إنّ الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان) (١)
أى: مفسر ومكرر، فقوله: وبلغتها اعتراض فى أثناء الكلام لقصد الدعاء، والواو فى مثله تسمى: واوا اعتراضية؛ ليست بعاطفة، ...
===
يا بن الذى دان له المشرقان ... طرا وقد دان له المغربان
إن الثمانين ... البيت، وبعده:
وبدّلتنى بالشطاط انحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان
وأنشأت بينى وبين الورى ... سحابة ليست كنسج العنان
أدعو به الله وأثنى به ... على الأمير المصعبّى الهجان
فقرّبانى بأبى أنتما ... من وطنى قبل اصفرار البنان
سقى قصور الشاذياخ الحيا ... من بعد عهدى وقصور الميان
وقاربت منى خطا لم تكن ... مقاربات وثنت من عنان
ولم تدع فىّ لمستمتع ... إلا لسانى وبحسبى لسان
وهمت بالأوطان وجدا بها ... وبالغوانى أين منّى الغوان
وقبل منعاى إلى نسوة ... مسكنها حرّان والرقتان
فكم وكم من دعوة لى بها ... أن تتخطاها صروف الزمان
(قوله: إن الثمانين) أى: سنة التى مضت من عمرى
(قوله: وبلغتها) بفتح التاء أى: بلغك الله إياها
(قوله: قد أحوجت سمعى) أى: لما ثقل بمضيها
(قوله: ترجمان) بفتح التاء والجيم يجمع على تراجم كزعفران وزعافر، ويقال أيضا بضم الجيم وفتح التاء وربما ضمت التاء مع الجيم
(قوله: أى مفسر) أى: بصوت أجهر من الصوت الأول، فقوله: ومكرر عطف تفسير هذا هو المراد بالترجمان هنا وإن كان فى الأصل هو من يفسر لغة بلغة أخرى.
(قوله: لقصد الدعاء) أى: للمخاطب بطول عمره وإبلاغه الثمانين سنة. قال اليعقوبى: ولا يقال فى هذا الدعاء دعاء على المخاطب بالصمم وضعف السمع فلا يناسب
стр. 1472
ولا حالية. (والتنبيه فى قوله (١):
واعلم فعلم المرء ينفعه)
هذا اعتراض بين: اعلم، ومفعوله؛ وهو (أن سوف يأتى كلّ ما قدرا) أن: هى المخففة من الثقيلة، ...
===
ما سيق من أجله وهو إدخال السرور على المخاطب؛ لأنا نقول: إن الغبطة فى طول العمر يغتفر معها ذلك الضعف لعدم- إمكانه إلا به
(قوله: ولا حالية) أعلم أن الواو الاعتراضية قد تلتبس بالحالية فلا يعين إحداهما إلا القصد فإن قصد كون الجملة قيدا للعامل فهى حالية وإلا فهى اعتراضية ويحتملها قوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ. ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ (٢) فإن قدر أن المعنى اتخذتم العجل حال كونكم ظالمين بوضع العبادة فى غير محلها كانت لتقييد العامل فكانت واو الحال وإن قدر وأنتم قوم عادتكم الظلم حتى يكون تأكيدا لظلمهم بأمر مستقل لم يقصد ربطه بالعامل ولا كونه فى وقته كانت اعتراضية، فالفرق بينهما دقيق كما لا يخفى- اه يعقوبى.
(قوله: والتنبيه) أى: تنبيه المخاطب على أمر يؤكد الإقبال على ما أمر به زاد فى الإيضاح أنه قد يكون لتخصيص أحد المذكورين بزيادة تأكيد فى أمر علق بهما نحو: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ (٣) وللاستعطاف والمطابقة كما فى قول أبى الطيب:
وخفوق قلبى لو رأيت لهيبه ... يا جنّتى لرأيت فيه جهنّما
فقوله يا جنتى: اعتراض بين الشرط والجزاء للمطابقة بين الجنة وجهنم ولاستعطاف محبوبه بالإضافة للياء، وتسميته جنة ليرق له فينجيه من جهنم التى فى فؤاده بالوصال.
(قوله: واعلم إلخ) هذا البيت أنشده أبو على الفارسى ولم يعزه لأحد
(قوله: هذا اعتراض) أى: قوله فعلم المرء ينفعه اعتراض لأجل تنبيه المخاطب على أمر يؤكد
стр. 1473
وضمير الشأن محذوف؛ يعنى: أن المقدور آت البتة، وإن وقع فيه تأخير ما، وفى هذا تسلية وتسهيل للأمر.
فالاعتراض يباين التتميم لأنه إنما يكون بفضلة، والفضلة لا بد لها من إعراب، ويباين التكميل لأنه إنما يقع لدفع إيهام خلاف المقصود، ويباين الإيغال ...
===
إقباله على ما أمر به؛ وذلك لأن هذا الاعتراض أفاد أن علم الإنسان بالشىء ينفعه، وهذا مما يزيد المخاطب إقبالا على طلب العلم، والفاء فى قوله فعلم المرء ينفعه اعتراضية، ومع ذلك لا تخلو هنا عن شائبة السببية، إذ كأنه يقول وإنما أمرتك بالعلم بسبب أن علم المرء ينفعه، وقد استفيد من قول الشارح هذا اعتراض أن الاعتراض يكون مع الفاء كما يكون مع الواو وبدونهما
(قوله: وضمير الشأن محذوف) هذا على مذهب الجمهور ويجوز أن يكون المحذوف ضمير مخاطب هو المأمور بالعلم أى: أنك سوف يأتيك كل ما قدرا كما جوزه سيبويه وجماعة فى قوله تعالى: أَنْ يا إِبْراهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا (١)
(قوله: يعنى أن المقدور إلخ) هذا تفسير لحاصل المعنى
(قوله: وفى هذا تسلية إلخ) وذلك لأن الإنسان إذا علم أن ما قدره الله يأتيه ولا بد طال الزمان أو قصر وإن لم يطلبه وما لم يقدره لا يأتيه وأن طلبه تسلى وسهل عليه الأمر يعنى الصبر والتفويض وترك منازعة الأقدار
(قوله: فالاعتراض يباين إلخ) هذا تفريع على ما ذكره فى التعريف يعنى إذا علمت حقيقة الاعتراض فيما سبق من أنه لا بد، وأن يكون فى الأثناء، وأن يكون بجملة أو أكثر لا محل لها، وأن تكون النكتة فيه سوى دفع الإيهام تفرع على ذلك ما ذكره الشارح.
(قوله: والفضلة لا بد لها من إعراب) أى: والاعتراض إنما يكون بجملة لا محل لها، وهذا تباين فى اللوازم وهو يؤذن بالتباين فى الملزومات، وقد يقال لا حاجة لقوله والفضلة لا بد لها من إعراب فى بيان التباين؛ لأن ذلك يكفى فيه قوله: لأنه إنما يكون بفضلة أى: والفضلة مفرد ولو حكما والاعتراض إنما يكون بجملة وتباين اللوازم يشعر بتباين الملزومات
(قوله: لأنه إنما يقع لدفع إيهام خلاف المقصود) أى: بخلاف الاعتراض
стр. 1474
لأنه لا يكون إلا فى آخر الكلام، لكنه يشمل بعض صور التذييل؛ وهو ما يكون بجملة لا محل لها من الإعراب وقعت بين جملتين متصلتين معنى؛ لأنه كما لم يشترط فى التذييل أن يكون بين كلامين لم يشترط فيه ألا يكون بين كلامين؛ فتأمل حتى يظهر لك فساد ما قيل: إنه يباين التذييل ...
===
فإنه إنما يكون لغير ذلك الدفع فتباين لازماهما لها فلزم تباينهما
(قوله: لأنه لا يكون إلا فى آخر الكلام) أى: والاعتراض إنما يكون فى أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين
(قوله: لكنه يشمل إلخ) الأولى أن يقول وشمل بعض صور إلخ، إذ لا محل للاستدراك ولا يقال: إن النكتة فى الاعتراض لا بد أن تكون غير دفع الإيهام والنكتة فى التذييل لا بد أن تكون من التأكيد والتأكيد دافع للإيهام؛ لأنا نقول إن التأكيد أعم من دفع الإيهام لحصوله مع غيره وحينئذ فلا يلزم من نفى دفع الإيهام نفى التأكيد مطلقا وكفى هذا فى صحة أعمية الاعتراض
(قوله: وهو) أى: ذلك البعض
(قوله: وقعت بين جملتين متصلتين معنى) أى: وكان وقوعها بينهما للتأكيد
(قوله: لأنه كما لم يشترط إلخ) أى:
بل تارة يكون بين كلامين وتارة لا يكون بينهما؛ وذلك لأن الشرط فى التذييل كونه بجملة عقب أخرى بقيد كونها للتأكيد كانت تلك الجملة لها محل من الإعراب أم لا كانت بين كلامين متصلين معنى أم لا فشمل الصورة المذكورة فقول الشارح؛ لأنه كما لم يشترط إلخ علة لكون الصورة المذكورة من صور التذييل، وحيث كانت الصور المذكورة من صور التذييل وشملها ضابط الاعتراض تعلم أن بينهما عموما وخصوصا من وجه لاجتماعهما فى هذه الصورة وانفراد التذييل فيما لا يكون بين كلامين متصلين وانفراد الاعتراض بما لا يكون للتأكيد
(قوله: فتأمل) أى: ما قلناه لك من شمول الاعتراض لبعض صور التذييل المفيد أن بينهما عموما وخصوصا وجهيّا
(قوله: فساد ما قيل) أى: لأن عدم اشتراط الشىء ليس هو اشتراطا لعدمه فقولنا التذييل لا يشترط أن يكون بين كلام أو كلامين ليس شرطا لكونه ليس بين كلام أو كلامين، وحاصله أن بعض الناس فهم أن التذييل لما لم يشترط فيه أن يكون بين كلامين متصلين ولا فى أثناء كلام اختص بأنه لا يكون بين كلامين متصلين فباين الاعتراض لاختصاصه
стр. 1475
بناء على أنه لم يشترط فيه أن يكون بين كلام أو بين كلامين متصلين معنى.
(ومما جاء) أى: ومن الاعتراض الذى وقع (بين كلامين) متصلين (وهو أكثر من جملة أيضا) أى: كما أن الواقع هو بينه أكثر من جملة ...
===
بكونه بين كلامين متصلين ووجه فساد هذا القول أنه لا يلزم من عدم اشتراط الشىء عدم وجوده، وإنما تلزم المباينة بينهما لو قيل: إنه يشترط فى التذييل ألا يكون بين كلامين، وفرق ظاهر بين عدم اشتراط الشىء واشتراط عدم الشىء؛ وذلك لأن الأول يجامع وجوده وعدمه فهو أعم من الثانى، ويمكن الجواب بأن هذا القائل نظر إلى تباينهما بحسب المفهوم بناء على ما ذكر وإن كان هذا لا يوجب التباين بحسب الصدق.
(قوله: بناء على أنه لم يشترط فيه أن يكون إلخ) أى: واشتراط ذلك فى الاعتراض، وترك الشارح بيان النسبة بين الاعتراض والإيضاح، وبين الاعتراض والتكرير ولنذكر ذلك تتميما للفائدة فالنسبة بينه وبين كل واحد منهما العموم والخصوص الوجهى؛ وذلك لأنه لا يشترط فى نكتة الاعتراض أن تكون غير نكتتهما ولم يشترط فيهما كونهما بغير الجملة التى لا محل لها من الإعراب ولا كونهما فى غير الوسط المشترط ذلك فى الاعتراض، وحينئذ فيجتمع الاعتراض مع الإيضاح فى الجملة التى لها محل أو لا محل لها من الإعراب الواقعة فى الأثناء، وينفرد الإيضاح فيما يكون بغير الجملة أو بالتى لها محل أو لا محل لها ولكنها فى الآخر وينفرد الاعتراض فيما يكون لغير باب الإيضاح، ويجتمع الاعتراض مع التكرير فى الجملة التى لا محل لها الواقعة فى الأثناء للتقرير والتوكيد، وينفرد الاعتراض فى الجملة المذكورة إذا كانت لغير توكيد وينفرد التكرير فيما لا يكون فى الأثناء
(قوله: أى ومن الاعتراض) أى: لا بالمعنى السابق بل بمعنى المعترض بدليل قوله وهو أكثر إلخ
(قوله: وهو أكثر) أى: والحال أن الاعتراض نفسه الواقع بين الكلامين أكثر إلخ ففيه تمثيلان تمثيل ما جاء بين كلامين وتمثيل ما هو أكثر من جملة
(قوله: أى كما أن الواقع إلخ) أى: كما أن الكلام الذى وقع الاعتراض بينه وفى أثنائه أكثر من جملة، فأبرز الشارح الضمير لجريان الصلة على غير
стр. 1476
(قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (١)) فهذا اعتراض أكثر من جملة؛ لأنه كلام يشتمل على جملتين وقع بين كلامين أولهما قوله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، وثانيهما قوله: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (٢))، والكلامان متصلان معنى (فإن قوله:
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ...
===
من هى له؛ لأن أل واقعة على الكلام وضمير هو للاعتراض وضمير بينه لأل الموصولة
(قوله: قوله تعالى) هذا مبتدأ خبره قوله سابقا ومما جاء أى: وقوله تعالى فَأْتُوهُنَّ إلخ من جملة الاعتراض الذى جاء على الوصف المذكور
(قوله: فهذا) أى: قوله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ اعتراض
(قوله: يشتمل على جملتين) إحداهما: يحب التوابين، والأخرى: ويحب المتطهرين، بناء على أن المراد بالجملة ما اشتمل على المسند والمسند إليه ولو كانت الثانية فى محل المفرد، هذا إذا قدر كما هو الظاهر أن الثانية معطوفة على جملة يحب التوابين التى هى خبر إن، وأما إذا بنينا على أن المراد بالجملة ما يستقل بالإفادة وهو الأقرب، فإنما يتبين كونه أكثر من جملة إذا قدر عطف ويحب المتطهرين على مجموع إن الله يحب التوابين، إما بتقدير الضمير على أنه مبتدأ أى: وهو يحب المتطهرين أو بدون تقديره؛ لأنها ليست فى محل المفرد حينئذ وإن كانت محتوية على ضمير عائد على ما فى الأولى، وأما إذا قدر على هذا البناء عطفها على يحب التوابين فلا يخفى أنه ليس هنا جملتان، وحينئذ فليس الفضل هنا بأكثر من جملة بل بواحدة فقط.
(قوله: والكلامان متصلان معنى) أى: لكون الجملة الثانية عطف بيان على الأولى حقيقة بناء على جواز وروده فى الجمل التى لا محل لها أو لكون الجملة الثانية مماثلة للأولى فى إفادة ما تفيده، فقول المصنف فإن قوله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ بيان إلخ يحتمل أن يكون مراده البيان عطف البيان، ويحتمل أن يكون مراده به ما ذكرنا
(قوله: نساؤكم حرث لكم) أى: محرث لكم أى: موضع حرثكم وفى كونهن موضع
стр. 1477
بيان لقوله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) وهو مكان الحرث، فإن الغرض الأصلى من الإتيان طلب النسل، لا قضاء الشهوة. والنكتة فى هذا الاعتراض الترغيب فيما أمروا به، والتنفير عما نهوا عنه.
(وقال قوم قد تكون النكتة فيه) أى: فى الاعتراض ...
===
الحرث تنبيه على أن الغرض من إتيانهن طلب الغلة منهن وهو النسل كما تطلب الغلة من المحرث الحسى، فإذا فهمت أن الحكمة الأصلية من إتيانهن طلب النسل الذى هو أهم الأمور منهن لما فيه من بقاء النوع الإنسانى المترتب عليه تكثير خيور الدنيا والآخرة فهمت أن الموضع الذى يطلب منه النسل هو المكان الذى يطلب منه الإتيان شرعا لتلك الحكمة
(قوله: بيان لقوله إلخ) وذلك لأن المكان الذى أمر الله بإتيانهن منه منهم فبين بأنه موضع الحرث بقوله: نساؤكم حرث لكم، وإذا علمت ذلك تعلم أن قول المصنف بيان لقوله فأتوهن إلخ الأولى أن يقول بيان لحيث أمركم الله أن يقال: إن فى الكلام حذف أى: بيان لحيث من قوله فأتوهن من حيث أمركم الله ومثل هذا شائع فى كلامهم
(قوله: وهو) أى:
حيث إن المكان الذى أمرنا الله بإتيانهن منه مكان الحرث
(قوله: فإن الغرض الأصلى) أى:
الحكمة الأصلية وإلا فأفعال الله لا تعلل بأغراض، وهذا تعليل لمحذوف أى: وإنما كان قوله نساؤكم حرث لكم بيانا لقوله فأتونهن من حيث أمركم الله؛ لأن الغرض إلخ أى: وحينئذ فلا تأتوهن إلا من حيث يتأتى هذا الغرض
(قوله: طلب النسل) أى: لأنه أهم الأمور المترتبة على إتيانهن لما فيه بقاء النوع الإنسانى المترتب عليه كثرة الخيور الدنيوية والأخروية، وحيث كان الغرض من إتيانهن طلب النسل والنسل لا يحصل إلا بالإتيان من القبل لا من الدبر فيكون ذلك الموضع هو المكان الذى طلب إتيانهن منه شرعا، فتم ما ذكره المصنف من دعوى البيان
(قوله: الترغيب فيما أمروا به) أى: الذى من جملته الإتيان فى القبل، وقوله والتنفير عما نهوا عنه أى: الذى من جملته الإتيان فى الدبر ووجه كون الاعتراض هنا مرغبا ومنفرا عما ذكر أن الإخبار بمحبة الله للتائب عما نهى عنه إلى ما أمر به وللمتطهر من أدران التلبس بالمنهى عنه بسبب التوبة والرجوع للمأمور به مما يؤكد الرغبة فى الأوامر التى من جملتها الإتيان فى القبل والتنفير عن النواهى التى من جملتها إتيان الدبر.
стр. 1478
(غير ما ذكر) مما سوى دفع الإيهام حتى إنه قد يكون لدفع إيهام خلاف المقصود (ثم) القائلون بأن النكتة فيه قد تكون دفع الإيهام افترقوا فرقتين (جوز بعضهم وقوعه) أى: الاعتراض (آخر جملة لا تليها جملة متصلة بها) وذلك بألّا يلى الجملة جملة أخرى أصلا فيكون الاعتراض فى آخر الكلام، أو يليها جملة أخرى غير متصلة بها معنى. وهذا الاصطلاح مذكور فى مواضع من الكشاف، فالاعتراض عند هؤلاء أن يؤتى فى أثناء الكلام، أو فى آخره، أو بين كلامين متصلين، أو غير متصلين- بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لنكتة سواء كانت دفع الإيهام أو غيره. (فيشمل) الاعتراض بهذا التفسير (التذييل) مطلقا؛ ...
===
(قوله: غير ما ذكر) الأوضح أن يقول قد تكون النكتة فيه دفع الإيهام
(قوله: مما سوى دفع الايهام) هذا بيان لما ذكر فكأنه قال قد تكون النكتة فيه غير سوى دفع الإيهام وغير ذلك السوى هو دفع الإيهام؛ لأن نفى النفى إثبات فالنكتة على هذا القول تكون نفس دفع الإيهام وتكون غيره وقوله: حتى إنه إلخ، حتى تفريعية بمعنى الفاء وضمير إنه للاعتراض، فكأنه قال: فيكون الاعتراض لدفع إيهام خلاف المقصود
(قوله: آخر جملة) أى: فى آخر جملة أى بعدها
(قوله: بألّا يلى الجملة) أى: التى اعترض بعدها
(قوله: فيكون) أى: بحيث يكون الاعتراض فى آخر الكلام
(قوله: أو يليها) أى: الجملة المعترض بعدها
(قوله: أن يؤتى فى أثناء الكلام) هذا محل وفاق، (وقوله: أو فى آخره) محل خلاف، (وقوله: أو بين كلامين متصلين) هذا محل موافقة، (وقوله: أو غير متصلين) محل مخالفة، (وقوله: بجملة) متعلق بيؤتى، (وقوله: لا محل لها من الإعراب) هذا لم يقع فيه خلاف، فيكون اشتراط عدم المحلية باقيا بحاله
(قوله: لنكتة) زادها للتصوير والتصريح بالتعميم لا للإخراج؛ لأن الإطناب كله لنكتة
(قوله: فيشمل إلخ) لما كان الاعتراض على هذا التعريف نسبته لما تقدم مخالفة لنسبته على التعريف السابق أشار المصنف إلى بيان بعض تلك المخالفة
(قوله: بهذا التفسير) أى: الصادق على ما لا محل له من الإعراب من الجملة المؤكدة لما قبلها، سواء كانت فى آخر الكلام أو فى أثنائه.
(قوله: مطلقا) أى: شمولا مطلقا فيجتمعان فيما إذا كانت الجملة المعترضة مشتملة على معنى ما قبلها وكانت النكتة التأكيد، وينفرد الاعتراض فيما إذا كانت
стр. 1479
لأنه يجب أن يكون بجملة لا محل لها من الإعراب وإن لم يذكره المصنف (وبعض صور التكميل) وهو ما يكون بجملة لا محل لها من الإعراب، فإن التكميل قد يكون بجملة، وقد يكون بغيرها. والجملة التكميلية قد تكون ذات إعراب، وقد لا تكون؛ ...
===
النكتة غير التأكيد، ويحتمل أن المراد بقوله مطلقا أى: بجميع صوره لقول المصنف بعد وبعض صور التكميل ولا فرق فى التذييل بين أن يكون فى الآخر أم لا؛ لأن التذييل قد يكون فى الوسط كما تقدم قريبا للشارح فلا تغفل عنه
(قوله: لأنه يجب أن يكون) أى: التذييل أى: كما أن الاعتراض يجب فيه ذلك، وهذا تعليل لشمول الاعتراض له على وجه الإطلاق
(قوله: وإن لم يذكره المصنف) أى: وإن لم يذكر وجوب أن يكون بجملة لا محل لها من الإعراب أى: فى تفسيره للتذييل سابقا بل كلامه بحسب ظاهره شامل لكون الجملة لها محل أو لا محل لها، والمراد أنه لم يذكر ذلك صراحة وإن كان أشار إلى اشتراط ذلك بالأمثلة بما لا محل له فيكون التذييل على هذا تعقيب جملة بأخرى لا محل لها من الإعراب تشتمل على معناها للتأكيد كانت تلك الجملة فى الآخر أو بين كلامين متصلين أو غير متصلين ولا شك أن الاعتراض على هذا القول صادق عليه، إذ لا يخرج منه ما يكون فى آخر الكلام من التذييل بخلافه على القول السابق فى الاعتراض ويزيد الاعتراض على هذا القول عن التذييل بما ليس للتأكيد كما مر فهو أعم منه عموما مطلقا ولا يقال لا حاجة لذكرهم التذييل مع شمول الاعتراض له على هذا القول؛ لأنا نقول ذكرهم له أشار إلى أن بعض صور الاعتراض وهى التى تكون لنكتة التأكيد تسمى باسمين، وإلا فكان ينبغى الاستغناء بالاعتراض عنه
(قوله: وهو) أى: البعض ما يكون بجملة لا محل لها من الإعراب أى: لدفع الإيهام سواء كانت تلك الجملة فى الآخر أو بين كلامين متصلين أو غير متصلين
(قوله: وقد يكون بغيرها) أى:
بغير الجملة بأن يكون بمفرد، وهذا لا يكون اعتراضا.
(قوله: قد تكون ذات إعراب) أى: وهذه لا تدخل فى الاعتراض، وقوله: وقد تكون أى: وهذه تدخل فى الاعتراض وهى المشار لها بقول المتن وبعض صور التكميل،
стр. 1480
لكنها تباين التتميم؛ لأن الفضلة لا بد لها من إعراب. وقيل: لأنه لا يشترط فى التتميم أن يكون جملة كما اشترط فى الاعتراض؛ وهو غلط؛ كما يقال: إن الإنسان يباين الحيوان؛ لأنه لم يشترط فى الحيوان النطق- فافهم.
===
وعلى هذا فيكون بين التكميل والاعتراض على هذا القول العموم والخصوص الوجهى لاجتماعهما فى الصورة المشمولة للاعتراض، وهو ما يكون بجملة لا محل لها من الإعراب لدفع الإيهام، إذ لا يشترط فى الاعتراض على هذا القول أن تكون النكتة غير دفع الإيهام، وينفرد الاعتراض بما يكون من الجمل لغير دفع الإيهام، وينفرد التكميل بغير الجملة وبالجملة التى لها محل وقد تقدم أن بين التكميل والاعتراض على القول السابق فيه التباين
(قوله: لكنها) أى: الاعتراض وأنث الضمير نظرا إلى كونه جملة أى:
لكن الجملة المعترضة تباين إلخ، ولو ذكر الضمير لكان أوضح، بل لو قال وهو أى:
الاعتراض مباين للتتميم لكان أولى، إذ لا محل للاستدراك، وحاصل ما ذكره الشارح فى توجيه المباينة أن التتميم إنما يكون بفضلة، والفضلة لا بد لها من إعراب، والاعتراض إنما يكون بجملة لا محل لها من الإعراب فقد تنافى لازمهما وتنافى اللوازم يقتضى تنافى الملزومات فقول الشارح لأن الفضلة أى المشترطة فى التتميم
(قوله: وقيل لأنه إلخ) أى:
وقيل فى وجه التباين بين الاعتراض والتتميم غير ما سبق وضمير لأنه للحال والشأن
(قوله: وهو غلط) أى: هذا القيل المعلل بقوله؛ لأنه إلخ غلط نشأ من عدم الفرق بين عدم الاشتراط واشتراط العدم، والحاصل أن عدم اشتراط الجملة فى التتميم بجامع كون التتميم جملة فلا يكون منافيا لاشتراط الجملة فى الاعتراض، نعم اشتراط عدم الجملة فى التتميم مناف لاشتراطها فى الاعتراض، فعدم الاشتراط أعم من اشتراط العدم
(قوله: كما اشترط) تشبيه فى المنفى وهو يشترط، (وقوله: كما يقال) أى: كاللفظ الذى يقال أى: كقول إن الإنسان إلخ، فما مصدرية ووجه الشبه أن كلا غلط.
بقى شى آخر وهو بيان النسبة بين الاعتراض على هذا القول وبين الإيغال وبين الإيضاح وبينه وبين التكرير أما النسبة بينه وبين الإيغال فالعموم والخصوص الوجهى؛ لأنه لا يشترط فى الاعتراض كونه فى الأثناء ولا بين كلامين متصلين ولا كونه
стр. 1481
(وبعضهم) أى: وجوز بعض القائلين بأن نكتة الاعتراض قد تكون دفع الإيهام (كونه) أى: الاعتراض (غير جملة) فالاعتراض عندهم أن يؤتى فى أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى- بجملة، أو غيرها؛ لنكتة ما (فيشمل) الاعتراض بهذا التفسير (بعض صور التتميم ...
===
فى غير الشعر ولم يشترط فى الإيغال، كونه بغير جملة ولا كونه مما له محل، وحينئذ فيجتمعان فى جملة لا محل لها وقعت آخرا للكلام أو الشعر وينفرد الإيغال بالفضلة، وبالجملة التى لها محل وينفرد الاعتراض بالجملة التى ليست ختما بل فى الأثناء أو بين كلامين متصلين ولا محل لها، وأما النسبة بينه وبين الإيضاح والتكرير فكذلك العموم والخصوص الوجهى لاجتماعه معهما فى الجملة التى لا محل لها وهى للإيضاح أو التأكيد، وينفرد الاعتراض عنهما بما يكون لغير التأكيد والإيضاح من الجملة التى لا محل لها، وينفردان عنه بما يكون مفردا أو جملة لها محل للتأكيد والإيضاح
(قوله: وبعضهم كونه غير جملة) أى: من غير تجويز كونه آخر، ولو قال المصنف غير الجملة بلام العهد أى: غير الجملة التى لا محل لها من الإعراب لكان أحسن ليشمل كونه جملة لها محل من الإعراب كما شمل كونه مفردا- قاله فى الأطول.
(قوله: فالاعتراض عندهم إلخ) أى: فهم لم يخالفوا الجمهور إلا فى التعميم فى النكتة وفى كون الاعتراض جملة لا محل لها أو غيرها بأن يكون جملة لها محل أو مفردا.
(قوله: فى أثناء الكلام) فلا يكون فى الآخر على هذا القول كالأول بخلافه على الثانى
(قوله: متصلين معنى) فلا يقع على هذا بين كلامين لا اتصال بينهما: كالقول الأول بخلافه على الثانى.
(قوله: أو غيرها) يشمل ما هو أكثر من جملة ويشمل المفرد أيضا بخلافه على القولين الأولين فإنه لا يكون بمفرد عليهما
(قوله: لنكتة ما) أى: سواء كانت دفع الإيهام أو غيرها وإذا حققت النظر وجدت النسبة بين الاعتراض بالمعنى الأول وهذا المعنى الأخير العموم والخصوص المطلق وبينه بالمعنى الثانى والمعنى الأخير العموم والخصوص الوجهى
(قوله: فيشمل بعض صور التتميم) وهو ما كان بغير جملة فى أثناء
стр. 1482
و) بعض صور (التكميل) وهو ما يكون واقعا فى أثناء الكلام، أو بين الكلامين المتصلين (وإما بغير ذلك) عطف على قوله: [إما بالإيضاح بعد الإبهام، ...
===
الكلام، ولا يقال: إن التتميم لا يكون إلا بفضلة ومن لازمها أن يكون لها محل من الإعراب والاعتراض لا يكون إلا بما لا محل له كما تقرر أولا، وهذا البعض إنما خالف فى كونه قد يكون غير جملة فيبقى اشتراط ألّا يكون له محل من الإعراب بحاله؛ لأنا نقول الظاهر أن هذا البعض يخالف فى هذا الاشتراط أيضا ويؤيد ذلك قول المصنف وبعضهم كونه غير جملة فإن غير الجملة شامل للمفرد ومن شأنه أن يكون له محل من الإعراب وحيث شمل الاعتراض بعض صور التتميم كان بينهما عموم وخصوص من وجه لاجتماعهما فى هذه الصورة المشمولة للاعتراض، وانفراده عن التتميم بما يكون غير فضلة، وانفراد التتميم عنه بما يكون آخرا وهو فضلة، وقد علمت أن الاعتراض على القولين السابقين مباين للتتميم
(قوله: وبعض صور التكميل) اعترض بأنه يشمل بعض صور التذييل فكان على المصنف أن ينبه عليه، وأجيب بأنه مفهوم من أصل تفسير الاعتراض، والغرض بيان ما يخص هذا البعض، فإن قلت: إنه قد ذكر بعض صور التكميل مع كونه مشمولا للاعتراض عند البعض الأول قلت بعض صور التكميل المشمولة للاعتراض عند هذا البعض غير بعض الصور المشمولة للاعتراض عند البعض الأول؛ لأن المشمولة له عند البعض الأول ما كان بجملة لا محل لها من الإعراب والمشمولة له عند هذا البعض ما ليس بجملة فظهر الاختصاص، إذ ما ليس بجملة لا يشمله قول ذلك البعض، فلو سكت المصنف عن قوله: وبعض صور التكميل لتوهم أن شمول الاعتراض له عند البعض الثانى كشموله له عند البعض الأول مع أنه ليس كذلك، وهذا بخلاف بعض صور التذييل فإنه مشمول على كل قول- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: وهو ما يكون) الضمير راجع للبعض بقسميه التتميم والتكميل، وقد علمت أن الاعتراض على القولين السابقين مباين للتتميم، وقوله: ما يكون واقعا فى أثناء الكلام إلخ أى: سواء كان مفردا أو جملة، وحيث شمل الاعتراض بالمعنى المذكور وعند هذا البعض بعض صور التتميم والتكميل كان بين الاعتراض بالمعنى المذكور، وبينهما
стр. 1483
وإما بكذا وكذا] (كقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ (١) فإنه لو اختصر) - أى: ترك الإطناب- فإن الاختصار قد يطلق على ما يعم الإيجاز والمساواة؛ كما مر (لم يذكر: ...
===
عموم وخصوص من وجه لاجتماعه معهما فيما ذكر، وانفراد الاعتراض عنهما بما يكون لغير دفع الإيهام وهو غير فضلة وانفرادهما عنه بما يكون آخرا وهو جملة لدفع الإيهام بالنسبة للتكميل أو فضلة بالنسبة للتتميم.
بقى شىء آخر وهو النسبة بين الاعتراض على هذا التفسير وبين التذييل والإيضاح والتكرير والإيغال وحاصلها أنا نقول بين الاعتراض على هذا التفسير والإيغال التباين؛ لأنه اشترط فى الاعتراض أن يكون فى الأثناء أو البين وشرط فى الإيغال أن يختم به الكلام أو الشعر وهما لا يجتمعان، وبينه وبين التذييل العموم والخصوص الوجهى فيجتمعان فيما يكون فى الأثناء أو البين وهو جملة لا محل لها على تفسير التذييل بذلك أو مطلقا إن لم يفسر بذلك كما هو ظاهر تفسير المصنف سابقا، وينفرد الاعتراض بما يكون لغير التوكيد أو يكون فضلة، وينفرد التذييل بما لا يكون فى أثناء الكلام أو لا بين كلامين بل آخرا وكذلك النسبة بينه وبين كل من الإيضاح والتكرير، فيجتمع معهما فيما يكون فى البين أو فى الأثناء للإيضاح أو يكون تكرارا للتأكيد وينفرد عنهما بما يكون لغير الإيضاح والتأكيد وينفردان عنه فيما لا يكون فى البين ولا فى الأثناء، بل فى الآخر للإيضاح أو يكون تكرارا للتأكيد، وإنما تعرضنا لبيان النسبة بين هذه الأمور السبعة وهى الإيضاح والتكرير والإيغال والتذييل والتكميل والتتميم، والاعتراض لأجل ازدياد البصيرة فى فهمها وتشحيذ القريحة فى تفطنها ولم أتعرض لبيان النسبة فيما تقدم بين ذكر الخاص بعد العام وبين غيره من هذه الأمور السبعة لظهور أمره بالنسبة إلى سائرها، وذلك لظهور مباينته لغير التتميم والإيغال والاعتراض ومجامعته لهذه الثلاثة فى بعض الصور
(قوله: وإما بكذا وكذا) لا حاجة إليه، فالأولى حذفه
(قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) مبتدأ والجملة بعد الموصول صلة، وقوله ومن حوله: عطف على المبتدأ، والحول يشمل جهة
стр. 1484
وَيُؤْمِنُونَ بِهِ لأن إيمانهم لا ينكره) أى: لا يجهله (من يثبتهم) فلا حاجة إلى الإخبار به لكونه معلوما (وحسن ذكره) أى: ذكر قوله: وَيُؤْمِنُونَ بِهِ (إظهار شرف الإيمان ترغيبا فيه) وكون هذا الإطناب بغير ما ذكر من الوجوه السابقة ظاهر بالتأمل فيها.
===
العلو والسفل كما يشمل جهة اليمين والشمال على الظاهر- كذا قرر شيخنا العدوى، وقوله يسبحون بحمد ربهم: خبر المبتدأ أى: يسبحون ملتبسين بالحمد بأن يقولوا سبحان الله وبحمده
(قوله: وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) أى: بربهم
(قوله: فإنه) أى: الحال والشأن وقوله لو اختصر أى: ارتكب الاختصار
(قوله: على ما يعم الإيجاز والمساواة) أى:
والمراد هنا الثانى؛ لأنه لو لم يذكر ويؤمنون به كان مساواة.
(قوله: لأن إيمانهم إلخ) أى: وإنما قلنا إن زيادة وَيُؤْمِنُونَ بِهِ إطناب؛ لأن إيمانهم (١) تسبيحهم وحمدهم المستفاد من قوله تعالى يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يدلان على إيمانهم به تعالى
(قوله: أى لا يجهله) لما كان نفى الإنكار لا يستلزم العلم المراد فسره بما يستلزمه وهو نفى الجهل قاله سم، وقرر بعضهم أن هذا التفسير منظور فيه للشأن والعادة من أن ما لا يجهل لا ينكر وإن كان يمكن إنكار الشىء معاندة
(قوله: لا ينكره من يثبتهم) أى: وهو المخاطب بهذا الكلام، بل ذلك أمر معلوم عنده وقوله لكونه معلوما أى: عند المخاطب
(قوله: إظهار شرف الإيمان) أى: المدلول لجملة ويؤمنون به؛ لأنها سيقت مساق المدح فأتى بها لأجل إظهار شرف مدلولها
(قوله: ترغيبا فيه) أى:
حيث مدح الملائكة الحاملون للعرش ومن حوله، وهذا كما يوصف الأنبياء بالصلاح لقصد المدح به مع العلم بصلاحهم ترغيبا فى الصلاح
(قوله: وكون) هو بالرفع مبتدأ خبره قوله ظاهر، وقوله بالتأمل فيها أى: فى الآية أو فى الوجوه السابقة وهو الظاهر؛ وذلك لأن ما حصل به الإطناب فى الأنواع السابقة إما أن لا يكون معه حرف عطف كغير الاعتراض وعطف الخاص على العام أو معه ذلك ولم يقصد العطف كالاعتراض أو قصد به ذلك وكان من عطف الخاص على العام كقوله تعالى: حافِظُوا عَلَى
стр. 1485
[الإيجاز والإطناب النسبيان]:
(واعلم أنه قد يوصف الكلام ...
===
الصَّلَواتِ إلخ، وهذا المثال قصد فيه العطف على ما قبله ولم يكن من عطف الخاص على العام فظهرت المغايرة المذكورة- كذا قرر شيخنا العدوى، ولك أن تعرض الآية على كل من الأمور السبعة حتى يتبين لك أنه لم يوجد فيها ما اعتبر فى كل منها، أما كونها ليست من الإيضاح ولا من التكرار فواضح؛ لأن قوله ويؤمنون به ليس لفظه تكرارا ولا إيضاحا لإبهام قبله، وأما كونها ليست من الإيغال فلأن قوله ويؤمنون به ليس ختما للشعر ولا للكلام كما هو الإيغال، إذ قوله: " ويستغفرون للذين آمنوا" عطف على ما قبله فليس ختما، وأما كونها ليست من التذييل فلعدم اشتمال جملته وهى ويؤمنون به على معنى ما قبلها، بل معناها لازم لما قبلها، وأما كونها ليست من التكميل فإن قوله: وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ليس لدفع الإيهام المعتبر فى التكميل، وأما كونها ليست من التتميم، فلأن قوله ويؤمنون به ليس فضلة وهو ظاهر، وأما كونها ليست من الاعتراض فهو مشكل إذا بنينا على ما تقرر من أن من جملة الاتصال بين الكلامين أن يكون الثانى معطوفا على الأول، ولا شك أن جملة ويستغفرون للذين آمنوا معطوفة على جملة يسبحون فيكون ما بينهما اعتراضا، والتخلص من ذلك الإشكال بجعل الواو فى يؤمنون به للعطف لا للاعتراض لا يتم إلا إذا تعين كونها كذلك وهو غير متعين لاحتمال كونها اعتراضية نعم المتبادر كونها للعطف فتخرج الآية عن كونها من قبيل الاعتراض
(قوله: واعلم إلخ) يحتمل أن هذا استئناف ويحتمل أنه عطف على مقدر أى:
تيقن ما ذكرنا، واعلم إلخ وحاصله أنه قدم أن وصف الكلام بالإيجاز يكون باعتبار أنه أدى به المعنى حال كونه أقل من عبارة المتعارف مع كونه وافيا بالمراد، وأن وصفه بالإطناب يكون باعتبار أن المعنى أدى به مع زيادة عن المتعارف لفائدة، وأشار هنا إلى أن الكلام يوصف بهما باعتبار قلة الحروف وكثرتها بالنسبة لكلام آخر مساو لذلك الكلام فى أصل المعنى، فالأكثر حروفا منهما إطناب باعتبار ما هو دونه والأقل منهما حروفا إيجاز باعتبار أن هناك ما هو أكثر منه
(قوله: قد يوصف الكلام) أى: فى اصطلاح
стр. 1486
بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساو له) أى: لذلك الكلام (فى أصل المعنى) فيقال للأكثر حروفا إنه مطنب، وللأقل إنه موجز (كقوله: يصدّ) ...
===
القوم
(قوله: بالإيجاز والإطناب) أى: بالمشتق منهما بدليل قول الشارح بعد فيقال للأكثر حروفا إنه مطنب إلخ
(قوله: باعتبار إلخ) الباء للسببية بخلاف الباء الأولى فى قوله: بالإيجاز فإنها للتعدية، فاندفع ما يقال: إن فيه تعلق حرفى جر متحدى المعنى بعامل واحد
(قوله: بالنسبة إلى كلام آخر إلخ) يعنى كما وصف بهما باعتبار تأدية المراد بلفظ ناقص عنه واف به وباعتبار لفظ زائد عليه لفائدة، وقوله بالنسبة إلخ: راجع للكثرة والقلة
(قوله: فيقال للأكثر حروفا إلخ) أى: وإن كان كل على التفسير الأول مساواة أو إيجازا أو إطنابا
(قوله: كقوله) (١) أى: قول أبى تمام من قصيدته التى رثى بها أبا الحسين محمد بن الهيثم وأولها:
قفوا جدّدوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن لم تكن تسمع لنشدات ناشد
لقد أطرق الربع المحيل لفقدهم ... وبينهم إطراق ثكلان فاقد
وأبقوا لضيف الشّوق منّى بعدهم ... قرى من جوى سار وطيف معاود
إلى أن قال
يصدّ عن الدّنيا ...
البيت
وبعده:
إذا المرء لم يزهد وقد صبغت له ... بعصفرها الدنيا فليس بزاهد
فواكبدى الحرّى وواكبد الندى (٢) ... لأيامه لو كنّ غير بوائد
وهيهات ما ريب الزمان بمخلد ... غريبا ولا ريب الزمان بخالد (٣)
(قوله: يصد) بفتح أوله وكسر ثانيه؛ لأنه هو الذى بمعنى يعرض وهو لازم، وأما بضم الصاد فهو بمعنى يمنع الغير فهو متعد- كذا قرر شيخنا العدوى.
стр. 1487
أى: يعرض (عن الدّنيا إذا عنّ) أى: ظهر (سؤدد) أى: سيادة ... ولو برزت فى زىّ عذراء ناهد.
الزى: الهيئة، والعذراء: البكر، والنهود: ارتفاع الثدى (وقوله:
ولست) بالضم على أنه فعل المتكلم بدليل ما قبله؛ وهو قوله:
وإنى لصبّار على ما ينوبنى ... وحسبك أنّ الله أثنى على الصّبر (١)
(بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر)
...
===
(قوله: أى يعرض) بضم الياء من أعرض أى: يعرض هذا الممدوح عن الدنيا التى فيها الراحة والنعمة بالغنى
(قوله: إذا عن سؤدد) أى: إذا ظهر له سيادة ورفعة بغير تلك الدنيا والراحة والنعمة
(قوله: ولو برزت) أى: ظهرت تلك الدنيا
(قوله: الهيئة) أى الصفة
(قوله: والنهود إلخ) أى: فالناهد واقفة الثديين، ومعنى البيت: أن هذا الممدوح يعرض عن الدنيا طلبا للسيادة ولو كانت الدنيا على أحسن صفة تشتهى بها؛ لأن المرأة أقوى ما تشتهى إذا كانت عذراء ناهدا، وفى هذا البيت إطناب بنصفه الثانى وفيه إيجاز بنصفة الأول
(قوله: وقوله) أى: قول المعذل بن غيلان أحد الشعراء المشهورين روى ذلك عنه الأخفش عن المبرد ومحمد بن خلف المرزبان عن الربعى ونسبه فى الدر الفريد لأبى سعيد المخزومى
(قوله: بنظار) فى شرح الشواهد أن الرواية بميال خلافا لما فى التلخيص، ونظار مبالغة فى ناظر، وينبغى أن يكون النفى هنا واردا على المتقيد لا على القيد حتى يكون أصل النظر موجودا، أو المراد بالصيغة هنا النسبة أى: ذى نظر أو أن المبالغة راجعة للنفى لا للمنفى أى: إن نظره إلى جانب الغنى منتف انتفاء مبالغا فيه وكلا الوجهين قيل بهما فى قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
(قوله: إلى جانب الغنى) أى: إلى جهته وأراد بالغنى المال ولازمه من الراحة والنعمة وعدم النظر إلى جهة الغنى أبلغ فى التباعد من مجرد الإخبار بالترك
(قوله: إذا كانت العلياء) أى: العز والرفعة
(قوله: فى جانب الفقر) أراد به عدم المال ولازمه من التعب
стр. 1488
يصفه بالميل إلى المعالى؛ يعنى: أن السيادة مع التعب أحب إليه من الراحة مع الخمول.
فهذا البيت إطناب بالنسبة إلى المصراع السابق.
(ويقرب منه) أى: من هذا القبيل (قوله تعالى: يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (١)، ...
===
والمشقة، وقرر شيخنا العدوى أن إضافة جانب للفقر بيانية وفى بمعنى مع أى: مصاحبة للفقر أى: لسببه وهو التعب أو أن الإضافة حقيقية، والمراد بالجانب المسبب ومعنى البيت أنى لا ألتفت إلى المال والراحة والنعمة مع الخمول إذا رأيت العز والرفعة فى التعب والمشقة
(قوله: يصفه) أى: يصف الشاعر نفسه وقوله يعنى أى: لأنه يعنى وإنما أتى بالعناية؛ لأنه حمل الغنى على سببه وهو الراحة والفقر على مسببه وهو التعب وهذا خلاف المتبادر، وقوله مع الخمول أى: عدم السيادة.
(قوله: فهذا البيت إلخ) وذلك لأن حاصل المصراع السابق أنه لعلو همته يطلب الرفعة والسيادة ولو مع مشقة عدم الدنيا وفقدانها، فالسيادة ولو مع التعب أحب إليه من الراحة والغنى مع الخمول، وهذا المعنى هو حاصل معنى هذا البيت، فالشطر الأول إيجاز بالنسبة لهذا البيت، والبيت إطناب بالنسبة إليه وإن كان يمكن أن يدعى أن كلا منهما مساواة باعتبار ما جرى فى المتعارف وأن مثل العبارتين معا يجرى فى المتعارف
(قوله: أى من هذا القبيل) أى: وهو الإيجاز والإطناب باعتبار قلة الحروف وكثرتها
(قوله: لا يسأل عما يفعل) أى: لا يسأل عن فعله سؤال إنكار بحيث يقال لم فعلت، أو المراد لا يسأل عن علة فعله الباعثة له عليه لعدم وجودها وإن كان قد يسأل عن الحكمة والمصلحة المترتبة عليه ويدخل فى عدم السؤال عن الفعل عدم السؤال عن الحكم بأن يقال: لم حكمت أو ما العلة الباعثة عليه؛ لأن الحكم تعلق القدرة بإظهار مدلول الكلام الأزلى وتعلق القدرة بما ذكر فعل من أفعاله تعالى؛ لأن أفعاله تعالى عبارة عن تعلقات القدرة التنجيزية
(قوله: وَهُمْ يُسْئَلُونَ) أى: من جانبه تعالى سؤال إنكار، إذ للسيد أن ينكر على عبده ما شاء أو وهم
стр. 1489
وقول الحماسى:
===
يسألون عن العلة الباعثة لهم على فعلهم
(قوله: وقول الحماسى) بكسر السين وتشديد الياء أى: الشخص المنسوب إلى الحماسة وهى الشجاعة لتعلق شعره بها، والمراد به هنا السموأل بن عاديا اليهودى مات قبل البعثة ومطلع تلك القصيدة:
إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثّناء سبيل
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل
وما قلّ من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامت للعلا وكهول
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
وإنّا لقوم لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منّا سيد فى فراشه ... ولا طلّ منا حيث كان قتيل
تسيل على حدّ الظّباة نفوسنا ... وليس على غير السّيوف تسيل
ونحن كماء المزن ما فى سحابنا ... جهام ولا فينا يعدّ بخيل
وننكر إن شئنا ...
البيت.
وبعده:
إذا سيّد منّا خلا قام سيّد ... قئول لما قال الكرام فعول
وأيامنا مشهودة فى عدوّنا ... لها غرر مشهورة وحجول
معوّدة ألّا تسلّ نصالها ... فتغمد حتّى يستباح قتيل
وما أخمدت نار لنا دون طارق ... ولا ذّمنا فى النّازلين نزيل
وأسيافنا فى كلّ شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
سلى إن جهلت النّاس عنّا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول (١)
стр. 1490
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول) (١)
يصف رياستهم ونفاذ حكمهم؛ أى: نحن نغير ما نريد من قول غيرنا، وأحد لا يجسر على الاعتراض علينا.
فالآية إيجاز بالنسبة إلى البيت، وإنما قال: [يقرب] لأن ما فى الآية يشمل كل فعل، والبيت مختص بالقول؛ فالكلامان لا يتساويان فى أصل المعنى، ...
===
(قوله: وننكر إن شئنا على الناس قولهم) أى: ولو لم يظهر موجب لإنكاره لنفاذ حكمنا فيهم وتمام رياستنا عليهم
(قوله: ولا ينكرون القول حين نقول) أى: ولو ظهر فى قولنا ما لا يوافق أهواءهم، وفى ختم المصنف الفن بهذا البيت تورية بأنه سلك فيه مسلكا لا سبيل للاعتراض عليه فيه
(قوله: أى نحن نغير ما نريد إلخ) أى: نحن نتجاسر على غيرنا ونرد قوله بحيث لا ينفذ ولو لم يظهر موجب لتغييرنا لتمام رياستنا وحكمنا عليهم، وهذا المعنى الذى قصده الشاعر يشبه أن يكون معنى الآية السابقة ومع ذلك اختلف اللفظ اختلافا بعيدا وتفاوت تفاوتا بينا، فلذا كانت الآية إيجازا بالنسبة إلى البيت كما قال الشارح
(قوله: وإنما قال يقرب) أى: ولم يقل ومنه قوله تعالى، أو يقل وكقوله تعالى.
(قوله: لأن إلخ) علة لمحذوف أى: لعدم تساوى الآية، والبيت فى تمام أصل المعنى؛ لأن إلخ، ويدل على ذلك المحذوف تفريعه الآتى، فإن قلت لا نسلم عدم تساويهما، إذ يلزم من إنكار الأقوال إنكار الأفعال. قلت: لا نسلم ذلك لأن الأفعال أشد فقد يترخص فى إنكار الأقوال دونها سلمنا ذلك، لكن النص على الشىء أبلغ
(قوله: لأن ما فى الآية إلخ) أى: لأن الذى فى الآية يشمل كل فعل؛ لأن ما فى الآية مصدرية، أى: لا يسأل عن فعله، والمراد بالفعل ما يشمل القول بدليل قوله بعد ذلك والبيت مختص بالقول، فاندفع ما يقال: إذا كان البيت قاصرا على الأقوال والآية قاصرة
стр. 1491
بل كلام الله أجل وأعلى؛ وكيف لا والله أعلم.
تم الفن الأول بعون الله وتوفيقه، وإياه أسأل فى إتمام الفنين الآخرين هداية طريقه.
===
على الأفعال فلا قرب بينهما، فإن قلت ما وجه شمول الأفعال فى الآية لأقواله تعالى مع أن فعله عبارة عن تعلق قدرته بالمقدورات لأنا نقول الأقوال المدركة من جانب الحق عبارة عن تعلق القدرة بإظهار مدلول الكلام الأزلى وذلك فعل من أفعاله كما أفاد ذلك العلامة اليعقوبى- فتأمله.
(قوله: بل كلام الله أجل وأعلى) إضراب على ما يتوهم من قربهما فى المعنى من اتفاقهما فى العلو والبلاغة، وإنما كان كلام الله المذكور أبلغ؛ لأن الموجود فى الآية نفى السؤال وفى البيت نفى الإنكار، ونفى السؤال أبلغ؛ لأنه إذا كان لا ينكر ولو بلفظ السؤال فكيف ينكر جهارا بخلاف نفى الإنكار، فقد يكون هو المستعظم المتروك دون الإنكار بسورة السؤال، ومع ذلك فى الآية صدق وحق، وما فى البيت دعوى وخرق
(قوله: وكيف لا والله أعلم) أى: وكيف لا يكون كلام الله أجل وأعلى من غيره، والحال أن الله أعلم بكل شىء ومن شأن العالم الحكيم أن يأتى بالشىء على أبلغ وجه وهذا براعة مقطّع؛ لأنه يشير إلى تمام الفن.
стр. 1492
الفن الثانى علم البيان
تعريف علم البيان:
قدمه على البديع للاحتياج إليه فى نفس البلاغة وتعلق البديع بالتوابع، (وهو علم) ...
===
الفن الثانى علم البيان
الفن عبارة عن الألفاظ كما هو مقتضى ظاهر قول المصنف أول الكتاب ورتبته على مقدمة إلخ، فإن جعل علم البيان عبارة عن المسائل احتيج لتقدير مضاف أى: مدلول الفن الثانى علم البيان أو الفن الثانى دال علم البيان، وإن جعل علم البيان عبارة عن الملكة أو الإدراك احتيج لتقدير مضاف آخر وهو متعلق.
(قوله: قدمه على البديع) أى: أتى به مقدما عليه لا أنه كان مؤخرا عنه ثم قدمه، وتقدم فى أول الفن الأول وجه تقديمه على البيان، وحاصله أنه قدم المعانى على البيان لكونه منه بمنزلة المفرد من المركب؛ لأن رعاية المطابقة لمقتضى الحال التى هى مرجع علم المعانى معتبرة فى علم البيان مع زيادة شىء آخر وهو إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة
(قوله: للاحتياج إليه فى نفس البلاغة) الأنسب بما بعده أن يقول: لتعلقه بالبلاغة وتعلق البديع بتوابعها وإنما كان علم البيان محتاجا إليه فى نفس البلاغة؛ لأنه يحترز به عن التعقيد المعنوى كما سبق وهو شرط فى الفصاحة وهى شرط فى البلاغة وشرط الشرط شرط، والحاصل أن الاحتراز عن التعقيد المعنوى مأخوذ فى مفهومها بواسطة أخذ الفصاحة فيه والاحتراز المذكور لا يتيسر لغير العرب العرباء إلا بهذا العلم، فما قاله بعضهم من أن علم البيان يحتاج إليه فى نفس البلاغة فى الجملة لا أنه لا تتم بلاغة كلام بدون أعمال علم البيان، إذ الكلام المركب من الدلالة المطابقية لا يحتاج فى تحصيل بلاغته إلا إلى علم المعانى، إذ لا حاجة إلى علم البيان فى الدلالة المطابقية كما ستعرف فليس بشىء؛ لأن المقصود احتياج بلاغة الكلام إلى علم البيان لا إلى أعماله، ولا شك أن الاحتراز عن التعقيد المعنوى لا يمكن إلا بعلم البيان
(قوله: وتعلق البديع بالتوابع) أى: توابع البلاغة؛
стр. 1493
أى: ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية، أو أصول وقواعد معلومة ...
===
وذلك لأن البديع علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة كما يأتى، فلا جرم أنه لا تعلق له بالبلاغة، وإنما يفيد حسنا عرضيّا للكلام البليغ، وكلام الشارح المذكور يشير إلى أن البديع من توابع البلاغة وهو ما جزم به بعضهم خلافا لمن قال: إنه من تتمة علم المعانى، ولمن قال: إنه قال من تتمة علم البيان.
(قوله: أى ملكة) هى كيفية راسخة فى النفس حاصلة من كثرة ممارسة قواعد الفن
(قوله: يقتدر بها إلخ) الإتيان بهذا نظرا لشأن الملكة فى ذاتها وإن كان متروكا فى الملكة الواقعة فى التعريف؛ لئلا يلزم التكرار مع قوله: يعرف به إلخ
(قوله: أو أصول وقواعد معلومة) عطف على ملكة إشارة إلى أن المراد بالعلم هنا إما الملكة أو الأصول بمعنى القواعد المعلومة؛ لأن بها يعرف إيراد المعانى بطرق مختلفة فى الوضوح والخفاء وإنما قيد القواعد بالمعلومة؛ لأنه لا يطلق عليها علم بدون كونها معلومة من الدلائل وإنما كان المراد بالعلم هنا أحد الأمرين المذكورين؛ لأن العلم مقول بالاشتراك على هذين المعنيين فيجوز إرادة كل منهما، ولا يقال: يلزم على ذلك استعمال المشترك فى التعريف بلا قرينة معينة وذلك لا يجوز؛ لأنا نقول: محل منع استعمال المشترك فى التعريف إذا أريد أحد معنييه أو معانيه فقط، وأما إذا صح أن يراد به كل معنى فإنه يجوز كما هنا فإنه يجوز إرادة كل من الملكة والأصول كما أشار إليه الشارح؛ لأن علة المنع الوقوع فى الحيرة من جهة أنه لا يدرى المعنى المراد من المشترك، وهذا ينافى الغرض من التعريف من البيان والكشف على أن محل منع استعمال المشترك فى التعريف إذا لم يكن بين المعنيين مثلا استلزام، وأما إذا كان بينهما ذلك فإنه يجوز كما هنا؛ لأن تعريف كل منهما يستلزم الآخر؛ لأن الملكة كيفية راسخة فى النفس يقتدر بها على إدراكات جزئية والإدراكات الجزئية ينشأ عنها القواعد؛ لأن القواعد شأنها أن تحصل من تتبع الجزئيات، والقاعدة قضية كلية يتعرف منها أحكام جزئيات موضوعها والقضايا المذكورة ينشأ عنها الملكة بسبب ممارستها فقد استلزم كل منهما الآخر فكانا بمنزلة الشىء الواحد، فالمقصود حينئذ بالتعريف الذى يؤتى به لبيان الحقيقة واحد فكأنه لا اشتراك
стр. 1494
(يعرف به إيراد المعنى الواحد) ...
===
وحصل المقصود من التعريف؛ لأن المقصود منه حصول البصيرة بالمعرف وقد وجد، ثم إن الشارح سوى بين إرادة المعنيين وإن رجح إرادة المعنى الأول فى الفن الأول، لكن الأرجح المعنى الثانى؛ لأن الكتاب فى بيان المسائل والقواعد والعلم المذكور جزئى منه فإن قلت: إن العلم كما يطلق على الملكة والقواعد يطلق على الإدراك فلم لم يذكره الشارح؟ قلت: لاحتياج الكلام معه إلى تقدير المتعلق بلا ضرورة داعية إلى تقدير ذلك ولكن الذى اختاره العلامة السيد أن المراد بالعلم هنا الإدراك والتزم التقدير المذكور؛ لأن الإدراك هو المعنى الأصلى للعلم؛ لأنه مصدر واستعمال العلم فى المعانى الأخر إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجاز مشهور. قال العلامة عبد الحكيم: العلم حقيقة هو الإدراك، وقد يطلق على متعلقه وهو المعلوم إما مجازا مشهورا أو حقيقة اصطلاحية وعلى ما هو تابع له فى الحصول ووسيلة إليه فى البقاء وهو الملكة كذلك، ثم المراد الإدراك الحاصل عن الدلائل، والمسائل المعلومة من الدلائل والملكة الحاصلة عن التصديقات بالمسائل المدللة لما تقرر أن علم المسائل بدون الدلائل يسمى تقليدا لا علما، ولا يصح أن يراد بالعلم هنا اعتقاد مسائل الفن؛ لأن مجرد اعتقادها لا يعرف به أحكام الجزئيات ما لم تحصل الملكة.
(قوله: يعرف به إيراد المعنى الواحد) أى: كل معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلم، فاللام للاستغراق العرفى، والمراد بقوله يعرف به يعرف برعايته؛ لأنه إذا لم يراع لا يعرف إيراد المعنى الواحد الوارد على قصد المتكلم بطرق مختلفة، وخرج بتقييد المعنى بالواحد إيراد المعانى المتعددة بطرق موزعة على تلك المعانى مختلفة فى الوضوح بأن يكون هذا الطريق مثلا فى معناه أوضح من الطريق الآخر فى معناه فلا تكون معرفة إيرادها كذلك من علم البيان، واعلم أن الغرض من معرفة هذا الإيراد أن يحترز المتكلم عن الخطأ فى تأدية الكلام بحيث لا يورد من الكلام ما يدل على مقصوده دلالة خفية عند اقتضاء المقام دلالة واضحة أو واضحة عند اقتضائه دلالة خفية، أو أوضح عند اقتضائه دلالة متوسطة فى الوضوح والخفاء، أو متوسطة عند اقتضائه أوضح أو أخفى
стр. 1495
أى: المدلول عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال (بطرق) وتراكيب (مختلفة فى وضوح الدلالة عليه) أى: على ذلك المعنى؛ ...
===
(قوله: أى المدلول عليه إلخ) قيد بهذا إشارة إلى أن اعتبار علم البيان إنما هو بعد اعتبار علم المعانى، وأن هذا من ذاك بمنزلة المفرد من المركب؛ لأن علم المعانى علم يعرف به إيراد المعنى بكلام مطابق لمقتضى الحال وعلم البيان علم يعرف به إيراد المعنى بكلام مطابق لمقتضى الحال بطرق مختلفة، مثلا إذا كان المخاطب ينكر كون زيد مضيافا، فالذى يقتضيه الحال بحسب المقام جملة مفيدة لرد الإنكار سواء كان إفادتها إياه بدلالة واضحة أو أوضح أو خفية أو أخفى، نحو: إن زيدا لمضياف، أو لكثير الرماد، أو لمهزول الفصيل، أو لجبان الكلب، فإفادتها لذلك المعنى بدلالة المطابقة كالمثال الأول من وظيفة علم المعانى وإفادتها له بغيرها من وظيفة علم البيان
(قوله: بطرق إلخ) يستفاد منه أنه لا بد فى البيان بالنسبة لكل معنى من طرق ثلاثة على ما هو مفاد الجمع ولا بعد فيه؛ لأن المعنى الواحد الذى نحن بصدده له مسند ومسند إليه ونسبة لكل منها دال يجرى فيه المجاز، فيحصل للمركب طرق ثلاثة لا محالة، واختلاف الطرق فى الوضوح والخفاء كما يكون باعتبار قرب المعنى المجازى وبعده من المعنى الحقيقى يكون بوضوح القرينة المنصوبة وخفائها، فتقييد إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى وضوح الدلالة بقولنا على تقدير أن يكون له طرق مما لا حاجة له. اه. أطول.
(قوله: وتراكيب) عطف تفسير
(قوله: مختلفة فى وضوح الدلالة عليه) أى:
سواء كانت تلك الطرق من قبيل الكناية أو المجاز أو التشبيه، فمثال إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى الوضوح من الكناية أن يقال فى وصف زيد مثلا بالجود: زيد مهزول الفصيل، وزيد جبان الكلب، وزيد كثير الرماد، فهذه التراكيب تفيد وصفه بالجود من طريق الكناية؛ لأن هزال الفصيل إنما يكون بإعطاء لبن أمه للضيفان، وجبن الكلب لإلفه للواردين عليه من الأضياف بكثرة فلا يعادى أحدا، وكثرة الرماد من كثرة إحراق الحطب للطبخ من أجل كثرة الضيفان، وهذه الطرق مختلفة فى الوضوح، فكثرة الرماد أوضحها فيخاطب به عند المناسبة كأن يكون المخاطب لا يفهم بغير ذلك، ومثال
стр. 1496
بأن يكون بعض الطرق واضح الدلالة عليه، وبعضها أوضح، والواضح خفى بالنسبة إلى الأوضح فلا حاجة إلى ذكر الخفاء، ...
===
إيراده بطرق مختلفة الوضوح من الاستعارة أن يقال فى وصفه مثلا به: رأيت بحرا فى الدار فى الاستعارة التحقيقية، وطم زيد بإنعامه جميع الأنام فى الاستعارة المكنية؛ لأن الطموم وهو الغمر بالماء من أوصاف البحر، فدل ذلك على أنه أضمر تشبيهه بالبحر فى النفس وهو الاستعارة بالكناية على ما يأتى، ولجة زيد تتلاطم بالأمواج؛ لأن اللجة والتلاطم بالأمواج من لوازم البحر، وذلك مما يدل على إضمار تشبيهه به فى النفس أيضا، وأوضح هذه الطرق الأول، وأخفاها الوسط ومثال إيراده بطرق مختلفة الوضوح من التشبيه: زيد كالبحر فى السخاء وزيد كالبحر وزيد بحر، وأظهرها ما صرح فيه بوجه الشبه كالأول، وأخفاها ما حذف فيه الوجه والأداة معا كالأخير فيخاطب بكل من هذه الأوجه الكائنة من هذه الأبواب بما يناسب المقام من الوضوح والخفاء.
بقى شىء آخر وهو أن قول المصنف: مختلفة فى وضوح الدلالة عليه، فيه إشكال وهو أن الدلالة- كما يأتى- كون اللفظ بحيث يلزم من العلم به العلم بشىء آخر ولا معنى لوصف ذلك الكون بالوضوح والخفاء، وأجيب عن ذلك بأجوبة، منها:
أن وصف ذلك الكون بهما من وصف الشىء بما لمتعلقه، والمراد وضوح المدلول أو خفاؤه بأن يكون قريبا بحيث يفهم بسرعة أو لا يفهم بسرعة وكأنه قيل: بطرق مختلفة الدلالة الواضح مدلولها أو الخفى مدلولها. ومنها: أن وصف الكون بذلك باعتبار أن ثبوت ذلك الكون للفظ معلوم بسرعة أو بدون سرعة وعلامة ذلك سرعة الانتقال من اللفظ إلى المدلول أو بطؤه.
(قوله: بأن يكون إلخ) يحتمل أن تكون الباء للسببية ويحتمل أنها للتصوير أى:
واختلاف تلك الطرق فى وضوح الدلالة بسبب كون بعض تلك الطرق أوضح أو مصور بكون بعض تلك الطرق أوضح
(قوله: فلا حاجة إلخ) أى: وإذا علمت أن المراد باختلاف الطرق فى وضوح الدلالة ما ذكرناه بقولنا: بأن يكون إلخ، تعلم أنه لا حاجة إلى ما قاله الخلخالى حيث قدر الخفاء بعد قول المصنف: فى وضوح الدلالة عليه، فقال: وخفائها،
стр. 1497
وتقييد الاختلاف بالوضوح ليخرج معرفة إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى اللفظ والعبارة، واللام فى" المعنى الواحد" للاستغراق العرفى، ...
===
وحاصل ما رد به الشارح عليه أنه لا حاجة لقوله: وخفائها؛ وذلك لأن الاختلاف فى الوضوح يقتضى أن بعضها أوضح من بعض مع وجود الوضوح فى كل، ومن المعلوم أن الواضح بالنسبة إلى الأوضح خفى، فالاختلاف فى الوضوح يستلزم الاختلاف فى الخفاء، وحينئذ فلا حاجة لذكر الخفاء. على أن إسقاط لفظ الخفاء فيه فائدة وهى الإشارة إلى أن الخفاء الحقيقى- أعنى: الخفاء فى نفس الأمر وهو الذى ينصرف إليه اللفظ عند الإطلاق- لا بد من انتفائه عن تلك الطرق، وإلا كان فيما وجد فيه تعقيد، والخفاء الموجود فيها إنما هو بحسب إضافة بعضها إلى بعض فكلها واضحة والتفاوت إنما هو فى شدة الوضوح وضعفه.
(قوله: وتقييد) مبتدأ، وقوله: " ليخرج" خبر
(قوله: ليخرج معرفة إيراد المعنى الواحد) أى: ليخرجها عن كونها مشمولة لعلم البيان وجزءا من مسماه، وإلا فالمعرفة بالنسبة إلى معنى واحد لا يصدق عليه الحد بطريق الاستقلال أصلا؛ لأن المراد بالمعنى جميع المعانى الداخلة تحت القصد والإرادة
(قوله: إيراد المعنى الواحد) أى: ككرم زيد وكالحيوان المفترس، وقوله: " بطرق مختلفة" فى اللفظ والعبارة أى: مع كونها متماثلة فى الوضوح، وذلك كالتعبير عن كرم زيد بقولنا: زيد كريم وزيد جواد، وكالتعبير عن الحيوان المفترس بالأسد والغضنفر، فمعرفة إيراد هذا المعنى بهذه الطرق ليست من البيان فى شىء، وعطف العبارة على اللفظ من عطف المرادف، وحاصل ما ذكره الشارح أن تقييد المصنف الاختلاف بوضوح الدلالة مخرج لمعرفة إيراد المعنى الواحد بتراكيب مختلفة فى اللفظ متماثلة فى الوضوح، وذلك بأن يكون اختلافها بألفاظ مترادفة، إذ التفاوت فى الوضوح لا يتصور فى الألفاظ المترادفة؛ لأن الدلالة فيها وضعية فإن عرف المخاطب وضعها تماثلت وإلا لم يعرف منها أو من بعضها شيئا والتوقف فى تصور معنى بعضها ليس اختلافا فى الوضوح؛ إذ لا وضوح قبل تذكر الوضع ومعرفته ضرورة أن المخاطب لا يدرك شيئا حتى يتذكر الوضع وبعد تذكره لا تفاوت
(قوله: للاستغراق العرفى)
стр. 1498
أى: كل معنى واحد يدخل تحت قصد المتكلم وإرادته، فلو عرف أحد إيراد معنى قولنا: زيد جواد بطرق مختلفة لم يكن بمجرد ذلك عالما بالبيان، ثم لما لم يكن كل دلالة قابلا للوضوح والخفاء، أراد أن يشير إلى تقسيم الدلالة، وتعيين ما هو المقصود هنا فقال: ...
===
أى: لا الحقيقى؛ لأن القوى البشرية لا تقدر على استحضار جميع المعانى؛ لأنها لا تتناهى ولا يصح جعلها للعهد؛ إذ لا عهد ولا للجنس للزوم كون من له ملكة الاقتدار على معرفة إيراد معنى واحد فى تراكيب مختلفة فى الوضوح عالما بالبيان، ولا يقال جعلها للاستغراق العرفى يقتضى أن كل من عرف علم البيان يتمكن من إيراد أى معنى أراده بطرق مختلفة فى وضوح الدلالة مع أنه ممتنع فيما ليس له لازم بين أوله لازم واحد؛ لأنا نقول: هذا لا يرد إلا إذا أريد باللازم ما يمتنع انفكاكه كما هو مصطلح المناطقة، وسيأتى أن المراد أعم من ذلك ووجود ما ليس له لازم بالمعنى الأعم ممنوع
(قوله: أى كل معنى إلخ) فإن قلت: المعانى التى يقصدها المتكلم غير متناهية عرفا، وكما أن الإحاطة بما لا يتناهى عقلا محال كذلك الإحاطة بما لا يتناهى عرفا، فكيف يقدر بعلم البيان على إحاطتها. قلت: لا استحالة فى الإحاطة بما لا يتناهى إجمالا كما فى سائر العلوم
(قوله: فلو عرف إلخ) تفريع على كون اللام للاستغراق، وقوله: " فلو عرف أحد" أى: ممن ليس له تلك الملكة.
(قوله: بمجرد ذلك) أى: بل لا بد من معرفة إيراد كل معنى دخل تحت قصده وإرادته
(قوله: قابلا) فى نسخة: قابلة للوضوح والخفاء أى: بل منها ما لا يكون إلا واضحا كالوضعية، ومنها ما يكون قابلا للوضوح والخفاء وهو العقلية، وقد علمت أن وصف الدلالة بهما إما بحسب المدلول أو بحسب سرعة الانتقال من اللفظ وعدمه، فعلى الأول يكون وصف الدلالة بهما مجازا وعلى الثانى يكون وصفها بهما حقيقة
(قوله: أراد أن يشير إلخ) أراد بالإشارة الذكر أى: أراد أن يذكر تقسيم الدلالة والقصد من ذكر هذا التقسيم التوصل إلى بيان المقصود، فقوله: " وتعيين" عطف على" أن يشير" أو على" تقسيم" عطف مسبب على سبب
(قوله: ما هو المقصود هنا) أى: فى هذا الفن وهو قوله الآتى: والإيراد المذكور إلخ.
стр. 1499
(ودلالة اللفظ) يعنى: دلالته الوضعية؛ وذلك لأن الدلالة هى كون الشىء بحيث يلزم من العلم به العلم بشىء آخر، ...
===
(قوله: ودلالة اللفظ) احترز بإضافة الدلالة إلى اللفظ عن الدلالة الغير اللفظية، سواء كانت عقلية كدلالة تغير العالم على حدوثه، أو وضعية كدلالة الإشارة على معنى نعم، أو طبيعية كدلالة الحمرة على الخجل، والصفرة على الوجل، والنبات على المطر، فإنها لا تنقسم إلى الأقسام الآتية، ثم إنه لما كان المتبادر من المصنف أن مراده بدلالة اللفظ هنا الدلالة المفهومة من قوله السابق فى وضوح الدلالة وهى اللفظية العقلية دفع الشارح ذلك بقوله: يعنى دلالته الوضعية، فخرج دلالة اللفظ العقلية كدلالة الكلام على حياة المتكلم، واللفظية الطبيعية كدلالة" أح" على وجع الصدر، فلا ينقسم شىء منهما إلى الأقسام الآتية، وظهر لك من هذا أن فى كلام المصنف شبه استخدام حيث ذكر الدلالة أولا بمعنى، ثم ذكرها ثانيا بمعنى آخر، واعترض على الشارح بأن الدلالة اللفظية الوضعية خاصة بالمطابقة فى اصطلاح البيانيين، وحينئذ فيلزم على تقسيمها للأقسام الآتية تقسيم الشىء إلى نفسه وإلى غيره لكون المقسم أخص من الأقسام، وأجيب بأن المراد بالوضعية ما للوضع فيها مدخل سواء كان العلم بالوضع كافيا فيها لكونه سببا تامّا كما فى المطابقية، أو لا بد معه من انتقال عقلى كما فى التضمنية والالتزامية، وهذا وجه جعل المناطقة الدلالات الثلاث وضعيات، كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: وذلك) أى: وبيان ذلك أى: بيان تقسيم الدلالة وتعيين ما هو المقصود منها هنا.
(قوله: لأن الدلالة) أى: من حيث هى لا خصوص دلالة اللفظ
(قوله: كون الشىء) ليس المراد بالشىء خصوص الموجود كما هو اصطلاح المتكلمين، بل مطلق الأمر الأعم من ذلك كما أنه ليس المراد بالعلم ما قابل الظن وهو الجزم، بل مطلق الإدراك والحصول فى الذهن الأعم من ذلك
(قوله: بحيث) أى: بحالة والباء للملابسة وإضافة حيث لما بعدها بيانية أى: كون الشىء ملتبسا بحالة هى أنها يلزم إلخ، والضمير فى" به" للشىء على حذف مضاف أى: يلزم من العلم بحاله مثلا اللفظ الموضوع دال على
стр. 1500
والأول: الدال، والثانى: المدلول، ثم الدال إن كان لفظا فالدلالة لفظية، وإلا فغير لفظية كدلالة الخطوط والعقد والإشارات والنّصب، ثم الدلالة اللفظية إما أن يكون للوضع مدخل فيها، أو لا؛ ...
===
معناه ودلالته كونه ملتبسا بحالة وهى أن يلزم من العلم بوضعه لذلك المعنى العلم بذلك المعنى، وكذلك تغير العالم فإنه دال على حدوثه ودلالته كونه (١) ملتبسا بحالة وهى أن يلزم من العلم بثبوته للعالم العلم بحدوثه، وقوله: " يلزم إلخ" أى: سواء كان اللزوم بواسطة أو لا
(قوله: والأول) أى: الشىء الأول وهو ما يلزم من العلم به العلم بشىء آخر، وأما الشىء الثانى فهو ما يلزم من العلم بشىء آخر العلم به
(قوله: فالدلالة لفظية) أى: وهى ثلاثة أقسام؛ لأنها إما عقلية بألا يمكن تغيرها كدلالة اللفظ على وجود لافظه، وإما طبيعية بأن يكون الربط بين اللفظ والمدلول يقتضيه الطبع كدلالة" أح" على الوجع، فإن طبع اللافظ يقتضى التلفظ به عند عروض الوجع، وإما وضعية بأن يكون الربط بين اللفظ الدال والمدلول بالوضع كدلالة الأسد على الحيوان المفترس
(قوله: وإلا فغير لفظية) أى: وإلا يكن الدال لفظا، فالدلالة غير لفظية، وهى ثلاثة أقسام أيضا؛ لأنها إما عقلية لا يمكن تغيرها كدلالة التغير على الحدوث، وإما طبيعية بأن يكون الربط بين الدال والمدلول يقتضيه الطبع كدلالة الحمرة على الخجل والصفرة على الوجل أى: الخوف، وإما وضعية بأن يكون الربط بين الدال والمدلول بالوضع كدلالة الإشارة المخصوصة مثلا على معنى" نعم" أو على معنى" لا"
(قوله: كدلالة الخطوط والعقد والإشارات والنصب) أمثلة للدلالة الوضعية الغير اللفظية، وأدخل بالكاف أمثلة العقلية والطبيعية الغير اللفظيتين كما تقدم، والمراد بالخطوط الكتابة أو الخطوط الهندسية كالمثلث والمربع، والنّصب جمع نصبة كغرف جمع غرفة، وهى العلامة المنصوبة على الشىء كالعلامة المنصوبة على محل الطهارة من النجاسة
(قوله: إما أن يكون للوضع مدخل فيها) وهى اللفظية الوضعية كدلالة الأسد على الحيوان المفترس، وقوله: " إما أن يكون للوضع مدخل فيها" أى: دخول، بأن كان سببا تامّا فيها كما فى المطابقية أو جزء سبب كما فى التضمنية والالتزامية
(قوله: أو لا) بأن كانت باقتضاء العقل وهى اللفظية
стр. 1501
فالأولى: هى المقصودة بالنظر هاهنا؛ وهى كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى عند الإطلاق بالنسبة إلى العالم بوضعه، وهذه الدلالة ...
===
العقلية أو باقتضاء الطبع وهى اللفظية الطبيعية كدلالة اللفظ على وجود لافظه ودلالة" أح" على الوجع
(قوله: المقصود بالنظر هاهنا) أى: من حيث تقسيمها إلى مطابقية وتضمنية والتزامية- كما يأتى- وهذا لا ينافى أن المقصود بالذات فى هذا الفن هو الدلالة العقلية لا الوضعية؛ لأن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة لا يتأتى بالوضعية كما يأتى فى قول المصنف، والإيراد المذكور لا يتأتى بالوضعية؛ لأن السامع إلخ، ومن هذا تعلم أن المراد بالدلالة السابقة فى التعريف الدلالة العقلية
(قوله: وهى) أى: الدلالة اللفظية التى للوضع فيها مدخل
(قوله: كون اللفظ إلخ) جنس فى التعريف خرج عنه الدلالة الغير اللفظية بأقسامها الثلاثة، وقوله: " بحيث" أى: ملتبسا بحالة هى أن يفهم منه المعنى أى:
المطابقى أو التضمنى أو الالتزامى، وقوله: " عند الإطلاق" أى: إطلاق اللفظ عن القرائن وتجرده عنها، وقوله: " بالنسبة إلخ" متعلق ب" يفهم" وخرج به اللفظية العقلية، وكذلك اللفظية الطبيعية فإنهما يحصلان للعالم بوضع اللفظ ولغيره، لعدم توقفهما على العلم بوضعه، ولا يقال: إن توقفهما على العلم بالوضع وإن كان منتفيا عنهما إلا أنهما لا ينافيانه؛ إذ كل منهما متحققة سواء وجد العلم بالوضع أو لم يوجد، وحينئذ فكيف يصح الاحتراز عنهما بهذا القيد؛ لأنا نقول: المتبادر من قول الشارح بالنسبة إلى العالم بوضعه الحصر والقيود التى تذكر فى التعاريف يجب أن تحمل على المتبادر منها مهما أمكن، فلهذا صح الاحتراز عن الطبيعية والعقلية اللفظيتين بهذا القيد، كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: وهذه الدلالة) أى: اللفظية التى للوضع مدخل فيها إما على تمام إلخ، إن قلت: هذا الكلام يقتضى حصر الدلالة المذكورة فى هذه الأقسام الثلاثة، وفيه نظر؛ لأن دلالة اللفظ الفصيح على فصاحة المتكلم خارجة عن الأقسام المذكورة؛ لأن فصاحة المتكلم ليست تمام ما وضع له اللفظ المذكور كما هو ظاهر، وليست جزءا من الموضوع له، وليست خارجة عنه، بل هى فرد من أفراد الفصاحة التى هى جزء الفصيح الذى هو جزء ما وضع له اللفظ المذكور مع مدخلية الوضع فيها. قلت: لا مدخلية للوضع
стр. 1502
(إما على تمام ما وضع) اللفظ (له) كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق (أو على جزئه) كدلالة الإنسان على الحيوان، أو الناطق (أو على خارج عنه) ...
===
فيها؛ لأن المراد بمدخلية الوضع أن يوضع اللفظ لنفس المعنى كما فى الدلالة الوضعية، أو لما يتعلق بذلك المعنى من الكل والملزوم كما فى دلالة التضمن والالتزام، واللفظ المذكور لم يوضع لفصاحة المتكلم ولا لكله ولا لملزومه، بل وضع لمركب فصاحة المتكلم فرد من جزء جزئه، فخروجها من الأقسام لعدم وجود المقسم فيها، والظاهر أنها من قبيل الدلالة العقلية؛ لأنه يستحيل وجود لفظ فصيح بدون فصاحة المتكلم فتكون كدلالة اللفظ على حياة اللافظ.
(قوله: على تمام إلخ) أى: على مجموع ما وضع له، والمراد بالمجموع ما قابل الجزء فدخل فى ذلك المعنى البسيط والمركب، فاندفع ما يقال: الأولى حذف تمام؛ لأنه يخرج دلالة اللفظ على الماهية البسيطة الموضوع هو لها، فإن قلت: هلا حذف قوله: " تمام"، واكتفى بقوله: " إما على ما وضع له" وهو شامل للمعنى البسيط والمركب، قلت: ذكر لفظة" تمام" لأجل حسن مقابلته بالجزء، وقد تبين لك مما قلناه أن" تمام" لا محترز له، وما قيل من أنه احترز به عن دلالة اللفظ على نفسه نحو: زيد ثلاثى ففيه نظر؛ وذلك لأنه على مذهب الشارح من أن دلالة اللفظ على نفسه وضعية وضعا نوعيّا ويكتفى بالمغايرة بين الدال والمدلول بالاعتبار، تكون تلك الدلالة مطابقية، فلم يكن" تمام" احترازا عن شىء، وعلى أن تلك الدلالة عقلية- كما اختاره العلامة السيد- كانت خارجة عن المقسم وهو دلالة اللفظ الوضعية وحيث كانت خارجة عن المقسم فلا يكون تمام احتراز عنها لعدم دخولها
(قوله: ما) أى: المعنى الذى وضع أو معنى وضع، و" اللفظ" نائب فاعل وضع، وجملة" وضع" صفة، أو صلة جرت على غير من هى له، لأن الموصوف بالوضع اللفظ لا المعنى وكان الواجب إبراز الضمير، ولعل المصنف ترك الإبراز جريا على المذهب الكوفى الذى يرى عدم وجوب الإبراز عند أمن اللبس كما هنا
(قوله: الناطق) الأولى:
والناطق بالعطف
(قوله: أو على جزئه) أى: جزء ما وضع له
(قوله: على الحيوان) أى:
فقط أو الناطق فقط، إذ كل منهما جزء من الموضوع له
(قوله: أو على خارج عنه)
стр. 1503
كدلالة الإنسان على الضاحك. (وتسمى الأولى) أى: الدلالة على تمام ما وضع له (وضعية) لأن الواضع إنما وضع اللفظ لتمام المعنى (و) يسمى (كل من الأخيرتين) أى: الدلالة على الجزء والخارج (عقلية) لأن دلالة اللفظ على كل من الجزء والخارج إنما هى من جهة حكم العقل ...
===
أى: عن تمام ما وضع له اللفظ
(قوله: كدلالة الإنسان على الضاحك) أى: وكدلالة السقف على الحائط
(قوله: أى الدلالة على تمام ما وضع له) أى: الدلالة على تمام المعنى الذى وضع اللفظ له
(قوله: وضعية) مفعول ثان لتسمى
(قوله: لأن الواضع إنما وضع اللفظ لتمام المعنى) أى: لا لجزئه ولا للازمه، وحينئذ فالسبب فى حصولها عند سماع اللفظ أو تذكره هو معرفة الوضع فقط دون حاجة لشىء آخر، بخلاف الأخيرتين فإنه انضم فيهما للوضع أمران عقليان توقف فهم الكل على الجزء وامتناع انفكاك فهم الملزوم عن اللازم
(قوله: وكل من الأخيرتين عقلية) لتوقف كل منهما على أمر عقلى زائد على الوضع.
(قوله: إنما هى من جهة حكم العقل إلخ) هذا الحصر يقتضى أن الوضع لا مدخل له فيهما وليس كذلك إذ هو جزء سبب؛ لأن كلّا من التضمنية والالتزامية يتوقف على مقدمتين: إحداهما وضعية والأخرى عقلية، وهما كلما فهم اللفظ فهم معناه وكلما فهم معناه فهم جزؤه أو لازمه، ينتج أنه كلما فهم اللفظ فهم جزء معناه أو لازمه، والمقدمة الأولى متوقفة على الوضع؛ لأن فهم المعنى متوقف على العلم بوضع اللفظ لذلك المعنى، والمقدمة الثانية متوقفة على العقل؛ لأن فهم الجزء أو اللازم متوقف على انتقال العقل من الكل إلى الجزء من الملزوم إلى اللازم بواسطة حكم أنه كلما وجد الكل وجد جزؤه وكلما وجد الملزوم وجد لازمه، فمن نظر إلى المقدمة الأولى سمى التضمنية والالتزامية وضعيتين كالمناطقة، ومن نظر للثانية سماها عقليتين كالبيانيين، وأجيب بأن هذا حصر إضافى أى: إنما هى من جهة حكم العقل لا من جهة الوضع وحده للجزء أو اللازم، فلا ينافى أنه من جهة العقل والوضع معا، وإنما اقتصر على العقل فى بيان التسمية؛ لأنه سبب قريب بخلاف الوضع فإنه سبب بعيد وهو غير ملتفت إليه عند أهل هذا الفن، قرر ذلك شيخنا العلامة العدوى.
стр. 1504
بأن حصول الكل، أو الملزوم يستلزم حصول الجزء، أو اللازم. والمنطقيون يسمون الثلاثة وضعية باعتبار أن للوضع مدخلا فيها، ويخصون العقلية بما يقابل الوضعية والطبيعية كدلالة الدخان على النار (وتقيد الأولى) من الدلالات الثلاث (بالمطابقة) ...
===
وقوله من جهة حكم العقل أى: من جهة هى منشأ حكم العقل المصور بأن ..
إلخ سواء تحقق الحكم بالفعل أو لا كذا ذكر العلامة عبد الحكيم
(قوله: بأن حصول الكل) أى: وهو المعنى المطابقى، والمراد حصوله فى الذهن أو فى الخارج
(قوله: يستلزم حصول الجزء) هذا راجع للكل، وقوله: أو اللازم يرجع إلى الملزوم
(قوله: والمنطقيون) أى: أكثرهم وإلا فبعضهم كأثير الدين الأبهرى يسمى الأخيرتين عقليتين كالبيانيين، واختار الآمدى وابن الحاجب أن التضمنية وضعية كالمطابقية وأن الالتزامية عقلية. قال سم: والظاهر أن كلا من الدلالتين الأخيرتين سواء قلنا إنها لفظية أو عقلية لا يصدق عليها أنها مجاز، إذ ليس اللفظ مستعملا فى غير ما وضع له العلاقة مع قرينة
(قوله: باعتبار أن للوضع مدخلا فيها) أى: سواء كان دخوله قريبا كما فى المطابقية؛ لأنه سبب تام فيها إذ لا سبب لها سوى العلم به أو كان بعيدا كما فى الأخيرتين؛ لأنه جزء سبب فيهما؛ وذلك لأن كل واحدة منهما متوقفة على أمرين، فالتضمنية متوقفة على وضع اللفظ للكل وعلى انتقال العقل من الكل للجزء، والالتزامية متوقفة على وضع اللفظ للملزوم، وعلى انتقال العقل من الملزوم للازم فقد اعتبروا فى تسميتهما وضعيتين السبب البعيد وهو مدخلية الوضع
(قوله: ويخصون العقلية) أى: سواء كانت لفظية أو لا، وكذا يقال فى الاثنين بعدها
(قوله: بما يقابل الوضعية والطبيعية) أى: فتكون الدلالة عندهم ثلاثة أقسام: عقلية كدلالة الدخان على النار، ووضعية كالدلالات الثلاث، وطبيعية كدلالة الحمرة على الخجل والصفرة على الوجل. فقوله كدلالة الدخان مثال للعقلية، وقوله ويخصون .. إلخ أى: بخلاف البيانيين فإن العقلية عندهم لا تقابل الوضعية، إذ الوضعية قد تكون عقلية- فتأمل
(قوله: وتقيد الأولى) أى: تقييدا إضافيّا لا وصفيّا فيقال دلالة مطابقة بالإضافة لا دلالة مطابقة بالوصف، وكذا يقال فى التضمن والالتزام
стр. 1505
لتطابق اللفظ والمعنى (والثانية بالتضمن) لكون الجزء فى ضمن المعنى الموضوع له (والثالثة بالالتزام) لكون الخارج لازما للموضوع له، ...
===
- كذا نقل الحفيد عن الشارح فى حواشى المطول، وذكر العلامة يس: أن المراد بالتقييد ما يشمل تقييد الإضافة كأن يقال: دلالة المطابقة وتقييد الصفة كما يقع فى عباراتهم من قولهم الدلالة المطابقية، ولا ينافى ذلك قول المصنف بالمطابقة؛ لأن المراد بهذه المادة فيشمل نحو المطابقية لا بهذا اللفظ، وفى بعض النسخ وتختص الأولى وهى بمعنى النسخة الأولى؛ لأن تختص من الخصوص لا من الاختصاص، وحينئذ فالمعنى تختص الأولى بالمطابقة ولا يطلق هذا الاسم على غيرها
(قوله: الأولى) أى: وهى الدلالة على تمام ما وضع له اللفظ
(قوله: لتطابق اللفظ والمعنى) أى: توافقهما بمعنى أن اللفظ انحصرت داليته على هذا المعنى ولم يزد بالدلالة على غيره، كما أن المعنى انحصرت مدلوليته لهذا اللفظ فلا يكون مدلولا لغيره
(قوله: والثانية) أى: وهى الدلالة على جزء ما وضع له اللفظ
(قوله: لكون الجزء) أى: المفهوم من اللفظ وذلك كالحيوان، وقوله فى ضمن المعنى الموضوع له وذلك المعنى هو مجموع الناطق، وحيث كان الجزء فى ضمن المعنى الموضوع له فيفهم عند فهمه، وكلام الشارح هذا يشير إلى أن دلالة التضمن فهم الجزء فى ضمن الكل، ولا شك أنه إذا فهم المعنى فهمت أجزاؤه معه فليس فيها انتقال من اللفظ إلى المعنى ومن المعنى إلى الجزء بل هو فهم واحد.
يسمى بالقياس إلى تمام المعنى مطابقة وبالقياس إلى جزئه تضمنا فيكون اللفظ مستعملا فى الكل أعنى مجموع الجزأين مثلا، وأما إذا استعمل اللفظ فى الجزء مجازا كان فهمه منه مطابقة؛ لأنه تمام ما عنى به بالوضع الثانوى المجازى، وقال بعضهم: إن التضمن فهم الجزء من اللفظ مطلقا سواء استعمل اللفظ فيه أو فى الكل، واختاره العلامة السيد ضرورة أنك إذا استعملته فى الجزء فلعلاقة الجزئية فما زالت الجزئية ملاحظة، واعلم أن هذا الخلاف جار فى دلالة الالتزام أيضا، فقيل أنها فهم اللازم فى ضمن الملزوم، وقيل فهم اللازم مطلقا، وقد تعلمت ما يترتب على الخلاف، فإن قلت: إن الفهم وصف للشخص الفاهم والدلالة التضمنية والالتزامية وصف اللفظ الدال، فكيف تعرف دلالة
стр. 1506
فإن قيل: إذا فرضنا لفظا مشتركا بين الكل وجزئه ولازمه كلفظ الشمس المشترك- مثلا- بين الجرم والشعاع ومجموعهما، فإذا أطلق على المجموع مطابقة، واعتبر دلالته على الجرم تضمنا، والشعاع التزاما ...
===
التضمن بفهم الجزء فى تضمن الكل أو بفهم الجزء مطلقا، وتعرف الالتزامية بفهم اللازم فى ضمن الملزوم أو بفهم اللازم مطلقا، وهذا تعريف للشىء بما يغايره؟ قلت:
المراد بالفهم الانفهام، أو هو مصدر المبنى للمفعول، فالمراد انفهام الجزء أو اللازم فى ضمن الكل أو الملزوم أو انفهامهما مطلقا أو كون الجزء أو اللازم فهم فى ضمن الكل أو الملزوم أو مطلقا، أو يقال: إن الدلالة وإن كانت حالة للفظ لكن لما كان سبببها يفهم الجزء فى ضمن الكل أو مطلقا أو ينتقل من الملزوم لللازم تسمحوا فى التعبير عنهما بما ذكر؛ تنبيها على أن الثمرة المقصودة من تلك الحالة هى الفهم والانتقال- فتأمل
(قوله: فإن قيل .. إلخ) الغرض من هذا الاعتراض إفساد تعاريف الدلالات الثلاث المستفادة من التقسيم المذكور بأنها غير مانعة؛ وذلك لأنه يستفاد منه أن المطابقة تعرف بأنها دلالة اللفظ على تمام ما وضع له والتضمن دلالته على جزء ما وضع له، والالتزام دلالته على الخارج عن معناه لازم له فيرد على كل تعريف منها أنه فاسد الطرد لدخول فرد من أفراد كل منها فى الآخر فقول الشارح، فإن قيل أى: بسبب تعريف الدلالات بما استفيد مما نقدم
(قوله: كلفظ الشمس) فيه أنه لا يصدق عليه أنه مشترك بين الكل وجزئه ولازمه، إذ الكل المجموع والشعاع غير لازم له بل للجرم، وأجبيب بأنه إذا كان لازما للجرم كان لازما للمجموع قطعا- قاله سم.
ومبنى هذا الإشكال على رجوع ضمير لازمه إلى المجموع وهو غير متعين، إذ يصح رجوعه للجزء وعليه فلا إشكال- اه.
(قوله: المشترك) أى: اشتراكا لفظيا
(قوله: بين الجرم) أى: القرص، وقوله الشعاع أى: الضوء. أى: إن فرض أن لفظ شمس موضوع لمجموع القرص والشعاع بوضع وللقرص الذى هو أحد الجزأين بوضع وللشعاع الذى هو أحد الجزأين ولازم للقرص بوضع.
(قوله: فإذا أطلق) جواب إذا وضمير أطلق راجع للفظ شمس
(قوله: والشعاع التزاما) أى: لا باعتبار هذا الوضع أعنى الوضع للمجموع، إذ هو باعتباره جزء لا لازم،
стр. 1507
فقد صدق على هذا التضمن والالتزام أنها دلالة اللفظ على تمام الموضوع له، وإذا أطلق على الجرم أو الشعاع مطابقة صدق عليها أنها دلالة اللفظ على جزء الموضوع له، أو لازمه، ...
===
بل باعتبار وضع آخر وهو وضع الشمس للجرم فقط فقوله: واعتبر دلالته على الجرم تضمنا أى: باعتبار الوضع للمجموع، وقوله: وعلى الشعاع التزاما أى: باعتبار الوضع للجرم فقط فاستقامت عبارة الشارح وإن كان هذا التأويل بعيدا من كلام الشارح؛ لما فيه من الخروج عن الموضوع وهو إطلاق الشمس على المجموع
(قوله: فقد صدق ..
إلخ) جواب إذا الثانية، وقوله: صدق أنها دلالة اللفظ على تمام الموضوع له أى: وإن كان ذلك الصدق بالنظر لوضع آخر وهو الوضع لكل واحد منهما على حدته أى:
وإذا صدق على هذا التضمن والالتزام أنه دلالة اللفظ على تمام ما وضع له صار تعريف المطابقة منتقضا منعا لدخول فردين من أفراد التضمنية والالتزامية فيه، وهاتان صورتان
(قوله: وإذا أطلق على الجرم أو الشعاع مطابقة) عطف على قوله: فإذا أطلق على المجموع
(قوله: صدق عليها) أى: على دلالة الشمس على الجرم مطابقة، أو على الشعاع مطابقة
(قوله: أنها دلالة اللفظ على جزء الموضوع له) أى: نظرا لوضع الشمس للمجموع.
(قوله: أو لازمه) أى: بالنظر لوضع الشمس للجرم وحده أى: وحيث صدق على دلالة الشمس على الجرم أو الشعاع مطابقة أنها دلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع له أو لازمه، فتكون المطابقة داخلة فى تعريف كل من التضمن والالتزام، فيكون تعريف كل منهما غير مانع لدخول المطابقة فيه وهاتان صورتان أيضا، فجملة ما ذكره الشارح من الصور أربعة وهى: انتقاض المطابقة بكل من التضمن والالتزام، وانتقاض كل من التضمن والالتزام بالمطابقة، وبقى على الشارح انتقاض التضمن بالالتزام وعكسه، فكان عليه أن يقول زيادة على ما تقدم: وإذا أطلق الشمس على الشعاع التزاما بالنظر لوضعه للجرم وحده فقد صدق عليه أنها دلالة اللفظ على جزء معناه بالنظر لوضع الشمس للمجموع فيكون الالتزام داخلا فى تعريف التضمن، وإذا أطلق
стр. 1508
وحينئذ ينتقض تعريف كل من الدلالات الثلاث بالأخريين؛ فالجواب: ...
===
الشمس على الشعاع تضمنا بالنظر لوضع الشمس للمجموع، فقد صدق عليها أنها دلالة اللفظ على لازم معناه بالنظر لوضع الشمس للجرم وحده فيكون التضمن داخلا فى تعريف الالتزام، وبهذا تمت الصور الست
(قوله: وحينئذ) أى: وحين إذ صدق ما ذكر على ما ذكره ينتقض .. إلخ، وفيه أنه لم يستوف الصور الست حتى يتم ما ذكره من التفريع، والذى يتفرع على ما ذكره إنما هو انتفاض المطابقة بكل من الأخيرتين وانتقاض كل من الأخيرتين بالأولى فقط إلا أن يقال: إنه علم مما مر أن دلالة لفظ الشمس على الشعاع يكون مطابقة تضمنا والتزاما، فمن أجل أنها تكون تضمنا والتزاما ينتقض تعريف كل منهما بالأخرى
(قوله: ينتقض تعريف كل من الدلالات الثلاث) أى: الحاصل من التقسيم
(قوله: بالأخريين) أى: بالدلالتين الأخريين لا بتعريفهما كما قد يتبادر من العبارة. أى: وإذا كان تعريف كل من الدلالات الثلاث منقوضا بما ذكر فيكون غير مانع، وسكت الشارح عن انتقاض تعاريف الثلاثة بعدم جمعها مع أنه ممكن بأن يقال: إذا أطلق لفظ شمس على الجرم مطابقة لا يشمله تعريف المطابقة؛ لكونها دلالة اللفظ على جزء معناه باعتبار الوضع للمجموع، وكذا يقال فى الباقى، ويجاب عن هذا أيضا باعتبار قيد الحيثية فى التعريف، فإن اعتبرت الدلالة على الجرم من حيث الوضع له فهى المطابقة لا غير وإن اعتبرت الدلالة عليه من حيث إنه جزء المعنى الموضوع له فهى التضمنية لا غير، وكذا يقال فى الباقى. قرر ذلك شيخنا العلامة العدوى.
(قوله: بالأخريين) بضم الهمزة مفرده أخرى- بضم الهمزة- أنثى آخر- بفتح الخاء- أفعل تفضيل، إذ أصله" أأخر" بهمزتين مفتوحة فساكنة أبدلت الساكنة ألفا ومعناه مغاير، وأفعل التفضيل إذا كان بأل طابق موصوفه وهنا الأخريين موصوفه مقدر مؤنث وهو الدلالتان، فلذلك طابق فكان مضموم الهمزة مفرده أخرى مؤنث آخر بفتح الخاء، وأما لو كان الموصوف مذكرا بأن يقدر بالأمرين الآخرين لكانت الهمزة مفتوحة؛ لأن مفرده آخر- بفتح الهمزة- ومثناه آخرين- بفتحها أيضا- ولا يصح أن يكون الأخريين هنا مثنى أخرى- بالضم- بمعنى آخرة- بكسر الخاء-؛ لأنه كذلك بمعنى مقابل الأول فيصير المعنى
стр. 1509
أن قيد الحيثية مأخوذ فى تعريف الأمور التى تختلف باعتبار الإضافات، حتى إن المطابقة هى الدلالة على تمام ما وضع له من حيث إنه تمام ما وضع له والتضمن الدلالة على جزء ما وضع له من حيث إنه جزء ما وضع له، والالتزام الدلالة على لازمه من حيث إنه لازم ما وضع له، وكثيرا ما يتركون هذا القيد اعتمادا على شهرة ذلك، وانسياق الذهن إليه.
===
حينئذ وينتقض تعريف كل من الدلالات الثلاثة بالمتأخرين منها وهو فاسد كما لا يخفى- اه يس.
(قوله: أن قيد الحيثية) الإضافة بيانية
(قوله: مأخوذ) أى: معتبر وملاحظ
(قوله: الأمور التى تختلف) أى: تتغاير وتتباين باعتبار الإضافات أى: النسب، وذلك كالدلالات الثلاث فإنها تختلف بالنسبة والإضافة للكل أو الجزء أو اللازم، فدلالة الشمس على الشعاع يقال لها مطابقية وتضمنية والتزامية باعتبار إضافة تلك الدلالة لكل ما وضع له اللفظ أو لجزئه أو لازمه، واحترز بقوله: التى تختلف باعتبار الإضافات عن الأمور المختلفة المتباينة لذواتها لأمور لا تجتمع، كالإنسان مع الفرس؛ فإنهما لا يتصادقان لاختصاص الأول بالناطقية المباينة لذاتها للصاهلية المختصة بالثانى، فلا يحتاج إلى اعتبار قيد الحيثية فى تعاريفها لكفاية تلك المباينات عن رعاية الحيثية فى تعاريفها
(قوله: حتى إن ... إلخ) حتى تفريعية أى:
وحيث كان قيد الحيثية معتبرا فى تعريف الأمور المتباينة بالإضافة كالدلالات فتعرف المطابقية بالدلالة على تمام ما وضع له من حيث إنه تمام الموضوع له أى: لا من حيث إنه جزء الموضوع له أو لازمه فلا تدخل التضمنية والالتزامية فيها، وتعرف التضمنية بأنها الدلالة على جزء ما وضع له من حيث إنه جزء ما وضع له أى: لا من حيث إنه تمام المعنى الموضوع له أو لازمه فلا تدخل المطابقية والالتزامية فيها بسبب اعتبار قيد الحيثية، وتعرف الالتزامية بأنها الدلالة على لازم الموضوع له من حيث إنه لازم لا من حيث إنه تمام الموضوع له أو جزؤه فلا تدخل المطابقية والتضمنية فيها بسبب اعتباره قيد الحيثية.
(قوله: وانسياق الذهن إليه) أى: انقياده واهتدائه إليه، وقوله: كثيرا ما يتركون هذا القيد أى: من التعريف المذكور قصدا أو من التقسيم المشعر بالتعريف. فإن قلت:
стр. 1510
(وشرطه) أى: الالتزام (اللزوم الذهنى) أى: كون المعنى الخارجى ...
===
كلام الشارح فى المطول يدل على أنه يجوز ترك بعض القيود من التقسيم المشعر بالتعريف اعتمادا على الوضوح والشهرة ولا يجوز ذلك فى التعريف، بل لا بد فيه من المبالغة فى رعاية القيود وكلامه هنا فى المختصر يخالف ذلك.
قلت: لعل ما ذكره فى المطول بالنظر إلى مطلق القيد وما ذكره فى المختصر بالنظر إلى خصوص قيد الحيثية فلا تخالف بينهما- كذا فى عبد الحكيم.
(قوله: أى الالتزام) أشار بذلك إلى أن تذكير الضمير فى شرطه لتذكير لفظ الالتزام وإن كان معناه مؤنثا أى: الدلالة ولا يقال شأن الشرط أن لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، والأمر هنا ليس كذلك إذ متى تحقق اللزوم الذهنى تحققت دلالة الالتزام؛ لأنا نقول لا نسلم ذلك، إذ قد يوجد اللزوم الذهنى فى نفسه من غير لفظ يدل عليه فلم يلزم من وجوده وجود دلالة الالتزام؛ لأنها لفظية كما مر
(قوله: اللزوم الذهنى) اعلم أن اللزوم إما ذهنى وخارجى كلزوم الزوجية للأربعة، أو ذهنى فقط كلزوم البصر للعمى، أو خارجى فقط كلزوم السواد للغراب. والمعتبر فى دلالة الالتزام باتفاق البيانيين والمناطقة اللزوم الذهنى صاحبه لزوم خارجى أو لا، ولذا قال المصنف:
وشرطه اللزوم الذهنى أى: وأما الخارجى فليس بشرط لكن ليس المراد شرط انتفائه، بل المراد عدم شرطه فقط سواء وجد أو لا فوجوده غير مضر، والمراد باللزوم الذهنى عند البيانيين ما يشمل اللزوم غير البين وهو ما لا يكفى فى جزم العقل به تصور اللازم والملزوم، بل يتوقف على وسائط كلزوم كثرة الرماد للكرم وما يشمل اللزوم البين بقسميه أعنى البين بالمعنى الأخص: وهو ما يكفى فى جزم العقل به تصور الملزوم وذلك كلزوم البصر للعمى، والبين بالمعنى الأعم: وهو ما يجزم العقل به عند تصور اللازم والملزوم سواء توقف جزم العقل به على تصور الأمرين كلزوم الزوجية للأربعة أو كان تصور الملزوم وحده كافيا، وأما المناطقة فقد اختلفوا فى المراد باللزوم الذهنى المعتبر فى دلالة الالتزام فالمحققون منهم على أن المراد به خصوص البين بالمعنى الأخص، وقال بعضهم المراد به البين مطلقا سواء كان بالمعنى الأخص أو بالمعنى الأعم
(قوله: الخارجى)