل متعد بين كم ومميزها كما ذكرنا فى الخبرية، فكم هاهنا للسؤال عن العدد، ...
===
فيقال مائة أو ألفا، ولا يصح الجواب بألوف ومحل الاحتياج للجواب المعين لقدر العدد إذا كان السؤال بها على ظاهره كما مثلنا، وقد يكون السؤال بها عن العدد على غير ظاهره كما فى الآية التى ذكرها المصنف كما قال الشارح فلا يحتاج لجواب.
(قوله: أعشرين أم ثلاثين) بدل من كم
(قوله: مميز كم) أى: وكم مفعول ثان لآتيناهم مقدم عليه، وقوله فمن آية مميز كم فى الكلام حذف أى، وإنما كان المعنى ما ذكر؛ لأن من آية مميز كم
(قوله: لما وقع إلخ) أى: لوقوع وهذا علة لزيادة من أى: فلو لم تدخل من الزائدة على هذا التمييز لتوهم أنه مفعول للفعل
(قوله: كما ذكرنا) أى:
وهذا نظير ما ذكرنا فى حكم الخبرية فى قول الشاعر سابقا (١):
وكم ذدت عنّى من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم
وإن كانت كم هنا فى هذه الآية استفهامية على أنه يجوز أن تكون هنا خبرية والمقام لا يأباه كما بينه الزمخشرى
(قوله: فكم هنا للسؤال عن العدد) هذا صريح فى بقاء كم على حقيقتها من الاستفهام، وأن الغرض منه التوبيخ فهو وسيلة إليه من حيث دلالة الجواب على كثرة الآيات ففيه توبيخ لهم بعدم إيقاظهم مع كثرة الآيات، والفرق بين كم الاستفهامية والخبرية أن الاستفهامية لعدد مبهم عند المتكلم معلوم عند المخاطب فى ظن المتكلم والخبرية لعدد مبهم عند المخاطب ربما يعرفه المتكلم، وأما المعدود فهو مجهول فى كليهما، فلذا احتيج إلى المميز المبين لمعدود ولا يحذف إلا لدليل وأن الكلام مع الخبرية يحتمل الصدق والكذب بخلافه مع الاستفهامية، وأن المتكلم مع الخبرية لا يستدعى جوابا من مخاطب؛ لأنه مخبر والمتكلم مع الاستفهامية يستدعيه؛ لأنه
стр. 1121
ولكن الغرض من هذا السؤال هو التقريع والتوبيخ.
(و) يسأل (بكيف عن الحال، وبأين عن المكان، وبمتى عن الزمان)
===
مستخبر وغير ذلك مما هو مذكور فى مغنى اللبيب
(قوله: ولكن الغرض من هذا الاستفهام هو التقريع والتوبيخ) أى: على عدم اتباع مقتضى الآيات مع كثرتها وبيانها وحينئذ فالمعنى: قل لهم هذا الكلام، فإذا أجابوك بأننا آتيناهم آيات كثيرة فوبخهم على عدم الاتباع مع كثرة الآيات، وإنما كان الغرض من هذا الاستفهام التقريع والتوبيخ، وليس الغرض به استعلام مقدار عدد الآيات من جهة بنى إسرائيل؛ لأن الله تعالى علام الغيوب، فلو كان المراد مجرد علم مقدار الآيات لأعلم الله نبيه بقدرها وتولى ذلك الإعلام، فتعين أن يكون الغرض به التقريع والتوبيخ، قيل ويصح أن يكون الاستفهام على ظاهره بأن يكون القصد أمر النبى- ﷺ أن يسأل بنى إسرائيل حقيقة ليعلم من جهتهم مقدار الآيات؛ لأنه لم يكن يعلمها بلا إعلام وقد تكون الحكمة إنما هى فى علم مقدارها من جهتهم، وعلى هذا فالمعنى سلهم عما آتيناهم من الآيات فيجيبونك عن عددها فإذا علمت أن كم فى الآية مستعملة فى حقيقتها وهو الاستفهام، وأن الغرض منه التوبيخ كما قال الشارح، لا أنها مستعملة فى التوبيخ سقط ما قيل اعتراضا على المصنف كان المناسب ذكر هذه الآية بعد قوله: ثم إن هذه الكلمات الاستفهامية كثيرا إلخ؛ لأن الكلام هنا فى الاستفهام الحقيقى ولا يصح التمثيل بذلك هنا- تأمل.
(قوله: ويسأل بكيف عن الحال) أى: الصفة التى عليها الشىء كالصحة والمرض والركوب والمشى، فيقال كيف زيد أو كيف وجدت زيدا أى: على أى حال وجدته؟ فيقال صحيح أو مريض ويقال كيف جاء زيد فيقال راكبا أو ماشيا وليست كيف ظرفا، وإن كان يقال فى تفسيرها فى أى حال وجدته؟ لأنه تفسير معنوى كما يقال فى تفسير الحال فى قولنا: جاء زيد راكبا أى جاء فى حالة الركوب، وإنما هى بحسب العوامل ففى قولنا: كيف وجدت زيدا تكون مفعولا أو حالا وفى قولنا: كيف زيد تكون خبرا
(قوله: عن المكان) فيقال: أين جلست بالأمس مثلا، وجوابه أمام الأمير
стр. 1122
ماضيا كان أو مستقبلا (وبأيان عن) الزمان (المستقبل، قيل: وتستعمل فى مواضع التفخيم، مثل: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ ...
===
وشبهه ونحو: أين زيد وجوابه فى الدار، أو فى المسجد مثلا
(قوله: ماضيا كان أو مستقبلا) فيقال فى الماضى مثلا متى جئت؟ والجواب سحرا، أو نحوه، ويقال فى المستقبل: متى تأتى؟ فيقال بعد شهر، وكان يمكن الشارح أن يزيد أو حالا؛ لأنه يسأل بمتى عنه أيضا خلافا لما يوهمه اقتصاره.
(قوله: عن الزمان المستقبل) فيقال أيان يثمر هذا الغرس؟ فيقال بعد عشرين سنة مثلا، ويقال أيان تأتى؟ فيقال بعد غد، وظاهر المصنف أن أيان للاستقبال ولو وقع بعدها اسم نحو: أيان مرساها وقال ابن مالك إنها للمستقبل إذا وليها فعل بخلاف ما إذا وقع بعدها اسم كقوله تعالى: أَيَّانَ مُرْساها (١) قال بعضهم: وفيه نظر؛ لأن مرساها مراد به الاستقبال، إذ المراد أيان الزمان الذى ترسى وتستقر فيه هل هو زمان قريب أو بعيد، قيل إن أصل أيان: أىّ أوان فحذفت إحدى الياءين من أى، والهمزة من أوان، فصار أيوان فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فى الياء فصار أيان ورد ذلك بأن كسر الهمزة فيه لغة مستعملة وهو يأبى أن يكون أصله ذلك؛ لأنه تثقيل فى مقام التخفيف اللهم إلا أن يقال الكسر عوض عن الياء المحذوفة، والحق أن كون الاسم غير متمكن يأبى التصريف المذكور انتهى فنرى
(قوله: قيل وتستعمل فى مواضع التفخيم) أى: فى المواضع التى يقصد فيها تعظيم المسئول عنه والتهويل بشأنه، ثم إن هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه أنها لا تستعمل إلا فى مواضع التفخيم فتكون مختصة بالأمور العظام نحو: أَيَّانَ مُرْساها، وأَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (٢)، وعلى هذا فلا يقال: أيان تنام كما قاله السيد، ويحتمل أن المراد منه أنها تستعمل للتفخيم كما تستعمل فى غيره وهو ظاهر كلام النحويين حيث قالوا: إنها كمتى تستعمل للتفخيم وغيره
(قوله: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) (٣) أى: فقد استعملت أيان مع يوم القيامة للتهويل والتفخيم بشأنه، وجواب هذا
стр. 1123
(وأنى تستعمل تارة بمعنى كيف) ويجب أن يكون بعدها فعل (نحو: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) ...
===
السؤال يومهم على النار يفتنون، فإن قلت: إن الإخبار بأيان عن يوم القيامة مشكل؛ وذلك لأن اسم الزمان لا يخبر به إلا عن الحدث ولا يخبر به عن الجثة ويوم القيامة كالجثة، قلت فى الكلام حذف مضاف والتقدير: أيان وقوع يوم القيامة أى: يوم القيامة يقع فى أى زمان؟ فلم يلزم الإخبار المذكور، فإن قلت: إن السؤال عن زمان وقوع اليوم الذى هو من أسماء الزمان يلزم عليه أن يكون للزمان زمان يقع فيه، قلت: يجوز أن يعتبر الأخص ظرفا للأعم والعكس وما هنا من هذا القبيل؛ وذلك لأن المستقبل أعم من يوم القيامة؛ لأنه من النفخة الثانية إلى دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، واعترض على المصنف والشارح فى تمثيلهما بأيان يوم القيامة وأيان يوم الدين بأنه كلام محكى عن الإنسان الذى يحسب أن لن يجمع الله عظامه وهو لا يقصد تفخيم يوم القيامة؛ لأنه لا يقر به، اللهم إلا أن يقال إن التفخيم قد تحقق باعتبار أن هذا القائل يقول هذا السؤال بناء على اعتقاد المخاطب استهزاء به وإنكارا عليه أو يقال: إن هذه الحكاية عن ذلك الإنسان بالمعنى وعبر فيها بما يقتضى التفخيم إشعارا بعظم اليوم نفسه، وإن كان الجاحد لا يقر به
(قوله: وأنّى) أى: الاستفهامية وقوله تستعمل إلخ يحتمل أن تكون حقيقة فى الاستعمالين فتكون من قبيل المشترك، وأن تكون مجازا فى أحدهما، وسيأتى فى الشارح
(قوله: تارة) أى: مرة بعد مرة كما فى الصحاح فجردت عن بعض معناها
(قوله: ويجب أن يكون بعدها فعل) أى: بخلاف كيف وظاهره أنه لا فرق بين الماضى وغيره وهو كذلك، فالأول كالآية المذكورة، والثانى كقوله تعالى: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها (١)
(قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (٢) قيل: إن أنّى فى هذه الآية غير الاستفهامية، إذ لو كانت كذلك لاكتفت بما بعدها؛ لأن من شرط الاستفهام أن يكتفى بما بعده من فعل نحو: أنى يكون لى ولدا أو اسم نحو: أنى لك هذا بل هى شرطية بمعنى كيف الشرطية وجوابها محذوف أى: أنى شئتم فأتوا وحذف الجواب لدلالة فأتوا
стр. 1124
أى: على أى حال، ومن أى شق أردتم بعد أن يكون المأتى موضع الحرث. ولم يجئ:
أنى زيد؟ ؛ بمعنى: كيف هو؟ (وأخرى بمعنى: من أين؛ نحو: أَنَّى لَكِ هذا (١))
===
عليه، وحينئذ فتمثيل المصنف وغيره لأنى الاستفهامية بالآية فيه نظر، فالأولى التمثيل بأنى يحيى هذه الله بعد موتها وفيه أن جعلها استفهامية على الوجه الذى ذكره الشارح ظاهر، وحينئذ فلا حاجة لتكلف الحذف، وذكر الضحاك أن أنى فى الآية بمعنى متى، وأنه معنى ثالث لها ويرده سبب النزول وهو ما روى أن اليهود كانوا يقولون: من باشر امرأته من دبرها فى قبلها جاء الولد أحول، فذكر ذلك عند رسول الله ﷺ فنزلت الآية
(قوله: أى على أى حال) تفسير لها بمعنى كيف، والعامل فى أنى هذه فأتوا، وأورد العلامة أبو حيان على ذلك ما حاصله إن أنى إذا كانت شرطية أو استفهامية لها الصدر فلا يعمل فيها ما قبلها- تأمل.
وقوله على أى حال أى: من قيام أو اضطجاع وقوله: ومن أى شق أى: من خلف أو أمام
(قوله: المأتى) بفتح التاء أى مكان الإتيان
(قوله: موضع الحرث) أى: وهو القبل دون الدبر، ومما يؤيد ذلك أن الله تعالى قال فى آية: (٢) فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إذ يفهم منه أن ثم موضعا لم يؤمر بالإتيان منه، وغير الدبر مأمور بالإتيان منه إجماعا، فلم يبق محل لم يؤذن فيه إلا الدبر، وأخذ الشيعة من الآية جواز إتيان المرأة فى دبرها، وتأولوا الآية على أن المراد: فأتوا حرثكم أى: ذات الحرث وهى النساء، فيصدق بالإتيان فى أى موضع ورد عليهم بأن الحرث بمعنى المحروث وهو القبل، فشبه الفرج بالأرض المحروثة والمنى بالبذر والذكر بالمحراث والولد بالنبات
(قوله: ولم يجىء أنى زيد) أى: من غير إيلاء الفعل لها وهذا محترز قوله: ويجب أن يكون بعدها فعل
(قوله: بمعنى كيف هو) أى أصحيح أم سقيم.
(قوله: وأخرى بمعنى من أين) أى: وهذه لا يجب أن يكون بعدها فعل وظاهره أن أنى فى تلك الحالة متضمنة لمعنى الاسم والحرف معا وهما الظرفية والابتدائية، وسيأتى عن بعض النحاة ما يخالف ذلك.
стр. 1125
أى: من أين لك هذا الرزق الآتى كل يوم، وقوله: تستعمل إشارة إلى أنه يحتمل أن يكون مشتركا بين المعنيين، وأن يكون فى أحدهما حقيقة وفى الآخر مجازا، ويحتمل أن يكون معناه: أين إلا أنه فى الاستعمال يكون مع من ظاهرة؛ كما فى قوله: من أين عشرون لنا من أنى أو مقدرة؛ كقوله تعالى: أَنَّى لَكِ هذا (١) أى:
من أنى؛ أى: من أين؛ ...
===
قال فى عروس الأفراح: والفرق بين أنى ومن أين أن أنى سؤال عن المكان الذى دخل فيه الشىء ومن أين سؤال عن المكان الذى برز عنه الشىء. اه.
(قوله: أى من أين لك هذا الرزق إلخ) أى: وليس المراد كيف لك هذا بدليل قولها قالت هو من عند الله
(قوله: الآتى كل يوم) لأنه كان يجد عندها فاكهة الشتاء فى الصيف وفاكهة الصيف فى الشتاء، ثم إنه ليس المراد المكان حقيقة، وإنما يراد به ما يراد من قولهم من أى وجه نلت ما نلت؟
(قوله: وقوله تستعمل) أى: دون أن يقول وضعت
(قوله: إشارة إلى أنه) أى أنى، وقوله مشتركا أى: اشتراكا لفظيا، وقوله: بين المعنيين.
أى: معنيى كيف ومن أين
(قوله: ويحتمل أن يكون إلخ) عطف على يحتمل الأول أى:
وإشارة إلى أنه يحتمل أن يكون معناه إلخ، وحاصل كلام الشارح أن المصنف عبر بتستعمل إما للإشارة إلى أنه أى أنى يحتمل أن يكون مشتركا بين المعنيين وأنه حقيقة فيهما وأن يكون حقيقة فى أحدهما مجازا فى الآخر، وإما للإشارة إلى ما قاله بعض النحاة:
إن أنى إذا لم تكن بمعنى كيف معناه أين دائما، لكن تكون من قبلها إما مقدرة كما فى الآية أو ظاهرة كما فى البيت؛ وذلك لأن قول المصنف إنها تستعمل بمعنى من أين صادق بما إذا كان ذلك على جهة إضمار من أو بدونه، والحاصل أن المصنف إنما عبر بتستعمل دون وضعت إشارة إلى أنه يحتمل احتمالات ثلاثة، وهذا ما يفيده كلام المطول، وسم.
والذى فى الحفيد أن قوله: ويحتمل متعلق بالاستعمال الثانى الذى ذكره المصنف بقوله وأخرى بمعنى: من أين، وأن الأولى للشارح أن يقول وقوله: بمعنى من أين معناه:
أين فيكون نصا فى تعلقه بالاستعمال الثانى.