فيصيران متحدين؛ وذلك لأن العقل يجرد الجزئى الحقيقى عن عوارضه المشخصة الخارجية، وينتزع منه المعنى الكلى فيدركه على ما تقرر فى موضعه، وإنما قال:
فى الخارج ...
===
فى المفكرة، وحاصل ما أجاب به المصنف أن العقل يدركهما بعد تجريدهما عن المشخصات، (وقوله: بتجريد) مصدر مضاف لفاعله وهو متعلق بيرفع. والباء سببية، والمراد بتجريد العقل للمثلين عن المشخصات عدم ملاحظته لتلك المشخصات التى فيها كما فى الأطول، (وقوله: عن التشخص) أى: عن الصفة المشخصة- أى: المميز لهما فى الخارج- التى بها يباين أحدهما الآخر من طول وعرض ولون، ومن اللون المخصوص والمقدار المخصوص، (وقوله: يرفع) أى: العقل، (وقوله: التعدد) أى: الحاصل بين المثلين كزيد وعمرو وهذه الجملة خبر إن
(قوله: فيصيران متحدين) أى: فيصيران شيئا واحدا عند المفكرة كالمتحدين والاتحاد جامع؛ لأن حضور أحد الأمرين المتحدين فى الحقيقة فى المفكرة حضور للآخر، فعلم من هذا أن الاتحاد جامع سواء كان حقيقيا أو حكميا.
(قوله: وذلك) أى: التجريد المذكور حاصل؛ لأن إلخ
(قوله: لأن العقل يجرد الجزئى الحقيقى) المراد به الجزئى الجسمانى وهو ما يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، واعترض بأن تجريد العقل للجزئى المذكور لا يكون إلا بعد إدراكه والعقل لا يدركه؛ لأنه إنما يدركه الكلى أو الجزئى المجرد، وحينئذ فلا يمكن أن يجرد الجزئى الحقيقى، إذ فيه تجريد الشىء قبل إدراكه، وحاصل الجواب أن المنفى عن العقل إدراكه للجزئى المذكور بالذات، وهذا لا ينافى استشعاره له بالوسائط، فالجزئيات الجسمانية تدرك أولا بالحس، فإذا أدركها الحس استشعرها العقل، ثم يجردها بعد ذلك عن المشخصات بواسطة المفكرة، ثم يدركها بالذات
(قوله: الخارجية) أى: كالألوان والأكوان المخصوصة، والمقدار المخصوص، والمراد بالخارج هنا ما يعم خارج الأعيان، وخارج الأذهان، فتدخل الجزئيات المعدومة
(قوله: وينتزع منه المعنى الكلى) أى الماهية الكلية كماهية الإنسان أعنى الحيوان الناطق
(قوله: على ما تقرر فى موضعه) متعلق بيجرد والمراد بموضعه كتب الحكمة
(قوله: وإنما قال فى الخارج) أى: ولم يطلق التشخص
стр. 1297
لأنه لا يجرده عن المشخصات العقلية؛ لأن كل ما هو موجود فى العقل فلا بد له من تشخص فيه به يمتاز عن سائر المعقولات.
وهاهنا بحث؛ وهو أن التماثل هو الاتحاد فى النوع؛ مثل: اتحاد زيد وعمرو- مثلا فى الإنسانية، وإذا كان التماثل جامعا لم تتوقف صحة قولنا: زيد كاتب وعمرو شاعر على أخوة زيد وعمرو، أو صداقتهما، أو نحو ذلك؛ لأنهما متماثلان لكونهما من أفراد الإنسان. والجواب: أن المراد بالتماثل هاهنا اشتراكهما فى وصف له نوع اختصاص بهما؛ ...
===
(قوله: لأنه لا يجرده) أى: لأن العقل لا يجرد الجزئى الحقيقى
(قوله: عن المشخصات العقلية) أى: وهى الفصول التى لا يتحقق التمايز بين الكليات فى العقل إلا بها كالناطقية بالنسبة للإنسان، والناهقية بالنسبة للحمار، والصاهلية بالنسبة للفرس، ويقال لها مشخصات ذهنية أيضا
(قوله: لأن كل ما هو موجود فى العقل) أى: كماهية الإنسان وهذا علة لعدم تجريد العقل للمشخصات العقلية
(قوله: فلا بد له) أى:
للموجود فى العقل، (وقوله: من تشخص) أى: من مشخص ومعين، (وقوله: فيه) أى:
فى العقل
(قوله: به) أى: بذلك المشخص
(قوله: عن سائر المعقولات) أى: كماهية الفرس، والحاصل أن الأمرين الكليين كالإنسان والفرس كل منهما حاصل عند العقل ومتعين فيه عن غيره بواسطة أن المعين للأول الناطقية، وللثانى الصاهلية، فلو جردهما العقل عن مميزهما لزم أنهما معلوم واحد ولزم أن الأشياء كلها معلوم واحد عند تجريد سائر الكليات، وكون الأشياء كلها معلوما واحدا باطل- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: وهاهنا) أى: فى هذا المحل بحث من جهة جعل التماثل جهة جامعة
(قوله: وهو أن التماثل) أى: عند الحكماء
(قوله: هو الاتحاد فى النوع) أى: فى الحقيقة
(قوله: مثلا) تأكيد لقوله: مثل
(قوله: لم تتوقف إلخ) أى: مع أنه تقدم أن المسند إليهما إذا تغايرا، فلا بد من تناسبهما نحو: زيد شاعر وعمرو كاتب وزيد طويل وعمرو قصير لمناسبة بينهما إلخ
(قوله: أو نحو ذلك) أى: كاشتراكهما فى صنعة
(قوله: أن المراد بالتماثل هاهنا) أى: فى كلام المصنف التماثل عند البيانيين وهو اشتراك الشيئين فى وصف
стр. 1298
على ما سيتضح فى باب التشبيه.
(أو تضايف) وهو كون الشيئين بحيث لا يمكن تعقل كل منهما إلا بالقياس إلى تعقل الآخر (كما بين العلة والمعلول) ...
===
مع اشتراكهما فى الحقيقة لا مجرد اشتراكهما فى النوع، والحاصل أن هذا البحث مغالطة منشؤها توهم أن المراد بالتماثل هنا التماثل بالمعنى المصطلح عليه عند الحكماء وهو الاتحاد فى الحقيقة، وجوابها منع أن المراد بالتماثل هنا التماثل بالمعنى المذكور، بل بالمعنى المصطلح عليه عند البيانيين وهو الاشتراك فى وصف له مزيد اختصاص وارتباط بالشيئين- بحيث يوجب اجتماعهما فى المفكرة مع اشتراكهما فى الحقيقة.
(قوله: على ما سيتضح فى باب التشبيه) أى: من اشتراك المشبه والمشبه به فى وصف خاص زائد على الحقيقة، فإذا قيل: زيد كعمرو لم يكف أن يقال فى الإنسانية، بل لا بد من وصف زائد على ذلك كالكرم والشجاعة، فإن قلت المذكور فى باب التشبيه أنه لا بد من المشاركة فى وصف خاص دون الحقيقة والمعتبر هنا المشاركة فى الحقيقة والوصف جمعا، فكيف يحمل ما هنا على ما هناك؟ قلت: المشاركة فى الحقيقة لازمة للمشاركة فى الوصف، فإذا قيل زيد كعمرو فى الكرم، فكأنه قيل: زيد كعمرو فى الإنسانية مع الكرم، وحينئذ فيتقوى بذلك ما اعتبر هنا؛ لأن لباب الجامع تعلقا بباب التشبيه من حيث استدعاء كل منهما أمرا مشتركا فيه فيكون ما اعتبر فى أحدهما معتبرا فى الآخر
(قوله: أو تضايف) كأن يقال أبو زيد يكتب وابنه يشعر، فالجامع بين الأب والابن المسند إليهما عقلى وهو التضايف، وكذا يقال فى أبوك زيد وابنك عمرو، وإن اختلفا من جهة أن الجامع بين المسندين فى المثال الأول خيالى، وفى المثال الثانى عقلى وهو التماثل
(قوله: بحيث لا يمكن تعقل كل منهما إلخ) أى: بحيث يكون تصور أحدهما لازما لتصور الآخر، وحينئذ فحصول كل واحد منهما فى المفكرة يستلزم حصول الآخر فيها ضرورة، وهذا معنى الجمع بينهما فيها وليس المراد به اتحادهما فيها
(قوله: كما بين العلة والمعلول) أى: كالتضايف الذى بين مفهوم العلة وهو كون الشىء سببا وبين مفهوم المعلول وهو كون الشىء مسببا عن ذلك الشىء كأن يقال:
стр. 1299
فإن كل أمر يصدر عنه أمر آخر بالاستقلال أو بواسطة انضمام الغير إليه فهو علة، والآخر معلول (أو الأقل والأكثر) فإن كل عدد يصير عند العد فانيا قبل عدد آخر فهو أقل من الآخر، والآخر أكثر منه.
===
العلة أصل أو موجودة، والمعلوم فرع أو موجود أو بين ما صدق العلة وبين ما صدق المعلول باعتبار مفهوم العلة ومفهوم المعلول كأن يقال: حركة الخاتم موجودة، وحركة الأصبع موجودة أو حركة الأصبع علة، وحركة الخاتم معلولة، أو النار محرقة، والحطب محرق، وبقولنا باعتبار إلخ- اندفع ما يقال: إنه لا تضايف بين حركة الأصبع وحركة الخاتم؛ لأنه يمكن تعقل أحدهما بدون تعقل الآخر مع أن الأول علة، والثانى معلول
(قوله: فإن كل أمر) الفاء واقعة فى جواب شرط مقدر أى: إذا أردت أن تعرف الفرق بين العلة والمعلول، فنقول لك إن كل إلخ، وكذا يقال فيما بعد.
(قوله: بالاستقلال) أشار به إلى العلة التامة، وأشار بقوله: أو بواسطة انضمام الغير إليه إلى العلة الناقصة فالأولى كحركة الأصبع بالنسبة لحركة الخاتم والثانية كالنجار بالنسبة للسرير، فإنه يصدر عنه بواسطة الآلة وكالنار بالنسبة للاحتراق، فإنه يصدر عنها بواسطة اليبوسة وانتفاء البلل، وأراد المصنف بالعلة ما يشمل السبب والمحصل، فالأول كالزوال بالنسبة لصحة صلاة الظهر، فإذا لاحظت الزوال، والطهارة، وستر العورة، وجميع ما تتوقف عليه صحة الصلاة المذكورة كان الجميع علة تامة، وإن لاحظت الزوال وحده أو غيره كذلك كان علة ناقصة، والثانى كالمولى ، فإنه علة فى وجود العالم بمعنى أنه محصل له، لكن بالاختيار عندنا وبدون اختيار عند الحكماء- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: أو الأقل والأكثر) أى: وكالتضايف الذى بين مفهومى الأقل والأكثر كأن يقال: هذا العدد الأقل لزيد وذلك العدد الأكثر لصاحبه، أو بين ما صدقيهما باعتبار مفهوميهما؛ لأنه يقال: الأربعة أقل من الخمسة، والخمسة أكثر منها، أو هذه الأربعة لزيد والخمسة لعمرو، وإنما كان الأقل والأكثر من المتضايفين؛ لأن كلا منهما لا يفهم إلا باعتبار الآخر فتصور كل منهما مستلزم لتصور الآخر فمتى حصل أحدهما فى المفكرة حصل الآخر فيها
(قوله: فإن كل عدد يصير عند العد) أى: عند السرد
стр. 1300
(أو وهمى) وهو أمر بسببه يحتال الوهم فى اجتماعهما عند المفكرة، بخلاف العقل فإنه إذا خلى ونفسه لم يحكم بذلك، وذلك (بأن يكون بين تصوريهما شبه تماثل؛ كلونى بياض وصفرة، ...
===
واحدا واحدا أو اثنين اثنين، (وقوله: قبل عدد آخر) أى: قبل فناء عدد آخر، (وقوله:
فهو) أى: ذلك العدد الذى يصير فانيا أقل، وإنما سمى جمع الاتحاد والتماثل والتضايف عقليا؛ لأن العقل يدرك الأمور على حقائقها ويثبتها على مقتضاها والجمع بهذه محقق فى نفس الأمر لا يبطله التأمل فنسب للعقل بخلاف الجمع بالأمر الوهمى
(قوله: أو وهمى) عطف على قوله: عقلى
(قوله: وهو أمر) كشبه التماثل وشبه التضاد والتضاد، (وقوله: بسببه يحتال) أى: يتحيل الوهم، (وقوله: فى اجتماعهما) أى: اجتماع الشيئين عند المفكرة وذلك بأن يصور الوهم ذلك الأمر بصورة تصير سببا لاجتماعهما، وليس فى الواقع سببا له سواء كان ذلك الأمر يدركه الوهم كشبه التماثل والتضاد وشبه التضاد الجزئيات أو كان لا يدركه الوهم ككلياتها، والحاصل أن الجامع الوهمى ليس أمرا جامعا فى الواقع بل باعتبار أن الوهم جعله جامعا
(قوله: إذا خلى ونفسه) أى: مع نفسه بأن لم يتبع الوهم، وأما لو تبع الوهم لحكم بذلك الاجتماع تبعا له.
(قوله: لم يحكم بذلك) أى: الاجتماع لهذا الأمر، وذلك لأن العقل إنما يدرك الأمور على حقائقها ويثبتها على مقتضياتها بخلاف الوهم، فإن شأنه إدراك الأمور لا على حقيقتها ويثبتها على خلاف مقتضاها
(قوله: بأن يكون إلخ) أى: وذلك الجامع الوهمى يحصل بسبب الكون المذكور من حصول الجنس بنوعه أو أن الباء للتصوير أى:
وذلك مصور بأن يكون إلخ، (وقوله: بين تصوريهما) أى: الشيئين، وسيأتى الاعتراض على هذه العبارة فى الشرح والصواب بأن يكون بينهما
(قوله: شبه تماثل) المراد بالتماثل الاتحاد فى النوع وذلك بأن يكون بين الشيئين تقارب وتشابه باعتبار وتباين باعتبار آخر
(قوله: كلونى بياض إلخ) الإضافة بيانية أى: كلونين هما بياض وصفرة فيصح العطف فى نحو: بياض الفضة يذهب الغم وصفرة الذهب تذهب الهم
(قوله: كلونى بياض وصفرة) أى: فهما ليسا متماثلين لعدم صدق تعريف التماثل السابق عليهما
стр. 1301
فإن الوهم يبرزهما فى معرض المثلين) من جهة أنه يسبق إلى الوهم أنهما نوع واحد؛ زيد فى أحدهما عارض، بخلاف العقل فإنه يعرف أنهما نوعان متباينان داخلان تحت جنس هو اللون. (ولذلك) ...
===
ولا متضادين؛ لأنهما الأمران الوجوديان اللذان بينهما غاية الخلاف، فإن لم توجد غاية الخلاف كما فى البياض والصفرة باعتبار ما عند الوهم فلا يكونان ضدين
(قوله: فإن الوهم إلخ) أى: وإنما كان بين البياض والصفرة شبه تماثل؛ لأن الوهم أى: القوة الواهمة
(قوله: يبرزهما) أى: يظهر اللونين المذكورين
(قوله: فى معرض) أى: فى صفة أو فى حال المثلين وقد سبق أن المثلين وهما الأمران المشتركان فى الحقيقة النوعية المختلفان بالعوارض يرجعان إلى المتحدين بتجريد العقل لهما عن العوارض المشخصة فى الخارج، ومعرض بوزن مسجد وهو فى الأصل مكان عروض الشىء
(قوله: من جهة أنه يسبق إلى الوهم) أى: لعدم غاية الخلاف بينهما، (وقوله: زيد فى أحدهما عارض) إن جعل ذلك الأحد الصفرة، فالعارض الكدرة وإن جعل البياض، فالعارض الإشراق والصفاء فذلك الأحد غير معين، بل هو محتمل كما هو المستفاد من كلام عبد الحكيم، والمستفاد من غيره أن ذلك الأحد المزيد عليه معين وهو الصفرة، والزائد عليه العارض الذى لا يخرجه عن حقيقته هو الكدرة وهو المتبادر من كلام الشارح، والحاصل أن الوهم يدعى أن أصل الصفرة بياض زيد فيه شىء يسير من الكدرة لا تخرجه عن حقيقته، أو أن البياض أصله صفرة زيد فيه شىء يسير من الإشراق لا يخرجه عن حقيقته، وسبب ادعاء الوهم ذلك أن الأضداد تتفاوت والبياض والصفرة ولو كانا ضدين، لكن ليس بينهما من الضدية ما بين البياض والسواد، بل بينهما كما بين السواد والحمرة فيسبق إلى الوهم أنهما فى الحقيقة شىء واحد، فيحتال على الجمع بينهما عند المفكرة كالمثلين، وإذا حكم العقل بهذا فهو بالتبع للوهم، وإلا فهو عند الملاحظة الحقيقية يحكم بأنهما نوعان متباينان داخلان تحت جنس هو اللون، فيجوز أن يقال- على هذا: هذا الأصفر حسن وذلك الأبيض أحسن منه لوجود الجامع، فإن قلت فهل يمتنع العطف عند الملاحظة العقلية، أو يجوز تغليبا للملاحظة الوهمية مطلقا؟ قلت: الأقرب الجواز عند
стр. 1302
أى: ولأن الوهم يبرزهما فى معرض المثلين (حسن الجمع بين الثلاثة التى فى قوله:
ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتها ... شمس الضّحى وأبو إسحق والقمر) (١)
فإن الوهم يتوهم أن الثلاثة من نوع واحد، وإنما اختلفت بالعوارض، والعقل يعرف أنها أمور متباينة.
===
غفلة العقل وعدم ملاحظته والمنع عند عدم الغفلة المذكورة: كدخول اللام على العلم للمح الأصل ومنعها عند عدمه- انظره انتهى يعقوبى.
(قوله: أى ولأن الوهم يبرزهما) أى: ولأجل أن الوهم يبرز الشيئين اللذين بينهما شبه تماثل فى معرض المثلين
(قوله: حسن الجمع) أى: بالعطف، (وقوله: بين الثلاثة) أى: المتباينة لتخيل الوهم فيها تماثلا كما تخيله فى البياض والصفرة
(قوله: فى قوله) أى: التى وجدت فى قول الشاعر وهو محمد بن وهيب يمدح المعتصم بالله بن هارون الرشيد وذكره بكنيته أبى إسحق صونا لاسمه أن يجرى على الألسنة وكما حسن الجمع بين الثلاثة التى ذكرها لما ذكر من التعليل حسن الجمع بين الثلاثة فى قوله:
إذا لم يكن للمرء فى الخلق مطمع ... فذو التّاج والسّقّاء والذّرّ واحد
فالوهم هو الذى حسن الجمع بين الملك والسقاء وصغار النمل لاشتراكها فى عدم التوقع منهم والاستغناء عنهم مع كونها متباعدة متباينة غاية التباين
(قوله: ثلاثة إلخ) يصح أن يكون خبرا مقدما على المبتدأ، وهو قوله: شمس الضحى وما عطف عليه، ويصح أن يكون ثلاثة: مبتدأ محذوف الخبر أى: لنا أو فى الوجود ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها، وشمس الضحى: بدل أو عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، والاحتمال الثانى أليق وأعلق بالقلب، وقال: ببهجتها ولم يقل: ببهجتهم تغليبا للعاقل على غيره، مع أنه أكثر من تغليب غير العاقل نظرا لكون إشراق غير العاقل حسيا فهو أولى بالاعتبار
(قوله: فإن الوهم) أى: وإن لم يكن البيت مما نحن فيه؛ لأنه ليس من عطف الجمل، وإنما هو من عطف المفردات، لكن قد مر أن المفرد كالجملة فى اشتراط الجامع
(قوله: يتوهم أن الثلاثة من نوع واحد) وهو المشرق أو المنور للدنيا، (وقوله: وإنما اختلفت
стр. 1303
(أو) يكون بين تصوريهما (تضاد) وهو التقابل بين أمرين وجوديين يتعاقبان على محل واحد ...
===
بالعوارض) وهى كون الشمس كوكبا نهاريا وكون القمر كوكبا ليليا وكون أبى إسحاق حيوانا ناطقا، وتوهم الوهم لذلك إنما نشأ من اشتراك الثلاثة فى إشراق الدنيا، وإن كان الإشراق فى اثنين حسيا وإشراق الثالث عقليا بإفاضة أنواع العدل، والإحسان بتنزيل ذلك المعقول منزلة المحسوس لكمال ظهوره، والحاصل أن هذه الثلاثة عند النظر والتأمل متباينة؛ لأن الشمس كوكب نهارى مضىء لذاته والقمر كوكب ليلى مطموس لذاته مستفاد نوره من نور غيره وهو الشمس وأما أبو إسحق فإنسان عم عدله وإحسانه جميع العالمين فى زعم الشاعر بحيث صار عموم عدله وإحسانه شبيها بعموم نور الشمس فى التوصل إلى الأغراض، إلا أنه يسبق إلى الوهم تماثل هذه الثلاثة فى الإشراق، وأنها نوع واحد، وإنما تمايزت بالعوارض، أما التوهم فيما بين الشمس والقمر فواضح، وأما فيما بينهما وبين أبى إسحق فلكثرة تشبيه عموم العدل والإحسان بنور الشمس حتى صار بحيث يتوهم أن له إشراقا يهتدى به فى المحسوسات، فأبرزها الوهم فى معرض المتماثلات.
(قوله: وهو التقابل) أى: التعاند
(قوله: وجوديين) خرج به تقابل الإيجاب والسلب كتقابل الحركة لعدمها والسكون لعدمه، وتقابل العدم والملكة وهو ثبوت شىء وعدمه عما من شأنه ذلك: كتقابل العمى للبصر، وليس المراد بالوجودى هنا خصوص ما يمكن رؤيته، بل المراد به هنا ما ليس العدم داخلا فى مفهومه فيشمل الأمور الاعتبارية، وحينئذ فيدخل فى التعريف الأمران المتضايفان فلا بد من زيادة قيد لا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر لأجل إخراجهما، ومما يدل على أن المراد بالوجودى هنا ما قلناه ما سيأتى للشارح فى الأول والثانى- كذا قرر شيخنا العدوى، وفى عبد الحكيم: أن هذه الإرادة خلاف التحقيق؛ لأن قسمة الجامع إلى الأقسام الثلاثة باصطلاح الفلاسفة فإنهم يثبتون الحواس الباطنية وعندهم الأمور الإضافية موجودة يمكن رؤيتها، فاللائق إجراء الكلام على طريقتهم.
(قوله: يتعاقبان على محل واحد) أى: يوجدان على التعاقب فى محل واحد ولا يجتمعان. (وقوله: يتعاقبان) أى: يمكن ذلك،
стр. 1304
(كالسواد والبياض) فى المحسوسات (والإيمان والكفر) فى المعقولات، والحق أن بينهما تقابل العدم والملكة؛ لأن الإيمان هو تصديق النبى ﷺ فى جميع ما علم مجيئه به بالضرورة؛ ...
===
لا أنه بالفعل؛ لأن الضدين قد يرتفعان، ثم إن المحل قد يراد به ما يقوم به الشىء فى الجملة، فيشمل المادة وهى الهيولى باعتبار عروض الصور النوعية لها كالطين باعتبار عروض الصور كالزيرية والإبريقية له، فعلى هذا يدخل فى التعريف التضاد بين الجواهر أعنى الصور النوعية كالإبريق والزير، ومن أراد أن يخرج من التعريف الأنواع المتنافية من الجواهر لقصره التضاد على المعانى كالسواد والبياض، أو على المتصف بها باعتبارها كالأسود والأبيض لا باعتبار ذات المتصف جعل مكان المحل الموضوع، فقال يتعاقبان على موضوع واحد؛ وذلك لأن الموضوع مخصوص بالجوهر ذى الصورة، فعلى هذا لا يتقابل إلا الأعراض، فتخرج الأنواع وتبقى المعانى، ثم إنه فى بعض النسخ تقييد الأمرين الوجوديين بكونهما بينهما غاية الخلاف، فيخرج بهذا القيد التعاند كالتقابل بين السواد والحمرة والبياض والصفرة، وعلى ما فى هذه النسخة يكون ما ذكره الشارح تعريفا للتضاد الحقيقى، وفى بعض النسخ إسقاط هذا القيد فيكون التعريف المذكور تعريفا للتضاد المشهور الشامل للتعاند، والحاصل أنه على اعتبار القيد فى التعريف تكون أنواع التقابل خمسة التماثل والتناقض، وتقابل العدم والملكة والتضاد والتعاند، وعلى عدم اعتباره فيه يكون التعريف شاملا للتضاد الحقيقى وللمشهور، وتكون أنواع التقابل منحصرة فى أربعة: التماثل والتناقض والتضاد وتقابل العدم والملكة
(قوله: كالسواد والبياض) فيقال ذهب السواد وجاء البياض، أو السواد لون قبيح والبياض لون حسن، وقوله فى المحسوسات أى: حال كونهما من المحسوسات.
(قوله: والإيمان والكفر) نحو ذهب الكفر وجاء الإيمان، والإيمان حسن والكفر قبيح، (وقوله: فى المعقولات) حال أى: حال كونهما من المعقولات
(قوله: والحق أن بينهما) أى: بين الإيمان والكفر تقابل العدم والملكة أى: لا تقابل التضاد كما هو ظاهر كلام المصنف وهو مبنى على أن الكفر وجودى، فالإيمان تصديق النبى- صلّى الله
стр. 1305
أعنى: قبول النفس لذلك، والإذعان له؛ على ما هو تفسير التصديق فى المنطق عند المحققين، مع الإقرار به باللسان. والكفر عدم الإيمان عما من شأنه الإيمان، وقد يقال:
الكفر إنكار شىء من ذلك؛ فيكون وجوديا؛ ...
===
عليه وسلم- فى كل ما علم مجيئه به بالضرورة كالوحدانية والبعث والرسالة، والكفر على هذا القول: هو الجحد لشىء من ذلك كما سيأتى، والجحد أمر موجود كالتصديق فكان المناسب جعل ذلك من شبه التضاد.
(قوله: أعنى) أى: بالتصديق
(قوله: والإذعان له) أى: الانقياد له وهو تفسير لما قبله، والإذعان والانقياد يرجع لكلام نفسانى وهو قول النفس آمنت وصدقت
(قوله: عند المحققين) كالقطب الشيرازى، وظاهر الشارح أن التصديق عند المحققين من المناطقة هو الإذعان بوقوع النسبة أولا وقوعها- وليس كذلك- لاتفاق المناطقة على أن التصديق قسم من أقسام العلم، والإذعان المذكور ليس علما كما علمت، وإنما التصديق عند المحققين من المناطقة إدراك أن النسبة واقعة، أو ليست بواقعة على وجه الإذعان والقبول، وعند غيرهم وهو المشهور: إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة مطلقا أى: ولو كان ذلك الإدراك ليس على وجه الإذعان، وأما التصديق عند المتكلمين فهو الإذعان لما علم مجىء النبى به وقبول النفس لذلك ومرجعه لكلام نفسى.
(قوله: مع الإقرار به باللسان) أى: ولو مرة فى العمر
(قوله: والكفر عدم الإيمان إلخ) ذكر الشيخ يس عن بعضهم: أنه على هذا القول يقال: الإيمان مخلوق لله تعالى والكفر غير مخلوق؛ لأن الخلق إنما يتعلق بالأمور الموجودة كالإرادة، فيصح أن يقال: الكفر ليس مرادا لله، إذ لو كان مرادا للزم وجود المعدوم وإنه باطل- نعم على القول بأن الكفر وجودى يقال فيه إنه مخلوق، ومراد له كالإيمان- فتأمل.
(قوله: عما من شأنه الإيمان) خرج به الجمادات والحيوانات العجم، فلا يقال:
إنها كافرة؛ لأنه ليس من شأنها أن تتصف بالإيمان، وهكذا شأن تقابل العدم والملكة لا بد فيه من اعتبار قبول المحل
(قوله: وقد يقال الكفر إنكار شىء من ذلك) أى: مما علم مجىء النبى به بالضرورة، وأورد على هذا القول أنه يقتضى ثبوت الواسطة بين
стр. 1306
فيكونان متضادين.
(وما يتصف بها) أى: بالمذكورات؛ كالأسود والأبيض، والمؤمن والكافر، وأمثال ذلك، فإنه يعد من المتضادين باعتبار الاشتمال على الوصفين المتضادين (أو شبه تضاد؛ ...
===
الإيمان والكفر، فالشاك والجاهل الذى لم يذعن ولم يجحد ليس بمؤمن ولا كافر، مع أنه لا واسطة بينهما، وأجيب بأن المراد بقولهم الكفر إنكار شىء أى: حقيقة أو حكما؛ لأنه إذا ادعى وأقيم له المعجزة والدليل، فتردده إنما هو لإنكاره، فكلا منا فيمن دعى وهو لا يكون إلا مصدقا أو منكرا، وليس كلا منا فيمن لم تبلغه دعوة.
واعلم أنه على التحقيق من أن التقابل بين الإيمان والكفر من تقابل العدم والملكة عدم الواسطة بينهما ظاهر؛ لأن الشاك والجاهل داخلان فى الإنكار لانتفاء التصديق منهما
(قوله: فيكونان متضادين) أى: وحينئذ فيصح التمثيل الذى ذكره المصنف.
(قوله: وما يتصف بها) عطف على السواد أى: وكالذوات المتصفة بالمذكورات
(قوله: كالأسود إلخ) أى: فيقال: الأسود ذهب، والأبيض جاء، والمؤمن حضر، والكافر غاب
(قوله: وأمثال ذلك) عطف على الأسود أى: كسوداء، وبيضاء، ومؤمنة، وكافرة، أو على ضميريها كالإطاعة والعصيان، فيقال: الطائع جاء، والعاصى ذهب
(قوله: فإنه) أى: ما يتصف بالمذكورات، وهذا توجيه لجعل الذوات الموصوفة بالمذكورات متضادة
(قوله: باعتبار الاشتمال إلخ) أى: على وجه الدخول فى المفهوم لا باعتبار ذاتيهما بقطع النظر عن وصفيهما، فإنه لا تضاد بينهما، فذات الأبيض وذات الأسود قطع النظر عن وصفيهما وهما البياض والسواد لا تضاد بينهما لعدم تواردهما على المحل لكونهما من الأجسام لا الأعراض ولعدم العناد بينهما
(قوله: أو شبه تضاد) بألّا يكون أحد الشيئين ضدا للآخر ولا موصوفا بضد ما وصف به الآخر، ولكن يستلزم كل منهما معنى ينافى ما يستلزمه الآخر وهو قسمان ما يكون فى المحسوسات كالسماء والأرض، وما يكون فى المحسوسات والمعقولات كالأول والثانى فيقال:
السماء مرفوعة لنا والأرض موضوعة لنا، والأول سابق والثانى لاحق، فالجامع بين
стр. 1307
كالسماء والأرض) فى المحسوسات، فإنهما وجوديان؛ أحدهما: فى غاية الارتفاع، والآخر: فى غاية الانحطاط؛ وهذا معنى شبه التضاد، وليسا متضادين؛ لعدم تواردهما على المحل؛ لكونهما من الأجسام دون الأعراض، ولا من قبيل الأسود والأبيض؛ لأن الوصفين المتضادين هاهنا ليسا بداخلين فى مفهومى السماء والأرض.
===
المسند إليهما وهمى لتحققه بشبه التضاد بينهما
(قوله: كالسماء والأرض) أى: كشبه التضاد الذى بين السماء والأرض
(قوله: أحدهما فى غاية الارتفاع إلخ) المراد بالغاية هنا الكثرة وإن لم تبلغ النهاية، فاندفع ما يقال: إن السماء الأولى ليست فى غاية الارتفاع؛ لأن ما فوقها أرفع منها والأرض العليا ليست فى غاية الانحطاط، وما أجاب به بعضهم:
من أن المراد بالسماء مجموع السموات، وبالأرض مجموع الأرضين- ففيه نظر؛ لأن الذى فى غاية الارتفاع العرش، والذى فى غاية الانحطاط الماء الذى تحت الأرض السابعة.
(قوله: وهذا) أى: كون أحدهما فى غاية الارتفاع والآخر فى غاية الانحطاط معنى إلخ، فشبه التضاد هو الكونية المذكورة.
(قوله: وليسا إلخ) يعنى أن السماء والأرض لما لم يتعاقبا على موضوع أصلا لم يكونا متضادين فهما خارجان من تعريف التضاد بقوله: يتعاقبان على محل واحد. قال سم: وكأن وجه ذلك أن بينهما بعدا كثيرا كما بين المتضادين
(قوله: دون الأعراض) ظاهر هذا الكلام يدل أن التوارد على المحل إنما هو فى الأعراض- وفيه نظر لما عرفت أن المحل أعم من الموضوع والمختص بالأعراض هو الثانى لا الأول
(قوله: ولا من قبيل إلخ) إشارة إلى سؤال نشأ مما سبق وجوابه، أما السؤال فهو أن يقال: جعل الأبيض والأسود من قبيل المتضادين باعتبار اشتمالهما على الوصفين المتضادين- فلم لم يجعل السماء والأرض من هذا القبيل بهذا الاعتبار؟ وحاصل الجواب أنهما لم يجعلا من قبيل الأسود والأبيض؛ لأن الوصفين المتضادين فى الأبيض والأسود جزءان من مفهوميهما؛ لأن الأسود شىء ثبت له السواد والأبيض شىء ثبت له البياض بخلاف السماء والأرض، فإن الوصفين المتضادين فيهما وهما الارتفاع والانحطاط لازمان لهما وليسا داخلين فى مفهوميهما، فإن السماء جرم مخصوص تنوسى فيه معنى السمو والأرض
стр. 1308
(والأول والثانى) فيما يعم المحسوسات والمعقولات، فإن الأول: هو الذى يكون سابقا على الغير، ولا يكون مسبوقا بالغير. والثانى: هو الذى يكون مسبوقا بواحد فقط، فأشبها المتضادين باعتبار اشتمالهما على وصفين لا يمكن اجتماعهما، ولم يجعلا متضادين، كالأسود والأبيض؛ لأنه قد يشترط فى المتضادين أن يكون بينهما غاية الخلاف، ولا يخفى أن مخالفة الثالث والرابع وغيرهما للأول أكثر من مخالفة الثانى له، مع أن العدم معتبر فى مفهوم الأول، فلا يكون وجوديا.
===
جرم مخصوص لم يراع فيه الانحطاط، ولكونهما لازمين جعلا شبيهين بالمتضادين، وعلى تسليم إشعار السماء بالسمو، وأنه لم يتناس فيها، فالأرض لا تشعر بالانحطاط الذى هو المقال الآخر
(قوله: والأول والثانى) أى: وكشبه التضاد الذى بين مفهوم لفظ الأول ومفهوم لفظ الثانى، فيقال المولود الأول سابق والثانى مسبوق، ونحو الأب أول والابن ثان
(قوله: المحسوسات) كما مثل والمعقولات كقولهم علم الأب أول وعلم الابن ثان
(قوله: فإن الأول) أى: وإنما كان بين مفهوميها شبه تضاد فإن مفهوم لفظ الأول
(قوله: هو الذى يكون سابقا على الغير) أى: سواء كان محسوسا أو معقولا، (وقوله:
يكون سابقا على الغير) أى: على فرض أن لو وجد غير
(قوله: والثانى) أى: ومفهوم لفظ الثانى
(قوله: فقط) هو بمعنى لا غير فبهذا الاعتبار صار مفهوم الثانى محتويا على قيدين أحدهما وجودى والآخر عدمى كما أن مفهوم الأول كذلك
(قوله: فأشبها المتضادين) أى: كالأبيض والأسود
(قوله: على وصفين لا يمكن اجتماعهما) وهما عدم المسبوقية أصلا والمسبوقية بواحد
(قوله: لأنه قد يشترط إلخ) أى: كما هو أحد القولين وإن كان الشارح أسقطه سابقا فى تعريف الضدين كما فى أكثر النسخ، وأشار الشارح بقد إلى قلة هذا الاشتراط لقلة القائلين به وإلى ضعف القول به
(قوله: ولا يخفى إلخ) علة لمحذوف أى: وهذا الشرط غير موجود هنا؛ لأنه لا يخفى إلخ
(قوله: مع أن العدم إلخ) رد ثان
(قوله: فلا يكون وجوديا) أى: وحينئذ فلا يكونان ضدين؛ لأنهما الأمران الوجوديان، وظاهر هذا أن التقابل بينهما تقابل السلب والإيجاب أو العدم والملكة، وعبارة المطول مع أن العدم معتبر فى مفهوميهما فلا يكونان وجوديين وهى ظاهرة أيضا، أما اعتبار العدم فى مفهوم الأول فظاهر؛ لأنه قال فيه: ولا يكون مسبوقا بشىء
стр. 1309
(فإنه) أى: إنما جعل التضاد وشبهه جامعا وهميا لأن الوهم (ينزلهما منزلة التضايف) فى أنه لا يحضره أحد المتضادين، أو الشبهين بهما إلا ويحضره الآخر (ولذلك تجد الضد أقرب خطورا بالبال مع الضد) من المغايرات الغير المتضادة؛
===
أصلا فلم يكن وجوديّا؛ لأن الوجودى ما لا يشتمل مفهومه على عدم، وأما اعتباره فى مفهوم الثانى فلاعتبار قيد فقط فيه التى هى بمعنى لا غير، وحاصل ما ذكره الشارح أن الأول والثانى لا يكونان متضادين عند من يشترط فى المتضادين أن يكون بينهما غاية الخلاف ولا عند من لم يشترط ذلك، أما عند من يشترط فظاهر؛ لأن مخالفة الثالث والرابع فما فوقهما للأول أكثر من مخالفة الثانى له، وأما عند من لم يشترط أن يكون بينهما غاية الخلاف فيمتنع أيضا جعلهما من المتضادين لكن لا من هذه الحيثية، بل من حيثية أخرى وهو كون الأول معتبرا فى مفهومه العدم، فلا يكون وجوديّا، فلا يكون ضدّا لغيره لما علم أن الضدين هما الأمران الوجوديان إلخ.
(قوله: فإنه) أى: الوهم
(قوله: إنما جعل التضاد) أى: أو الاتصاف بالمتضادين
(قوله: ينزلهما منزلة التضايف) يعنى أن التضاد عند الوهم كالتضايف عند العقل فكما لا ينفك أحد المتضايفين عن الآخر عند العقل، بل متى خطر أحدهما خطر الآخر، وبذلك الارتباط جمعهما عند المفكرة كذلك لا ينفك أحد المتضادين عن الآخر عند الوهم، وبذلك الارتباط جمعهما عند المفكرة، وليس المراد أن الوهم يعتبر التضاد داخلا فى التضايف حتى يرد أنه إذا كان أحد الضدين لا ينفك عن الآخر عنده يكون التضاد جامعا عنده من غير حاجة إلى تنزيله منزلة التضايف، على أنه إذا كان التضاد داخلا فى التضايف فلا معنى للتنزيل
(قوله: فى أنه) أى: الوهم وهو متعلق بمنزلة
(قوله: لا يحضره) أى: لا يحضر فيه، وكذا يقال فيما بعده
(قوله: ولذلك) أى: ولأجل ذلك أى: لأجل تنزيله التضاد منزلة التضايف بالمعنى المذكور وهو أنه متى خطر أحد الضدين فى الوهم خطر فيه الآخر تجد الضد أقرب خطورا بالبال أى: فى الوهم بدليل قول الشارح بعد: وإلا فالعقل إلخ، (وقوله: مع الضد) أى: مع خطور الضد وهو متعلق بالخطور
(قوله: من المغايرات) متعلق بأقرب أى: أقرب من سائر خطور المغايرات
стр. 1310
يعنى: أن ذلك مبنى على حكم الوهم، وإلا فالعقل يتعقل كلا منهما ذاهلا عن الآخر.
(أو خيالى) وهو أمر بسببه يقتضى الخيال اجتماعهما فى المفكرة، وذلك
===
الغير المتضادة أى: بعضها مع بعض، فإذا خطر السواد فى الوهم كان ذلك أقرب لخطور البياض فيه من خطور القيام والقعود والأكل والشرب فيه؛ وذلك لأن هذه لا يجمعها الوهم لعدم غلبة خطورها مع ما يغايرها مما سوى الضد بخلاف الضدين، فإن الوهم يحكم باجتماعهما والسبب فى ذلك أن المقابل للشىء فيه ما يشعر بمنافاة مقابله فيستنشق منه ذلك المقابل والوهم لا يبحث عن صحة وجود أحدهما بدون الآخر، فلذا حكم بالاجتماع
(قوله: يعنى أن ذلك) أى: كون التضاد وشبهه جامعا مبنى على حكم الوهم أى: تصوره وإدراكه حكما على خلاف الواقع بتلازمهما فى الحضور عنده، فقد جاز إذا لحوق الضدين بالمتضايفين
(قوله: على حكم الوهم) أى: لا على العقل، (وقوله: وإلا) أى: وإلا نقل على حكم الوهم، بل قلنا على حكم العقل فلا يصح؛ لأن العقل يتعقل كلا منهما ذاهلا عن الآخر بخلاف المتضايفين، وحينئذ فلا يحكم بتلازمهما فى الحضور عنده فلا يكون التضاد وشبهه جامعا عقليا.
(قوله: أو خيالى وهو أمر إلخ) أنت خبير بأن الذى أوجب الجمع بين الشيئين عند المفكرة هو قوة العقل المدركة لا خزانتها، وكذلك فى الوهم كما تقدم، وقد خالف هنا فلم يجعل القوة المدركة للصور الحسية التى هى الحس المشترك مقتضية للجمع فى المفكرة، بل جعل خزانتها التى هى الخيال هى المقتضية لذلك، فكان المناسب حيث جعل القوة التى جمعت بين الشيئين عند المفكرة هى القوة المدركة فى العقلى والوهمى أن يجعلها كذلك فى الخيال فيسميه حسيا، لكن تساهل فجعلها هى الخيال التى هى الخزانة للحس المشترك إشارة إلى أن هذه القوى يمكن أن ينسب حكم المدركة منها إلى خزانتها، والعكس من جهة أن هذه القوى كما قيل بمنزلة المرائى المقابل بعضها لبعض فهى يرتسم فى كل منها ما ارتسم فى الآخر، تأمل. اه يعقوبى.
ومن هنا علم أن قول الشارح: يقتضى الخيال فيه مسامحة أى: يقتضى الحس المشترك الذى خزانته الخيال كما مر، ويمكن أن يقال: لم ينسب الجامع للحس المشترك؛
стр. 1311
(بأن يكون بين تصوريهما تقارن فى الخيال ...
===
لأن النسبة للخيال أخف من النسبة إلى المشترك إن نسب إلى الصفة، ولم ينسب إلى الموصوف، ولم يقل حسى مخافة اللبس بالنسبة إلى إحدى الحواس الخمس الظاهرة
(قوله: وهو أمر بسببه يقتضى الخيال اجتماعهما فى المفكرة) أى: وإن كان العقل إذا خلى ونفسه لا يقضى بذلك الاجتماع، ثم إنه لا يشترط أن يكون ذلك الأمر صورة تدرك بالخيال بعد الحس المشترك، بل يكون خياليا ولو كان عقليا بسبب كونه كليا أو وهميا بسبب كونه جزئيا لا يدرك بالحواس، فاندفع الاعتراض بأن التقارن عقلى، إذ لا يحس فحقه أن يكون عقليا أو وهميا، ووجه الاندفاع أن المراد بالجامع فى هذه القوى ما تتوصل كل قوة به إلى الجمع عند المفكرة لا ما يدرك بتلك بالخصوص وهو ظاهر غير أنه يرد عليه أن يقال: التوصل إلى الجمع إنما يكون بإدراك المتوصل به، وكيف تتوصل قوة من تلك القوى إلى جمع المتعاطفات بشىء لا يدرك بها، والجواب أن هذه القوى لا يختص إدراكها بما اختصت به، بل تدرك غيره أيضا، لكن بعد أن تأخذه عن السابق إليه وهو قوته المختصة بإدراكه أولا، ولذلك يحكم العقل على الجزئيات، ويحكم الوهم على الكليات أو الحسيات، ويحكم الخيال على المعانى بعد تصوير الوهم إياها بصور المحسوسات والحكم على الشىء فرع عن تصوره وإدراكه، فعلى هذا الجامع العقلى يقتضى بسببه العقل الجمع عند المفكرة، ولو سبق إليه الوهم لكونه مدركا له بالخصوص أولا، فأخذ منه العقل والجامع الوهمى ما يحتال بسببه الوهم على الجمع عند المفكرة، ولو سبق إليه الخيال لكونه مدركا له بالخصوص أولا، أو سبق إليه العقل لكونه كذلك بالنسبة إليه، ثم أخذه الوهم من أحدهما، والجامع الخيالى هو ما يتعلق بالصور الخيالية ولو كان عقليا أو وهميا فى أصله. اه يعقوبى.
وسيأتى ذلك أيضا فى الشرح
(قوله: بأن يكون بين تصوريهما) الضمير للشيئين، وسيأتى الاعتراض على هذه العبارة فى الشرح، والصواب بأن يكون بينهما
(قوله: تقارن فى الخيال) أى: خيال المخاطب على ما فى الأطول وهو مبنى على الغالب من مراعاة حال المخاطب، والمراد بتقارنهما فى الخيال تقارنهما فيه عند التذكر والإحضار،
стр. 1312
سابق) على العطف لأسباب مؤدية إلى ذلك (وأسبابه) أى: وأسباب التقارن فى الخيال (مختلفة؛ ...
===
وليس المراد بالتقارن فى الخيال أن يكون الشيئان ثابتين فيه؛ لأن الصور المتقاربة والمتباعدة كلها ثابتة فى الخيال؛ لأنه خزانة لها
(قوله: سابق على العطف) أى: سابق ذلك التقارن فى خيال المخاطب على العطف ليكون مصححا له، وأما لو كان التقارن حاصلا بالعطف فلا يكفى- كذا قرر بعضهم، وفى الشيخ يس: أن الظاهر أن هذا القيد لبيان الواقع لا للاحتراز- فتأمله.
(قوله: لأسباب مؤدية إلى ذلك) متعلق بتقارن أى: بأن يكون بينهما تقارن فى الخيال لأجل أسباب مؤدية إلى ذلك التقارن
(قوله: وأسبابه مختلفة) أى: لأن تلك الأسباب وإن كان مرجعها إلى مخالطة ذوات تلك الصور الحسية المقترنة فى الخيال بمعنى أن تلك المخالطة مآل تلك الأسباب ومنشؤها، إلا أن أسباب تلك المخالطة مختلفة فيمكن وجودها عند شخص دون آخر، مثلا إذا كان المخاطب صنعته الكتابة فإنها تقتضى مخالطته لآلاتها من قلم ودواة ومداد وقرطاس فتقترن صور المذكورات بخياله، فيصح أن يعطف بعضها على بعض فيقول القلم عندى والدواة عندك، وإذا تعلقت همته بصنعة الصياغة أوجب ذلك له مخالطة آلاتها وأمورها من سبائك الذهب والفضة، فتقترن صور المذكورات بخياله فيصح أن يعطف بعضها على بعض، وإذا كان من أهل التعيش بالإبل مثلا أوجب له ذلك مخالطتها وأمورها من رعيها فى خصب ناشئ عن المطر النازل من السماء ومن الإيواء بها إلى محل الرعى والحفظ كالجبال، ثم إلى الانتقال بها إلى أرض دون أخرى طلبا للكلأ فتقترن صور المذكورات فى خياله فيصح عطف بعضها على بعض باعتبار من اقترنت بخياله دون غيره، فظهر من هذا أن أسباب المخالطة توجد لشخص دون غيره، وربما كانت مقارنة الصور فى الخيال على وجه الترتيب فتجتمع كذلك عند المفكرة، فإذا عكس ترتيبها لم يحسن لما فيه من التخليط الغير المألوف كما فى قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (١) فلو وقع
стр. 1313
ولذلك اختلفت الصور الثابتة فى الخيالات ترتبا ووضوحا) فكم من صور لا انفكاك بينها فى خيال، وهى فى خيال آخر مما لا تجتمع أصلا، وكم من صور لا تغيب عن خيال وهى فى خيال آخر مما لا يقع قط.
===
العطف فى غير القرآن بذكر الأرض أولا، ثم الجبال، ثم السماء، ثم الإبل لم يحسن؛ لأن صور المذكورات لم تقترن فى خيال أصحابها على هذا الوجه فلم تتضح فيها كذلك، والمعتبر خيال السامع؛ لأنه الذى يراعى حاله فى غالب الخطاب لا خيال المتكلم
(قوله: ولذلك) أى: ولأجل اختلاف أسباب التقارن اختلفت الصور الثابتة فى الخيال أى: التى من شأنها ذلك، وأشار بقوله ترتبا ووضوحا إلى أن المختلف بسبب اختلاف الأسباب هو ترتب الصور ووضوحها باعتبار الخيالات
(قوله: ترتبا ووضوحا) تمييز محول عن فاعل اختلفت أى: اختلف ترتب الصور ووضوحها، والمراد بترتبها اجتماعها فى الخيال بحيث لا تنفك عن بعض، والمراد بوضوحها عدم غيبتها عن الخيال كما يؤخذ من كلام الشارح أى: اختلفت اجتماعا وعدم اجتماع، وضوحا وعدم وضوح.
(قوله: فكم من صور إلخ) أى: لأنه كم من صور وهذا التعليل راجع لما قبله على سبيل اللف والنشر المرتب، فقوله فكم من صور لا انفكاك إلخ: راجع لاختلاف الصور ترتبا، (وقوله: وكم من صور لا تغيب إلخ) راجع لاختلافها وضوحا، (وقوله:
فكم من صور لا انفكاك إلخ) كصورة القلم والدواة والقرطاس، (وقوله: لا انفكاك بينها فى خيال) أى: كخيال الكاتب الذى تعلقت همته بالكتابة، فإذا حضرت صورة أحدها فى خياله حضر صور الباقى، وذلك لكثرة إلف خياله لها، (وقوله: وهى فى آخر مما لا تجتمع) أى: كخيال النجار أو البناء فإن صور هذه المذكورات لا تجتمع فى خياله، وإن استحضر واحدا منها بأن رآه لم يقارنه الباقى لقلة إلف خياله به، وهذا مناسب لما قدرناه بقولنا: وعدم اجتماع
(قوله: وكم من صور لا تغيب إلخ) أى: كصورة محبوب زيد، فإنها لا تغيب عن خيال زيد ولا تقع فى خيال عمرو الذى هو غير محب، وقول الشارح: وهى فى خيال آخر مما لا يقع قط هذا مناسب لما قدرناه سابقا بقولنا وعدم وضوح وقد علم من كلام الشارح هذا أن المراد بالترتب ارتباط الصور فى الخيال بحيث
стр. 1314
(ولصاحب علم المعانى فضل احتياج إلى معرفة الجامع) لأن معظم أبوابه الفصل والوصل، وهو مبنى على الجامع (لا سيما) الجامع (الخيالى؛ فإن جمعه على مجرى الإلف والعادة) ...
===
لا تنفك، والمراد بالوضوح عدم غيبتها عن الخيال، وفيه أن الترتب والوضوح بهذا المعنى متلازمان؛ وذلك لأن الصور المقترنة فى الخيال بعد فرض تقارنها لا تنفك فى ذلك الخيال فوضوحها فى خيال يقتضى عدم انفكاكها فيه، وحينئذ فلا يكون لاختلاف التفسيرين فائدة لصحة أن يفسر كل منهما بما ذكر للآخر، بل لا وجه لذكرهما معا لإغناء أحدهما عن الآخر، فلعل الأولى أن يفسر الترتب بأن يكون حضور الصور على وجه مخصوص لا يكون فى آخر كذلك، فالخيالات قد تشترك فى وضوح تلك الصور فيها، لكن ترتبها فى بعض الخيالات خلاف ترتبها فى غير ذلك البعض، فقد اختلف الترتب مع الوضوح بهذا الاعتبار.
(قوله: ولصاحب علم المعانى فضل احتياج) أى: زيادة احتياج أى حاجة أكيدة، فهو من إضافة الصفة للموصوف، وقصد المصنف بهذا حث صاحب هذا العلم على معرفة جزئيات الجامع الواقعة فى التركيب فى مقام الفصل والوصل، وبهذا اندفع ما يقال: إن صاحب هذا العلم يعرف أن الجامع العقلى أمور ثلاثة، والوهمى ثلاثة والخيالى واحد، فلا معنى لحثه على معرفتها، وإنما الذى يحث على معرفتها طالب هذا العلم، فكان الأولى للمصنف أن يقول: ولطالب علم المعانى
(قوله: لأن معظم أبوابه إلخ) هذا الكلام على وجه المبالغة، والمعنى المراد أن علم المعانى معياره باب الفصل والوصل، بمعنى أن من أدركه كما ينبغى لم يصعب عليه شىء من سائر الأبواب بخلاف العكس، أو المراد بالمعظم الأصعب- كما قرره بعضهم.
(قوله: وهو مبنى على الجامع) أى: وجودا وعدما أى: وإذا كان باب الفصل والوصل بمنزلة كل أبواب علم المعانى لسهولة إتقانها عن إتقانه، وهذا الباب مبنى على الجامع تأكدت حاجة صاحب هذا العلم إلى معرفة الجامع
(قوله: لا سيما الجامع الخيالى) أى: لا مثل الجامع الخيالى موجود فى التأكيد بمعنى: أنه أوكد أنواع الجامع الثلاثة.
(قوله: فإن جمعه) أى: فإن الجمع بسببه، وهذا علة لقوله لا سيما إلخ
(قوله: على مجرى الإلف)
стр. 1315
بحسب انعقاد الأسباب فى إثبات الصور فى خزانة الخيال، وتباين الأسباب ...
===
أى: مبنى على جريان المألوف أى: على جريان الصورة المألوفة والمعتادة، والمراد بجريانها وقوع ذلك المألوف من الصور والمعتاد منها وقوعا متكررا فى الخيالات والنفوس، فبذلك يحصل الاقتران الذى هو الجامع
(قوله: بحسب انعقاد) أى: وجود الأسباب متعلق بمجرى، والمعنى أن الجمع به مبنى على وجود الصور المألوفة فى الخيال ووجودها فيه بحسب الأسباب المقتضية لإثبات تلك الصور واقترانها فى الخيال، كصنعة الكتابة فإنها سبب فى اقتران القلم والدواة
(قوله: فى إثبات الصور) متعلق بالأسباب وإضافة خزانة للخيال بيانية، وقوله فى خزانة: متعلق بإثبات.
(قوله: وتباين الأسباب) أى: والأسباب المتباينة المقتضية لإثبات صور المحسوسات فى الخيال وهو مبتدأ، (وقوله: مما يفوته الحصر) أى: الضبط، والعد خبره، ولكون تلك الأسباب لا تحصر كان الجامع الخيالى أكثر الجوامع وقوعا، والاحتياج إليه أشد.
واعلم أن تلك الأسباب المقتضية لإثبات الصور فى الخيال تختلف باختلاف الأشخاص والأغراض والأزمنة والأمكنة لما سبق لك أن منشأ تلك الأسباب المخالطة وأسباب المخالطة مختلفة، فيمكن وجودها عند شخص دون آخر، وحيث كانت تلك الأسباب لا تنحصر، فاختلاف الصور باعتبار الحضور فى الخيالات لا ينحصر أيضا، ولهذا نجد الشىء الواحد يشبه بصور من الصور الحسية المخزونة فى الخيال، فيشبهه كل شخص بصورة مخالفة لما يشبهه بها الآخر لكون تلك الصورة التى شبهه بها كل واحد هى الحاضرة فى خياله. كما روى أن سلاحيا وصائغا وبقارا ومؤدب أطفال طلع عليهم البدر بعد التشوف إليه، فأراد كل واحد أن يشبهه بأفضل ما فى خزانة خياله فشبهه الأول بالترس المذهب، والثانى بالسبيكة المدورة من الإبريز، والثالث بالجبن الأبيض يخرج من قالبه، والرابع برغيف أحمر يصل إليه من بيت ذى ثروة، فالصور التى من شأنها حصولها فى الخيال اختلفت فى حضورها فى الخيالات بمعنى أنها وجدت فى خيال دون آخر؛ لأن كل شخص شبه بما هو ملائم لما هو مخالطه فإن من خالط شيئا
стр. 1316
مما يفوته الحصر، فظهر أن ليس المراد بالجامع العقلى ما يدرك بالعقل، وبالوهمى ما يدرك بالوهم، وبالخيالى ما يدرك بالخيال؛ لأن التضاد وشبهه ليسا من المعانى التى يدركها الوهم، وكذا التقارن فى الخيال ليس من الصور التى تجتمع فى الخيال، بل جميع ذلك معان معقولة، وقد خفى هذا على كثير من الناس فاعترضوا بأن السواد والبياض- مثلا- من المحسوسات دون الوهميات، ...
===
فلا بد أن يغترف من بحره
(قوله: مما يفوته الحصر) أى: مما يتجاوزه ولا يتسلط عليه الحصر
(قوله: فظهر) أى: من تفسير الشارح للجوامع الثلاثة بما تقدم
(قوله: ما يدرك بالعقل) أى: خصوص ما يدرك بالعقل وهكذا، بل المراد بالعقلى أمر بسببه يقتضى العقل الاجتماع فى المفكرة، سواء كان من مدركاته بنفسه أو لا، وبالوهمى أمر بسببه يقتضى الوهم الاجتماع فى المفكرة سواء كان من مدركاتها بنفسه أو لا، وكذلك الخيال
(قوله: لأن التضاد إلخ) لم يلتفت فى التعليل إلى الجامع العقلى لصحة إدراك العقل ما ذكره المصنف فيه من الاتحاد والتماثل والتضايف، وإن كان الجامع العقلى قد يكون مدركا للوهم
(قوله: ليس من الصور) أى: بل هو وصف للصور
(قوله: بل جميع ذلك) أى: جميع الجوامع المتقدمة وهى سبعة
(قوله: معان معقولة) أى: يدركها العقل لكونها معان كلية إن لم تضف إلى شىء أو أضيفت إلى كلى، فإن أضيفت إلى جزئى كانت من مدركات الوهم فالتماثل مثلا إن اعتبر غير مضاف أو مضافا لكلى كان من مدركات العقل، وإن اعتبر مضافا للجزئى كان من مدركات الوهم
(قوله: وقد خفى هذا) أى: قولنا ليس المراد إلخ: على كثير من الناس، فاعتقدوا أن الجامع العقلى هو ما يدرك بالعقل، والجامع الوهمى هو ما يدرك بالوهم، والجامع الخيالى هو ما يدرك بالخيال، فاعترضوا إلخ.
(قوله: من المحسوسات إلخ) أى: وحينئذ فمقتضاه أن يكون الجامع بينهما خياليا؛ لأن الخيال يدركهما بعد إدراك الحس المشترك فكيف يجعلهما المصنف من الوهميات، ويجعل الجامع بينهما وهميا، مع أن الوهم إنما يدرك المعانى الجزئية، ولا يخفى ضعف هذا الاعتراض عند التأمل؛ لأن الجامع ليس هو نفس الضدين كما لا يخفى حتى يصح هذا الاعتراض.
стр. 1317
وأجابوا بأن الجامع كون كل منهما مضادا للآخر؛ وهذا معنى جزئى لا يدركه إلا الوهم؛ وفيه نظر؛ لأنه ممنوع، وإن أرادوا أن تضاد هذا السواد لهذا البياض معنى جزئى فتماثل هذا مع ذاك وتضايفه معه أيضا معنى جزئى، فلا تفاوت بين التماثل والتضايف وشبههما فى أنها إن أضيفت إلى الكليات كانت كليات، وإن أضيفت إلى الجزئيات كانت جزئيات، فكيف يصح جعل بعضها على الإطلاق عقليا وبعضها وهميا؟ !
===
(قوله: وأجابوا) عطف على اعترضوا
(قوله: وهذا) أى: كون كل منهما مضادا للآخر
(قوله: وفيه نظر) أى: فى هذا الجواب نظر من حيث قوله وهذا معنى جزئى
(قوله: لأنه ممنوع) أى: لأنا لا نسلم أن تضاد البياض للسواد معنى جزئى، بل هو كلى؛ لأن التضاد المأخوذ مضافا لكلى كلى
(قوله: أن تضاد هذا السواد) أى: المخصوص، (وقوله:
لهذا البياض) أى: المخصوص
(قوله: فتماثل إلخ) أى: فمسلم، ولكنه معارض بالمثل؛ لأن تماثل هذا أى كزيد، (وقوله: مع ذاك) أى: مع عمرو مثلا
(قوله: فتماثل) أى: فنقول تماثل هذا إلخ أى: فالأخذ بهذا المراد يؤدى لفساد كلام المصنف أو للتحكم
(قوله: وشبههما) أى: وغيرهما من بقية الجوامع، (وقوله: فى أنها) أى: التماثل والتضايف وغيرهما مثل التضاد وشبهه
(قوله: إلى الكليات) كقولك تضاد البياض للسواد، (وقوله: إلى الجزئيات) كقولك تضاد هذا البياض لهذا السواد، فإن هذا البياض الذى أضيف إليه التضاد معنى جزئى
(قوله: كانت كليات) فتكون من مدركات العقل
(قوله: كانت جزئيات) أى: فتكون من مدركات الوهم
(قوله: فكيف يصح جعل بعضها) وهو الاتحاد والتماثل والتضايف، (وقوله: على الإطلاق) أى: سواء أضيف لكلى أو جزئى
(قوله: وبعضها وهميا) وهو التضاد وشبه التضاد وشبه التماثل، (وقوله: فكيف إلخ؟ ) استفهام إنكارى بمعنى النفى أى: لا يصح ذلك؛ لأنه تحكم محض، ثم إن ما اقتضاه هذا الجواب من أن التضاد المضاف للجزئى جزئى لا يسلم؛ لأنهم صرحوا بأن إمكان زيد كلى؛ لأنه يتعدد باعتبار الأزمنة والأمكنة، وهذا الإمكان جزئى ضرورة أن الإشارة لا تكون إلا للمحسوس المشاهد- اللهم إلا أن يقال: إن هذا الجواب مبنى على تسليم أن التضاد المضاف للجزئى جزئى جدلا، أو أن المراد بالجزئى فى كلامه الجزئى
стр. 1318
ثم إن الجامع الخيالى هو تقارن الصور فى الخيال، وظاهر أنه ليس كصورة ترسم فى الخيال، بل هو من المعانى، فإن قلت: كلام المفتاح مشعر بأنه يكفى لصحة العطف وجود الجامع بين الجملتين باعتبار مفرد من مفرداتهما؛ وهو نفسه معترف بفساد ذلك حيث منع صحة نحو: خفى ضيق وخاتمى ضيق، ونحو:
الشمس ومرارة الأرنب وألف باذنجانة محدثة- قلت: كلامه هاهنا ليس إلا فى بيان الجامع بين الجملتين، ...
===
الإضافى لا الحقيقى، ولا شك أن الجزئى الإضافى يصدق على الكلى كما بين فى محله- فتأمل.
(قوله: ثم إن الجامع الخيالى إلخ) هذا اعتراض من الشارح على البعض القائل:
إن الجامع العقلى هو ما يدرك بالعقل، والمراد بالجامع الخيالى ما يدرك بالخيال، وتوضيحه أن ذلك البعض لما فسر الجوامع المذكورة بما يدرك بهذه القوى، واعترض على التفسير المذكور بالجامع الوهمى، قال له الشارح: اعلم أن الاعتراض بالجامع الوهمى فيه قصور، إذ حيث كان المراد بالجوامع المذكورة ما يدرك بهذه القوى، فلا يصح هذا التفسير فى الجامع الخيالى أيضا- قرر ذلك شيخنا العدوى.
(قوله: بل هو) أى: التقارن من المعانى أى: المدركة بالعقل، أو بالوهم على التفصيل المتقدم
(قوله: فإن قلت) أى: معترضا على السكاكى بوقوع التنافى فى كلامه، والغرض من ذكر الشارح لهذا الاعتراض- والجواب عنه- التوطئة والتمهيد للاعتراض على المصنف حيث وقع الخلل فى كلامه
(قوله: مشعر إلخ) أى: لأنه قال الجامع بين الجملتين إما عقلى وهو أن يكون بين الجملتين اتحاد فى تصور ما إلخ، ومن المعلوم أن الكلام فى الجامع المصحح للعطف، إذ ما لا يصحح العطف لا يتعلق الغرض ببيانه وتصور بمعنى متصور وتنوينه يدل على الإفراد
(قوله: وهو بنفسه معترف بفساد ذلك) أى: وحينئذ ففى كلامه تناف
(قوله: حيث منع إلخ) أى: لعدم الجامع بين المسند إليهما وإن كان الجامع بين المسندين موجودا وهو الاتحاد فى التصور
(قوله: محدثة) خبر حذف من الأولين لدلالة الأخير عليه فهو من عطف الجمل
(قوله: قلت) أى: جوابا عن السكاكى، (وقوله: كلامه هنا) أى: قوله الجامع بين الجملتين إلخ، (وقوله: ليس إلا فى
стр. 1319
وأما أن أى قدر من الجامع يجب لصحة العطف- فمفوض إلى موضع آخر، وقد صرح فيه باشتراط المناسبة بين المسندين والمسند إليهما جميعا.
والمصنف لما اعتقد أن كلامه فى بيان الجامع سهو منه ...
===
بيان الجامع بين الجملتين) أى: فى بيان حقيقته من حيث هو وكون ذلك كافيا فى صحة العطف أو لا، فهو شىء آخر.
(قوله: وأما إن إلخ) أى: وأما بيان جواب أن أى: قدر إلخ، وحاصل هذا الجواب أنا لا نسلم أن كلام السكاكى هنا أعنى قوله: والجامع بين الجملتين إلخ فى بيان الجامع المصحح للعطف حتى يلزم التنافى فى كلامه، بل كلامه هنا فى بيان حقيقة الجامع، وأما كونه كافيا أولا فشىء آخر، وقد علم من سابق كلامه من عدم صحة نحو الشمس وألف باذنجانة، ومرارة الأرنب محدثة، ومن لاحق كلامه من عدم صحة نحو: خاتمى ضيق، وخفّى ضيق مع اتحاد المسندين فى المثالين أن الكافى فى صحة العطف وجود الجامع فى كلا الجزأين، فكلامه السابق واللاحق مما يعين المراد من كلامه هنا
(قوله: أى قدر) مبتدأ ويجب خبره والجملة خبر أن واسمها ضمير الشأن، ولا يصح نصب أى: على أنه اسم أن؛ لأن أن لا تدخل على ما له صدر الكلام، وأى هنا:
استفهامية فهى واجبة التصدير
(قوله: فمفوض إلى موضع آخر) أى: فموكول بيانه لموضع آخر وحينئذ فلا تنافى فى كلامه.
(قوله: وقد صرح فيه) أى: فى الموضع الآخر وهو الذى منع فيه صحة نحو:
خفى ضيق، وخاتمى ضيق إلخ
(قوله: لما اعتقد أن كلامه) أى: كلام السكاكى أعنى قوله: والجامع بين الجملتين إما عقلى وهو أن يكون بين الجملتين اتحاد فى تصور ما إلخ
(قوله: فى بيان الجامع) أى: الكافى فى صحة العطف
(قوله: سهو منه) أى: من السكاكى بواسطة السؤال المذكور حيث قال فى الإيضاح: وأما ما يشعر به ظاهر كلام السكاكى فى مواضع من كتابه أنه يكفى أن يكون الجامع باعتبار المخبر عنه، أو الخبر، أو قيد من قيودهما فهو منقوض بنحو: هزم الأمير الجند يوم الجمعة، وخاط زيد ثوبى فيه مع القطع بامتناعه، ولعله سهو منه، فإنه صرح فى مواضع أخر منه بامتناع عطف
стр. 1320
وأراد إصلاحه- غيره إلى ما ترى؛ فذكر مكان [الجملتين] [الشيئين] ومكان قوله:
[اتحاد فى تصور ما] [اتحاد فى التصور] فوقع الخلل فى قوله: الوهمى أن يكون بين تصوريهما شبه تماثل أو تضاد، أو شبه تضاد، وفى قوله: الخيالى أن يكون بين تصوريهما تقارن فى الخيال؛ لأن التضاد مثلا ...
===
قول القائل: خفى ضيق على خاتمى ضيق مع اتحادهما فى الخبر- اه، فأنت تراه قد حكم على السكاكى بالسهو فى كلامه، ولم يصلحه بتقييده بالسابق واللاحق كما ذكر شارحنا فى الجواب السابق، (وقوله: سهو) خبر لأن
(قوله: وأراد) أى: المصنف وضمير إصلاحه لكلام السكاكى، والجملة حالية
(قوله: غيره) جواب لما (وقوله: إلى ما ترى) أى: إلى ما رأيت. قال العلامة عبد الحكيم: فى ظنى أن تبديل المصنف الجملتين بالشيئين لتعميم الحكم فإن الجامع كما يجب بين الجمل يجب بين المفردات عند عطفها، وكذا المركبات الغير التامة وتعريفه التصور للإشارة إلى التصور المعهود الذى هو جزء من الشيئين، فاللام فيه بمنزلة الصفة فى قول السكاكى فى تصور ما مثل الاتحاد فى المخبر عنه، أو به، أو قيد من قيودهما، إلا أن القسم الأول من الجامع العقلى يكون مختصا بالجمل والمركبات، والثانى والثالث بالمفردات، وليس هذا التغيير لدفع الشبهة المذكورة، فإن المصنف أشار بقوله ظاهر كلام السكاكى: إلى أنه لو حمل كلامه على خلاف الظاهر بقرينة ما ذكره فى الموضع الآخر بأن يكون المراد بيان الجامع مطلقا لا الجامع المصحح للعطف لم ترد الشبهة، وأما ما قاله الشارح من أن تغيير المصنف لكلام السكاكى لأجل الإصلاح ففيه أنه إن أراد بالشيئين ما يعم الجملتين فالشبهة باقية، وإن أراد المفردين فلا معنى للاتحاد فى العلم، فإن اتحاد العلم وتعدده تابع لاتحاد المعلوم وتعدده، وكذا لا معنى لتماثلهما فى العلم وتضايفهما فيه، إذ التماثل والتضايف من أوصاف المعلوم لا العلم، ولم يظهر لى إلى الآن مقصود الشارح- اه كلامه.
(قوله: فوقع الخلل فى قوله) أى: فى قول المصنف، وحاصل إيضاح المقام أن المصنف لما ذكر مكان الجملتين الشيئين، وأقام قوله اتحاد فى التصور مقام قوله: اتحاد فى تصور ما مثل الاتحاد فى المخبر عنه، أو به، أو قيد من قيودهما- ظهر أنه أراد بالتصور
стр. 1321
إنما هو بين نفس السواد والبياض، لا بين تصوريهما؛ أعنى: العلم بهما، وكذا التقارن فى الخيال إنما هو بين نفس الصور. فلا بد من تأويل كلام المصنف، ...
===
الذى اعتبر فيه الاتحاد المعنى المتعارف وهو العلم، فلزمه الفساد فى القولين المذكورين، وهذا الفساد إنما لزم من تغييره، ولا يرد ذلك على عبارة السكاكى؛ لأنه مثل الاتحاد فى تصور بالاتحاد فى المخبر عنه أو فى الخبر أو فى قيد من قيودهما، فعلم أن مراده بتصوريهما فى قوله الوهمى أن يكون بين تصوريهما، والخيالى أن يكون بين تصوريهما متصورهما على قياس ما سبق- اه فنرى.
(قوله: إنما هو بين نفس السواد والبياض) أى: اللذين هما متصوران
(قوله: أعنى) أى: بتصوريهما العلم بهما
(قوله: إنما هو بين نفس الصور) أى: لا بين التصورات، وهذا إنما يظهر على القول بتغاير العلم والمعلوم، فالعلم حصول الصورة فى الذهن، والمعلوم هو الصورة، والتحقيق أنهما متحدان بالذات، وإنما يختلفان بمجرد الاعتبار، فالصورة باعتبار حصولها فى الذهن علم، وباعتبار حصولها فى الخارج معلوم، فالعلم هو الصورة الحاصلة فى الذهن، لا حصول الصورة فى الذهن؛ لأن الإدراك من قبيل الكيف، لا من قبيل الفعل أو الانفعال.
(قوله: فلا بد من تأويل كلام المصنف) أى: بأن يقال: أراد المصنف بتصوريهما مفهوميهما. وهما الأمران المتصوران، وتجعل الإضافة للضمير بيانية، وقد يقال: إن مثل هذا لا يقال فيه أنه خلل، إذ غاية ما فيه إطلاق المصدر على متعلقه وهو أمر لا ينكر؛ لأنه مجاز، والمجاز لا حجر فيه مع وجود العلاقة المصححة- كيف والشارح نفسه حمل التصور فى كلام السكاكى السابق على المتصور؟ حيث قال فيما سبق: وهذا ظاهر فى أن المراد بالتصور الأمر المتصور، ولا يقال: إنما حمله على ذلك وجود القرينة الدالة عليه فى كلام السكاكى؛ لأنا نقول تلك القرينة بعينها، أو ما يقاربها فى كلام المصنف كما يعلم بالتأمل، على أنا لو فرضنا عدم القرينة بالكلية لم يكن فى كلام المصنف خلل، بناء على ما هو التحقيق من أن العلم والمعلوم شىء واحد بالذات، وإنما يختلفان بمجرد الاعتبار على أنه لو كان مراد المصنف بالتصور الأمر المتصور
стр. 1322
وحمله على ما ذكره السكاكى بأن يراد بالشيئين الجملتان، وبالتصور مفرد من مفردات الجملة- غلط مع أن ظاهر عبارته يأبى ذلك.
ولبحث الجامع زيادة تفصيل وتحقيق أوردناها فى الشرح، ...
===
لكان يكفيه عن ذكر التصور أن يقول: الوهمى أن يكون بينهما شبه تماثل إلخ، والخيالى أن يكون بينهما تقارن، مع أنه بصدد تلخيص العبارات ورعاية الاختصار منها، وأيضا إن أريد بالمفهومين المفهومان من حيث إنهما مفهومان حاصلان فى الذهن فلا يصح الحكم بالتضاد؛ لأن المفهوم من حيث إنه مفهوم هو الصورة الحاصلة ولا تضاد بين الصور وإن أريد من حيث ذاتهما لم يصح الحكم بالتقارن فى الخيال؛ لأنه إنما هو بين الصور، وإن أريد مطلقا: فالتضاد بينهما من حيث الوجود العينى والتقارن من حيث الوجود الذهنى، فهذا بعينه يجرى فيما إذا أريد بتصورهما العلم بمعنى الصورة الحاصلة، فإن التضاد بينهما بالنظر إلى الوجود العينى والتقارن باعتبار الوجود الذهنى
(قوله: وحمله) أى: حمل كلام المصنف، وهذا كلام مستأنف رد لما يقال: جوابا عن المصنف:
أنه أراد بالشيئين الجملتين، وإنما غاير للاختصار والتفنن، وأراد بالتصور مفردا من مفردات الجملة إطلاقا للتصور على المتصور وحملا لأل على الجنس لا على العهد، فيرجع كلامه بهذا الاعتبار لما قاله السكاكى، وحاصل الرد أن هذا الحمل غلط؛ لأن المصنف قد رد هذا الكلام فى الإيضاح على السكاكى، وحمله على أنه سهو منه، وقصد بهذا التغيير إصلاحه، فكيف يحمل كلام المصنف على كلامه؟ على أن ظاهر عبارة المصنف يأبى هذا الحمل، إذ ليس فيها ما يدل عليه، إذ المتبادر من الشيئين أى:
شيئين من أجزاء الجملتين لا نفس الجملتين، وكون المراد بالتصور معرفا مفردا من مفردات الجملة بعيدا جدا، إذ المتبادر منه الإدراك، فتعبير المصنف بالتصور معرفا مما يأبى هذا الحمل- هذا محصل كلامه كما يفيده كلام المطول وحواشيه، واعترض بأن المصنف بعد ما حمل فى الإيضاح كلام السكاكى على السهو وفرغ منه قال: ثم قال الجامع بين الشيئين عقلى ووهمى وخيالى، أما العقلى فهو أن يكون بين الشيئين اتحاد فى التصور إلخ ما ذكره، فلا يتعين أن قصده بهذا الكلام إصلاح كلام السكاكى، بل يجوز
стр. 1323
وأنه من المباحث التى ما وجدنا أحدا حام حول تحقيقها.
[محسنات الوصل]:
(ومن محسنات الوصل: ) بعد وجود المصحح (تناسب الجملتين فى الاسمية، والفعلية و) تناسب (الفعليتين ...
===
أن يريد نقل كلامه بعبارة أخصر منه فلا يبعد أن يريد بالشيئين الجملتين، وبالتصور المعلوم التصورى، وقصد بذكره معرفا الإشارة إلى جنس المعلوم التصورى المتناول لكل متصور سواء كان مخبرا عنه أو خبرا أو قيدا من قيودهما، بل حمل كلام المصنف على هذا المعنى هو المتعين، وإلا لم يصح قوله: ثم قال الجامع بين الشيئين إلخ؛ وذلك لأن المصنف ناقل عن السكاكى، فإذا كان مراده غير المعنى المراد للسكاكى لم يصح النقل، إذ كيف ينسب له ما ليس قائلا به
(قوله: وأنه) أى: ما ذكر من زيادة التفصيل والتحقيق.
[محسنات الوصل]:
(قوله: ومن محسنات الوصل) أى: العطف بين الجملتين، وأشار بمن إلى أنه قد بقى من المحسنات أمور أخر كالتوافق فى الإطلاق، والتوافق فى التقييد- كما أشار لذلك الشارح بقوله: أو يراد فى إحداهما الإطلاق إلخ.
(قوله: بعد وجوب المصحح) أى: للعطف ككونهما إنشائيتين لفظا ومعنى، أو معنى فقط، أو خبريتين كذلك، لكن مع جامع عقلى أو وهمى أو خيالى
(قوله: تناسب الجملتين فى الاسمية والفعلية) أى: فى كونهما اسميتين أو فعليتين، فالياء فى اسمية وفعلية ليست للنسبة، وإنما هى ياء المصدر أى: المصيرة مدخولها مصدرا، ثم إن كلام المصنف يقتضى أن الوصل صحيح بدون التناسب المذكور، فيصح عطف الاسمية على الفعلية والعكس، وإنما يعدل للتناسب المذكور لإفادة الحسن فقط. وليس كذلك، إذ التناسب المذكور قد يكون واجبا وقد يكون ممنوعا، فإذا قصد تجريد النسبة فى الجملتين عن الخصوصية بأن أريد مطلق الحصول تعين التناسب فيقال: زيد قائم وصديقه جالس، أو قام زيد وجلس صديقه بناء على أن الاسمية لا تفيد الدوام إلا بالقرائن، وأن الفعلية لا تفيد
стр. 1324
فى المضى، والمضارعة) فإذا أردت مجرد الإخبار من غير تعرض للتجدد فى إحداهما والثبوت فى الأخرى- ...
===
التجدد إلا بها، ولا دلالة لها على أكثر من الثبوت، وكذا يتعين التناسب إذا أريد الدوام فيهما أو التجدد فيهما بناء على إفادة الاسمية للدوام، والفعلية للتجدد، وإن قصد الدوام فى إحداهما والتجدد فى الأخرى امتنع التناسب وتعين أن يقال عند قصد الدوام فى الأول والتجدد فى الثانى: زيد قائم وجلس صديقه، وعند قصد العكس قام زيد وصديقه جالس كما هو ظاهر، وحينئذ فلا يكون التناسب من المحسنات، وأجيب بأن النسبة الواقعة فى الجملتين على ثلاثة أقسام: الأول: أن يقصد تجريدها عن الخصوصية بأن يراد مطلق الحصول، أو يقصد بها الدوام فيهما، أو التجدد كذلك والثانى: أن يقصد الدوام فى إحداهما والتجدد فى الأخرى ولا استحسان فى هذين القسمين، بل التناسب واجب فى الأول وممتنع فى الثانى كما مر الثالث: أن يقصد النسبة فى ضمن أى: خصوصية، وهذا هو محل الاستحسان؛ لأنه يجوز كل من التناسب وتركه لحصول المقصود بكل، لكن التناسب أولى فيكون من المحسنات، فمحل الاستحسان إنما هو عند جواز الأمرين- هذا محصل ما ذكره أرباب الحواشى، ولكن العلامة عبد الحكيم ذكر ما يخالف ذلك حيث قال: إذا كان المقصود منهما التجدد، أو الثبوت أو لم يكن شىء منهما مقصودا فيهما، أو لم يكن مقصودا فى إحداهما دون الأخرى ففى جميع هذه الصور رعاية التناسب بينهما من محسنات العطف، أما فى الصورتين الأخيرتين فظاهر؛ لأن المقصود يحصل بالاختلاف أيضا، لكن التناسب أولى، وأما فى الصورتين الأوليين فلأن وجوب اتفاقهما ليحصل المقصود أعنى: التجدد أو الثبوت لا ينافى أن يكون ذلك الاتفاق محسنا بالنسبة للعطف لتحقق مجوزاته فى صورة اختلافهما أيضا وهو عدم الاختلاف خبرا وإنشاء ووجود الجامع- اه كلامه.
(قوله: فى المضى) أى: بأن يكون فعل كل منهما ماضيا.
(قوله: والمضارعة) أى: بأن يكون فعل كل منهما مضارعا، (وقوله: فى المضى والمضارعة) أى: وفى غيرهما كالإطلاق والتقييد
(قوله: من غير تعرض إلخ) هذا بيان
стр. 1325
قلت: قام زيد وقعد عمرو، وكذا: زيد قائم وعمرو قاعد (إلا لمانع) مثل: أن يراد فى إحداهما التجدد، وفى الأخرى الثبوت فيقال: قام زيد وعمرو قاعد، ...
===
لمجرد الإخبار، وذكر التجدد والثبوت على سبيل التمثيل، والمراد من غير قصد التعرض لقيد زائد على مجرد الإخبار، ولا شك أن كون المقصود مجرد الإخبار من غير قصد أمر زائد لا ينافى دلالته على التجدد أو الثبوت أو غيرهما، فاندفع ما يرد على الشارح من أن قام زيد وقعد عمرو يدلان على التجدد والمضى، وزيد قائم وعمرو قاعد يدلان على الثبوت المقابل للتجدد أعنى الحدوث فى زمان معين من الأزمنة الثلاثة، فكيف يصح التمثيل بهما لمجرد الإخبار، وحاصل ما ذكر من الجواب أن المراد بالتعرض المنفى التعرض بحسب القصد لا بحسب دلالة اللفظ، فقد يكون قصد المتكلم إفادة مجرد نسبة المسند إلى المسند إليه فيأتى بالجملة اسمية كانت أو فعلية فيفيد الكلام مجرد تلك النسبة، وإن كانت الجملة دالة بحسب الأصل على التجدد أو الثبوت، ثم لا يخفى عليك أن اللائق بجعل قوله من غير تعرض إلخ: بيانا لمجرد الإخبار أن يقول من غير تعرض للتجدد والثبوت بدون قوله فى إحداهما، وفى الأخرى، فالأحسن أن يقال: إنه تقييد لمجرد الإخبار- بأن المراد منه ألّا يكون المقصود اختلافهما فى التجدد والثبوت مثلا، وذلك بأن يكون المقصود من الجملتين التجدد أو الثبوت، أو لم يكن شىء منهما مقصودا فيهما، أو لم يكن مقصودا فى إحداهما دون الأخرى، ففى جميع هذه الصور رعاية التناسب بينهما من محسنات العطف- كما مر توجيهه عن العلامة عبد الحكيم.
(قوله: قلت) أى: بناء على هذه الإرادة أى: يلزمك أن تقول ذلك؛ لأنك لو خالفت بينهما أوقعت فى ذهن السامع خلاف مقصودك- اه يس.
وانظر قوله أى: يلزمك مع كون التناسب مستحسنا، فلعل الأولى أن يقول أى: يستحسن أن تقول- فتأمل.
(قوله: إلا لمانع) استثناء من محذوف أى: فلا يترك هذا التناسب اللفظى إلا لمانع يمنع منه فيترك
(قوله: فيقال زيد قام وعمرو يقعد) أى: إذا أريد الإخبار بتجدد القعود لزيد فى المستقبل، والإخبار بتجدد القيام له فيما مضى، وكان الأولى فى المثال
стр. 1326
أو يراد فى إحداهما المضى وفى الأخرى المضارعة فيقال: زيد قام وعمرو يقعد، أو يراد فى إحداهما الإطلاق وفى الأخرى التقييد بالشرط كقوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ (١) ...
===
أن يقول نحو: قام زيد ويقعد عمرو، إلا أن يقال: إنه نبه بهذا المثال على أن الجملة الأولى إذا كان عجزها فعلية فالمناسب رعاية ذلك فى الثانية، ولا يعدل عن التناسب فى العجزين إلا لمانع، كما أن الجملتين الفعليتين الصرفتين أى: اللتين ليستا خبرا عن شىء يطلب التناسب بينهما إلا لمانع- فتأمل.
(قوله: أو يراد فى إحداهما الإطلاق إلخ) يؤخذ من هذا أن التوافق فى الإطلاق والتقييد من محسنات الوصل إلا لمانع- وهو كذلك كما يرشد إليه كلام المصنف، حيث عبر بمن المفيدة أن من المحسنات غير ما ذكره وهو التوافق فى الإطلاق والتقييد كما تقدم التنبيه على ذلك
(قوله: بالشرط) أى: بفعل الشرط والشرط ليس بشرط.
(قوله: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) أى: هلا أنزل عليه ملك فنؤمن به وننجو، وقضى الأمر بهلاكهم وعدم إيمانهم لو أنزلنا ملكا فقضى الأمر عطف على جملة قالوا، وجملة قضى الأمر مقيدة بفعل الشرط، فالحاصل أن الجملة الأولى مطلقة، والثانية مقيدة بالإنزال؛ لأن الشرط مقيّد للجواب، وإنما كانت عطفا على قالوا لا على المقول؛ لأنها ليست من مقولهم بل من مقول المولى. قال العلامة اليعقوبى: ولا يخفى وجود الجامع بين الجملتين؛ لأن الأولى تضمنت على ما يقولون أن نزول الملك يكون على تقدير وجوده سبب نجاتهم وإيمانهم، وتضمنت الثانية أن نزوله سبب هلاكهم وعدم إيمانهم، وسوق الجملتين لإفادة غرض واحد يتحقق فيه الجامع عند السبك مما يصحح العطف عندهم حتى فى الجملتين اللتين لفظ إحداهما خبر ولفظ الأخرى إنشاء، فأحرى الشرطية وغيرها، ولا يخفى تحقق الجامع بما ذكر من التأويل؛ لأن الغرض من سوقهما بيان ما يكون نزول الملك سببا له، فقد اشتركتا فى هذا المعنى وإن كان الصحيح ما أفادته الثانية فى نفس الأمر. اه.
стр. 1327
ومنه قوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (١) فعندى أن قوله: وَلا يَسْتَقْدِمُونَ عطف على الشرطية قبلها، لا على الجزاء؛ أعنى: قوله: لا يَسْتَأْخِرُونَ إذ لا معنى لقولنا: إذا جاء أجلهم لا يستقدمون.
===
(قوله: ومنه) أى: من التقييد بالشرط قوله تعالى إلخ وهذه الآية عكس ما قبلها
(قوله: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ إلخ) أى: لا يستأخرون ساعة إذا جاء أجلهم ولا يستقدمون، فقوله ولا يستقدمون: عطف على مجموع الجملة قبله شرطها وجزائها، فالمعطوف مطلق والمعطوف عليه مقيد بالشرط عكس الآية السابقة.
(قوله: فعندى) الفاء للتعليل علة لقوله ومنه
(قوله: على الشرطية قبلها) يحتمل أن المراد بها مجموع الشرط والجزاء وهو الأظهر، ويحتمل أن المراد بها قوله لا يستأخرون مأخوذا مع قيده على جعل الشرط قيدا للجزاء بأن تجعل الشرطية جملة مقيدة، وهذا قريب من الأول فى المعنى وإن اختلفا اعتبارا.
(قوله: لا على الجزاء) أى: وحده من حيث إنه جزاء، وإلا لكان هو أيضا جوابا لإذا، إذ المعطوف على الجواب جواب، فيرد عليه أنه لا يتصور التقدم بعد مجىء الأجل؛ لأن الوقت الذى جاء الأجل فيه بالفعل لا يمكن موت قبله، وحينئذ فلا فائدة فى نفيه؛ لأنه نفى لما هو معلوم الاستحالة، فقوله إذ لا معنى إلخ أى: صحيح فى اللغة وإن كان صادقا، فإن قلت: من المقرر أن المعطوف عليه إذا كان مقيدا بقيد متقدم عليه كان المتبادر فى الخطابيات من العطف هو اشتراكهما فى القيد. قلت: قد يخالف الظاهر المتبادر لدليل أقوى منه كما فى الآية الكريمة، فإن التقدم إذا جاء الأجل مستحيل استحالة ظاهرة فلا فائدة فى نفيه، وجوز بعضهم جعل قوله: ولا يستقدمون استئناف إخبار أى: وأخبرك أنهم لا يستقدمون أى: لا يموتون قبل مجىء أجلهم أى: الوقت الذى هو آخر عمرهم، وفى بعض حواشى البيضاوى: يصح أن يكون قوله ولا يستقدمون: عطفا على قوله: لا يستأخرون، وفائدة العطف المبالغة فى انتفاء التأخير؛ وذلك لأنه لما قرنه به ونظمه فى سلكه أشعر أنه بلغ فى الاستحالة إلى مرتبة التقدم، فكما
стр. 1328
[تذنيب]:
هو جعل الشىء ذنابة للشىء؛ شبه به ذكر بحث الجملة الحالية وكونها بالواو تارة وبدونها أخرى عقيب بحث الفصل والوصل لمكان التناسب.
===
أنه يستحيل التقدم يستحيل التأخر كما هو قضية الخبر الإلهى وإن أمكن فى نفسه، وهذا هو السر فى إيراده بصيغة الاستقبال يعنى: أنه بلغ من الاستحالة إلى حيث ينفى طلبه كما ينفى طلب المستحيل- اه كلامه.
[تذنيب]
قيل الفرق بين التذنيب والتنبيه مع اشتراكهما فى أن كلا منهما يتعلق بالمباحث المتقدمة، أن ما ذكر فى حيز التنبيه بحيث لو تأمل المتأمل فى المباحث المتقدمة لفهمه منها بخلاف التذنيب. اه فنارى.
(قوله: هو) أى: بحسب الأصل جعل الشىء ذنابة، لا أنه نفس الذنابة فهو مصدر بحسب الأصل، والذنابة بضم الذال وكسرها مؤخر الشىء، ومنه الذنب: وهو ذيل الحيوان.
(قوله: شبه به) الضمير فى به للجعل المذكور، فيكون المصدر الذى هو الذكر المذكور مشبها بالمصدر الذى هو الجعل المذكور، وحاصل كلامه أن المصنف شبه ذكر بحث الجملة الحالية عقب بحث الفصل والوصل بجعل الشىء ذنابة للشىء بجامع التتميم والتكميل فى كل، أو بجامع إيجاد الشىء متصلا بآخر الشىء اتصالا يقتضى عده من أجزائه، وكونه من أدناها: لقصد التكميل، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية التحقيقية، ثم بعد ذلك أطلق التذنيب بمعنى الذكر وأريد متعلقه وهو الألفاظ المذكورة المخصوصة على طريق المجاز المرسل، والعلاقة التعلق ضرورة أن التذنيب ترجمة وهى اسم للألفاظ المخصوصة، والحاصل أن فى الكلام مجازا مرسلا مبنيا على استعارة مصرحة، وإنما ارتكب ذلك ليكون ما هنا موافقا لما ذكروه فى التراجم، ولو اقتصرنا على الاستعارة كما قال الشارح لم يكن موافقا لما ذكروه.
(قوله: وكونها إلخ) هو بالجر عطف على بحث عطف تفسير، وقوله عقيب: ظرف لذكر
(قوله: لمكان التناسب) المكان مصدر ميمى بمعنى الحدث وهو الكون والوجود
стр. 1329
(أصل الحال المنتقلة) أى: الكثير الراجح فيها؛ كما يقال: الأصل فى الكلام هو الحقيقة (أن تكون بغير واو) واحترز بالمنتقلة عن: المؤكدة المقررة
===
من كان التامة أى: لوجود التناسب بين الجملة الحالية والفصل والوصل، وهو علة لذكر بحث الجملة الحالية عقب بحث الفصل والوصل أى: وإنما ذكره عقب بحث الفصل والوصل لوجود التناسب بين الجملة الحالية والفصل والوصل؛ لأن الجملة الحالية تارة تقترن بالواو وتارة لا تقرن بها، والفصل ترك الاقتران بالواو، والوصل الاقتران بها، فاقتران الجملة الحالية بالواو شبيه بالوصل، وعدم اقترانها بالواو شبيه بالفصل، فإن قلت: الواو فى الوصل عاطفة، وفى الجملة الحالية: غير عاطفة فلا تناسب قلت: الأصل فى واو الحال العطف، فالمناسبة موجودة بهذا الاعتبار، وحاصل ما ذكره فى هذا التذنيب تقسيم الجملة الحالية إلى أقسام خمسة ما يتعين فيه الواو، وما يتعين فيه الضمير، وما يجوز فيه الأمران على السواء، وما يترجح فيه الضمير، وما يترجح فيه الواو
(قوله: المنتقلة) أى: الغير اللازمة لصاحبها المنفكة عنه
(قوله: أى الكثير) بمعنى الشائع، وقوله: الراجح فيها أى: لموافقته للقواعد
(قوله: كما يقال إلخ) أى: وهذا كما يقال الأصل فى الكلام الحقيقة أى: الكثير الراجح فيه أن يكون حقيقة، والمرجوح أن يكون مجازا، وأشار الشارح بما ذكره إلى أن مراد المصنف بالأصل الكثير الراجح، ولم يرد بالأصل القاعدة ولا الدليل ولا غير ذلك مما يراد به فى غير هذا الموضع، ولكن الأولى أن يراد بالأصل هنا فى كلام المصنف مقتضى الدليل كما يرشد إليه التعليل بعد بقوله؛ لأنها فى المعنى حكم إلخ أى: إن مقتضى الدليل أن تكون الحال بغير واو، وإنما سمى مقتضى الدليل أصلا لابتنائه على الأصل الذى هو الدليل
(قوله: واحترز بالمنتقلة عن المؤكدة) فيه أن الذى يقابل المنتقلة عن صاحبها إنما هو اللازمة لصاحبها سواء وردت بعد جملة فعلية نحو: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها، أو اسمية نحو: هذا أبوك عطوفا لا المؤكدة؛ لأنها إنما تقابل المؤسسة، فالأولى للشارح أن يقول: واحترز بالمنتقلة عن اللازمة، ولا يقال: يلزم من كونها مؤكدة أن تكون لازمة فصحت المقابلة نظرا للازم؛ لأنا نقول نسلم ذلك إلا أن اللازمة أعم من المؤكدة، ألا ترى أنها فى المثال الأول المذكور لازمة وهى غير مؤكدة، فمقتضى ذلك أن تكون الحال اللازمة غير المؤكدة ليس محترزا عنها بالمنتقلة، وليس كذلك.
стр. 1330
لمضمون الجملة فإنها يجب أن تكون بغير واو البتة؛ لشدة ارتباطها بما قبلها؛ وإنما كان الأصل فى المنتقلة الخلو عن الواو (لأنها فى المعنى حكم على صاحبها كالخبر) بالنسبة إلى المبتدأ، فإن قولك: [جاء زيد راكبا] إثبات الركوب لزيد كما فى: [زيد راكب]
===
(قوله: لمضمون الجملة) أراد بالمضمون ما تضمنته واستلزمته الجملة قبلها، وذلك كما فى قولك هذا أبوك عطوفا، فإن الجملة الأولى تقتضى العطف، فلذا كان قوله عطوفا تأكيدا، وليس المراد بالمضمون المصدر المتصيد من الجملة كما هو الظاهر؛ لأن مضمون هذه الجملة أبوة زيد وهى غير العطف، وكان الأولى للشارح أن يحذف قوله لمضمون الجملة لأجل أن يشمل كلامه المؤكدة لعاملها نحو: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا (١)، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢) والمؤكدة لصاحبها نحو: لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً (٣)
(قوله: البتة) أى: قطعا أى: دائما، لا أن ذلك فيها كثير
(قوله: لشدة ارتباطها بما قبلها) أى: وصيرورتهما كالشىء الواحد أى: وحينئذ فلا يبحث عنها فى هذا الباب، والحاصل أن الحال المؤكدة لظهور ارتباطها بالمؤكد لا يحتاج فيها إلى ربط بالواو، فلا يبحث عنها فى هذا الباب، فلذا احترز المصنف عنها بالتقييد بالمنتقلة.
(قوله: لأنها فى المعنى حكم على صاحبها) أى: أمر محكوم به على صاحبها؛ وذلك لأنك إذا قلت: جاء زيد راكبا أفاد ذلك أن زيدا ثبت له المجىء حال وصفه بالركوب وفى ضمن ذلك أن الركوب ثابت له، وحينئذ فالركوب محكوم به على زيد لثبوته له، وإنما قال فى المعنى؛ لأن الحال فى اللفظ غير محكوم بها؛ لأنها فضلة يتم الكلام بدونها
(قوله: كالخبر بالنسبة إلى المبتدأ) فإنه محكوم به عليه فى المعنى بل وكذلك فى اللفظ فالتشبيه ناقص؛ لأن الغرض منه إفادة مماثلة الحال للخبر من جهة أن كلا محكوم به فى المعنى على صاحبه وإن كان الخبر محكوما به عليه أيضا فى اللفظ بخلاف الحال
(قوله: فإن قولك جاء زيد راكبا إثبات الركوب إلخ) كان الظاهر أن يقول: فإن فى
стр. 1331
إلا أنه فى الحال على سبيل التبعية، وإنما المقصود إثبات المجىء، وجئت بالحال لتزيد فى الإخبار عن المجىء هذا المعنى (ووصف له) أى: ولأنها فى المعنى وصف لصاحبها (كالنعت) بالنسبة إلى المنعوت، إلا أن المقصود فى الحال كون صاحبها على هذا الوصف حال مباشرة الفعل، فهى قيد للفعل وبيان لكيفية وقوعه، بخلاف النعت فإنه لا يقصد به ذلك؛ بل مجرد اتصاف المنعوت به، ...
===
قولك: أو يقول، فإن قولك: جاء زيد راكبا معناه إثبات إلخ؛ ليستقيم التركيب- اللهم إلا أن يقال: فى الكلام حذف مضاف قبل قوله إثبات- فتأمل.
وحاصل ما ذكره الشارح أن كلا من الحال والخبر يقتضى الكلام كونه عارضا ثابتا لمعروض، فهما متساويان فى ذلك ومختلفان فى أن المقصود الأصلى من التركيب بالنسبة للخبر ثبوته للمبتدأ، بخلاف الحال فليس ثبوته لصاحبه مقصودا من التركيب، بل المقصود ثبوت أمر آخر له كالمجىء فى المثال: وجىء بالحال قيدا ليهون ذلك الأمر وهو المجىء فيستفاد ثبوت الحال بطريق اللزوم العرضى كما مر
(قوله: إلا أنه) أى: إثبات الركوب فى الحال، (وقوله: على سبيل التبعية) أى: أثبت على سبيل التبعية ولم يقصد ابتداء
(قوله: وإنما المقصود) أى: بالإخبار.
(قوله: هذا المعنى) مفعول تزيد والمراد بهذا المعنى إثبات الركوب، بقى شىء وهو أن هذا الكلام الذى ذكره الشارح مخالف لما هو مقرر من أن الكلام إذا اشتمل على قيد زائد على مجرد الإثبات والنفى كان ذلك القيد هو الغرض الأصلى والمقصود بالذات من الكلام والحال من جملة القيود، ويمكن أن يقال: الحكم عليه هنا بأنه على سبيل التبعية وأنه غير مقصود بالذات من حيث إنه فضلة يستقيم الكلام بدونه، والمسند هو المقصود بالذات من حيث إنه مسند وركن لا يستقيم الكلام إلا به، وذلك لا ينافى أن المقصود بالذات من التركيب للبليغ هو القيد، أو يقال: إن ما هو مقرر أمر غلبى- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: أى ولأنها فى المعنى وصف لصاحبها) أى: لأن الكلام يقتضى اتصاف صاحبها بها حال الحكم لتكون قيدا له، وإنما قيد بالمعنى؛ لأنها ليست وصفا فى اللفظ، بل حال
(قوله: كالنعت) أى: فى الوصفية وإن كان النعت وصفا للمنعوت فى اللفظ والمعنى
(قوله: إلا أن المقصود إلخ) حاصله أن الحال والنعت وإن اشتركا فى أن كلا وصف
стр. 1332
وإذا كان الحال مثل الخبر والنعت فكما أنهما يكونان بدون الواو- فكذلك الحال.
وأما ما أورده بعض النحويين من الأخبار والنعوت المصدرة بالواو كالخبر فى باب كان، ...
===
فى المعنى للموصوف، إلا أنهما يفترقان من جهة أن القصد من الحال جعلها قيدا لحكم صاحبها لاقتران الحال مع الحكم فى صاحب الحال، فإذا قلت: جاء زيد راكبا أفاد أن زيدا موصوف بالمجىء وأن اتصافه بالمجىء إنما هو فى حال اتصافه بالركوب، وأن القصد من النعت جعله قيدا لذات المحكوم عليه لا قيدا للحكم، فإذا قلت: جاء زيد العالم فالمقصود تقييد نفس ذات زيد بالعلم لا تقييد حكمه الذى هو المجىء، ولهذا يصح بطريق الأصالة أن يكون نحو: الأبيض والأسود والطويل والقصير من الأوصاف التى لا انتقال فيها ولا يتقيد وجودها بوجود الأحكام نعتا بخلاف الحال، فإن الأصل فيها ألّا تكون كذلك؛ لأنها قيد للحكم الذى أصله العروض والثبوت بعد الانتفاء، فينبغى أن تكون من الأوصاف التى تثبت بثبوت الأحكام وتنتفى بانتفائها؛ لأن الثابت اللازم لا يفيد التجدد العارض، فقول الشارح إلا أن المقصود فى الحال أى: منها، (وقوله: على هذا الوصف) أى: الحال، (وقوله: حال مباشرة الفعل) أى: الحدث سواء دل عليه بفعل أو وصف، (وقوله: وبيان) أى: مبين، (وقوله: لكيفية وقوعه) أى: لصفته التى وقع عليها، (وقوله: فإنه لا يقصد به ذلك) أى:
كون الموصوف على هذا الوصف حال مباشرة الفعل، (وقوله: بل مجرد اتصاف المنعوت به) أى: من غير ملاحظة أن المنعوت مباشر للفعل أو غير مباشر له.
(قوله: وإذا كان الحال إلخ) هذا إشارة إلى مقدمة صغرى مأخوذة من المتن، وقوله: فكما أنهما يكونان بدون الواو: إشارة إلى مقدمة كبرى محذوفة من المصنف، وقوله: فكذلك الحال: إشارة إلى النتيجة المحذوفة
(قوله: وأما ما أورده بعض النحويين) أى: على الكبرى القائلة والخبر والنعت يكونان بدون الواو
(قوله: كالخبر فى باب كان) أى: كما فى بيت الحماسة من قول سهيل بن شيبان:
فلمّا صرّح الشّرّ ... فأمسى وهو عريان (١)
стр. 1333
والجملة الوصفية المصدرة بالواو؛ التى تسمى: واو تأكيد لصوق الصفة بالموصوف- فعلى سبيل التشبيه والإلحاق بالحال (لكن خولف) هذا الأصل (إذا كانت) الحال (جملة؛ ...
===
وأدخل بالكاف الخبر الواقع بعد إلا نحو: ما أحد إلا وله نفس أمارة
(قوله: والجملة الوصفية) أى: الواقعة صفة للنكرة كقوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (١) وكقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها (٢) فإن الجملة فى الآيتين عند صاحب الكشاف صفة للنكرة، والواو زائدة دخولها وخروجها على حد سواء، وفائدتها تأكيد وصل الصفة بالموصوف، إذ الأصل فى الصفة مقارنة الموصوف فهذه الواو أكدت اللصوق.
(قوله: فعلى سبيل التشبيه والإلحاق بالحال) لأنها قد تقترن بالواو فى بعض الأحيان، وحينئذ فلا يرد ذلك نقضا؛ لأن اقترانها على سبيل التشبيه والإلحاق لا على سبيل الأصالة فلم يخرجا عن الأصل، والحاصل أن كون الحال أصلها عدم الاقتران بالواو مكتسب من مشابهتها للخبر والنعت، فلما خولف هذا الأصل المكتسب فيها، واقترنت بالواو حمل الخبر والنعت عليها لورودها بعد ما قد يستقل كالفعل والفاعل والمبتدأ والخبر، وذكر بعضهم: أن أمسى فى البيت تامة بمعنى دخل فى المساء، والجملة بعدها حال لا خبر، ومذهب صاحب المفتاح: أن الجملة فى الآيتين حال من قرية لكونها نكرة فى سياق النفى وذو الحال كما يكون معرفة يكون نكرة مخصوصة، لكن كلام صاحب المفتاح يضعفه أنه يقتضى تقييد الإهلاك بالحال وهو غير مقصود إن كان الإهلاك واقعا فى تلك الحالة، فصاحب الكشاف راعى جزالة المعنى فجعلها صفة، فإنه من علماء البيان وهم يرجحون جانب المعنى على جانب اللفظ مع وقوع الجملة صفة لقرية فى قوله تعالى وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (٣).
(قوله: هذا الأصل) أعنى كون الحال بغير واو كما فى الخبر والنعت.
(قوله: إذا كانت الحال) أى: المتقدمة وهى المنتقلة
(قوله: جملة) أى: اسمية أو فعلية
(قوله:
стр. 1334
فإنها) أى: الجملة الواقعة حالا (من حيث هى جملة مستقلة بالإفادة) من غير أن تتوقف على التعليق بما قبلها، وإنما قال: من حيث هى جملة لأنها من حيث هى حال غير مستقلة؛ بل متوقفة على التعليق بكلام سابق قصد تقييده بها (فتحتاج) الجملة الواقعة حالا (إلى ما يربطها بصاحبها) الذى جعلت حالا عنه (وكل من الضمير والواو صالح للربط، والأصل) الذى لا يعدل عنه ...
===
فإنها إلخ) الفاء للتعليل أى: إنما خولف ذلك الأصل فى الحال التى هى جملة؛ لأنها إلخ
(قوله: من حيث هى جملة) الحيثية للتقييد، وقوله مستقلة بالإفادة خبر إن أى: لأن الجملة الواقعة حالا مستقلة بالإفادة من حيث كونها جملة، ومقتضى ذلك الاستقلال أنها تحتاج إلى رابط يربطها بما قبلها وإنما كانت الجملة المذكورة مستقلة بالإفادة من حيث كونها جملة؛ لأن الجملة وضعت لتفيد فائدة يحسن السكوت عليها بناء على القول بوضع المركبات، أو استعملت لتفيد ما ذكر بناء على مقابله، والحاصل أن الجملة الحالية وجد فيها جهتان جهة كونها جملة، وهذه الجهة هى الأصل فى الجملة الحالية وجهة كونها حالا وهى عارضة، والأولى توجب احتياجها لما يربطها بما قبلها دون الثانية
(قوله: من غير أن تتوقف إلخ) تفسير للاستقلال
(قوله: على التعليق) أى:
الارتباط فلا تحتاج إلى ما يربطها من الحيثية الثانية لا من الحيثية الأولى
(قوله: فتحتاج إلخ) أى: فهى من هذه الجهة أى: جهة كونها جملة تحتاج إلخ، وروعيت هذه الحالة المحرجة للربط؛ لأنها الأصل وجهة كونها حالا عارضة كما علمت.
(قوله: وكل من الضمير) أى: ضمير صاحب الحال
(قوله: صالح للربط) أما الضمير فلكونه عبارة عن المرجع، وأما الواو فلكونها موضوعة لربط ما قبلها بما بعدها أو هى فى أصلها للجمع كما قيل: إن أصل هذه الواو الحالية هى العاطفة، واختلف فى أيهما أقوى فى الربط فقيل الواو؛ لأنها موضوعة له وقيل الضمير لدلالته على المربوط به، وإليه أشار بقوله: والأصل إلخ
(قوله: الذى لا يعدل عنه) أى: لا ينبغى العدول عنه لكثرته، والمراد بالأصل هنا الكثير الراجح فى الاستعمال لا الأصل فى الوضع، والمراد لا يعدل عنه فى نظر البلغاء، وإلا فكثيرا ما يقررون فى العربية جواز الأمرين، فظاهر كلامهم جواز العدول من غير موجب- كذا قرر شيخنا العدوى، وتأمله.
стр. 1335
ما لم تمس حاجة إلى زيادة ارتباط (هو الضمير، بدليل) الاقتصار عليه فى الحال (المفردة، والخبر، والنعت. فالجملة) التى تقع حالا (إن خلت عن ضمير صاحبها) ...
===
(قوله: ما لم تمس حاجة إلخ) أى: فإن مست الحاجة إلى زيادة الربط أتى بالواو؛ لأن الربط بها أقوى لما مر من أنها موضوعة للربط، ويحتمل أن المراد: فإن مست الحاجة لزيادة الربط أتى بهما
(قوله: بدليل الاقتصار عليه فى الحال المفردة) فيه أن الضمير فيها ليس للربط؛ لأن الحال المفردة لا تحتاج لرابط، بل لضرورة الاشتقاق؛ لأن كل مشتق يتحمل الضمير، فالدليل لم ينتج المطلوب، (وقوله: والخبر والنعت) أعم من أن يكونا مفردين أو جملتين، فالأول نحو: زيد أبوه قائم وزيد قائم، والثانى نحو: رجل أبوه صالح مررت به أو رجل كريم مررت به، وفى عبد الحكيم: إن المراد بالحال المفرد فى كلام المصنف المسندة إلى متعلق ذى الحال نحو: ضربت زيدا قائما أبوه، وكذا يقال فى الخبر والنعت، وحينئذ فلا يرد أن الضمير فى الثلاثة لكونها صفة محتاجة للفاعل لا أنه للربط، لذا يرتبط كل واحد منها بموصوفها إذا كانت جامدة من غير ضمير- اه كلامه.
ولا يقال: إن كون الواو يؤتى بها عند الحاجة إلى مزيد الارتباط مناف لكون الضمير هو الأصل وأكثر موقعا، إذ مقتضى ذلك أن الارتباط به أزيد؛ لأنا نقول: إن كثرة الموقع لا تدل على كثرة الربط؛ وذلك لأن الواو موضوعة للربط، وأما الضمير فهو موضوع للعود على مرجعه والربط حاصل لزوما، والحاصل أن أصالة الضمير بحسب الاستعمال لا من حيث الوضع، وأما الواو فهى أصل فى الربط باعتبار الوضع- فتأمل- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: فالجملة إن خلت إلخ) هذا فى قوة قضية كلية قائلة كل جملة أريد جعلها حالا وخلت عن ضمير صاحبها وجب ربطها بالواو، وهذا شروع فى تفصيل محل انفراد الواو والضمير ومحل اجتماعهما.
(قوله: التى تقع حالا) أى: التى يراد جعلها حالا
(قوله: إن خلت إلخ) أى: بأن لم يوجد فيها الضمير لفظا ولا تقديرا، (وقوله: وجب فيها الواو) أى: لفظا أو تقديرا كما فى قول الشاعر يصف غائصا لطلب اللؤلؤ: