← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

فلولا أنه جعله قمرا حقيقيّا لما كان للنهى عن التعجب معنى؛ لأن الكتان إنما يسرع إليه البلى بسبب ملابسة القمر الحقيقى، لا بملابسة إنسان كالقمر فى الحسن. لا يقال: القمر فى البيت ليس باستعارة؛ لأن المشبه مذكور- وهو الضمير فى غلالته وأزراره-؛ لأنا نقول: لا نسلم أن الذكر على هذا الوجه ينافى الاستعارة المذكورة، ... === التسامح؛ لأنه إنما يتعدى للقميص ويتضمن الدلالة على الأزرار، ولا يتعدى إلى الأزرار والشاعر قد عدّاه إليها (قوله: فلولا أنه جعله .. إلخ) حاصله: أنه لما خشى أن يتوهم أن صاحب الغلالة إنسان تسارع البلى لغلالته فيتعجب من ذلك؛ لأن العادة أن غلالة الإنسان لا يتسارع البلى إليها قبل الأمد المعتاد لبلاها نهى الشاعر عن ذلك التعجب وبين سبب النهى وهو أنه لم يبق فى الإنسانية، بل دخل فى جنس القمرية، والقمر لا يتعجب من سرعة بلى ما يباشر ضوءه؛ لأن هذا من خواصّه- ومتى ظهر السبب بطل العجب- ولكون ما ذكر من خواص القمر قيل: إن من جملة عيوب القمر أنه يهدم العمر ويحل الدين ويوجب أجرة المنزل ويسخن الماء ويفسد اللحم ويقرض الكتان ويعين السارق ويفضح العاشق الطارق (قوله: لأن الكتان) أى: الذى كانت منه الغلالة (قوله: لا نسلم أن الذكر على هذا الوجه ينافى الاستعارة) أى: لأنه لا ينبئ عن التشبيه، والمنافى لها إنما هو الجمع بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه بحيث يكون المشبه به واقعا خبرا عن المشبه كما فى: زيد أسد، أو حالا منه أو صفة له نحو: مررت بزيد أسدا، وجاءنى رجل أسد، فذلك الجمع ينبئ عن التشبيه ضرورة أنه لا يصح صدقه على ما جرى عليه فتقدر أداة التشبيه نفيا لما يلزم من فساد الصدق كما تقدم على ما فيه، وأما إذا ذكر المشبه لا على وجه ينبئ عن التشبيه- كما فى البيت- لعدم جريان المشبه به عليه حتى يسهل تقدير الأداة نظرا للمعنى فهو استعارة، وقد سبق كلّ من هذا البحث وجوابه فى بحث المجاز العقلى، وأنت خبير بأن هذا الجواب يقتضى أن نحو: على لجين الماء استعارة وهم صرحوا بكونه تشبيها إلا أن يقال: تصريحهم بكونه تشبيها لا ينافى صحة كونه استعارة- فتأمل.

стр. 1787

كما يقال: سيف زيد فى يد أسد؛ فإن تعريف الاستعارة صادق على ذلك. (وردّ) هذا الدليل (بأن الادّعاء) أى ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به (لا يقتضى كونها) أى: الاستعارة (مستعملة فيما وضعت له) للعلم الضرورى بأن أسدا- فى قولنا: رأيت أسدا يرمى- مستعمل فى الرجل الشجاع، والموضوع له هو السبع المخصوص؛ وتحقيق ذلك: أن ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به مبنىّ على أنه جعل أفراد الأسد ... === (قوله: كما يقال) أى: كقولنا أى كعدم المنافاة فى قولنا: سيف زيد فى يد أسد المراد فى يده فقد شبه زيد بالأسد، وادعى أنه فرد من أفراده واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية، فقد جمع بين المشبه- وهو زيد- والمشبه به- وهو الأسد- على وجه لا ينبئ عن التشبيه؛ لأن هذا التركيب ونحوه لا يتأتى فيه تقدير الأداة إلا بزيادة فى التركيب أو نقص منه بحيث يتحول الكلام عن أصله كأن يقال رأيت فى يد رجل كالأسد سيفا (قوله: ورد هذا الدليل) حاصله: منع الصغرى القائلة: الاستعارة لفظ مستعمل فيما وضع له بعد الادعاء أى: لا نسلم ذلك، وهذا الادعاء لا يخرج اللفظ عن كونه مستعملا فى غير ما وضع له هذا، وقد علم من مضمون الكلام أولا وآخرا: أن ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به مسلم عند القائل بأن الاستعارة مجاز لغوى، ومعلوم أن كون اللفظ أطلق على غير معناه الأصلى فى نفس الأمر مسلم عند القائل بأنها مجاز عقلى، وبقى النزاع فى أن الاستعارة هل تسمى مجازا لغويّا نظرا لما فى نفس الأمر، أو عقليّا نظرا للمبالغة والادعاء؟ فالخلاف على هذا عائد إلى اللفظ والتسمية- فتدبر. (قوله: مستعمل فى الرجل الشجاع) أى: وإن ادعى أن الرجل الشجاع فرد من أفراد الأسد بعد تشبيهه به، إذ تقدير الشىء نفس الشىء لا يقتضى كونه إياه حقيقة (قوله: وتحقيق ذلك) أى: تحقيق أن الادعاء المذكور لا يقتضى كون الاستعارة مستعملة فيما وضعت له، وحاصل ما ذكره من التحقيق: أن ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به لا يقتضى كونها مستعملة فيما وضعت له، إذ ليس معناه ما فهمه المستدلّ

стр. 1788

بطريق التأويل قسمين: أحدهما: المتعارفا، وهو الذى له غاية الجراءة، ونهاية القوة فى مثل تلك الجثة المخصوصة. والثانى: غير المتعارف: وهو الذى له تلك الجراءة لكن لا فى تلك الجثة المخصوصة، والهيكل المخصوص، ولفظ الأسد إنما هو موضوع للمتعارف؛ فاستعماله فى غير المتعارف استعمال فى غير ما وضع له، والقرينة مانعة عن إرادة المعنى المتعارف ليتعين المعنى الغير المتعارف. وبهذا يندفع ما يقال: إن الإصرار على دعوى الأسدية للرجل الشجاع ينافى نصب القرينة المانعة عن إرادة ... === من ادعاء ثبوت المشبه به له حقيقة حتى يكون لفظ المشبه به فيه استعمال لما وضع له والتجوّز فى أمر عقلى وهو جعل غير المشبه به مشبها به، بل معناه: جعل المشبه به مؤولا بوصف مشترك بين المشبه والمشبه به، وادعاء أن لفظ المشبه به موضوع لذلك الوصف، وأن أفراده قسمان: متعارف وغير متعارف، ولا خفاء فى أن الدخول بهذا المعنى لا يقتضى كونها مستعملة فيما وضعت له؛ لأن الموضوع له هو المفرد المتعارف والمستعمل فيه هو المفرد الغير المتعارف. (قوله: بطريق التأويل قسمين) متعلق بجعل. إن قلت: إن الذى بطريق التأويل إنما هو أحد القسمين وهو غير المتعارف، وأما الآخر وهو المتعارف فبطريق التحقيق- فكيف يقول الشارح على أنه جعل أفراد الأسد قسمين بطريق التأويل؟ قلت: جعل الأفراد قسمين مبنىّ على كون الأسد موضوعا للقدر المشترك بينهما الصادق على كلّ منهما وهو مجترىء، وكونه موضوعا لذلك ليس إلا بطريق التأويل وأما بطريق التحقيق فهو منحصر فى قسم واحد وهو المتعارف. اه يس. (قوله: فى مثل) أى: المودعين فى مثل .. إلخ (قوله: والهيكل المخصوص) عطف تفسير (قوله: والقرينة مانعة عن إرادة .. إلخ) أى: لا عن إرادة الجنس بقسميه (قوله: وبهذا يندفع .. إلخ) أى: ببيان أن القرينة مانعة عن إرادة المعنى المتعارف ليتعين غير المتعارف، فيندفع ما يقال: إن الإصرار على دعوى الأسدية للرجل ينافى القرينة المانعة من إرادة الأسدية، ووجه الاندفاع: أن

стр. 1789

السبع المخصوص. (وأما التعجب والنهى عنه) كما فى البيتين المذكورين (فللبناء على تناسى التشبيه قضاء لحق المبالغة) ودلالة على أن المشبه بحيث لا يتميز عن المشبه به أصلا حتى إن كل ما يترتب على المشبه به من التعجب والنهى عن التعجب يترتب على المشبه أيضا. === الإصرار على دعوى الأسدية بالمعنى الغير المتعارف، ونصب القرينة إنما يمنع من إرادة الأسدية بالمعنى المتعارف، وحينئذ فلا منافاة (قوله: السبع المخصوص) الأنسب أن يقول: عن إرادة الأسد ويحذف قوله المخصوص؛ لأن ذكره فى السؤال يشير إلى الجواب- تأمل. (قوله: وأما التعجب .. إلخ) هذا إشارة إلى جواب عن سؤال نشأ من الجواب المتقدم، وهو إذا كان الادعاء لا يقتضى استعمال الاستعارة فيما وضعت له فلا يصح التعجب والنهى عنه فى البيتين السابقين؛ لأنهما لا يتمّان إلا بجعل المشبه من أفراد المشبه به حقيقة، وحاصل الجواب الذى أشار له المصنف: أن التعجب والنهى عنه لتناسى التشبيه، وجعل الفرد الغير المتعارف مساويا للمتعارف فى حقيقته، حتى إن كل ما يترتب على المتعارف يترتب عليه، وبما تقرر من جعل كلام المصنف إشارة لجواب سؤال مقدر، اندفع ما ذكره العلّامة العصام: من أن التعجب والنهى لم يجعلا دليلا على كون الاستعارة مستعملة فيما وضعت له، بل استدل بهما على الادعاء، فلما سلم المجيب الادعاء ومنع اقتضاءه كون الاستعارة مستعملة فيما وضعت له، فلا حاجة إلى المنازعة فى كون التعجب والنهى مبنيّين على الادعاء، إذ بناؤهما عليه لا ينافى مجازا لغويّا، فالأولى إسقاط قوله: وأما التعجب والنهى عنه (قوله: وأما التعجب) أى: من المشبه (وقوله: والنهى عنه) أى: عن التعجب (قوله: فللبناء) أى: فلبناء الاستعارة (قوله: على تناسى التشبيه) أى: إظهار التناسى، والمراد بالتناسى النسيان أى: على إظهار نسيان التشبيه (قوله: قضاء .. إلخ) وإنما تنوسى فيه التشبيه توفية لحق المبالغة فى دعوى الاتحاد (قوله: ودلالة .. إلخ) عطف تفسير على قوله: قضاء لحق المبالغة.

стр. 1790

[مفارقة الاستعارة للكذب]: (والاستعارة تفارق الكذب بالبناء على التأويل) فى دعوى دخول المشبه فى جنس المشبه به بأن يجعل أفراد المشبه به قسمين: متعارفا، وغير متعارف- كما مرّ- ولا تأويل فى الكذب. (ونصب) أى: وبنصب (القرينة على إرادة خلاف الظاهر) فى الاستعارة لما عرفت أنه لا بدّ للمجاز من قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له، بخلاف الكذب؛ فإن قائله لا ينصب قرينة على إرادة خلاف الظاهر، بل يبذل المجهود فى ترويج ظاهره (ولا تكون) الاستعارة (علما) لما سبق من أنها تقتضى إدخال المشبه فى جنس المشبه به بجعل أفراده قسمين: متعارفا، وغير متعارف، ... === (قوله: والاستعارة تفارق الكذب) أى: والكلام الذى فيه الاستعارة يفارق الكلام الكاذب أى: لا يشتبه به بسبب ما ذكر من الأمرين. فقولك: جاءنى أسد يشتبه بالكلام الكاذب لولا الوجهان، فاندفع ما يقال: إن الاستعارة تكون فى المفرد؛ لأنها الكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له، والكذب يكون فى الحكم، فالمتصف بالكذب الكلام المركب المستعمل فى غير ما وضع له، فلا اشتباه بينهما حتى يحتاج للفرق (قوله: بالبناء على التأويل) أى: بسبب بنائها على التأويل وعدم بناء الكذب عليه (قوله: فى دعوى .. إلخ) متعلق بمحذوف صفة للتأويل أى: المتحقق فى دعوى .. إلخ من تحقق العامّ فى الخاصّ، أو أن" فى" بمعنى" من" البيانية. (قوله: بل يبذل المجهود .. إلخ) يقال: بذل يبذل كنصر ينصر، والمراد بالمجهود: الجهد والوسع والطاقة، والمراد بترويج ظاهره: إظهار صحته عند السامع ومحل كون الكذب يبذل المتكلم وسعه وطاقته فى ترويج ظاهره إذا عرف عدم مطابقته وقصد إظهار صحته، لا إن لم يقصد ذلك واعتقد الصحة (قوله: ولا تكون علما) أى: شخصيّا؛ لأنه المتبادر من إطلاق العلم؛ ولأن علم الجنس تجرى فيه للاستعارة كاسم الجنس، بخلاف علم الشخص، فلا يصح أن يشبه زيد بعمرو فى الشكل والهيئة مثلا ويطلق عليه اسمه، وتخصيص المصنف الاستعارة بالذكر فى الامتناع يفهم منه: أن الامتناع

стр. 1791

ولا يمكن ذلك فى العلم (لمنافاته الجنسية) لأنه يقتضى التشخص ومنع الاشتراك، والجنسية تقتضى العموم وتناول الأفراد ... === فى العلمية مخصوص بها، وأما المجاز المرسل فيجوز فى العلمية، إذ لا مانع من كون المجاز المرسل علما لصحة أن يكون للعلم لازم ولو غير مشتهر يستعمل فيه لفظ العلم، كما إذا أطلق قيار" علم فرس" على زيد مرادا منه لازمه وهو شدة العدو- أى: الجرى- ثم إن جملة" ولا تكون علما" عطف على قوله: والاستعارة تفارق الكذب عطف جملة فعلية على اسمية، ولك أن تجعله عطفا على قوله: تفارق الكذب، فيكون التناسب مرعيّا. (قوله: ولا يمكن ذلك فى العلم) أى: الشخصى (وقوله: لمنافاته الجنسية) أى: التى تقتضيها الاستعارة (وقوله: لأنه) أى: العلم (وقوله: يقتضى التشخص) أى: تشخص معناه وتعيّنه خارجا، وهذا ظاهر فى علم الشخص لا فى علم الجنس؛ لإمكان العموم فى معناه لكونه ذهنيّا، والمعنى الذهنى لا ينافى تعدد الأفراد له. (قوله: وتناول الأفراد) عطف تفسير، وما ذكره العلامة الشارح- من أن الاستعارة تقتضى إدخال المشبه فى جنس المشبه به، بجعل أفراده قسمين: متعارف وغير متعارف، وذلك غير ممكن فى العلم الشخصى- هو طريقة صاحب المفتاح، حيث قال فيه: والذى قرع سمعك من أن مبنى الاستعارة على إدخال المستعار له فى جنس المستعار منه هو السرّ فى امتناع دخول الاستعارة فى الأعلام الشخصية، إلا إذا تضمنت نوع وصفية، وقال السيد فى شرحه للمفتاح: لا نسلّم أن الاستعارة تعتمد على الإدخال المذكور؛ لأن المقصود من الاستعارة المبالغة فى حال المشبه بأنه يساوى المشبه به فيه، وذلك يحصل بجعل المشبه من جنس المشبه به إن كان اسم جنس أو جعله عينه ادعاء إن كان علم شخص، فإن المقصود من قوله: رأيت اليوم حاتما: أنه رأى عين ذلك الشخص، لا أنه رأى فردا من أفراد الجواد- اه. قال العلامة عبد الحكيم: وفيما قاله السيد بحث- أما أولا: فلأن القول بالإدخال فى اسم الجنس مما لا داعى إليه، فإن المبالغة تحصل فيه أيضا بادعاء الاتحاد، وأما ثانيا: فلأن جعله عينه فيما إذا كان علما شخصيّا إن كان لا عن قصد فهو غلط.

стр. 1792

(إلا إذا تضمن) العلم (نوع وصفية) بواسطة اشتهاره بوصف من الأوصاف (كحاتم) المتضمن الاتصاف بالجود، ومادر بالبخل، ... === وإن كان قصدا، فإن كان بإطلاقه عليه ابتداء فهو وضع جديد، وإن كان بمجرد ادعاء من غير تأويل فهو دعوى باطلة وكذب محض، وحينئذ فلا بدّ من التأويل وهو إنما يكون بإدخاله فيه، والحاصل: أن استعمال اسم المشبه به فى المشبه ليس بحسب الوضع الحقيقى وهو ظاهر، فلو لم يعتبر الوضع التأويلى لم يصح استعماله فيه (قوله: إلا إذا تضمن العلم نوع وصفية) استثناء من عموم الأحوال (وقوله: تضمن) أى: استلزم نوع وصفية، وليس المراد أنه دلّ دلالة تضمنية على نوع من الأوصاف كالكرم (قوله: نوع وصفية) الأولى نوع وصف؛ لأن الوصف مصدر لا يحتاج فى إفادة المعنى المصدرى إلى إلحاق الياء- كذا فى الأطول. (قوله: بواسطة) متعلق بتضمن (وقوله: اشتهاره) أى: العلم أى: اشتهار مدلوله وهو الذات، فالعلم المتضمن نوع وصفية هو أن يكون- كمدلوله- مشهورا بوصف بحيث متى أطلق ذلك العلم فهم منه ذلك الوصف، فلما كان العلم المذكور بهذه الحالة جعل كأنه موضوع للذات المستلزمة لذلك الوصف فيكون كليا تأويلا، فإذا أطلق ذلك العلم على غير مدلوله الأصلى صح جعله استعارة بسبب ادعاء أنه من أفراد ذلك الكلى، مثلا حاتم موضوع للذات المعينة، ثم إنه بواسطة اشتهارها بالكرم بحيث متى أطلق حاتم يفهم منه الجواد صار حاتم كأنه موضوع للجواد وهو معنى كلى، فيصح أن يطلق لفظ حاتم على زيد الكريم بأن تقول عند رؤيتك لزيد: رأيت اليوم حاتما بسبب تشبيه زيد بحاتم فى الجود، وملاحظة أن حاتما كأنه موضوع للجواد وأن زيدا فرد من أفراده- وكذا يقال فى غيره. (قوله: كحاتم المتضمن الاتصاف بالجود) أى: المستلزم للاتصاف به، فيجعل ذلك الوصف لازما له وهو وجه الشبه فى الاستعارة. وحاتم فى الأصل: اسم فاعل من الحتم بمعنى الحكم، نقل لحاتم بن عبد الله بن الحشرج الطائى (قوله: ومادر بالبخل) أى: ومادر المتضمن الاتصاف بالبخل، وهو رجل من بنى هلال بن عامر بن صعصعة، قيل إنما

стр. 1793

وسحبان بالفصاحة، وباقل بالفهاهة؛ فحينئذ يجوز أن يشبه شخص ب حاتم فى الجود، ويتأول فى حاتم فيجعل كأنه موضوع للجواد؛ سواء كان ذلك الرجل المعهود، أو غيره- كما فى: الأسد- فبهذا التأويل يتناول حاتم الفرد المتعارف المعهود، والفرد الغير المتعارف، ويكون إطلاقه على المعهود- أعنى: حاتما الطائى- حقيقة، وعلى غيره ممن يتصف بالجود استعارة، نحو: رأيت اليوم حاتما. (وقرينتها) يعنى: أن الاستعارة لكونها مجازا لا بدّ لها من قرينة مانعة عن إرادة المعنى الموضوع له. وقرينتها: ... === سمىّ مادرا؛ لأنه سقى إبلا له من حوض فلما فرغت الإبل من الشرب بقى فى أسفل الحوض ماء قليل فسلح فيه ومدر الحوض به- أى: حرك ماءه به- بخلا خوفا من أن يستقى من حوضه أحد (قوله: وسحبان) هو فى الأصل صيّاد يصيد ما مرّ به، ثم جعل علما للبليغ المشهور والمناسبة ظاهرة- ا. هـ أطول. (قوله: وباقل بالفهاهة) أى: وباقل المتضمن الاتصاف بالفهاهة- أى: العجز عن الإفصاح عما فى الضمير- وهو اسم رجل من العرب كان شديد العىّ فى النطق، وقد اتفق أنه كان اشترى ظبيا بأحد عشر درهما فقيل له: بكم اشتريته ففتح كفيه، وفرّق أصابعه، وأخرج لسانه ليشير بذلك إلى أحد عشر، فانفلت منه الظبى، فضرب به المثل فى العىّ (قوله: فحينئذ) أى: فحين إذ تضمن العلم كحاتم نوع وصفية يجوز .. إلخ (قوله: ويتناول فى حاتم .. إلخ) أى: فالتأويل بعد التشبيه ولا يتوقف هو على التشبيه، وبهذا اندفع ما يقال: إنه إذا كان فردا من أفراده فكيف يصح التشبيه حينئذ؟ ! (قوله: وقرينتها) أى: والقرينة الثابتة لها، وإنما ثبتت لها لكونها مجازا كما أشار له الشارح. قال العلّامة عبد الحكيم: وأشار الشارح بهذا الدليل العامّ الجارى فى كل مجاز سواء كان مرسلا أو استعارة إلى أن تخصيص قرينة الاستعارة بالبيان إنما هو للاعتناء بشأنها وإلا فالقرينة لازمة فى كل مجاز- اه. وفى الأطول: أن ما ذكره المصنف من التقسيم غير مختصّ بقرينتها، بل يجرى فى قرينة المجاز المرسل والمكنية، ولا داعى إلى جعل قرينة المكنية واحدا والزائد عليه ترشيحا- اه.

стр. 1794

(إما أمر واحد- كما فى قولك: رأيت أسدا يرمى- أو أكثر) أى: أمران، أو أمور يكون كل واحد منها قرينة (كقوله: فإن تعافوا) أى: تكرهوا (العدل والإيمان فإن فى أيماننا نيرانا) (١) أى: سيوفا تلمع كشعل النيران ... === (قوله: إما أمر واحد) أى: من ملائمات المشبه فى المصرحة كيرمى، ومن ملائمات المشبه به فى المكنية كالأظفار (قوله: يرمى) أى: بالسهم وليس المراد مطلق رمى؛ لأنه يكون حتى فى الأسد الحقيقى- تأمل. (قوله: يكون كل واحد منها قرينة) أى: وليس واحد منها ترشيحا ولا تجريدا لعدم ملاءمته للطرفين ملاءمة شديدة، وما ذكره المصنف مبنىّ على جواز تعدد القرينة وهو الحق، وقال بعضهم: لا يجوز تعدد قرينة الاستعارة؛ لأنه إن كان الصرف عن إرادة المعنى الحقيقى بجميع تلك الأمور، فلا نسلم تعدد القرينة، وإن كان بكل واحد فلا حاجة لما عدا الأول، وحينئذ فيجعل ترشيحا أو تجريدا (قوله (٢): كقوله فإن تعافوا .. إلخ) قال فى معاهد التنصيص: هذا البيت لبعض العرب ولم يعيّنه، وقوله: فإن تعافوا مأخوذ من: عاف يعاف بمعنى كره، وأصل عاف يعاف عوف يعوف: كعلم يعلم، يقال: عاف الرجل طعامه وشرابه أى: كرهه أى: إن تكرهوا العدل والإنصاف وتميلوا للجور وتكرهوا التصديق بالنبى، فإن فى أيدينا سيوفا تلمع كالنيران نحار بكم ونلجئكم إلى الطاعة بها، والعدل: هو وضع الشىء فى محلّه فهو مقابل للظلم، والإيمان الأول فى البيت [بكسر الهمزة] تصديق النبى- ﵊ فيما جاء به عن الله، والأيمان الثانى بفتح الهمزة جمع يمين يطلق على القسم وعلى الجارحة المعلومة وهو المراد، ويصح أن يقرأ الأيمان فى الموضعين بفتح الهمزة جمع يمين، والمراد منه القسم فى الأول، والجارحة فى الثانى (قوله: أى سيوفا تلمع .. إلخ) أى: فقد شبه السيوف بالنيران بجامع

стр. 1795

فتعلق قوله: تعافوا بكل من العدل والإيمان قرينة على أن المراد بالنيران السيوف لدلالته على أن جواب هذا الشرط: تحاربون وتلجأون إلى الطاعة بالسيوف (أو معان ملتئمة) مربوط بعضها ببعض يكون الجميع قرينة، لا كل واحد. وبهذا ظهر فساد قول من زعم أن قوله: أو أكثر شامل لقوله: معان فلا يصح جعله مقابلا له وقسيما (كقوله: === اللمعان فى كلّ واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة المصرحة (قوله: فتعلق) أى: ارتباط قوله تعافوا بكل .. إلخ، ظاهره: أن القرينة على أن المراد بالنيران السيوف تعلق الإعافة بكلّ من العدل والإيمان، وفيه أن الكلام فى القرينة المتعددة وهى لا تكون إلا لفظية والتعلق والارتباط ليس كذلك، فالأولى أن يقول: فكل واحد من العدل والإيمان باعتبار تعلق الإعافة به قرينة على أن المراد بالنيران السيوف، وإنما جعل كل واحد قرينة ولم يجعل أحدهما قرينة والآخر تجريدا؛ لأن مجموع الأمرين بمنزلة الشرط فهما بمنزلة الشرط شىء واحد لكن لو انفرد كل واحد منهما لصح قرينة (قوله: لدلالته) أى: تعلق تعافوا بكل من العدل والإيمان (قوله: تحاربون) أى: محذوف تقديره تحاربون، وأما قوله: فإن فى أيماننا نيرانا- فهو علّة لذلك الجواب المحذوف أقيمت مقامه، ولو حذف النون من تحاربون وتلجأون لكان حسنا؛ لأن رفع الجواب إذا كان الشرط مضارعا ضعيف. قال فى الخلاصة: وبعد ماض رفعك الجزا حسن ... ورفعه بعد مضارع وهن إن قلت: إن المحاربة تكون أيضا بالنار الحقيقية فهلا حملت النيران على حقيقتها، فيكون القصد تخويفهم بالإحراق. قلت: إن القائل يرى الأخذ بالشريعة وليس فيها إحراق كاره العدل والإيمان، بل تعذيبه بالسيف (قوله: مربوط) تفسير لملتئمة (وقوله: يكون الجميع) أى: المجموع (وقوله: لا كل واحد) أى: فظهرت مقابلته لقوله: أو أكثر (قوله: فلا يصح جعله مقابلا له) أى: لأنه من أفراده (قوله: وقسيما) عطف مرادف (قوله: كقوله) أى: البحترى من قصيدة من الطويل، وبعد البيت: يكاد النّدا منها يفيض على العدا ... لدى الحرب تثنى فى قنا وقواضب (١)

стр. 1796

وصاعقة من نصله) أى: من نصل سيف الممدوح (تنكفى بها) من: انكفأ- أى: انقلب- والباء للتعدية، والمعنى: رب نار من حدّ سيفه يقلبها (على أرؤس الأقران ... === الثنى مصدر ثنيت الشىء أى: ضاعفته، والقنا: جمع قناة وهى الرمح والقواضب: القواطع (قوله: وصاعقة) يروى بالجر على إضمار رب، وبالرفع على أنه مبتدأ موصوف بقوله من نصله، وخبره قوله تنكفى بها، والصاعقة فى الأصل نار سماوية تهلك ما أصابته تحدث غالبا عند الرعد والبرق (قوله: من نصله) بيان لصاعقة أى: صاعقة هى نصله فجعله صاعقة، أو المراد صاعقة ناشئة من نصله فكأن لنصله صاعقة تحرق الأعداء، والأوّل أظهر، وإلى الثانى ذهب الشارح (قوله: أى: من نصل سيف الممدوح) أشار به إلى أن ضمير نصله للممدوح وفى الكلام حذف مضاف، ويجوز أن يرجع الضمير للممدوح ولا حذف والإضافة لأدنى ملابسة. قال فى الأطول: والنصل هو حد السيف كما فى الصحاح، أو نفس السيف الخالى عن المقبض كما فى القاموس، فقد اختفى المقبض فى يده- اه. وكلام الشارح ظاهر على الأول لا على الثانى إلا أن تجعل إضافة نصل للسيف للبيان، وعليه فيحتاج لتقدير حدّ- تأمل. (قوله: رب نار) هذا تفسير للصاعقة (وقوله: من حدّ سيفه) فيه إشارة إلى أن النصل هو حد السيف (وقوله: يقلبها) أى: تلك النار وهى نفس السيف ولذا لم يقل يقلب أصلها الذى هو السيف وقوله يقلبها توضيح لكون الباء للتعدية (قوله: على أرؤس الأقران) الأرؤس جمع رأس، والأقران: جمع قرن وهو المكافئ والمماثل وكلاهما جمع قلّة، وآثره على جمع الكثرة لما فيه من الإشارة إلى قلّة أكفائه فى الحرب وقلّة أمثاله فيها، أو إلى الاستخفاف بأمرهم وتقليلهم فى مقابلته، ولا يخفى ما فيه من اللطف، أو المراد بأرؤس الأقران جمع الكثرة بقرينة المدح، إذ كل من الجمعين يستعار للآخر- كذا قيل، وهذا مبنىّ على أن جمع الكثرة موضوع لما فوق العشرة، أما على أنه موضوع لما فوق الاثنين، وإن الجمعين إنما يفترقان فى الغاية لا فى المبدأ فلا يستعار جمع الكثرة

стр. 1797

خمس سحائب) (١) أى: أنامله الخمس التى هى فى الجود وعموم العطايا كالسحائب، أى: يصبها على أكفائه فى الحرب فيهلكهم بها، ولما استعار السحائب لأنامل الممدوح ذكر أن هناك صاعقة، وبيّن أنها من نصل سيفه، ثم قال: على أرؤس الأقران، ثم قال: خمس فذكر العدد الذى هو عدد الأنامل فظهر من جميع ذلك أنه أراد بالسحائب الأنامل. [أنواع الاستعارة باعتبار الطرفين]: (وهى) أى: الاستعارة (باعتبار الطرفين) المستعار منه، والمستعار له (قسمان؛ لأن اجتماعهما) أى: اجتماع الطرفين (فى شىء إما ممكن، نحو: فَأَحْيَيْناهُ فى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (٢) أى: ضالّا فهديناه) ... === للقلّة. نعم، يستعار جمع القلّة للكثرة كما هنا (قوله: خمس سحائب) فاعل تنكفى بها وهو من إضافة الصفة للموصوف كما أشار له الشارح بقوله أى: أنامله الخمس، والمراد العليا فقط، وإلا فالأنامل كثيرة، وعبّر الشارح بالأنامل دون الأصابع مع أن الذى يقبض على السيف وينقلب به على الأعداء الأصابع لا الأنامل للمبالغة فى شجاعة الممدوح أى: إنه لشجاعته وقوته لا كلفة عليه ولا مشقّة فى قلب السيف على الأقران بالأنامل، وهذا إذا أريد بالأنامل حقيقتها، ويحتمل أنه أراد بالأنامل الخمس الأصابع مجازا وعلى هذا فلا مبالغة (قوله: التى هى فى الجود .. إلخ) أشار بهذا إلى أن البيت فيه من المحسّنات البديعية والاستتباع، حيث ضمن الشاعر مدح الممدوح بالشجاعة مدحه بالسخاوة (قوله: وعموم العطايا) أخذ العموم من السحائب. (قوله: فذكر العدد) بتخفيف الكاف أى: ولا شك أن ذكر العدد قرينة على أن المراد بالسحائب الأنامل، إذ السحائب الحقيقية ليست خمسا فقط (قوله: فظهر من جميع ذلك) أى: من ذكر الصاعقة ومن كونها ناشئة من حدّ سيفه ومن انقلابها على

стр. 1798

استعار الإحياء من معناه الحقيقى- وهو جعل الشىء حيّا- للهداية- التى هى الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب-، والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما فى شىء واحد، وهذا أولى من قول المصنف: إن الحياة والهداية مما يمكن اجتماعهما فى شىء واحد؛ لأن المستعار منه هو الإحياء، لا الحياة، وإنما قال: نحو: أحييناه؛ لأن الطرفين فى استعارة الميت للضالّ ... === أرؤس الأقران ومن كون المنقلب بها خمسا- وفى كون مجموع ما ذكر هو الدالّ على أن المراد بالسحائب أنامل الممدوح نظر، إذ لو أسقط بعضها كلفظ الخمس وأرؤس الأقران بأن يراد بالقلب تحريك السيف باليد فهم المراد على أن إضافة الصاعقة لنصل السيف كاف فى القرينة المذكورة، فيخالف ما مرّ من قوله: مربوط بعضها ببعض يكون الجميع قرينة، اللهم إلا أن يراد الدلالة الواضحة البالغة فى الوضوح، والحاصل: أن الدلالة الواضحة على المراد متوقفة على الجميع، وهذا لا ينافى كفاية بعضها فى أصل الدلالة على المراد، وحينئذ فقول الشارح سابقا: مربوط بعضها ببعض يكون الجميع قرينة .. إلخ ناظر للدلالة الواضحة البالغة فى الوضوح لا لأصل الدلالة- فلا منافاة. (قوله: استعار الإحياء) أى: استعار هذه اللفظ (وقوله: للهداية متعلق باستعار) أى: استعاره لها بعد تشبيه الهداية بمعنى الدلالة على طريق توصل بالإحياء بمعنى جعل الشىء حيّا، وادعاء أنه فرد من أفرادها، ووجه الشبه بين الإحياء والهداية ترتب الانتفاع والمآثر على كلّ منهما، كما أن وجه الشبه بين الإماتة والإضلال ترتب نفى الانتفاع على كلّ منهما، وإنما قال استعار الإحياء مع أن المستعار الفعل أعنى أحييناه؛ لأن استعارته تبعية لاستعارة المصدر أعنى الإحياء (قوله: مما يمكن اجتماعهما) أى: من الشيئين اللذين يمكن اجتماعهما فى شىء أى: فقد اجتمعا فى الله فإنه محيى وهادى (قوله: وهذا) أى: قولنا والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما (قوله: أولى من قول المصنف) أى: فى الإيضاح (قوله: لأن المستعار منه هو الإحياء لا الحياة) إن قلت: مقتضى هذا التعليل أن يكون ما قاله المصنف خطأ، وأن ما قاله الشارح هو الصواب- قلت: إنما قال الشارح: وهذا أولى لإمكان أن يقال: مراد المصنف بالحياة الإحياء لكونها أثرا له (قوله: وإنما قال: نحو أحييناه) أى: ولم يقل نحو أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً

стр. 1799

مما لا يمكن اجتماعهما فى شىء إذ الميت لا يوصف بالضلال. (ولتسمّ) الاستعارة التى يمكن اجتماع طرفيها فى شىء (وفاقية) لما بين الطرفين من الاتفاق. (وإما ممتنع) عطف على: إما ممكن (كاستعارة اسم المعدوم للموجود لعدم غنائه) ... === فَأَحْيَيْناهُ (١) حتى يكون ميتا داخلا فى التمثيل أيضا (قوله: مما لا يمكن اجتماعهما) أى: فقد اجتمع فى الآية الاستعارتان الوفاقية والعنادية (قوله: إذ الميت لا يوصف بالضلال) أى: لأن الموت عدم الحياة والضلال هو الكفر والميت العادم للحياة لا يتصف بالكفر إلا باعتبار ما كان، لا حقيقة؛ لأن الكفر جحد الحق، والجحد لا يقع من الميت لانتفاء شرطه وهو الحياة (قوله: ولتسم وفاقية) إنما سموها وفاقية لا اتفاقية؛ لأن وفاقية أنسب بعنادية، واللام فى قوله: ولتسم: لام الأمر- أى: أدع إلى تسميتها وفاقية، وإنما لم يقل: وتسمى إشعارا بأن هذه التسمية من جهة المصنف لا قديمة (قوله: لما بين الطرفين من الاتفاق) أى: الاجتماع وعدم المباينة، وكان الأولى أن يقول: لما بين الطرفين من الوفاق؛ لأن المفاعلة على بابها، إذ كلّ من الطرفين وافق صاحبه فى الاجتماع معه فى موصوف واحد. (قوله: كاستعارة اسم المعدوم) أى: وكاستعارة الميت للضالّ، إذ لا يجتمع الموت والضلال فى شىء، ثم إن إضافة استعارة للاسم بيانية، وأما إضافة اسم للمعدوم فيصح جعلها بيانية أيضا، ويصح جعلها حقيقية بأن يراد بالمعدوم الأمر الغير الموجود، ويراد باسمه اللفظ الدالّ عليه وهو لفظ معدوم، وذلك بأن تقول فى زيد الذى لا نفع به: رأيت اليوم معدوما فى المسجد، أو تقول: جاء المعدوم ونحو ذلك، فشبه الوجود الذى لا نفع فيه بالعدم، واستعير العدم للوجود، واشتق من العدم معدوم بمعنى موجود لا نفع فيه فهو استعارة مصرحة تبعية عنادية؛ لأن من المعلوم أن الوجود والعدم لا يجتمعان فى شىء. قال فى الأطول: ولا تتوقف استعارة اسم المعدوم للموجود على عدم نفعه أصلا،

стр. 1800

هو بالفتح: النفع- أى: لانتفاء النفع فى ذلك الموجود- كما فى المعدوم، ولا شك أن اجتماع الوجود والعدم فى شىء ممتنع، وكذلك استعارة اسم الموجود لمن عدم وفقد لكن بقيت آثاره الجميلة التى تحيى ذكره، وتديم فى الناس اسمه. (ولتسمّ) الاستعارة التى لا يمكن اجتماع طرفيها فى شىء (عنادية) لتعاند الطرفين وامتناع اجتماعهما. (ومنها) أى: من العنادية: الاستعارة (التهكّمية، والتمليحية- وهما ما استعمل فى ضده) أى: الاستعارة التى استعملت ... === بل يمكن الاستعارة للنافع فى أمر غير نافع فى أمر آخر باعتبار عدم نفعه (قوله: هو بالفتح) أى: والمد وإما بكسر الغين مع المد فهو الترنم بالصوت، وبكسر الغين مع القصر فاسم لليسار والاستغناء، وأما بالفتح مع القصر فهو لفظ مهمل (قوله: ولا شك أن اجتماع الوجود) وهو المستعار له أصالة (وقوله: والعدم) أى: وهو المستعار منه أصالة (قوله: وكذلك استعارة اسم الموجود .. إلخ) هذا عكس مثال المصنف فيشبه عدم الشىء مع بقاء آثاره الجميلة بوجوده ويستعار الوجود للعدم، ويشتق من الوجود موجود بمعنى معدوم بقيت آثاره الجميلة فهو استعارة مصرحة تبعية عنادية؛ لأن اجتماع الوجود والعدم فى شىء ممتنع. (قوله: لتعاند الطرفين) أى: تنافيهما (قوله: وامتناع اجتماعهما) عطف تفسير. إن قلت: إن الوفاق بين الطرفين والعناد بينهما كما يتأتّيان فى الاستعارة يتأتّيان فى التشبيه، فلم لم يذكرا هناك؟ أجيب بأن المقصود المبالغة، ولا يخفى أن جعل أحد المتعاندين من جنس الآخر متحدا به أشد مبالغة وغرابة من تشبيه أحدهما بالآخر- اه يس. (قوله: التهكّمية) أى: ما كان الغرض منها التهكّم والهزء والسخرية (قوله: والتمليحية) أى: ما كان الغرض منها إيراد القبيح بصورة شىء مليح للاستظراف (قوله: أى: الاستعارة التى استعملت .. إلخ) أشار بهذا الضابط إلى كلّ من التهكمية والتمليحية، وحاصله: أن يطلق اللفظ الدال على وصف شريف على ضده: كإطلاق

стр. 1801

فى ضد معناها الحقيقى (أو نقيضه؛ لما مرّ) أى: لتنزيل التضادّ، أو الناقض منزلة التناسب بواسطة تمليح، أو تهكم- على ما سبق تحقيقه فى باب التشبيه- (نحو: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (١) أى: أنذرهم، استعيرت البشارة- التى هى الإخبار ... === الكريم على البخيل، والأسد على الجبان، ولا يصح فيهما إطلاق البخيل على الكريم، ولا إطلاق الجبان على الأسد، وقد علمت من هذا أن التهكمية والتمليحية بمعنى، إلا أن الفارق بينهما من جهة أنه إن كان الغرض الحامل على استعمال اللفظ فى ضد معناه الهزء والسخرية بالمقول فيه كانت تهكمية، وإن كان الغرض الحامل على ذلك الغرض الحامل على ذلك بسط السامعين وإزالة السآمة عنهم بواسطة الإتيان بشىء مليح مستظرف كانت تمليحية، فإذا أطلق الأسد على الجبان فقد نزل التضادّ منزلة التناسب تهكّما أو تمليحا، وشبه الجبان بالأسد بجامع الشجاعة الموجودة فى المشبه- وهو الجبان- تنزيلا والموجودة فى المشبه به- وهو الأسد- حقيقة، واستعير اسم الأسد للجبان استعارة مصرحة (قوله: فى ضدّ معناها الحقيقى أو نقيضه) الضدّان: هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان، والنقيضان: الأمران اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأحدهما وجودىّ والآخر عدمّى (قوله: أى لتنزيل .. إلخ) تفسير لما مرّ (قوله: بواسطة تمليح) أى: الإتيان بشىء مليح مستظرف (وقوله: أو تهكّم) أى: استهزاء وسخرية (قوله: فبشّرهم بعذاب أليم) نزل التضادّ منزلة التناسب فشبه الإنذار بالبشارة بجامع إدخال السرور فى كلّ وإن كان تنزيليّا بالنسبة للمشبه، واستعير اسم البشارة للإنذار بسبب إدخال الإنذار فى جنس البشارة، واشتق من البشارة بشّر بمعنى أنذر على طريق الاستعارة التصريحية التبعية التهكمية أو التمليحية العنادية، فقول الشارح: استعيرت البشارة للنذارة أى: بعد تشبيه النذارة بالبشارة، ثم إنه إن أريد بالبشارة لفظها لم يصح وصفها بقوله التى هى .. إلخ، وإن أريد معناها لم يصح الحكم باستعارتها إذ المستعار إنما هو اللفظ، وقد يجاب بأن المراد الثانى، لكن فى الكلام حذف مضاف، والأصل: استعير اسم البشارة الذى هو لفظ البشارة.

стр. 1802

بما يظهر سرورا فى المخبر به- للإنذار الذى هو ضده بإدخال الإنذار فى جنس البشارة على سبيل التهكم والاستهزاء وكقولك: رأيت أسدا- وأنت تريد جبانا- على سبيل التمليح والظرافة، ولا يخفى امتناع اجتماع التبشير والإنذار من جهة واحدة، وكذا الشجاعة والجبن. [أنواع الاستعارة باعتبار الجامع]: (و) الاستعارة (باعتبار الجامع) ... === (قوله: بما يظهر) أى: بخبر يظهر سرورا (وقوله: فى المخبر به) أى: فى وجه الشخص المخبر بذلك الخبر (قوله: للإنذار) متعلق باستعيرت، وقوله: الذى هو ضده أى: فهو الإخبار بما يظهر عبوسا فى وجه الشخص المخبر به (قوله: الذى هو ضده) أى: ضد البشارة وتذكير الضمير نظرا لكونها إخبارا أو ضد الإخبار (قوله: بإدخال الإنذار) متعلق باستعيرت أى: بسبب إدخال الإنذار فى جنس البشارة لتنزيل التضادّ منزلة التناسب بواسطة التهكّم أو التمليح (قوله: على سبيل التهكم والاستهزاء) العطف للتفسير وكان عليه أن يزيد" والتمليح"، وكذا قوله: بعد على سبيل التمليح والظرافة العطف فيه للتفسير، وكان عليه أن يزيد والاستهزاء؛ لأن كلا من مثال المتن ومثال الشارح يصلح للتهكم وللتمليح كما علمت (قوله: ولا يخفى: إلخ) هذا بيان لكون الاستعارة فى" وبشّرهم" عنادية (قوله: من جهة واحدة) أى: بحيث يكون المبشر به هو المنذر به والمبشر هو المنذر، وأما من جهتين فيتأتى بأن يخبرك مخبر بأن فلانا يريد ضربك وكسوتك بعد ذلك (قوله: وكذا الشجاعة والجبن) أى: لا يمكن اجتماعهما من جهة واحدة، وأما من جهتين فهو ممكن- ألا ترى قول الشاعر: أسد علىّ وفى الحروب نعامة (قوله: وباعتبار الجامع قسمان) قد يقال: ينبغى أن تكون الاستعارة باعتبار الجامع أربعة أقسام؛ لأنه إما داخل فى مفهوم الطرفين أو خارج عنهما، أو داخل فى مفهوم أحدهما وخارج عن مفهوم الآخر، ويمكن أن يقال: إن المصنف آثر الاختصار فجعلهما قسمين يندرج فيها الأقسام الأربعة.

стр. 1803

أى: ما قصد اشتراك الطرفين فيه (قسمان؛ لأنه) أى: الجامع (إما داخل فى مفهوم الطرفين) المستعار له، والمستعار منه (نحو: قوله: ﷺ (١): " خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه (كلّما سمع هيعة طار إليها) أو رجل فى شعفة فى غنيمة له يعبد الله تعالى حتى يأتيه الموت". === الأول: أن يكون داخلا فى مفهوم الطرفين، والثانى: أن لا يكون داخلا فى مفهومهما وهو شامل لما يكون خارجا عنهما وما يكون داخلا فى مفهوم أحدهما خارجا عن مفهوم الآخر؛ ولعلّه لذلك عبّر فى الثانى بغير داخل لا بخارج عن مفهومهما (قوله: أى ما قصد اشتراك .. إلخ) وهو الذى يسمى فى التشبيه وجه الشبه؛ لأنه سبب للتشبيه، وسموه هنا جامعا؛ لأنه أدخل المشبه تحت جنس المشبه به ادعاء وجمعه مع أفراد المشبه به تحت مفهومه، واعلم: أن الجامع فى الاستعارة هو متعلق العلاقة؛ وذلك لأن العلاقة فى قولك: رأيت أسدا لإنسان هو المشابهة فى الشجاعة فالجامع هو الشجاعة؛ لأن بسببها أدخل المشبه فى جنس المشبه به ادّعاء وجمع مع أفراده تحت مفهومه (قوله: إما داخل فى مفهوم الطرفين) أى: بأن يكون جزءا من مفهومهما لكونه جنسا أو فصلا لذلك المفهوم (قوله: بعنان) هو [بكسر العين] اللجام (قوله: طار إليها) أى: عدا إليها فشبه العدو- الذى هو قطع المسافة بسرعة فى الأرض- بالطيران- الذى هو قطع المسافة بسرعة فى الهواء- واستعار اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الطيران طار بمعنى عدا، والجامع قطع المسافة بسرعة وهو داخل فى مفهوم كلّ من المستعار له- وهو العدو- والمستعار منه- وهو الطيران-؛ لأنه جنس لكلّ منهما، وفصل العدو المميز له عن الطيران كونه فى الأرض كما أن الفصل المميز للطيران كونه فى الهواء، وإسناد الطيران فى الحديث للرجل مجاز عقلى، والأصل طار فرسه بسعيه إليها (قوله: أو رجل .. إلخ) " أو" للتقسيم فخير الناس مقسم لهذين القسمين، وليست للترديد. (قوله: فى شعفة) بفتح الشين المعجمة وتحريك العين المهملة وبعدها فاء (قوله: فى غنيمة) فى بمعنى مع وهو حال من الضمير المستتر فى الظرف، أو أنها باقية على حالها

стр. 1804

قال جار الله: الهيعة: الصيحة التى يفزع منها، وأصلها من: هاع، يهيع، إذا جبن. والشّعفة: رأس الجبل، والمعنى: خير الناس رجل آخذ بعنان فرسه، واستعد للجهاد فى سبيل الله، أو رجل اعتزل الناس وسكن فى رؤوس بعض الجبال فى غنم له قليل يرعاها، ويكتفى بها فى أمر معاشه، ويعبد الله حتى يأتيه الموت. استعار الطيران للعدو، والجامع داخل فى مفهومها (فإن الجامع بين العدو والطيران هو قطع المسافة بسرعة، وهو داخل فيهما) أى: فى العدو والطيران، ... === بدل من شعفة بدل اشتمال، والرابط محذوف والتقدير له (قوله: قال جار الله) أى: جار بيت الله الحرام، والمراد به العلّامة محمود الزمخشرى (قوله: الصيحة) هى الصوت المفزع أى: الموجب للفزع والخوف (فقوله: التى يفزع منها) أى: يخاف من أجلها (قوله: إذا جبن) أى: فالهيعة فى الأصل معناها الجبن، واستعمالها فى الصيحة مجاز مرسل من استعمال اسم المسبب فى السبب؛ وذلك لأن الصيحة لما أوجبت الخوف- الذى هو الجبن- سميت باسمه وهو الهيعة (قوله: واستعد للجهاد) أى: بحيث إذا سمع أصوات المسلمين المجاهدين عند المحاربة والمقاتلة قدم لهم بسرعة، وأخذ قوله: واستعد للجهاد من قوله: ممسك بعنان فرسه- فهو كناية عن الاستعداد للجهاد لاستلزامه إياه (قوله: آخذ بعنان فرسه) يصح قراءته بصيغة اسم الفاعل، ويرشحه قوله فى الحديث: ممسك، ويصح قراءته فعلا ماضيا، ويرشحه قوله بعد: واستعد للجهاد (قوله: فى بعض رؤوس الجبال) أخذ البعضية من المعنى؛ لأن قوله فى الحديث فى شعفة المراد منه فى أى شعفة، وليس المراد منه فى كل شعفة لاستحالة ذلك (قوله: قليل) أخذ القلّة من التصغير (قوله: للعدو) أى: عدو الفرس وهو ذهابها للحرب بسرعة. (قوله: فإن الجامع بين العدو) أى: الذى هو المستعار له (وقوله: والطيران) أى: الذى هو المستعار منه (قوله: وهو) أى: قطع المسافة بسرعة داخل فيهما أى: لأنه جنس من مفهوم كلّ منهما؛ لأن الطيران قطع المسافة بسرعة فى الهواء، والعدو: قطع

стр. 1805

إلا أنه فى الطيران أقوى منه فى العدو، والأظهر: أن الطيران هو قطع المسافة بالجناح والسرعة لازمة له فى الأكثر، لا داخلة فى مفهومه. فالأولى: أن يمثل باستعارة التقطيع الموضوع لإزالة الاتصال بين الأجسام الملتزقة بعضها ببعض ... === المسافة بسرعة فى الأرض (قوله: إلا أنه) أى: ذلك الجامع- الذى هو قطع المسافة بسرعة- فى الطيران أقوى منه فى العدو، فلذا جعل الطيران مشبها به، والعدو مشبها لوجوب كون المشبه به أقوى من المشبه فى وجه الشبه الذى هو الجامع (قوله: والأظهر .. إلخ) قصد الشارح المناقشة فى قول المصنف: فإن الجامع هو قطع المسافة بسرعة حيث جعل السرعة جزءا من الجامع الواقع جنسا للطرفين (قوله: والسرعة لازمة له) أى: للطيران (وقوله: فى الأكثر) أى: بالنظر للغالب، ومن غير الغالب يكون الطيران قطع المسافة بالجناح من غير سرعة (قوله: لا داخلة فى مفهومه) أى: وليست السرعة داخلة فى مفهوم الطيران، بحيث إنه لا يوجد بدونها بخلاف العدو، فإن السرعة لازمة له فهو عبارة عن قطع المسافة بسرعة بقوائم، وحيث كانت السرعة لازمة للطيران وداخلة فى مفهوم العدو فلا يكون الجامع داخلا فى مفهوم الطرفين؛ لأنه فى أحدهما لازم لا جنس، وحينئذ فلا يتم ما قاله المصنف من التمثيل ولا ما ذكره بعد، وإنما عبّر الشارح بالأظهر لإمكان الجواب بأن الملتفت له فى الجامع قطع المسافة فى كلّ لا نفس السرعة، ولا شك أن قطع المسافة داخل فى مفهوم الطرفين، أو للإشارة إلى أن كون الطيران ما ذكر ليس قطعيّا (قوله: فالأولى إلخ) عبّر بالأولى لما مرّ من أن مبنى الاعتراض ليس قطعيّا ولإمكان الجواب عنه بما مرّ؛ ولأن المشاحة فى الأمثلة ليست من دأب المحصلين؛ لأنها تذكر لإيضاح القاعدة على تقدير صحتها، لكن الأولى أن تكون صحيحة (قوله: أن يمثل) أى: للاستعارة التى فيها الجامع داخل فى مفهوم الطرفين (قوله: باستعارة التقطيع) أى: باستعارة هذا اللفظ (وقوله: الموضوع لإزالة الاتصال بين الأجسام الملتزقة بعضها ببعض) المناسب لقوله بعد: والجامع إزالة الاجتماع .. إلخ- أن يقول الموضوع لإزالة الاجتماع بقيد كون الأشياء المجتمعة ملتزقا بعضها ببعض لأجل أن يظهر كون الجامع المذكور داخلا فى مفهوم التقطيع وإن كان إزالة الاتصال هو فى معنى إزالة الاجتماع- تأمل من

стр. 1806

لتفريق الجماعة، وإبعاد بعضها عن بعض فى قوله تعالى: وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً (١)، والجامع إزالة الاجتماع الداخلة فى مفهومها، وهى فى القطع أشد، === تقرير شيخنا العدوى. (قوله: لتفريق الجماعة وإبعاد بعضها عن بعض) أى: الموضوع لإزالة الاجتماع بقيد كون الأشياء المجتمعة غير ملتزق بعضها ببعض، والعطف فى قول الشارح: وإبعاد بعضها عن بعض للتفسير. (قوله: الداخلة فى مفهومهما) أى: فى مفهوم التقطيع والتفريق، وذلك لما علمت أن مفهوم التقطيع: إزالة الاجتماع بقيد كون الأشياء المجتمعة ملتزقا بعضها ببعض، وأن مفهوم تفريق الجماعة وإبعاد بعضها عن بعض: إزالة الاجتماع بقيد كون الأشياء المجتمعة غير ملتزقة، فقد أخذ الجامع- وهو إزالة الاجتماع- فى حد كلّ منهما على أنه جنس له، وقيد كون الأشياء المجتمعة ملتزقا بعضها ببعض فصلا فى الأول مميزا له عن الثانى، وقيد كونها غير ملتزقة فصلا فى الثانى مميزا له عن الأول (قوله: وهى) أى: إزالة الاجتماع فى القطع- أشد أى: أقوى لتأثيرها فى الاتصال الأشد، وتقرير الاستعارة فى الآية المذكورة أن يقال: اعتبر تشبيه التفريق بالتقطيع بجامع إزالة الاجتماع فى كلّ واستعير التقطيع للتفريق، واشتق من التقطيع قطّعنا بمعنى فرّقنا فهى استعارة تصريحية تبعية (قوله: والفرق .. إلخ) هذا جواب عما يقال: إنهم جعلوا إطلاق التقطيع على تفريق الجماعة استعارة، وجعلوا إطلاق المرسن- الذى هو: اسم لمحل الرسن- أعنى: أنف الدابة على أنف الإنسان- مجازا مرسلا، مع أنه قد اعتبر فى كلّ من المعنى الحقيقى للتقطيع، والمرسن وصف خاصّ به غير موجود فى المعنى المستعمل فيه اللفظ مجازا؛ وذلك لأن المرسن اعتبر فى المعنى الذى وضع له ذلك اللفظ خصوص كونه أنفا لبهيمة يجعل فيه الرسن، والتقطيع اعتبر فى المعنى الذى وضع له الالتزاق فى الأشياء التى زال اجتماعها، وحيث اعتبر فى المعنى الحقيقى لكلّ من اللفظين وصف خاص به لم يوجد فى معناه المجازى فلم جعل إطلاق التقطيع على تفريق الجماعة استعارة وإطلاق المرسن على أنف الإنسان مجازا مرسلا؟ وهلّا جعل كل منهما مجازا مرسلا أو استعارة، وما الفرق بينهما؟

стр. 1807

والفرق بين هذا وبين إطلاق المرسن على الأنف مع أن فى كلّ من المرسن والتقطيع خصوص وصف ليس فى الأنف وتفريق الجماعة- هو أن خصوص الوصف الكائن فى التقطيع مرعى فى استعارته لتفريق الجماعة، بخلاف خصوص الوصف فى المرسن. والحاصل: أن التشبيه هنا منظور ... === (قوله: والفرق بين هذا) أى: إطلاق التقطيع على تفريق الجماعة، حيث جعل استعارة (قوله: وبين إطلاق المرسن على الأنف) أى: على أنف الإنسان حيث جعل مجازا مرسلا (قوله: خصوص وصف) أى: وصفا خاصّا (وقوله: ليس فى الأنف) أى: ليس فى أنف الإنسان، وهذا راجع لقوله: فى المرسن (وقوله: وتفريق الجماعة) راجع لقوله: والتقطيع، وأصل العبارة: مع أن فى المرسن وصفا خاصا ليس فى أنف الإنسان، وكذلك فى التقطيع وصف خاصّ ليس فى تفريق الجماعة، وقد علمت أن الوصف الخاصّ فى المرسن كونه أنفا لبهيمة يجعل فيه الرسن، ولا شك أن هذا غير موجود فى أنف الإنسان، والوصف الخاصّ فى التقطيع التزاق الأجسام التى زال اجتماعها، ولا شك أن هذا غير موجود فى تفريق الجماعة لما علمت أن التفريق: إزالة الاجتماع بين الأجسام غير الملتزقة (قوله: هو أن خصوص الوصف .. إلخ) هذا خبر عن قوله: والفرق، وتوضيح ذلك: أن الاستعارة تعتمد التشبيه، والتشبيه الذى تبنى عليه الاستعارة يقتضى قوة المشبه به عن المشبه فى وجه الشبه، فالوصف الخاصّ الكائن فى التقطيع لما روعى ولوحظ صار التقطيع بمراعاته أقوى من التفريق فى إزالة الاجتماع، فصح أن يشبه التفريق- الذى هو أضعف- بالتقطيع- الذى هو أقوى- ويدعى أنه من أفراده واستعارة اسمه له، وأما الوصف الخاص الذى فى المرسن لما لم يلاحظ، وإنما لوحظ الإطلاق والتقييد لم يكن استعارة، بل مجازا مرسلا لعدم التشبيه، فلو لوحظ ذلك الوصف الخاص بحيث يجعل المرسن مشبها به لأجل ذلك الوصف لكان أيضا استعارة كما أن الوصف فى التقطيع إذا لم يلاحظ كان مجازا مرسلا أيضا، وربما أوهم كلام الشارح أن كون المرسن مجازا مرسلا، وأن كون التقطيع استعارة أمر لازم وليس كذلك. (قوله: والحاصل) أى: وحاصل الفرق بين التقطيع والمرسن (قوله: أن التشبيه) أى: أن المشابهة التى هى علاقة الاستعارة، فاندفع ما يقال: إن الاستعارة مبنية على تناسى التشبيه (قوله: هنا) أى فى استعارة التقطيع لتفريق الجماعة (قوله: منظور) أى:

стр. 1808

بخلافه ثمة. فإن قلت: قد تقرر فى غير هذا الفن أن جزء الماهية لا يختلف بالشدة والضعف، فكيف يكون جامعا، والجامع يجب أن يكون فى المستعار منه أقوى؟ قلت: امتناع الاختلاف إنما هو ... === ملحوظ ضمنا فكان استعارة (قوله: بخلافه ثمة) أى: بخلاف استعمال المرسن فى الأنف فإن التشبيه غير ملاحظ فيه، وإنما لوحظ فيه الإطلاق والتقييد حيث استعمل اسم المقيد فى المطلق فكان مجازا مرسلا (قوله: فإن قلت .. إلخ) هذا وارد على قول المصنف؛ لأن الجامع إما داخل فى مفهوم الطرفين، وحاصله: أن الحكم بدخول الجامع فى الطرفين مخالف لما تقرر فى فن الحكمة من أن جزء الماهية لا يختلف بالشدة والضعف، ومعلوم أن الجامع فى الاستعارة يجب أن يكون فى المستعار منه أقوى منه فى المستعار له، فالدخول فى مفهوم الطرفين يقتضى عدم التفاوت وكونه جامعا يقتضى التفاوت، وهل هذا إلا جمع بين متناقضين والجمع بينهما باطل؟ ! فما أدى إلى ذلك وهو كون الجامع داخلا فى مفهوم الطرفين باطل (قوله: فى غير هذا الفن) المراد بذلك الغير فن الحكمة، (وقوله: إن جزء الماهية) أى: كالحيوانية والناطقية بالنسبة للإنسان (وقوله: لا يختلف .. إلخ) أى: لامتناع التشكك فى الذاتيات، فالحيوانية التى فى زيد ليست أقوى منها حالة كونها فى عمرو، وكذلك الناطقية، بل التى فى زيد مساوية للّتى فى عمرو (قوله: والجامع يجب .. إلخ) جملة حالية (وقوله: أقوى) أى من نفسه حالة كونه فى المستعار له وإنما وجب ذلك لتكون الاستعارة مقيدة وقيد بالمستعار منه ليخرج التشبيه فإنه لا يجب فيه كون الجامع أقوى فى أحد الطرفين؛ لأن التشبيه قد يقصد به بيان الحال وهذا يكفى فيه مساواة الطرفين فى الجامع (قوله: قلت: امتناع الاختلاف .. إلخ) حاصل هذا الجواب: أن امتناع الاختلاف بالشدة والضعف فى أجزاء الماهية ليس مطلقا، بل بالنسبة للماهية الحقيقية- وهى المركبة من الذاتيات- لا الاعتبارية أى: التى اعتبروا لها مفهوما مركبا من أمور غير ذاتيات لها، والماهية المفهومة من اللفظ لا يجب أن تكون ماهية حقيقية، بل تارة تكون حقيقية فلا تختلف أجزاؤها بالشدة والضعف، فلا يصح أن يكون الجامع داخلا فى مفهوم الطرفين

стр. 1809

فى الماهية الحقيقية، والمفهوم لا يجب أن يكون ماهية حقيقية، بل قد يكون أمرا مركبا من أمور بعضها قابل للشدة والضعف، فيصح كون الجامع داخلا فى مفهوم الطرفين مع كونه فى أحد المفهومين أشد وأقوى. ألا ترى أن السواد جزء من مفهوم الأسود- أعنى: المركب من السواد والمحل- مع اختلافه بالشدة والضعف. (وإما غير داخل) عطف على إما داخل (كما مرّ) من استعارة الأسد للرجل الشجاع، والشمس للوجه المتهلل، ونحو ذلك؛ لظهور أن الشجاعة === مع كونه فى أحدهما أشد، وتارة تكون اعتبارية مركبة من أمور بعضها قابل للشدة والضعف، فيصح كون الجامع داخلا فى مفهوم الطرفين مع كونه فى أحدهما أشد (قوله: فى الماهية الحقيقية) أى: وهى المركبة من الأجناس والفصول التى ظفروا بها خارجا لا الحقائق النوعية الراجعة إلى حقائق الجواهر فقط أو الأعراض فقط التى أجزاؤها فى الذهن مختلفة وفى الوجود الخارجى متحدة، كحقيقة الإنسان والفرس وحقيقة البياض والسواد (قوله: والمفهوم) أى والماهية المفهومة من اللفظ (قوله: بل قد يكون) أى: مفهوم اللفظ (وقوله: أمرا مركبا) أى: أمرا اعتباريّا أى: اعتبروه مركبا من أمور .. إلخ- كمفهوم الأسود المركب من الذات والسواد. (قوله: أعنى المركب) أى: أعنى بمفهوم الأسود المركب من السواد والمحل أى: الذات فهو أى: مفهوم الأسود مركب من أمرين الجوهر- الذى هو الذات- والعرض- الذى هو وصف السواد- (وقوله: مع اختلافه) أى: السواد بالشدة والضعف. (قوله: وإما غير داخل) أى: فى مفهوم الطرفين، وهذا صادق بأقسام ثلاثة: بأن يكون خارجا عن مفهومهما معا كما فى مثال الشارح، أو يكون خارجا عن مفهوم المشبه فقط: كقطع المسافة بسرعة فى استعارة الطيران بناء على دخوله فى مسمى العدو ولزومه لمسمى الطيران، أو يكون خارجا عن مفهوم المشبه فقط، كما لو استعير العدو للطيران فى الهواء بسرعة بناء على أن السرعة داخلة فى مفهوم العدو وغير داخلة فى مفهوم الطيران (قوله: المتهلل) أى: المتلألئ المتنور. ففى المختار: تلألأ السحاب ببرقه

стр. 1810

عارض للأسد، لا داخل فى مفهومه، وكذا التهلل للشمس. (وأيضا) للاستعارة تقسيم آخر باعتبار الجامع، وهو أنها (إما عامّيّة، وهى المبتذلة لظهور الجامع فيها، نحو رأيت أسدا يرمى، أو خاصية- وهى الغريبة) التى لا يطّلع عليها إلا الخاصّة الذين أوتوا ذهنا به ارتفعوا عن طبقة العامّة. (والغرابة قد تكون فى نفس الشبه) بأن يكون تشبيها فيه نوع غرابة ... === تلألؤا وتهلّل وجه الرجل من فرحه: تلألأ وتنور (قوله: عارض للأسد) أى: كما أنه عارض للرجل الشجاع، لأن المشبه ذات الرجل المقيد بالشجاعة والمشبه به الحيوان المقيد بها أيضا، والقيد خارج عن المقيد (قوله: وكذا التهلل للشمس) أى: وللوجه، فالجامع فى المثالين خارج عن الطرفين (قوله: إما عامّيّة) أى: يدركها عامّة الناس ويصح منهم استعمالها فعامية نسبة للعامّة وهم ما قابل الخاصّة (قوله: وهى المبتذلة) من البذلة وهى المهنة، فكأن الاستعارة لما بلغت إلى حد تستعمله العامة صارت ممتهنة مبتذلة. (قوله: نحو رأيت أسدا يرمى) أى: فإن الأسد مستعار للرجل الشجاع والجامع بينهما- وهو الجراءة- أمر واضح يدركه كل أحد لاشتهار الأسد بها (قوله: أو خاصية) أى: لا يعرفها إلا الخواص من الناس وهم الذين أوتوا ذهنا به ارتفعوا عن طبقة العامة (قوله: وهى الغريبة) أى: البعيدة عن العامة، أما الخاصة فإنهم يدركونها لسرعة سيرهم (قوله: التى لا يّطلع .. إلخ) بيان للغريبة فهو خبر لمحذوف لا أنه وصف مخصص أى: وهى التى لا يطلع عليها أى: على جامعها أى: لا يهتدى إلى الجامع الكائن فيها إلا الخواصّ (قوله: والغرابة قد تكون .. إلخ) أشار بهذا إلى أن الغرابة فى الاستعارة كما تكون بخفاء الجامع بين الطرفين بحيث لا يدركه إلا المتسع فى الحقائق والدقائق المحيط علما بما لا يمكن لكل أحد- تكون أيضا بالغرابة فى نفس الشبه أى: إيقاع المشابهة بين الطرفين (فقوله: فى نفس الشبه) أى: فى التشبيه نفسه لا فى وجه الشبه كما يدل عليه قول الشارح: بأن يكون تشبيها فيه نوع غرابة (قوله: بأن يكون .. إلخ) أى: وذلك بأن يكون أصل الاستعارة تشبيها فيه نوع غرابة- كأن يكون تشبيه هذا الأمر بهذا الأمر غريبا ونادرا، وإن كان كل واحد من المشبهين كثيرا فى ذاته كما فى المثال الآتى، فإن إيقاع العنان بالقربوس

стр. 1811

(كما فى قوله: ) فى وصف الفرس بأنه مؤدب، وأنه إذا نزل عنه، وألقى عنانه فى قربوس سرجه- وقف مكانه إلى أن يعود إليه (١): (وإذا احتبى قربوسه) أى: مقدم سرجه (بعنانه) === وجمع الرجل ظهره وساقيه بالثوب واقع بكثرة، والنادر إنما هو تشبيه أحدهما بالآخر (قوله: كما فى قوله) أى: قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك (قوله: قربوسه) القربوس: بفتح الراء ولا يخفف بالسكون إلا فى الشعر؛ لأن فعلولا نادر لم يأت عليه غير صعفوق- وهو اسم عجمى غير منصرف للعلمية والعجمة- وأما خرنوب: بفتح الخاء- وهو نبت يتداوى به- فضعيف والفصيح الضم، وكذا سحلول وهو أول الريح- اه فنرى. ثم إنه يحتمل أن يكون قربوسه فاعل احتبى بتنزيل القربوس منزلة الرجل المحتبى، فكأن القربوس ضم فم الفرس إليه بالعنان كما يضم الرجل ركبتيه إلى ظهره بثوب مثلا، ويحتمل أن يكون قربوسه مفعول احتبى مضمنا معنى جمع، والفاعل على هذا ضمير عائد على الفرس، فكأنه يقول: وإذا جمع هذا الفرس قربوسه بعنانه إليه كما يضم المحتبى ركبتيه إليه، فعلى الأول ينزل وراء القربوس فى هيئة التشبيه منزلة الظهر من المحتبى وفم الفرس منزلة الركبتين، وعلى الثانى بالعكس أى: ينزل القربوس فى الهيئة منزلة الركبتين، وفم الفرس منزلة الظهر والوجه الأول، وإن كان فيه مناسبة ما من جهة أن الركبتين فيهما شيئان كفكى فم الفرس مع التفاوت فى المقدار، والقربوس متحدب كوسط الإنسان وخلفه كظهره، لكن فيه بعد من جهة أن القربوس فى الهيئة أعلى وكذا الركبتان، والفم أسفل وكذا الظهر، وحينئذ فالوجه الثانى- لهذا الاعتبار- أولى؛ لأنه أدلّ عليه فهو أسدّ فى تحقق التشابه (قوله: أى مقدم سرجه) كتب شيخنا الحفنى: أن هذا تفسير مراد، وإلا فالقربوس- كما فى الصحاح- هو السرج، وعليه فقوله فى البيت: قربوسه: من إطلاق الكل وإرادة البعض على طريق المجاز المرسل- اه، لكن الذى ذكره العلّامة عبد الحكيم: أن الذى فى النسخ الصحيحة من الصحاح أن القربوس مقدم السرج كما قال الشارح (قوله: بعنانه) أى: بلجامه (وقوله: إلى انصراف

стр. 1812

علك الشّكيم إلى انصراف الزّائر الشكيم، والشكيمة: هى الحديدة المعترضة فى فم الفرس. وأراد بالزائر: نفسه. شبه هيئة وقوع العنان فى موقعه ... === الزائر) أى: من عند مزوره (قوله: المعترضة فى فم الفرس) أى: المدخلة فى فم الفرس مجعولا فى ثقبها الحلقة الجامعة لذقن الفرس إلى تلك الحديدة (قوله: وأراد بالزائر نفسه) أى: نفس القائل لا شخص آخر، والأصل: إلى انصرافى، فعبر عن نفسه بالزائر للدلالة على كمال تأدبه حيث يقف مكانه وإن طال مكثه كما هو شأن الزائر للحبيب، ويدل على ذلك البيت الذى قبله وهو: عوّدته فيما أزور حبائبى ... إهماله وكذاك كلّ مخاطر أى: عوّدت ذلك الفرس الإهمال والترك عند زيارة الأحبة وعند فعل كل أمر خطير مهم (قوله: شبه هيئة وقوع .. إلخ) أى: شبهت الهيئة الحاصلة من وقوع العنان فى موضعه من قربوس السرج بالهيئة الحاصلة من وقوع الثوب فى موضعه من ركبتى المحتبى، ووجه الشبه هو هيئة إحاطة شىء لشيئين ضامّا أحدهما إلى الآخر على أن أحدهما أعلى والآخر أسفل، واستعير الاحتباء- وهو ضم الرجل ظهره وساقيه بثوب- وشبهه لإلقاء العنان ووقوعه فى قربوس السرج لأجل ضم رأس الفرس إلى جهته، واشتق من الاحتباء احتبى بمعنى وقع على طريق الاستعارة التصريحية التبعية هذا حاصل كلام الشارح، قال العلّامة يس ما حاصله: لا يخفى أن الكلام فى الاستعارة التى هى مجاز مفرد، وقد مرّ أن كلّا من طرفى التشبيه إذا كان هيئة كانا مركبين، وحينئذ يجب أن يكون المستعار أيضا مركبا فتكون الاستعارة تمثيلية لا مما فيه الكلام مع أن المثال أيضا ليس كذلك، إذ لم يقل الشارح: واستعار هيئة الاحتباء لهيئة وقوع العنان فى قربوس السرج، بل جعل كلّا من المستعار والمستعار له مفردا، فالأولى للشارح أن يقول: شبه إيقاع العنان بالقربوس بجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب ونحوه، واستعير الاحتباء لوقوع العنان بالقربوس واشتق من الاحتباء احتبى بمعنى وقع، وحاصل الجواب: أن المشابهة بين الفعلين لما لم تكن

стр. 1813

من قربوس السرج ممتدّا إلى جانبى فم الفرس بهيئة وقوع الثوب فى موقعه من ركبتى المحتبى ممتدّا إلى جانبى ظهره، ثم استعار الاحتباء- وهو جمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو غيره- لوقوع العنان فى قربوس السرج. فجاءت الاستعارة غريبة لغرابة الشبه. === باعتبار ذاتهما، بل باعتبار الهيئتين. قال الشارح: شبه هيئة .. إلخ: إشارة إلى أن التشبيه ملحوظ من حيث الهيئة لكونها جامعا ولم يرد الاستعارة المركبة، وبهذا تعلم أن قوله: واستعار الاحتباء لوقوع .. إلخ، هو المطابق للمقام، وأن قول الناصر اللقانى فى حواشى المطول: الأولى: واستعار هيئة الاحتباء لهيئة وقوع العنان فى القربوس ليطابق ما قبله لا يوافق المرام- انتهى. والحاصل: أن المشبه به فى الحقيقة هو الاحتباء- وهو ضم الرجل ظهره وساقيه بثوب وشبهه كالحبل- والمشبه الذى نقل له لفظ الاحتباء هو إلقاء العنان على القربوس لأجل ضم رأس الفرس إلى جهته، وقد اشتمل كلّ منهما على هيئة تركيبية لاقتضائه محيطا مربعا ومضموما إليه مع كون أحد المضمومين أرفع من الآخر، وهذه الهيئة نشأت فى التعقل من إيقاع العنان أو الثوب مثلا فى موقعه- الذى هو القربوس- وضم الفرس فى الأول والظهر والساقين فى الثانى، فحيث قلنا: شبه إلقاء العنان على القربوس لأجل ضم فم الفرس لجهته بضم الساقين للظهر، فذلك التشبيه إنما هو باعتبار الهيئة المذكورة التى تضمنها كلّ منهما؛ لأن بها يظهر التشبيه، وأما ذات الفعلين من غير اعتبارها، فلا يتضح فيه التشبيه، فالتشبيه هنا واقع بين مفردين باعتبار ما تضمنه كلّ منهما من الهيئة، لا أنه واقع بين هيئتين كما توهمه السائل، ومعلوم أن تضمن كلّ من الطرفين المفردين هيئة لا يخرجه عن كونه مفردا كما تقدم فى تشبيه العنقود بالثريّا، بخلاف ما إذا كان كلّ منهما هيئة، فإنه يكون مركبا فظهر كون المثال من قبيل الاستعارة الإفرادية لا التمثيلية، وأن قول الشارح: شبه هيئة .. إلخ على حذف مضاف أى: شبه لازم هيئة .. إلخ- فتأمل. (قوله: من قربوس السرج) يجوز أن تكون من بيانا لموقعه؛ لأن القربوس موقع العنان، وأن تكون تبعيضية؛ لأن الموقع بالفعل بعض القربوس- والأول أظهر (قوله: لغرابة الشبه)

стр. 1814

(وقد تحصل) الغرابة (بتصرف فى) الاستعارة (العامّيّة كما فى قوله: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... (وسالت بأعناق المطىّ الأباطح) (١) جمع: أبطح؛ وهو مسيل الماء فيه ... === وجه الغرابة فى هذا الشبه. أن الانتقال إلى الاحتباء الذى هو المشبه به عند استحضار إلقاء العنان على القربوس للفرس فى غاية الندور؛ لأن أحدهما من وادى القعود والآخر من وادى الركوب مع ما فى الوجه من دقة التركيب وكثرة الاعتبارات الموجبة لغرابة إدراك وجه الشبه وبعده عن الأذهان (قوله: وقد تحصل .. إلخ) عطف على قوله سابقا: قد تكون أى. أن الغرابة قد تكون فى نفس التشبيه وقد تحصل .. إلخ (قوله: بتصرف .. إلخ) أى: وذلك التصرف هو أن يضم إلى تلك الاستعارة تجوّز آخر لطيف اقتضاه الحال وصححته المناسبة (قوله: كما فى قوله) أى: قول الشاعر وهو كثيرّ عزّة، وهذا البيت من قصيدة من الطويل، وقبله: ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح وشدّت على دهم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادى الذى هو رائح أخذنا ... البيت (قوله: كل حاجة) أى: من رمى الجمار وغيره، والدهم: جمع دهماء وهى السوداء، والمهارى [بفتح الراء وكسرها] جمع مهرية وهى الناقة المنسوبة إلى مهرة بن حيدان [بكسر الحاء وفتحها] بطن من قضاعة هذا معناه فى الأصل، ثم صارت المهرية تطلق على كل نجيبة من الإبل، وينظر بمعنى ينتظر، والغادى هو السائر من الصباح للظهر والرائح هو السائر من الظهر للغروب (وقوله: أخذنا بأطراف .. إلخ) أى: شرعنا فى أطراف .. إلخ، وأطراف الأحاديث: فنونها وأنواعها فهو جمع طرف [بالتحريك] بمعنى الناحية، والأباطح: جمع أبطح وهى محل سيل الماء الذى فى الحصى الدقيق ضد الغليان، وحينئذ فالمعنى: لما فرغنا من أداء المناسك فى الحج ومسحنا أركان البيت لطواف الوداع وغيره وشددنا الرحال- وهى ما يحمل من الأخبية- وغيرها على المطايا، وارتحلنا ارتحال الاستعجال

стр. 1815

دقاق الحصى. استعار سيلان السيول الواقعة فى الأباطح لسير الإبل سيرا حثيثا فى غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة. والشبه فيه ظاهر عامّىّ، لكن قد تصرف فيه بما أفاد اللطف والغرابة. (إذ أسند الفعل) أعنى: سالت (إلى الأباطح دون المطى) وأعناقها حتى أفاد أنه امتلأت الأباطح من الإبل، ... === بحيث لا ينتظر السائرون فى الغداة السائرين فى الرواح للاشتياق إلى البلاد أخذنا نتحدث بفنون الأحاديث وأنواعها، وفى حال أخذنا بأطراف الأحاديث أخذت المطايا فى سرعة السيل السلس المتتابع الشبيه بسيل الماء فى تتابعه وسرعته (قوله: دقاق الحصى) الدقاق: بضم الدال بمعنى الدقيق فهو اسم مفرد، ولا يجوز أن يكون بكسرها على أنه جمع دقيق ككريم وكرام- كما قيل؛ لأن جمع فعيل على فعال خاصّ بالعاقل- كما فى عبد الحكيم. (قوله: حثيثا) أى: مسرعا، يقال: ولّى حثيثا أى: مسرعا حريصا- قاله الفنرى. (قوله: وسلاسة) أى: سهولة (قوله: والشبه) أى: ووجه الشبه وهو قطع المسافة بسرعة (قوله: عامّىّ) أى: يعرفه الخاصة والعامّة ... (قوله: إذ أسند الفعل) يعنى المجازى وهو سالت المستعار لسارت، وهذا علّة لمحذوف أى: وإنما كانت الاستعارة العامية هنا متصرفا فيها بما صارت به غريبة؛ لأنه أسند الفعل (قوله: دون المطى) أى: الذى حقه أن يسند إليه (قوله: وأعناقها) أى: ودون أعناقها (قوله: حتى أفاد) أى: ذلك الإسناد (وقوله: أنه) أى: الحال والشأن أى: حتى أفاد ذلك الإسناد أن الأباطح امتلأت من الإبل؛ وذلك لأن نسبة الفعل الذى هو صفة الحال إلى المحلّ تشعر بشيوعه فى المحلّ وإحاطته بكله، وتوضيح ذلك: أن السيلان المستعار للسير حقه أن يسند للمطى؛ لأنها هى التى تسير، فأسنده الشاعر للأباطح التى هى محلّ السير فهو من إسناد الفعل لمحلّه إشارة إلى كثرة الإبل وأنها ملأت الأباطح؛ لأن نسبة الفعل الذى هو صفة الحال إلى المحلّ تشعر بشيوع الحالّ فى المحلّ وإحاطته بكله، فلا يسند الجريان للنهر، إلا إذا امتلأ النهر من الماء وكذا لا يقال: سارت الأباطح، إلا إذا امتلأت بالسائر فيها؛ لأنه قد جعل كل محل منها سائرا لاشتماله على ما هو سائر فيه،

стр. 1816

كما فى قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (١). (وأدخل الأعناق فى السير) لأن السرعة والبطء فى سير الإبل يظهران غالبا فى الأعناق، ... === فلو كان فى الأباطح محل خال من الإبل لصدق عليه أنه غير سائر لعدم اشتماله على ما يسير فيه (قوله: واشتعل الرأس شيبا) أى: انتشر شيب الرأس وظهر ظهورا تامّا، فأسند الاشتعال الذى هو وصف للشعر الحالّ فى الرأس إلى محلّه وهو الرأس إشعارا بأن ذلك الحالّ وهو الشعر ملأ المحلّ من أجل أن وصف الحالّ انتقل للمحلّ وصار وصفا له، فكل جزء من الرأس إنما وصف بالاشتعال لاشتعال ما فيه، فلو كان جزء منها خاليا من الشعر لصدق عليه أنه غير مشتعل لعدم اشتماله على المشتعل (قوله: وأدخل الأعناق فى السير) أى: أراد بإدخالها فى السير جرّها بباء الملابسة المقتضية لملابسة الفعل لها وأنها سائرة؛ لأن مرجع الملابسة إلى الإسناد، وحينئذ فيكون السيل مسندا للأعناق تقديرا، وذلك الإسناد مجاز عقلى، وحينئذ ففى الكلام مجازان عقليان: لفظى وهو إسناد السيل إلى الأباطح، وتقديرى وهو إسناده إلى الأعناق، فالبيت مشتمل على ثلاث مجازات أحدها: مجاز بالاستعارة، والآخران مجازان عقليان، فلما أن أضاف إلى الاستعارة هذين المجازين صارت الاستعارة غريبة (قوله: لأن السرعة والبطء .. إلخ) علّة لمحذوف أى: وإنما أدخل الأعناق فى السير وأسنده لها تقديرا؛ لأن سرعة السير وبطأه يظهران غالبا فيها فهى سبب فى فهم سرعة السير وبطئه، فلما كانت سببا فى فهم ذلك وإدراكه صارت كأنها سبب فى وجود السير، وحينئذ فإسناد السير تقديرا للأعناق من باب إسناد الشىء إلى ما هو كالسبب فيه، والحاصل: أن الشاعر استعار سيل الماء لسير الإبل فى المحلّ الذى فيه دقيق الحصى استعارة مبتذلة لكثرة استعمالها، ثم أضاف إليها ما أوجب غرابتها وهو تجوّز آخر، وذلك بأن أسند السيلان الذى هو وصف للإبل فى الأصل إلى محلّه من باب إسناد ما للحالّ إلى المحلّ إشعارا بكثرتها وأدخل الأعناق فى السير، حيث قال: وسالت بأعناق المطى الأباطح أى: وسالت الأباطح ملتبسة بأعناق المطى، فقد تضمن ذلك الكلام كون الأعناق سائلة؛ لأن الأعناق تظهر فيها سرعة السير وبطئه وبقية الأعضاء

стр. 1817

ويتبين أمرهما فى الهوادى وسائر الأجزاء المستند إليها فى الحركة، وتتبعها فى الثقل والخفة. [أقسام الاستعارة باعتبار الطرفين والجامع]: (و) الاستعارة (باعتبار الثلاثة) المستعار منه، والمستعار له، والجامع (ستة أقسام) لأن المستعار منه، والمستعار له: إما حسيان، أو عقليان، أو المستعار منه حسى، والمستعار له عقلى، أو بالعكس؛ تصير أربعة. والجامع فى الثلاثة الأخيرة عقلى لا غير؛ لما سبق فى التشبيه، لكنه فى القسم الأول: إما حسى، أو عقلى، أو مختلف- تصير ستة، === تابعة لها، وإسناد السير إلى الأعناق الذى تضمنه كلامه مجاز آخر من إسناد الشىء إلى ما هو كالسبب فيه، فلما أن أضاف إلى استعارة السيلان هذين التجوّزين وهما إسناده إلى مكانه لفظا وإسناده إلى سببه ضمنا صارت الاستعارة غريبة (قوله: ويتبيّن أمرهما) أى: أمر السرعة والبطء (قوله: فى الهوادى) جمع هادية- وهى العنق- يقال: أقبلت هوادى الخيل إذا بدت أعناقها، وسميت الأعناق هوادى؛ لأن البهيمة تهتدى بعنقها إلى الجهة التى تميل إليها، وقيل: إن الهادية مقدم العنق وهو ما فى الصحاح، وعلى الأول- وهو أن الهوادى هى الأعناق- يكون قول الشارح: ويتبين أمرهما فى الهوادى من قبيل الإظهار فى محل الإضمار إشارة إلى أن الأعناق تسمى بالهوادى (قوله: فى الثقل والخفة) أى: ثقل السير وخفته. (قوله: لما سبق فى التشبيه) أى: من أن وجه الشبه المسمى هنا بالجامع لا بدّ أن يقوم بالطرفين معا، فإذا كانا أو أحدهما عقليّا وجب كون الجامع عقليّا وامتنع كونه حسيّا لاستحالة قيام الحسى بذلك العقلى منهما أو من أحدهما (قوله: لكنه) أى: الجامع، (وقوله: أو مختلف) أى: بعضه حسى وبعضه عقلى (قوله: تصير ستة) أى: لأن القسم الأول باعتبار الجامع ثلاثة أقسام والأقسام بعده ثلاثة، فالمجموع ستة، وحاصلها: أن الطرفين إن كانا حسيين، فالجامع إما حسى أو عقلى أو بعضه حسى وبعضه عقلى- فهذه ثلاثة، وإن كانا غير حسيين- فإما أن يكونا عقليين، أو المستعار منه حسيّا،

стр. 1818

وإلى هذا أشار بقوله: (لأن الطرفين إن كان حسيين فالجامع: إما حسى، نحو: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ (١) فإن المستعار منه ولد البقرة، والمستعار له الحيوان الذى خلقه الله تعالى من حلىّ القبط) التى سبكتها نار السامرىّ عند إلقائه فى تلك الحلى التربة التى أخذها من موطئ فرس جبريل- ﵊. === والمستعار له عقليّا، أو بالعكس- فهذه ثلاثة أيضا، ولا يكون الجامع فيها إلا عقليّا (قوله: وإلى هذا) أى: إلى وجود تلك الأقسام الستة، وإلى أمثلتها أشار بقوله .. إلخ (قوله: فالجامع إما حسى) أى: لأن الحسى يقوم بالحسيين (قوله: فأخرج لهم) أى: فأخرج موسى السامرى لبنى إسرائيل (قوله: جسدا) أى: بدنا بلحم ودم (وقوله: له خوار) أى: له صوت البقر، وهذا بدل من عجلا (قوله: فإن المستعار منه ولد البقرة) أى: فإن الذى استعير منه لفظ العجل ولد البقرة؛ لأنه موضوع له (قوله: والمستعار له) وهو الذى أطلق عليه لفظ العجل فى الآية (قوله: الذى خلقه الله تعالى) أى: على شكل العجل (قوله: من حلىّ القبط) بضم الحاء وكسر اللام والياء المشددة: جمع حلى بفتح الحاء وسكون اللام كثدىّ وثدى، والقبط: بكسر القاف وسكون الباء: قبيلة فرعون من أهل مصر وإليهم تنسب الثياب القبطية [بالضم] على غير قياس- كما فى الأطول. (قوله: التى سبكتها) صفة للحلىّ؛ لأنه اسم جنس، والسامرىّ كان رجلا حدّادا فى زمن سيدنا موسى- ﵊ واسم ذلك الرجل أيضا موسى منسوب لسامرة قبيلة من بنى إسرائيل (قوله: التربة) هى لغة فى التراب. (قوله: من موطئ فرس جبريل) أى: من محل وطء فرس جبريل الأرض بحوافرها، واسم تلك الفرس: حيزوم- كما فى شرح الإيضاح، وكانت إذا وطئت الأرض بحوافرها يخضرّ محل وطئها بالنبات فى الحال، فكشف للسامرىّ عن جبريل وهو راكب لتلك الفرس ورأى اخضرار محل وطئها فى الحال، فسوّلت له نفسه أن التراب الذى وطئته تلك الفرس يكون روحا لما ألقى فيه، فأخذ منه شيئا، وقد كان بنو إسرائيل

стр. 1819

(والجامع الشكل) فإن ذلك الحيوان كان على شكل ولد البقرة (والجميع) من المستعار منه، والمستعار له، والجامع (حسى) أى: مدرك بالبصر. (وإما عقلى؛ نحو: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (١) فإن المستعار منه) === استعاروا حليّا من القبط لعرس عندهم، فقال لهم: ائتونى بالحلىّ أجعل لكم الإله الذى تطلبونه من موسى- يعنى حين قالوا له: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ (٢) فأتوه بذلك الحلىّ وصنع منه صورة العجل وألقى فيه ذلك التراب، فصار الحلىّ حيوانا بلحم ودم وله خوار- أى: صوت كصوت العجل- فقال هو وأتباعه لبنى إسرائيل: هذا إلهكم وإله موسى الذى تطلبونه من موسى، نسيه هنا وذهب يطلبه، وكان ذلك وقت ذهاب موسى ببنى إسرائيل للمناجاة، وسبقهم موسى طلبا لرضوان الله، فوقعت هذه الفتنة بأثره، قيل: إن سبب اختصاص السامرى بمعرفة ذلك: أن أمه كانت ألقته عام ولد فى كهف لينجو من ذبح فرعون، إذ كانت ولادته فى سنة تذبيح أبناء بنى إسرائيل، فبعث الله له فى ذلك الكهف جبريل ليربيه فعرف أثر فرسه، وذلك لما قضى الله من الفتنة (قوله: والجامع الشكل) أى: الصورة الحاصلة فى الحيوان وولد البقرة، إذ شكلهما أى: صورتهما المشاهدة واحدة، إن قلت: إن كون الآية من قبيل الاستعارة فيه بحث، إذ قوله: جسدا له خوار: صريح فى أنه لم يكن عجلا، إذ لا يقال للبقر: إنه جسد له صوت البقر، وقد أبدل الكل، فظهر أنه ليس عين العجل، فالمراد من العجل مثل العجل فهو نظير قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (٣) فإن البيان أخرجه من الاستعارة إلى التشبيه، قلت: إن البدل إنما أخرجه عن كون المراد به العجل الحقيقى وعين أن المراد منه العجل الادعائى أعنى: الحيوان المخلوق من الحلى، فالبدل قرينة على الاستعارة: كيرمى فى: رأيت أسدا يرمى، بخلاف قوله: من الفجر فإنه أخرج الخيط الأبيض عن أن يكون المراد به الخيط الحقيقى وهو ظاهر، وأخرجه عن أن يكون المراد به الخيط الادعائى أعنى: الفجر، إذ لا يبين الشىء نفسه، فلا بد من تقدير المثل (قوله: نحو وَآيَةٌ لَهُمُ) أى: وعلامة لهم على قدرة الله (وقوله: نسلخ منه النهار)

стр. 1820

معنى: السلخ، وهو (كشط الجلد عن نحو الشاة، والمستعار له: كشف الضوء عن مكان الليل) وهو موضع إلقاء ظله ... === أى: نكشف ونزيل عنه أى: عن مكان ظلمته أى: عن المكان الذى فيه ظلمته فمن بمعنى عن التى للمجاوزة على حد قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (١) وفى الكلام حذف مضافين، وقوله: النهار أى: ضوء النهار ففيه حذف مضاف وتقدير الكلام هكذا: وآية لهم الليل نكشف ونزيل عن مكان ظلمته ضوء النهار، فإذا هم مظلمون، فشبه إزالة ضوء النهار عن المكان الذى فيه ظلمة الليل بكشط الجلد واستعير السلخ للإزالة، واشتق من السلخ نسلخ بمعنى نزيل، والجامع ترتب أمر على آخر كترتب ظهور اللحم على السلخ، وترتب حصول الظلمة على إزالة ضوء النهار عن مكان ظلمة الليل (قوله: معنى السلخ) أى: معنى لفظ السلخ فالإضافة حقيقية ويصح جعلها بيانية ولا تقدير (قوله: عن نحو الشاة) أى: عن الشاة ونحوها (قوله: والمستعار له كشف الضوء) أى: إزالته وانتزاعه (وقوله: عن مكان الليل) المراد بمكان الليل الهواء الذى بين السماء والأرض وقيل: على سطح الأرض، وعلى كل حال: فالمراد بكون ما ذكر مكانا لليل أنه مكان لظله أى لظلمته أى: أنه مكان تظهر فيه ظلمته، وإلا فالليل والنهار عبارتان عن زمان كون الشمس فوق الأفق وتحته، ولا معنى لكون أحدهما له مكان، ففى الزمان الذى تكون فيه الشمس فوق الأفق يقوم الضوء بذلك المكان المتقدم وتزال الظلمة عنه فيحصل الإبصار، وفى الزمان الذى تكون فيه الشمس تحت الأفق تقوم الظلمة الحاصلة فى ذلك الزمان بالمكان المتقدم ويزال الضوء عنه فيحصل الإظلام وعدم الإبصار (قوله: وهو موضع إلقاء ظله) أى: ظل الليل والمراد بإلقاء الظل ظهوره، والمراد بظله ظلمته، وأشار الشارح بهذا إلى أن قول المصنف: عن مكان الليل على حذف مضاف أى: عن مكان ظله أى: ظلمته أى: عن المكان الذى يظهر فيه ظله وظلمته، وقد علمت أن ذلك المكان الذى يظهر فيه ظله وظلمته، إما الهواء أو سطح الأرض على ما فيه من الخلاف، وإنما قال الشارح: إلقاء ظله، ولم يقل إلقاء ظلمته تبعا للإيضاح والكشاف، إشارة إلى أن الظلمة أمر وجودى كما ذهب إليه بعض المتكلمين،

стр. 1821

(وهما حسيان، والجامع: ما يعقل من ترتب أمر على آخر) أى حصوله عقيب حصوله دائما، أو غالبا، كترتب ظهور اللحم على الكشط وترتب ظهور الظلمة على كشف الضوء ... === ويؤيده قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ (١)، وحينئذ فيصح القول بظهورها بعد زوال الضوء (قوله: وهما حسيان) أى: مدركان بحاسة البصر إن قلت: إن كلا من كشط الجلد وإزالة الضوء أمر عقلى لا وجود له فى الخارج لأنهما مصدران والمعنى المصدرى لا وجود له فى الخارج، وحينئذ فلا يكونان محسوسين قلت: جعله الكشط والإزالة محسوسين باعتبار الهيئة المحسوسة الحاصلة عندهما، أو باعتبار متعلقهما وهو اللحم والضوء وذلك كاف فى حسيتهما، ولا يقال: إن الترتب إذا نظر لمتعلقه أيضا كان محسوسا فهلا نظر لمتعلقه وجعلت الاستعارة فى الآية المذكورة طرفاها وجامعها حسيات؛ لأنا نقول: ترتب أمر على آخر هذا كلى صادق بترتب محسوس على محسوس وترتب معقول على معقول كترتب العلم بالنتيجة على العلم بالمقدمات فمتعلق الترتب ليس دائما محسوسا وإن كان فى خصوص ما نحن فيه محسوسا، فلذا لم ينظر لمتعلقه بخلاف السلخ وإزالة الضوء، ثم ما قلناه من أن الضوء حسى هو مبنى على القول بأنه أجرام لطيفة تتصل بمحسوس توجب إبصاره عادة وأن الظلمة أجرام لطيفة تتصل بالأجرام الحسية توجب عدم الإبصار لما اتصلت به عادة، وأما إن قلنا: إن الضوء كون الأجرام بحيث ترى لاتصال الأجرام اللطيفة الإشراقية بها، والظلمة كون الأجرام بحيث لا ترى لاتصال الأجرام اللطيفة غير الإشراقية بها كان كل من الضوء والظلمة عقليّا (قوله: والجامع: ما يعقل) أى: والجامع بين الطرفين الأمر الذى يعقل أى: يدرك بالعقل وهو مطلق ترتب أمر على آخر، ولا شك أن فى الأول ترتب ظهور اللحم على كشط الجلد وفى الثانى ترتب ظهور ظلمة الليل على كشف ضوء النهار (قوله: دائما أو غالبا) أى: سواء كان حصوله عقب حصول الأمر الآخر دائما أو غالبا (وقوله: كترتب ظهور اللحم على الكشط) راجع لقوله: غالبا؛ لأن ترتب ظهور اللحم على الكشط ليس دائما؛

стр. 1822

عن مكان الليل، والترتب أمر عقلى. وبيان ذلك: أن الظلمة هى الأصل، والنور طار عليها يسترها بضوئه، فإذا غربت الشمس فقد سلخ النهار من الليل؛ أى: كشط وأزيل- كما يكشط عن الشىء الشىء الطارئ عليه الساتر له- فيجعل ظهور الظلمة بعد ذهاب ضوء النهار بمنزلة ظهور المسلوخ بعد سلخ ... === لأنه قد يكشط الجلد عن اللحم بدس عود ونحوه بينهما بحيث لا يصير لازقا به من غير إزالة له عنه، فقد وجد الكشط بدون ظهور اللحم (وقوله: وترتب ظهور الظلمة .. إلخ) راجع لقوله: دائما فهو لف ونشر مشوش، وقال العلامة السيد: هذا الترديد لبيان معنى الترتب من حيث هو لا بالنظر لخصوص المقام، وحينئذ فقوله: دائما إشارة لمذهب الحكماء من أن النتيجة لازمة للمقدمتين لزوما عقليّا، فيكون حصولها عقيب حصولهما دائما، وقوله: أو غالبا إشارة إلى المذهب المختار من أن لزومها لهما عادى بطريق الفيض وجرى العادة من الله تعالى، والمولى سبحانه قد يفيض وقد لا يفيض، فيكون حصول النتيجة عقيب حصول المقدمتين غالبا بهذا الاعتبار لا دائما (قوله: عن مكان الليل) متعلق بكشف (قوله: وبيان ذلك) أى: وبيان ترتب ظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل وفى سم أى: وبيان التشبيه بين كشط الجلد وكشف الضوء عن مكان ظلمة الليل (قوله: هى الأصل) أى: فى كل حادث، إذ مرجعها لعدم الظهور وعدم ظهوره أصله: وإنما يظهر إذا طرأ الضوء عليه، ويدل لهذا قوله ﵊: " خلق الله الخلق من ظلمة، ثم رش عليهم من نوره" (قوله: والنور) أى: والضوء طار عليها (وقوله: بضوئه) الأولى حذفه، وجعل الضوء ساترا للظلمة مبنى على أن الظلمة وجودية وحيث كان الضوء طارئا على الظلمة يسترها كان كالجلد الطارئ على عظام الشاة ولحمها فيسترها (قوله: فقد سلخ النهار) أراد به النور والضوء لا الزمان المقدر بحركة الفلك من طلوع الشمس لغروبها، أو المراد فقد سلخ ضوء النهار، (وقوله: من الليل) أى: عن مكان ظلمة الليل، فمن بمعنى: عن، وفى الكلام حذف مضافين (قوله: فجعل ظهور الظلمة .. إلخ) كان الأولى أن يقول: فجعل إظهار الظلمة كإظهار المسلوخ؛ لأن السلخ فى الآية بمعنى الإظهار لكن لما كان تشبيه الإظهار بالإظهار مستلزما لتشبيه

стр. 1823

إهابه عنه، وحينئذ صح قوله تعالى: فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ لأن الواقع عقيب إذهاب الضوء عن مكان الليل هو الإظلام. وأما على ما ذكر فى المفتاح: من أن المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل ففيه إشكال؛ لأن الواقع بعده إنما هو الإبصار دون الإظلام. وحاول بعضهم التوفيق بين الكلامين بحمل كلام المفتاح ... === الظهور بالظهور اختار التعبير به (قوله: إهابه) أى: جلده (قوله: وحينئذ) أى: وحين إذ جعل السلخ بمعنى كشف الضوء أى: نزعه وإزالته لا بمعنى ظهوره (قوله: صح قوله تعالى فإذا هم مظلمون) أى: داخلون فى الظلام ولعله تعرض للصحة دون الحسن لانتفائه على ما يأتى للشارح فى آخر العبارة عن العلامة فى قوله: ولو جعلنا السلخ إلخ (قوله: لأن الواقع إلخ) علة لقوله صح (وقوله: عن مكان الليل) أى: عن مكان ظلمته (قوله: وأما على ما ذكر فى المفتاح إلخ) مقابل لمحذوف أى: أما على ما ذكره المصنف من أن المستعار له كشف ضوء النهار وإزالته عن مكان ظلمة الليل، فلا إشكال فى قوله: فإذا هم مظلمون؛ لأن الواقع عقب إزالة الضوء عن مكان ظلمة الليل هو الإظلام وإما على إلخ (قوله: من أن المستعار له ظهور النهار) الأولى إظهار ضوء النهار من ظلمة الليل بطلوع الفجر فهو يقول: شبه إظهار ضوء النهار من ظلمة الليل بطلوع الفجر بكشط الجلد عن نحو الشاة، واستعير اسم المشبه به وهو السلخ للمشبه، واشتق منه نسلخ بمعنى نظهر منه النهار (قوله: ففيه) أى: ففى قوله: فإذا هم مظلمون إشكال (قوله: لأن الواقع بعده) أى: بعد ظهور النهار من ظلمة الليل (قوله: إنما هو الإبصار) أى: فلو كان المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل لقيل: فإذا هم مبصرون ولم يقل: فإذا هم مظلمون أى: داخلون فى الظلام (قوله: وحاول بعضهم التوفيق بين الكلامين) أى: كلام المصنف القائل: إن المستعار له كشف الضوء وإزالته عن مكان ظلمة الليل، وكلام السكاكى القائل: إن المستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل، وحاصل ما ذكره ذلك البعض أوجه ثلاثة يحصل بكل منها التوفيق، وذكر العلامة الحفيد فى حواشى المطول وجها رابعا وحاصله: أن المراد بالنهار فى قول السكاكى المستعار له ظهور النهار:

стр. 1824

على القلب- أى ظهور ظلمة الليل من النهار، أو بأن المراد من الظهور: التمييز، === مجموع المدة التى هى من طلوع الشمس إلى غروبها لا ظهوره بطلوع الفجر، ولا شك أن الواقع عقيب جميع المدة الدخول فى الظلام، ومعنى الآية على هذا وآية لهم الليل نظهر أى: نخرج منه جميع النهار فيعقب هذا الإظهار الدخول فى الظلام (قوله: على القلب) قد سبق أن السكاكى يقبل القلب مطلقا، وإن لم يظهر فيه اعتبار لطيف، فاندفع ما يقال: إن القلب إذا لم يتضمن اعتبارا لطيفا فهو كالغلط ولم يظهر هنا اعتبار لطيف، وحينئذ فلا يصح حمل كلام السكاكى عليه لقبحه (قوله: أى ظهور ظلمة الليل من النهار) هذا قلب لقول السكاكى ظهور النهار من ظلمة الليل، ثم إن قوله: من النهار يحتمل التضمين أى: ظهور ظلمة الليل منفصلة من النهار أى: بفراغه أو أن من للابتداء أى: ظهور ظلمة الليل مبتدأ ذلك الظهور من مكان النهار أى: من مكان ضوئه، هذا وما ذكره من الجواب بالقلب يشكل على المفاجأة؛ لأن ظهور الظلمة يكون معه الإظلام لا عقبه حتى تتأتى المفاجأة، إلا أن يراد بظهور الظلمة ابتداؤها، وبالإظلام التوغل فى الظلام والاستمرار فيه. واعلم أن جعل المستعار له ظهور ظلمة الليل من النهار بناء على ارتكاب القلب فى كلام السكاكى يؤدى لارتكاب القلب فى الآية أيضا؛ لأن المعنى حينئذ: وآية لهم الليل نسلخه من النهار أى: نظهر ظلمته بانفصاله من النهار فإذا هم مظلمون، تأمل. (قوله: أو بأن المراد من الظهور التمييز) أى: ومن فى كلام المفتاح بمعنى عن، والمعنى أن المستعار له تمييز النهار عن ظلمة الليل والواقع بعد تمييز النهار عن ظلمة الليل هو الإظلام ويرد على هذا الوجه الثانى أنه إن أريد بالتمييز إزالة النهار عن مكان الليل بإعدامه فى مرأى العين فهذا بعينه الوجه الذى ذكره بعد بقوله، أو بأن الظهور بمعنى الزوال إلخ، وإن أريد تمييزه عنه مع بقاء وجوده فى مكان الليل فهو فاسد، إذ الضوء والظلمة لا يجتمعان فى محل لتضادهما، وإن أريد تمييزه عنه حال كونه موجودا فى مكان آخر وهو تحت الأرض فهو فاسد؛ لأنه من قبيل نقل الأعراض من محل إلى محل آخر فلم يبق لهذا الوجه للثانى فى كلام البعض معنى مستقل صحيح، فتأمل ا. هـ يعقوبى.

стр. 1825

أو بأن الظهور بمعنى: الزوال؛ كما فى قول الحماسى: وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر وفى قول أبى ذؤيب: ... ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها === (قوله: أو بأن الظهور) أى: فى كلام المفتاح (قوله: بمعنى الزوال) أى: وحينئذ فالمعنى أن المستعار له زوال ضوء النهار عن ظلمة الليل، ولا شك أن الواقع بعد زوال ضوء النهار عن ظلمة الليل هو الإظلام، فقد عاد كلام المفتاح لكلام المصنف (قوله: كما فى قول الحماسى) أى: كالظهور الذى فى قول الشاعر الحماسى فإنه بمعنى الزوال (قوله: وذلك عار إلخ) هذا عجز بيت من أبيات الحماسة صدره: أعيّرتنا ألبانها ولحومها (١) ... وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر وقبله: أتنسى دفاعى عنك إذ أنت مسلم ... وقد سال من ذلّ عليك قراقر ونسوتكم فى الرّوع باد وجوهها ... يخلن إماء والإماء حرائر الاستفهام للإنكار ومسلم على صيغة المفعول أى: مخلى من أسلمته خليت بينه وبين من يريد النكاية به، وقراقر: اسم واد أى: اشتد الذل عليك فى ذلك الوادى حتى صار مثل السيل الذى يسيل به عليك، والروع: الخوف، ويخلن أى: يظن تلك النسوة إماء لكونهن مكشوفات الوجوه والحال أنهن حرائر فى نفس الأمر، والاستفهام فى أعيرتنا أيضا للإنكار أى: لم تعيرنا بألبان الإبل ولحومها مع أن اقتناء الإبل مباح والانتفاع بلحومها وألبانها جائز فى الدين وفى العقل وتفريقها فى المحتاجين إليها إحسان فذلك عار ظاهر أى: زائل لا يعتبر (قوله: وتلك شكاة) بفتح الشين مصدر بمعنى الشكاية، وصدر البيت: وعيّرها الواشون أنّى أحبّها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها (٢)
следующие страницы →