← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

متعلق بمحذوف يفسره قوله: (جمعا) لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه، والحق جواز ذلك فى الظروف؛ لأنها مما يكفيه رائحة الفعل ... === تهذيب الكلام، فهو معنى اصطلاحى، وأما فى اللغة: فهو تخليص العبد من الرّقّيّة. (قوله: متعلق بمحذوف يفسره قوله: جمعا) أى: والأصل: وأكثرها جمعا للأصول جمعا، واعترض هذا بأنه يلزم عليه عمل المصدر محذوفا مع أنه لا يعمل محذوفا، كما لا يعمل فى متقدّم، وأيضا ما لا يعمل لا يفسّر عاملا، ويجاب بأنه من باب حذف العامل لا من باب عمل المحذوف، وقولهم ما لا يعمل لا يفسر عاملا قاصر على باب الاشتغال، وما نحن فيه ليس منه. (قوله: لأن معمول ... إلخ) علة لمحذوف أى: وليس متعلقا ب" جمعا" المذكور؛ لأن معمول ... إلخ. (قوله: لا يتقدم عليه) أى: لأنه يؤوّل بالموصول الحرفى وصلته، ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول؛ لأنه كتقديم جزء الشيء عليه، فكذلك ما أوّل بهما لا يتقدم معموله عليه، وهذا مذهب الجمهور. (قوله: والحق جواز ذلك) أى: جواز تقديم معمول المصدر عليه فى الظروف كما هنا، وهذا مذهب الرضى. قال: لأن المؤول بالشيء لا يعطى حكمه من كل وجه؛ لأن تقدير عامل للظرف فيه تكلف، ومما يدل للجواز قوله تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ (١) وقوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ (٢)، واعترض العصام بأنه ليس هنا ظرف، وإنما هو مفعول به زيدت فيه اللام لتقوية العمل. قال يس: وهو من العجب العجاب؛ لأنه اشتهر كنار على علم أن الظرف والجار والمجرور أخوان، يطلق كل منهما على الآخر، وأنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، كالفقير والمسكين عند الفقهاء. (قوله: يكفيه رائحة الفعل) أى: ما له أدنى ملابسة بالفعل كالمصدر؛ فإنه يدل على الحدث وهو أحد جزأى مدلول الفعل، وهذا هو المراد برائحة الفعل، فاندفع اعتراض ابن جماعة بأن قولهم: رائحة الفعل غير صحيح؛ لأن الرائحة عرض والفعل عرض فيلزم قيام العرض بالعرض، وإنما كان الظرف يكفيه رائحة الفعل؛ لأن للظرف شأنا ليس لغيره؛ لتنزله من الشيء منزلة نفسه؛ لوقوع الشىء فيه وعدم انفكاكه عنه.

стр. 107

(ولكن كان) أى: القسم الثالث (غير مصون) أى: غير محفوظ (عن الحشو) وهو الزائد المستغنى عنه (والتطويل) وهو الزيادة على أصل المراد بلا فائدة، وستعرف الفرق بينهما فى بحث الإطناب (والتعقيد)، ... === (قوله: ولكن كان ... إلخ) هذا استدراك على وصف القسم الثالث بالأوصاف السابقة، وذلك أنه لما وصفه بالأوصاف السابقة توهم أنه مصون عن الحشو والتطويل والتعقيد، فرفع هذا التوهم بقوله: ولكن ... إلخ. (قوله: هو الزائد المستغنى عنه) أى: اللفظ الزائد فى الكلام المستغنى عنه فى أداء المراد، سواء كان لفائدة أم لا، كان متعينا أم لا، كما فى قوله: كذبا ومينا. (قوله: والتطويل) هو مصدر بمعنى اسم المفعول؛ لأن المراد به الكلام الزائد على أصل المراد المستغنى عنه بلا فائدة؛ وقول الشارح: وهو الزيادة، المراد بها الزائد، أو فى الكلام حذف مضاف أى: ذو الزيادة، ثم إن فى كلام الشارح احتباكا حيث حذف من كلّ قيدا أثبته فى الآخر، فحذف من الحشو قوله: على أصل المراد؛ لذكره فى التطويل، وحذف من التطويل: المستغنى عنه؛ لذكره فى الحشو. (قوله: وستعرف الفرق بينهما) أى: الفرق المعتد به، وإلا فالتفسير الذى ذكره يؤخذ منه فرق أيضا؛ لأنه يقتضى أن يكون بينهما العموم والخصوص المطلق؛ وذلك لأنه قيد التطويل بكونه لغير فائدة، وأطلق فى الحشو، فيجتمعان فى زائد لا لفائدة، وينفرد الحشو فى زائد لفائدة، وحاصل الفرق الآتي: أن الحشو هو اللفظ الزائد المتعين زيادته، كقوله: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنّنى عن علم ما فى غد عمى (١) فلفظ" قبله" زائد قطعا، فهو حشو. والتطويل هو الزائد على أصل المراد مع عدم تعينه، كما فى قوله (٢):

стр. 108

وهو كون الكلام مغلقا لا يظهر معناه بسهولة (قابلا) خبر بعد خبر؛ أى: كان قابلا (للاختصار) لما فيه من التطويل (مفتقرا) أى محتاجا (إلى الإيضاح) لما فيه من التعقيد (و) إلى (التجريد) ... === وقدّدت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا فالكذب والمين بمعنى واحد، فأحدهما زائد لا بعينه، وهذا الفرق الآتى يقتضى أن يكون بينهما التباين، وما ذكره الشارح هنا فرق بينهما بحسب اللغة، وما يأتى فرق بحسب ما وقع عليه اصطلاح أهل هذا الفن. (قوله: وهو كون الكلام مغلقا ... إلخ) أشار بذلك إلى أن التعقيد هنا مصدر المبنى للمفعول، أى: عقّد الكلام، لأجل أن يكون وصفا للكتاب، وأما التعقيد بمعنى جعل الكلام معقدا الذى هو مصدر المبنى للفاعل فهو وصف للفاعل، ولا تحسن إرادته هنا، وأورد على الشارح أن التطويل وكذا الحشو ليسا وصفين للكتاب إذا جعلا مصدرى المبنى للفاعل، بل إذا جعلا مصدرى المبنى للمفعول، فكان ينبغى التأويل فيهما أيضا ليكونا وصفين للكتاب؛ إلا أن يقال: إنه ترك التأويل فيهما اتكالا على المقايسة، أو ترك ذلك استغناء بتفسيرهما السابق؛ لأنه قد فسر كلا منهما باللفظ الزائد، وهذا يفيد حملهما على المحشوّ والمطوّل به، وأن المصدر بمعنى اسم المفعول، لا أنه باق على مصدريته حتى يحتاج إلى أن يؤولهما بما أول به التعقيد، ثم إن كون الكلام مغلقا: إما بسبب خلل فى اللفظ، وهو التعقيد اللفظى، أو خلل فى الانتقال، وهو التعقيد المعنوى، أو بسبب ضعف التأليف؛ لأن مخالفة النحو فى الكلام توجب صعوبة فهم المراد بالنسبة لمن تتبع قواعد الإعراب، فالتعقيد هنا فى كلام المصنف شامل لضعف التأليف بخلافه فيما يأتي؛ فإنه خاص بالأمرين الأولين. بدليل عطف ضعف التأليف عليه، كما أفاده الحفيد. (قوله: خبر بعد خبر) أى: بناء على جواز تعدد خبر الناسخ، وإنما سكت عن جعله حالا من ضمير" غير مصون"؛ لأن الخبرية أظهر وأقرب؛ لأنه يوهم أن مغايرته للمصون مشروطة بملاحظة قبوله للاختصار مع أنه ليس كذلك؛ فإنه فى نفسه مغاير للمصون وإن لم يلاحظ ذلك، فيكون أدعى للقدوم على اختصاره، وما قيل فى" قابلا" من الإعراب يقال فى" مفتقرا"، واختار فى جانب الاختصار التعبير ب" قابلا"، وفى جانب الإيضاح والتجريد التعبير ب" مفتقرا"؛ إشارة إلى أن الاهتمام بالاختصار دون الاهتمام بالإيضاح والتجريد، فالتحرز عنهما أهم من التحرز عنه.

стр. 109

عما فيه من الحشو، (ألفت) جواب لما (مختصرا يتضمن ما فيه) أى: فى القسم الثالث (من القواعد) جمع قاعدة، وهى حكم كلى ينطبق على جميع جزئياته ... === (قوله: عما فيه) لم يقل: لما فيه على طريقة ما قبله، إذ لا يعلم حينئذ أن المجرد عنه ماذا، بخلاف ما قبله، فلا يلزم فيه مثل ذلك، ولم يرتب النشر على نمط اللف؛ لأجل السجع. (قوله: ألفت مختصرا) لم يقل: اختصرته، مع أنه أخصر؛ إشارة إلى أنه ليس مطمح نظره اختصار القسم الثالث لأمر دعاه إليه، بل تأليف مختصر يتضمن ما فيه مما يحتاج إليه، ويخلو عما يستغنى عنه، وأيضا تعبيره ب" اختصرته": يقتضى أن ما فى هذا المختصر فى القسم الثالث، وليس للمصنف إلا مجرد الاختصار مع أن له غير الاختصار التجريد والإيضاح، وبعض اجتهادات له مخالفة لمذهب السكاكى. (قوله: يتضمن ما فيه ... إلخ) إشارة إلى أنه مختصر جامع، ثم إن المراد بتضمن ما فى القسم الثالث من القواعد تضمنه معظم ما فيه منها، فلا يرد عدم تضمنه المباحث المذكورة فى علم الجدل والاستدلال، وعلمى العروض والقوافي، ودفع المطاعن عن القرآن؛ لأن المباحث لواحق لعلمى المعانى والبيان. (قوله: وهى حكم) كان الأولى وهو حكم؛ لأن الضمير إذا وقع بين مرجع وخبر مختلفين بالتذكير والتأنيث فالأولى مراعاة الخبر؛ لأنه محط الفائدة. (وقوله: حكم) يطلق الحكم على المحكوم به، وعلى النسبة الحكمية، وعلى الإيقاع والانتزاع، أعنى: إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة، المسمّى ذلك عند المناطقة ب" التصديق"، والمراد هنا القضية الدالة على النسبة الحكمية من إطلاق اسم المدلول وإرادة الدال، فساوى قول غيره: قضية كلية، إن قلت: هذا مجاز، وهو لا يدخل التعاريف. قلت: هذا مجاز مشهور، أو أن هذا ضابط لا تعريف، على أن بعضهم ذكر أن الحكم يطلق على القضية نفسها إطلاقا حقيقيّا عرفيّا، كإطلاقه على ما مر. وقولهم: كلية أى: محكوم فيها على كل فرد من أفراد موضوعها، أو المراد موضوعها كلى. (وقوله: ينطبق ... إلخ) هذا القيد على الثانى ليس لبيان الواقع، بل للاحتراز عن القضية الطبيعية، نحو: الإنسان نوع، والحيوان جنس؛ فإن المحكوم عليه بالنوعية أو الجنسية الماهية الكلية بقطع النظر عن الانطباق على الجزئيات بخلافه على الأول، فإنه لبيان الواقع،

стр. 110

ليتعرف أحكامها منه، كقولنا: كل حكم منكر يجب توكيده ... === والاحتراز عن الطبيعية بقوله: كلية، والمراد بالانطباق: الاشتمال، واعترض بأن الجزئيات إنما تضاف للكلى المفرد لا للقضية الكلية، والذى يضاف إليها إنما هو الفروع، وهى القضايا التى تحت تلك القضية الكلية، بأن يحكم بمحمولها على جزئيات موضوعها وأجيب: بأنه استعار الجزئيات للفروع بجامع الاندراج فى الجملة، أو أن فى العبارة حذف مضاف، أى: على جميع جزئيات موضوعه، أو أن فى العبارة استخداما، فأطلق الحكم أولا بمعنى القضية، وأعاد عليه الضمير بمعنى المحكوم عليه، ولا شك أن المحكوم عليه وهو الموضوع أمر كلى تحته جزئيات، وعلى هذا فلا حذف أصلا، كذا قالوا. قال العلامة عبد الحكيم: وهذه تكلفات لا تليق بمقام التعريفات، وإن ذهب إليه الجم الغفير، فالأولى أن يقال قوله: حكم كلى أى: على كلى؛ فإن كلية الحكم بكون المحكوم عليه كليّا، والضمير فى" ينطبق" و" جزئياته" راجع إلى" الكلى"، ومعنى انطباقه: صدقه عليه، وهو احتراز عن القضية الطبيعية. (قوله: ليتعرف ... إلخ) اللام للغاية والعاقبة. أى: أن غاية ذلك الانطباق وثمرته تلك المعرفة، وليست للتعليل؛ لأن الانطباق لا يعلل بالمعرفة، بل الأمر بالعكس. أى: أن الانطباق يكون علة للمعرفة؛ وذلك لأن الانطباق أمر ذاتى للقضية، فلا يعلل بشيء، والمعرفة لأحكام الجزئيات من القضية أمر عارض لها، وكيفية معرفة أحكام جزئيات الموضوع منها أن تأتى بقضية سهلة الحصول؛ لكون موضوعها جزئيات من جزئيات موضوع القاعدة، ومحمولها نفس موضوع القاعدة، وتجعل هذه القضية السهلة الحصول صغرى، وتجعل القاعدة كبرى لهذه الصغرى، فينتظم قياس من الشكل الأول منتج للمطلوب؛ كأن يقال: ثبوت القيام لزيد حكم منكر، وكل حكم منكر يجب توكيده، فثبوت القيام لزيد يجب توكيده، ولما كانت معرفة أحكام الجزئيات من القاعدة فيها كلفة للاحتياج إلى شيء آخر إليها- عبر بقوله: " ليتعرف"، ولم يعبر ب" يعرف". بقى شيء آخر، وهو أن القاعدة يتعرف منها أحكام الجزئيات، والشاهد جزئى من جزئيات القاعدة، فيكون متوقفا عليها، والشاهد مثبت لها، فتكون متوقفة عليه، فيلزم

стр. 111

(ويشتمل على ما يحتاج إليه من الأمثلة) وهى الجزئيات المذكورة لإيضاح القواعد (والشواهد) وهى الجزئيات المذكورة لإثبات القواعد فهى أخص من الأمثلة، ... === الدور، وأجاب بعضهم بمنع توقف الشاهد على القاعدة، وإنما هو متوقف على الموثوق به، فيقال: التوكيد فى جواب المنكر فى قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً (١)، سمع من الموثوق به، وكل ما سمع من الموثوق به فهو مستحسن فى البلاغة، فالتوكيد فى جواب المنكر فى هذه الآية مستحسن فى البلاغة، ورد هذا الجواب بأنه مبطل للعموم فى قولهم فى تعريف القاعدة: على جميع جزئياته، فالأولى فى الجواب أن يقال إن توقف القواعد على الشواهد بالنسبة للمجتهدين المستنبطين للقواعد، وتوقف الشاهد على القاعدة بالنسبة لغيرهم؛ لأنهم هم الذين يريدون تعرف أحكام الجزئيات، وحينئذ فالعموم باق على حاله. (قوله: على ما يحتاج إليه من الأمثلة والشواهد) أى: لا على ما يستغنى عنه منها، وإلا كان حشوا وتطويلا، وفى هذا إشارة إلى أن القسم الثالث فيه أمثلة وشواهد مستغنى عنها. (قوله: فهى أخص) أى: باعتبار الصلاحية، أى أن كل ما صلح أن يكون شاهدا صلح أن يكون مثالا من غير عكس، وسرّ ذلك أن الشاهد لا بد أن يكون من كلام من يعتد بعربيته بخلاف المثال، فبينهما العموم والخصوص المطلق لا باعتبار الإثبات والإيضاح؛ لأن هذا خارج عن حقيقة الأمثلة والشواهد؛ لأن الجزئى لا يلزم أن يكون مذكورا بعد القاعدة فضلا عن كونه مثالا أو شاهدا، فكونه مذكورا للإيضاح أو للإثبات عارض مفارق، لا يمكن اعتباره فى حقيقتهما، وحينئذ فلا ينبنى عليه أخذ النسبة بينهما، ولئن سلمنا دخول ذلك فى مفهوميهما؛ لأنه الجزئى من حيث إنه جزئى لا يكون الإثبات ولا الإيضاح داخلا فى مفهومه، ومن حيث إنه مثال أو شاهد يكون الإثبات والإيضاح داخلا فيه، فلا ينتج العموم والخصوص المطلق، بل يكون

стр. 112

(ولم آل) من الألو وهو التقصير (جهدا) أى: اجتهادا، وقد استعمل الألو فى قولهم: لا آلوك جهدا، متعديا إلى مفعولين ... === بينهما إما التباين الكلى؛ لأنه قد اعتبر فى كل غير ما اعتبر فى الآخر، أو التباين الجزئي: وهو العموم والخصوص الوجهى بأن يقال: المثال ما قصد به الإيضاح أريد معه الإثبات أم لا، والشاهد ما قصد به الإثبات أريد معه الإيضاح أم لا. إن قلت: يعمم فى الأول دون الثاني؛ بأن يقال: الشاهد جزئى يذكر للإثبات ليس إلا. قلنا: قال العلامة يس: التعميم فى الأول دون الثانى تحكم لأنه لا دليل عليه. (قوله: ولم آل) عطف على ألفت، ويجوز أن يكون حالا من فاعله، وأصل آل أالو بهمزتين الأولى للمتكلم والثانية فاء الكلمة فقلبت الهمزة الثانية ألفا وفاء بقاعدة: أنه إذا اجتمع همزتان فى أول كلمة والثانية منهما ساكنة، فإنها تقلب مدة من جنس حركة التى قبلها، وحذفت الواو للجازم؛ لأنه معتل وماضيه ألا يألو وأصل ألا ألو كنصر، تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا (قوله من الألو) بفتح الهمزة وسكون اللام كالنصر، أو بضم الهمزة واللام كالعنق على ما فى القاموس (قوله: وهو التقصير) أى: التواني، فالتقصير من قصر عن الشيء توانى عنه لا من قصر عن الشيء بمعنى انتهى أو عجز عنه، ثم إن تفسير الشارح الألو بالتقصير بيان لمعناه فى أصل اللغة، وأما كونه بمعنى المنع فمجاز، وإنما حمل الشارح كلام المصنف على المعنى المجازى، حيث قال: واستعمل الألو إلخ؛ لأن آل بمعنى أقصر فعل لازم، فجهدا الواقع بعده إما نصب على التمييز أى: من جهة الاجتهاد، أو على الحال أى: حال كونى مجتهدا، أو على نزع الخافض أى: فى اجتهادى، والأول باطل إذ لا إبهام فى نسبة التقصير إلى الفاعل، ولا يصح جعله محولا عن الفاعل؛ لأن الأصل فى المحول أن يكون الإسناد إليه حقيقيا وهنا مجازى، وأما الثانى والثالث فبعيدان؛ لأن مجىء المصدر حالا سماعى، وكذلك النصب على نزع الخافض، وحينئذ فجعل آل فى كلام المصنف بمعنى أقصر بعيد، فلذا عدل عنه الشارح إلى المعنى المجازى. (قوله: وقد استعمل إلخ) أى: على طريق التضمين، فقد ضمن آل معنى أمنع المتعدى لاثنين، أو استعير الألو بمعنى التقصير للمنع بعد تشبيهه به، واشتق من الألو

стр. 113

وحذف المفعول الأول هاهنا، والمعنى: لم أمنعك جهدا (فى تحقيقه) أى: المختصر (وتهذيبه) أى: تنقيحه، (ورتبته) أى: المختصر (ترتيبا أقرب تناولا) ... === آل بمعنى أمنع على طريق الاستعارة التبعية. (فقوله: وقد استعمل إلخ: ) إضراب عما تقدم الذى هو المعنى الحقيقى إشارة إلى أن المراد من الألو هنا معناه المجازى، وهو المنع لما قلناه ولاشتهاره فيه، والمجاز المشهور مقدم على الحقيقة الغير المشهورة عند بعض الأصوليين. (قوله: وحذف إلخ) عطف على محذوف أى: واستعمله المصنف هنا كذلك وحذف إلخ، والمراد بالحذف هنا لازمه وهو الترك فلا يقال: إن الحذف يقتضى ذكر الشيء أولا، فيقتضى أن المصنف قد ذكر المفعول الأول ثم حذفه بعد ذلك وليس كذلك، وإنما حذف المصنف المفعول الأول وهو الكاف لكونه غير مقصود بخصوصه، فحذف للعموم؛ لأن المعنى لم أمنع أحدا، فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون آل فى كلام المصنف متعديا لمفعول واحد لتضمينه معنى أترك، أو التجوز بالألو عنه فى تحقيقه، ولا يكون فى الكلام حذف على ما هو الأصل؟ قلت: المانع من ذلك أمران: الأول: اشتهار استعمال الألو بمعنى المنع، وعدم اشتهار استعماله بمعنى الترك. الثاني: أنه لو كان الألو هنا بمعنى الترك لكان المعنى لم أترك اجتهادى فى تحقيقه بل اجتهدت فيه، وهذا لا يفيد أنه بذل كل الاجتهاد فى ذلك وهذا خلاف المقصود؛ إذ المقصود أنه بذل كل الجهد فى تحقيقه، وهذا إنما يفيده جعل آل بمعنى أمنع، تأمل (قوله: لم أمنعك) الخطاب لغير معين أى: لم أمنع أحدا اجتهادى فى تحقيقه، بل بذلت وسعى وطاقتى فى ذلك. (قوله: فى تحقيقه) متعلق بلم آل باعتبار أن معناه بذلت وسعى لا بجهدا لعدم جزالة المعنى كذا قال بعضهم وتأمله (قوله: فى تحقيقه) أى: المختصر وفيه أن التحقيق هو إثبات المسألة بالدليل، والمختصر ألفاظ لا تثبت بدليل؛ إذ الذى يثبت به إنما هو المعانى، وأجيب بأن فى الكلام حذف مضاف، أى: فى تحقيق مدلوله، فالتحقيق من أوصاف المعانى كما أن التهذيب من أوصاف اللفظ؛ لأنه تخليص اللفظ من الحشو.

стр. 114

أى: أخذا (من ترتيبه) أى: من ترتيب السكاكى أو القسم الثالث؛ إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول (ولم أبالغ فى اختصار لفظه؛ تقريبا) مفعول له لما تضمنه معنى: لم أبالغ؛ أى: تركت المبالغة فى الاختصار؛ تقريبا (لتعاطيه) أى: تناوله ... === (قوله: أى أخذا) التناول فى الأصل مد اليد لأخذ الشيء أريد به هنا لازمه وهو الأخذ، فهو من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم، والمراد بالأخذ هنا اختيار النفس للمسائل. أى أن اختيار الشخص للمسائل المرتبة من هذا المختصر أقرب من اختياره لها من القسم الثالث، بمعنى أنه يميل إلى أخذها منه أكثر؛ لكونه جعل مسائله وفصوله فى رتب هى منها أسهل أخذا من مسائل القسم الثالث لكونها يستعان ببعضها على فهم بعض، وينبنى إدراك بعضها على إدراك بعض، أو المراد بالتناول الأخذ للمعانى من الألفاظ المرتبة، أى: أن أخذ الشخص للمعانى من الألفاظ المرتبة من هذا المختصر أقرب من أخذها من الألفاظ المرتبة من القسم الثالث. (قوله: إضافة المصدر) أى: أضيف إضافة المصدر أو وهذه الإضافة إضافة المصدر، فهو إما منصوب على المفعولية المطلقة، أو مرفوع خبر لمحذوف، وقدم إضافته إلى الفاعل على إضافته للمفعول لما تقرر فى كتب النحو من أن الأول أكثر وأولى. (قوله: لما تضمنه) أى: معمول لما تضمنه إلخ، أى: فهو علة لذلك المتضمن بالفتح، أى وليس علة للنفي؛ لأن المفعول له هو ما فعل لأجله الفعل، وعدم المبالغة ليس بفعل، ولا للمنفى وهو المبالغة؛ لأنه ينحل (١) المعنى: أن المبالغة فى اختصار لفظه لأجل التقريب منتفية، فيقتضى أن المبالغة فى اختصار لفظه لغير التقريب كسهولة الحفظ حاصلة وليس هذا المعنى بمراد؛ لأن المراد نفى المبالغة فى الاختصار مطلقا وإنما كان المعنى ما ذكر على جعله متعلقا بأبالغ؛ لأن النفى إذا دخل على كلام فيه قيد شأنه أن يكون النفى فيه موجها إلى القيد مع بقاء أصل الفعل، ثم إن ظاهره أن العمل لما تضمنه المعنى وهو الترك وليس كذلك، وإنما العمل للفعل الدال عليه وهو تركت؛ فالكلام على حذف مضاف أى: معمول لدال ما تضمنه معنى لم أبالغ، ثم إن هذا الكلام يحتمل أن يكون إشارة إلى أن العمل إنما هو لذلك الفعل، وأنه إذا جعل العمل لمعنى حرف النفى

стр. 115

(وطلبا لتسهيل فهمه على طالبه) والضمائر للمختصر. وفى وصف مؤلفه بأنه مختصر منقح سهل المأخذ تعريض ... === وجب تأويل النفى بفعل مثبت يصلح للتعليل وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن العمل لحرف النفي باعتبار ما يستفاد منه، وما ذكره بيان لعمل حرف النفي، وأن القيد له، وتوضيح لحاصل المعنى، وإنما أدرج الشارح المعنى للإشارة إلى أن ترك المبالغة ليس عين معنى" لم أبالغ" لوجوب تغاير المتضمّن والمتضمّن، ولو لم يذكر المعنى لصح أيضا؛ لأن اللفظ يتضمن معناه فيتضمن ما يتضمنه؛ لأن متضمّن المتضمّن لشيء متضمّن لذلك الشيء، لكن يصير الكلام خاليا عن إفادة أن ترك المبالغة ليس عين معنى" لم أبالغ"، وإنما كان معنى" لم أبالغ" متضمنا ومستلزما للترك؛ لأن معنى قوله: " لم أبالغ" نفى المبالغة ويلزمه تركها (قوله: وطلبا إلخ) إن قلت: هذا عين ما قبله فلا حاجة له. قلت: أما أولا فقد يمنع ذلك؛ إذ لا يلزم من قرب تناوله فهمه؛ إذ قد يقرب ما هو فى غاية الصعوبة ولا يصل إلى السهولة، فإن فى مجرد تقليل الصعوبة تقريبا لا يقال، فكان ينبغى أن يستغنى بها عما قبله؛ لأنا نقول: إغناء المتأخر عن المتقدم لا يضر؛ لأن الأول قد وقع فى مركزه على أن المقام مقام خطابة، وأيضا فقد يكون قصد من الأول تسهيله فى نفسه، وأنه مستحسن مع قطع النظر عن تحقيق الطلاب له، ومن الثاني: الإشارة إلى أن له طلابا وأنه راعى حالهم. (قوله: بأنه مختصر) أخذه من قوله: ألفت مختصرا ومن قوله: ولم أبالغ فى اختصاره. وقوله: منقح أخذه من قوله: فى تحقيقه أو تهذيبه. وقوله: سهل المأخذ أخذه من قوله: وطلبا إلخ. (قوله: تعريض) هو كناية مسوقة لموصوف غير مذكور، ويسمى تلويحا كقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، فكأنه أمال الكلام إلى عرض يدل على المقصود، وإنما يسمى تلويحا؛ لأن المتكلم يلوح به لما يريده. وقوله: " تعريض" يعنى ثانيا، وإلا فهو قد عرض بالقسم الثالث أولا بقوله: قابلا للاختصار مفتقرا للإيضاح والتجريد، كما أنه صرح بذلك أولا فى قوله: ولكن كان غير مصون إلخ. قال فى المطول: لعمرى قد أفرط المصنف فى وصف القسم الثالث بأن فيه حشوا وتطويلا وتعقيدا وتصريحا أولا، وتلويحا ثانيا، وتعريضا ثالثا.

стр. 116

بأنه لا تطويل فيه ولا حشو ولا تعقيد كما فى القسم الثالث (وأضفت إلى ذلك) المذكور من القواعد وغيرها (فوائد عثرت) أى: اطلعت (فى بعض كتب القوم عليها) أى: على تلك الفوائد (وزوائد لم أظفر) أى: لم أفز (فى كلام أحد بالتصريح بها) أى: بتلك الزوائد (ولا الإشارة إليها) ... === (قوله: بأنه لا تطويل فيه) أى: لأنه مختصر، وقوله: ولا حشو، أى: لأنه مهذب، وقوله: ولا تعقيد، أى: لأنه سهل المأخذ فهو نشر على ترتيب اللف. (قوله: المذكور من القواعد وغيرها) أى الأمثلة والشواهد، وأشار الشارح بذلك إلى أن اسم الإشارة ليس راجعا للمختصر، وإلا لاقتضى أن هذه الفوائد زائدة على المختصر ومضمومة إليه وليس كذلك، وأول القواعد والشواهد والأمثلة بالمذكور لأجل صحة الإشارة إليها بذلك مع إفراده وتذكيره. (قوله: عثرت) من العثور وهو الاطلاع على الشيء من غير قصد، وفى تعبير المصنف ببعض إشارة إلى عزة تلك الفوائد؛ لأنها لم تكن ثابتة فى كل كتب المتقدمين (قوله: وزوائد إلخ) قال في المطول: ولقد أعجب المصنف فى جعل ملتقطات كتب الأئمة فوائد، وفى جعل مخترعات خواطره زوائد، ووجه الإعجاب أن كلامه موجه محتمل للمدح وللذم، فيحتمل أن مخترعات خواطره زوائد. الشأن فيها أن تطرح ولا تقبل فتسميتها زوائد تواضع منه، ويحتمل أن يكون المراد أن مخترعات خواطره زوائد فى الفضل على الفوائد التى التقطتها من كتب الأئمة، وبين فوائد وزوائد الجناس اللاحق لاختلافهما بحرفين متباعدى المخرج لتباعد مخرج الفاء من مخرج الزاى، وبين إليها وعليها جناس مضارع لاختلافهما بحرفين متقاربى المخرج؛ لأن مخرج الهمزة قريب من مخرج العين، ثم إن تلك الزوائد مثل اعتراضاته على السكاكي، ومثل مذهبه فى الاستعارة بالكناية، فإنه لم يسبق به، واعترض بأن هذه الزوائد إن كانت غير موجودة فى كلام أحد لا بطريق التصريح، ولا بطريق التلويح كانت باطلة إذ لا مستند إليها على أنها إذا كانت خارجة عن كلامهم فلا معنى لإدخالها فيه مع كونها أجنبية مما قالوه. فكيف تدخل فى فنهم وتضاف إلى ما قالوه ويجرى عليها حكمه وأجيب بأن المراد

стр. 117

بأن يكون كلامهم على وجه يمكن تحصيلها منه بالتبعية وإن لم يقصدوها (وسميته: تلخيص المفتاح) ليطابق اسمه معناه (وأنا أسأل الله تعالى) قدم المسند إليه قصدا إلى جعل الواو للحال (من فضله) ... === إنها لا توجد فى كلام أحد بالنظر للقواعد، وهذا لا ينافى إنها تؤخذ بالتأمل فى القواعد، والمأخوذ من القواعد لا يضاف إلا لمستنبطه، وحينئذ يصح إدراجها فى الفن، وأجاب العلامة يس: بأن المراد بقوله فى كلام أحد أى: من أهل هذا الفن المتصدين لتدوينه وتقريره، وهذا لا ينافى أنها تؤخذ من كلام نحو مفسر، وإدراجها فى كلامهم من حيث مناسبتها له وكونها على طريقته ومشابهتها له فى الفائدة. (قوله: بأن يكون إلخ) هذا تصوير للمنفى وهو الإشارة. (قوله: وسميته إلخ) لأنه تلخيص لأعظم أجزائه هذا، وقد اشتهر أن أسماء الكتب من قبيل الأعلام الشخصية، وأسماء العلوم من قبيل الأعلام الجنسية، واعترض بأن هذا تحكم، فالأولى أن يقال إن قلنا: إن الشيء يتعدد بتعدد محله، كان كل من قبيل علم الجنس، وإن قلنا إن الشىء لا يتعدد بتعدد محله كان كل من قبيل علم الشخص، ومما يؤيد ذلك أن الكتاب جزء من العلم، فما جرى على الكل يجرى على الجزء. (قوله ليطابق اسمه) أى: ليكون معنى اسمه العلمى وهو الألفاظ المخصوصة الدالة على المعانى المخصوصة مطابقا ومناسبا لمعناه الأصلى وهو التنقيح والتهذيب، ووجه المناسبة أن هذه الألفاظ المخصوصة مشتملة على التنقيح والتهذيب، فسميت هذه الألفاظ بالتلخيص لاشتمالها عليه، فالحامل للمصنف على هذه التسمية تملك المناسبة نظير ما قيل فى الصلاة من أنها لغة الدعاء، ثم جعلت فى الشرع اسما للأقوال والأفعال المخصوصة لتلك المناسبة؛ لأن الصلاة بالمعنى الشرعى مشتملة على الدعاء، وليس المراد بقوله ليطابق اسمه معناه أن ذات الاسم مطابقة لمعناه، إذ لا مناسبة بين حروف التلخيص وبين الألفاظ المخصوصة أو التنقيح (قوله: قدم المسند إليه) أى: ولم يكتف بالضمير المستتر المؤخر. (قوله: قصدا إلخ) وذلك لأنه لا يناسب جعل الواو للعطف عند عدم تقدمه؛ لأن من محسنات الوصل تناسب المعطوفين فى الماضوية والمضارعية، ولا يصح جعلها للحال

стр. 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بدون التقديم؛ لأن المضارع المثبت إنما يربط إذا كان حالا بالضمير لا بالواو، فتعين أن يكون التقديم لأجل أن تكون الجملة اسمية مرتبطة بواو الحال، والقصد من جعل هذه الجملة حالية تقييد جميع الأفعال من التأليف وما عطف عليه، فإن قلت: يصح جعلها للعطف، ومحل مراعاة المناسبة فى العطف إذا لم توجد نكتة، وقد عدل هنا إلى المضارعية لقصد الاستمرار التجددى؛ لأن الماضوية تفيد الانقطاع. قلت: هذه النكتة حاصلة مع التقديم وجعل الواو للحال، فالأولى ما ذكره فرارا من عدم تلك المناسبة، فإن قلت لا حاجة فى جعل الجملة حالية لزيادة واو؛ إذا الجملة الإسمية يصح أن تكون حالا بالضمير وحده. قلت: يلزم على حذفها توهم الاستئناف فزادها دفعا لذلك التوهم فظهر من هذا أن التقديم إنما هو من أجل ما ذكر من النكتة؛ إذا لا يعرف للتقديم هنا نكتة غير ذلك؛ وذلك لأن تقديم المسند إليه على المسند الفعلى الذى لم يل حرف النفى قد يأتى للتخصيص، وقد يأتى لتقوى الحكم لتكرر الإسناد كما يأتي، ولا يعرف لشيء منهما حسن هنا، إذا لا حسن فى قصر السؤال عليه، بل الحسن فى الشركة فى السؤال ليكون أقرب للإجابة لاجتماع القلوب وأبعد عن التحجير فى الدعاء، ولا حسن فى تأكيد إسناد السؤال إليه، إذ لا إنكار ولا تردد فيه من السامع. قال بعضهم: يمكن أن يكون التقديم هنا لإفادة الحصر أو التقوى، ويوجه الأول: بأن المصنف من تواضعه رأى أن كتابه لا يلتفت إليه غيره، فضلا عن كونه يسأل النفع به إذا كان كذلك فلا يسأل النفع به إلا هو. فكأنه قال: وأنا أسأل النفع به دون غيرى فالقصر حقيقى، أو أنه إضافى باعتبار الحاسدين له من أهل عصره أى: وأنا أسأل الله لا غيرى من الحاسدين، ورد الوجه الأول: بأن جعله قصرا حقيقيا ينافى ما أسلفه من مدح مختصره وترجيحه على القسم الثالث، فإن ذلك المدح ينافى أنه يرى أن غيره لا يعتد به، ورد الوجه الثاني: بأن القصر المذكور إنما يكون للرد على معتقد الشركة، وليس هنا من يعتقد أن أهل عصره الحساد يشاركونه فى السؤال حتى يرد عليه، وكونه يدعى أن هنا معتقدا للشركة أمر بعيد، ويوجه الثانى بأن تقوى الحكم وتأكيده بتكرار

стр. 119

حال من (أن ينفع به) أى: بهذا المختصر (كما نفع بأصله) وهو المفتاح، أو القسم الثالث منه (إنه) أى: الله تعالى (ولى ذلك) النفع (وهو حسبى) أى: محسبى ... === الإسناد ليس بلازم أن يكون للرد على منكر، بل قد يكون لمجرد الاعتناء بالحكم ولظهور الرغبة فيه، أو لاستبعاد الحكم، فالتقديم هنا للاعتناء بالسؤال والاهتمام به أو لظهور الرغبة فيه، فتوجه إلى الله يتضرع فى الإجابة مجتهدا بأقصى وسعه، مشيرا إلى أنه لا يعتمد على ما بلغ به فى وصف مؤلفه، بل يسأل الله النفع به، أو لاستبعاده السؤال، ولذا علله بقوله: إنه ولى النفع به فتأمل ذلك. (قوله: حال من أن ينفع به) أى: حال من المصدر المؤول الواقع مفعولا. أى: أسأل الله النفع به حال كونه كائنا من فضل، فهو من تقديم الحال على صاحبها، وليس من فضله من معمولات أن ينفع به حتى يلزم تقديم معمول الصلة على الموصول، أو تقديم معمول المصدر عليه، وكلاهما ممنوع. (قوله: وهو المفتاح أو القسم الثالث) جعل القسم الثالث أصلا له ظاهر وأما جعل جملة المفتاح أصلا ففيه نظر؛ لأن القسمين الأولين منه لا تعلق للمختصر بهما حتى يجعلا مثلا له، ويجاب بأن ما كان جزؤه أصلا لغيره، فالكل أصل لذلك الغير بهذا الاعتبار. (قوله: إنه ولى) بفتح الهمزة على حذف لام الجر علة لقوله: أسأل، وبكسرها على الاستئناف البيانى جوابا عما يقال لأى شيء سألته دون غيره، وقوله ولى ذلك ولى فعيل بمعنى فاعل. أى: متولى ذلك النفع ومعطيه، فله أن يتصرف فيه كيف يشاء. (قوله: أى محسبى) يشير إلى أن حسب: بمعنى محسب، فهو اسم فاعل لا اسم فعل كما هو الصحيح، وحاصل ما فى المقام: أن حسب فى الأصل اسم مصدر بمعنى الكفاية، ولذا يخبر به عن الواحد وعن المتعدد، فيقال: زيد وعمرو حسبك، ثم استعمل اسم فاعل بمعنى محسب، وكاف. وله حينئذ استعمالات فتارة تستعمل استعمال الصفات، فتكون نعتا لنكرة كمررت برجل حسبك من رجل، وتارة تستعمل استعمال الأسماء الجامدة غير تابعة لموصوف، نحو حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ (١)

стр. 120

وكافى (ونعم الوكيل) عطف: إما على جملة: وهو حسبى والمخصوص محذوف، وإما على: حسبى؛ أى: وهو نعم الوكيل، فالمخصوص هو الضمير المتقدم على ما صرح به صاحب المفتاح وغيره فى نحو: زيد نعم الرجل ... === فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ (١) بحسبك درهم. وهذا يرد على من زعم أنها اسم فعل، فإن العوامل اللفظية لا تدخل على أسماء الأفعال باتفاق، وأما قول صاحب الصحاح حسبك درهم أى: كفاك، فهو بيان للمعنى بالمآل؛ لأن مآل المعنيين واحد لا بيان؛ لأنه اسم فعل. (قوله: وكافى) عطفه على ما قبله عطف تفسير، ثم يحتمل أن المراد كافى فى جميع المهمات حتى فى إجابة هذا السؤال، ويحتمل الكفاية فى ذلك وعليه فتكون الجمل منتظمة (قوله: عطف إلخ) إنما جعل الواو عاطفة؛ لأن الأصل فيها العطف، ولعدم صحة جعلها للحال؛ لأن الجملة الحالية لا تكون إنشائية ولا يصح جعلها اعتراضية؛ لأن الاعتراض لا يكون فى آخر الكلام، ولعدم تضمنه نكتة جزيلة. (قوله: إما على جملة: وهو حسبى وإما على: حسبى) إنما انحصر العطف فى هذين؛ لأن المتقدم ثلاث جمل لا يصح العطف على الأولى منها لعدم الجامع، ولكونها حالا؛ والإنشائية لا تكون حالا. ولا على الثانية؛ لأنها معللة، وهذه لا تصلح للتعليل فتعين الثالثة، فإما أن يكون العطف عليها بتمامها، أو على جزئها (قوله: والمخصوص) أى: بالمدح محذوف والأصل: ونعم الوكيل الله، وعلى هذا فيجعل المخصوص إما مبتدأ والجملة قبله خبر، أو خبره محذوف، أو يجعل خبر المحذوف (قوله: وإما على حسبي) أى: وإن لزم عليه عطف الجملة على المفرد؛ لأنه يجوز إذا تضمن المفرد معنى الفعل كما هنا؛ لأن حسبى فى معنى يحسبني. (قوله: فالمخصوص هو الضمير) أى: الواقع مبتدأ؛ لأن ونعم الوكيل عطف على الخبر. (قوله: على ما صرح إلخ) إنما صرح بهذا العزو؛ لأن تقدم المخصوص خلاف الشائع إذ الشائع أن المخصوص يذكر بعد والجملة قبله خبر، أو خبره محذوف، أو يجعل خبر المحذوف، وهنا قد وقع مبتدأ مقدما، فلما كان هذا الوجه خلاف الشائع.

стр. 121

وعلى كل تقدير قد عطف الإنشاء على الإخبار. والله أعلم. === قال الشارح: على سبيل التبرى منه على ما صرح به صاحب المفتاح (قوله: وعلى كل تقدير) أى: من التقديرين أعنى: عطف جملة ونعم الوكيل على جملة وهو حسبي، أو عطفها على حسبى وحده. (قوله: قد عطف الإنشاء على الإخبار) هذا ظاهر على التقدير الأول لا على الثاني؛ لأن حسبى بالمعنى الذى ذكره الشارح: وهو محسبى مفرد لا يفيد إخبارا إلا أن يقال: إنه فى تأويل يحسبنى ويكفيني، ثم إن قول الشارح: (وعلى كل تقدير قد عطف الإنشاء على الإخبار) يحتمل أن المراد وهو جائز، كما صرح به الشارح فى غير هذا المحل وفاقا للصفار، فالقصد بذكر هذا الكلام تحقيق المقام، ويحتمل أن المراد وهو غير جائز، كما ذهب إليه البيانيون وجمهور النحاة، وحينئذ فالقصد الاعتراض على المتن، وعلى هذا الاحتمال فيجاب باختيار التقدير الأول. أعني: عطف الجملة على الجملة، لكن يمتنع كونه من عطف الإنشاء على الإخبار، بل من عطف الإنشاء على الإنشاء؛ لأن الجملة الأولى لإنشاء المدح بالكفاية، والثانية لإنشاء المدح العام، أو أن قوله: وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ليس عطفا، بل معمول لخبر مبتدأ محذوفين، والأصل وهو مقول فى حقه نعم الوكيل، فالمعطوف جملة خبرية اسمية متعلق خبرها جملة إنشائية فعلية، فيكون من عطف الإخبار على الإخبار، ونختار التقدير الثاني. وهو عطف الجملة على الخبر، لكن لا نسلم أن فيه عطف الإنشاء على الإخبار؛ لأن الجملة عطف على حسبى بدون اعتبار تأويله بيحسبني، فهو من عطف الإنشاء على المفرد لا على الإخبار، سلمنا أنها عطف على حسبي، وأنه مؤول بما مرّ، لكن عطف الإنشاء على الإخبار لا يمتنع هنا؛ لأن عطف الإنشاء على الإخبار جائز إذا كان المعطوف عليه له محل من الإعراب، كما هنا فإن قوله حسبى: خبر عن الضمير، ورد الجواب الأول: بأن جعل الجملة الاسمية للإنشاء أقل من القليل، فلا ينبغى حمل الكلام عليه، ورد الجواب الثاني: بأن فيه تقدير أمور ثلاثة لا دليل عليها، وهى مقول فى حقه، والمبتدأ الذى وقع الإخبار عنه بمقول، فالإنصاف أنه لا يفهم من قولنا وهو نعم الوكيل معنى

стр. 122

(مقدمة) رتب المختصر على مقدمة وثلاثة فنون؛ ... === القول ولا الإخبار بل مجرد إنشاء المدح، ورد الجواب الثالث: بأن شرط عطف الفعل على الاسم أن يكون الاسم فى معنى الفعل كما فى قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً (١) أى: فلق الإصباح، فلا يجوز: مررت برجل طويل ويضرب، إذا ليس الاسم فى معنى الفعل، وحسبى بدون اعتبار يحسبني، اسم ليس فى معنى الفعل، ورد الجواب الرابع: بأن القول بجوازه فيما له محل من الإعراب بدون تأويل. أى: للأولى بالإنشاء أو الثانية بالخبر عند الجمهور ممنوع لا بد له من شاهد ولا يقال الشاهد للجواز فى قوله تعالى: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (٢) فإن هذه الواو من الحكاية لا من المحكى أى: من كلام الله لا من كلام الصحابة الذين حكى الله كلامهم. أى: وقالوا: حسبنا الله، وقالوا: نعم الوكيل، أو مبتدأ. أى: قالوا حسبنا الله وهو نعم الوكيل، فمع وجود هذين الاحتمالين الظاهرين اللذين يكون عليهما العطف فى الآية من عطف الخبر على الخبر كيف تكون الآية شاهدا للجواز؟ اللهم إلا أن يقال: إن التقدير خلاف الظاهر. [مقدمة فى بيان معنى الفصاحة والبلاغة]: [المقدمه ما هي ؟ ] (قوله: مقدمة) الأظهر أنه خبر لمحذوف. أى: هذه مقدمة ويحتمل أنها مبتدأ والخبر محذوف. أى: مقدمة أذكرها وفى كون أيهما أولى خلاف، ويصح قراءته بالنصب على أنها مفعول لفعل محذوف. أى: أذكر لك مقدمة، أو على نزع الخافض، لكنه سماعى، ويصح الجر بحرف محذوف إلا أنه شاذ، ويحتمل أن تكون مبتدأ وما بعدها خبر، أو خبر وما بعدها مبتدأ لتأويله بالمشروع فيه، ويحتمل أن تكون موقوفة لعدم تركبها مع عامل كأسماء العدد، ثم هى إما اسم للألفاظ أو المعانى أو النقوش أو للثلاثة أو الاثنين منها- احتمالات- والأقرب إنها اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعانى المخصوصة. (قوله: رتب المختصر على مقدمة وثلاثة فنون) اعترض

стр. 123

لأن المذكور فيه إما أن يكون من قبيل المقاصد ... === بأن هذا لا يتم؛ وذلك لأن الخطبة من جملة المختصر فكان على الشارح أن يزيدها، وأجيب بأن المراد رتب ما هو المقصود من المختصر فى الجملة أى: سواء كان مقصودا بالذات كالفنون الثلاثة وما يتعلق بها من الأمثلة والشواهد، واعتراضات المصنف على السكاكى أو مقصودا بالتبع كالمقدمة فإنها مقصودة تبعا للعلم الذى ألف فيه المختصر للانتفاع بها فيه وحينئذ فخرجت الخطبة؛ لأنها ليست واحدا منهما (قوله على مقدمة) اعترض بأن الترتيب وضع كل شيء فى مرتبته وهو لا يتعدى بعلى، وأجيب بأنه ضمن الترتيب معنى الاشتمال تضمينا نحويا أى: جعل المختصر مشتملا على مقدمة، فالظرف على هذا لغو متعلق برتب، أو أنه ضمن الترتيب معنى الاشتمال تضمينا بيانيا، وهو جعل اسم فاعل الفعل المتروك حالا من معمول الفعل المذكور، فعلى هذا يكون الظرف مستقرا متعلقا بمحذوف حال. أى: رتب المصنف أجزاء المختصر أى: جعلها مرتبة بحيث يطلق عليها اسم الواحد حال كونه مشتملا على مقدمة، ثم إن ترتيب المختصر واشتماله على هذه الأمور الأربعة من ترتيب واشتمال الكل على أجزائه؛ لأن المختصر ألفاظ وكذلك المقدمة والفنون الثلاثة؛ لأن كلا منها اسم للقضايا الكلية التى هى القواعد والضوابط ومعلوم أنها ألفاظ لما مر أن القاعدة قضية كلية. (قوله: لأن المذكور فيه) من ظرفية الأجزاء فى الكل؛ لأن المذكور فيه قضايا وقواعد وهى ألفاظ (قوله: إما أن يكون إلخ) خبر أن بحذف مضاف إما مع الاسم. أى: لأن حال المذكور، أو مع الخبر أى: لأن المذكور فيه إما ذو أن يكون، أو يقال فرق بين المصدر الصريح والمؤول كما ذكره فى نحو هذا (قوله: من قبيل المقاصد) أى بالذات، وإلا فالمقدمة مقصودة فى الفن، لكن تبعا وأقحم لفظ قبيل لإدراج الأمثلة والشواهد فى الفنون الثلاثة، ولو قال إما أن يكون من المقاصد لخرج ما ذكر؛ لأن المقاصد عبارة عن القواعد فقط. والحاصل أن الأمثلة والشواهد والاعتراضات ليست من المقاصد وإنما هى مكملة لها، وحينئذ فهى من قبيلها ومن ناحيتها فأقحم لفظ قبيل لإدخالها فى المقاصد، ولعل فى الكلام حذفا والأصل إما أن يكون من المقاصد، أو من قبيلها تأمل.

стр. 124

فى هذا الفن، أو لا؛ الثانى: المقدمة، والأول: إن كان الغرض منه الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد فهو الفن الأول، وإلا فإن كان الغرض منه الاحتراز عن التعقيد المعنوى فهو الفن الثانى، وإلا فهو الفن الثالث، وجعل الخاتمة خارجة عن الفن الثالث ... === ثم إن قوله لأن المذكور فيه إما أن يكون إلخ. هذا دليل عقلى على ما أدعاه من الحصر؛ لأن التردد بين النفى والإثبات عقلى، وهذا الدليل العقلى مؤيد بالاستقراء. (قوله: فى هذا الفن) أى: المعهود وهو فن البلاغة وتوابعها (قوله: الثانى المقدمة) قدم الثانى لقصر الكلام عليه؛ ولأن مفهومه عدمى وهو مقدم على الوجود، ثم إن حمل الثانى على خصوص المقدمة جاء من الاستقراء، فاندفع ما يقال لم لا يجوز أن يكون شيئا آخر، وحاصل الدفع أننا تتبعنا مقصود الكتاب فلم نجد غير المقدمة والفنون الثلاثة، وما قيل هنا يقال فى الثالث. (قوله: فى تأدية المراد) أى: للبلغاء، والمراد بالمعنى المراد للبلغاء: ما زاد على أصل المعنى من الأحوال التى يقصدها البليغ: كالإنكار، وخلو الذهن، فلو كان المخاطب ينكر قيام زيد، وأورد المتكلم له الكلام غير مؤيد بأن قال: زيد قائم، فقد أخطأ فى نفس تأدية المعنى المراد لتركه الواجب، وهو التأكيد الدال على حال المخاطب، وهو الإنكار الذى هو معنى مراد للبلغاء، وهذا الخطأ يحترز عنه بالفن الأول، وقوله: عن التعقيد المعنوى. أى: بأن تكون العبارة التى عبر بها يعسر الانتقال منها إلى المعنى المراد فإذا اقتضى الحال المجاز، وأورده المتكلم لكن مع التعقيد المعنوى: بأن أتى بعبارة صعبة خفية اللوازم كما لو قلت: رأيت أبخر فى الحمام مريدا به رجلا شجاعا بجامع مشابهته للأسد فى ذلك، فقد أصبت فى أصل تأدية المعنى المراد لكونه مطابقا لمقتضى الحال، ولكن أخطأت فى كيفية التأدية لكونك أتيت بالعبارة الخفية اللوازم، وهذا الخطأ يحترز عنه بالفن الثاني. فلو عبرت عن المقصود برأيت أسدا فى الحمام بجامع الجراءة لم يكن هناك خطأ فى كيفية التأدية لسهولة الانتقال (قوله: وإلا فهو الفن الثالث) أى: وإلا بأن كان الغرض ليس الاحتراز أصلا بل إنما هو مجرد تحسين اللفظ وتزيينه فهو الثالث. (قوله: وجعل الخاتمة إلخ) هذا جواب عما يقال حصر ترتيب المختصر

стр. 125

وهم كما سنبين إن شاء الله تعالى. ولما انجر كلامه فى آخر هذه المقدمة إلى انحصار المقصود فى الفنون الثلاثة ناسب ذكرها بطريق التعريف العهدى بخلاف المقدمة؛ ... === فى الفنون الثلاثة، والمقدمة غير حاصر إذ من جملة أجزاء الكتاب الخاتمة، فكان على الشارح ذكرها (قوله: وهم) بفتح الهاء. أى: غلط والمراد به الخطأ؛ لأن الغلط إنما يستعمل فى خطأ اللسان وخطأ الذهن كما هنا لا يقال: فيه غلط بل خطأ (قوله: كما سنبين) أى: فى أول الخاتمة نقلا عن المصنف فى الإيضاح أن الخاتمة من الفن الثالث. قال الشارح هناك: ومما يدل على ذلك أن المصنف حصر فى آخر المقدمة أجزاء الكتاب فى الفنون الثلاثة، ولم يلتفت لذكر الخاتمة (قوله: إلى انحصار المقصود) أى: بالذات. (قوله: بطريق التعريف العهدى) أى: الذكرى. إن قلت: إن أل التى لتعريف العهد الذكرى ضابطها أن يتقدم ذكر لمدخولها، وما هنا ليس كذلك، إذ لم يسبق على العنوان فى التراجم تعبير بعنوان فن أول وفن ثان. وفن ثالث، وإنما الذى ذكره فى آخر المقدمة ما يحترز به عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد فهو علم المعاني، وما يحترز به عن التعقيد المعنوى فهو علم البيان، وما يعرف به وجوه تحسين الكلام فهو علم البديع، ولا شك أن هذا العنوان غير عنوان الفن الأول، والفن الثانى، والفن الثالث، وحينئذ فلا يصح جعلها للعهد الذكرى، وأجيب بأن أل التى للعهد لذكرى يكتفى بتقدم ذكر مدخولها تقديرا كما هنا، وتوضيح ذلك أن المصنف لما أخبر فى آخر المقدمة أن علم البلاغة منحصر فى علم المعانى والبيان والبديع، وذكر أن واحدا يحترز به عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، وواحدا يحترز به عن التعقيد المعنوى، وواحدا يعرف به وجوه محسنات الكلام علم أنها فنون. أى: ضروب مختلفة، ومعلوم مما تقدم من قوله (لما كان علم البلاغة وتوابعها) إلى قوله (ألفت مختصرا) أن مقصود الكتاب منحصر فى علم البلاغة وتوابعها فحصل لنا مقدمتان: مقصود الكتاب منحصر فى علم البلاغة وتوابعها، وعلم البلاغة منحصر فى فنون ثلاثة: ينتج مقصود الكتاب منحصر فى فنون ثلاثة، ومعلوم أن الفنون الثلاثة المذكورة فى الكتاب يكون واحد منها أول، وواحد ثان، وواحد ثالث،

стр. 126

فإنه لا مقتضى لإيرادها بلفظ المعرفة فى هذا المقام، والخلاف فى أن تنوينها ... === فعلم أن مقصود الكتاب فنون ثلاثة موصوفة بالأولية، والثانوية، والثالثية، وأنها علم المعانى والبيان والبديع، إلا أن النسبة بينها مجهولة إذ لا يعلم أن الفن الأول هو علم المعانى أو البيان أو البديع، فيقال لإفادة النسبة الفن الأول. أى: من الفنون التى علم انحصار مقصود الكتاب فيها علم المعاني، والفن الثانى علم البيان، والفن الثالث علم البديع، فهذه التراكيب الثلاثة من قبيل قولنا: المنطلق زيد من جهة أن كلا من طرفى الجملة معلوم، والمجهول الانتساب، فتدبر ذلك. أفاد ذلك العلامة عبد الحكيم والفنارى (١)، وأجاب الحفيد وغيره بما حاصله أن (أل) التى للعهد الذكرى هى التى تقدم مصحوبها صريحا، أو كناية كما يأتي، وما هنا من قبيل الثاني، لأن الفن الأول والثانى والثالث قد ذكرت سابقا بعنوان ما يحترز به عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، وما يحترز به عن الخطأ فى التعقيد المعنوى، وما يعرف به وجوه التحسين، فإن هذه الأمور مشهورة الإتصاف بالعنوان المذكور. أى: الفن الاول، والفن الثاني، والفن الثالث؛ إذ مدلول الفن الأول القواعد المخصوصة، وكذا مدلول الفن الثانى والثالث؛ فيكون من التقديم الكنائى على حد قوله تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى (٢) فإنه إشارة لما سبق ذكره كناية فى قوله: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً (٣) فإن لفظ ما وإن كان يعم الذكور والإناث، لكن التحرير وهو أن يعتق الولد لخدمة بيت المقدس إنما كان للذكور دون الإناث، وكذلك الفن الأول إشارة إلى ما سبق ذكره كناية فى قوله: وما يحترز به عن الخطأ إلخ؛ فإن ما وإن كانت تعم الفن الأول وغيره، ولكن الاحتراز عن الخطأ المذكور إنما هو بالفن الأول، وكذا يقال فى الفن الثانى والثالث. (قوله: فإنه لا مقتضى إلخ) أى: فنكرها لأن الأصل فى الأسماء التنكير، ولا مقتضى للعدول عنه إلى

стр. 127

للتعظيم، أو للتقليل مما لا ينبعى أن يقع بين المحصلين. والمقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منها؛ ... === التعريف (قوله: للتعظيم) أى: كما قال الزوزنى (١): نظرا لكون ما فيها من المعانى عظيما (وقوله: أو التقليل) أى: كما قال غيره نظرا لقلة ألفاظها، وهذا الخلاف لا طائل تحته على أنه يصح اعتبارهما معا بالاعتبارين المذكورين. بقى شيء آخر وهو أن المقابلة فى كلامه لا تحسن؛ لأن الذى يقابل التعظيم إنما هو التحقير لا التقليل، كما أن الذى يقابل التقليل التكثير لا التعظيم، فكان الأولى أن يقول للتعظيم أو التحقير أو للتكثير أو التقليل، وأجيب بأن فى العبارة احتباكا، فحذف من الأول التكثير بدليل ما أثبته فى الثاني، ومن الثانى التحقير بدليل ما أثبته فى الأول، أو يقال: إنه أراد بالتقليل التحقير تسمحا. (قوله: مما لا ينبغي) أى: لأنه لا يتعلق به غرض؛ لأن نسبة مقدمة كل فن وكل كتاب إليه لا تتفاوت، بحيث يكون مقامها بالنسبة إليه تارة عظيما وتارة حقيرا، فلا يتشوف إلا لوجودها لا لكونها عظيمة أو حقيرة، وكتب بعضهم قوله: مما لا ينبغى أن يقع بين المحصلين. أى: لمهمات العلوم هممهم عن الاشتغال بمحقراتها وكلامه صالح للتعريض فتدبر. (قوله: والمقدمة إلخ) اعلم أن قدم تارة يستعمل لازما وتارة متعديا، واسم الفاعل من الأول مقدمة بمعنى: ذات متقدمة أى ثبت لها التقدم، ثم نقل ذلك اللفظ من الوصفية وجعل اسما للجماعة المتقدمة من الجيش، وحينئذ فالتاء فيها للدلالة على النقل من الوصفية للإسمية، ووجه ذلك أن التاء تدل على التأنيث والمؤنث فرع المذكر، وكذلك الإسمية هنا فرع الوصفية، فأتى بالتاء لتدل على ذلك، فإن قلت: إن التاء موجودة حال الوصفية. قلت: يقدر زوالها والإتيان بغيرها، ثم إنها نقلت منها على سبيل الحقيقة العرفية إن هجر المعنى الأصلى أو على سبيل الاستعارة المصرحة إن لم يهجر، وجعلت اسما لكل متقدم. ويتعين

стр. 128

من قدم ... === بالإضافة، فيقال: مقدمة علم، ومقدمة كتاب، ومقدمة الدليل، ومقدمة القياس، فهذا وضع ثالث إذا علمت هذا فقول الشارح والمقدمة: أى: ولفظ المقدمة من حيث هى لا بقيد كونها مقدمة هذا المختصر، ولذلك أظهر مع أن المقام للضمير. وقوله: مأخوذة. أى: منقولة من مقدمة الجيش. أى: من لفظ مقدمة الذى مدلوله الجماعة المتقدمة من الجيش أو مستعارة منها. وقوله: للجماعة. أى: الموضوعة للجماعة المتقدمة منها. أى: من الجيش والمناسب منه، ولكنه أنث باعتبار أن الجيش طائفة. (وقوله: من قدم) اللازم إما خبر لمبتدأ محذوف. أى: وهى أى مقدمة الجيش مأخوذة. أى: منقولة من قدم اللازم. أى: من اسم فاعل قدم اللازم لما علمت أن مقدمة الجيش منقولة من مقدمة الوصف المأخوذة من قدم اللازم، أو أنها حال أى حال كون مقدمة الجيش مأخوذة من قدم اللازم. أى: منقولة من اسم فاعل قدم اللازم ففى كلام الشارح إشارة مراتب النقل على هذين الاحتمالين، أو أنه خبر ثان للمقدمة. أى: والمقدمة مأخوذة. أى: منقولة من مقدمة الجيش ومشتقه من قدم اللازم. أى: من مصدره، وهذا باعتبار الأصل الأصيل وهو الوصف؛ لأن الاشتقاق إنما هو معتبر فيه. كذا قرر شيخنا العلامة العدوى، وذكر العلامة عبد الحكيم أن قوله: المقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش لم يرد به أنها منقولة أو مستعارة من مقدمة الجيش؛ لأنه لا معنى لنقل اللفظ المفرد عن المضاف واستعارته منه، إذ لا بد من اتحاد اللفظ فيهما. أى: فى المنقول عنه وإليه؛ ولأنه لم يبين معنى لفظ المقدمة حتى يقال: إنها بذلك المعنى منقولة أو مستعارة، بل مراده أن لفظ المقدمة مأخوذ من مقدمة الجيش بقطع النظر عن الإضافة، وحينئذ فمعناها المتقدمة، وإنما لم يقل من أول الأمر والمقدمة مأخوذة من قدم بمعنى تقدم؛ لأن التحقيق أن استعمال المشتق منه لا يكفى فى أخذ المشتق ما لم يرد الاستعمال به، وإطلاق المقدمة على الجماعة المتقدمة من الجيش. باعتبار معناها الوضعى، ويدل عليه إيرادها فى الأساس فى الحقيقة، حيث قال قدمته فتقدم بمعنى تقدم، ومنه مقدمة الجيش. انتهى كلامه.

стр. 129

بمعنى: تقدم، يقال مقدمة العلم لما يتوقف عليه الشروع فى مسائله، ... === (قوله: بمعنى تقدم) أى: فهى من قدم اللازم؛ لأن تقدم لازم، وأما قولهم: زيد تقدمه عمرو فهو من الحذف والإيصال أى: تقدم عليه وهذا أى أخذها من قدم بمعنى تقدم بناء على قراءتها بالكسر، وأما على قراءتها بالفتح فيتعين أنها من قدم المتعدى؛ لأن اسم المفعول إنما يؤخذ من المتعدى، فإن قلت على قراءتها بالكسر: لم لم تجعل مأخوذ من قدم المتعدى؟ قلنا: لأن المباحث المذكورة متقدمة لا مقدمة شيئا آخر؛ ولأنه لو كان كذلك لأضيفت إلى مفعولها بأن يقال: مقدمة الطالب الذى عرفها على من لم يعرفها من الشارعين؛ لأن الصفة المتعدية للمفعول الظاهر إضافتها إليه لا لما له بها نوع تعلق، فلما لم تضف إليه وأضيفت للكتاب مع أنه غير المفعول علم أنها من اللازم، وإنما كان الكتاب غير المفعول؛ لأن المقدم فى الحقيقة الطالب الذى عرفها لا الكتاب نفسه. (قوله: يقال مقدمة العلم) أى: يقال هذا اللفظ أو تقال هذه الكلمة، إذ من المعلوم أن الكلمة إذا أريد لفظها فإنها تحكى بالقول نحو: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (١) ويصح أن يجعل القول بمعنى الإطلاق. أى: أن المقدمة إذا أضيفت للعلم تطلق على ما يتوقف عليه الشروع فى مسائله، فاللام فى قوله لما بمعنى على، والظرف لغو متعلق بيقال على التقديرين، وما فى قوله لما نكرة موصوفة واقعة على معان. أى: معان تتوقف إلخ. وهى المبادىء العشرة وظاهره كانت متقدمة أولا بأن كانت فى الأثناء. إن قلت: أصل الشروع فى مسائل العلم إنما يتوقف على تصور العلم بوجه، وذلك يحصل بالرسم. فيقتضى أن مقدمة العلم اسم للرسم خاصة، وهذا ينافى ما ذكره العلامة السيد فى شرح المفتاح من أن مقدمة العلم اسم لما يتوقف عليه تصور العلم بوجه، وذلك كالرسم أو تصوره بالذات والحقيقة، وذلك كالحد أو الشروع فيه على بصيرة، وذلك كالموضوع والفائدة والغاية وغيرها من بقية المبادئ العشرة المشهورة. قلت: المراد بالشروع الشروع من حيث هو، فيشمل أصل الشروع والشروع على بصيرة، فتشمل المقدمة

стр. 130

ومقدمة الكتاب لطائفة من كلامه قدمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه، ... === جميع المبادئ وحاصل ما فى المقام أن العلم لغة: الإدراك، ثم نقل فى العرف إلى معلومات تصورية أو تصديقية هى مسائل كثيرة مضبوطة بجهة واحدة، ولا شك أن الشروع فى تحصيل تلك المعلومات موقوف على تصورها بوجه، وهو التصور الإجمالى لامتناع توجه النفس نحو المجهول المطلق، فيمتنع الشروع فيها بدونه، والشروع فيها على بصيرة يتوقف على تصورها بتلك الجهة، ويتوقف أيضا على معان أخر خارجة عن تلك المعلومات: كمعرفة الغاية والموضوع والفائدة، وغير ذلك من بقية المبادئ العشرة، فسموا هذه مقدمة العلم لتوقف أصل الشروع، والشروع على وجه البصيرة عليها. (قوله: ومقدمة الكتاب) عطف على مقدمة العلم. (وقوله: لطائفة) أى: لجماعة عطف على قوله: لما يتوقف من عطف المفردات أى: أن لفظ مقدمة إذا أضيفت للكتاب تطلق إلخ (وقوله: من كلامه) أى من كلام الكتاب وإضافة كلام للضمير من إضافة العام للخاص فهى للبيان، والمعنى لطائفة منه، وإنما لم يقل هكذا؛ لأن ذكر العام أولا ثم بيانه بالخاص بعد ذلك أوقع فى النفس. (قوله: قدمت أمام المقصود) أى: جعلت أمامه فلا بد من التجريد فى قدمت عن بعض معناه، وإلا كان فيه ركة لتكرر قوله أمام المقصود معه. (قوله: لارتباط له بها) أى: لا ارتباط للمقصود بها. أى: بتلك الطائفة. أى: بمعانيها، أو يقال إن طريق الإفادة والاستفادة لما كانت هى الألفاظ لم يحتج لتقدير كما أفاده الفنرى، وإنما اعتبر الارتباط فى جانب المقصود دون المقدمة نظرا إلى أنه موقوف عليها، والموقوف هو المرتبط، وقوله لا ارتباط له بها أى: سواء توقف الشروع فى مسائل الفن على معناها بأن كان مدلولها مقدمة علم أم لا. (قوله: وانتفاع إلخ) عطف سبب على مسبب، وعلم مما ذكر أن مقدمة العلم ومقدمة الكتاب ألفاظ، ولا يقال إن هذه التفرقة تحكم لا مرجح لها؛ لأنا نقول: إن مقدمة العلم لما كانت منضبطة غير مختلفة التفت فى جانبها للمعاني، ولما كانت معانى مقدمة الكتب مختلفة التفت فى

стр. 131

وهى هاهنا لبيان معنى الفصاحة والبلاغة، وانحصار علم البلاغة فى علمى البيان والمعانى ... === جانبها للألفاظ التى هى غير منضبطة، واعترض السيد على الشارح بأن المتبادر من قوله: يقال مقدمة الكتاب لكذا- أن إطلاق مقدمة فى مقابلة مقدمة العلم- اصطلاح بين القوم لا من الشارح وليس كذلك، إذ الموجود فى كلام القوم مقدمة العلم، وقد يطلقون مقدمة الكتاب على الألفاظ الدالة على مقدمة العلم مجازا مرسلا لعلاقة الدالية والمدلولية، ولا يطلقونها على الألفاظ مطلقا أعم من أن يكون مدلولها مقدمة علم أم لا، على ما زعمه الشارح. وأجيب بأن علة التسمية بمقدمة هو التقدم، وحينئذ فلا وجه لجعل إطلاقها على الألفاظ مجازا عن إطلاقها على المعانى مع وجود العلة. فقوله: ولا يطلقونها على الألفاظ مطلقا ممنوع لما علمت من وجود العلة. والحاصل أن السبب فى إطلاق لفظ مقدمة على الألفاظ المتقدمة على المقصود لارتباطه بها هو التقدم، والأولية لا الارتباط الواقع بين اللفظ والمعنى كالدالية وحينئذ فلا وجه لاختصاصها فى كلامهم بمقدمة العلم، ولا يختص إطلاقها على اللفظ الدال على مقدمة العلم. فقوله: ولم يطلقوا المقدمة على الألفاظ مطلقا ممنوع، واعلم أن النسبة بين مقدمة العلم ومقدمة الكتاب التباين؛ لأن الأولى اسم للمعاني، والثانية اسم للألفاظ، وأما بين مقدمة العلم ومدلول مقدمة الكتاب فالعموم والخصوص الوجهى، كما أن دال مقدمة العلم ونفس مقدمة الكتاب كذلك. أى: بينهما العموم والخصوص الوجهى يجتمعان فيما يتوقف عليه الشروع إذا ذكر أمام المقصود، وتنفرد مقدمة الكتاب فيما لا يتوقف عليه الشروع فى المسائل إذا ذكر أمام المقصود، وتنفرد مقدمة العلم فيما يتوقف عليه الشروع إذا ذكر فى الأثناء. خلافا لمن قال إن النسبة العموم والخصوص المطلق بين الأمرين. بناء على اعتبار التقدم فى مفهوم مقدمة العلم، وقد علمت من تعريف الشارح لها عدم اعتباره فيها، وأما النسبة بين دال مقدمة العلم ومدلول مقدمة الكتاب فالتباين كالأولى. (قوله: وهى) أى المقدمة ها هنا أى: فى ذلك الكتاب (قوله: لبيان) أى مذكورة لبيان. (قوله: وانحصار) عطف على معنى الفصاحة. (وقوله: علم البلاغة) أى:

стр. 132

وما يلائم ذلك، ولا يخفى وجه ارتباط المقاصد بذلك. والفرق بين مقدمة العلم ومقدمة الكتاب مما خفى على كثير من الناس. === العلم المتعلق بها. (قوله: وما يلائم ذلك) عطف على معنى الفصاحة. أى: ولبيان ما يلائم ذلك. أى: معنى الفصاحة والبلاغة، والمراد بذلك الملائم: النسبة بين الفصاحة والبلاغة ومرجع البلاغة. (قوله: ارتباط المقاصد بذلك) أى: بما ذكر مما احتوت عليه المقدمة أو بالبيان المذكور، وأشار بهذا إلى أن المقدمة المذكورة هنا مقدمة كتاب لا مقدمة علم؛ لأن مقدمة العلم ما يتوقف عليه الشروع فى مسائله كالحد والموضوع والغاية إلخ والمصنف لم يذكرها كلها فيها وإن كان قد ذكر فيها غايات العلوم الثلاثة، حيث قال فى آخرها: وما يحترز به إلخ، ويصح جعلها مقدمة علم أيضا بهذا الاعتبار. (قوله: والفرق إلخ) قد علمت محصله وهو: أن مقدمة الكتاب اسم لمجموع الطائفة من الكلام اللفظى التى يقدمها المصنف أمام المقصود لارتباط له بها؛ فما لم يقدمه وإن حصل به الارتباط والانتفاع لا يصدق عليه التعريف. ومقدمة العلم معان مخصوصة يتوقف عليها الشروع فيه. (قوله: فى الأصل) أى: فى اللغة إلخ: لما كان الواقع فى كتب اللغة ذكر معان متعددة للفصاحة، وكلها يدل على الظهور، ولما لم يتحقق الشارح من تلك المعانى الحقيقى من المجازى لما وقع فى ذلك من الاختلاف والاشتباه. أتى فى بيانها. أى: الفصاحة بما يجمع معانيها الحقيقية والمجازية، وهو الإنباء عن الظهور والإبانة، فهذا نكتة قول الشارح: (تنبئ عن الظهور والإبانة) دون أن يقول هى الظهور والإبانة، وتوضيح ذلك أن الفصاحة تطلق فى اللغة على معان كثيرة، فتطلق على نزع الرغوة وذهاب اللبأ من اللبن. يقال: سقاهم لبنا فصيحا أخذت رغوته ونزعت منه، أو ذهب لبؤه وخلص منه. قال فى" الأساس": إن هذين المعنيين حقيقيان ثم قال: ومن المجاز سرينا حتى أفصح الصبح أى: بدا ضوءه وحتى بدا الصباح المفصح. أى: الذى لا ظلمة فيه وهذا يوم مفصح وفصح لا غيم ولا قر، وجاء فصح النصارى. أى: عيدهم، وهذا مفصحهم. أى: مكان بروزهم، وأفصحوا عيّدوا. أفصح العجمى. تكلم بالعربية. وفصح: انطلق لسانه، وخلصت لغته عن اللكنة، وأفصح الصبى فى منطفه: فهم ما يقول فى أول ما يتكلم. وأفصح إن كنت صادقا. أى: بيّن. اه.

стр. 133

[الخلاف في تفسير الفصاحة والبلاغة]: [الفصاحه] [تقسيم الفصاحة بالمفرد والكلام] (الفصاحة) وهى فى الأصل تنبئ عن الظهور والإبانة (يوصف بها المفرد) مثل كلمة فصيحة (والكلام مثل كلام فصيح وقصيدة فصيحة) ... === فقد جعل ما سوى ذهاب الرغوة واللبأ معانى مجازية، ولا شك أن تلك المعانى كلها تؤول للظهور بالاستلزام- لا أنها هو- فلذلك عبر بتنبئ أى: تدل ولم يقل معناها الظهور؛ لأنه لم يوجد لها معنى هو الظهور كما يفيده كلام المصباح. فقوله: تنبئ يشير إلى أن معناها ليس هو الظهور، بل شيء ينبئ عنه ويدل عليه، ومن هذا علم أن مراد الشارح بالأصل اللغة، سواء كان المعنى حقيقيّا أو مجازيّا لا الحقيقى فقط، وعلى هذا فالمراد بكون اللغة أصلا باعتبار المعنى الاصطلاحى لا باعتبار أنه حقيقة وعلم أن المراد بالإنباء الدلالة الالتزامية لا المطابقية؛ لأن لفظ الفصاحة لم يوضع للظهور، حتى تكون دلالته عليه مطابقية، ولا التضمينية؛ لأن لفظ فصاحة لم يوجد فى كتب اللغة أنه موضوع للظهور وغيره حتى تكون دلالته عليه تضمينية، ثم إن الفصاحة نقلت عرفا إلى وصف فى الكلمة والكلام والمتكلم، ولا يخلو ذلك الوصف من ملابسة وضوح وظهور، وإنما لم يقتصر الشارح على المعنى الاصطلاحى الآتى للإشارة إلى أن بين المعنى اللغوى والاصطلاحى مناسبة، والمناسبة تحصل ولو بحسب المآل. (قوله: والإبانة) عطف مرادف إن جعلت الإبانة مصدر أبان بمعنى بان. أى: ظهر، وحينئذ فالإبانة بمعنى البيان وعطف لازم إن جعلت مصدر أبان بمعنى: أظهر وحينئذ فتكون الإبانة بمعنى الإظهار (قوله: مثل كلمة فصيحة) أى: مخبرا بذلك عن جزء معين من جزئيات المفرد كقائم. فيقال: هذه كلمة فصيحة، ويصح أن يراد بالكلمة لفظ كلمة إذ هو يوصف بالفصاحة، وكذا يقال فى قوله: كلام فصيح وربما يقال: إن قوله بعد والمتكلم، يقال: كاتب فصيح وشاعر فصيح دون أن يقول: مثل متكلم فصيح، مع أن قياس سابقيه يعين الأول، وأشار بالمثالين فى قوله: مثل كلام إلخ. إلى أنه لا فرق فى الوصف بالفصاحة بين المنظوم وغيره. والقصيدة مأخوذة من اقتصدت الكلام بمعنى اقتطعته. قيل: لا تسمى الأبيات قصيدة حتى تكون عشرة فما فوقها، وقيل حتى تجاوز

стр. 134

قيل المراد بالكلام ما ليس بكلمة ليعم المركب الإسنادى وغيره؛ فإنه قد يكون بيت من القصيدة غير مشتمل على إسناد يصح السكوت عليه مع أنه متصف بالفصاحة؛ ... === سبعة، وما دون ذلك يسمى قطعة (قوله: قيل المراد إلخ) حاصل إيضاح ما فى المقام أن المصنف اعترض عليه بأنه قد بقى شيء ليس بكلمة ولا كلام مثل المركبات الناقصة فإنها ليست بمفردة؛ لأن المفرد ما قابل المركب ولا كلاما؛ لأنه المركب التام والمركب المذكور ناقص. فسكوته عنها يقتضى أن لا تكون صحيحة ولا بليغة، مع أنها توصف بالفصاحة قطعا فيقال: مركب فصيح، وحينئذ ففى كلام المصنف قصور، وأجاب الخلخالى والزوزنى: بأنها داخلة فى الكلام فى كلام المصنف. إذ المراد بالكلام فيه المركب مطلقا على طريق المجاز المرسل من باب إطلاق الخاص وإرادة العام، فشمل المركب التام والناقص وحينئذ فلا قصور فى كلامه، ورد شارحنا هذا الجواب بأنه لا يتم إلا لو كان العرب أطلقوا على المركب المذكور كلاما فصيحا مع أنهم لم يقولوا فيه ذلك، ووصفهم له بالفصاحة فى قولهم: مركب فصيح يجوز أن يكون من حيث مفرداته لا من حيث ذاته. سلمنا أنه يوصف بالفصاحة من حيث ذاته وإن الاعتراض بالقصور وارد على المصنف. فالأولى إدخال المركب المذكور فى المفرد لا فى الكلام بأن يراد بالمفرد ما قابل الكلام؛ وذلك لأنه لم يعهد إطلاق الكلام على ما قابل المفرد بل المعهود إطلاقه على المركب التام كما هو المعنى العرفى عند النحاة، أو على اللفظ مطلقا الشامل للمفرد وهو المعنى اللغوى، وإما إطلاقه على ما قابل المفرد أعنى: المركب مطلقا الشامل للتام والناقص فهذا مجاز مرسل كما علمت علاقته، بخلاف إطلاق المفرد على ما ليس بكلام فإنه حقيقة عرفية (قوله ما ليس بكلمة) الأنسب ما ليس بمفرد أى وهو المركب مطلقا (قوله: وغيره) أى: وهو المركب الناقص (قوله: فإنه قد يكون) الفاء للتعليل والضمير للحال والشأن، وهذا علة للمعلل مع علته. (وقوله: قد يكون بيت إلخ) أى: كما فى قوله (١):

стр. 135

وفيه نظر؛ إنما يصح ذلك لو أطلقوا على مثل هذا المركب أنه كلام فصيح، ولم ينقل ذلك عنهم، واتصافه بالفصاحة يجوز أن يكون باعتبار فصاحة المفردات، على أن الحق أنه داخل فى المفرد ... === إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزجّجن الحواجب والعيونا فإن هذا البيت غير مفيد؛ لعدم ذكر جواب الشرط، مع أنه فصيح بإجماع ضرورة فصاحة كلماته. (قوله: وفيه نظر) أى: فى إدخال المركب الناقص فى الكلام نظر (قوله: لأنه إنما يصح ذلك) أى: دخول المركب الناقص فى الكلام. (قوله: لو أطلقوا) أى: العرب. (قوله: ولم ينقل ذلك عنهم) أى: والمنقول عنهم إنما هو وصفه بالفصاحة دون وصفه بأنه كلام. حيث قالوا مركب فصيح، ووصفه بالفصاحة لا يستلزم تسميته كلاما حتى يدخل فى مسماه، لأن الوصف بالفصاحة أعم من التسمية بالكلام والأعم لا يستلزم الأخص، فيجوز أن يكون وصفه بالفصاحة لكون كلماته فصيحة لا لكونه كلاما مركبا فبطل هذا التأويل وهو إدخال المركب الناقص فى الكلام. (قوله: واتصافه إلخ) لما أبطل جواب الخلخالى وبقى الاعتراض بالقصور واردا على المصنف. أشار الشارح لدفعه بأنه غير وارد بالكلية. بقوله: واتصافه بالفصاحة. أى: فى قولهم مركب فصيح إلخ. (قوله: باعتبار فصاحة المفردات) أى: باعتبار أن مفرداته متصفة بالفصاحة لا باعتبار أنه مركب، وإذا كان كذلك فهو داخل فى المفرد من غير تأويل فى المفرد. سلمنا أن اتصافه بالفصاحة لذاته أى باعتبار أنه مركب فيحتاج للتأويل، لكن الحق فى التأويل خلاف ما قلت يا خلخالي! ! (قوله باعتبار إلخ) أى: فيكون وصفه بالفصاحة من باب وصف الشىء بوصف أجزائه، فوصفه بها عرضى لا ذاتي. (قوله: على أن الحق إلخ) على للاستدراك بمعنى لكن، فلا تتعلق بشىء. فكأنه قال: لكن الحق أنه داخل إلخ. فبعد أن أجاب بأن وصف المركب الناقص بالفصاحة على طريق العرضية، ظهر له بعد ذلك أنه يوصف بها بالنظر لذاته، وأنه لا بد من التأويل فى كلام المصنف ليشمله، وإلا كان قاصرا، لكن لا يؤول بما أول به الخلخالى. بحيث أنه يدخل هذا المركب فى الكلام بل يدخل فى المفرد بقرينة مقابلته للكلام، وفى هذا الجواب بحث. إذ لو كان داخلا فيه

стр. 136

لأنه يقال على ما يقابل المركب، وعلى ما يقابل المثنى والمجموع، وعلى ما يقابل الكلام. ومقابلته الكلام هاهنا قرينة دالة على أنه أريد به المعنى الأخير؛ أعنى ما ليس بكلام ... === لم يتم قوله أو لا يقال: كلمة فصيحة إلا أن تحمل الكلمة على ما يعم المركب الناقص. (قوله: لأنه) أى: المفرد يقبل أى: يحمل على ما يقابل المركب، وذلك القول فى باب الكلام. (قوله: وعلى ما يقابل المثنى) أى: ويقال على ما يقابل المثنى، أو المجموع. أى: والملحق بهما وهو الأسماء الستة الشامل للمضاف، وذلك القول فى باب الإعراب. أى: ويقال على ما يقابل المضاف والشبيه به الشامل للمثنى والمجموع، وذلك فى باب المنادى واسم لا، ويقال: على ما ليس جملة ولا شبيها بها وذلك فى باب المبتدأ والخبر. (قوله: وعلى ما يقابل الكلام) أى: الشامل للمركب الناقص وهو المراد هنا، واعلم أن إطلاق المفرد على هذه الأمور كلها إطلاقات حقيقية، وإذا كان كذلك فدخول المركب الناقص فيه لا يلزم عليه تجوز، بخلاف دخول المركب الناقص فى الكلام بحيث يراد بالكلام المركب مطلقا، فإنه يلزم عليه التجوز. (قوله: ومقابلته إلخ) جواب عما يقال إن المشترك لا يفهم منه معنى معين بدون قرينة فما القرينة هنا؟ على أن المراد بالمفرد هنا ما قابل الكلام، فأجاب بقوله: ومقابلته إلخ. لا يقال: قد يعكس. فيقال: مقابلة الكلام بالمفرد تدل على أن المراد بالكلام ما ليس بمفرد؛ لأنا نقول إطلاق الكلام على ما ليس بمفرد مجاز مخالف لاصطلاح النحاة واللغويين بخلاف إطلاق المفرد على ما ليس بكلام، فإنه اصطلاح، والمتبادر من الألفاظ حملها على معانيها بحسب الاصطلاح هذا. واعلم أنه يلزم على ما قاله الشارح من أن المراد بالمفرد هنا ما قابل الكلام أمور ثلاثة: الأول: أن يكون المركب الناقص الخالى عما يخل بفصاحة المفرد من تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس، فصيحا من اشتماله على ما يخل بفصاحة الكلام من تنافر الكلمات وضعف التأليف والتعقيد. نحو إن كان: (قرب قبر حرب قبر) (١)

стр. 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وإن ضرب غلامها هندا، وإن (تسكب عيناى الدموع لتجمدا) (١) لأنه صدق عليه أنه خالص من الغرابة وتنافر الحروف ومخالفة القياس، والتزام فصاحة ما ذكر لا يليق بحال عاقل، وإذا لم يكن فصيحا لزم أن يكون تعريف فصاحة المفرد غير مانع، فيجب أن يزاد فيه الخلوص عن هذه الأمور ليكون مانعا. الأمر الثاني: أنه يلزمه صيرورة ما هو فصيح غير فصيح بضم كلمة فصيحة إليه، وبيانه أنه على تقدير تسليم فصاحة ما ذكر من المركبات الثلاثة يلزمه خروجها عن الفصاحة بضم كلمة فصيحة إلى كل واحد منها، كقولك فى المثال الأول: رحم، وفى المثال الثاني: أساء، وفى المثال الثالث: بلغت المنى؛ لأنه قبل الضم من قبيل المفرد، ولم يشترط فى فصاحته الخلوص مما ذكر، وبعد الضم من قبيل الكلام، وهو قد اشترط فى فصاحته الخلوص مما ذكر، والحال إنه لم يخلص، ولا شك أن صيرورة ما هو فصيح غير فصيح بضم كلمة فصيحة إليه بعيد جدّا. الأمر الثالث: أنه يلزمه أن يخرج عن الفصاحة باعتبار مجرد الإسناد فيه من غير ضم لكلمة ولا نقصها نحو: زيد الذى ضرب غلامه عمرا فى داره؛ فإن جعل الذى وصفا لزيد كان مركبا ناقصا فيكون فصيحا لدخوله فى المفرد، وإن جعل الذى خبرا عن زيد كان كلاما، فيكون غير فصيح لعدم خلوصه من ضعف التأليف، وهذا أشنع مما قبله. واعترض ما اختاره الخلخالى أيضا من التأويل فى الكلام، وإدخال المركب الناقص فيه بأنه يقتضى اتصاف المركب الناقص بالبلاغة حقيقة. لقول المصنف بعد والبلاغة يوصف بها الأخيران فقط، وهو باطل إذ لم يدونوا عوارضه التى يطابق بها مقتضى الحال: كتدوينهم عوارض المركب التام، وله أن يجيب عن هذا بأن فى الكلام شبه استخدام، حيث ذكر أولا الكلام بمعنى المركب، وذكره ثانيا بمعنى المركب التام، وفيه بعد وبأن المفرد يتناول الأعلام المشتملة على تنافر الكلمات، وضعف التأليف، والتعقيد نحو: أمدحه أمدحه، وزان نوره الشجر، وتسكب عيناى الدموع لتجمد، إذا

стр. 138

[يوصف المتكلم بالفصاحه كما يوصف بها الكلام] (و) يوصف بها (المتكلم) أيضا، يقال: كاتب فصيح، وشاعر فصيح. [البلاغة] (والبلاغة) وهى تنبئ عن الوصول ... === جعلت أعلاما لأن المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه وهذه كذلك، ولا يرد أن ضعف التأليف لا يتأتى فى العلم؛ لأنه يكون بمخالفة الإعراب، والعلم بمجرده لا إعراب له؛ لأن الإعراب ثابت له باعتبار المنقول عنه، فيلزم أن تكون هذه الأعلام فصيحة لخلوها عما يخل بفصاحة المفرد مع اشتمالها على ما يخل بفصاحة الكلام، والتزامه لا يليق بحال عاقل، وحينئذ فتعريف فصاحة المفرد غير مانع. فالواجب أن يزاد فيه الخلوص عن هذه الأمور، وليكون مانعا وهذا الإلزام كما يرد على الخلخالى يرد أيضا على الشارح بالنظر للجواب الثانى أعنى: قوله: على أن الحق إلخ؛ لأن المفرد عندهم ما لفظ به بلفظ واحد فى العرف، أو ما أعرب بإعراب واحد، والعلم المذكور مشتمل على لفظين فأكثر، ومعرب بإعرابين فأكثر بحسب الأصل؛ لأن نظرهم فى اللفظ من حيث الإعراب والبناء، وإن كانت تلك الأعلام من قبيل المفرد عند المناطقة، لأن نظرهم فى المعانى أصالة، وهذا التعريف لفصاحة المفرد عند النحاة لا عند المناطقة، وأنت خبير بأن هذا الجواب إنما ينفع الخلخالى دون الشارح، وبما علمت من بطلان ما قاله الشارح والخلخالى لبطلان اللوازم لهما. ظهر لك أن المفرد: والكلام فى كلام المصنف محمولان على معناهما الحقيقى المتبادر منهما، وهو أن المراد بالمفرد ما ليس بمركب وبالكلام: المركب التام، والمركب الناقص خارج عنهما، لعدم اتصافه بالفصاحة والبلاغة بالنظر لذاته واتصافه بالفصاحة فى قولهم: مركب فصيح. إنما هو باعتبار اتصاف مفرداته بها، كما أفاده العلامة عبد الحكيم. (قوله: والمتكلم أيضا) إنما زاد هنا أيضا دون ما تقدم؛ لأن الكلام والمفرد من واد واحد فهما كالشيء الواحد، وأيضا لا يؤتى بهما إلا بين شيئين. (قوله: يقال كاتب فصيح إلخ) المناسب لما مر أن يقول مثل كاتب فصيح، والمراد بالكاتب: الناثر. أى: المتكلم بكلام منثور، وليس المراد به المتصف بالكتابة بدليل مقابلته بشاعر، والحاصل أن الشخص متى كانت فيه الملكة: اتصف بالفصاحة تكلم بنظم أو سجع أو غيرهما، كالنثر، بل ولو لم يتكلم أصلا، إلا أن الملكة لا يعرف قيامها به إلا بالكلام. (قوله: تنبئ عن الوصول إلخ) قال فى القاموس:

стр. 139

[يوصف الكلام والمتكلم بالبلاغه] والانتهاء (يوصف بها الأخيران فقط) أى: الكلام والمتكلم دون المفرد؛ إذ لم يسمع: كلمة بليغة، والتعليل بأن البلاغة إنما هى باعتبار المطابقة لمقتضى الحال وهى لا تتحقق فى المفرد وهم؛ ... === بلغ الرجل بلاغة إذا كان يبلغ بعبارته كنه مراده، مع إيجاز بلا إخلال أو إطالة بلا إملال، وحينئذ فهى فى اللغة تنبئ عن الوصول والانتهاء لكونها وصولا مخصوصا، وهى الوصول بالعبارة إلى المراد من غير إخلال والإطالة مملة، وأما فى الاصطلاح: فهى مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والمناسبة بين المعنيين ظاهرة؛ لأن الكلام إذا طابق مقتضى الحال وصل للمطلوب عند البلغاء، ولم يقل: وهى فى الأصل اكتفاء بما ذكره سابقا، وقيل: لم يقل فى الأصل؛ لأن معناها لغة واصطلاحا واحد، وفيه أنه مع كونه خلاف الواقع يلزم أن يكون قوله: تنبئ عن الوصول والانتهاء مستدركا؛ لأن القصد منه إبداء المناسبة بين المعنى اللغوى والاصطلاحي، وعند اتحاد المعنى لا حاجة إليه (قوله: والانتهاء) عطف تفسير (قوله: فقط) الفاء واقعة فى جواب شرط مقدر، وقط اسم فعل بمعنى انته. أى: وإذا وصفت بها الأخيرين فقط. أى: فانته عن وصف المفرد بها. (قوله: إذ لم يسمع كلمة بليغة) فيه أنه أدخل المركب الناقص فى المفرد، وحينئذ فلا ينتهض الدليل على الدعوى؛ لأن منفى الدليل أخص من منفى المدعى. أى: أن الذى نفيت عنه البلاغة فى الدليل وهو الكلمة: أخص من الذى نفيت عنه فى المدعى وهو المفرد الشامل للكلمة والمركب الناقص، ويلزم من هذا أن يكون الدليل أخص من المدعى، وحينئذ فلا ينتجه؛ لأن نفى الأخص لا يستلزم نفى الأعم، فلا يلزم من عدم سماع اتصاف الكلمة بها عدم سماع اتصاف المركب المذكور بها، فالدليل المساوى للدعوى أن يقال إذ لم يسمع كلمة بليغة ولا مركب بليغ، إلا أن يراد بالكلمة ما ليس بكلام، فتشمل المركب الناقص، لكن فى إطلاق الكلمة على هذا المعنى من البعد ما ليس فى إطلاق المفرد عليه بلا خفاء وإن أدخل المركب الناقص فى الكلام كما هو رأى الخلخالي، فلا إشكال فى التعليل أصلا (قوله: والتعليل) أى: لعدم وصف المفرد بالبلاغة. (قوله: وهى) أى: المطابقة المذكورة (قوله: لا تتحقق فى المفرد) أى: لأن المطابقة

стр. 140

لأن ذلك إنما هو فى بلاغة الكلام والمتكلم، وإنما قسم كلا من الفصاحة والبلاغة أولا لتعذر جمع المعانى المختلفة الغير المشتركة فى أمر يعمها ... === المذكورة إنما تحصل بمراعاة الاعتبارات الزائدة على أصل المعنى المراد، وهذا لا يتحقق إلا فى ذى الإسناد المفيد. (قوله: لأن ذلك) أى: اعتبار المطابقة المذكور. (قوله فى بلاغة الكلام والمتكلم) أى: فيجوز أن يكون هناك بلاغة أخرى يصح وجودها فى الكلمة غير المطابقة، وإن لم نطلق عليها كما وجد ذلك فى الفصاحة، فإن قال: ذلك المعلل إنه لا معنى للبلاغة فى كلام العرب إلا هذا المعنى، وهو محال فى الكلمة، عاد إلى انتفاء السماع وهو الذى عللنا به (قوله: وإنما قسم إلخ) هذا توجيه لمبادرة المصنف بالتقسيم أولا، وتعريف كل على حدة بعد ذلك، مع أن الأصل أن يذكر التعريف أولا ثم التقسيم ثانيا. فقول الشارح: وإنما قسم كلا من الفصاحة والبلاغة أولا أى: ولم يأت من أول الأمر بتعريف واحد شامل لأقسام الفصاحة، وكذلك البلاغة، ثم يقسمها بعد ذلك كما هو الشأن وقوله: قسم أى ضمنا لا صراحة، حيث قال: فالفصاحة يوصف بها المفرد والكلام والمتكلم، والبلاغة يوصف بها الأخيران فقط، فإن هذا يستلزم انقسام الفصاحة إلى فصاحة مفرد وفصاحة كلام وفصاحة متكلم، وانقسام البلاغة إلى بلاغة كلام وبلاغة متكلم. (قوله: لتعذر جمع المعانى المختلفة) كفصاحة المفرد وفصاحة المتكلم وفصاحة الكلام، وكبلاغة المتكلم وبلاغة الكلام، (وقوله: الغير المشتركة إلخ) تفسير للمختلفة، وأدخل (أل) على غير لتأويله بالمغايرة. فلا يقال إنه أدخل (أل) على المضاف الذى لم يشابه يفعل، وهو لا يجوز. (قوله: فى أمر يعمها) متعلق بالمشتركة. أى: فى حقيقة نوعية تصدق عليها وتصلح لتعريفها، فلا يتأتى أن يؤتى للفصاحة بتعريف يعم أقسامها الثلاثة، ويخرج غيرها، وكذا البلاغة لا يتأتى أن يؤتى لها بتعريف يعم قسميها، ويخرج غيرهما، وهذا بخلاف الكلمة فإنها لما اشتركت أقسامها فى أمر يعمها صالح لتعريف الكلمة بحيث تتميز عن الكلم والكلام. عرفت أولا بأنها قول مفرد، ثم قسمت بعد ذلك إلى اسم وفعل وحرف، وكذلك الإنسان لما اشتركت أقسامه من زنج وروم وغيرهما، فى أمر

стр. 141

فى تعريف واحد، وهذا كما قسم ابن الحاجب المستثنى إلى متصل ومنقطع، ثم عرف كلا منهما على حدة [الفصاحه في المفرد خلوها عن] (فالفصاحة ... === يعمها صالح لتعريف الإنسان بحيث يتميز عن الفرس والحمار وغيرهما من الأنواع. عرف أولا بأنه حيوان ناطق، ثم قسم بعد ذلك لتلك الأصناف، والحاصل أنه لما تعذر هنا اشتراك أقسام الفصاحة فى أمر يعمها صالح لتعريف الفصاحة بحيث يميزها عما عداها، وكذلك البلاغة قسم كلا منهما، ثم عرف تلك الأقسام وأما الاشتراك فى الأمر العام مطلقا فحاصل إذ لا شك فى وجود المفهومات العامة الكلية كشيء وموجود ومستحسن وأقسام الفصاحة، وكذلك قسما البلاغة مشتركة فى هذه المفهومات، ولكن لا يصلح شيء منها لتعريف كل من الفصاحة والبلاغة لعدم حصول التميز المذكور، وبهذا اندفع ما يقال على الشارح منطوقا، لا نسلم عدم اشتراكها فى أمر يعمها، إذ لا شك فى وجود المفهومات العامة الكلية التى تشترك فيها وتعمها كشىء وموجود ومستحسن، وما يقال عليه من حيث المفهوم. إن كلامه يفيد أن مطلق الاشتراك فى الأمر العام يكفى فى جميع الأمور المتغايرة فى تعريف، وليس كذلك. (قوله: فى تعريف واحد) أى: يبين حقيقة كل تفصيلا، وإلا فلا تعذر كأن تعرف الإنسان والفرس بالجسم النامى الحساس المتحرك بالإرادة أو بالحيوان، فإنه مميز لها فى الجملة، ولكن لا يبين حقيقة كل واحد تفصيلا (قوله: وهذا) أى: الصنيع من التقسيم أولا، ثم التعريف ثانيا، كما قسم أى: كتقسيم ابن الحاجب إلخ؛ فإن تقسيمه قبل التعريف لعدم الاشتراك المذكور، وأورد على ذلك أن القسمين اشتركا فى أمر يعمها صالح لتعريف المستثنى وهو المذكور بعد إلا وأخواتها؛ وفيه نظره. بأن هذا لا يصلح تعريفا للمستثنى؛ لأنه يدخل فيه ما بعد إلا الواقعة صفة نحو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (١) مع أنه ليس مستثنى. (قوله: فالفصاحة) أى: إذا أردت بيان كل من أقسام الفصاحة والبلاغة، فأقول لك: الفصاحة إلخ: فالفاء فاء الفصيحة، ويقال لها فاء الفضيحة بالصاد والضاد، والإضافة فى ذلك من

стр. 142

فى المفرد) قدم الفصاحة على البلاغة ... === إضافة الموصوف لصفته، أى: الفاء المفصحة أو المفضحة. سميت بذلك؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، أو لكونها أفضحته وأظهرته، وقيل: فاء الفصيحة هى: ما أفصحت عن مقدر مطلقا. أى: سواء كان شرطا أو غيره كما فى قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ (١) أى فضرب فانفجرت (قوله: فى المفرد) يصح أن يكون صفة للفصاحة كان المتعلق نكرة أو معرفة، ولا يلزم على تقديره نكرة وصف المعرفة بالنكرة وهو لا يجوز؛ لأن (أل) فى الفصاحة جنسية ومدخولها فى حكم النكرة، ولا يلزم على تقديره معرفة حذف الموصول وبعض الصلة وهو لا يجوز؛ لأن الكائن المقدر يراد منه الثبوت والدوام، فهو صفة مشبهة و (أل) الداخلة عليها معرفة لا موصولة على التحقيق، ولا يصح أن يكون ذلك الظرف حالا منها على مذهب سيبويه القائل بجواز مجىء الحال من المبتدأ؛ لأن الحال مقيدة للعامل مطلقا لفظيا أو معنويا، ولا معنى للتقييد هنا لأن التقييد إنما هو لشيء يختلف حاله، كالمجىء فى قولنا: جاء زيد راكبا، والابتداء واحد لا تختلف أحواله، وأيضا المقصود تفسير الفصاحة بوصف كونها فى المفرد لا بقيد تحققها فى المفرد، إذ ليس المعنى على التقييد، وإن كان المآل واحدا، لكن فرق بين التقديرين كما لا يخفى؛ وذلك لأن التقييد يقتضى أن الفصاحة مشتركة اشتراكا معنويا؛ لأنه يفيد أن الفصاحة أمر كلى تختلف أحواله: تارة يكون فى المفرد، وتارة يكون فى غيره، والذى حققه الشارح أنها من قبيل المشترك اللفظى، وجعل المجرور صفة لا يخالف ذلك تأمل، ويصح أن يكون الظرف لغوا متعلقا بالنسبة التى اشتملت عليها الجملة، والمعنى انتساب الخلوص المذكور للفصاحة فى المفرد، أو الفصاحة التى هى الخلوص منسوبة للمفرد. وقضية هذا أن الظرف معمول للنسبة المذكورة، وهو معنى قابل للتقييد. وهذا يرد على حصر النحاة العامل المعنوى فى الابتداء والتجرد. (قوله: قدم الفصاحة) أى: قدم تعريف أقسامها على تعريف أقسام البلاغة، مع أن اللف والنشر المشوش أولى

стр. 143

لتوقف معرفة البلاغة على معرفة الفصاحة لكونها مأخوذة فى تعريفها، ثم قدم فصاحة المفرد على فصاحة الكلام والمتكلم لتوقفهما عليها (خلوصه) أى: خلوص المفرد (من تنافر الحروف والغرابة ... === (قوله: لتوقف معرفة البلاغة) أى: إدراكها وتصورها من حيث المفهوم سواء كانت بلاغة متكلم أو كلام. وقوله: على معرفة الفصاحة أى: على تصورها فى الجملة، وإنما قلنا فى الجملة؛ لأن بلاغة الكلام لا تتوقف على فصاحة المتكلم، بل على فصاحة الكلام والمفرد، وكذلك بلاغة المتكلم لا تتوقف على فصاحته من حيث المفهوم، بل على فصاحة الكلام والمفرد إذ لم تؤخذ الملكة التى يقتدر بها على تأليف فصيح لا فى بلاغة الكلام ولا فى بلاغة المتكلم. نعم تتوقف عليها بلاغة المتكلم بحسب التحقق، إذ لا يقتدر على تأليف كلام بليغ إلا من يقدر على تأليف كلام فصيح. (قوله: لتوقفهما عليها) أما توقف فصاحة الكلام على فصاحة المفرد فبلا واسطة، لكونها مأخوذة فى تعريفه، وأما توقف فصاحة المتكلم على فصاحة المفرد، فبواسطة أخذ فصاحة الكلام المتوقف عليها فى فصاحة المتكلم والمتوقف على المتوقف على الشيء متوقف على ذلك الشيء، كذا قال يس. وقد يقال: المصنف لم يأخذ فصاحة الكلام فى تعريف فصاحة المتكلم، بل اللفظ الشامل للمفرد كما نبه عليه الشارح فيكون توقف فصاحة المتكلم على فصاحة المفرد بلا واسطة أيضا (قوله: خلوصه من تنافر الحروف) قيل: أوجه حصر مخلات فصاحة المفرد فى الثلاثة أن المفرد له مادة، وهى حروفه وصورة وهى صيغته، ودلالة على معناه، وحينئذ فعيبه إما فى مادته وهو التنافر، أو فى صورته وهى مخالفة القياس الصرفي، وفى دلالته على معناه وهو الغرابة، ويمكن إجراء ذلك أيضا فى الكلام، فعيبه فى مادته تنافر الكلمات، وفى صورته أى: التأليف العارض على الكلمات ضعف التأليف، وفى دلالته على معناه التعقيد (قوله: خلوصه من تنافر الحروف) المراد من الخلوص لازمه وهو عدم الاتصاف، وليس المراد أنه كان متصفا بها أولا، ثم خلص؛ ثم إن كلام المصنف من باب السلب الكلى وهو المسمى بعموم السلب، لا من قبيل رفع الإيجاب الكلى وهو المسمى بسلب العموم، فالمعنى حينئذ عدم اتصافه بكل واحد من

стр. 144

ومخالفة القياس اللغوى) أى: المستنبط من استقراء اللغة، وتفسير الفصاحة بالخلوص لا يخلو عن تسامح [عن التنافر] (فالتنافر) وصف فى الكلمة ... === الثلاثة، فحيثما وجد واحد من الثلاثة فى الكلمة كانت غير فصيحة، ولأجل كون المراد من كلام المصنف السلب الكلى كان الأولى له الإتيان بمن فى الغرابة ومخالفة القياس لأجل أن يكون كلامه ظاهرا فى ذلك المعنى المراد، إذ كلامه بدون ذلك يوهم أن المراد الخلوص من المجموع، وعليه فلا يضر فى فصاحة الكلمة وجود واحد أو اثنين من الثلاثة وهو باطل. (قوله: القياس) أى: الضابط المتقرر من استقراء استعما لات العرب كقولنا: كلما تحركت الياء أو الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا (قوله: أى المستنبط إلخ) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد حقيقة القياس فى اللغة الذى هو إلحاق شيء بشيء بجامع بينهما: كإلحاق النبيذ بالخمر فى التحريم بجامع الإسكار، بل المراد القياس الذى منشؤه استقراء اللغة. أى: تتبع الكلمات اللغوية وهو القياس الصرفى كقولنا: كلما تحركت الياء أو الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا وإنما لم يقل الشارح الصرفى بدل اللغوى، مع أنه المراد للإشارة إلى أن منشأ هذا القياس الصرفى استقراء اللغة (قوله: لا يخلو عن تسامح) أى: لأمرين الأول: أن الفصاحة هى كون الكلمة جارية على القوانين المستنبطة من استقراء كلام العرب، متناسبة الحروف كثيرة الاستعمال على ألسنة العرب الموثوق بعربيتهم، ويلزم من الكون المذكور الخلوص عما ذكر، فليس الخلوص نفس الكون المذكور ولا صادقا عليه، وحينئذ فلا يصح حمله على الفصاحة بحيث يقال: الفصاحة الخلوص؛ لأن ادنى درجات التعريف أن يكون صادقا على المعرف، وإن صح أن يقال: الفصيح الخالص؛ لأن صدق المشتق على المشتق لا يستلزم صدق المأخذ على المأخذ، كالناطق والكاتب والنطق والكتابة. الأمر الثاني: أن الفصاحة وجودية؛ لأن معناها الكون المذكور والخلوص عدمى؛ لأن معناه عدم الأمور المذكورة والعدمى غير الوجودى، فلا يصح حمله عليه، وإنما قال لا يخلو عن تسامح ولم يقل باطل لإمكان الجواب عن كل من الأمرين. أما الجواب عن الأول: فحاصله أن الأدباء يجوزون الإخبار عن الشيء بمباينة إذا كان بينهما تلازم قصدا للمبالغة وادعاء

стр. 145

يوجب ثقلها على اللسان وعسر النطق بها ... === أنه هو، ولا يقال: إن التعريف بالمباين ممنوع ودعوى الادعاء وقصد المبالغة لا تنفع؛ لأنا نقول هذا عند علماء المنطق وأما الأدباء فيكتفون بمجرد كون المعرف يستلزم تصوره تصور المعرف، ويعتبرون قصد المبالغة والادعاء. وأما الجواب الثانى فيؤول الخلوص بالكون خالصا، وهو أمر وجودى، أو يقال: قولهم لا يخبر بالعدمى عن الوجودى إذا أريد بالوجودى الأمر الموجود، أو وجود أمر، وبالعدمى الأمر المعدوم، أو عدم ذلك الأمر: كالعلم والجهل والموت والحياة، فمسلم أنه لا يصح حمل أحدهما على الآخر، لكن الفصاحة والخلوص ليسا كذلك، بل كل منهما ثابت، والخلوص ليس عدم الفصاحة بل عدم ضدها الذى هو التنافر والغرابة، ومخالفة القياس، وأما إن أريد بالوجودى ما لا يدخل العدم فى مفهومه، وبالعدمى ما يدخل العدم فى مفهومه، فلا شك فى صحة حمل العدمى على الوجودى بهذا المعنى بدليل حمل القضايا المعدولة المحمول على الأمر الوجودى نحو: زيد هو لا كاتب والبياض هو لا سواد، فالمحمول عدمى. أى: دخل العدم فى مفهومه. أى: زيد شيء ثبت له عدم الكتابة والبياض شيء ثبت له عدم السواد، ومن المعلوم أن قوله: الفصاحة خلوصة إلخ من باب القضية المعدولة لأنه فى قوة قولنا الفصاحة عدم الأمور المذكورة أى: الفصاحة شىء ثبت له عدم الأمور المذكورة (قوله: يوجب ثقلها على اللسان) الثقل بكسر الثاء وفتح القاف بوزن صغر، مصدر ثقل الشىء بالضم خلاف الخفة، وأما بكسر الثاء وسكون القاف بوزن علم، فهو الشيء الثقيل والأول أنسب من جهة اللفظ للتشاكل بين المتعاطفين؛ لأن العسر مصدر أيضا، والثانى أنسب من جهة المعنى بحسب المقام؛ لأنه يشير إلى أن التنافر لا يخل بالفصاحة إلا إذا كان شديدا، بحيث يصير على اللسان كالحمل الثقيل، وأما أصل التنافر فلا يخل بالفصاحة، ولا شك أن مراعاة التناسب المعنوى أولى، وعلى هذا فالمعنى يوجب شيئا عظيما كالثقل أى الحمل. (قوله: وعسر النطق بها) يحتمل أنه عطف تفسير، ويحتمل أنه عطف مسبب على سبب نظرا إلى أن الثقل فى الكلمة سبب
следующие страницы →