فإن قيل: إذا فرضنا لفظا مشتركا بين الكل وجزئه ولازمه كلفظ الشمس المشترك- مثلا- بين الجرم والشعاع ومجموعهما، فإذا أطلق على المجموع مطابقة، واعتبر دلالته على الجرم تضمنا، والشعاع التزاما ...
===
التضمن بفهم الجزء فى تضمن الكل أو بفهم الجزء مطلقا، وتعرف الالتزامية بفهم اللازم فى ضمن الملزوم أو بفهم اللازم مطلقا، وهذا تعريف للشىء بما يغايره؟ قلت:
المراد بالفهم الانفهام، أو هو مصدر المبنى للمفعول، فالمراد انفهام الجزء أو اللازم فى ضمن الكل أو الملزوم أو انفهامهما مطلقا أو كون الجزء أو اللازم فهم فى ضمن الكل أو الملزوم أو مطلقا، أو يقال: إن الدلالة وإن كانت حالة للفظ لكن لما كان سبببها يفهم الجزء فى ضمن الكل أو مطلقا أو ينتقل من الملزوم لللازم تسمحوا فى التعبير عنهما بما ذكر؛ تنبيها على أن الثمرة المقصودة من تلك الحالة هى الفهم والانتقال- فتأمل
(قوله: فإن قيل .. إلخ) الغرض من هذا الاعتراض إفساد تعاريف الدلالات الثلاث المستفادة من التقسيم المذكور بأنها غير مانعة؛ وذلك لأنه يستفاد منه أن المطابقة تعرف بأنها دلالة اللفظ على تمام ما وضع له والتضمن دلالته على جزء ما وضع له، والالتزام دلالته على الخارج عن معناه لازم له فيرد على كل تعريف منها أنه فاسد الطرد لدخول فرد من أفراد كل منها فى الآخر فقول الشارح، فإن قيل أى: بسبب تعريف الدلالات بما استفيد مما نقدم
(قوله: كلفظ الشمس) فيه أنه لا يصدق عليه أنه مشترك بين الكل وجزئه ولازمه، إذ الكل المجموع والشعاع غير لازم له بل للجرم، وأجبيب بأنه إذا كان لازما للجرم كان لازما للمجموع قطعا- قاله سم.
ومبنى هذا الإشكال على رجوع ضمير لازمه إلى المجموع وهو غير متعين، إذ يصح رجوعه للجزء وعليه فلا إشكال- اه.
(قوله: المشترك) أى: اشتراكا لفظيا
(قوله: بين الجرم) أى: القرص، وقوله الشعاع أى: الضوء. أى: إن فرض أن لفظ شمس موضوع لمجموع القرص والشعاع بوضع وللقرص الذى هو أحد الجزأين بوضع وللشعاع الذى هو أحد الجزأين ولازم للقرص بوضع.
(قوله: فإذا أطلق) جواب إذا وضمير أطلق راجع للفظ شمس
(قوله: والشعاع التزاما) أى: لا باعتبار هذا الوضع أعنى الوضع للمجموع، إذ هو باعتباره جزء لا لازم،
стр. 1507
فقد صدق على هذا التضمن والالتزام أنها دلالة اللفظ على تمام الموضوع له، وإذا أطلق على الجرم أو الشعاع مطابقة صدق عليها أنها دلالة اللفظ على جزء الموضوع له، أو لازمه، ...
===
بل باعتبار وضع آخر وهو وضع الشمس للجرم فقط فقوله: واعتبر دلالته على الجرم تضمنا أى: باعتبار الوضع للمجموع، وقوله: وعلى الشعاع التزاما أى: باعتبار الوضع للجرم فقط فاستقامت عبارة الشارح وإن كان هذا التأويل بعيدا من كلام الشارح؛ لما فيه من الخروج عن الموضوع وهو إطلاق الشمس على المجموع
(قوله: فقد صدق ..
إلخ) جواب إذا الثانية، وقوله: صدق أنها دلالة اللفظ على تمام الموضوع له أى: وإن كان ذلك الصدق بالنظر لوضع آخر وهو الوضع لكل واحد منهما على حدته أى:
وإذا صدق على هذا التضمن والالتزام أنه دلالة اللفظ على تمام ما وضع له صار تعريف المطابقة منتقضا منعا لدخول فردين من أفراد التضمنية والالتزامية فيه، وهاتان صورتان
(قوله: وإذا أطلق على الجرم أو الشعاع مطابقة) عطف على قوله: فإذا أطلق على المجموع
(قوله: صدق عليها) أى: على دلالة الشمس على الجرم مطابقة، أو على الشعاع مطابقة
(قوله: أنها دلالة اللفظ على جزء الموضوع له) أى: نظرا لوضع الشمس للمجموع.
(قوله: أو لازمه) أى: بالنظر لوضع الشمس للجرم وحده أى: وحيث صدق على دلالة الشمس على الجرم أو الشعاع مطابقة أنها دلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع له أو لازمه، فتكون المطابقة داخلة فى تعريف كل من التضمن والالتزام، فيكون تعريف كل منهما غير مانع لدخول المطابقة فيه وهاتان صورتان أيضا، فجملة ما ذكره الشارح من الصور أربعة وهى: انتقاض المطابقة بكل من التضمن والالتزام، وانتقاض كل من التضمن والالتزام بالمطابقة، وبقى على الشارح انتقاض التضمن بالالتزام وعكسه، فكان عليه أن يقول زيادة على ما تقدم: وإذا أطلق الشمس على الشعاع التزاما بالنظر لوضعه للجرم وحده فقد صدق عليه أنها دلالة اللفظ على جزء معناه بالنظر لوضع الشمس للمجموع فيكون الالتزام داخلا فى تعريف التضمن، وإذا أطلق
стр. 1508
وحينئذ ينتقض تعريف كل من الدلالات الثلاث بالأخريين؛ فالجواب: ...
===
الشمس على الشعاع تضمنا بالنظر لوضع الشمس للمجموع، فقد صدق عليها أنها دلالة اللفظ على لازم معناه بالنظر لوضع الشمس للجرم وحده فيكون التضمن داخلا فى تعريف الالتزام، وبهذا تمت الصور الست
(قوله: وحينئذ) أى: وحين إذ صدق ما ذكر على ما ذكره ينتقض .. إلخ، وفيه أنه لم يستوف الصور الست حتى يتم ما ذكره من التفريع، والذى يتفرع على ما ذكره إنما هو انتفاض المطابقة بكل من الأخيرتين وانتقاض كل من الأخيرتين بالأولى فقط إلا أن يقال: إنه علم مما مر أن دلالة لفظ الشمس على الشعاع يكون مطابقة تضمنا والتزاما، فمن أجل أنها تكون تضمنا والتزاما ينتقض تعريف كل منهما بالأخرى
(قوله: ينتقض تعريف كل من الدلالات الثلاث) أى: الحاصل من التقسيم
(قوله: بالأخريين) أى: بالدلالتين الأخريين لا بتعريفهما كما قد يتبادر من العبارة. أى: وإذا كان تعريف كل من الدلالات الثلاث منقوضا بما ذكر فيكون غير مانع، وسكت الشارح عن انتقاض تعاريف الثلاثة بعدم جمعها مع أنه ممكن بأن يقال: إذا أطلق لفظ شمس على الجرم مطابقة لا يشمله تعريف المطابقة؛ لكونها دلالة اللفظ على جزء معناه باعتبار الوضع للمجموع، وكذا يقال فى الباقى، ويجاب عن هذا أيضا باعتبار قيد الحيثية فى التعريف، فإن اعتبرت الدلالة على الجرم من حيث الوضع له فهى المطابقة لا غير وإن اعتبرت الدلالة عليه من حيث إنه جزء المعنى الموضوع له فهى التضمنية لا غير، وكذا يقال فى الباقى. قرر ذلك شيخنا العلامة العدوى.
(قوله: بالأخريين) بضم الهمزة مفرده أخرى- بضم الهمزة- أنثى آخر- بفتح الخاء- أفعل تفضيل، إذ أصله" أأخر" بهمزتين مفتوحة فساكنة أبدلت الساكنة ألفا ومعناه مغاير، وأفعل التفضيل إذا كان بأل طابق موصوفه وهنا الأخريين موصوفه مقدر مؤنث وهو الدلالتان، فلذلك طابق فكان مضموم الهمزة مفرده أخرى مؤنث آخر بفتح الخاء، وأما لو كان الموصوف مذكرا بأن يقدر بالأمرين الآخرين لكانت الهمزة مفتوحة؛ لأن مفرده آخر- بفتح الهمزة- ومثناه آخرين- بفتحها أيضا- ولا يصح أن يكون الأخريين هنا مثنى أخرى- بالضم- بمعنى آخرة- بكسر الخاء-؛ لأنه كذلك بمعنى مقابل الأول فيصير المعنى
стр. 1509
أن قيد الحيثية مأخوذ فى تعريف الأمور التى تختلف باعتبار الإضافات، حتى إن المطابقة هى الدلالة على تمام ما وضع له من حيث إنه تمام ما وضع له والتضمن الدلالة على جزء ما وضع له من حيث إنه جزء ما وضع له، والالتزام الدلالة على لازمه من حيث إنه لازم ما وضع له، وكثيرا ما يتركون هذا القيد اعتمادا على شهرة ذلك، وانسياق الذهن إليه.
===
حينئذ وينتقض تعريف كل من الدلالات الثلاثة بالمتأخرين منها وهو فاسد كما لا يخفى- اه يس.
(قوله: أن قيد الحيثية) الإضافة بيانية
(قوله: مأخوذ) أى: معتبر وملاحظ
(قوله: الأمور التى تختلف) أى: تتغاير وتتباين باعتبار الإضافات أى: النسب، وذلك كالدلالات الثلاث فإنها تختلف بالنسبة والإضافة للكل أو الجزء أو اللازم، فدلالة الشمس على الشعاع يقال لها مطابقية وتضمنية والتزامية باعتبار إضافة تلك الدلالة لكل ما وضع له اللفظ أو لجزئه أو لازمه، واحترز بقوله: التى تختلف باعتبار الإضافات عن الأمور المختلفة المتباينة لذواتها لأمور لا تجتمع، كالإنسان مع الفرس؛ فإنهما لا يتصادقان لاختصاص الأول بالناطقية المباينة لذاتها للصاهلية المختصة بالثانى، فلا يحتاج إلى اعتبار قيد الحيثية فى تعاريفها لكفاية تلك المباينات عن رعاية الحيثية فى تعاريفها
(قوله: حتى إن ... إلخ) حتى تفريعية أى:
وحيث كان قيد الحيثية معتبرا فى تعريف الأمور المتباينة بالإضافة كالدلالات فتعرف المطابقية بالدلالة على تمام ما وضع له من حيث إنه تمام الموضوع له أى: لا من حيث إنه جزء الموضوع له أو لازمه فلا تدخل التضمنية والالتزامية فيها، وتعرف التضمنية بأنها الدلالة على جزء ما وضع له من حيث إنه جزء ما وضع له أى: لا من حيث إنه تمام المعنى الموضوع له أو لازمه فلا تدخل المطابقية والالتزامية فيها بسبب اعتبار قيد الحيثية، وتعرف الالتزامية بأنها الدلالة على لازم الموضوع له من حيث إنه لازم لا من حيث إنه تمام الموضوع له أو جزؤه فلا تدخل المطابقية والتضمنية فيها بسبب اعتباره قيد الحيثية.
(قوله: وانسياق الذهن إليه) أى: انقياده واهتدائه إليه، وقوله: كثيرا ما يتركون هذا القيد أى: من التعريف المذكور قصدا أو من التقسيم المشعر بالتعريف. فإن قلت:
стр. 1510
(وشرطه) أى: الالتزام (اللزوم الذهنى) أى: كون المعنى الخارجى ...
===
كلام الشارح فى المطول يدل على أنه يجوز ترك بعض القيود من التقسيم المشعر بالتعريف اعتمادا على الوضوح والشهرة ولا يجوز ذلك فى التعريف، بل لا بد فيه من المبالغة فى رعاية القيود وكلامه هنا فى المختصر يخالف ذلك.
قلت: لعل ما ذكره فى المطول بالنظر إلى مطلق القيد وما ذكره فى المختصر بالنظر إلى خصوص قيد الحيثية فلا تخالف بينهما- كذا فى عبد الحكيم.
(قوله: أى الالتزام) أشار بذلك إلى أن تذكير الضمير فى شرطه لتذكير لفظ الالتزام وإن كان معناه مؤنثا أى: الدلالة ولا يقال شأن الشرط أن لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، والأمر هنا ليس كذلك إذ متى تحقق اللزوم الذهنى تحققت دلالة الالتزام؛ لأنا نقول لا نسلم ذلك، إذ قد يوجد اللزوم الذهنى فى نفسه من غير لفظ يدل عليه فلم يلزم من وجوده وجود دلالة الالتزام؛ لأنها لفظية كما مر
(قوله: اللزوم الذهنى) اعلم أن اللزوم إما ذهنى وخارجى كلزوم الزوجية للأربعة، أو ذهنى فقط كلزوم البصر للعمى، أو خارجى فقط كلزوم السواد للغراب. والمعتبر فى دلالة الالتزام باتفاق البيانيين والمناطقة اللزوم الذهنى صاحبه لزوم خارجى أو لا، ولذا قال المصنف:
وشرطه اللزوم الذهنى أى: وأما الخارجى فليس بشرط لكن ليس المراد شرط انتفائه، بل المراد عدم شرطه فقط سواء وجد أو لا فوجوده غير مضر، والمراد باللزوم الذهنى عند البيانيين ما يشمل اللزوم غير البين وهو ما لا يكفى فى جزم العقل به تصور اللازم والملزوم، بل يتوقف على وسائط كلزوم كثرة الرماد للكرم وما يشمل اللزوم البين بقسميه أعنى البين بالمعنى الأخص: وهو ما يكفى فى جزم العقل به تصور الملزوم وذلك كلزوم البصر للعمى، والبين بالمعنى الأعم: وهو ما يجزم العقل به عند تصور اللازم والملزوم سواء توقف جزم العقل به على تصور الأمرين كلزوم الزوجية للأربعة أو كان تصور الملزوم وحده كافيا، وأما المناطقة فقد اختلفوا فى المراد باللزوم الذهنى المعتبر فى دلالة الالتزام فالمحققون منهم على أن المراد به خصوص البين بالمعنى الأخص، وقال بعضهم المراد به البين مطلقا سواء كان بالمعنى الأخص أو بالمعنى الأعم
(قوله: الخارجى)
стр. 1511
بحيث يلزم من حصول المعنى الموضوع له فى الذهن حصوله فيه؛ إما على الفور، أو بعد التأمل فى القرائن والأمارات، وليس المراد باللزوم عدم انفكاك تعقل المدلول الالتزامى عن تعقل المسمى فى الذهن أصلا؛ أعنى: اللزوم البين المعتبر عند المنطقيين، وإلا لخرج كثير من معانى المجازات، والكنايات عن أن تكون مدلولات التزامية،
===
أى: المنسوب إلى الخارج عن معنى اللفظ من نسبة الجزئى إلى الكلى لا إلى الخارج بمعنى الواقع ونفس الأمر؛ لأن اللازم قد لا يكون خارجا بهذا المعنى وبقولنا: من نسبة الجزئى .. إلخ يندفع ما يقال: إن المعنى إذا لم يكن مدلولا للفظ ولا جزءا لمدلوله كان خارجا عن مدلوله فجعله خارجيا نسبة للخارج يلزم عليه اتحاد المنسوب والمنسوب إليه
(قوله: بحيث يلزم) أى: ملتبسا بحالة هى أن يلزم من حصول .. إلخ، فلزوم الضحك للإنسان عبارة عن كون الضحك ملتبسا بحالة هى أن يلزم من حصول معنى الإنسان الموضوع له وهو حيوان ناطق فى الذهن حصوله فيه
(قوله: إما على الفور) أى: فور حصول الملزوم فى الذهن وذلك فى اللزوم البين بقسميه
(قوله: أو بعد التأمل فى القرائن) أى: الوسائط وذلك فى اللزوم الغير البين كلزوم كثرة الرماد للكرم ولزوم الحدوث للعالم؛ لأنك إذا تصورت العالم لا يجزم عقلك، ولا يحصل فيه حدوثه إلا بعد التأمل فى القرائن كالتغير وعطف الأمارات على القرائن عطف تفسير.
(قوله: وليس المراد باللزوم) أى: الذهنى المعتبر فى دلالة الالتزام عند البيانيين عدم انفكاك .. إلخ أى: ليس المراد ذلك فقط، بل المراد ما هو أعم من ذلك
(قوله: عدم انفكاك .. إلخ) أى: سواء كفى فى جزم العقل باللزوم تصور الملزوم أو توقف على تصور اللازم أيضا
(قوله: أعنى) أى: بهذا اللزوم المنفى إراداته وحده عند البيانيين
(قوله: اللزوم البين) أى: سواء كان بينا بالمعنى الأخص أو بالمعنى الأعم خلافا لمن قصره على الأول؛ لأن اللازم على جعله بينا بالمعنى الأخص وهو ما ذكره الشارح من الخروج- لازم على جعله بينا بالمعنى الأعم، وحينئذ فلا وجه لقصره على ما ذكر
(قوله: المعتبر) أى: فى دلالة الالتزام وهذا نعت للزوم البين، وقوله: عند المنطقيين أى: عند بعضهم كما تقدم
(قوله: وإلا لخرج .. إلخ) أى: وإلا بأن كان المراد باللزوم المعتبر فى دلالة الالتزام
стр. 1512
ولما تأتى الاختلاف بالوضوح فى دلالة الالتزام أيضا. وتقييد اللزوم بالذهنى ...
===
عدم انفكاك .. إلخ يعنى اللزوم البين بقسميه فقط لخرج كثير من معانى المجازات والكنايات عن كونها مدلولات التزامية، لكن القوم جعلوها مدلولات التزامية، وحينئذ فاللازم باطل فكذلك الملزوم وثبت المدعى، والمراد بذلك الكثير من معانى المجاز ماعدا الجزء واللازم البين بالمعنى الأخص، والمراد بالكثير من معانى الكناية ما كان مفتقرا إلى مطلق التأمل فى القرائن وهى التى لا يحكم بالربط بين طرفيها عقلا بعد تصورهما، وبيان خروج ما ذكر أن الدال إن كان لفظ اللازم، فانفكاك المعانى المجازية والكنائية عنه فى غاية الظهور وإن كان لفظ الملزوم مع القرينة فلا انفكاك، ولكن المجموع لم يوضع للمعنى الملزوم الذى لزمه تلك المعانى، بل الموضوع لذلك المعنى الملزوم اللفظ بدون القرينة فلا يكون من دلالة الالتزام؛ لأنه يجب فيها أن يكون الدال على اللازم موضوعا للملزوم ولم يوجد، فإن كان الدال لفظا لملزوم بشرط القرينة فيمكن انفكاك المعانى المجازية والكنائية عن ذلك الملزوم مع القرينة المانعة.
بقى شىء آخر وهو أن كلام الشارح يقتضى دلالة المجاز على معناه بالالتزام وهو مخالف لما صرح به هو فى شرح الشمسية من أن دلالة المجاز على معناه المجازى بالمطابقة، وأن المراد بالوضع فى تعريف الدلالات أعم من الشخصى والنوعى حتى يدخل المجاز والمركبات- اه يس.
وقد يجاب: بأن المراد بقوله عن أن تكون مدلولات التزامية أى: بحسب الوضع الأصلى فلا ينافى أنها بحسب الوضع المجازى مدلولات مطابقية وإنما قال الشارح كثير؛ لأن اللزوم البين المعتبر عند المناطقة قد يكون فى بعضها
(قوله: ولما تأتى الاختلاف بالوضوح فى دلالة الالتزام) وذلك لأنه إذا كان معنى اللزوم عدم الانفكاك كان كل لازم بهذا المعنى لا ينفك عن الملزوم فيكون كل واحد من لوازم الشىء مساويا للآخر فى الوضوح والخفاء؛ لأن كل واحد من اللوازم لا ينفك عن الملزوم بهذا المعنى- اه سم، وقوله أيضا: أى كما لم يتأت الاختلاف المذكور فى الدلالة المطابقية، لكن عدم الاختلاف بالوضوح فى دلالة الالتزام باطل فبطل الملزوم وهو كون المراد باللزوم المعتبر
стр. 1513
إشارة إلى أنه لا يشترط اللزوم الخارجى كالعمى؛ فإنه يدل على البصر التزاما؛ لأنه عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيرا ...
===
هنا اللزوم البين، فقوله: ولما تأتى عطف على قوله لخرج .. إلخ، واعترض على الشارح بأنا لا نسلم الشرطية القائلة: لو كان المراد باللزوم المعتبر عدم الانفكاك لما تأتى الاختلاف فى دلالة الالتزام بالوضوح؛ لأن دلالة اللفظ على لازمه أوضح من دلالته على لازم لازمه؛ لأن الذهن ينتقل من ملاحظة اللفظ إلى ملاحظة الملزوم أولا، ومن ملاحظة الملزوم إلى ملاحظة اللازم ثانيا، ومن ملاحظة اللازم إلى ملاحظة لازم اللازم ثالثا فبسبب هذه الملاحظة يتأتى الاختلاف المذكور، وأجيب بأن مراد الشارح بالاختلاف المذكور التفاوت بحسب الزمان بأن يكون زمن الانتقال من الملزوم إلى اللازم فى بعض الصور أطول من زمن الانتقال فى بعض آخر بسبب خفاء القرائن ووضوحها لا بحسب ذات الانتقال بأن يوجد انتقالان فأكثر والتفاوت فى دلالة اللفظ على لازمه ودلالته على لازم لازمه من قبيل الثانى؛ لأن فى دلالة اللفظ على لازم معناه انتقالين، وفى دلالته على لازم لازمه ثلاثة كما علمت، وهذا التفاوت لا يعتد به عندهم، وحينئذ فلا إيراد، واعترض هذا الجواب بأن الدلالة التضمنية المعتبر فيها تتفاوت بحسب الذات لا بحسب الزمان فإنه ينتقل من اللفظ إلى الكل أولا ومن الكل إلى جزئه ثانيا ومن الجزء إلى جزء جزئه ثالثا، ففى دلالة اللفظ على جزء المعنى انتقالان وعلى جزء جزئه ثلاثة، وهذا التفاوت معتبر عند القوم، والتفرقة بين دلالة الالتزام ودلالة التضمن تفرقة من غير فارق فتأمل.
(قوله: إشارة .. إلخ) ولو أطلق اللزوم ولم يقيده بالذهنى لانتفت الإشارة المذكورة وصار صادقا باشتراط الخارجى وعدم اشتراطه لصيرورة اللزوم حينئذ مطلقا أعم من الذهنى والخارجى
(قوله: لا يشترط اللزوم الخارجى) هو كون المعنى الالتزامى بحيث متى يحصل المسمى فى الخارج حصل هو فى الخارج، والمراد لا يشترط اللزوم الخارجى أى: لا استقلالا ولا منضمّا للذهنى
(قوله: كالعمى) مثال للنفى
(قوله: لأنه عدم البصر .. إلخ) أى: فهو عدم مقيد بالإضافة للبصر لا أن البصر جزء من مفهومه حتى
стр. 1514
مع التنافى بينهما فى الخارج، ومن نازع فى اشتراط اللزوم الذهنى فكأنه أراد باللزوم اللزوم البين؛ بمعنى عدم انفكاك تعقله عن تعقل المسمى.
والمصنف أشار إلى أنه ليس المراد باللزوم الذهنى اللزوم البين المعتبر عند المنطقيين بقوله: (ولو لاعتقاد المخاطب بعرف) أى: ولو كان ذلك اللزوم ...
===
تكون دلالته على البصر تضمنية
(قوله: مع التنافى) أى: التعاند والتضاد بينهما فى الخارج، فلو قلنا باشتراط اللزوم الخارجى لخرج هذا عن كونه مدلولا التزاميا مع أن القصد دخوله
(قوله: ومن نازع) هو العلامة ابن الحاجب حيث قال فى مختصره الأصولى: ودلالته الوضعية على كمال معناه مطابقية وعلى جزئه تضمنية وغير الوضعية التزام، وقيل: إن كان اللازم ذهنيا فظاهره حيث قدم الأول أنه لا يشترط فى دلالة الالتزام اللزوم الذهنى
(قوله: فكأنه أراد) أى: فأظن أنه أراد؛ إذ من معانى كأن: الظن، وحاصله: أن مراد ابن الحاجب باللزوم الذهنى المنفى اشتراطه فى دلالة الالتزام على القول الأول فى كلامه خصوص الذهنى البين بالمعنى الأخص، وهذا لا ينافى اشتراط اللزوم الذهنى مطلقا، ومحصله: أن القول الأول فى كلام ابن الحاجب يقول باعتبار اللزوم الذهنى مطلقا ولا يشترط خصوص اللزوم الذهنى البيّن بالمعنى الأخص، والقول الثانى يقول لا بد من اللزوم الذهنى البين بالمعنى الأخص، فاللزوم الذهنى لا بد منه بلا نزاع، وإنما الخلاف فى النوع المعتبر منه، وعلى هذا فالقول الأول فى كلام ابن الحاجب هو عين ما قاله المصنف، وعلى كل حال فاللزوم الخارجى غير معتبر- كذا قرر شيخنا العلامة العدوى، ويدل عليه كلام حواشى المطول
(قوله: اللزوم البين) أى: بالمعنى الأخص
(قوله: والمصنف أشار إلى أنه ليس المراد باللزوم الذهنى اللزوم البين) أى: فقط بل المراد به ما يشمل البين وغير البين
(قوله: ولو لاعتقاد المخاطب) أى: هذا إذا كان اللزوم الذهنى عقليا بأن كان لا يمكن انفكاكه، بل ولو كان ذلك اللزوم لأجل اعتقاد المخاطب إياه بسبب عرف عام أو غيره، وذلك بأن يفهم المخاطب من اللفظ بواسطة عرف عام أو خاص أن بين معناه وبين معنى آخر لزوما بحيث صار استحضار أحدهما فى الذهن مستلزما لاستحضار الآخر فيه، فهذا كاف فى اللزوم الذهنى، فمثال اللزوم
стр. 1515
مما يثبته اعتقاد المخاطب بسبب عرف عام؛ ...
===
باعتقاد المخاطب بواسطة العرف العام: الأسد مثلا أهل العرف قاطبة يفهمون من معناه لازما هو الجراءة والشجاعة، وإن كان لا لزوم عقلا بين تلك الجثة والجراءة، فإذا قيل هل زيد شجاع؟ فأجبت بقولك: هو أسد. فهم المخاطب منه أنه شجاع، وكما فى طنين الأذن إذا فهم منه المخاطب بسبب العرف العام أن صاحب ذلك الطنين مذكور، فيجوز أن يقال لمن يعتقد ذلك: إن لفلان طنينا فى إذنه ليفهم منه أنه مذكور، وكاختلاج العين إذا فهم منه المخاطب بسبب العرف العام لقاء الحبيب، فيجوز أن يقال لمن يعتقد ذلك: اختلجت عين فلان؛ ليفهم منه أنه لقى حبيبه، وكما إذا اعتقد إنسان بسبب العرف العام أن من لم يتزوج فهو عنين، فيجوز أن يقال له: فلان غير متزوج؛ ليفهم منه أنه عنين بسبب اعتقاده اللزوم بينهما بواسطة العرف العام وإن كان اللزوم العقلى منتفيا، وظهر مما قررنا أن إضافة اعتقاد للمخاطب فى كلام المصنف من إضافة المصدر لفاعله وأن المفعول محذوف وأن المعتبر فى تحقيق اللزوم ما عند المخاطب من الربط؛ لأن الدلالة كون اللفظ بحيث يفهم منه المخاطب أمرا لازما عند المتكلم وإلا لربما خلا الخطاب عن الفائدة، ولذا قال المصنف: ولو لاعتقاد المخاطب ولم يقل:
ولو لاعتقاد المتكلم
(قوله: مما يثبته اعتقاد المخاطب) اعترض بأن اعتقاد المخاطب متعلق باللزوم لا مثبت له، والمثبت له إنما هو ذهن المخاطب وعقله فأولا يثبته بعقله ثم بعد ذلك يعتقده، فكان الأولى أن يقول: مما يثبته ذهن المخاطب، وأجيب بأن الاعتقاد فى كلامه مصدر بمعنى اسم الفاعل أى: مما يثبته معتقد المخاطب وهو ذهنه، أو يقال:
إن المراد بالإثبات التعلق على سبيل المجاز المرسل من إطلاق اسم اللازم وإرادة الملزوم؛ لأن تعلق الاعتقاد باللزوم يستلزم ثبوته فى الذهن بالوجود الظنى أى: يجعله ثابتا فيه على وجه الظن.
(قوله: بسبب عرف عام) اعترض بأنه لم يظهر المراد به؛ لأنه إن أريد به ما اتفق عليه جميع أهل العلم أو جميع العوام كما هو المتبادر منه ففيه بعد؛ لأنه يبعد اتفاق جميع أهل العلم أو العوام على شىء، وأجيب بأن المراد به ما لم يتعين واضعه كأهل
стр. 1516
إذ هو المفهوم من إطلاق العرف (أو غيره) يعنى: العرف الخاص؛ كالشرع، واصطلاحات أرباب الصناعات، وغير ذلك (والإيراد المذكور) أى: إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى الوضوح (لا يتأتى بالوضعية) أى: بالدلالات المطابقية
===
الشرع أو النحاة أو المتكلمين وحينئذ فلا يراد
(قوله: إذ هو المفهوم من إطلاق العرف) علة لمحذوف أى: وإنما قيدنا العرف بالعام ولم نجعله شاملا للخاص؛ لأنه المفهوم .. إلخ فالعرف العام كاللزوم الذى بين الأسد والجراءة كما مر، والعرف الخاص كاللزوم الذى بين بلوغ الماء قلتين وعدم قبول النجاسة، فإن هذا اللزوم عند أهل الشرع خاصة، فإذا قيل: هل ينجس هذا الماء إذا وقع فيه نجاسة ولم تغيره؟ فأجبت بقولك هذا الماء بلغ قلتين. فهم المخاطب منه- إذا كان من أهل الشرع- عدم قبوله للنجاسة، وكاللزوم الذى بين التسلسل والبطلان، فإن هذا اللزوم عند أهل الكلام؛ لأنهم يقولون: إن التسلسل يستلزم البطلان، فإذا قلت لإنسان يلزم على كلامك الدور أو التسلسل وكان ذلك المخاطب من أهل الكلام فهم منه أنه باطل، وكلزوم الرفع للفاعل فإنه خاص بالنجاة، فإذا قال إنسان: جاء زيدا بالنصب، فقلت له: زيد فاعل فهم منه- إذا كان نحويا- أنه مرفوع
(قوله: واصطلاحات .. إلخ) عطف على الشرع؛ لأن اصطلاح أرباب كل صنعة من قبيل العرف الخاص وذلك كلزوم القدوم للنجار؛ فإنه خاص بالنجارين فيجوز أن يقال: هذا قدوم زيد ليفهم المخاطب أن زيدا نجار، وكذا ما تقدم من لزوم الرفع للفاعل والبطلان للتسلسل، فإن الأول خاص باصطلاح أهل صنعة النحو، والثانى خاص باصطلاح أهل صنعة الكلام
(قوله: وغير ذلك) عطف على العرف الخاص وذلك كقرائن الأحوال كما إذا كان المقام مقام ذم إنسان بالبخل، فإن من لوازم استحضار البخل استحضار الكرم فإذا قلت: إنه كريم. فهم المخاطب بخله وكالتعريض كقولك:
أما أنا فلست بزان وتريد أن مخاطبك زان لقرينة
(قوله: أى بالدلالات المطابقية) عبر بالجمع؛ لأن الاختلاف فى الوضوح إنما يتأتى فيه، وفسر الوضعية بالمطابقية لئلا يتوهم أن المراد الوضعية بالمعنى الذى جعله مقسما للدلالات الثلاث فيما تقدم، أعنى ما للوضع فيها مدخل فتدخل العقلية الآتية وهو فاسد، واعلم أن المطابقية يندرج
стр. 1517
(لأن السامع إن كان عالما بوضع الألفاظ) لذلك المعنى (لم يكن بعضها أوضح دلالة عليه من بعض، وإلا) أى: وإن لم يكن عالما بوضع الألفاظ (لم يكن كل واحد) من الألفاظ (دالا عليه) ...
===
فيها دلالة سائر المجازات مرسلة كانت أو لا؛ لأنها دلالة اللفظ على تمام الموضوع له بالوضع النوعى بناء على أن المراد بالوضع فى تعريف المطابقة أعم من الشخصى والنوعى كما صرح به الشارح فى شرح الشمسية حيث قال: لا نسلم أن دلالة المجاز على معناه تضمن أو التزام بل مطابقة، إذ المراد بالوضع فى الدلالات الثلاث أعم من الجزئى الشخصى كما فى المفردات والكلى النوعى كما فى المركبات، وإلا لبقيت دلالة المركبات خارجة عن الأقسام، والمجاز موضوع بازاء معناه بالنوع كما تقرر فى موضعه- انتهى.
وإذ قد علمت أن سائر المجازات دلالتها بالمطابقة وأنها وضعية فكيف يتأتى قول المصنف تبعا لغيره من أهل هذا الفن أن الإيراد المذكور لا يتأتى بالوضعية ويتأتى بالعقلية- اللهم إلا أن يراد بالوضعية والمطابقية ما كان بطريق الحقيقة فقط؟ ، أو يقال:
إن أهل هذا الفن يمنعون أن دلالة المجاز وضعية، ويدل لهذا كلام السيرامى عند تعريف الدلالة ونصه الوضع المعتبر سواء كان شخصيا أو نوعيا تعيين اللفظ نفسه بلا واسطة قرينة بإزاء المعنى لا تعيينه مطلقا بإزائه، وصرح بذلك الشارح أيضا فى التلويح فانتفى الوضع مطلقا فى المجاز، فدلالته تضمنية أو التزامية نظرا إلى تحقق الفهم ضمنا فتكون عقلية كدلالة المركبات على مدلولها والقياس على النتيجة- اه يس.
(قوله: لأن السامع .. إلخ) إنما خصه بالذكر؛ لأنه الذى يعتبر نسبة الخفاء والوضوح إليه غالبا
(قوله: إن كان عالما بوضع الألفاظ) أى: بوضع كل واحد منها
(قوله: لم يكن بعضها أوضح دلالة عليه من بعض) أى: بل هى مستوية فى الدلالة عليه ضرورة تساويها فى العلم بالوضع المقتضى لفهم المعنى عند سماع الموضوع، وإذا تساوت فلا يتأتى الاختلاف فى دلالتها وضوحا وخفاء.
(قوله: أى وإن لم يكن عالما بوضع الألفاظ) أى: بوضع جميعها وهذا صادق بأن لا يعلم شيئا منها أصلا، أو يعلم البعض دون البعض
(قوله: لم يكن كل واحد دالّا عليه)
стр. 1518
لتوقف الفهم على العلم بالوضع- مثلا- إذا قلنا: خده يشبه الورد؛ فالسامع إن كان عالما بوضع المفردات والهيئة التركيبية امتنع أن يكون كلام آخر يؤدى هذا المعنى بطريق المطابقة دلالة أوضح، أو أخفى؛ لأنه إذا أقيم مقام كل لفظ ما يرادفه فالسامع إن علم الوضع فلا تفاوت فى الفهم، ...
===
أى: وما انتفت دلالته منها على ذلك المعنى لا يوصف بخفاء الدلالة ولا بوضوحها
(قوله: لتوقف الفهم) أى: فهم المعنى على العلم بالوضع، أورد عليه أن الموقوف على العلم بالوضع فهم المعنى بالفعل والدلالة كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى، وهذه الحيثية ثابتة للفظ بعد العلم بوضعه وقبله، ولا تكون منتفية على تقدير انتفاء العلم بالوضع، وحينئذ فلا يلزم من نفى الفهم الموقوف على العلم بالوضع نفى الدلالة فبطل ما ذكره من التعليل، وأجيب بأن المراد بالدلالة فى قول المصنف: وإلا لم يكن كل واحد دالّا عليه فهم المعنى من اللفظ بالفعل لا كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى، وحينئذ فالمعنى وإلا لم يكن كل واحد من الألفاظ مفهما له، ويدل لهذا قول الشارح الآتى، وإلا لم يتحقق الفهم أى: وإن لم يكن عالما بالوضع لم يتحقق فهم ذلك المعنى من المرادفات، فقول الشارح هنا لتوقف الفهم أى: المعبر عنه فى كلام المصنف هنا بالدلالة، وقوله على العلم بالوضع أى: فيلزم من نفى العلم بالوضع نفى الدلالة؛ لأن المتوقف على الشىء ينتفى بانتفاء المتوقف عليه
(قوله: إن كان عالما بوضع المفردات) بأن علم أن الخد موضوع للوجنة والورد موضوع للنبت المعلوم وأن يشبه معناه يماثل
(قوله: والهيئة التركيبية) أى:
وعالما بهيئته التركيبية وهى إسناد يشبه إلى الخد أى: وعالما بمدلولها وهو ثبوت شبه الخد للورد بناء على أن هيئته التركيبية موضوعة
(قوله: امتنع أن يكون) جواب" إن" و" كلام" اسم" يكون" وجملة" يؤدى" خبرها أى: امتنع أن يوجد كلام مؤديا هذا المعنى بدلالة المطابقة وقوله دلالة منصوب على المصدرية، وقوله أوضح أو أخفى صفة لدلالة أى:
أوضح من خده يشبه الورد أو أخفى منه، فقد حذف المفضل عليه
(قوله: لأنه ...
إلخ) علة لقوله امتنع ... إلخ
(قوله: ما يرادفه) أى: كأن يقال: وجنته تماثل الورد
(قوله: إن علم الوضع) أى: وضع هذه المرادفات
(قوله: فلا تفاوت فى الفهم)
стр. 1519
وإلا لم يتحقق الفهم.
وإنما قال: لم يكن كل واحد؛ لأن قولنا: هو عالم بوضع الألفاظ معناه:
أنه عالم بوضع كل لفظ فنقيضه المشار إليه بقوله: وإلا يكون سلبا جزئيا؛ أى: إن لم يكن عالما بوضع كل لفظ فيكون اللازم عدم دلالة كل لفظ، ويحتمل أن يكون البعض منها دالا لاحتمال أن يكون عالما بوضع البعض، ولقائل أن يقول: ...
===
أى: بل يكون فهمه من الكلام الثانى كفهمه من الكلام الأول، والمراد بالفهم الدلالة كما مر
(قوله: وإلا لم يتحقق الفهم) أى: وإن لم يعلم أن هذه الألفاظ الجديدة المرادفة للألفاظ الأولى موضوعة لذلك المعنى لم يفهم شيئا أصلا، فعلى كلا التقديرين لم يكن تفاوت فى الدلالة وضوحا وخفاء، ومثل ما ذكره الشارح من المثال إذا قلنا: فلان يشبه البحر فى السخاء وبدلنا كل لفظ برديفه، فإن كان مساويا له فى العلم بالوضع لم يختلف الفهم، وإن كان غير مساو لم يتحقق الفهم بخلاف ما إذا دللنا على معنى الكرم مثلا بمستلزمه: كفلان مهزول الفصيل، وجبان الكلب، وكثير الرماد وأنه يجوز أنه يكون استلزام بعض هذه المعانى لمعنى الكرم أوضح من بعض فتختلف الدلالة وضوحا وخفاء كما يأتى فى الدلالة العقلية.
(قوله: وإنما قال لم يكن كل واحد) يعنى مما يدل على السلب الجزئى دون أن يقول لم يكن واحد منها مما يدل على السلب الكلى، وإنما كان الأول سلبا جزئيّا؛ لوقوع كل فى حيز النفى المفيد لسلب العموم وهو سلب جزئى، وإنما كان الثانى سلبا كليا؛ لأن واحد نكرة واقعة فى سياق النفى فتعم عموما شموليا فيكون المراد عموم السلب وهو سلب كلى.
(قوله: لأن قولنا) الأولى أن يقول: لأن قوله بضمير الغيبة العائدة على المصنف، إلا أن يقال: إنه لما ذكر عبارة المصنف بالمعنى لم ينسبها له
(قوله: معناه أنه عالم بوضع كل لفظ) أى: فيكون إيجابا كليا، وقوله معناه خبر أن
(قوله: فنقيضه) مبتدأ، وقوله يكون أى: ذلك النقيض، وقوله سلبا جزئيا خبر يكون، وجملة يكون خبر المبتدأ، وإنما كان نقيضه ما ذكر لما تقرر فى المنطق من أن الإيجاب الكلى إنما يناقضه
стр. 1520
لا نسلم عدم التفاوت فى الفهم على تقدير العلم بالوضع، بل يجوز أن يحضر فى العقل معانى بعض الألفاظ المخزونة فى الخيال بأدنى التفات لكثرة الممارسة والمؤانسة، وقرب العهد بها بخلاف البعض فإنه يحتاج إلى التفات أكثر ...
===
السلب الجزئى لا الكلى، ولذا لم يقل لم يكن أحد منها دالا الذى هو سلب كلى، ثم إن من المعلوم أن السلب الجزئى أعم من السلب الكلى؛ وذلك لتحقق السلب الجزئى عند انتفاء الحكم عن كل الأفراد الذى هو السلب الكلى وعند انتفائه عن بعض الأفراد، ولذا قال الشارح فى بيان معنى قول المصنف وإلا لم يكن كل واحد دالّا عليه أى: وإن لم يكن عالما بوضع كل لفظ، فاللازم عدم دلالة كل لفظ عليه، وهذا اللازم أعنى: عدم دلالة كل لفظ عليه صادق بألا يكون للفظ منها دلالة أصلا وصادق بأن يكون لبعض منها دلالة. فقول الشارح: ويحتمل .. إلخ، الأولى أن يقول فيحتمل عدم كون كل واحد منها دالا، ويحتمل إلخ، كما قلنا، واعلم أن ما ذكره الشارح من توجيه تعبير المصنف بقوله لم يكن كل واحد دون لم يكن واحد إنما يتم على مذهب من يقول: إن المسند إليه المسور بكل إذا أخر عن أداة السلب يفيد سلب العموم، وأما على مذهب الشيخ عبد القاهر من أنه إذا أخر عن أداه النفى وما فى معناها يفيد النفى عن الكل مع بقاء أصل الفعل فلا يتم وهو ظاهر- كذا قرر شيخنا العدوى
(قوله: لا نسلم .. إلخ) هذا وارد على قول المصنف؛ لأن السامع إن كان عالما بوضع الألفاظ لم يكن بعضها أوضح دلالة من بعض
(قوله: بعض الألفاظ المخزونة) مثل ليث وأسد وسبع وغضنفر، وقوله بأدنى التفات: متعلق ب يحضر
(قوله: لكثرة الممارسة) أى:
ممارسة استعماله فى معناه وهو متعلق بيحضر، ففهم المعنى من أسد أو سبع أقرب من فهمه من ليث وغضنفر مع العلم بوضع هذه الألفاظ الأربعة؛ وذلك لكثرة استعمال هذين اللفظين فى المعنى الموضوع له دون الآخرين
(قوله: وقرب العهد بها) أى: بالألفاظ أى: باستعمالها فى معناها أو بالعلم بوضعها، وقوله والمؤانسة: عطف لازم على ملزوم، وكذا قوله: وقرب العهد بها
(قوله: فإنه يحتاج .. إلخ) أى: وحينئذ فقد وجد الوضوح والخفاء فى دلالة المطابقة مع العلم بالوضع فقول المصنف؛ لأن السامع إن كان عالما
стр. 1521
ومراجعة أطول مع كون الألفاظ مترادفة، والسامع عالما بالوضع، وهذا مما نجده من أنفسنا، والجواب: أن التوقف إنما هو من جهة تذكر الوضع، وبعد تحقق العلم بالوضع، وحصوله بالفعل؛ فالفهم ضرورى ...
===
بوضع الألفاظ لم يكن بعضها أوضح من بعض لا يسلم
(قوله: ومراجعة أطول) مرادف لما قبله
(قوله: أن التوقف) أى: والمراجعة
(قوله: من جهة تذكر الوضع) أى: المنسى أى: وليس التوقف والمراجعة لخفاء الدلالة بعد العلم بالوضع، وحاصله: أن المراد بالاختلاف فى الوضوح والخفاء أن يكون ذلك بالنظر لنفس الدلالة ودلالة الالتزام كذلك؛ لأنها من حيث إنها دلالة التزام قد تكون واضحة كما فى اللوازم القريبة، وقد تكون خفية كما فى اللوازم البعيدة بخلاف المطابقة، فإن فهم المعنى المطابقى واجب قطعا عند العلم بالوضع، والتفاوت فى سرعة الحضور وبطئه إنما هو من جهة سرعة تذكر السامع للوضع وبطئه، ولهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأوقات.
(قوله: وبعد تحقق .. إلخ) الأوضح وبعد تذكر الوضع المنسى تعلم المعنى من غير توقف؛ لأن الفرض أنه عالم بالوضع لكنه غفل عنه إلا أن يقال: إنه أراد بالعلم بالوضع تذكره، وقوله وحصوله تفسير لتحققه، وأورد على كلام المصنف أيضا أن التركيب الذى فيه التعقيد اللفظى بسبب تقديم بعض المعمولات على بعض لا يفهم معناه إلا بعد التأمل بعد العلم بوضع جميع ألفاظه، فإذا أبدلت ألفاظه بما يرادفه من غير اشتمال على ذلك التعقيد بأن قدم فى أحد التركيبين ما أخر فى الآخر وذكر فى أحدهما ما حذف فى الأخر فقد تصور الوضوح والخفاء فى دلالة الألفاظ الوضعية بعد العلم بوضعها من غير طلب تذكر الوضع، وأجيب بأن الهيئة مختلفة والكلام عند اتفاق الهيئة؛ لأن لها دخلا فى الفهم الوضعى على أن المراد أنه لا يتأتى الاختلاف بالوضوح والخفاء فى الدلالة الوضعية مع بقاء فصاحة الكلام، وأورد عليه أيضا اختلاف الحد والمحدود فى الدلالة، فإن كلا منهما يدل على الماهية مع العلم بالوضع فى الكل وكون الدلالة فى الكل مطابقة مع اختلافهما فى الدلالة عليها وضوحا وخفاء، فإن دلالة الحد أخفى لاحتياجها إلى استخراج الأجزاء وتمييز ألفاظها الدالة عليها تفصيلا، وأجيب بأن الكلام
стр. 1522
(ويتأتى) الإيراد المذكور (بالعقلية) من الدلالات (لجواز أن تختلف مراتب اللزوم فى الوضوح) أى: مراتب لزوم الأجزاء للكل فى التضمن، ومراتب لزوم اللوازم للملزوم فى الالتزام؛ ...
===
عند اتحاد المعنى من كل وجه حتى لا يبقى إلا نفس الدلالة والحد والمحدود معناهما مختلف بالإجمال والتفصيل؛ لأن الحد معناه الماهية المفصلة والمحدود معناه الماهية المجملة، وحينئذ فالأوضحية باعتبار التفصيل، فرجع الاختلاف فى المدلول دون الدلالة، وأورد عليه أيضا أن الوضع لا يشترط فيه القطع، بل الظن كاف وهو قابل للشدة والضعف فيتأتى الاختلاف فى الوضعية باعتبار ذلك، وأجيب بأن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة باعتبار ظنون المخاطب مما لا ينضبط ولا يرتكب أصلا على أن تصور المعنى الموضوع له اللفظ يحصل مع كل ظن ولو كان ضعيفا، فلم يختلف فهم الموضوع له وضوحا وخفاء، وإنما اختلف فى كون ما فهم هل هو ذلك فى الوضع أو لا؟ والكلام فى تصور المعنى لا فى تحقق كون ما تصور منه هو الموضوع له أو لا؟ فتأمل
(قوله: ويتأتى بالعقلية) المراد بها ما تقدم وهى دلالة التضمن والالتزام فأل عهدية.
(قوله: مراتب اللزوم) أراد باللزوم ما يشمل لزوم الجزء للكل فى التضمن ولزوم اللازم للملزوم فى الالتزام، ولهذا لم يقل مراتب اللازم لئلا يكون قاصرا على دلالة الالتزام
(قوله: أى مراتب) لزوم الأجزاء للكل كالحيوان والجسم النامى والجسم المطلق والجوهر، فهذه كلها أجزاء للإنسان، لكن بعضها بواسطة فأكثر وبعضها بلا واسطة، فالربط بين المنتقل منه الذى هو الكل وبين المنتقل إليه الذى هو الجزء قد يكون خفيا؛ لوجود الواسطة فتختفى دلالة لفظ المنتقل منه على الجزء المنتقل إليه، وقد يكون الربط المذكور واضحا لعدم الواسطة فتظهر تلك الدلالة.
(قوله: ومراتب لزوم اللوازم) أى: التى هى المدلول الالتزامى لما مر من أن دلالة الالتزام دلالة اللفظ على الخارج اللازم مثلا الوصف بالكرم له لوازم: كالوصف بكثرة الضيفان وبكثرة الرماد والوصف بجبن الكلب والوصف بهزال الفصيل، وبعض هذه اللوازم واضح وبعضها خفى، فإذا كان الربط بين الملزوم المنتقل منه وبين ذلك اللازم
стр. 1523
وهذا فى الالتزام ظاهر؛ فإنه يجوز أن يكون للشىء لوازم متعددة بعضها أقرب إليه من بعض، وأسرع انتقالا منه إليه لقلة الوسائط، فيمكن تأدية الملزوم بالألفاظ الموضوعة لهذه اللوازم المختلفة الدلالة عليه وضوحا وخفاء، ...
===
المنتقل إليه خفيا كانت دلالة لفظ المنتقل منه على ذلك المنتقل إليه خفية، وإن كان الربط بينهما واضحا كانت تلك الدلالة واضحة، والسبب فى الوضوح فى دلالة الالتزام إما كون اللزوم ذهنيا بينا تستوى فيه العقول وإما قلة الوسائط مع ضميمة الاستعمال العربى أو مع ضميمة ظهور القرينة جدا حتى كأنها المشهود، وقد يكون الوضوح مع كثرة الوسائط عند ضميمة كثرة الاستعمال، والسبب فى الخفاء فيها كثرة الوسائط المحوجة لمزيد التأمل وذلك لقلة الاستعمال
(قوله: وهذا) أى: اختلاف مراتب اللزوم فى الوضوح
(قوله: للشىء) أى: الذى هو الملزوم كالكرم
(قوله: لوازم متعددة) ككثرة الضيفان وكثرة إحراق الحطب وكثرة الرماد
(قوله: بعضها) أى: بعض تلك اللوازم ككثرة الضيفان
(قوله: أقرب إليه) أى: إلى ذلك الشىء
(قوله: منه) أى: من ذلك الشىء
(قوله: إليه) أى: إلى ذلك البعض
(قوله: لقلة الوسائط) أراد بالقلة: ما يشمل العدم بالنظر للبعض
(قوله: فيمكن تأدية الملزوم) أى: المعنى الملزوم كالكرم بالألفاظ ..
إلخ بأن يقال: زيد كثير الضيفان، أو كثير إحراق الحطب، أو كثير الرماد، ولا شك أن انتقال الذهن من كثرة الضيفان للكرم أسرع من انتقاله من كثرة إحراق الحطب للكرم لعدم الواسطة بينهما، وانتقاله من كثرة إحراق الحطب للكرم أسرع من انتقاله من كثرة الرماد للكرم؛ لأن بين الكرم وكثرة إحراق الحطب واسطة وبينه وبين كثرة الرماد واسطتان، وقوله لقلة الوسائط أى: أو كثرة الاستعمال كالكرم فإن له لوازم:
ككثرة الرماد وهزال الفصيل وجبن الكلب فتمكن تأدية الكرم بالألفاظ الموضوعة لهذه اللوازم بأن يقال: زيد كثير الرماد أو هزيل الفصيل أو جبان الكلب، ولا شك أن هذه اللوازم مختلفة فى الدلالة على الكرم من جهة الوضوح والخفاء، إذ ليس الانتقال من هذه اللوازم إلى الكرم مستويا فإن الانتقال من كثرة الرماد إليه أسرعها لكثرة الاستعمال ولو كثرت وسائطه، واعترض على الشارح بأن الكلام فى دلالة الالتزام
стр. 1524
وكذا يجوز أن يكون للازم ملزومات لزومها لبعضها أوضح منه للبعض الآخر، فيمكن تأدية اللازم بالألفاظ الموضوعة للملزومات المختلفة وضوحا وخفاء، وأما فى التضمن فلأنه يجوز أن يكون المعنى جزءا من شىء، وجزء الجزء من شىء آخر،
===
وهى مؤدية للازم بلفظ الملزوم لا العكس فكيف يقول الشارح فيمكن تأدية .. إلخ؟
وأجيب بأنه أراد باللازم هنا التابع وبالملزوم المتبوع معتبرا فى كل منهما اللازمية فوافق كلام الشارح هنا ما مر من أن دلالة الالتزام دلالة اللفظ على اللازم هذا، وذكر بعضهم: أن هذا الكلام من الشارح إشارة إلى مذهب السكاكى فى الكناية، فإن الانتقال فيها عنده من اللازم إلى الملزوم بعكس المجاز.
(قوله: وكذا يجوز أن يكون للازم ملزومات .. إلخ) هذا إذا استعمل لفظ الملزوم لينتقل منه إلى اللازم كما فى المجاز وكما فى الكناية على مذهب المصنف، وقوله: أن يكون للازم ملزومات كالحرارة، فإن لها ملزومات كالشمس والنار والحركة الشديدة، ولكن لزوم الحرارة لبعض هذه الملزومات:
كالنار أوضح من لزومها للبعض الآخر وهو الشمس والحركة، وقوله فيمكن .. إلخ أى:
بأن يقال: زيد أحرقته النار أو الشمس أو فى جسمه نار أو شمس أو حركة قوية، ومثل الحرارة- فيما قلنا- الكرم فإنه يصح جعله لازما وملزوماته: كثرة الضيفان وكثرة إحراق الحطب وكثرة الطبخ وكثرة الرماد، ولزوم الكرم لبعض هذه الملزومات وهو كثرة الضيفان أوضح من لزومه للبعض الآخر، فيمكن تأدية ذلك اللازم بالألفاظ الموضوعة لتلك الملزومات بأن يقال: زيد كثير الضيفان أو كثير الرماد أو كثير الطبخ أو كثير إحراق الحطب
(قوله: أوضح منه) أى: من اللزوم
(قوله: المختلفة وضوحا وخفاء) لا حاجة إلى ذكر الخفاء كما يعلم من كلام الشارح سابقا ويوجد فى بعض النسخ إسقاطها
(قوله: وأما فى التضمن) أى: وأما اختلاف مراتب اللزوم وضوحا فى التضمن، وجواب أما محذوف أى: فغير ظاهر ويحتاج للبيان فنقول: لأنه .. إلخ، فظهرت معادلة قوله: وأما فى التضمن .. إلخ، لقوله سابقا: وهذا فى الالتزام ظاهر
(قوله: فلأنه يجوز أن يكون المعنى جزءا من شىء) أى كالجسم مثلا بالنسبة للحيوان فإنه جزء منه
(قوله: وجزء الجزء .. إلخ) أى: ويجوز أن يكون ذلك المعنى بعينه وهو الجسم جزء الجزء من شىء
стр. 1525
فدلالة الشىء الذى ذلك المعنى جزء منه على ذلك المعنى أوضح من دلالة الشىء الذى ذلك المعنى جزء من جزئه، مثلا: دلالة الحيوان على الجسم أوضح من دلالة الإنسان عليه، ودلالة الجدار على التراب أوضح من دلالة البيت عليه، فإن قلت:
بل الأمر بالعكس؛ ...
===
آخر كالجسم فإنه جزء من الحيوان والحيوان جزء من الإنسان
(قوله: فدلالة الشىء) هو على حذف مضاف أى: فدلالة دال الشىء أعنى لفظ حيوان وإنما احتجنا لذلك؛ لأن الدال هو اللفظ لا المعنى
(قوله: ذلك المعنى) أى: كالجسم، وقوله: جزء منه أى:
من ذلك الشىء كالحيوان، وقوله: على ذلك المعنى أى: كالجسم
(قوله: أوضح من دلالة الشىء) أى: كالإنسان، وقوله: الذى ذلك المعنى وهو الجسم، وقوله من جزئه أى: كالحيوان، وفى الكلام حذف والأصل أوضح من دلالة الشىء الذى ذلك المعنى جزء من جزئه على ذلك المعنى
(قوله: دلالة الحيوان على الجسم أوضح) وذلك لأن دلالة الحيوان على الجسم من غير واسطة؛ لأن الجسم جزء من الحيوان؛ لأن حقيقة الحيوان جسم نام حساس متحرك بالإرادة، ودلالة الإنسان على الجسم بواسطة الحيوان؛ لأن الحيوان جزء من الإنسان والجسم جزء من الحيوان، فالجسم بالنسبة إلى الحيوان جزء وإلى الإنسان جزء الجزء، وحينئذ فالإنسان يدل على الحيوان ابتداء وعلى الجسم ثانيا، بخلاف الحيوان فإنه يدل ابتداء على الجسم فكانت دلالته عليه أوضح من دلالة الإنسان، فكما أن مراتب لزوم اللوازم للملزوم متفاوتة فى الوضوح كذلك مراتب لزوم الأجزاء للكل متفاوتة فيه
(قوله: ودلالة الجدار على التراب أوضح) وذلك لأن التراب جزء الجدار والجدار جزء البيت، فتكون دلالة الجدار على التراب أوضح من دلالة البيت عليه؛ لأن دلالة الأول بلا واسطة ودلالة الثانى بواسطة. ومثل بمثالين إشارة إلى أن كون دلالة اللفظ على جزء المعنى أوضح من دلالته على جزء جزئه لا فرق فيه بين أن يكون الجزء معقولا أو محسوسا
(قوله: فإن قلت .. إلخ) هذا وارد على قوله: فدلالة الشىء الذى ذلك المعنى جزء منه ..
إلخ، وحاصله: أن ما ذكره من أن دلالة الشىء الذى ذلك المعنى جزء منه على ذلك المعنى أوضح من دلالة الشىء الذى ذلك المعنى جزء من جزئه على ذلك
стр. 1526
فإن فهم الجزء سابق على فهم الكل؛ ...
===
المعنى ممنوع، بل الأمر بالعكس: وهو أن دلالة الشىء الذى ذلك المعنى جزء من جزئه على ذلك المعنى أوضح من دلالة الشىء الذى ذلك المعنى جزء منه عليه- اه سم.
فدلالة إنسان على الجسم أوضح من دلالة حيوان عليه عكس ما ذكرتم من أن دلالة حيوان عليه أوضح
(قوله: فإن فهم الجزء) أى: من اللفظ الدال على الكل سابق على فهم الكل أى: وما كان أسبق فى الفهم فهو أوضح، وإنما كان فهم الجزء سابقا على فهم الكل؛ لأن الشخص إذا طلب فهم مدلول اللفظ الذى سمعه وكان كلا وجب فهم أجزائه أولا، فإذا سمع لفظ الكل- كالإنسان مثلا- وتوجه عقله إلى فهم المراد منه فهم أولا الأجزاء الأصلية ومنها الجسمية، ثم ينتقل إلى ما يجمع الجسمية مع غيرها وهو ما تكون الجسمية جزءا له كالحيوانية، ثم ينتقل إلى ما يجمع تلك الحيوانية مع غيرها وهو ما تكون الحيوانية جزءا له وهو الإنسانية، واعترض على الشارح بأن هذا الدليل مخالف للمدعى من وجهين: الأول: أنه إنما يفيد أن دلالة اللفظ الذى ذلك المعنى جزؤه أوضح من دلالة ذلك اللفظ على الكل كدلالة الإنسان على الحيوانية فإنها أوضح من دلالته على الإنسانية، فاللفظ الدال ثانيا فى هذا الدليل هو عين الدال أولا وهذا خلاف العكس المدعى أوضحيته، فإنه قد اعتبر فيه أن اللفظ الدال ثانيا مغاير للدال أولا. الأمر الثانى:
أن المدعى أوضحيته الدلالة على جزء الجزء من الدلالة على الجزء والدليل إنما يفيد أوضحية الدلالة على الجزء من الدلالة على الكل، فلو قال الشارح: لأن فهم جزء الجزء سابق على فهم الجزء لسلم من هذا الأخير، وأجيب عن الأول بأن المراد بقوله: بل الأمر بالعكس أى: بعكس ما يفهم لزوما مما سبق، وتوضيح ذلك: أنه يفهم مما سبق أن دلالة الشىء على جزئه أوضح من دلالة شىء آخر على جزء جزئه لوجود الواسطة كدلالة الحيوان على الجسم فإنها أوضح من دلالة الإنسان عليه؛ لعدم الواسطة فى الأول ووجودها فى الثانى، ويلزم هذا الذى قد فهم أن تكون دلالة الشىء على جزئه أوضح من دلالة ذلك الشىء على جزء جزئه كدلالة الإنسان على الحيوان فإنها أوضح من دلالة الإنسان على الجسم؛ لأن كلا منهما دلالة الشىء على
стр. 1527
قلت: نعم، ...
===
جزئه والمساوى للأوضح أوضح، فيقال هذا اللازم لما فهم مما سبق الأمر بعكسه وهو أن دلالة الشىء على جزء جزئه أوضح من دلالته على جزئه؛ لأن فهم الجزء سابق على فهم الكل، وأجيب عن الثانى بأن فى الكلام حذفا والأصل لأن فهم الجزء سابق على فهم الكل أى: وحينئذ فيكون فهم جزء الجزء سابقا على فهم الجزء لكونه كلا بالنسبة إلى جزء الجزء، أو أن مراد الشارح بالجزء جزء الجزء وبالكل الجزء من كل آخر كالجسم فإنه بالنسبة للإنسان جزء جزئه وبالنسبة للحيوان جزؤه، وكالحيوان فإنه بالنسبة للإنسان جزء وبالنسبة للجسم كل- فتأمل.
(قوله: نعم) أى: الأمر بالعكس من أن دلالة الشىء على جزء جزئه أوضح من دلالته على جزئه كما ذكرتم لما تقرر أن الجزء سابق على الكل فى الوجود، وإلا لبطلت الجزئية، لكن الذى حملنا على ما قلناه سابقا ما صرح به القوم من أن التضمن تابع للمطابقة فى الوجود، فيكون المقصود فى دلالة التضمن انتقال الذهن إلى الجزء وملاحظته على حدة بعد فهم الكل، فالإنسان إذا سمع لفظا وكان عارفا بوضعه وفاهما لجميع أجزاء الموضوع له أول ما يفهم منه المعنى الموضوع له اللفظ إجمالا، ثم ينتقل لفهم جزء ذلك المعنى على حدة إن كان له جزء، ثم إن كان لذلك الجزء جزء انتقل إليه على حدة وهلم جرا، فيرتكب التدلى فصح ما ذكرناه من أن دلالة لفظ الكل على الجزء أوضح من دلالته على جزء الجزء لتأخره عن فهم الجزء، وما فى السؤال من أن الأمر بالعكس فهو منظور فيه لجهة أخرى وهى جهة قصد فهم ما يراد من اللفظ فيرتكب فى تلك الجهة الترقى، والحاصل: أنه عند قصد فهم ما يراد من اللفظ يراعى جهة الترقى فى التركيب بأن يفهم أولا جزء الجزء ثم الجزء ثم الكل، وهذا ملحظ السائل، وأما إذا كان المخاطب فاهما لجميع أجزاء الموضوع له فيراعى جهة التدلى والتحليل بأن يفهم معنى اللفظ الموضوع له إجمالا ثم ينتقل لجزئه على حدة لا فى ضمن الكل ثم ينتقل لجزء جزئه على حدة لا فى ضمن الجزء، وهذا ملحظ ما ذكرناه سابقا من أن دلالة لفظ الكل على الجزء أوضح من دلالته على جزء الجزء.
стр. 1528
ولكن المراد هنا انتقال الذهن إلى الجزء وملاحظته بعد فهم الكل، وكثيرا ما يفهم الكل من غير التفات إلى الجزء؛ كما ذكره الشيخ الرئيس فى الشفاء: أنه يجوز أن يخطر النوع بالبال ولا يلتفت الذهن إلى الجنس.
===
(قوله: ولكن المراد هنا) أى: لكن المراد بالتضمن هنا أى: فى مقام بيان تأتى الإيراد المذكور بالدلالة العقلية
(قوله: انتقال الذهن إلى الجزء) أى: المراد من اللفظ أى:
على حدة لا فى ضمن الكل أى: وحينئذ فلا يكون فهم الجزء سابقا على فهم الكل فتم ما ذكره فى البيان السابق، وقوله وملاحظته: عطف على انتقال مفسر له، وقوله بعد فهم الكل أى: لا على أنه مقصود من اللفظ لا يقال كيف يفهم الجزء ثانيا وقد فهم أولا فى ضمن الكل؟ وأى ثمرة لذلك؟ ؛ لأنا نقول يظهر هذا عند قصد إحضار الجزء على حدة لغرض من الأغراض، فإن فهم الشىء على حدة خلاف فهمه مع الغير
(قوله: وكثيرا ..
إلخ) أى: على أن كثيرا .. إلخ وهذا جواب بالمنع والأول بالتسليم، وحاصله: أنا لا نسلم أن فهم الجزء لازم أن يكون سابقا على فهم الكل، إذ قد يخطر الكل بالبال ولا يخطر جزؤه فيه أصلا، وحينئذ فلا يكون فهم الجزء سابقا على فهم الكل فتم ما ذكره سابقا من البيان- كذا قرر شيخنا العدوى، وفى سم أن قوله وكثيرا .. إلخ: دفع لما يرد على الجواب من أنه لا يمكن فهم الجزء وملاحظته بعد فهم الكل بل فهم الجزء وملاحظته سابقة دائما
(قوله: أن يخطر النوع بالبال) أى: على سبيل الإجمال لا التفصيلى، إذ خطوره بالبال مفصلا بدون خطور الجنس محال- اه فنرى. وقوله: وكثيرا ما يفهم الكل أى: ما يفهم الشىء الذى يصدق عليه أنه كل فى نفسه من غير ملاحظة أنه كل وإلا لزم تقدم معرفة أجزائه عليه
(قوله: أن يخطر النوع) أى: كالإنسان، وقوله بالبال أى: بالذهن
(قوله: إلى الجنس) أى: الذى هو جزء من النوع كالحيوان، وفى تعبيره أولا بالبال وبالذهن ثانيا تفنن، واعترض هذا الجواب بأنه يلزم عليه أن دلالة التضمن لا تلزم فى الألفاظ الموضوعة للمركبات ضرورة عدم لزوم الالتفات إلى جزء من الأجزاء على حدة لصحة الغفلة عن ذلك الجزء، وقد نصوا على أن التضمن فى المركبات لازم للمطابقة، وقد يجاب عن هذا بأن المراد بلزوم التضمن للمطابقة فى المركبات
стр. 1529
[أبواب علم البيان]:
(ثم اللفظ المراد به لازم ما وضع له) سواء كان اللازم داخلا كما فى التضمن، أو خارجا كما فى الالتزام ...
===
صلاحية اللزوم بمعنى أنه يمكن اللزوم بالالتفات إلى الأجزاء على حدة، فكل لفظ دل على معنى مركب بالمطابقة فهو صالح لأن يدل على جزء ذلك المعنى بالتضمن ولا بد، وليس المراد باللزوم المذكور عدم الانفكاك حتى يرد الإشكال.
(قوله: ثم اللفظ .. إلخ) كلمة ثم للانتقال من كلام إلى كلام آخر فإن ما سبق كان فى تعريف العلم وما يتعلق به، وهذا فى بيان ما يبحث عنه فيه
(قوله: المراد به لازم ما وضع له) أى: لازم المعنى الذى وضع ذلك اللفظ له. فما واقعة على المعنى وضمير وضع المستتر فيه للفظ وليس عائدا على ما، وحينئذ فالجملة صفة أو صلة جرت على غير من هى له فكان الواجب إبراز الضمير على مذهب البصريين والضمير المجرور باللازم راجع لما، وفى كلامه إشارة إلى أنه لا بد فى المجاز والكناية من قرينة لتعيين المراد والفرق بينهما باعتبار كون القرينة مانعة من إرادة المعنى الموضوع له فى المجاز دون الكناية، وفيه إشارة أيضا إلى أن دلالة التضمن فى هذا الفن ودلالة الالتزام يتعين أن تكون كل منهما مقصودة من اللفظ، أما فى المجاز فيتعين أن يراد باللفظ نفس الجزء أو اللازم فقط بأن توجد القرينة الصارفة عن إرادة المعنى المطابقى وأما فى الكناية فيتعين أن يراد باللفظ نفس اللازم أو الجزء، لكن مع صحة إرادة المعنى المطابقى لكون القرينة لا تمنع من إرادته، وأما إذا أطلق لفظ الكل أو الملزوم على معنى كل منهما واتفق أنه فهم من الأول جزؤه ومن الثانى لازمه فليس من المجاز ولا من الكناية المبنيين على التضمن والالتزام هنا، ولا يكون ذلك من التضمن والالتزام المراد فى هذا الفن وإنما يكون كذلك عند المناطقة كما صرح بذلك العلامة اليعقوبى
(قوله: المراد به لازم ما وضع له) أى: إرادة جارية على قانون اللغة، وإلا فما كل لازم يراد باللفظ، إذ لا يصلح إطلاق لفظ الأب على الابن والعكس- كذا فى يس.
(قوله: سواء كان .. إلخ) أشار بذلك إلى أن مراد المصنف باللازم هنا ما يلزم من وجود المعنى الموضوع له وجوده فيشمل الجزء؛ لأنه لازم للكل وغير الجزء وهو اللازم
стр. 1530
(إن قامت قرينة على عدم إرادته) أى: إرادة ما وضع له (فمجاز، ...
===
الخارج عن المعنى.
(قوله: إن قامت قرينة) أى: دلت
(قوله: على عدم إرادته) أى: من ذلك اللفظ
(قوله: فمجاز) أى: فيسمى ذلك اللفظ مجازا مرسلا وغير مرسل، وذلك كقولك: رأيت أسدا بيده سيف أو يتكلم؛ فإن قولك يتكلم أو بيده سيف قرينة دالة على أن الأسد لم يرد به ما وضع له وإنما أريد به لازمه المشهور وهو الشجاع، واعترض على المصنف بأن ظاهره أن المجاز مراد به لازم ما وضع له دائما؛ وذلك لأنه قسم اللفظ المراد به لازم ما وضع له إلى مجاز وكناية ومعلوم أن القسم أخص من المقسم فيفيد أن المجاز بجميع أنواعه من أفراد اللفظ المراد به لازم معناه الموضوع له والأمر ليس كذلك؛ لأن المجاز قد يكون اسم الجزء ويراد به الكل وقد يكون غير ذلك، وبالجملة فكون الواجب فى المجاز أن يذكر اسم الملزوم ويراد اللازم لا يصح، إلا فى قليل من أقسامه وهو المجاز المرسل الذى علاقته الملزومية ولا يظهر فى غيره من الأقسام، وقد يجاب بأن المصنف إنما أفاد أن اللفظ المراد منه لازم ما وضع له قد يكون مجازا وقد يكون كناية، وهذا ليس نصّا فى أن كل مجاز يكون المراد منه لازم ما وضع له لجواز أن يكون اللفظ مجازا انتقل فيه من اللازم إلى الملزوم مثلا ولا ضرر فى كون قسم الشىء أعم منه عموما وجهيا كما اختاره العلامة الشارح، أو يقال: إن المجاز لا بد فى جميع أقسامه من العلاقة المصححة للانتقال ومرجع العلاقة اللزوم وإن كان اللزوم قد يذكر فى بعض الأوقات علاقة، وإنما كان مرجع العلاقة اللزوم؛ لأن مرجع المجازات لدلالة التضمن والالتزام وكل منهما انتقال من الملزوم إلى اللازم- ألا ترى أن مجازى الاستعارة التحقيقية والمكنية يردان إلى اللازم وإن كان بتكلف، فإن الأسد أريد الرجل الشجاع والمنية فى قول القائل: أنشبت المنية أظفارها بفلان أريد بها الأسد ادعاء وليس الرجل الشجاع لازما للأسد الحقيقى ولا الأسد الادعائى لازما لمدلول المنية، وإنما يردان إلى اللازم باعتبار مطلق الجراءة فى الأول ومطلق اغتيال النفوس فى الثانى، ولا شك أن هذا تكلف مخرج للكلام عما تحقق فيه وتقرر من أن كلا من اللفظين له معنيان متعارف وغير متعارف كما يأتى- فتأمل.
стр. 1531
وإلا فكناية) فعند المصنف الانتقال فى المجاز والكناية كليهما من الملزوم إلى اللازم إذ لا دلالة للازم من حيث إنه لازم على الملزوم إلا أن إرادة الموضوع له جائزة فى الكناية دون المجاز ...
===
(قوله: وإلا) أى: وإن لم تقم قرينة على عدم إرادة ما وضع له مع إرادة اللازم، وذلك بأن وجدت القرينة الدالة على إرادة اللازم، إلا أنها لم تمنع من إرادة الملزوم وهو المعنى الموضوع له، وليس المراد عدم وجود القرينة أصلا وإن كان كلام المصنف صادقا بذلك؛ لأن الكناية لا بد فيها من قرينة
(قوله: فكناية) أى: فذلك اللفظ المراد به اللازم مع صحة إرادة الملزوم الذى وضع له اللفظ يسمى كناية مأخوذ من كنى عنه بكذا إذا لم يصرح باسمه؛ لأنه لم يصرح باسم اللازم مع إرادته وذلك كقولك: زيد طويل النجاد مريدا به طويل القامة فإنه كناية، إذ لا قرينة تمنع من إرادة طول النجاد مع طول القامة.
(قوله: فعند المصنف .. إلخ) أى: وأما عند السكاكى فالانتقال فى الكناية من اللازم إلى الملزوم، والمصنف رأى أن اللازم من حيث إنه لازم يجوز أن يكون أعم فلا ينتقل منه إلى الملزوم، إذ لا إشعار للأعم بالأخص، والجواب عن السكاكى أن اللازم إنما ينتقل عنه لا من حيث إنه لازم بل من حيث إنه ملزوم، وإنما سماه لازما من حيث إنه تابع مستند للغير وإلا فهو ملزوم من جهة المعنى، وبهذا تعلم أن الخلف بينهما لفظى
(قوله: الانتقال فى المجاز والكناية ... إلخ) أى: والفرق بينهما عنده وجود القرينة الصارفة من إرادة الملزوم فى المجاز وعدم وجودها فى الكناية
(قوله: إذ لا دلالة .. إلخ) علّة لمحذوف أى: لا من اللازم إلى الملزوم كما يقول السكاكى، إذ لا دلالة .. إلخ ووجه نفى دلالة اللازم على الملزوم ما تقدم من أن اللازم يجوز أن يكون أعم من الملزوم، والعام لا إشعار له بأخص معين فكيف ينتقل منه إليه؟
(قوله: من حيث إنه لازم) حيثية تقييد أى:
وأما دلالة اللازم على الملزوم فيما إذا كان مساويا فهو من حيث إنه لازم؛ لأنه مع التساوى يكون لازما وملزوما
(قوله: إلا أن إرادة الموضوع له جائزة فى الكناية) فإن قلت: أى فرق بين الكناية وبين اللفظ الذى أريد به معناه الأصلى مع لازمه تضمنا أو
стр. 1532
(وقدم) المجاز (عليها) أى: على الكناية (لأن معناه) أى: المجاز (كجزء معناها) أى: الكناية؛ لأن معنى المجاز هو اللازم فقط، ومعنى الكناية يجوز أن يكون هو اللازم والملزوم جميعا، والجزء مقدم على الكل طبعا؛ ...
===
التزاما فإنه حقيقة قطعا، والكناية عند المصنف ليست حقيقة ولا مجازا مع أن كلا منهما على هذا قد أريد به اللازم والملزوم معا؟ قلت: إن المقصود الأصلى فى الحقيقة هو الملزوم واللازم مقصود بالتبعية، والمقصود الأصلى فى الكناية هو اللازم والملزوم مقصود تبعا لقول الشارح: إلا أن إرادة الموضوع له .. إلخ أى: بالتبع لا بالذات، وقرينة الكناية وإن لم تناف الملزوم لكنها ترجح اللازم عليه- كذا أجاب العلامة القاسمى، إذا علمت هذا، فقول الشارح: إلا أن إرادة الموضوع له .. إلخ أى: بالتبع لا بالذات، ومثال الحقيقة التى أريد منها اللازم، والملزوم قولك: فلان وجهه كالبدر مثلا فمدلوله المطابقى شبه وجه فلان بالبدر فى الاستدارة والاستنارة وهو مراد مع إرادة لازمه وهو أنه نهاية فى الحسن وليس هذا من الكناية فى شىء ولصحة أن يراد فى التشبيه المعنى المطابقى وهو اتصاف المشبه بوجه الشبه على وجه الكمال أو لازمه فقط صح وجود الخفاء والوضوح فيه مع أنه ليس من الكناية ولا من المجاز، بل من المطابقة اتفاقا، وهذا مما يقدح فى حصر المصنف سابقا وجود الخفاء والوضوح فى دلالتى التضمن والالتزام اللتين هما العقليتان وأصل للمجاز والكناية دون المطابقة- فتأمل- اه يعقوبى.
(قوله: وقدم المجاز عليها) أى: فى الوضع أعنى فى البحث والتبويب، وهذا جواب عما يقال: إن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الوضوح الذى هو مرجع هذا الفن إنما يتأتى بالدلالة العقلية وهى منحصرة هنا فى المجاز والكناية فيكون المقصود من الفن منحصرا فيهما، وحينئذ فهما مستويان فى المقصودية من الفن فلأى شىء قدم المجاز عليها فى الوضع وهلا عكس الأمر.
(قوله: يجوز أن يكون هو اللازم والملزوم جميعا) أى: وإن كان القصد الأصلى منها إلى اللازم كما مر
(قوله: مقدم على الكل طبعا) لتوقف الكل على الجزء فى الوجود بمعنى أنه لا يوجد الكل إلا مع وجود طبيعة الجزء لتركبه من حقيقة الجزء
стр. 1533
فيقدم بحث المجاز على بحث الكناية وضعا، وإنما قال: كجزء معناها لظهور أنه ليس جزء معناها حقيقة؛ فإن معنى الكناية ليس هو مجموع اللازم والملزوم، بل هو اللازم مع جواز إرادة الملزوم.
(ثم منه) أى: من المجاز (ما ينبنى على التشبيه) وهو الاستعارة التى كان أصلها التشبيه ...
===
وطبيعته لا لكون الجزء علّة تامّة للكلّ، إذ لو كان كذلك لكان كلّما وجد الجزء وجد الكلّ وهو باطل لجواز أن يوجد الجزء ولا يوجد الكلّ لصحة كونه أعمّ منه ولما توقف الكلّ على الجزء من الجهة المذكورة حكم العقل بأن الجزء من شأنه أن يتقدم فى نفس الأمر على الكلّ، وذلك هو معنى التقدم الطبيعى أى: المنسوب للطبيعة والحقيقة لتركّب الكلّ من طبيعة الجزء وحقيقته
(قوله: فيقدم إلخ) أى: فالمناسب أن يقدم بحث المجاز على بحث الكناية وضعا لأجل محاكاة وموافقة الوضع للطبع
(قوله: وإنما قال كجزء معناها) أى: ولم يقل: لأن معناه جزء معناها جزما
(قوله: فإن معنى الكناية) أى:
معناها الذى لا بد من إرادته منها فلا منافاة بين ما هنا وبين قوله سابقا ومعنى الكناية يجوز إلخ
(قوله: ليس هو مجموع اللازم والملزوم) أى: على وجه الجزم
(قوله: بل هو اللازم مع جواز إلخ) أى: فالمجزوم به فيها إنما هو إرادة اللازم، وأما الملزوم فيجوز أن يراد وألّا يراد لا أنه قطعا، وإنّما لم يعتبر وقوع هذا الجائز فى بعض الأحيان حتى يكون معنى المجاز جزء حقيقة من معناها؛ لأن الكناية من حيث هى كناية لا تقتضى إرادتهما فلم يعتبر ما يعرض من وقوع ذلك الجائز.
(قوله: ثم منه ما ينبنى على التشبيه) أى: ومنه ما لا ينبنى عليه، وهو المجاز المرسل
(قوله: وهو الاستعارة) وجه بنائها على التشبيه أن استعارة اللفظ إنما تكون بعد المبالغة فى التشبيه، وإدخال المشبه فى جنس المشبه به ادعاء، فإذا قلنا: " رأيت أسدا فى الحمام"، فأولا شبهنا الرجل الشجاع بالحيوان المفترس، وبالغنا فى التشبيه حتّى ادّعينا أنه فرد من أفراده، ثم استعرنا له اسمه، فالتشبيه سابق على الاستعارة فهو أصل لها، ثم إنه فى حالة استعارة اللفظ يتناسى التشبيه، ومراد الشارح بالاستعارة التى كان أصلها التشبيه:
стр. 1534
(فتعين التعرض له) أى للتشبيه- أيضا- قبل التعرض للمجاز الذى أحد أقسامه الاستعارة المبنية على التشبيه، ولما كان فى التشبيه مباحث كثيرة، وفوائد جمّة لم يجعل مقدمة لبحث الاستعارة، بل جعل مقصدا برأسه (فانحصر) المقصود من علم البيان ...
===
التصريحية التحقيقية والمكنى عنها على مذهب الجمهور، بل وكذلك التخييلية على مذهب السكاكى؛ لأن كلّا منهما مبنىّ على التشبيه، والتشبيه أصل له
(قوله: فتعين التعرض له) هذا يقتضى أن التعرض للتشبيه لا لذاته، بل لبناء الاستعارة عليه، فينافى ما سيأتى من جعله مقصدا لذاته؛ لاشتماله على مباحث كثيرة وفوائد جمّة؛ لأنه يقتضى أن التعرض له لذاته، وقد تمنع المنافاة ويجعل التعرض له لذاته من حيث اشتماله على ما ذكر، ولغيره من حيث توقفه عليه
(قوله: أيضا) أى: مثل التعرض للمجاز والكناية، وقد اشتمل كلامه على أمرين بيان ذكر التشبيه من أصله فى الفن، وبيان كونه مقدما فى الذكر على المجاز، وكل منهما مفهوم من قول المتن، ثم منه ما ينبنى على التشبيه؛ فإن المبنى يستلزم مبنيّا عليه وكونه متقدما كما هو ظاهر.
(قوله: أقسامه) أى: المجاز
(قوله: ولما كان إلخ) هذا جواب عما يقال قضية كون التشبيه ينبنى عليه أحد أقسام المجاز ألّا يكون من مقاصد الفن بل من وسائله فكيف عد بابا من الفن ولم يجعل مقدمة للمجاز
(قوله: لم يجعل مقدمة لبحث الاستعارة بل جعل إلخ) أى: فجعله بابا تشبيها له بالمقصد من حيث كثرة الأبحاث، وإن كان هو مقدمة فى المعنى، ويمكن أن يقال: إنه باب مستقل لذاته؛ لأن الاختلاف فى وضوح الدلالة وخفائها موجود فيه كما تقدم، فهو من هذا الفن قصدا وإن توقف عليه بعض أبوابه؛ لأن توقف بعض الأبواب على بعض لا يوجب كون المتوقف عليه مقدمة للفن:
(قوله: فانحصر المقصود إلخ) المراد بالمقصود ما يشمل المقصود بالذات كالمجاز والكناية وما يشمل المقصود بالتبع كالتشبيه قال العلامة عبد الحكيم: لما كان ضمير" ينحصر" راجعا لعلم البيان- المحمول على الفن من الكتاب، وكان مشتملا على أمور سوى
стр. 1535
(فى الثلاثة) التشبيه ، والمجاز، والكناية.
التشبيه:
أى: هذا باب التشبيه الاصطلاحى المبنى عليه الاستعارة (التشبيه) أى:
مطلق التشبيه
===
تلك الثلاثة من تعريف العلم وما يبحث عنه وضبط أبوابه إلى غير ذلك- قال:
وينحصر المقصود من علم البيان فى التشبيه والمجاز والكناية
(قوله: فى الثلاثة) أورد على الحصر فيها الاستعارة بالكناية على مذهب المصنف؛ فإنها لا تدخل فى المراد بالتشبيه هنا وليست مجازا ولا كناية، وقول بعضهم: إنها داخلة فى التشبيه وإن أفردها عنه للاختلاف فى حقيقتها واشتمالها على لطائف ودقائق، يرده قول المصنف فيما يأتى والمراد بالتشبيه هنا إلخ
(قوله: والمجاز) " أل" للعهد الذكرى، والمجاز المعهود فى الذكر هو المرسل والاستعارة التى تنبنى على التشبيه، والله أعلم.
التشبيه
(قوله: أى هذا باب التشبيه) أشار الشارح إلى أن الترجمة خبر لمبتدأ محذوف على حذف مضاف، وأشار الشارح بقوله: " الاصطلاحى" إلى أن" أل" فى التشبيه للعهد الذكرى؛ لأنه تقدم له ذكر، والمراد بالتشبيه الاصطلاحى الذى هو أحد أقسام المقصود الثلاثة ما كان خاليا عن الاستعارة والتجريد بأن كان مشتملا على الطرفين والأداة لفظا أو تقديرا
(قوله: المبنى عليه الاستعارة) الضمير المجرور عائد على" أل"، أى: الذى تبنى عليه الاستعارة؛ وذلك لأن استعارة اللفظ إنما تكون بعد المبالغة فى التشبيه وإدخال المشبه فى جنس المشبه به كما مر، واعلم أن البحث عن التشبيه الاصطلاحى فى هذا الباب من جهة طرفيه وهما المشبه والمشبه به، ومن جهة أدائه وهى الكاف وشبهها، ومن جهة وجهه، وهو المعنى المشترك بين الطرفين الجامع لهما، ومن جهة الغرض منه وهو الأمر الحامل على إيجاده، ومن جهة أقسامه، وسيأتى تحقيق ذلك فى محاله إن شاء الله تعالى،
(قوله: أى مطلق التشبيه) أى: وأل فى التشبيه هنا للجنس، إذ هو المناسب لمقام التعريف، ومطلق التشبيه: هو التشبيه اللغوى، وحينئذ ففى كلام المصنف شبه استخدام حيث ذكر التشبيه أولا بمعنى، ثم ذكره ثانيا بمعنى آخر، وإنما تعرض لتعريف
стр. 1536
أعم من أن يكون على وجه الاستعارة، أو على وجه تنبنى عليه الاستعارة، أو غير ذلك. فلم يأت بالضمير؛ لئلا يعود إلى التشبيه المذكور الذى هو أخص، ...
===
مطلق التشبيه الذى هو التشبيه اللغوى مع أن الذى من مقاصد علم البيان إنما هو الاصطلاحى، لينجر الكلام منه إلى تحقيق المصطلح عليه فتتم الفائدة بالعلم بالمنقول عنه والمناسبة بينهما.
(قوله: أعم من أن يكون على وجه الاستعارة) أى: بالفعل بأن حذفت منه الأداة والمشبه، كما فى قولك: " رأيت أسدا فى الحمام، أو رأيت أسدا يرمى"
(قوله: أو على وجه تنبنى عليه الاستعارة) أى: بالقوة وهو التشبيه المذكور فيه الطرفان والأداة، نحو: " زيد كالأسد، وكأن زيدا أسد"، وهذا هو المقصود، ووجه بنائها عليه أنه إذا حذف المشبه وأداة التشبيه، وأقيمت قرينة على المراد صار استعارة بالفعل، فظهر لك أن هذا مغاير لما قبله كما قاله السيرامى، خلافا لما قاله سم، من أن هذا تنويع فى التعبير وأن المعنى واحد يعبر عنه بهاتين العبارتين،
(قوله: أو غير ذلك) بأن كان التشبيه ضمنيّا كما فى بعض صور التجريد، نحو: " لقيت من زيد أسدا"، فأنت فى الأصل شبهت زيدا بالأسد، ثم بالغت فى زيد حتى انتزعت منه الأسد، وإنما كان هنا تشبيه ضمنىّ لذكر الطرفين فى هذا الكلام فيمكن التحويل فى الطرفين إلى هيئة التشبيه الحقيقى.
(قوله: لئلا يعود إلخ) إن كان المراد لئلا يلزم العود إلخ، فهو ممنوع؛ إذ الضمير قد يعود إلى بعض أفراد العام، وقد يعود إلى المطلق فى ضمن المقيد، وفى باب الاستخدام يعود إلى أحد المعنيين، وإن أراد بقوله: " لئلا يعود" أى: على وجه الظهور والتبادر فإعادة المعرف كذلك؛ فلا فرق بينهما، ويمكن أن يقال: مراده لئلا يعود إلى ما ذكر كما هو الظاهر المتبادر، وعوده إلى المطلق الذى فى ضمن المقيد خلاف الأصل، والحاصل أنه لو أتى بالضمير لكان المتبادر التشبيه المبوب له بخلاف الإظهار؛ فإنه فى صحة إرادة خلاف المتقدم أقوى من الإضمار، وإن كان يصح فى الإضمار إرادة الخلاف- أيضا- بأن يكون على طريق الاستخدام، ويصح فى الإظهار إرادة نفس المتقدم، لكن إرادة الخلاف فى الإظهار أقوى من إرادته فى الإضمار،
(قوله: الذى هو الأخص) أى: مطلق التشبيه وهو
стр. 1537
وما يقال: إن المعرفة إذا أعيدت كانت عين الأول فليس على إطلاقه؛ يعنى: أن
===
اللغوى، ثم لا يخفى أن كون التشبيه الاصطلاحى من مقاصد علم البيان الباحث عن أحوال اللفظ العربى من حيث وضوح الدلالة يقتضى أن يكون عبارة عن اشتراك شيئين فى معنى الذى هو مدلول الكلام، أو الكلام الدال على اشتراك شيئين فى معنى، والتشبيه اللغوى كما يأتى عبارة عن فعل المتكلم؛ فبينهما مباينة، فأين الأخصية؟ وقد يجاب بأن المصنف لما فسر التشبيه الاصطلاحى- أيضا- بفعل المتكلم- حيث جعل جنسه التشبيه اللغوى- كان أخص منه، وحينئذ فمعنى كونه من مقاصد علم البيان، أن البحث عمّا يتعلق به من الطرفين- ووجه الشبه، وأداته، والغرض منه- من مقاصده، وإنما فسره بفعل المتكلم؛ لأنه المعنى الحقيقى عندهم، وإن كان التشبيه قد يطلق على الكلام الدال على المشاركة، وإنما كان فعل المتكلم معنى حقيقيّا لهذا اللفظ؛ لإطلاقه عليه إطلاقا شائعا، ويشتقون منه المشبه لفاعله والمشبه والمشبه به للطرفين ووجه شبه والغرض منه وأداته، ولا يصح شىء من ذلك إذا أريد به الكلام الدال،
(قوله: وما يقال ... إلخ) هذا جواب عن سؤال تقديره: إن الظاهر كالضمير فى العود إلى المذكور؛ لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة؛ كانت عين الأولى، وحينئذ فلا يتم ما ذكر من التوجيه، فقول الشارح: " وما يقال" أى: اعتراضا على ما تقدم،
(قوله: إذا أعيدت معرفة) أى:
بلفظها الأول قال يس، وانظر هل الإعادة بالمرادف كذلك،
(قوله: فليس على إطلاقه) أى: وكذا ما يقال: إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، ألا ترى قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ (١) مع امتناع المغايرة هاهنا، وقوله: (فليس على إطلاقه) أى: بل أكثرى لا كلى؛ وذلك لأنه مقيد بما إذا لم تقم قرينة على المغايرة كما هنا، فإن القرينة هنا على المغايرة، قوله: والمراد إلخ، ثم إن ظاهره أن عود الضمير إلى ما قبله كلىّ وفيه بحث؛ لأنه يمكن حمل الضمير على الاستخدام، نعم الغالب فى المضمر إرادة المعنى الأول؛ فاستوى مع إعادة الظاهر- فتأمل اه يس.
стр. 1538
معنى التشبيه فى اللغة (الدلالة) هو مصدر قولك: " دللت فلانا على كذا" إذا هديته له (على مشاركة أمر لأمر فى معنى) وهذا شامل لمثل: " قاتل زيد عمرا، وجاءنى زيد وعمرو" (والمراد) بالتشبيه ...
===
(قوله: معنى التشبيه) أى: الذى هو مصدر شبه، بدليل تفسير الشارح الدلالة بما ذكر،
(قوله: مصدر ... إلخ) أفاد الشارح أن الدلالة المرادة هنا صفة للمتكلم، كما أن التشبيه كذلك، إذ المعنى التشبيه هو أن يدل المتكلم على مشاركة إلخ لا صفة الدال أعنى انفهام المعنى منه إذ لا يصح حملها بهذا المعنى على التشبيه الذى هو فعل المتكلم، وسيأتى أن التشبيه قد يطلق وصفا للكلام، ولو أراد المصنف ذلك لقال: هو مجموع الطرفين والأداة والمعنى، وبما ذكره الشارح من أن الدلالة هنا مصدر دللت .. إلخ، المفيد أنها صفة للمتكلم يندفع ما يقال التشبيه فعل المتكلم فهو وصف له، والدلالة وصف للدال، وحينئذ فلا يصح حملها عليه
(قوله: على مشاركة) أى: اشتراك، فالمفاعلة بمعنى الفعل: كسافرت وواعدت بمعنى سفرت ووعدت، والمراد بالأمر الأول: المشبه، وبالثانى: المشبه به
(قوله: فى معنى) أى: فى وصف وهو وجه الشبه المشترك بين الطرفين الجامع بينهما، وأما الدال والمشبه بالكسر فهو المتكلم، واحترز بقوله: فى معنى، عن المشاركة فى عين نحو: " شارك زيد عمرا فى الدار"؛ فلا يسمى تشبيها.
(قوله: وهذا) أى: تعريف التشبيه اللغوى أى: مما ذكر شامل لمثل: " قاتل زيد عمرا"؛ فإنه يدل على مشاركة زيد لعمرو فى المقاتلة، و" جاءنى زيد وعمرو" فإنه يدل على مشاركتهما فى المجىء، ومثلهما: " زيد أفضل من عمرو"؛ فإنه يدل على اشتراكهما فى الفضل، أى: مع أن هذا كله ليس تشبيها لغويّا، فكان الواجب أن يزيد بالكاف ونحوها لفظا أو تقديرا لإخراج مثل هذا، وإدخال" زيد أسد ونحوه"، فقد اتضح لك أن مقصود الشارح الاعتراض على تعريف التشبيه اللغوى، كما هو مفاد كلام العلامة السيد، خلافا لما قاله بعضهم: من أن مراد الشارح بيان الواقع لا الاعتراض على التعريف، وقد يجاب بأن ما عرف به المصنف من باب التعريف بالأعمّ، وهو شائع عند أهل اللغة، أو يقال: مراد المصنف الدلالة الصريحة فخرج ما ذكر؛ فإن الدلالة فيهما على المشاركة
стр. 1539
المصطلح عليه (هاهنا) أى: فى علم البيان (ما لم تكن) أى: الدلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى بحيث لا تكون (على وجه الاستعارة التحقيقية) نحو: رأيت أسدا فى الحمام، (و) لا على وجه (الاستعارة بالكناية) نحو: أنشبت المنية أظفارها،
===
غير صريحة؛ وذلك لأن مدلول الأول صراحة وجود المقاتلة من زيد وتعلقها بعمرو، ويلزم ذلك مشاركتهما فيها، ومدلول الثانى صراحة ثبوت المجىء لزيد، ووجوده لعمرو، ويلزم ذلك- أيضا- مشاركتهما فيه، ومن البين أنه قد يقصد وقوع المقاتلة من زيد وتعلقها بعمرو غافلا عن مشاركتهما فيها، وقد يقصد المجىء من كل واحد منهما غافلا عن المشاركة فيه أيضا، ولو كانت المشاركة لازمة لكل من مدلولى التركيبين، فباشتراط كون الدلالة صريحة لا يشملها التعريف، وبالجملة فمنشأ الاعتراض على التعريف المذكور عدم الفرق بين ثبوت حكم لشيئين وبين مشاركة أحدهما للآخر فيه، والحق أنهما مفهومان متغايران متلازمان، فليس دلالة اللفظ على أحدهما عين دلالته على الآخر وإن استلزمهما، وليس دلالة المتكلم على أحدهما مستلزمة لدلالته على الآخر؛ إذ ربما لا يكون الآخر مقصودا عنده أصلا
(قوله: المصطلح عليه) أى: وهو الذى ترجم له هنا
(قوله: أى الدلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى) هذا تفسير لما، وقوله: (بحيث لا تكون) تفسير لقوله: (لم تكن)، وقد حمل على أنها موصوله، وتقدير عبارته أى: الدلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى التى بحيث لا تكون إلخ، إلا إنه أسقط التى ولو قال أى: تشبيه لم يكن إلخ كما قال فى المطول كان أخصر وأحسن
(قوله: بحيث لا تكون) أى: الدلالة المفادة بالكلام على وجه الاستعارة التحقيقية، أى: فإن كانت تلك الدلالة على وجه الاستعارة المذكورة بأن طوى ذكر المشبه وذكر لفظ المشبه به مع قرينة دلت على إرادة المشبه، فذلك اللفظ لم يكن تشبيها فى الاصطلاح، (وقوله: نحو رأيت أسدا فى الحمام) إن كان مثالا للمنفى وهو الاستعارة التحقيقية، فالمعنى نحو: أسد فى رأيت إلخ، وإن كان مثالا للتشبيه، فالمعنى نحو:
التشبيه المدلول عليه بقولك: " رأيت أسدا فى الحمام"، وكذا يقال فيما بعد.
(قوله: ولا على وجه الاستعارة بالكناية) سيأتى أنها عند المصنف التشبيه المضمر فى النفس المدلول عليه بلفظ يدل عليه، وعند السكاكى نفس لفظ المشبه المستعمل
стр. 1540
(و) لا على وجه (التجريد) الذى يذكر فى علم البديع من نحو: " لقيت بزيد أسدا، أو" لقينى منه أسد"، فإن فى هذا الثلاثة دلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى ...
===
فى المشبه به ادعاء، وعند القوم لفظ المشبه به المطوى من الكلام المرموز إليه بذكر لازمه، وعلى الأول يكون التمثيل لها بقول القائل: " أنشبت المنية أظفارها بفلان" تمثيلا لما تستفاد منه، وعلى الثانى والثالث تمثيلا لما وجدت فيه، فقول الشارح: (نحو أنشبت إلخ) أى: نحو التشبيه المضمر فى النفس المستفاد من قولنا: أنشبت إلخ
(قوله: ولا على وجه التجريد) كان المناسب للمصنف أن يقول بعد ذلك: بالكاف ونحوها؛ ليخرج نحو: " قاتل زيد عمرا، وجاءنى زيد وعمرو"، إلا أن يقال: أراد بالدلالة الواقعة فى التعريف الدلالة الصريحة المقصودة، فخرج ما ذكر من المثالين؛ لأن الدلالة على المشاركة فيهما ليست صريحة فى ذلك
(قوله: الذى يذكر فى علم البديع) وهو ما كان المجرد غير المجرد منه كما مثل الشارح، وأما ما كان المجرد هو نفس المجرد منه، فليس داخلا فى الدلالة حتى يخرج، وتوضيح ذلك أن التجريد قسمان: -
الأول: أن ينتزع من الشىء شىء آخر مساو له فى صفاته للمبالغة فى ذلك الشىء حتى صار بحيث ينتزع منه شىء آخر مساو له فى صفاته، كقوله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ (١) فإنه لانتزاع دار الخلد من جهنم وهى عين دار الخلد لا شبيهة بها، وهذا ليس فيه مشاركة أمر لأمر آخر حتى يحتاج لإخراجه. والثانى: أن ينتزع المشبه به من المشبه للمبالغة فى التشبيه حتى صار المشبه بحيث يكون أصلا ينتزع منه المشبه به، نحو:
" لقيت بزيد أسدا"، فإنه لتجريد" أسد" من" زيد"، و" أسد" مشبه به لزيد لا عينه فيه تشبيه مضمر فى النفس، وهذا هو المحترز عنه، وإخراج التجريد المذكور إنما هو بناء على أنه لا يسمى تشبيها اصطلاحا وهو الأقرب؛ إذ لم يذكر فيه الطرفان على وجه ينبىء عن التشبيه، وقيل إنه تشبيه حقيقة لذكر الطرفين فيمكن التحويل فيهما إلى هيئة التشبيه لولا قصد التجريد، وعليه فلا يحتاج لإخراجه
(قوله: لقيت بزيد أسدا) أى: لقيت من
стр. 1541
مع أن شيئا منها لا يسمى تشبيها اصطلاحا، وإنما قيد الاستعارة بالتحقيقية، والكناية؛ لأن الاستعارة التخييلية كإثبات الأظفار للمنية فى المثال المذكور ليس فى شىء من الدلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى على رأى المصنف؛ ...
===
زيد أسدا، أصله: لقيت زيدا المماثل للأسد، ثم بولغ فى تشبيهه به حتى إنه جرد من زيد ذات الأسد، وجعلت منتزعة منه، وكذا يقال فى المثال الذى بعده.
(قوله: مع أن شيئا منها ... إلخ) أى: مع أنه لا يسمى شىء منها تشبيها اصطلاحا، فقدم معمول يسمى عليها، ولو أخره ليكون فى حيز النفى لكان أوضح، وإنما لم يسم شىء من هذه تشبيها اصطلاحيّا؛ لأن التشبيه بالاصطلاح ما كان بالكاف ونحوها لفظا أو تقديرا، وعدم تسمية واحد من هذه تشبيها مذهب المصنف، وخالفه السكاكى فى التجريد فإنه صرح بأن نحو: " لقيت بزيد أسدا، ولقينى منه أسد" من قبيل التشبيه، وقد يقال: إن الخلاف لفظىّ راجع إلى الاصطلاح، قاله الخلخالى.
(قوله: لا يسمى تشبيها اصطلاحا) أى: وإن وجد فيها معنى التشبيه، نعم هو تشبيه لغوى، وهو أعم من الاصطلاحى، فكل اصطلاحى لغوى ولا عكس، فيجتمعان فى" زيد أسد"، وينفرد اللغوى فى الاستعارة والتجريد،
(قوله: وإنما قيد ... إلخ) حاصله أنه إنما قيد الاستعارة بالتحقيقية والمكنى عنها، واكتفى بذكرهما ولم يقل: ولا على وجه الاستعارة التخييلية؛ لأنها حقيقة عند المصنف، فلفظ" الأظفار" مثلا عند المصنف مستعمل فى معناه الحقيقى، وليس مجازا أصلا، وإنما التجوز فى إثباتها للمنية على ما يأتى، وحينئذ فلا دلالة فيها على مشاركة أمر لآخر فلا حاجة لإخراجها بقوله: (ما لم تكن إلخ)؛ لأنها لم تدخل فى الجنس الذى هو الدلالة المذكورة
(قوله: ليس فى شىء من الدلالة ... إلخ) أى: فهى غير داخلة فى المراد بما حتى يحتاج إلى أن يقول: ولا على وجه الاستعارة التخييلية، ومقتضى الظاهر أن يقول: ليست بالتأنيث؛ إلا أنه ذكر نظرا إلى معنى الاستعارة التخييلية الذى هو إثبات لازم المشبه به للمشبه والظرفية من ظرفية المقيد فى المطلق، ولو قال:
ليس فيها شىء من الدلالة، كان أوضح
(قوله: على رأى المصنف) متعلق بإثبات أى:
أن الاستعارة التخييلية- عند المصنف موافقا للسلف- إثبات لازم المشبه به للمشبه
стр. 1542
إذ المراد بالأظفار معناها الحقيقى على ما سيجىء. فالتشبيه الاصطلاحى هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى؛ لا على وجه الاستعارة التحقيقية، والاستعارة بالكناية والتجريد (فدخل فيه نحو قولنا: زيد أسد) بحذف أداة التشبيه (و) نحو (قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ (١) بحذف الأداة والمشبه جميعا؛ أى: هم صم ...
===
بعد ادعاء كونه عينه؛ فلا تشبيه إلا فى الاستعارة بالكناية، ويحتمل أن يكون الظرف متعلقا بالنفى، أى انتفاء الدلالة على المشاركة فى التخييلية على رأى المصنف لا على رأى السكاكى ففيها ذلك.
(قوله: إذ المراد) أى: عند المصنف، وحينئذ فالتجوز إنما هو فى الإسناد؛ فالتخييلية- على رأيه- مجاز عقلى؛ ولذا لم يخرجها، وأما- عند السكاكى- فالتجوز فى نفس الأظفار، فهى داخلة فى الجنس وهو الدلالة المذكورة، فلو حذف قوله: التحقيقية، وما بعدها واقتصر على قوله: على وجه الاستعارة، كان أخصر وأشمل لدخول التخييلية عند السكاكى،
(قوله: على ما سيجىء) أى: من الخلاف بين السكاكى وغيره
(قوله: فالتشبيه الاصطلاحى إلخ) أعاده لأجل إيضاح ربط قوله: فدخل إلخ بما قبله، وكان يكفيه أن يقول: فالتشبيه الاصطلاحى ما مر فدخل إلخ
(قوله: فى معنى) سيأتى قريبا أنه لا بد فى المعنى الذى هو وجه الشبه أن يكون له زيادة اختصاص بهما، وقصد بيان اشتراكهما فيه فيؤخذ منه أن نحو: " جاء زيد وعمرو" لا يسمى تشبيها.
(قوله: فدخل فيه) أى: تعريف التشبيه الاصطلاحى، نحو قولنا: " زيد أسد" أى: كما دخل فيه ما يسمى تشبيها من غير خلاف وهو ما ذكر فيه أداة التشبيه، نحو: زيد كالأسد، وكأسد بحذف زيد لقيام قرينة كما لو قيل: ما حال زيد؟ فقيل: كالأسد، والمراد: دخل، نحو قولنا: زيد أسد مما يسمى تشبيها على القول المختار وهو ما حذف فيه أداة التشبيه وجعل المشبه به خبرا عن المشبه، أو فى حكم الخبر سواء كان مع ذكر المشبه، أو مع حذفه، فالأول، نحو قولنا: زيد أسد، والثانى نحو قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ وجعل المشبه به فى حكم الخبر عن
стр. 1543
فإن المحققين على أنه تشبيه بليغ لا استعارة؛ لأن الاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له بالكلية ويجعل الكلام خلوا عنه صالحا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه ...
===
المشبه من حيث إفادة الاتحاد وتناسى التشبيه كما فى الحال والمفعول الثانى فى باب علمت والصفة والمضاف وكونه مبينا له وذلك نحو: " كر زيد أسدا" أى: كالأسد، " وعلمت زيدا أسدا"، أى: كالأسد، " ومررت برجل أسد"، أى: كالأسد، وماء اللجين أى: ماء هو اللجين، ونحو قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١)
(قوله: فإن المحققين إلخ) علة لدخول ما ذكر من المثال والآية فى التعريف، وخالف غيرهم، فادعى أن ما حذفت فيه الأداة، كقولك: " زيد أسد" من باب الاستعارة بناء على أن حمل الأسدية على زيد لا يصح إلا بإدخاله فى جنس الأسد المعلوم كما فى الاستعارة، وعلى هذا فلا يدخل فى تعريف التشبيه، وجوز الشارح أن يكون: " زيد أسد" من باب الاستعارة، ولكن ادعى أن المشبه ليس" زيدا"، بالكلية (*) وهو الرجل الشجاع،
(قوله: على أنه) أى: ما ذكر من المثال والآية،
(قوله: المستعار له) وهو المشبه كالرجل الشجاع فى: " رأيت أسدا فى الحمام"، وطى المستعار له إنما هو بالنسبة للاستعارة التصريحية؛ إذ هى التى يطوى فيها ذكر المشبه بخلاف المكنية، فإنه إنما يطوى فيها ذكر المشبه به، وأما المشبه فيذكر فيها، وإنما اقتصر هنا على ذلك؛ لأن كلّا من المثال والآية على فرض أنهما استعارة إنما يكون تصريحية لا مكنية.
(قوله: بالكلية) أى: من اللفظ والتقدير.
(قوله: ويجعل الكلام خلوا) أى: خاليا عنه، عطف على قوله: يطوى إلخ، عطف تفسير، أى: والمشبه فى المثال الأول ملفوظ، وفى الآية مقدر وملحوظ؛ لأنه خبر لا بد له من مبتدأ تقديره: هم صم، والمقدر بمنزلة الملفوظ، فلم يطو ذكره بالكلية فيهما،
(قوله: صالحا لأن يراد به) أى: بالكلام المعنى المنقول عنه وهو المشبه به المستعار منه كالأسد،
و(قوله: والمنقول إليه) أى: والمعنى المنقول إليه، وهو المشبه المستعار له كزيد.
стр. 1544
لولا دلالة الحال، أو فحوى الكلام.
(والنظر هاهنا فى أركانه) ...
===
(قوله: لولا دلالة الحال) أى: وهى القرينة الحالية، فإذا قلت: " رأيت أسدا الآن" فى موضع لا يرى فيه الأسد الحقيقى، كان هذا الكلام- لولا القرينة الحالية- صالحا لأن يراد بالأسد فيه المعنى الحقيقى، وهو الحيوان المفترس المشبه به، وأن يراد به المشبه وهو الرجل الشجاع،
و(قوله: أو فحوى الكلام) المراد به: القرينة المقالية، فإذا قلت:
" رأيت أسدا فى يده سيف"، كان هذا الكلام لولا فى" يده سيف"- صالحا لأن يراد بالأسد فيه الحيوان المفترس، أو الرجل الشجاع، وتسمية القرينة المقالية بفحوى الكلام على خلاف ما فسر به الأصوليون الفحوى من أنها مفهوم الموافقة، أى: المفهوم الموافق حكمه لحكم المنطوق، وإنما سميت القرينة المقالية فحوى؛ لأن فحوى الكلام فى الأصل معناه ومذهبه كما فى القاموس، والقرينة المقالية معنى لفظ ذكر مع اللفظ المجازى يمنع من إرادة الموضوع له، ثم إن
(قوله: لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام) راجع للأول، أعنى: إرادة المنقول عنه، فهو شرط فيه؛ لأن القرينة سواء كانت حالية أو مقالية مانعة من إرادة المنقول عنه، أعنى المعنى الحقيقى فلو قدم الشارح ذكر المنقول إليه عن المنقول عنه لا تصل الشرط بمشروطه، ثم إن عبارة الشارح مشكلة؛ لأنها تفيد أن الكلام المشتمل على لفظ المستعار منه صالح لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه عند عدم القرينة، وليس كذلك، بل هو عند عدم القرينة يتعين حمله على المنقول عنه وهو المعنى الحقيقى، فهو غير صالح لإرادة المنقول إليه؛ لأنه لا يراد به المنقول إليه إلا بواسطة القرينة ولا قرينة، وأجيب بأن عدم القرينة المانعة إنما يوجب عدم إرادة المنقول إليه، لا عدم احتمال إرادته وصلاحيتها؛ إذ قد تقرر أن كل حقيقة تحتمل المجاز، وإن كان احتمالا مرجوحا غير ناشىء عن دليل، وهذا لا ينافى إفادة الحقيقة القطع بحسب الظاهر كما فى الأطول- اه فنرى، وفى عبد الحكيم ما حاصله: أنه إذا انتفت القرينة حالية أو مقالية؛ انتفى أثرها، وهو تعين إرادة المنقول إليه، وإذا انتفى تعين إرادة المنقول إليه جاز إرادة كل منهما لانتفاء المانع، أعنى: وجود القرينة المعينة ووجود المقتضى وهو حمل اللفظ
стр. 1545
أى: البحث فى هذا المقصد عن أركان التشبيه المصطلح عليه (وهى) أربعة (طرفاه) المشبه، والمشبه به (ووجهه، وأداته، وفى الغرض منه، وفى أقسامه) وإطلاق الأركان على الأربعة المذكورة إما باعتبار أنها مأخوذة فى تعريفه؛ ...
===
على حقيقته عند الإطلاق وإن كان بالنظر لوجود المقتضى يكون المنقول عنه متعينا إرادته.
(قوله: أى البحث) أشار الشارح بهذا إلى أن مراد المصنف بالنظر البحث على سبيل المجاز المرسل من إطلاق اسم اللازم وإرادة الملزوم؛ وذلك لأن البحث إثبات المحمولات للموضوعات أو نفيها عنها، وهذا يستلزم النظر وهو توجيه العقل لأحوال المنظور فيه، أما إن أريد بالبحث عن الشىء التأمل فى أحواله كان متحدا هو والنظر حينئذ
(قوله: المقصد) أى: فى هذا الباب أعنى باب التشبيه،
(قوله: طرفاه) هما اثنان من تلك الأربعة، والمراد بالمشبه والمشبه به معناهما لا اللفظ الدال عليهما،
(قوله: ووجهه) هو الركن الثالث والأداة رابعها، والمراد بوجهه: المعنى المشترك الجامع بين الطرفين لا اللفظ الدال عليه، والمراد بأداته: إما معنى الكاف ونحوه ليلائم ما قبله وإما نفس اللفظ الدال تنزيلا للدال منزلة المدلول،
(قوله: وفى الغرض منه) أى: فى الأمر الباعث على إيجاده، وهذا عطف على قوله فى أركانه،
(قوله: وفى أقسامه) أى: أقسام التشبيه الحاصلة باعتبار الطرفين وباعتبار الغرض وباعتبار الوجه وباعتبار الأداة؛ ككونه تشبيه مفرد بمفرد، أو مركب بمفرد، أو مركب بمركب، وككونه ملفوفا أو مجموعا أو مفروقا إلى غير ذلك مما يأتى.
(قوله: وإطلاق الأركان على الأربعة) أى: مع كونها خارجة عن التشبيه المصطلح عليه الذى هو الدلالة، وهذا جواب عما يقال: إن التشبيه هو الدلالة على مشاركة أمر لآخر فى معنى، فهو فعل الفاعل وكل واحد من هذه الأمور الأربعة ليس جزءا له، وحينئذ فلا وجه لجعلها أركانا له؛ لأن ركن الشىء ما كان جزءا لحقيقته، وحاصل هذا الجواب أن المراد بالركن ما يتوقف عليه الشىء، وإن لم يكن داخلا فى حقيقته وجزءا منها، وهذه الأمور لما أخذت فى تعريفه على أنها قيود صار متوقفا عليها،
(قوله: إما باعتبار أنها مأخوذة فى تعريفه) لا يقال إذا كانت مأخوذة فى تعريفه فهى جزء منه؛