← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فى تعريف واحد، وهذا كما قسم ابن الحاجب المستثنى إلى متصل ومنقطع، ثم عرف كلا منهما على حدة [الفصاحه في المفرد خلوها عن] (فالفصاحة ... === يعمها صالح لتعريف الإنسان بحيث يتميز عن الفرس والحمار وغيرهما من الأنواع. عرف أولا بأنه حيوان ناطق، ثم قسم بعد ذلك لتلك الأصناف، والحاصل أنه لما تعذر هنا اشتراك أقسام الفصاحة فى أمر يعمها صالح لتعريف الفصاحة بحيث يميزها عما عداها، وكذلك البلاغة قسم كلا منهما، ثم عرف تلك الأقسام وأما الاشتراك فى الأمر العام مطلقا فحاصل إذ لا شك فى وجود المفهومات العامة الكلية كشيء وموجود ومستحسن وأقسام الفصاحة، وكذلك قسما البلاغة مشتركة فى هذه المفهومات، ولكن لا يصلح شيء منها لتعريف كل من الفصاحة والبلاغة لعدم حصول التميز المذكور، وبهذا اندفع ما يقال على الشارح منطوقا، لا نسلم عدم اشتراكها فى أمر يعمها، إذ لا شك فى وجود المفهومات العامة الكلية التى تشترك فيها وتعمها كشىء وموجود ومستحسن، وما يقال عليه من حيث المفهوم. إن كلامه يفيد أن مطلق الاشتراك فى الأمر العام يكفى فى جميع الأمور المتغايرة فى تعريف، وليس كذلك. (قوله: فى تعريف واحد) أى: يبين حقيقة كل تفصيلا، وإلا فلا تعذر كأن تعرف الإنسان والفرس بالجسم النامى الحساس المتحرك بالإرادة أو بالحيوان، فإنه مميز لها فى الجملة، ولكن لا يبين حقيقة كل واحد تفصيلا (قوله: وهذا) أى: الصنيع من التقسيم أولا، ثم التعريف ثانيا، كما قسم أى: كتقسيم ابن الحاجب إلخ؛ فإن تقسيمه قبل التعريف لعدم الاشتراك المذكور، وأورد على ذلك أن القسمين اشتركا فى أمر يعمها صالح لتعريف المستثنى وهو المذكور بعد إلا وأخواتها؛ وفيه نظره. بأن هذا لا يصلح تعريفا للمستثنى؛ لأنه يدخل فيه ما بعد إلا الواقعة صفة نحو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (١) مع أنه ليس مستثنى. (قوله: فالفصاحة) أى: إذا أردت بيان كل من أقسام الفصاحة والبلاغة، فأقول لك: الفصاحة إلخ: فالفاء فاء الفصيحة، ويقال لها فاء الفضيحة بالصاد والضاد، والإضافة فى ذلك من

стр. 142

فى المفرد) قدم الفصاحة على البلاغة ... === إضافة الموصوف لصفته، أى: الفاء المفصحة أو المفضحة. سميت بذلك؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، أو لكونها أفضحته وأظهرته، وقيل: فاء الفصيحة هى: ما أفصحت عن مقدر مطلقا. أى: سواء كان شرطا أو غيره كما فى قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ (١) أى فضرب فانفجرت (قوله: فى المفرد) يصح أن يكون صفة للفصاحة كان المتعلق نكرة أو معرفة، ولا يلزم على تقديره نكرة وصف المعرفة بالنكرة وهو لا يجوز؛ لأن (أل) فى الفصاحة جنسية ومدخولها فى حكم النكرة، ولا يلزم على تقديره معرفة حذف الموصول وبعض الصلة وهو لا يجوز؛ لأن الكائن المقدر يراد منه الثبوت والدوام، فهو صفة مشبهة و (أل) الداخلة عليها معرفة لا موصولة على التحقيق، ولا يصح أن يكون ذلك الظرف حالا منها على مذهب سيبويه القائل بجواز مجىء الحال من المبتدأ؛ لأن الحال مقيدة للعامل مطلقا لفظيا أو معنويا، ولا معنى للتقييد هنا لأن التقييد إنما هو لشيء يختلف حاله، كالمجىء فى قولنا: جاء زيد راكبا، والابتداء واحد لا تختلف أحواله، وأيضا المقصود تفسير الفصاحة بوصف كونها فى المفرد لا بقيد تحققها فى المفرد، إذ ليس المعنى على التقييد، وإن كان المآل واحدا، لكن فرق بين التقديرين كما لا يخفى؛ وذلك لأن التقييد يقتضى أن الفصاحة مشتركة اشتراكا معنويا؛ لأنه يفيد أن الفصاحة أمر كلى تختلف أحواله: تارة يكون فى المفرد، وتارة يكون فى غيره، والذى حققه الشارح أنها من قبيل المشترك اللفظى، وجعل المجرور صفة لا يخالف ذلك تأمل، ويصح أن يكون الظرف لغوا متعلقا بالنسبة التى اشتملت عليها الجملة، والمعنى انتساب الخلوص المذكور للفصاحة فى المفرد، أو الفصاحة التى هى الخلوص منسوبة للمفرد. وقضية هذا أن الظرف معمول للنسبة المذكورة، وهو معنى قابل للتقييد. وهذا يرد على حصر النحاة العامل المعنوى فى الابتداء والتجرد. (قوله: قدم الفصاحة) أى: قدم تعريف أقسامها على تعريف أقسام البلاغة، مع أن اللف والنشر المشوش أولى

стр. 143

لتوقف معرفة البلاغة على معرفة الفصاحة لكونها مأخوذة فى تعريفها، ثم قدم فصاحة المفرد على فصاحة الكلام والمتكلم لتوقفهما عليها (خلوصه) أى: خلوص المفرد (من تنافر الحروف والغرابة ... === (قوله: لتوقف معرفة البلاغة) أى: إدراكها وتصورها من حيث المفهوم سواء كانت بلاغة متكلم أو كلام. وقوله: على معرفة الفصاحة أى: على تصورها فى الجملة، وإنما قلنا فى الجملة؛ لأن بلاغة الكلام لا تتوقف على فصاحة المتكلم، بل على فصاحة الكلام والمفرد، وكذلك بلاغة المتكلم لا تتوقف على فصاحته من حيث المفهوم، بل على فصاحة الكلام والمفرد إذ لم تؤخذ الملكة التى يقتدر بها على تأليف فصيح لا فى بلاغة الكلام ولا فى بلاغة المتكلم. نعم تتوقف عليها بلاغة المتكلم بحسب التحقق، إذ لا يقتدر على تأليف كلام بليغ إلا من يقدر على تأليف كلام فصيح. (قوله: لتوقفهما عليها) أما توقف فصاحة الكلام على فصاحة المفرد فبلا واسطة، لكونها مأخوذة فى تعريفه، وأما توقف فصاحة المتكلم على فصاحة المفرد، فبواسطة أخذ فصاحة الكلام المتوقف عليها فى فصاحة المتكلم والمتوقف على المتوقف على الشيء متوقف على ذلك الشيء، كذا قال يس. وقد يقال: المصنف لم يأخذ فصاحة الكلام فى تعريف فصاحة المتكلم، بل اللفظ الشامل للمفرد كما نبه عليه الشارح فيكون توقف فصاحة المتكلم على فصاحة المفرد بلا واسطة أيضا (قوله: خلوصه من تنافر الحروف) قيل: أوجه حصر مخلات فصاحة المفرد فى الثلاثة أن المفرد له مادة، وهى حروفه وصورة وهى صيغته، ودلالة على معناه، وحينئذ فعيبه إما فى مادته وهو التنافر، أو فى صورته وهى مخالفة القياس الصرفي، وفى دلالته على معناه وهو الغرابة، ويمكن إجراء ذلك أيضا فى الكلام، فعيبه فى مادته تنافر الكلمات، وفى صورته أى: التأليف العارض على الكلمات ضعف التأليف، وفى دلالته على معناه التعقيد (قوله: خلوصه من تنافر الحروف) المراد من الخلوص لازمه وهو عدم الاتصاف، وليس المراد أنه كان متصفا بها أولا، ثم خلص؛ ثم إن كلام المصنف من باب السلب الكلى وهو المسمى بعموم السلب، لا من قبيل رفع الإيجاب الكلى وهو المسمى بسلب العموم، فالمعنى حينئذ عدم اتصافه بكل واحد من

стр. 144

ومخالفة القياس اللغوى) أى: المستنبط من استقراء اللغة، وتفسير الفصاحة بالخلوص لا يخلو عن تسامح [عن التنافر] (فالتنافر) وصف فى الكلمة ... === الثلاثة، فحيثما وجد واحد من الثلاثة فى الكلمة كانت غير فصيحة، ولأجل كون المراد من كلام المصنف السلب الكلى كان الأولى له الإتيان بمن فى الغرابة ومخالفة القياس لأجل أن يكون كلامه ظاهرا فى ذلك المعنى المراد، إذ كلامه بدون ذلك يوهم أن المراد الخلوص من المجموع، وعليه فلا يضر فى فصاحة الكلمة وجود واحد أو اثنين من الثلاثة وهو باطل. (قوله: القياس) أى: الضابط المتقرر من استقراء استعما لات العرب كقولنا: كلما تحركت الياء أو الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا (قوله: أى المستنبط إلخ) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد حقيقة القياس فى اللغة الذى هو إلحاق شيء بشيء بجامع بينهما: كإلحاق النبيذ بالخمر فى التحريم بجامع الإسكار، بل المراد القياس الذى منشؤه استقراء اللغة. أى: تتبع الكلمات اللغوية وهو القياس الصرفى كقولنا: كلما تحركت الياء أو الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا وإنما لم يقل الشارح الصرفى بدل اللغوى، مع أنه المراد للإشارة إلى أن منشأ هذا القياس الصرفى استقراء اللغة (قوله: لا يخلو عن تسامح) أى: لأمرين الأول: أن الفصاحة هى كون الكلمة جارية على القوانين المستنبطة من استقراء كلام العرب، متناسبة الحروف كثيرة الاستعمال على ألسنة العرب الموثوق بعربيتهم، ويلزم من الكون المذكور الخلوص عما ذكر، فليس الخلوص نفس الكون المذكور ولا صادقا عليه، وحينئذ فلا يصح حمله على الفصاحة بحيث يقال: الفصاحة الخلوص؛ لأن ادنى درجات التعريف أن يكون صادقا على المعرف، وإن صح أن يقال: الفصيح الخالص؛ لأن صدق المشتق على المشتق لا يستلزم صدق المأخذ على المأخذ، كالناطق والكاتب والنطق والكتابة. الأمر الثاني: أن الفصاحة وجودية؛ لأن معناها الكون المذكور والخلوص عدمى؛ لأن معناه عدم الأمور المذكورة والعدمى غير الوجودى، فلا يصح حمله عليه، وإنما قال لا يخلو عن تسامح ولم يقل باطل لإمكان الجواب عن كل من الأمرين. أما الجواب عن الأول: فحاصله أن الأدباء يجوزون الإخبار عن الشيء بمباينة إذا كان بينهما تلازم قصدا للمبالغة وادعاء

стр. 145

يوجب ثقلها على اللسان وعسر النطق بها ... === أنه هو، ولا يقال: إن التعريف بالمباين ممنوع ودعوى الادعاء وقصد المبالغة لا تنفع؛ لأنا نقول هذا عند علماء المنطق وأما الأدباء فيكتفون بمجرد كون المعرف يستلزم تصوره تصور المعرف، ويعتبرون قصد المبالغة والادعاء. وأما الجواب الثانى فيؤول الخلوص بالكون خالصا، وهو أمر وجودى، أو يقال: قولهم لا يخبر بالعدمى عن الوجودى إذا أريد بالوجودى الأمر الموجود، أو وجود أمر، وبالعدمى الأمر المعدوم، أو عدم ذلك الأمر: كالعلم والجهل والموت والحياة، فمسلم أنه لا يصح حمل أحدهما على الآخر، لكن الفصاحة والخلوص ليسا كذلك، بل كل منهما ثابت، والخلوص ليس عدم الفصاحة بل عدم ضدها الذى هو التنافر والغرابة، ومخالفة القياس، وأما إن أريد بالوجودى ما لا يدخل العدم فى مفهومه، وبالعدمى ما يدخل العدم فى مفهومه، فلا شك فى صحة حمل العدمى على الوجودى بهذا المعنى بدليل حمل القضايا المعدولة المحمول على الأمر الوجودى نحو: زيد هو لا كاتب والبياض هو لا سواد، فالمحمول عدمى. أى: دخل العدم فى مفهومه. أى: زيد شيء ثبت له عدم الكتابة والبياض شيء ثبت له عدم السواد، ومن المعلوم أن قوله: الفصاحة خلوصة إلخ من باب القضية المعدولة لأنه فى قوة قولنا الفصاحة عدم الأمور المذكورة أى: الفصاحة شىء ثبت له عدم الأمور المذكورة (قوله: يوجب ثقلها على اللسان) الثقل بكسر الثاء وفتح القاف بوزن صغر، مصدر ثقل الشىء بالضم خلاف الخفة، وأما بكسر الثاء وسكون القاف بوزن علم، فهو الشيء الثقيل والأول أنسب من جهة اللفظ للتشاكل بين المتعاطفين؛ لأن العسر مصدر أيضا، والثانى أنسب من جهة المعنى بحسب المقام؛ لأنه يشير إلى أن التنافر لا يخل بالفصاحة إلا إذا كان شديدا، بحيث يصير على اللسان كالحمل الثقيل، وأما أصل التنافر فلا يخل بالفصاحة، ولا شك أن مراعاة التناسب المعنوى أولى، وعلى هذا فالمعنى يوجب شيئا عظيما كالثقل أى الحمل. (قوله: وعسر النطق بها) يحتمل أنه عطف تفسير، ويحتمل أنه عطف مسبب على سبب نظرا إلى أن الثقل فى الكلمة سبب

стр. 146

(نحو: ) مستشزرات فى قول امرئ القيس: (غدائره) (١) أى: ذوائبه؛ جمع غديرة، والضمير عائد إلى الفرع ... === لعسر النطق بها، فيلاحظ الثقل وصفا فيها أوجب عسر النطق بها (قوله: نحو مستشزرات) أى: نحو وصف هذه الكلمة. (قوله: غدائره إلخ) هذا البيت من معلقة امرئ القيس (٢) المشهورة التى مطلعها: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل وقبل هذا البيت تصدّ وتبدى عن أسيل وتتّقى ... بناظرة من وحش وجرة مطفل وجيد كجيد الرّيم ليس بفاحش ... إذا هى نصته ولا بمعطّل وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النّخلة المتعثكل غدائره إلخ (قوله: أى ذوائبه) جمع ذؤابة بالهمزة أبدلت الهمزة الأولى واوا فى الجمع لاستثقالهم ألف الجمع بين همزتين، وفى الأساس: الذؤابة الشعر المنسدل من الرأس إلى الظهر. أى: الذى شأنه الانسدال فلا ينافى أنه قد يكون فوق وسط الرأس

стр. 147

فى البيت السابق (مستشزرات) أى: مرتفعات، أو مرفوعات، يقال: استشزره؛ أى: رفعه، واستشزر؛ أى: ارتفع ... === كما هنا، وإنما سمّى ذلك الشعر غديرة؛ ولأنه غودر وترك حتى طال. (قوله: فى البيت السابق) وهو قوله: وفرع يزين المتن أسود فاحم إلخ. وفرع بالجر عطف على أسيل، أو على جيد فى الأبيات السابقة، والفرع هو الشعر مطلقا أى كلّا أو بعضا كما فى المهذب. فيصدق على الغدائر وعلى المثنى وعلى المرسل، فيقال: الغدائر فرع. أى: شعر، والمثنى فرع إلخ. وعلى هذا فإضافة الغدائر لضميره من إضافة الجزئى للكلى. وفى الصحاح: أن الفرع هو الشعر التام. أى: الشعر بتمامه، وعلى هذا فإضافة الغدائر لضميره من إضافة الجزء للكل. والمتن: الظهر، والفاحم: الذى كالفحم فى السواد، والأثبث: الكثير، والقنو بالكسر: سباطة النخل، والمتعثكل بكسر الكاف وفتحها: كثير العثاكل. أى: الشماريخ. أى: العيدان التى عليها البسر. ففى البيت: مبالغة من حيث تشبيه الشعر بالقنو المذكور فى الكثرة، ولا نفسر المتعثكل بذى العثاكيل لئلا تفوت المبالغة، وما ذكره الشارح من أن الضمير راجع للفرع، وكذا ما قلناه فى الإضافة فهو بناء على أن الغدائر بمعنى الذوائب المفسرة بما مر عن الأساس، وهو الذى يناسبه ما يأتى للشارح فى معنى البيت، وأما على أن المراد بالغدائر الشعر مطلقا على ما فى المهذب. فيجب أن يكون الضمير راجعا للحبيبة، وذكره باعتبار الشخص، أو الممدوح. ولا يصح أن يكون عائدا على الفرع لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن كلا من الغدائر والفرع مطلق الشعر. اللهم إلا أن يقال إن الإضافة بيانية، والحق أنها تجرى فى الضمير خلافا للناصر اللقاني، أو يقال: إن الفرع اسم للشعر مطلقا سواء كان للرجال أو النساء، والغدائر: الشعر مطلقا بقيد كونه للنساء، وعلى هذا يصح كون الضمير راجعا للفرع، ويكون من إضافة الجزئى للكلى. (قوله: يقال استشزره إلخ) أشار الشارح بهذا إلى أن هذا الوصف مأخوذ إما من فعل متعد أو من فعل لازم، وينبنى على ذلك كونه اسم فاعل أو اسم مفعول، فإن كان مأخوذا من المتعدى صح كونه اسم مفعول، فيقرأ بفتح

стр. 148

(إلى العلا) تضل العقاص فى مثنى؛ تضل؛ أى: تغيب، العقاص: جمع عقيصة تكملة، وهى الخصلة المجموعة من الشعر، والمثنى: المفتول؛ يعنى: أن ذوائبه ... === الزاى المعجمة، وإن كان مأخوذا من الفعل اللازم فهو اسم فاعل، فيقرأ بكسر الزاى. (قوله: إلى العلى) أى: إلى جهة السماء، والعلى: جمع العليا بضم العين تأنيث الأعلى. أى: مرتفعات للجهات العليا. (قوله: أى تغيب) إشارة إلى أن تضل من الضلال بمعنى الغياب، وتضل فعل مضارع والعقاص فاعله، وإنما جمع العقاص دون المثنى والمرسل إشارة إلى أن العقاص مع كثرتها تغيب فى مثنى واحد، وفى مرسل واحد لكثرة شعرهما. (قوله: وهى الخصلة المجموعة) أى: التى تجمعها المرأة وتلويها وتربطها بخيوط وتجعلها فى وسط رأسها كالرمانة ليصير مجعدا وهى المسماة بالغديرة والعقيصة والذؤابة، ثم إن عادة نساء العرب بعد أن تعقص جانبا من الشعر على الكيفية التى قلناها ترسل فوقه المثنى والمرسل خلف الظهر، فيصير المثنى والمرسل مرميين على ظهرها وتحتها العقاص المجموع كالرمانة غائبا ومخبا لا يظهر، فظهر لك من هذا أن الغدائر والعقاص بمعنى واحد، وحينئذ فقوله: تضل العقاص إظهار فى محل الإضمار وأن الأصل تضل هى. أى: الغدائر، وإنما أظهر فى محل الإضمار للإشارة إلى أن تلك الغدائر تسمى عقاصا، ومن هذا تعلم أن جملة تضل العقاص خبر ثان عن غدائره، والرابط للمبتدأ بالجملة الواقعة خبرا إعادة المبتدأ بمعناه، وأنت خبير بأن جعل العقيصة والغديرة شيئا واحدا بناء على ما مر من أن الغديرة هى الذؤابة المفسرة بما مر عن الأساس، وأما على ما ذكر عن المهذب من أن الغدائر الشعر مطلقا فلا تكون العقيصة هى الغديرة، فتأمل. أفادة شيخنا العلامة العدوى. (قوله: والمثنى المفتول) لأخذه من الثنى، وأما المرسل فمعناه المرسل عن العقص، والثنى أى: الخالى عنهما، وليس المراد بالمرسل المسبل؛ لأن المثنى مسبل أيضا على العقيصة مثله، وقد يقال كونه مسبلا لا ينافى كون المثنى مسبلا أيضا، وإنما وصف هذا القسم بهذا الوصف؛ لأنه لم يتصف بغيره بخلاف المثنى فقد تعلق به الثنى والإرسال- تأمل. (قوله: يعنى أن ذوائبه) أى: الفرع والمراد بها العقائص (قوله: يعنى أن ذوائبه إلخ) أشار إلى تفسير الغدائر بالذوائب وأن الضمير فى غدائره للفرع كما أسلفه.

стр. 149

مشدودة على الرأس بخيوط، وأن شعره ينقسم إلى عقاص، ومثنى، ومرسل، والأول يغيب فى الأخيرين. والغرض بيان كثرة الشعر. [الضابط في التنافر] والضابط هاهنا: أن كل ما يعده الذوق الصحيح ثقيلا ... === وقوله: وأن شعره عطف على ذوائبه فالضمير للفرع أيضا، والقول بأنه للرأس فيه تشتيت للضمائر ويؤول للرجوع للفرع، إذ المقصود تقسيم مطلق الشعر فلا وهم فى رجوعه للفرع كما لا يخفى، وفى كلامه إشعار بأن العقاص هى الغدائر بعد أن شدت لا غيرها (قوله: مشدودة على الرأس) أى: فى وسطها بخيوط ومجموعة كالرمانة وأخذ الشد بخيوط من قوله فى البيت: مستشزرات خصوصا إذا قرىء على صيغة اسم المفعول ومن العقاص؛ لأن العقيصة شعر ذو عقاص وهو الخيط الذى يربط به أطراف الذوائب كما فى المجمل. (قوله: إلى عقاص) أى: وهى الغدائر، وحينئذ فالشعر منقسم إلى أقسام ثلاثة لا أربعة خلافا لما يوهمه ظاهر البيت من أن القسمة رباعية غدائر وعقائص ومثنى ومرسل، لكن قد علمت أن الغدائر والعقائص والذوائب بمعنى واحد. كما أفاده شيخنا العلامة العدوى، وفى حواشى المطول كلام آخر غير هذا (قوله: والغرض إلخ) أى: فليس المراد بهذا الكلام مجرد الإخبار فهو إما تعريض إن استعمل فى حقيقته وهو الأخبار ملوّحا به لهذا الغرض- أعنى: بيان كثرة الشعر- أو كناية إن أريد اللازم. (قوله: والضابط هاهنا) أى: لتنافر الحروف، وحاصله أن الضابط المعول عليه فى ضبط تنافر الحروف الذوق وهو قوة يدرك بها لطائف الكلام ووجوه تحسينه، فكل ما عده الذوق ثقيلا متعسر النطق به كان ثقيلا، وما لا فلا، خلافا لمن قال: الضابط المعول عليه فى ضبط التنافر بعد المخارج ولمن قال: قربها؛ لأن كلا منهما لا يطرد؛ لأنّا نجد عدم التنافر مع قرب المخرج كالجيش والشجى، ومع بعده كعلم بخلاف ملع أى: أسرع، فقرب المخارج وبعدها كل منهما غير مطرد فلا يكون واحد منهما ضابطا معولا عليه، ولا يقال إن عدم الثقل فى علم وإن كانت المخارج فيه متباعدة، بخلاف ملع لأن الإخراج من الحلق إلى الشفة أيسر من الإدخال من الشفة إلى الحلق؛ لأنا نقول هذا لا يتم لما نجده من حسن حلم وملح وغلب وبلغ (قوله: أن كل ما يعده الذوق الصحيح)

стр. 150

متعسر النطق به فهو متنافر سواء كان من قرب المخارج أو بعدها أو غير ذلك؛ على ما صرح به ابن الأثير فى المثل السائر. وزعم بعضهم أن منشأ الثقل فى مستشزرات هو توسط الشين المعجمة التى هى من المهموسة الرخوة بين التاء التى هى من المهموسة الشديدة، والزاى المعجمة التى هى من المجهورة. === أى: من الحروف. (وقوله: متعسر النطق به) لازم لما قبله. (وقوله: سواء كان) أى ثقله (قوله: أو غير ذلك) أى: كوقوع حرف بين حرفين مضاد لكل واحد منهما بصفة، كوقوع الشين بين التاء والزاى كما يأتى بيانه (قوله: فى المثل السائر) (١) هو اسم كتاب فى اللغة (قوله: وزعم بعضهم) هو الخلخالى كما قاله الفنرى (قوله: أن منشأ الثقل فى مستشزرات إلخ) أى: وأما على الأول فمنشأ الثقل فيها اجتماع هذه الحروف المخصوصة، والحاكم بثقلها الذوق (قوله: التى هى من المهموسة إلخ) اعلم أن الحروف بالنسبة للجهر والهمس تنقسم إلى قسمين مهموسة ومجهورة، وبالنسبة إلى الشدة والرخاوة تنقسم إلى ثلاثة أقسام شديدة ورخوة ومتوسطة بينهما، فالحروف المهموسة عشرة يجمعها قولك: (فحثه شخص سكت) سميت بذلك؛ لأن الهمس لغة: الخفاء، والنفس يخفى مع هذه الحروف لجريانه معها، لضعف الاعتماد عليها فى مخارجها، والحروف المجهورة ما عدا هذه الحروف. سميت مجهورة؛ لأن الجهر لغة الإظهار والنفس يمتنع أن يجرى معها لقوة الاعتماد عليها فى مخارجها والشديدة حروف ثمانية يجمعها قولك: (أجد قط بكت) سميت بذلك لمنعها النفس أن يجرى معها لقوتها فى مخارجها، والرخوة ثلاثة عشر حرفا: هى ما عدا هذه الحروف وما عدا حروف (لن عمر) وهى المتوسطة بين الرخاوة والشدة، وإنما سميت الأولى رخوة؛ لأن الرخاوة لغة اللين والنفس يجرى معها حتى لانت عند النطق وإنما سميت الثانية متوسطة؛ لأن النفس لا ينحبس معها انحباس الشديدة ولم يجر معها جريانه مع الرخوة، إذا علمت هذا فاعلم أن الشين اتصفت بالهمس والرخاوة، والتاء قبلها اتصفت بالهمس والشدة فقد اشتركا فى الهمس

стр. 151

ولو قال: مستشرف لزال ذلك الثقل؛ وفيه نظر؛ لأن الراء المهملة أيضا من المجهورة ... === واختلفا فى الشدة والرخاوة، والضرر جاء من اختلافهما، وكذلك شاركت الشين الزاى فى الرخاوة واختلفا فى الهمس والجهر، والضرر جاء من اختلافهما، فالحاصل أن الشين اتصفت بصفتين ضاربت بإحداهما ما قبلها وضاربت بالأخرى ما بعدها، وبهذا ظهر أنه لا حاجة لوصف الشارح التاء بالهمس. فكان الأولى الاقتصار على الشدة؛ لأن الضرر بها كما اقتصر فى الزاى على الوصف الذى به الضرر وهو الجهر وترك الرخاوة. (قوله: ولو قال مستشرف) الأولى مستشرفات؛ لأن البيت لا يتزن إلا به على تقدير إبدال (مستشزرات) به، إلا أن يقال: إن ذلك القائل إنما التفت لأصل المادة (قوله: وفيه نظر) أى: فى هذا الزعم نظر فهو رد للكلام من أصله لا لقوله، ولو قال: إلخ، وحاصله أن علة الثقل التى ذكرتها وهى مضاربة الحرف المتوسط بين حرفين لما قبله ولما بعده فى الصفة موجودة فى مستشرف أيضا، فيجب أن يكون متنافرا أيضا، وأنت لا تقول إنه ثقيل؛ لأنك قلت: ولو قال مستشرف لزال ذلك الثقل (قوله: لأن الراء المهملة أيضا من المجهورة) أى: فهى كالزاى وإن كانت الزاى رخوة والراء المهملة متوسطة بين الرخوة والشديدة، فالشين كما ضاربت الزاى المعجمة بالجهرية تضارب الراء المهملة بذلك الوصف أيضا؛ لأن كلا منهما مجهور والشين مهموسة، وأجاب بعضهم عن هذا النظر بأن مراد هذا القائل أن النقل ناشيء من اجتماع الشين مع التاء والزاى، بمعنى: أن منشأ الثقل هو اجتماع هذه الحروف المخصوصة، والحاكم بذلك الثقل هو الذوق، ويرشدك لهذا قوله: ولو قال مستشرف لزال ذلك الثقل، لانتفاء هذه الحروف المخصوصة، فهو قائل بما قاله ابن الأثير. وفى هذا الجواب نظر. إذ لو كان مراد هذا الزاعم ما ذكر، لكان توصيفه للحروف بيان أنواعها لغوا صرفا لا فائدة فيه. كما لا يخفى على الذوق السليم، وإنما المستفاد من كلام هذا الزاعم هو ما ذكره الشارح المحقق. نعم يمكن الجواب عن هذا القائل بأن يقال: إن الراء المهملة فى مستشرف وإن كانت من المجهورة إلا أن مجاورة الفاء التى هى من حروف الذلاقة أزالت

стр. 152

وقيل إن قرب المخارج سبب للثقل المخل بالفصاحة، وأن فى قوله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ (١) ثقلا قريبا من المتناهى فيخل بفصاحة الكلمة، لكن الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير فصيحة لا يخرج عن الفصاحة؛ ... === الثقل الحاصل من توسط الشين بين ما ذكر- فتأمل. (قوله: وقيل إن قرب المخارج إلخ) قائله العلامة الزوزنى (قوله: إن قرب المخارج سبب للثقل) أى: ولا شك أن حروف مستشزرات متقاربة المخارج فلذا كانت ثقيلة (قوله: وأن فى قوله تعالى إلخ) بالكسر عطفا على أن قرب المخارج فهو من جملة مقول القول (قوله: ثقلا) أى: لما فيها من قرب المخارج. (وقوله: قريبا من المتناهى) أى: من الثقل المتناهى. أى: وأما المتناهى فنحو الهعخع- بكسر الهاء وسكون العين المهملة وكسر الخاء المعجمة وفتحها، فى قول أعرأبى سئل عن ناقته" تركتها ترعى الهعخع أى: نبتا أسود، وإنما كان أعهد ثقله قريبا من المتناهى، وثقل الهعخع متناهيا؛ لأن الأول جمع فيه بين ما يخرج من أقصى الحلق وهو الهمزة والهاء، وما يخرج من وسطه وهو العين والثانى جمع فيه بين ما يخرج من أقصى الحلق وهو الهاء، وما يخرج من وسطه وهو العين، وما يخرج من أدناه وهو الخاء، ثم إن هذا الذى قاله الزوزنى لا يخالف ما قلناه سابقا من أن التنافر لا يخل بالفصاحة إلا إذا كان شديدا، بحيث تصير الكلمة على اللسان كالحمل، وأما أصل التنافر فلا يخل، وذلك لأن كلام الزوزنى يقتضى أنه لا بد أن يكون التنافر متناهيا أو قريبا منه كما فى أَلَمْ أَعْهَدْ فيعلم منه أنه لا بد أن يكون شديدا بحيث تصير الكلمة كالحمل على اللسان، وأما أصل التنافر فلا يخل بالفصاحة وهذا هو عين ما قلناه (قوله: لكن الكلام إلخ) هذا جواب منه عما يقال: يلزم على هذا أعنى: كون: (ألم أعهد) غير فصيحة أن سورة من القرآن وهى سورة يس غير فصيحة، وهذا باطل، وقوله الكلام الطويل أى كالسورة والقرآن (قوله: لا يخرج عن الفصاحة) أى: بل هو متصف بها.

стр. 153

كما لا يخرج الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير عربية عن أن يكون عربيا؛ وفيه نظر؛ لأن فصاحة الكلمات مأخوذة فى تعريف فصاحة الكلام من غير تفرقة بين طويل وقصير، على أن هذا القائل فسر الكلام بما ليس بكلمة ... === (قوله: كما لا يخرج الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير عربية عن أن يكون عربيّا) وذلك كالقرآن فإنه عربي. قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا (١) وقد اشتمل على كلمات غير عربية كالقسطاس فإنها كلمة رومية: اسم للميزان، وكالسجل فإنه كلمة فارسية: اسم للصحيفة، وكالمشكاة فإنها كلمة هندية: اسم للطاقة التى لا تنفذ كسنبلة القنديل، ومع اشتماله على تلك الكلمات الغير عربية لم يخرج عن كونه عربيّا كما تشهد له الآية (قوله: وفيه نظر) أى: فى ذلك القيل نظر من حيث ما اشتمل عليه من الدعوة المشار إليها بقوله: لكن الكلام الطويل إلخ، والقياس المشار إليه بقوله كما لا يخرج إلخ، وحاصل ما ذكره من رد الدعوة التى أجاب بها عن السؤال المقدر أن ما ادعيته من أن الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير فصيحة لا يخرج عن كونه فصيحا لا يسلم، بل هو خارج عن كونه فصيحا؛ لأن فصاحة الكلمات مأخوذة فى تعريف فصاحة الكلام من غير تفرقة بين طويل وقصير، فيلزم من انتفاء الأولى انتفاء الثانية، وحينئذ فقد بطلت الدعوة القائلة، لكن الكلام الطويل إلخ. (قوله: على أن هذا القائل) أى: بأن الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير فصيحة لا يخرج عن الفصاحة وهو الزوزني: قد فسر الكلام. أى: فى قول المصنف سابقا يوصف بها المفرد، والكلام بما ليس بكلمة. أى: وحينئذ فالقول بوجود كلمة غير فصيحة فى كلام فصيح على تفسيره أكثر فسادا من ذلك القول على تفسير الشارح، فالفساد لازم له فى شيئين المركب التام والمركب الناقص إذا اشتمل كل منهما على كلمة غير فصيحة؛ لأن فصاحة الكلمات شرط فى فصاحة الكلام اتفاقا، وهو قد أدخل المركب الناقص فى الكلام بخلاف القول المذكور على تفسير الشارح: الكلام بالمركب التام، فإن الفساد إنما يوجد فى المركب التام المشتمل على كلمة غير فصيحة، وأما المركب

стр. 154

والقياس على الكلام العربى ظاهر الفساد. ولو سلم عدم خروج السورة عن الفصاحة فمجرد اشتمال القرآن على كلام غير فصيح، ... === الناقص فلا يوجد فيه هذا الفساد؛ لأنه لم يشترط فى فصاحته فصاحة كلماته، فإذا اشتمل على كلمة غير فصيحة صح أن يقال عليه إنه فصيح، فقد وجد على هذا التفسير كلام فى الجملة فصيح بدون فصاحة الكلمات بخلافه على الأول، فإنه لا يوجد ذلك أصلا (قوله: والقياس على الكلام إلخ) حاصله أن هذا القائل قاس وقوع كلمة غير فصيحة فى كلام فصيح على وقوع كلمة غير عربية فى القرآن العربى لقوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وردّ عليه بأن هذا القياس فاسد؛ لأن القرآن لم يشتمل على كلمات غير عربية والكلمات القرآنية التى قيل فيها إنها رومية أو فارسية أو هندية توافقت فيها اللغات كالصابون والتنور، ولو سلم أنها غير عربية، فلا نسلم أن القرآن كله عربى والضمير فى قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ عائد على القرآن بمعنى السورة، وإطلاق القرآن على البعض شائع، كقول الفقهاء: " يحرّم على الجنب قراءة القرآن". سلمنا أن الضمير راجع للقرآن بتمامه، فلا نسلم أنه عربى باعتبار غالب الأجزاء كما زعم هذا القائل، بل عربيته باعتبار الأسلوب والتركيب من تقديم المضاف على المضاف إليه، وتقديم الموصوف على الصفة، سلمنا أن عربيته باعتبار غالب الأجزاء كما قال هذا القائل، فلا نسلم صحة القياس؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه اشترط فى فصاحة الكلام فصاحة الكلمات، ولم يشترط فى عربية الكلام عربية الكلمات، بل يكفى فى نسبة المجموع إلى العرب كون أكثره على لغتهم (قوله: ولو سلم إلخ) هذا تسليم للدعوى أى: سلمنا ما ادعيته من أن السورة لا تخرج عن الفصاحة مع اشتمالها على كلمة غير فصيحة، لكن يلزمك شىء آخر وهو وقوع شىء غير فصيح فى القرآن، وهو باطل إذ اشتمال القرآن على شىء غير فصيح مما يقود إلى نسبة الجهل أو العجز إلى الله، لكن نسبتهما إلى الله باطلة، فبطل اشتماله على ما ذكر، فبطل ما قاله ذلك القائل من قوله لكن اشتمال إلخ. (قوله: فمجرد اشتمال القرآن على كلام غير فصيح) أى: وإن لم يخرجه ذلك الاشتمال عن الفصاحة على هذا التقدير،

стр. 155

بل على كلمة غير فصيحة مما يقود إلى نسبة الجهل أو العجز إلى الله تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. [والغرابه] (والغرابة) كون الكلمة وحشية ... === وقد يقال: إن الخصم لا يقول إن القرآن مشتمل على كلام غير فصيح، وقد يجاب بأن مراده بالكلام الكلمات، أو مجرد اللفظ على ما عليه أهل اللغة، وقوله بعد ذلك: بل على كلمة هذا ترق من العام إلى الخاص لا يقال، الخصم لم يقل أيضا باشتماله على كلمات متعددة؛ لأنا نقول تجويزه اشتمال الكلام الطويل على كلمة فصيحة يستلزم تجويز اشتمال القرآن على كلمات عديدة فى مواضع مختلفة، فكم كلام طويل فى القرآن. واعلم أن القرآن إنما يكون مجردا عن الكلام الغير الفصيح إذا لم يعتبر الضمير فى أعهد، وأما على اعتباره فيكون قد وقع فيه كلام غير فصيح على قول هذا القائل، ويكون قول الشارح: فمجرد اشتمال القرآن على كلام غير فصيح إلخ ظاهرا لا غبار عليه (قوله: مما يقود) أى: يجر إلى نسبة الجهل بأن المذكور غير فصيح، أو بأن الأولى إيراد الفصيح، أو إلى نسبة العجز عن إيراد الفصيح بدل هذا اللفظ غير الفصيح، وبيان ذلك أن اشتمال القرآن على غير الفصيح: إما لعدم علمه تعالى بأنه غير فصيح، أو لعدم علمه بأن الفصيح أولى من غير الفصيح، فيلزم الجهل. وإما لعدم قدرته على إبدال غير الفصيح بالفصيح، فيلزم العجز. فإن قلت: يمكن أنه أورد غير الفصيح مع علمه بذلك وقدرته على الإتيان بالفصيح بدله، وإنما أورد غير الفصيح لكونه أوضح دلالة على المعنى المراد من الفصيح، أو لحكمة لا تصل إليها عقولنا وحينئذ فلا محذور فى اشتمال القرآن على غير فصيح، قلت: المقصود من القرآن إنما هو الإعجاز بكمال بلاغته وفصاحته، لأجل تصديق النبى ﷺ ، ووجود كلمة غير فصيحة فيه موجب لعدم فصاحة ما اشتمل عليه من المقدار المعجز بالاتفاق، وعدم فصاحة ذلك القدر موجب لعدم بلاغته، فلا يكون معجزا، ومخالفة ذلك المقصود لأمر عارض تعد سفها وخروجا عن الحكمة، وهو لا يليق بحال الحكيم، وحينئذ فيكون الإتيان

стр. 156

غير ظاهرة المعنى، ولا مأنوسة الاستعمال ... === بغير الفصيح مع العلم به والقدرة على تبديله مستلزما للجهل بأنه سفه إذ الحكيم إنما يضع الأشياء فى محلها، فظهر لك من هذا أن الإتيان بالسفه نتيجة للجهل بأنه سفه فتكون نسبة السفه داخلة تحت نسبة الجهل، فاندفع ما يقال إن الاحتمالات ثلاثة، فكان الأولى للشارح أن يقول مما يقود إلى نسبة الجهل، أو السفه، أو العجز إلى الله هذا وإنما عبر بيقود دون يسوق؛ لأنه أبلغ فى التشنيع على ذلك القائل؛ لأن القود هو الأخذ من أمام والسوق من خلف، فإذا حصل المحذور من أمام الذى هو أقوى فى إدراك الشيء عادة كان أبلغ فى التشنيع- فتأمل. (قوله: غير ظاهرة المعنى) أى: الموضوع له فلا يرد المتشابه والمجمل فإنهما فى القرآن، فيلزم أن فيه الغريب؛ لأنهما غير ظاهرى الدلالة على المراد لله، وأما بالنسبة لمعانيها الموضوعة لها فهى ظاهرة المعنى لسهولة انتقال الذهن منها إليها ثم، إن قوله: غير ظاهرة المعنى تفسير لكونها وحشية، والمراد بعدم ظهور معناها: ألا ينتقل الذهن منها لمعناها الموضوعة له بسهولة (قوله: ولا مأنوسة الاستعمال) أى: ولا مألوفة الاستعمال فى عرف الأعراب الخلص؛ وذلك لأن العبرة بعدم ظهور المعنى وعدم مأنوسية الاستعمال بالنسبة للعرب العرباء سكان البادية، لا بالنسبة للمولدين والإخراج كثير من قصائد العرب، بل جلها عن الفصاحة، فإنها الآن لغلبة الجهل باللغة على أكثر علماء هذه الأزمان فضلا عمن عداهم لا يعرفون مفرداتها فضلا عن مركباتها، وقوله: ولا مأنوسة الاستعمال عطف سبب على مسبب، ولفظة غير فى قوله: غير ظاهرة المعنى مستعملة فى النفى بمعنى لا بقرينة عطف ولا مأنوسة الاستعمال عليه، لا أنها مستعملة فى معناها الأصلى وهو كونها اسما بمعنى مغاير وإنما أعاد النفى المستفاد من غير كقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (١) تنبيها على أن النفى يتعلق بكل من المعطوفين لا بالمجموع من حيث هو، ثم اعلم أن الغريب قسمان: أحدهما ما نتوقف معرفة معناه على البحث والتفتيش فى كتب

стр. 157

(نحو: ) مسرج فى قول العجاج (١): ومقلة وحاجبا مزججا؛ ... === اللغة المبسوطة لعدم تداوله فى لغة خلص العرب: كتكأكأتم وافرنقعوا، فإن مثل هذه لعدم تداولها فى لغة العرب الخلص لا يذكرها من اللغويين فى كتابه إلا من قل ومنه ما لا يرجع فى معرفة معناه إلى كتب اللغة لكونه غير مستعمل عند العرب، فيحتاج إلى أن يخرج على وجه بعيد، وذلك كمسرج كما سيأتى بيانه. والمصنف إنما مثل للثاني، وقول الشارح غير ظاهرة إلخ: صادق بالقسمين، ثم اعلم أن القسم الأول من الغريب: يكون فى الجوامد والمصادر والمشتقات باعتبار مبادئها أى: أصلها المشتقة منه كالتكأكؤ، والقسم الثاني: يكون فى المشتقات باعتبار هيئاتها ووجه انحصار الغريب فى القسمين أن اللفظ بجوهره وهيئته يدل على المعنى، فعدم ظهور دلالته إما باعتبار جوهره فيحتاج إلى التنقير والتفتيش، وإما باعتبار هيئته فيحتاج إلى التخريج (قوله: نحو مسرج) أى: نحو غرابة مسرج (قوله: فى قول العجاج) هو رؤبة عبد الله البصرى أبو محمد بن العجاج التميمى السعدى، هو وأبوه راجزان مشهوران، لكل واحد منهما ديوان رجز ليس فيه سوى الأراجيز، سمع عن أبيه العجاج، وأبوه سمع أبا هريرة- رضى الله عنه، وهذا البيت من قصيدة طويلة مطلعها: ما هاج أشجانا وشجوا قد شجا ... من طلل كالأتحمىّ أنهجا أمسى لها فى الرامسات مدرجا ... واتخذته النائحات منأجا منازل هيّجن من تهيّجا ... من آل ليلى قد عفون حججا والسّخط قطّاع رجاء من رجا ... أزمان أبدت واضحا مفلّجا أغرّ برّاقا وطرفا أبرجا ... ومقلة وحاجبا مزجّجا

стр. 158

أى: مدققا مطولا (وفاحما) أى شعرا أسود كالفحم (ومرسنا) أنفا (مسرجا؛ أى: كالسيف السريجى فى الدقة والاستواء) ... === وفاحما إلخ أزمان: اسم امرأة، وأبدت: أظهرت، وواضحا أى: سنا واضحا، والفلج: تباعد ما بين الأسنان، والأغر: الأبيض، والعرب تتمدح ببياض السن، والهنود يتمدحون بسواده، والبريق: اللمعان، والطرف: العين والأبرج بين البرج بالتحريك: وهو عظم العين وحسنها من باطن. أى: وطرفا عظيما حسنا، والمقلة: بياض العين مع سوادها، وقد تستعمل فى الحدقة، وقوله: ومقلة عطف على واضحا فى البيت السابق (قوله: مدققا مطولا) إشارة إلى تفسير مزججا، وهذا التفسير موافق لما فى الصحاح، والذى فى الأساس: أن الزجج التدقيق مع الاستقواس، وربما يؤيد ذلك قول حسان- رضى الله عنه- فى مدح الرسول ﷺ : بعينين دعجاوين من تحت حاجب ... أزجّ كمشق النّون من خطّ كاتب فإن التشبيه بالنون الممشوقة إنما يحسن باعتبار الاستقواس، وأنت خبير بأن هذا التأييد إنما يتم إذا جعل قوله: كمشق النون صفة كاشفة لا مقيدة لأزج ولا صفة للحاجب (قوله: أى شعرا أسود كالفحم) أى: ففاحما للنسبة كلابن وتامر، والنسبة فيه تشبيهية من نسبة المشبه للمشبه به وهو وجه بعيد، فيكون فيه غرابة. واعلم أن النسبة قسمان: تارة تكون تشبيهية، وتارة لا؛ فإذا قيل: زيد سلطاني. أى: منسوب للسلطان من حيث إنه من جنده فهذه غير تشبيهية، وإن أردت بقولك: زيد سلطانى أنه منسوب للسلطان بمعنى: أنه يشبهه كانت النسبة تشبيهية، وهو وجه بعيد (قوله: أى أنفا) هو مجاز مرسل؛ لأن المرسن اسم لمحل الرسن، وهو أنف البعير، فأطلق عن قيده وأريد به الأنف. (قوله: أى كالسيف السريجى أو كالسراج) التفسير الأول لابن دريد والثانى لابن سيده وهذا بيان لحاصل المعنى، وحاصل ما قيل فى بيان وجه الغرابة فى هذه الكلمة أعنى مسرج أنه اسم مفعول مشتق، وكل مشتق لا بد له من أصل يرجع إليه باشتقاقه منه، ففتش فى كتب اللغة فلم يوجد فيها تسريج، وإنما وجد من هذه المادة

стр. 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === سريجى وسراج، وحمل هذه الكلمة على الخطأ لا يصح، لوقوعها من عربى عارف باللغة، فاحتيج إلى تخريج هذه الكلمة على وجه تسلم به من الخطأ، وإن كان بعيدا، فاختلفوا فى تخريجها، وحاصل ما أشار إليه المصنف أن فعل فى كلام الشاعر للنسبة مثل كرمته نسبته للكرم، وفسقته نسبته للفسق، إلا أن فعل تأتى لنسبة الشيء لأصله، ولما لم يوجد التسريج الذى حق النسبة أن تكون إليه جعلنا مسرجا منسوبا للسراج، أو للسريجى نسبة تشبيهية فالمعنى حينئذ ومرسنا منسوبا للسراج من حيث إنه شبيه به فى البريق واللمعان، أو منسوبا للسريجى من حيث إنه شبيه به فى الدقة والاستواء، فاسم المفعول فى الأصل: معناه ذات وقع عليها الفعل، وكونه بمعنى ذات شبيهة بذات أخرى كما هنا مخالف لقاعدتهم- هذا وجه التخريج، ووجه البعد: أن مجرد النسبة لا يدل على التشبيه، فجعلها للتشبيه بعيد. كذا قرره شيخنا العدوى. وقال بعضهم يمكن أن تخرج هذه الكلمة على وجه موافق للقياس، حاصله أن فعل يجىء بمعنى صيرورة فاعله كأصله نحو: قوس الرجل أى: صار كالقوس، وحينئذ فمسرج معناه: الصائر كالسراج أو كالسيف السريجى، وفيه نظر؛ لأن سرج بهذا المعنى لازم لا يصاغ منه اسم المفعول، فلا يظهر ذلك إلا إذا كان مسرج: بكسر الراء اسم فاعل، مع أن الرواية فتحها اسم مفعول، وقد يجاب بأن مسرجا ليس اسم مفعول، بل مصدر ميمى بمعنى: اسم الفاعل أى: المسرج بكسر الراء. أى: الصائر كالسراج أو السريجى، وفى هذا الجواب نظر؛ لأن مجىء المصدر على صيغة اسم المفعول فرع صحة بناء اسم المفعول، والفعل هنا لا يصاغ منه اسم المفعول، فلا يصاغ منه مصدر على صيغته، وخرجه بعضهم على أن فعل بمعنى صيرورة فاعله أصله، أو بمعنى صيرورة فاعله ذات أصله. فالأول نحو: عجزت المرأة- صارت عجوزا، والثانى نحو: ورق الشجر أى: صار ذات ورق، فمسرج على الأول بمعنى: صار إسراجا أو سريجيا على معنى التشبيه، أى: مثل أحدهما، وعلى الثانى الصائر ذا سراج.

стр. 160

وسريج: اسم قين تنسب إليه السيوف (أو كالسراج فى البريق) واللمعان. فإن قلت: لم لم يجعلوه اسم مفعول من سرج الله وجهه؛ أى: بهجه، وحسنه- قلت: هو أيضا من هذا القبيل، ... === ويرد على هذا المجيب بأن سرج بهذا المعنى لازم لا يتأتى منه اسم المفعول، فلا يتم هذا الجواب إلا لو كانت الرواية مسرجا بكسر الراء مع أنها بالفتح (قوله: وسريج) أى: الذى نسب إليه السيف السريجى، (وقوله: اسم قين). أى: حداد تنسب إليه السيوف. أى: السريجية، وهذا مقابل لما يأتى فى كلام المرزوقى (قوله: فإن قلت إلخ) حاصله أنا نجعل مسرجا: اسم مفعول من- سرج الله وجهه- أى: نوره. فمعنى مسرجا: منورا، وحينئذ فليس فيه نسبة تشبيهية، فيكون مسرجا خاليا عن الغرابة فيكون فصيحا. (قوله: وحسنه) عطف تفسير (قوله: قلت هو) أى: سرج بمعنى حسن من هذا القبيل. أى: غريب لكونه لم يوجد فى الكتب المشهورة، فهو من الغريب الذى يحتاج للتفتيش عليه، وإذا كان سرج غريبا فليكن مسرجا غريبا، والحاصل أن مسرجا إذا جعل اسم مفعول من سرج الله وجهه بمعنى: حسنه، وإن لم يكن غريبا بالمعنى المتقدم، وهو ما يحتاج لتخريج بعيد، إلا أنه غريب بالمعنى الثاني، وهو ما يحتاج إلى تفتيش عليه فى كتب اللغة المبسوطة لعدم وجوده فى الكتب المشهورة. واعترض بأن سرج الله وجهه بهذا المعنى ورد فى الديوان والتاج وغيرهما من كتب اللغة، فيكون مشهورا، فلا يكون غريبا، وأجيب بأن اشتهاره فى كتب اللغة من المتأخرين بعد الحكم من قدماء أهل المعانى بغرابة مسرج، وحينئذ فذلك الاشتهار لا يخرج مسرجا عن الغرابة بالنسبة للمتقدمين لاحتياجهم إلى التفتيش عليه فى الكتب المبسوطة، لعدم عثورهم واطلاعهم عليه فى غير المبسوطة، والحاصل أن قدماء أهل المعانى الجاعلين مسرجا غريبا لم يعثروا ولم يطلعوا على استعمال سرج بمعنى: حسن، وإن كان متحققا فى كلام العرب العرباء، فالحكم بالغرابة إنما هو لعدم وجدانه فى الاستعمال، إذن لا طريق للحكم بعدم وجوده إلا عدم وجدانه، فيكون غريبا عند من لم

стр. 161

أو مأخوذ من السراج على ما صرح به الإمام المرزوقى؛ حيث قال: السريجى منسوب إلى السراج، ... === يجد، وإن لم يكن غريبا عند الواجد (قوله: أو مأخوذ من السراج) أى: أو هو مأخوذ من السراج، فهو عطف على قوله من هذا القبيل. أى: إنه يحتمل أن يكون سرج مولدا ومستحدثا من السراج. أى: إنه لفظ أحدثه المولدون، وأخذوه من السراج واستعملوه. بمعنى: حسن، ولم يكن ذلك اللفظ واقعا فى لغة العرب أصلا، وحينئذ فلا يمكن جعل مسرجا فى كلام العجاج الذى هو من شعراء العرب: اسم مفعول مأخوذا منه لاستحالة أخذ السابق من اللاحق، فظهر لك مما قلناه أنهما جوابان، وحاصل الأول أن سرج لفظ متأصل، لكنه يحتاج للتفتيش عليه فى الكتب المبسوطة، وحينئذ فهو غريب، وحاصل الثانى أنه لفظ مستحدث مأخوذ من السراج، وحينئذ فلا يتصف بالغرابة، إلا أنه لا يصح أخذ مسرجا فى البيت منه فبطل السؤال (قوله: أو مأخوذ من السراج) أى: لا على وجه النسبة التشبيهية حتى يكون معنى- سرج الله وجهه- نسبه للسراج بالمشابهة؛ لأن- سرج الله وجهه- لا يقصد به هذا المعنى؛ لأن الصادر منه تعالى ليس النسبة بل إيجاد وجهه على تلك الصفة، بل على معنى أن- سرج الله وجهه- جعله ذا سراج بالمشابهة أ. هـ. سم. وبهذا علم الفرق بين هذا الوجه والذى أشار له المصنف بقوله أو كالسراج إلخ: فإن المعنى فيه على النسبة بخلاف هذا (قوله: على ما صرح به إلخ) راجع لقوله: مأخوذ من السراج، والشاهد من نقل كلام المرزوقى فى قوله ومنه ما قيل إلخ. أى: ومن السراج ما قيل إلخ، فإن هذا يدل على أن سرج بمعنى: حسن مأخوذ من السراج، لكن لا دلالة على كون هذا الأخذ على وجه التوليد والاستحداث؛ فعلل الشارح فهمه من قول المرزوقى ما قيل أو من غيره (قوله: السريجى) أى: السيف السريجى منسوب إلى السراج فى نسخة منسوب إلى سريج، وعليها يكون (قوله: ويجوز إلخ) بيانا لوجه آخر فى النسبة، والوجه الأول موافق لقول الشارح سابقا، وسريج: أى الذى ينسب إليه السيف السريجى: اسم قين، وفى نسخة السريجى: منسوب إلى السراج، وعلى تلك النسخة يكون قوله ويجوز إلخ: بيانا لوجه النسبة، لكن كان الأولى

стр. 162

ويجوز أن يكون وصفه بذلك لكثرة مائه ورونقه حتى كأن فيه سراجا؛ ومنه ما قيل: سرج الله أمرك؛ أى: حسنه، ونوره. [والمخالفة] (والمخالفة) أن تكون الكلمة على خلاف قانون مفردات الألفاظ الموضوعة؛ أعنى: على خلاف ما ثبت عن الواضع (نحو: ) الأجلل بفك الإدغام فى ... === على هذه النسخة حذف قوله ويجوز، إذ لا حاجة له. فكان الأولى أن يقول: منسوب للسراج، ووصفه بذلك أى: ونسبه لذلك. أى: السراج إلخ، ثم إنه على هذه النسخة الأخيرة نسبة السريجى للسراج غير قياسية، إذ حق النسبة للسراج أن يقال سراجى (قوله: ويجوز أن يكون وصفه) أى: السريجى بمعنى الذات وقوله: بذلك أى بلفظ سريجى هذا على نسخة السريجى منسوب إلى سريج (قوله: لكثرة مائه) أى: صفائه. (قوله: على خلاف قانون) أى: خلاف الضابط المستنبط من تتبع المفردات الموضوعة، ولما كان هذا الكلام يقتضى أن مخالفة الكلمة للقانون التصريفى يخل بفصاحتها، ولو كانت موافقة لما ثبت عن الواضع، مع أنها إذا وافقت ما ثبت عن الواضع كانت فصيحة ولو خالف القانون المذكور، بيّن الشارح المراد من مخالفة القياس بقوله: أعنى على خلاف إلخ، فعلى هذا المراد بالقانون هنا: ما ثبت عن الواضع، سواء اقتضاه القانون التصريفى أو لا. لا خصوص القانون التصريفى، فالحاصل أن الموافقة للقياس أن تكون الكلمة على وفق ما ثبت عن الواضع، سواء كانت مواقعة للقانون التصريفى المستنبط من تتبع لغة العرب، كتمام بالإعلال، ومد بالادغام، أو مخالفة ما، ولكن ثبتت من الواضع كذلك كماء، فإن الهاء لا تقلب همزة فى القانون التصريفى، ولكن ثبتت عن الواضع كذلك، فصارت فى تقرر حكمها عن الواضع بالاستعمال الكثير، كالاستثناء من القانون المذكور، والمخالفة للقياس مخالفة ما ثبت عن الواضع، ولا يلزم منه مخالفة القانون التصريفي. ألا ترى أن أبى يأبى بكسر الباء مخالف لما ثبت عن الواضع، وموافق للقانون التصريفى كما يأتى بيانه (قوله: نحو الأجلل) أى: نحو مخالفة الأجلل، واعترض وصف الأجلل بعدم الفصاحة بأنه ليس كلمة، إذ هو غير موضوع، والموضوع الأجل بالإدغام،

стр. 163

قوله (١): (الحمد لله العلى الأجلل) والقياس: الأجل ... === وأجيب بأن تصريحهم بأن: أصل الأجل الأجلل، يقتضى أنه موضوع غاية الأمر أنه انتسخ استعماله، فيكون وضعا غير مستقر. (قوله: الحمد لله العلى الأجلل) قائله الفضل بن قدامة بن عبيد الله العجلى المكنى بأبى النجم (٢)، وقبل هذا الشطر: أنت مليك الناس ربّا فاقبل ... الحمد لله ... إلخ وبعده: الواهب الفضل الوهوب المجزل ... أعطى فلم يبخل ولم يبخّل وربا: منادى مضاف لياء المتكلم المنقلبة ألفا، حذف منه حرف النداء، والأصل يا ربى على حد يا حسرتا، وجملة الحمد لله مفعول اقبل من القبول فهو بفتح الباء، كذا فى الأطول، وفى كلام غيره أن ربّا منون حال من الضمير فى مليك (قوله: والقياس الأجل) أورد عليه أن عدم الإدغام لم لا يجوز أن يكون لضرورة الشعر، وحينئذ فلا تكون مخالفة القياس مخرجة له عن الفصاحة. قلت: إن غاية ما اقتضته الضرورة الشعرية الجواز، والجواز لا ينافى انتفاء الفصاحة؛ لأن انتفاء الفصاحة لازم لكون الكلمة غير كثيرة الدور على ألسنة العرب العرباء، لا لعدم جواز ما ارتكبه الشاعر، ألا ترى أن الجرشى جائز قطعا إلا أنه مخل بالفصاحة، فكذلك الأجلل جائز فى الشعر كما ذكره سيبويه، إلا أن العرب الخلص يتحاشون من استعماله كما يتحاشون

стр. 164

فنحو: آل، وماء، وأبى يأبى، وعور يعور فصيح؛ لأنه ثبت عن الواضع كذلك [من الكراهة فى السمع] (قيل) فصاحة المفرد خلوصه مما ذكر (ومن الكراهة فى السمع) بأن تكون اللفظة بحيث يمجها السمع ويتبرأ من سماعها (نحو: ) الجرشى فى قول أبى الطيب: ... === من استعمال تكأكأتم وافرنقعوا (قوله: فنحو آل) هذا تفريع على قوله: أعنى على خلاف ما ثبت عن الواضع؛ وذلك لأن أصل آل أهل وأصل ماء موه أبدلت الهاء فيهما همزة، وإبدال الهمزة من الهاء، وإن كان على خلاف القياس إلا أنه ثبت عن الواضع (قوله: وأبى يأبى) أى: بفتح الباء فى المضارع والقياس كسرها فيه؛ لأن فعل بفتح العين لا يأتى مضارعه على يفعل بالفتح إلا إذا كانت عين ماضيه أو لامه حرف حلق، كسأل ونفع، فمجىء المضارع بالفتح على خلاف القياس إلا أن الفتح ثبت عن الواضع (قوله: وعور يعور) أى: فالقياس فيهما عار يعار بقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، كزال يزال؛ فتصحيح الواو خلاف القياس إلا أنه ثبت عن الواضع، فقول الشارح: لأنه ثبت عن الواضع، كذلك راجع للجميع. أى: وإن كان مخالفا للقياس (قوله: قيل إلخ) قائله بعض معاصرى المصنف مدعيا وجوب زيادة قيد على التعريف الذى استخرجه المصنف من اعتباراتهم وإطلاقاتهم (قوله: فى السمع) المراد به هنا القوة السامعة لا المعنى المصدرى. (قوله: بأن تكون اللفظة بحيث) أى: ملتبسة بحالة هى مجّ السمع لها (قوله: ويتبرأ من سماعها) عطف تفسير على ما قبله (قوله: فى قول أبى الطيب) أى: فى مدح الأمير على سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب لما أرسل له كتابا يطلبه من الكوفة بأمان وسأله المسير إليه، فأجابه بهذه القصيدة التى منها البيت المذكور، وهى من المتقارب وعروضها وضربها محذوفان ومطلعها (١): فهمت الكتاب أبرّ الكتب ... فسمعا لأمر أمير العرب وطوعا له وابتهاجا به ... وإن قصّر الفعل عمّا وجب

стр. 165

مبارك الاسم أغر اللقب (كريم الجرشّى) أى: النفس (شريف النسب) ... === وما عاقنى غير خوف الوشاة ... وإنّ الوشاة طريق الكذب وتكثير قوم وتقليلهم ... وتقريبهم بيننا والخبب وقد كان ينصرهم سمعه ... وينصرنى سمعه والحسب وما قلت للبدر أنت اللّجين ... ولا قلت للشمس أنت الذهب فيقلق منه البعيد الأنى ... ويغضب منه البطىء الغضب وما لاقنى بعدكم بلدة ... ولا اعتضت من ربّ نعماء رب ومن ركب الثّور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه والغبب وإن قست كلّ ملوك البلاد ... فدع ذكر بعض بمن فى حلب ولو كنت سمّيتهم باسمه ... لكان الحديد وكانوا الخشب أفى الرأى يشبه أم فى السخا ... ء أم فى الشجاعة أم فى الأدب مبارك الاسم أغرّ اللقب ... كريم الجرشّى شريف النّسب إذا حاز مالا فقد حازه ... فتى لا يسرّ بما لا يهب وأبو الطيب المذكور اسمه: أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفى الكندى الكوفى المتنبى (١)، وإنما قيل له المتنبى؛ لأنه ادعى النبوة فى بادية سماوة، وتبعه خلق كثير من بنى كلب وغيرهم، فخرج إليهم لؤلؤ أمير حمير، نائب كافور الإخشيدى، فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلا، ثم استتابه وأطلقه (قوله: مبارك الاسم) أى: إن اسم هذا الممدوح وهو على مبارك، لموافقته لاسم أمير المؤمنين: سيدنا على بن أبى طالب، ولإشعاره بالعلو، ولا بعد أن نجعل البركة لموافقته اسم الله تعالى، وقوله أغر اللقب. أى: مشهوره، لاشتهاره بسيف الدولة؛ فإن قلت الاسم أيضا أغر

стр. 166

والأغر من الخيل: الأبيض الجبهة، ثم استعير لكل واضح معروف (وفيه نظر) ... === قلت: لو سلم، فاللقب أكثر شهرة؛ لأن الملوك يشار إليها بألقابها دون أسمائها تعظيما لها وإجلالا، وقوله شريف النسب: لأنه من بنى العباس (قوله: والأغر من الخيل: الأبيض الجبهة) اعلم أن الأغر: يطلق لغة على معنيين على الأبيض مطلقا من غير تقييد بالجبهة ولا بكونه من الخيل، وعلى أبيض الجبهة من الخيل، وهذا هو المشهور، وإذا علمت هذا، فقول الشارح الأغر من الخيل إلخ، يقتضى أن الأغر لا يختص بالخيل؛ لأن الجار والمجرور حال من الأغر، أو صفة له؛ فيكون الشارح جاريا على خلاف المشهور، لما علمت أن المشهور أن الأغر حقيقة لا يكون إلا من الخيل، وقد يجاب بأن قوله: من الخيل: حال من ضمير الأبيض، لا من الأغر ومن تبعيضية، وجعلها بيانية لا يصح لأمرين: الأول: أن البيانية يكون ما بعدها مساويا لما قبلها كما فى قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ (١) وما بعدها هنا أعم مما قبلها. أعنى: أبيض الجبهة، إذ الخيل منها ما هو أبيض الجبهة، ومنها ما ليس كذلك. الثاني: أن البيان لا يتقدم إلا لضرورة شعر أو رعاية سجع كما تقدم فى قول المتن، وعلم من البيان ما لم نعلم (قوله: استعير) يعني: نقل على طريق الاستعارة، أو على طريق المجاز المرسل لعلاقة الإطلاق؛ لأنه نقل من واضح مقيد بكونه أبيض الجبهة إلى مطلق واضح، واللقب فرد من أفراد ذلك المطلق (قوله: وفيه نظر) أى: فى اشتراط الخلوص من الكراهة فى السمع فى الفصاحة نظر، وحاصل ما فى المقام أن شارحنا بين وجه النظر فى كلام المصنف بشىء، وغيره بينه بشىء، وحاصل ما قاله شارحنا أن الكراهة فى السمع لا سبب لها إلا الغرابة، وقد اشترطنا الخلوص من الغرابة، فاشتراط ذلك يغنى عن اشتراط الخلوص من الكراهة؛ لأنه إذا انتفى السبب المساوى انتفى المسبب، وحاصل ما وجه به غيره النظر أن الكراهة فى السمع وعدمها ليست إلا من

стр. 167

لأن الكراهية فى السمع إنما هى من جهة الغرابة المفسرة بالوحشية؛ مثل: تكأكأتم، وافرنقعوا، ونحو ذلك، ... === قبح الصوت وعدم قبحه لا من ذات اللفظ، وحينئذ فلو احترز عنها لخرج كثير من الكلمات المتفق على فصاحتها، بسبب نطق قبيح الصوت بها. ورد شارحنا هذا التوجيه بما حاصله أنا لا نسلم أن الكراهة فى السمع وعدمها إنما يرجعان لقبح الصوت وحسنه لا لنفس اللفظ، إذ لو كان كذلك لزم أن يكون الجرشى غير مكروه فى السمع إلا إذا سمع من قبيح الصوت، وليس كذلك للقطع بكراهته دون مرادفه وإن نطق به حسن الصوت، وحينئذ فحصر الكراهة فى السمع على قبح النغم باطل. فتعين ما قاله الشارح من أن الكراهة إنما هى من جهة الغرابة. (قوله: لأن الكراهة فى السمع إنما هى من جهة الغرابة) أى: لأن الغرابة سبب فيها فالخلوص من الغرابة يستلزم الخلوص من الكراهة، فإن قلت الخلوص من الغرابة كما يستلزم الخلوص من الكراهة فى السمع يستلزم الخلوص من التنافر، ومخالفة القياس فلا حاجة إلى ذكرهما أيضا. قلت: الاستلزام ممنوع؛ لأن مستشرزا وأجلل ليسا بغريبين لعدم احتياجهما إلى التنقير والتخريج على وجه بعيد مع تنافرهما، على أن هذا الاعتراض غير متوجه؛ لأن الأصل ذكر جميع أسباب الإخلال صريحا، ولو كان بعضها مستلزما لبعض، وترك التصريح ببعضها يحتاج إلى توجيه. (قوله المفسرة بالوحشية) أى: بكون الكلمة وحشية (قوله: مثل تكأكأتم) هو وما بعده من كلام عيسى بن عمر النحوى حين سقط من على حمار، فاجتمع الناس عليه، فقال لهم: ما لكم تكأكأتم على تكأكؤكم على ذى جنة افرنقعوا، كما قال الجوهرى، وقال الزمخشرى فى الفائق: إنه من كلام أبى علقمة حين مر ببعض طرق البصرة، وهاجت به مرة، فأقبل الناس عليه يعصرون إبهامه، ويؤذنون فى أذنه، فأفلت نفسه منهم، وقال ذلك. فقال بعضهم: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية. ومعنى تكأكأتم: اجتمعتم. ومعنى افرنقعوا: تنحوا (قوله: ونحو ذلك) أى: مثل قولهم: اطلخم الليل بمعنى أظلم، ولا حاجة له لإغناء مثل عنه

стр. 168

وقيل: لأن الكراهة فى السمع وعدمها ... === (قوله: وقيل) أى: فى بيان وجه النظر، وقائل ذلك غير الخلخالى (١)، فمقصود الشارح: الرد على من قال: إن الكراهة بسبب قبح النغم فقط، وإن لم يطلع غير الشارح عليه؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. فلا يقال على الشارح إثبات ذلك القول، وإنما كان المقصود الرد على غير الخلخالى؛ لأن الخلخالى لم يحصر سبب الكراهة فى قبح النغم مثل هذا القائل، بل قال فى بيان النظر المذكور فى المتن؛ لأن الكراهة إما راجعة للنغم أو نفس اللفظ لغرابته أو إلى نفس اللفظ لاشتماله على تركيب ينفر الطبع منه، فعلى الأولين من رجوع الكراهة إلى النغم أو إلى الغرابة. ذكر الخلوص من الكراهة مستغنى عنه. أما على الأول؛ فلأن الكلام فى أوصاف اللفظ والكراهة فى السمع من أوصاف الصوت على أن ذكره لا يصح؛ لأنه يخرج الفصيح إذا ألقى بصوت قبيح، ويدخل غير الفصيح إذا ألقى بصوت حسن؛ وأما على الثانى؛ فلأن الغرابة تغنى عنها كما سبق، وأما على الأخير من أنها ترجع لنفس اللفظ لاشتماله على تركيب ينفر الطبع منه، فلا بد من ذكر الكراهة فى تعريف الفصاحة لإخلالها بالفصاحة جزما، فلو كان مراد الشارح الرد على ذلك القول، لم يتم ما قاله من النظر؛ لأنه أراد بالنظر أن الكراهة تكون بالنغم وغيره، فالخلخالى معترف به أيضا فكيف يعترض عليه بشىء يعترف به، وإن أراد أنه لا دخل للنغم فى الكراهة أصلا فهو مشكل؛ لأن النغم إذا كان خبيثا كان اللفظ مكروها فى السمع لا محالة. نعم ما ذكره الخلخالى فى وجه النظر باطل؛ إذ لصاحب القيل أن يلتزم ذكر الكراهة فى تعريف الفصاحة لإخراج المكروه فى بعض الصور، وهو ما كراهته للاشتمال

стр. 169

يرجعان إلى طيب النغم وعدم الطيب، لا إلى نفس اللفظ، وفيه نظر؛ للقطع باستكراه الجرشى دون النفس مع قطع النظر عن النغم [الفصاحة فى الكلام خلوها عن: ] (و) الفصاحة (فى الكلام خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد ... === على تركيب مخل منفر للطبع، ولا ينفر الخلخالى اعترافه بوجود الكراهة فى الجملة بالغرابة كما هو ظاهر. (قوله: يرجعان إلى طيب النغم) النغم: بفتحتين جمع نغمة، وهى الصوت. يقال: فلان حسن النغمة إذا كان حسن الصوت فى القراءة. كذا فى الصحاح. هذا ما فى الفنرى، وكتب بعضهم أن النغم- بفتحتين: مصدر نغم الرجل من باب فرح، وبكسر ثم فتح جمع نغمة وهو حسن الصوت فى نحو القراءة، وهذا أنسب بالمقام؛ لأن النغمة التى هى المرة من النغم وصف للكلمة، وأما النغم- بالفتح- فهو وصف للشخص لا للكلمة. اهـ كلامه. فإن كان ما قاله منقولا قبل، وإلا تعين المصير لما نقله الفنرى عن الصحاح. (قوله: وفيه نظر) أى: فى هذا التعليل المحكى بقيل نظر. (قوله: وفى الكلام) أشار الشارح بتقدير الفصاحة إلى أن العطف فى كلام المصنف من باب عطف الجمل لا المفردات، وإلا لزم عليه العطف على معمولى عاملين مختلفين؛ لأن (فى الكلام) عطف على (فى المفرد)، والعامل فيه الكائنة المحذوفة، أو النسبة على ما مر. (وقوله: خلوصه) عطف على (خلوصه) الأول، والعامل فيه المبتدأ وهو الفصاحة، وفيه خلاف- أصحه الجواز- إن كان أحد العاملين جارا متقدما نحو: فى الدار زيد، والحجرة عمرو، وما هنا ليس من ذلك القبيل. (قوله: وتنافر الكلمات إلخ) كان الأولى أن يأتى بمن هنا، (وفى قوله: والتعقيد) للإشارة إلى أنه لا بد فى فصاحة الكلام من الخلوص من كل واحد، وأنه من السلب الكلى، وعدم الإتيان بها يوهم أنه من سلب العموم، أعني: رفع الإيجاب الكلى، فيقتضى أن المدار فى فصاحة الكلام على الخلوص من المجموع وهو يصدق بالخلوص من واحد أو من اثنين، مع أنه فى هذه الحالة لا يكون فصيحا.

стр. 170

مع فصاحتها) هو حال من الضمير فى خلوصه، ... === واعلم أن الخلوص من ضعف التأليف يحصل بوزن الكلام جاريا على القانون النحوى المشهور بين النحاة، ويحصل الخلوص من التعقيد بظهور الدلالة على المعنى المراد لانتفاء الخلل الواقع فى اللفظ أو فى الانتقال، ويحصل الخلوص من تنافر الكلمات بعدم ثقل اجتماعها على اللسان، فإذا لم تثقل الكلمات، ولكن كانت معانيها غير متناسبة: كسطل وقفل وسيف، إذا عطفت: كان ذلك مخلا بالبلاغة لا بالفصاحة، كما سيعلم ذلك إن شاء الله من مبحث الفصل والوصل. (قوله: مع فصاحتها) اعلم أن مع تأتى عند إضافتها لثلاثة معان: لمكان الاجتماع نحو: جلست مع زيد، وزمانه نحو: جئت مع زيد، وبمعنى عند نحو: جلست مع الدار، وتصح الثلاثة هنا، ويراد بالموضع التركيب. (قوله: حال من الضمير إلخ) أى: فيكون مبينا لهيئة صاحبه، وقيدا لنفس الخلوص بمعنى: عدم الكون، فهو هنا تقييد للنفى لا نفى للتقييد، وحينئذ فالمعنى: والفصاحة فى الكلام انتفاء ضعف تأليفه وتنافر كلماته وتعقيده حالة كون فصاحة كلماته تقارن ذلك الانتفاء، فالنفى معتبر أولا، ثم قيد بالظرف؛ فإن قلت: إذا كان الظرف حالا من الضمير فى خلوصه؛ كان العامل فيه الخلوص؛ لأن العامل فى الحال وصاحبها واحد فيكون ظرفا لغوا، مع أنهم صرّحوا بأن الظرف اللغو لا يقع حالا ولا خبرا ولا صفة، وأجيب بأن إطلاق الحال على نفس الظرف مسامحة من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء؛ لأن الحال فى الحقيقة متعلقه معه، والعامل فى متعلقه هو العامل فى صاحب الحال فصدق أنه ظرف مستقر، وأن العامل فى الحال وصاحبها واحد، فإن قلت: إنه يلزم على جعل الظرف حالا من الضمير أن يكون زيد أجلل فصيحا؛ فإنه يصدق على هذا التركيب فى هذه الحالة، أى: حالة الفك أنه خالص من هذه الأمور فى حالة فصاحة الكلمات أى: حالة الإدغام فهو كلام واحد له حالتان الفك والإدغام، وصدق عليه فى حالة الفك أنه خالص من الأمور الثلاثة فى حالة الإدغام.

стр. 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والقول: بفصاحة زيد أجلل مخالف للإجماع، وأجيب بأن هذا لا يرد، إلا لو كان زيد أجلل، وزيد أجل كلاما واحدا له حالان، وليس كذلك، بل هما كلامان لأحدهما حال يخالف حال الآخر، فلا يصدق على أحدهما أنه كذا فى حال يكون للكلام الآخر؛ لأنها ليست حالا له، بل حال لذلك الآخر. مثلا لا يصدق على زيد أجلل أنه خالص من تلك الأمور فى حال فصاحة الكلمات؛ لأن تلك الحالة ليست حالا له، بل لزيد أجل ويصح جعل الظرف صفة لمصدر محذوف أى: خلوصا كائنا مع فصاحتها، وأن يكون ظرفا للخلوص، ومع بمعنى: بعد كما فى قوله تعالى: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (١)، ولا يصح أن يكون ظرفا لغوا للخلوص، ومع للمصاحبة؛ لأنه يقتضى تعلق معنى الخلوص بفصاحة الكلمات ومعيتها، إما مع الفاعل أو مع المجرور بمن، فيصير المعنى على الأول خلوص الكلام مع فصاحة الكلمات مما ذكر، ويصير المعنى على الثانى خلوص الكلام مما ذكر ومن فصاحة الكلمات، وكلا المعنيين باطل. أما الأول: فلأن فصاحة الكلمات لا يتأتى خلوصها مما ذكره. وأما الثاني: فلأن فصاحة الكلمات أمر لا بد منه فى فصاحة الكلام، فلا يشترط الخلوص منها. ثم اعلم أن مدخول مع مفعول معه فى المعنى، وفى اشتراط صحة إسناد الفعل للمفعول معه كما في: جاء الأمير والجيش؛ فإنه يصح أن يقال: جاء الجيش. وعدم اشتراط ذلك قولان: الأول للأخفش (٢)، والثانى لجمهور النحويين.

стр. 172

واحترز به عن [مثل زيد] (١) أجلل، وشعره مستشزر، وأنفه مسرج. وقيل: هو حال من الكلمات، ولو ذكره بجنبها لسلم من الفصل بين الحال وذيها بالأجنبى؛ وفيه نظر؛ لأنه حينئذ يكون قيدا للتنافر لا للخلوص، ويلزم أن يكون الكلام المشتمل على تنافر الكلمات ... === فقولنا إذا جعل ظرفا لغوا يقتضى تعلق الخلوص بفصاحة الكلمات، ومعيتها مع الفاعل مبنى على مذهب الجمهور، وقولنا: يقتضى معيتها مع المجرور بمن مبنى على قول الأخفش؛ تأمل. (قوله: واحترز به عن مثل زيد أجلل، وشعره مستشزر، وأنفه مسرج) أى: فإن كل واحد من هذه الثلاثة وإن كان كلاما خاليا عن ضعف التأليف ومن تنافر الكلمات ومن التعقيد، إلا أن كلماته غير فصيحة لأن الكلام الأول فيه كلمة غير فصيحة وهى" أجلل"؛ لمخالفتها للقياس الصرفي، والكلام الثانى فيه كلمة غير فصيحة وهى" مستشزر"؛ لأن حروفها متنافرة، والكلام الثالث فيه كلمة غير فصيحة وهى" مسرج"؛ لكونها غريبة. (قوله: ولو ذكره) أى الحال، وقوله: " بجنبها" أى: الكلمات وهذه من جملة القيل. (قوله: وذيها) أى: صاحبها وإضافة ذى للضمير شاذة؛ لأنها إنما تضاف لاسم جنس ظاهر، وأما قولهم: " لا يعرف الفضل إلا ذووه" فشاذ، وقوله: " بالأجنبي" أى: وهو التعقيد؛ لأنه ليس معمولا لعامل الحال وهو التنافر، بل معمول للخلوص. (قوله: لأنه حينئذ) أى: لأن الظرف" حين" إذ جعل حالا من الكلمات يكون قيدا للتنافر الداخل تحت النفى وهو الخلوص فيكون النفى داخلا على المقيد بالقيد المذكور، والقاعدة أن النفى إذا دخل على مقيد بقيد توجه للقيد فقط، فيكون المعتبر فى فصاحة الكلام انتفاء فصاحة الكلمات مع وجود التنافر وهذا عكس المقصود إذ المقصود انتفاء التنافر مع وجود فصاحة الكلمات وحينئذ فيلزم ذلك القائل أن يدخل فى الفصيح ما ليس بفصيح، فيكون التعريف غير مانع، بل يلزمه عدم صدق التعريف على شىء من أفراد المعرف، فقول الشارح" ويلزم إلخ" الأولى التفريع بالفاء.

стр. 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ثم اعلم أن هذه القاعدة المذكورة كلية عند الشارح، والذى يفهم الكشاف أنها أغلبية، وأنه لا يجب فى النفى، إذا دخل على مقيد بقيد أن يتوجه للقيد فقط، بل تارة يتوجه للقيد فقط وهو الغالب، وتارة يتوجه للمقيد فقط، وتارة للقيد والمقيد معا، فعلى هذا المفهوم من الكشاف إذا جعلنا الظرف حالا من الكلمات لا يصح أن يكون النفى متوجها للقيد، وإلا لزم فساد التعريف على ما قاله الشارح، ولا يصح أيضا منصبا على القيد والمقيد معا؛ لاقتضائه أن المعتبر فى فصاحة الكلام انتفاء كل من التنافر وفصاحة الكلمات، وحينئذ فيكون الكلام المشتمل على الكلمات الغير الفصيحة الغير المتنافرة فصيحا، ويلزم هذا ما لزم الاحتمال الذى قبله من فساد التعريف منعا وجمعا، ويصح أن يكون النفى منصبا على المقيد فقط لاقتضائه أن المعتبر فى فصاحة الكلام انتفاء التنافر ووجود فصاحة الكلمات، وهذا هو المطلوب إلا أن المعنى وإن كان صحيحا على هذا الاحتمال، لكنه يعترض على التعريف من حيث إنه أتى فيه بعبارة محتملة لوجوه ثلاثة يلزم الفساد على اثنين منها، والحاصل أن انتفاء التنافر المقيد بفصاحة الكلمات، إما بانتفاء التنافر مع وجود قيده بأن تكون الكلمات فصيحة غير متنافرة، أو بانتفاء قيده مع وجوده بأن تكون متنافرة غير فصيحة، أو بانتفاء كليهما بأن لا تكون متنافرة ولا فصيحة، فإذا جعل الظرف حالا من الكلمات لصدق الحد على الأمور الثلاثة، مع أن المحدود لا يصدق إلا على أولها. وذكر ما هو محتمل لخلاف المقصود الموجب للإيهام والإلباس لا يجوز فى التعريف، فهذا القائل: إن الظرف حال من الكلمات، يقال له: إما أن تلتزم أن القاعدة المتقدمة كلية أو أغلبية، فإن قال بكليتها لزمه فساد التعريف بأنه غير مانع، بل لا يصدق على شىء من أفراد المعرف، وإن قال بأنها أغلبية، فإن قال: إن النفى متوجه للقيد فقط أو له وللمقيد معا؛ لزمه الفساد المتقدم، وإن قال: إنه متوجه للمقيد فقط؛ لزمه فساد التعريف من جهة ما فيه من الإلباس والإيهام لاحتمال العبارة للمراد ولغيره، وأشار الشارح بقوله: فافهم لما قلناه من أنه يجوز أن يكون هذا القائل راعى أن القاعدة

стр. 174

الغير الفصيحة فصيحا؛ لأنه يصدق عليه أنه خالص عن تنافر الكلمات حال كونها فصيحة؛ فافهم. [الضعف] (فالضعف) أن يكون تأليف الكلام على خلاف القانون النحوى المشهور بين الجمهور كالإضمار قبل الذكر لفظا ومعنى وحكما ... === أغلبية، وأن النفى منصب على المقيد فقط، وحينئذ فلا يتوجه عليه ما ذكر من النظر لصحة المعنى، لكن قد علمت أنه وإن لم يرد عليه النظر السابق يرد عليه اعتراض آخر وهو الفساد من حيث الإيهام والإلباس. (قوله: الغير الفصيحة) أى: كلّا أو بعضا. (قوله: المشهور بين الجمهور) فلا يدفع الضعف تجويز التأليف على مقابل المشهور، وذلك كالإضمار قبل الذكر فى نحو: ضرب غلامه زيدا، فهو ضعيف التأليف كما قال المصنف، وإن كان بعضهم كالأخفش وابن جنى جوزه؛ لأن قولهم مقابل للمشهور؛ فإن قلت: ضعف التأليف كما يكون بمخالفة القانون المشهور بين الجمهور يكون بمخالفة القانون المجمع عليه: كتقديم المسند المحصور فيه ب" إنما" فى قولك: إنما قائم زيد؛ فإن تأخيره واجب بالإجماع، وكنصب الفاعل أو جره، وحينئذ فلا وجه للتقييد بالمشهور. وأجيب بأن الكلام المخالف للقانون المجمع عليه غير معتبر، إذ هو فاسد لا ضعيف، والكلام فى تركيب له صحة واعتبار عند بعض أولى النظر، أو يقال: الكلام المخالف للقانون المجمع عليه ضعفه معلوم بالطريق الأولى، أو يقال: إن المشهور بين الجمهور يتناول المجمع عليه؛ لأنه أشهر وأجلى من المختلف فيه؛ فشهرته عند كل الناس، ومن جملتهم الجمهور. فقوله: " المشهور بين الجمهور" أى: سواء كان متفقا عليه أو لا. (قوله: كالإضمار قبل الذكر) أى: قبل ذكر مرجعه، وقوله: " لفظا ومعنى وحكما" هذه أقسام للقبلية أى: كتقديم الضمير على مرجعه لفظا ومعنى وحكما، وهذا مثال لمخالفة القانون المشهور، ومفهوم كلامه أنه لو تقدم المرجع على الضمير لفظا أو معنى أو حكما فلا يكون الكلام ضعيف التأليف، فالتقدم اللفظى أن يتقدم المرجع على الضمير

стр. 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لفظا ورتبة أو لفظا فقط؛ فالأول نحو: ضرب زيد غلامه، والثانى نحو: ضرب زيدا غلامه، والتقدم المعنوى ألا يتقدم المرجع على الضمير لفظا، لكن هناك ما يدل على تقدمه معنى كالفعل المتقدم الدال على المرجع تضمنا نحو: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (١) وكسياق الكلام المستلزم له استلزاما قريبا كقوله تعالى: وَلِأَبَوَيْهِ (٢) أى: المورث؛ لان الكلام السابق لبيان الإرث أو بعيدا كقوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣) فضمير" توارت" للشمس المدلول عليها بذكر العشى أولا، وكون المرجع فاعلا المقتضى لتقدمه على المفعول، أو مبتدأ المقتضى لتقدمه على الخبر، أو مفعولا أوّل فى باب أعطى؛ فإنه فاعل فى المعنى، فالأول نحو: خاف ربه عمر، والثانى نحو: فى داره زيد، والثالث نحو: أعطيت درهمه زيدا، والتقدم الحكمى هو أن يتأخر المرجع عن الضمير لفظا وليس هناك ما يقتضى ذكره قبله إلا حكم الواضع بأن المرجع يجب تقدمه، لكن خولف حكم الواضع لأغراض تأتى- إن شاء الله- فى وضع المضمر موضع المظهر، فالمرجع المتأخر لغرض متقدم حكما، كما أن المحذوف لعلة كالثابت والممتنع إنما هو تأخيره لا لغرض، ومثال التقدم الحكمى: نعم رجلا زيد، وربّه رجلا، وضمير الشأن نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (٤) فالمرجع وهو الشأن مذكور، قيل حكما من حيث إن الأصل تقدّم المرجع، لكن خولف هذا لنكتة الإجمال والتفصيل، وكذا توجيه: نعم رجلا زيد، وربه رجلا، فظهر لك من هذا أن الفرق بين الإضمار قبل الذكر الموجب للضعف والإضمار قبل الذكر الذى جعل من قبيل تقدم المرجع حكما وجود النكتة وعدمها، وقد وجدت هذه النكتة فى المواضع الستة التى يعود فيها الضمير على متأخر لفظا ورتبة المجموعة فى قول بعضهم: ومرجع الضّمير قد تأخّرا ... لفظا ورتبة وهذا حصرا

стр. 176

(نحو: ضرب غلامه زيدا، والتنافر) أن تكون الكلمات ثقيلة على اللسان، وإن كان كل منها فصيحا (كقوله (١): ... === فى باب نعم وتنازع العمل ... ومضمر الشأن وربّ والبدل ومبتدا مفسّر بالخبر ... وباب فاعل بخلف فاخبر قال الغنيمى (٢): ويؤخذ مما ذكرناه من الفرق أن تلك النكتة إذا لم تقصد فى المواضع الستة المتقدمة كانت غير فصيحة، وأنها إن قصدت فى مثال المصنف ونحوه كان فصيحا ولا مانع منه. اهـ. لكن الشأن قصدها فى المواضع المذكورة دون مثال المصنف. (قوله: نحو ضرب غلامه زيدا) هذا مثال للضعف بالنظر للمتن وللإضمار قبل الذكر لفظا ومعنى وحكما، فالضمير هنا قد تقدم على مرجعه لفظا وهو ظاهر ومتقدم عليه أيضا معنى؛ لأنه لم يتقدم فى الكلام ما يدل عليه؛ ومتقدم عليه أيضا حكما؛ لأن المرجع لم يتأخر لغرض حتى يكون متقدما حكما فهو متأخر بالنظر للحكم، وإذا كان المرجع هنا متأخر حكما كان الضمير العائد عليه متقدما حكما؛ فإن قلت: إن الفاعل والمفعول به متساويان فى اقتضاء الفعل لهما لدخول النسبة إليهما فى مفهومه، فكما جاز الإضمار قبل الذكر فى ورة تقدم المفعول المتصل به ضمير الفاعل المتأخر- نحو: خاف ربه عمر- يجوز فى صورة تقدم الفاعل المتصل به ضمير المفعول المتأخر، نحو: ضرب غلامه زيدا

стр. 177

وليس قرب قبر حرب) هو اسم رجل (قبر) وصدر البيت: وقبر حرب بمكان قفر؛ أى: خال عن الماء والكلأ. ذكر فى عجائب المخلوقات: أن من الجن نوعا يقال له: الهاتف، ... === والجواب أنهما وإن تساويا فى اقتضاء الفعل إياهما، إلا أن اقتضاءه للفاعل مقدم فى الملاحظة العقلية على اقتضاء المفعول؛ لأن نسبة الوقوع تلاحظ بعد نسبة الصدور، فكان الفاعل مقدما فى الرتبة، فلا يلزم الإضمار قبل الذكر مطلقا بخلاف صورة المفعول، وأما ما قيل من أن اقتضاء الفعل المتعدى للفاعل أشد من اقتضائه للمفعول فلم يظهر وجهه، أفاده العلامة عبد الحكيم. (قوله: وليس قرب ... إلخ) (١) يحتمل أن تكون الواو للحال، ويحتمل أن تكون عاطفة، ثم إن القرب بمعنى المقارب، والإضافة لفظية، وكون إضافة المصدر معنوية فيما إذا كان باقيا على معناه الحقيقى، أو نقول: " قرب" ظرف لخبر ليس أى: ليس قبر كائنا قرب قبر حرب، وحينئذ فلا يلزم ما اتفق على عدم وقوعه فى كلام العرب من كون المسند أعنى: قبر ليس معرفة لإضافته إلى المضاف للعلم وهو حرب، والمسند إليه أعنى: اسمها نكرة، ثم إن ظاهر البيت الإخبار، والمراد منه التأسف والتحزن على كون قبره كذلك، ووضع المظهر موضع المضمر فى قوله: " وليس قرب قبر حرب" مع أن الأظهر أن يقول: وليس قرب قبره لزيادة التمكين، حيث اعتنى بذكره. (قوله: قفر) قيل: نعت مقطوع وفيه أن محل صحة قطع النعت إذا تعين المنعوت بدون ذلك النعت وهنا ليس كذلك. وأجاب الشيخ (٢) يس بأن هذا ضرورة ويمكن أن يقال: إن" قفر" خبر" قبر"، وقوله: " بمكان" أى: مع مكانه ومحله، فإنه أيضا قفر لا القبر فقط. (قوله: ذكر) أى: المصنف فى

стр. 178

صاح واحد منهم على حرب بن أمية؛ فمات فقال ذلك الجنى هذا البيت ... === كتابه" عجائب المخلوقات". (قوله: صاح واحد ... إلخ) سبب صياحه عليه أنه داس بنعله على واحد منهم فى صورة حية فقتله، وذكر أبو عبيدة (١) وأبو عمرو الشيباني (٢): أن حرب (٣) بن أمية لما انصرف من حرب عكاظ هو وإخوته مروا بغيضة وأشجار ملتفة فقال له مرداس السلمى (٤) وكان صاحبا له: أما ترى يا حرب هذا الموضع؟ قال: بلى، نعم المزدرع فقال له: فهل لك أن نكون شريكين فيه ونحرق هذه الغيضة ثم نزرعها بعد ذلك؟ فقال: نعم، فأضرما النار فى تلك الغيضة، فلما استطارت وعلا لهبها، سمع من الغيضة أنين وضجيج كثير، ثم ظهر منها حيات بيض تطير حتى قطعتها وخرجت منها، فلما احترقت الغيضة سمعوا هاتفا يقول: ويل لحرب فارسا ... مطاعنا مخالسا ويل لحرب فارسا ... إذ لبسوا القوانسا فلم يلبث حرب ومرداس أن ماتا.

стр. 179

(وكقوله (١): كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... ... معى وإذا ما لمته لمته وحدى) === (قوله: وكقوله كريم إلخ) أى: قول أبى تمام (٢) حبيب ابن أوس الطائى من قصيدة يعتذر فيها لممدوحه أى: الغيث موسى بن إبراهيم الرافعى (٣) لما بلغه أنه هجاه فعاتبه فى ذلك، فقال أبو تمام القصيدة معتذرا ومتبرئا مما نسب إليه، وقبل البيت المذكور: أتانى مع الرّكبان ظنّ ظننته ... نكست له رأسى حياء من المجد وهتّكت بالقول الخنا حرمة العلا ... وأسلكت حرّ الشّعر فى مسلك العبد نسيت إذن كم من يد لك شاكلت ... يد القرب أعدت مستهاما على البعد وأنك أحكمت الذى بين فكرتى ... وبين القوافي (٤) من زمام ومن عهد وأصلتّ شعرى فاعتلى رونق الضّحى ... ولولاك لم يظهر زمانا من الغمد أعيذك بالرحمن أن تطرد الكرى ... بعتبك عن عين امرئ صادق الود

стр. 180

والواو فى" والورى" واو الحال، وهو مبتدأ خبره قوله: " معى"، وإنما مثل بمثالين: لأن الأول متناه فى الثقل والثانى دونه، ولأن منشأ الثقل فى الأول نفس اجتماع الكلمات، ... === أألبس هجر القول من لو هجرته ... إذن لهجانى عنه معروفه عندى (١) ومعنى البيت: هو كريم إذا مدحته وافقنى الناس على مدحه ويمدحونه معى لإسداء إحسانه إليهم كإسدائه إلي، وإذا لمته لا يوافقنى أحد على لومه لعدم وجود المقتضى للوم فيه. (قوله: والواو فى والورى واو الحال) اختار جعل الواو للحال على جعلها عاطفة، مع أن العطف هو الأصل فى الواو؛ لأنه المتسابق للفهم ولوقوعه فى مقابلة وحدى؛ فإنه حال. وللخلوص مما يلزم على العطف من توقف مدح الورى على مدحه وفيه قصور فى مقام المدح، ومن اتحاد الشرط والجزاء وبيان لزوم هذين الأمرين للعطف أن المعطوف عليه: إما جملة" أمدحه" والمعطوف جملة" والورى معى"، فيكون من عطف الجمل أو المعطوف عليه الضمير المستتر فى" أمدحه" والمعطوف" الورى" لوجود شرط العطف، وهو هنا الفصل بالمفعول على حد يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ (٢) ومعى حال من الورى فيكون من عطف المفردات، ولا يرد أن المضارع المبدوء بالهمزة لا يرفع الظاهر؛ لأنه تابع ويغتفر فى التابع ما لا يغتفر فى غيره؛ فإن كان من عطف الجمل كان قوله: " والورى معى" جملة مستقلة؛ لأن المعطوف على الجزاء جزاء، وجملة أمدحه جزاء الشرط وجزاء الشرط يتوقف على الشرط، وهو هنا بمعنى الشرط، فيلزم الأمران السابقان وإن كان من عطف المفرد كان الورى غير مستقل، بل متعلق بالجملة الأولى،
следующие страницы →