العلاقة) المصححة (غير المشابهة) بين المعنى المجازى والمعنى الحقيقى (وإلا فاستعارة) فعلى هذا الاستعارة: هى اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلى لعلاقة المشابهة، كأسد فى قولنا: رأيت أسدا يرمى.
(وكثيرا ما تطلق الاستعارة) ...
===
لأن الإرسال فى اللغة: الإطلاق، والمجاز الاستعارى مقيد بادعاء أن المشبه من جنس المشبه به، والمرسل مطلق عن هذا القيد، وقيل: إنما سمّى مرسلا لإرساله عن التقييد بعلاقة مخصوصة، بل ردّد بين علاقات بخلاف المجاز الاستعارى، فإنه مقيد بعلاقة واحدة وهى المشابهة
(قوله: إن كانت العلاقة) أى: المقصودة أخذا مما يأتى
(قوله: المصححة) أى: لاستعمال اللفظ فى غير ما وضع له
(قوله: غير المشابهة) أى: كما إذا كانت مسببية أو سببية على ما يأتى، وذلك بأن يكون معنى اللفظ الأصلى سببا لشىء أو مسببا عن شىء فينقل اسمه لذلك الشىء.
(قوله: وإلا فاستعارة) أى: وإلا بأن لم تكن العلاقة بين المعنى المجازى والمعنى الحقيقى غير المشابهة، بل كانت نفس المشابهة
(قوله: هى اللفظ .. إلخ) أى: لأن المقسم المجاز وهو لفظ (وقوله: فيما) أى: فى معنى شبه ذلك المعنى المستعمل فيه بمعنى ذلك اللفظ الأصلى.
واعلم أن ما ذكره المصنف من أن الاستعارة قسم من المجاز وقسيمة للمرسل منه- هذا اصطلاح البيانيين، وأما الأصوليون فيطلقون الاستعارة على كل مجاز فلا تغفل عن تخالف الاصطلاحين كيلا تقع فى العنت إذا رأيت مجازا مرسلا أطلق عليه الاستعارة- قاله الفنرى.
(قوله: رأيت أسدا يرمى) كأنه قال: رأيت رجلا يشبه الأسد يرمى بالنشاب، فقد استعمل لفظ أسد فى الرجل الشجاع، والعلاقة هى المشابهة فى الشجاعة، والقرينة هى قوله: يرمى، وإطلاق لفظ استعارة على اللفظ المستعار من المعنى الأصلى للمعنى المجازى من إطلاق المصدر على المفعول: كالنسج بمعنى المنسوج، وأصل الإطلاق التجوز، ثم صار حقيقة عرفية
(قوله: وكثيرا ما تطلق الاستعارة) أى: وكثيرا ما يطلق فى العرف
стр. 1752
على فعل المتكلم- أعنى: (على استعمال اسم المشبه به فى المشبه) فعلى هذا تكون بمعنى المصدر، ويصح منه الاشتقاق.
(فهما) أى: المشبه به والمشبه (مستعار منه، ومستعار له، واللفظ) أى:
لفظ المشبه به (مستعار) لأنه بمنزلة اللباس الذى استعير من أحد فألبس غيره.
===
لفظ الاستعارة، والمراد أن هذا كثير فى نفسه لا بالقياس إلى المعنى السابق حتى يكون المعنى السابق أقلّ
(قوله: على فعل المتكلم) أعنى: المعنى المصدرى لا على اللفظ المستعار كما ذكره قبل
(قوله: اسم المشبه به) أى: لفظه ليشمل استعارة الفعل والحرف، فمراده بالاسم: ما قابل المسمى، لا ما قابل الفعل والحرف.
(قوله: ويصح منه الاشتقاق) أى: ويصح الاشتقاق من لفظ الاستعارة على إطلاقها بالمعنى المصدرى كما هو شأن كل مصدر، فيقال: المتكلم: مستعير، والمشبه به:
مستعار منه، والمشبه: مستعار له، ولفظ المشبه به: مستعار- بخلاف إطلاق الاستعارة على نفس اللفظ المستعار فإنه لا يصح منه الاشتقاق؛ لأن اسم المفعول لا يشتق منه
(قوله: أى المشبه به) وهو معنى الأسد مثلا، والمشبه وهو معنى الرجل مثلا، (وقوله:
أى: لفظ المشبه به) كلفظ الأسد مثلا، (وقوله: مستعار) أى: لمعنى المشبه.
(قوله: لأنه) أى: لفظ المشبه به، (وقوله: من أحد) هو المعنى المشبه به، (وقوله:
فألبس غيره) هو المعنى المشبه، فالتشبيه بين المعانى والاستعارة للألفاظ، والحاصل: أنك إذا قلت: رأيت أسدا يرمى فقد شبه الرجل الشجاع بالحيوان المفترس، واستعير اسم المشبه به للمشبه، فالمعنى المشبه- وهو ذات الرجل الشجاع- مستعار له؛ لأنه هو الذى أتى باللفظ الذى لغيره وأطلق عليه فصار كالإنسان الذى استعير له الثوب من صاحبه وألبسه، ويقال للمعنى المشبه به- وهو الحيوان المفترس- مستعار منه، إذ هو كالإنسان الذى استعير منه ثوبه وألبسه غيره من حيث إنه أتى بلفظه وأطلق على غيره، ويقال للفظ أسد: مستعار؛ لأنه أتى به من صاحبه لغيره كاللباس المستعار من صاحبه للابسه، ويقال للإنسان المستعمل للّفظ فى غير معناه الأصلى: مستعير؛ لأنه هو الآتى باللفظ من صاحبه كالآتى باللباس من صاحبه.
стр. 1753
(والمرسل) وهو ما كانت العلاقة غير المشابهة (كاليد) الموضوعة للجارحة المخصوصة إذا استعملت (فى النعمة) لكونها بمنزلة العلّة الفاعلية للنعمة؛ لأن النعمة منها تصدر، وتصل إلى المقصود بها (و) كاليد فى (القدرة) ...
===
[الكلام فى المجاز المرسل]:
(قوله: كاليد فى النعمة) أى: كلفظ اليد إذا استعمل فى النعمة مثل: كثرت أيادى فلان عندى، وجلت يده لدى، ورأيت أياديه عمّت الوجود، فإطلاق اليد على النعمة فيما ذكر مجاز مرسل من إطلاق اسم السبب على مسببه؛ لأن اليد سبب فى صدور النعمة ووصولها إلى الشخص المقصود بها
(قوله: لكونها) أى: اليد بمعنى الجارحة لا بمعنى اللفظ ففيه استخدام.
(قوله: بمنزلة العلّة الفاعلية) أى: لكون الإعطاء صدر منها وإنما لم تكن علّة فاعلية حقيقة؛ لأن العلة الفاعلية فى الحقيقة الشخص المعطى واليد آلة للإعطاء- كذا قرر بعض الأشياخ، وفى ابن يعقوب: أن العلاقة فى إطلاق اليد على النعمة كون اليد كالعلّة الفاعلية للنعمة من جهة أن العلة الفاعلية يترتب عليها وجود المفعول كما يترتب وصول النعمة إلى المقصود بها على حركة اليد، ويترتب وجودها بوصف كونها نعمة على حركة اليد والوصول للغير بالفعل، ولا شكّ فى تحقق الملابسة بين العلّة الفاعلية ومفعولها المقتضية للانتقال، وكذا ما هو مثلها فى الترتب، فإن المترتب على الشىء ينتقل الذهن منه إليه، وإنما قلنا هو كالعلة الفاعلية ولم نقل نفس العلّة؛ لأن المرتب عليه وصف آخر غير اليد وهو حركتها لا نفسها، والمترتب أيضا وصول النعمة واتصافها بكونها نعمة لا نفس وجودها، فالعلاقة هنا ترجع إلى السببية الفاعلية
(قوله: وكاليد فى القدرة) أى: وكاليد إذا استعملت فى القدرة كما فى قولك: للأمير يد أى: قدرة، فإن استعمالها فيها مجاز مرسل؛ وذلك لأن آثار القدرة تظهر باليد غالبا مثل الضرب والبطش والقطع والأخذ والدفع والمنع، فينتقل من اليد إلى الآثار الظاهرة بها ومن الآثار إلى القدرة التى هى أصلها، فهى مجاز عن الآثار من إطلاق اسم السبب على المسبب والآثار يصح إطلاقها مجازا على القدرة من إطلاق اسم المسبب على السبب، ولا مانع
стр. 1754
لأن أكثر ما يظهر سلطان القدرة يكون فى اليد وبها تكون الأفعال الدالّة على القدرة من البطش، والضرب، والقطع، والأخذ، وغير ذلك.
(والراوية) التى هى فى الأصل اسم للبعير الذى يحمل المزادة إذا استعملت (فى المزادة) أى: المزود الذى يجعل فيه الزاد- أى: الطعام المتخذ للسفر، والعلاقة:
كون البعير ...
===
من بناء مجاز على مجاز آخر تقديرا فالعلاقة فى إطلاق اليد على القدرة كون اليد كالعلّة الصورية للقدرة وآثارها، إذ لا تظهر القدرة وآثارها إلا باليد كما لا يظهر المصور إلا بصورته، فرجعت العلاقة هنا إلى معنى السببية
(قوله: لأن أكثر ما يظهر سلطان القدرة) ما مصدرية أى: لأن أكثر ظهور سلطان القدرة أى: سلاطتها وتأثيرها (وقوله: فى اليد) أى: باليد
(قوله: وبها) أى: باليد تكون الأفعال الدالّة على القدرة أى: غالبا بدليل قوله السابق: أكثر وهذا عطف تفسير لما قبله، وحاصله: أن الأفعال الدالة على القدرة لما كانت لا تظهر إلا باليد صارت القدرة وآثارها كلّ منهما لا يظهر إلا باليد، وإن كان ظهور أحدهما مباشرة والآخر بواسطة، وحيث كان كلّ منهما لا يظهر إلا باليد صارت اليد كالعلّة الصورية لهما، وهذا كله بناء على أن المراد بالقدرة الصفة التى تؤثر فى الشىء عند تعلقها به، وأما إذا أريد بها أثرها كما قال الكمال بن أبى شريف فالعلاقة حينئذ المسببية فى الجملة، إذ قد أطلق اسم السبب وهو اليد وأريد المسبب وهو الآثار الصادرة عنها
(قوله: وغير ذلك) كالدفع والمنع.
(قوله: اسم للبعير الذى يحمل المزادة) الذى فى الصحاح: الراوية البعير والبغل والحمار الذى يستقى عليه والعامّة تسمى المزادة راوية وذلك جائز على الاستعارة- اه.، فقول الشارح: اسم للبعير: لا مفهوم له
(قوله: المزادة) بفتح الميم، والجمع مزايد، والمراد بها كما فى شرح السيد على المفتاح: ظرف الماء الذى يستقى به على الدابة التى تسمى راوية، وقال أبو عبيدة: المزادة سقاء من ثلاثة جلود تجمع أطرافها طلبا لتحملها كثرة الماء فهى سقاء الماء خاصة، وأما المزود [بكسر الميم] فهو الظرف الذى يجعل فيه الزاد أى: الطعام المتخذ للسفر وجمعه مزاود، والراوية الذى هو اسم للدابة الحاملة
стр. 1755
حاملا لها، وبمنزلة العلّة المادّية، ولما أشار بالمثال إلى بعض أنواع العلاقة أخذ فى التصريح بالبعض الآخر من أنواع العلاقات فقال:
[علاقة الجزئية والكلية]:
(ومنه) أى: من المرسل (تسمية الشىء باسم جزئه) فى هذه العبارة نوع من التسامح؛ ...
===
للماء إنما يستعمل عرفا فى المزادة لا فى المزود- كما فى سم وابن يعقوب، فإذا علمت مغايرة المزادة للمزود تعلم أن تفسير الشارح المزادة بالمزود غير صحيح
(قوله: حاملا لها) أى:
مجاورا لها عند الحمل فسميت المزادة راوية للمجاورة والمتجاوران ينتقل من أحدهما للآخر.
(قوله: وبمنزلة العلّة المادّية) عطف على قوله: حاملا لها أى: والعلاقة كون البعير حاملا لها وكونه بمنزلة العلة المادية لها وهذا إشارة إلى علاقة أخرى وهى مطلق السببية كما قبلها بأن يجعل البعير بمنزلة العلة المادية للمزادة؛ لأنه لا وجود لها بوصف كونها مزادة فى العادة إلا بحمل البعير لها فصار توقفها بهذا الوصف على البعير كتوقف الصورة على المادّة فى أن لا وجود لأحدهما إلا مع صاحبه، والتوقف فى الجملة يصحح الانتقال والفهم، وإنما قال: بمنزلة العلة .. إلخ؛ لأن العلة المادية ما يكون الشىء معه بالقوة كالخشب للسرير فإن الصورة السريرية موجودة مع الخشب بالقوة والبعير وإن كان محصلا للمزادة من حيث وصفها فهى من حيث هذا الوصف معه بالقوة، لكن المزادة لم تجعل منه بحيث يكون جزءا لها
(قوله: بالمثال) أل جنسية
(قوله: إلى بعض أنواع العلاقة) قيل: إنها تعتبر وصف المنقول عنه كما فى الأمثلة وهو التحقيق، وقيل: تعتبر وصف المنقول إليه، وقيل: إنها تعتبر وصفا لهما معا
(قوله: أخذ فى التصريح بالبعض الآخر) أى:
وإن صرح فى ذلك الآتى بما يشمل بعض ما ذكر أولا، فإن حاصل العلاقة فى اليد إذا استعمل فى النعمة والقدرة السببية فى الجملة، وهذا داخل فى قوله الآتى أو باسم سببه، إلا أن يقال: إن السببية الآتية غير المتقدمة؛ لأن المتقدمة سببية تنزيلية بخلاف الآتية فإنها حقيقية.
(قوله: فى هذه العبارة نوع من التسامح) أى: لأن ظاهرها أن المجاز نفس تسمية الشىء باسم جزئه مع أن المجاز هو اللفظ الذى كان للجزء وأطلق على الكل
стр. 1756
والمعنى: أن فى هذه التسمية مجازا مرسلا؛ وهو اللفظ الموضوع لجزء الشىء عند إطلاقه على نفس ذلك الشىء.
(كالعين) وهى: الجارحة المخصوصة (فى الربيئة) وهى: الشخص الرقيب، والعين جزء منه ويجب أن يكون الجزء ...
===
للملابسة، لكن لما كان السبب فى كون ذلك اللفظ مجازا تسمية الكل به مع كونه اسما لجزئه تجوز فى جعل التسمية من المجاز
(قوله: والمعنى) أى: المراد من هذه العبارة
(قوله: أن فى هذه التسمية مجازا) فى بمعنى مع، أى: أن مع هذه التسمية مجازا أى: أن هذه التسمية يصاحبها المجاز المرسل، فالمجاز المرسل مصاحب لتلك التسمية، لا أنه واقع فيها كما هو ظاهر الشارح، ولا أنه نفس التسمية كما هو ظاهر المصنف، ويمكن أن يوجه كلام المصنف أيضا بحذف المضاف أى: ومن وجوه المجاز المرسل وطرقه تسمية .. إلخ
(قوله: وهو اللفظ .. إلخ) أى: والمجاز المرسل المصاحب لتلك التسمية هو اللفظ الموضوع لجزء الشىء عند إطلاقه على نفس ذلك الشىء.
واعلم أنه لا يصح إطلاق اسم كل جزء على الكل، وإنما يطلق اسم الجزء الذى له مزيد اختصاص بالكل بحيث يتوقف تحقق الكل بوصفه الخاصّ عليه: كالرقبة والرأس، فإن الإنسان لا يوجد بدونهما بخلاف اليد فإنه لا يجوز إطلاقها على الإنسان، وأما إطلاق العين على الربيئة فليس من حيث إنه إنسان، بل من حيث إنه رقيب، ومن المعلوم أن الربيئة إنما تحقق كونه شخصا رقيبا بالعين، إذ لولاها لانتفت عنه الرقيبية، وإلى هذا أشار الشارح بقوله: ويجب .. إلخ
(قوله: وهى الجارحة المخصوصة) أى:
بحسب أصل وضعها
(قوله: فى الربيئة) أى: فإنها تستعمل مجازا مرسلا فى الربيئة مأخوذ من ربأ إذا أشرف
(قوله: وهى الشخص الرقيب) أى: المسمى بالجاسوس الذى يطلع على عورات العدو
(قوله: والعين جزء منه) أى: فقد أطلق اسم جزئه عليه لعلاقة الجزئية
(قوله: مما يكون) أى: من الأجزاء التى يكون لها مزيد، اختصاص بالمعنى الذى يقصد من الكل كالاطّلاع فى هذا المثال حالة كونه متجاوزا غيره من الأجزاء.
стр. 1757
الذى يطلق على الكل مما يكون له من بين الأجزاء مزيد اختصاص بالمعنى الذى قصد بالكل مثلا: لا يجوز إطلاق اليد أو الأصبع على الربيئة (وعكسه) أى: ومنه عكس المذكور- يعنى: تسمية الشىء باسم كله (كالأصابع) المستعملة (فى الأنامل) التى هى أجزاء من الأصابع فى قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ (١).
===
(قوله: الذى يطلق على الكل .. إلخ) وأما إطلاق اسم الكل على الجزء فلا يشترط أن يكون الجزء فيه بهذه المثابة.
(قوله: يجعلون أصابعهم) أى: أناملهم والقرينة: استحالة دخول الأصابع بتمامها فى الآذان عادة وفيه مزيد مبالغة كأنه جعل جميع الأصابع فى الآذان لئلا يسمع شيئا من الصواعق، ويجوز أن يكون التجوز فى الإسناد وأن يكون على حذف مضاف أى: أنملة أصابعهم، وذكر بعضهم: إن هذا من باب نسبة الفعل الذى فى نفس الأمر للجزء إلى الكل ولا يسمى هذا مجازا كقولك: ضربت زيدا ومسحت بالمنديل فلا يكون مجازا ولو لم تضرب كله ولا مسحت بكله وفيه تعسّف؛ لأن نسبة مطلق الجعل للأصابع كثيرا ما يراد به الكل فلولا الآذان لجرى على الأصل، وأما نحو الضرب فلا يخلو من تصوره على الكل فجعل من باب الحقيقة وإلا لم يخل كلام عن مجاز غالبا وهو مذهب مردود تكلم المصنف على استعمال اسم الكل فى الجزء وسكت عن تنبيه: اسم الكلى إذا استعمل فى الجزئى هل يكون مجازا أيضا أم لا؟ فذهب الكمال بن الهمام ومن وافقه إلى أنه حقيقة مطلقا، وعلّله: بأن اللام- فى قولهم فى تعريف الحقيقة: الكلمة المستعملة فيما وضعت له- لام التعليل، ولا شك أن اسم الكلى إنما وضع لأجل استعماله فى الجزئى، وعلّله غيره: بأن المجاز هو الكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له أولا، والجزئى ليس غير الكلى، كما أنه ليس عينه، وذهب بعضهم إلى التفصيل وحاصله: أن استعمال اسم الكلى فى الجزئى إن كان من حيث اشتماله على الكلى فهو حقيقة وإن كان استعماله فيه لا بالنظر لما ذكر، بل من حيث ذاته كان مجازا
стр. 1758
[علاقة السببية]:
(وتسميته) أى: ومنه: تسمية الشىء (باسم سببه، نحو: رعينا الغيث) أى: النبات، الذى سببه الغيث.
(أو) تسمية الشىء باسم (مسببه، نحو: أمطرت السماء نباتا) أى: غيثا؛ لكون النبات مسببا عنه، وأورد فى الإيضاح فى أمثلة تسمية السبب باسم المسبب قولهم: فلان أكل الدم- أى: الدية المسببة عن الدم- وهو سهو بل هو من تسمية المسبب باسم السبب.
===
(قوله: أى ومنه تسمية الشىء .. إلخ) جعله هنا وفيما يأتى التسمية المذكورة مجازا تسامح كما تقدم.
(قوله: الذى سببه الغيث) جعله الغيث سببا فى النبات بالنظر للجملة وإلا فالسبب فى الحقيقة الماء مطلقا وإن لم يكن مطرا
(قوله: وأورد) من الورود وهو الذكر.
(قوله: بل هو من تسمية المسبب) أى: وهو الدية (وقوله: باسم السبب) أى:
الذى هو الدم فالدية مسببة عن الدم والدم سبب لها، وقد أطلقنا السبب- الذى هو الدم- على مسببه- وهو الدية- فصار المراد من الدم فى قولهم: فلان أكل الدم أى: أكل مسببه وهو الدية، ومما يؤيد سهو المصنف فى الإيضاح تفسيره بقوله: أى: الدية المسببة عن الدم فإنه قد بيّن أن الدية المطلق عليها الدم مسببة والكلام فى إطلاق اسم المسبب على السبب، ويمكن أن يوجه كلامه بأنه جعل الدية علّة حاملة على القتل حتى لو لم يكن رجاء النجاة بالدية لم يقدم القاتل على القتل فهى سبب فى الإقدام على الدم، فأطلق الدم الذى هو المسبب عليها ولا تنافى بينه وبين تفسيره؛ لأن المعلول من وجه قد يكون علّة من وجه، فالدم وإن كان مسببا عن الدية باعتبار التعقل إلا أنها فى الخارج مترتبة عليه؛ لأن العلّة الغائية يتأخر وجودها عن مسببها، فكلامه أولا منظور فيه للتعقل وتفسيره منظور فيه للترتب الخارجى، ولا يخفى ما فى هذا الجواب من التعسّف؛ لأنه اعتبار عقلى وهو خلاف مدلول اللفظ، وأجاب بعضهم بجواب آخر، وحاصله: أن مراد المصنف أن الأكل مجاز عن الأخذ وهو سبب فى الأكل فهو من تسمية السبب باسم
стр. 1759
[اعتبار ما كان وما يكون]:
(أو ما كان عليه) أى: تسمية الشىء باسم الشىء الذى كان هو عليه فى الزمان الماضى لكنه ليس عليه الآن (نحو: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ (١) أى: الذين كانوا يتامى قبل ذلك؛ إذ لا يتم بعد البلوغ.
(أو) تسمية الشىء باسم (ما يؤول) ذلك الشىء (إليه) فى الزمان المستقبل (نحو: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً (٢) ...
===
المسبب، وأما قوله: أى: الدية المسببة عن الدم، فقد أشار إلى مجاز آخر فى الدم باعتبار آخر، ولا يخفى بعد هذا الجواب عند صاحب الذوق السليم.
(قوله: أى تسمية الشىء) أى: كالأولاد البالغين فى المثال الآتى (وقوله: الذى كان هو عليه) أى: على صفته أو على بمعنى من (وقوله: لكنه) أى: الشىء الأول ليس عليه أى: على الشىء الثانى أى: ليس على صفته أو ليس منه (وقوله: الآن) أى: عند الإطلاق.
واعلم أن ما ذكره من أن تسمية الشىء باسم ما كان عليه أولا مجاز هو مذهب الجمهور خلافا لمن قال: إن الإطلاق المذكور حقيقى استصحابا للإطلاق حال وجود المعنى فوجود المعنى فيما مضى كاف فى الإطلاق الحقيقى عنده، وقيل بالوقف ففيه ثلاثة أقوال محكية فى كتب الأصول، لكن فى المشتق كالمثال المذكور، ثم إن قول المصنف:
أو ما كان عليه أو ما يؤول إليه ظاهره: أن العلاقة هنا هى الكينونة وفيما بعده الأيلولة والمناسب أن يقال: إنها هنا اعتبار ما كان وفيما يأتى اعتبار ما يؤول إليه
(قوله: قبل ذلك) أى: قبل دفع المال إليهم؛ لأن إيتاء المال إليهم إنما هو بعد البلوغ وبعد البلوغ لا يكونون يتامى، إذ لا يتم بعد البلوغ، وحينئذ فإطلاق اليتامى على البالغين إنما هو باعتبار الوصف الذى كانوا عليه قبل البلوغ
(قوله: إذ لا يتم بعد البلوغ) علّة لمحذوف كما علمت مما قررناه.
(قوله: باسم ما يؤول ذلك الشىء إليه) أى: تحقيقا كما
стр. 1760
أى: عصيرا يؤول إلى الخمر.
===
فى" إنك ميت" أو ظنّا كما فى" أيلولة العصير للخمر" لا احتمالا كأيلولة العبد للحرية فلا يقال لعبد: هذا حر؛ لأن الحرية يؤول إليها العبد فى المستقبل احتمالا والمراد الظن والاحتمال باعتبار استعداد الشىء وحاله فى نفسه، فلا يرد أنه قد يظن عتق العبد فى المستقبل بنحو وعد، وأن العصير قد يحصل اليأس من تخمّره لعارض فينتفى ظن تخمره.
(قوله: أى عصيرا يؤول إلى الخمر) هذا تفسير لقوله: خمرا والداعى له عدم صحة المعنى الحقيقى؛ لأن العصير حالة العصر لا يخامر العقل، وإنما يخامره بعد مدة فأشار بهذا التفسير إلى أن المراد بالخمر العصير، وأن العصير يسمى خمرا باعتبار ما يؤول إليه، لكن كان الأولى للشارح أن يقول: أى: عنبا يؤول عصيره إلى الخمر؛ لأن العصير لا يعصر إلا أن يقال: أراد أن أعصر بمعنى أستخرج وهذا بناء ما هو التحقيق الذى يسبق إلى الذهن من أن نسبة الفعل وما يشبهه إلى ذات موصوفه بوصف إنما تكون بعد اتصافها بذلك الوصف بحيث يكون اتصافها سابقا على ثبوت الفعل لها فيلزم وقوع العصر على العصير أى: المعصور، وأما إن قلنا: إن الفعل يقارن تعلقه وصف المفعول به وأن المعنى هنا إنى أعصر عصيرا حاصلا بذلك العصر فلا حاجة إلى تأويل أعصر ب أستخرج
(قوله: باسم محله) أى: باسم المكان الذى يحل فيه ذلك الشىء
(قوله: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ) (١) قال الفنرى: يحتمل أن تكون الآية من قبيل المجاز بالنقصان على حذف المضاف وإعطاء إعرابه للمضاف إليه كما قيل فى قوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (٢)
(قوله: والنادى:
المجلس) أى: أن النادى اسم لمكان الاجتماع ولمجلس القوم، وقد أطلق على أهله الذين يحلون فيه والمعنى: فليدع أهل ناديه أى: أهل مجلسه لينصروه مع أنهم لا ينصرونه فى ذلك اليوم
(قوله: الحالّ فيه) بنصب اللام وتشديدها صفة لأهل أى: الحالّ ذلك الأهل فى ذلك النادى، ويصح قراءة الحالّ بالجر صفة للنادى جرت على غير من
стр. 1761
الحالّية والمحلّية:
(أو) تسمية الشىء باسم (محلّه؛ نحو: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١) أى: أهل ناديه الحالّ فيه، والنادى: المجلس.
(أو) تسمية الشىء باسم (حاله) أى: باسم ما يحل فى ذلك الشىء (نحو:
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ (٢) أى: فى الجنة) التى تحل فيها الرحمة.
علاقة الآلية:
(أو) تسمية الشىء باسم (آلته، نحو: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٣) أى: ذكرا حسنا) ...
===
هى له لكن كان عليه إبراز الضمير
(قوله: أو تسمية الشىء باسم حالّه) هذا عكس ما قبله؛ لأن ما تقدم يسمى الحالّ باسم المحلّ، وما هنا يسمى المكان باسم ما يحلّ فيه.
(قوله: التى تحلّ فيها الرحمة) أى: الأمور المنعم بها؛ لأنها هى التى تحل فى الجنة، وإطلاق الرحمة على الأمور المنعم بها مجاز وتوضيحه- كما فى ابن يعقوب-: أن الرحمة فى الأصل الرقة والحنان والمراد بها فى جانب الله لازمها الذى هو الإنعام واستعمل فى الجنة لحلوله فيها على أهلها، ثم إن الإنعام اعتبارىّ، إذ هو تعلق القدرة بإيجاد المنعم به وإعطائه للمنعم عليه وليس حالّا فى الجنة حقيقة وإنما الحالّ بها حقيقة متعلقة فهذا المجاز مرسل مبنىّ على مجاز ضمنىّ وهو إرادة المنعم به بالإنعام الذى هو الرحمة
(قوله: آلته) فرّق بعضهم بين الآلة والسبب بأن الآلة هى الواسطة بين الفاعل وفعله والسبب ما به وجود الشىء، فاللسان آلة للذكر لا سبب له- قاله سم. واعترض بأن هذا الفرق لا يظهر، إذ قد يقال: إن الآلة بها وجود الشىء، ولذا أدخل بعضهم الآلة فى السبب فجعلها من جملة أفراده
(قوله: ذكرا حسنا) أى: فيهم أخذ الحسن من إضافة اللسان للصدق هذا، ويحتمل أن يكون المراد: واجعل لى كلاما صادقا باقيا فى الآخرين أى:
اجعل لسانى متكلما بكلمات صادقة باقية فى الآخرين لا تنسى ولا تنقطع ولا تحرّف
стр. 1762
واللسان: اسم لآلة الذكر.
ولما كان فى الأخيرين نوع خفاء صرح به فى الكتاب.
فإن قيل: قد ذكر فى مقدمة هذا الفن: أن مبنىّ المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللازم، وبعض أنواع العلاقة، بل أكثرها ...
===
(قوله: واللسان اسم لآلة الذكر) أى: فأطلق اللسان على الذكر لكونه آلة له، فالعلاقة الآلية، والمراد بالآخرين المتأخرون عنه من الأنبياء والأمم ولاستجابة المولى دعاءه صارت كل أمة بعده تنسب إليه وتقول أبونا إبراهيم سواء كانوا يهودا أو نصارى أو غيرهم
(قوله: ولما كان .. إلخ) جواب عما يقال: لأى شىء ذكر المصنف المعنى المجازى فى المثالين الأخيرين دون ما عداهما من الأمثلة وهلا صرح به فى الجميع أو حذفه من الجميع؟
(قوله: فى الأخيرين) أى: فى مجازية الأخيرين
(قوله: نوع خفاء) أى: لأن المعنى لا يظهر فيهما ظهوره فى الأمثلة السابقة؛ لأن استعمال الرحمة فى الجنة واللسان فى الذكر ليس من المجاز العرفى العامّ، ولذا حمل الكشاف الرحمة على الثواب المخلد والظرفية على الاتساع، وقيل فى الثانى: إن المعنى: اجعل لى لسانا ينطق بالصدق فى الآخرة
(قوله: صرح به) أى: بالخفاء أى: بمزيله وهو ما بعد أى
(قوله: فى الكتاب) أى: فى المتن حيث قال أى: فى الجنة وأى ذكرا حسنا
(قوله: فإن قيل .. إلخ) حاصله:
أن اعتبار العلاقة إنما هو لينتقل الذهن من المعنى الحقيقى إلى المعنى المجازى والانتقال فرع اللزوم، وأكثر هذه العلاقات لا يفيد اللزوم بالمعنى الذى مرّ فى المقدمة وهو أن يكون المعنى الحقيقى الموضوع له اللفظ بحيث يلزم من حصوله فى الذهن حصول المعنى المجازى إما على الفور أو بعد التأمل فى القرائن، وإن كان أكثر هذه العلاقات لا يفيد اللزوم فلا وجه لجعلها علاقات- هذا حاصله، وقد يقال: إنه لا حاجة إلى السؤال، والجواب بعد ما مرّ فى المقدمة من أن المعتبر اللزوم الذهنى، ولو لاعتقاد المخاطب بعرف أو غيره ولعلّه أعاده تذكرة لما سبق
(قوله: أن مبنىّ المجاز .. إلخ) أى: بخلاف الكناية فإنها مبنية على الانتقال من اللازم إلى الملزوم فهى بعكس المجاز (وقوله: مبنى المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللازم) أى: وذلك الانتقال بسبب العلاقة
(قوله: بل أكثرها) أى: كاليتامى،
стр. 1763
لا يفيد اللزوم- قلنا: ليس معنى اللزوم هاهنا امتناع الانفكاك فى الذهن، أو الخارج، بل تلاصق واتصال ينتقل بسببه من أحدهما إلى الآخر فى الجملة، وفى بعض الأحيان، وهذا متحقق فى كل أمرين بينهما علاقة وارتباط.
[الاستعارة]:
(والاستعارة) وهى مجاز تكون علاقته المشابهة- ...
===
فإن معناه الحقيقى لا يستلزم معناه المجازى وهو البالغون، وكذلك العصير لا يستلزم الخمر، وكذلك النادى لا يستلزم أهله لصحة خلوه عنهم، وكذا الرحمة لا تستلزم الجنة لصحة وقوعها فى غيرها كما فى الدنيا، وكذا اللسان لا يستلزم الذكر لصحة السكوت
(قوله: لا يفيد اللزوم) أى: وإذا كان لا يفيد اللزوم فلا وجه لجعلها علاقات؛ لأن العلاقة أمر يحصل بسببه الانتقال من المعنى الحقيقى للمعنى المجازى لاستلزامه له.
(قوله: قلنا .. إلخ) حاصله: أنه ليس المراد باللزوم هنا اللزوم الحقيقى- أعنى:
امتناع الانفكاك فى الذهن أو الخارج، بل المراد به الاتصال ولو فى الجملة فينتقل بسببه من أحدهما إلى الآخر وهذا متحقق فى جميع أنواع العلاقة
(قوله: تلاصق) أى: تعلق (وقوله: واتصال) أى: ارتباط وعطف الاتصال تفسير (وقوله: فى الجملة) متعلق بينتقل، وكان الأولى أن يقول: ولو فى الجملة (وقوله: وفى بعض الأحيان) تفسير للانتقال فى الجملة
(قوله: وهذا متحقق فى كل أمرين بينهما علاقة وارتباط) أى: فثبت أن أنواع العلاقة كلها تفيد اللزوم وبطل ما قاله السائل.
[الكلام فى الاستعارة]:
(قوله: والاستعارة) مبتدأ، وقوله: قد تقيد خبره، والجملة عطف على قوله:
والمرسل كاليد، وأعاد الشارح فيما يأتى المبتدأ لطول الفصل، وكتب شيخنا الحفنى: أن الظاهر حذف الواو من قوله: وهى مجاز ليكون مدخولها خبر الاستعارة؛ لأن الشارح قدر خبرها فى المتن وهو قد تقيد خبرا لمبتدأ محذوف- اه.
ثم إن المراد بالاستعارة فى كلام المصنف الاستعارة التصريحية: وهى التى يذكر فيها المشبه به دون المشبه، وأما المكنية: وهى التى لا يذكر فيها إلا المشبه فسيأتى، يفردها
стр. 1764
أى: قصد أن الإطلاق بسبب المشابهة، فإذا أطلق المشفر على شفة الإنسان فإن قصد تشبيهها بمشفر الإبل فى الغلظ والتدلّى- فهو استعارة، وإن أريد أنه من إطلاق المقيد على المطلق، كإطلاق المرسن على الأنف من غير قصد إلى التشبيه- فمجاز مرسل ...
===
المصنف فى فصل ويأتى حكمة ذلك
(قوله: أى: قصد .. إلخ) أشار بهذا إلى أن وجود المشابهة فى نفس الأمر بدون قصدها لا يكفى فى كون اللفظ استعارة، بل لا بدّ من قصد أن إطلاق اللفظ على المعنى المجازى بسبب التشبيه بمعناه الحقيقى لا بسبب علاقة أخرى غيرها مع تحققها
(قوله: فإذا أطلق المشفر) بكسر الميم: شفة البعير
(قوله: وإن أريد أنه من إطلاق المقيد) أى: اسم المقيد وهو مشفر فإنه اسم للمقيد وهو شفة البعير وتوضيح المقام: أن المشفر إذا أطلق- أى: جرد عن قيده وهو إضافته للبعير- واستعمل فى شفة الإنسان من حيث إنها فرد من أفراد مطلق شفة- كان مجازا مرسلا بمرتبة وهى التقييد بناء على التحقيق من اعتبار العلاقة وصف المنقول عنه، أما على القول باعتبار العلاقة وصف المنقول إليه فهى الإطلاق وإن أطلق المشفر عن قيده، ثم قيد بالإنسان كان مجازا مرسلا بمرتبتين التقييد ثم الإطلاق؛ لاستعمال المقيد أولا فى المطلق، ثم استعمل ثانيا المطلق فى مقيد آخر، فقول الشارح: وإن أريد أنه من إطلاق اسم المقيد أى: شفة البعير وقوله: على المطلق هو شفة الإنسان باعتبار ما تحقق فيها من مطلق شفة فمشفر أطلق على شفة الإنسان باعتبار ما تحقق فيها من مطلق شفة، لا من حيث كونها شفة مقيدة بالإنسان وإلا كان من إطلاق المقيد على المقيد.
(قوله: كإطلاق المرسن على الأنف) المرسن: [بفتح الميم وكسر السين وفتحها أيضا] وأما ضبط الجوهرى له بكسر الميم فهو غلط، والمرسن: مكان الرسن من البعير أو الدابة مطلقا ومكان الرسن هو الأنف؛ لأن الرسن عبارة عن حبل يجعل فى أنف البعير فالمرسن فى الأصل أنف البعير، فإذا أطلق عن قيده واستعمل فى أنف الإنسان باعتبار ما تحقق فيه من مطلق أنف كان مجازا مرسلا وإذا استعمل فى أنف الإنسان للمشابهة كأن يكون فيه اتساع وتسطيح كأنف الدابة كان استعارة، والمرسن كالمشفر يجوز فيه الأمران
стр. 1765
فاللفظ الواحد بالنسبة إلى المعنى الواحد قد يكون استعارة، وقد يكون مجازا مرسلا.
والاستعارة (قد تقيد بالتحقيقية) لتتميز عن التخييلية والمكنّى عنها (لتحقق معناها) ...
===
بالاعتبارين خلافا لما يوهمه كلام الشارح من أن إطلاق المرسن على الأنف يتعين أن يكون من المجاز المرسل
(قوله: فاللفظ الواحد) أى: كمشفر قد يكون استعارة .. إلخ بحث فيه بأنه مجاز مرسل بالنسبة إلى المفهوم الكلى وهو مطلق شفة واستعارة بالنسبة إلى خصوص شفة الإنسان، ولا شك فى تغاير المعنيين وتعددهما، وحينئذ فلم يتم قول الشارح بالنسبة للمعنى الواحد، وقد يقال: مراد الشارح: أن اللفظ الواحد إطلاقه على المعنى الواحد قد يكون سبيله الاستعارة، وقد يكون سبيله المجاز المرسل، فشفة الإنسان لها اعتباران: خصوص كونها شفة الإنسان، وكونها تحقق فيها المفهوم الكلى وهو مطلق شفة، فاستعمال مشفر فى شفة الإنسان بالاعتبار الأول سبيله الاستعارة واستعماله فيها بالاعتبار الثانى سبيله المجاز المرسل، فظهر أن اللفظ الواحد يصح فيه الإرسال، والاستعارة فى ما صدق واحد باعتبارين والمفهوم مختلف كما علمت
(قوله: قد تقيد) قد للتحقيق كقوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ (١) وليست للتقليل؛ لأن تقييدها بالتحقيقية كثير فى نفسه، ويحتمل أن تكون للتقليل؛ لأن إطلاق الاستعارة عن التقييد المذكور هو الأكثر وعند إطلاقها تكون شاملة للتحقيقية والتخييلية والمكنى عنها.
(قوله: لتتميز عن التخييلية والمكنّى عنها) لأن معنى التحقيقية محققة فتخرج التخييلية؛ لأنها عند المصنف كالسلف ليست لفظا فلا تكون محققة المعنى، وأما السكاكى فهى وإن كانت لفظا عنده إلا أنها غير محققة المعنى؛ لأن معناها عنده أمر وهمىّ وتخرج المكنية أيضا عند المصنف؛ لأنها عنده التشبيه المضمر فى النفس وهو ليس بلفظ فلا تكون محققة المعنى، وأما عند السلف فهى داخلة فى التحقيقية؛ لأنها اللفظ المستعار المضمر فى النفس وهو محقق المعنى فكذا هى داخلة فيها على مذهب السكاكى؛
стр. 1766
أى: ما عنى بها واستعملت هى فيه (حسّا أو عقلا) بأن يكون اللفظ قد نقل إلى أمر معلوم يمكن أن ينصّ عليه، ويشار إليه إشارة حسية، أو عقلية.
فالحسىّ (كقوله (١):
===
لأنها عنده لفظ المشبه ومعناه محقق وهو المشبه به كالأسد
(قوله: أى: ما عنى بها) وهو المعنى المجازى لا المعنى الحقيقى كما قد يتبادر من المتن
(قوله: واستعملت هى فيه) صفة جرت على غير من هى له فلذا أبرز الضمير بخلاف ما قبله
(قوله: حسّا أو عقلا) منصوبان على نزع الخافض أو على الظرفية المجازية والعامل فيهما تحقق، والمراد بتحقق معناها فى الحس: أن يكون معناها مما يدرك بإحدى الحواسّ الخمس فيصح أن يشار إليه إشارة حسية بأن يقال: نقل اللفظ لهذا المعنى الحسى وبالتحقق العقلى أن لا يدرك معناه بالحواس، بل بالعقل بأن كان له تحقق وثبوت فى نفسه، بحيث لا يصح للعقل نفيه فى نفس الأمر والحكم ببطلانه، فتصح الإشارة إليه إشارة عقلية بأن يقال: هذا الشىء المدرك الثابت عقلا هو الذى نقل له اللفظ، وهذا بخلاف الأمور الوهمية، فإنها لا ثبوت لها فى نفسها، بل بحسب الوهم، ولذا كان العقل لا يدركها ثابتة ويحكم ببطلانها دون الوهم
(قوله: بأن يكون) أى: بسبب أن يكون
(قوله: إلى أمر معلوم) أى: وهو المعنى المجازى.
(قوله: ويشار إليه إشارة حسية) أى: لكونه مدركا بإحدى الحواسّ الخمس، وكلام الشارح يومئ للقول بأن اسم الإشارة موضوع للمحسوس مطلقا، وتقدم أنه خلاف التحقيق والحق أنه موضوع للمحسوس بحاسة البصر فقط وأن استعماله فى المحسوس بغير تلك الحاسة مجاز، (وقوله: ويشار إليه ... إلخ) عطف تفسير لما قبله
(قوله: أو عقلية) أى: لكونه له ثبوت فى نفسه وإن كان غير مدرك بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، بل بالعقل
(قوله: كقوله) أى: كالأسد فى قول زهير بن أبى سلمى [بضم السين وسكون اللام وفتح الميم] وتمام البيت:
له لبد أظفاره لم تقلّم
стр. 1767
لدى أسد شاكى السلاح) أى: تامّ السلاح (مقذّف- أى: رجل شجاع) ...
===
وبعده:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين عاما لا أبا لك يسأم
ومهما يكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على النّاس تعلم
(قوله: لدى أسد) أى: أنا عند أسد أى: رجل شجاع فشبه الرجل الشجاع بالحيوان المفترس، وادعى أنه فرد من أفراده واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية التحقيقية؛ لأن المستعار له وهو الرجل الشجاع محقق حسّا لإدراكه بحاسة البصر
(قوله: أى تامّ السلاح) تفسير لشاكى السلاح، فشاكى صفة مشبهة أى:
تامّ سلاحه فإضافته لفظية لا تفيده تعريفا، فلذا وقع صفة للنكرة وهو مأخوذ من الشوكة يقال: رجل ذو شوكة أى: رجل ذو أضرار، فأصله شاوك قلب قلبا مكانيّا، فصار شاكو فقلبت الواو ياء لوقوعها متطرفة بعد كسرة، وفسرت شوكة السلاح بتمامه؛ لأن تمام السلاح عبارة عن كونه أهلا للإضرار فيكون معنى تمامه شدة حدته وجودة أصله ونفوذه عند الاستعمال، ويحتمل أن يكون تفسيرها هنا بالتمام؛ لأن تمامه- أى: اجتماع آلاته- يدل على قوة مستعمله فيفهم منه أنه ذو شوكة أى إضرار ونسب إلى السلاح لاستلزامه هذا المعنى فى صاحبه والخطب فى ذلك سهل- اه يعقوبى.
(قوله: مقذّف) هو اسم مفعول من قذفه رمى به، وهو يحتمل معنيين- أحدهما: أنه قذف به فى الحروب ورمى به فيها كثيرا حتى صار عارفا بها فلا تهوله، وثانيهما: أنه قذف باللحم ورمى به أى: زيد فى لحمه حتى صار له جسامة- أى:
سمن- ونبالة- أى: غلظ- فعلى المعنى الأول يكون قوله: مقذّف تجريدا لملاءمته المستعار له، وعلى المعنى الثانى لا يكون مقذف تجريدا ولا ترشيحا لملاءمته لكل من المستعار منه والمستعار له، ويحتمل أن يكون مقذف اسم فاعل ويكون المعنى: أن هذا الأسد من الرجال قذف بلحم أعدائه ورمى به عند تقطيع أجسامهم فصار من جملة المعدودين من أهل القوة الأسدية التى بها توصل وتمكن من تقطيع لحم الحيوانات ورميه به، وعلى هذا فيكون قوله: مقذف ترشيحا لملاءمته المستعار منه بتمحل- فتأمل.
стр. 1768
أى: قذف به كثيرا إلى الوقائع، وقيل: قذف باللحم ورمى به فصار له جسامة ونبالة. ف الأسد هاهنا مستعار للرجل الشجاع؛ وهو أمر متحقق حسّا.
(وقوله) أى: والعقلى كقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١) أى:
الدين الحق) وهو ملّة الإسلام، وهذا أمر متحقق عقلا. قال المصنف- رحمه الله تعالى- فالاستعارة ما تضمن تشبيه معناه بما وضع له، ...
===
(قوله: أى قذف) بكسر الذال مخففة فى المحلين لا مشددة كما قيل، وإلا صار قوله كثيرا ضائعا
(قوله: ورمى به) تفسيرا لما قبله أى: زاد الله أجزاء لحمه حتى صار لحمه كثيرا فالباء للتعدية
(قوله: جسامة) أى: سمن ونبالة أى: غلظ وهو عطف لازم
(قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) أى: فالصراط المستقيم فى الأصل: هو الطريق الذى لا اعوجاج فيه استعير للدين الحق بعد تشبيهه به استعارة تصريحية تحقيقية ووجه الشبه التوصل إلى المطلوب فى كلّ، وإنما كانت تحقيقية؛ لأن المستعار له وهو الدين الحق محقق عقلا؛ وذلك لأن الدين الحق المراد به ملّة الإسلام بمعنى الأحكام الشرعية وهى لها تحقق وثبوت فى نفسها
(قوله: قال المصنف) أى: فى الإيضاح والقصد من نقله لكلام المصنف إفادة أن المصنف يجعل" زيد أسد" تشبيها بليغا لا استعارة؛ لأن حد الاستعارة لا يصدق عليه، والاعتراض عليه بما سيأتى بقوله: وفيه بحث
(قوله: فالاستعارة) أى: مطلقا من غير تقييد بكونها تحقيقية؛ بدليل أنه لم يذكر فى هذا التعريف تحقق المعنى حسّا أو عقلا.
(قوله: ما تضمن تشبيه معناه بما وضع له) أى: لفظ تضمن تشبيه معناه المراد منه حين إطلاقه وهو المعنى المجازى بمعناه الحقيقى الذى وضع هو له فالضمير فى وضع راجع لما الأولى لا الثانية، فالصلة جارية على غير من هى له، والمراد بتضمن اللفظ لتشبيه معناه بشىء: إفادة ذلك التشبيه بواسطة القرينة من حيث إنه لا يصلح أن يستعمل فيه إلا بعلاقة المشابهة لعدم صحة الحمل حينئذ. قال فى الأطول: وقد أفاد هذا التعريف الذى ذكره المصنف أن اللفظ لا يستعار من المعنى المجازى، وإن كان مشهورا فيه لمعنى مجازى آخر؛ لأن المعنى المجازى لم يوضع له اللفظ- اه أى: وأما تشبيه
стр. 1769
والمراد ب معناه: ما عنى باللفظ، واستعمل اللفظ فيه؛ فعلى هذا يخرج من تفسير الاستعارة نحو: زيد أسد، ورأيت أسدا، ومررت بزيد أسدا؛ مما يكون اللفظ مستعملا فيما وضع له، وإن تضمن تشبيه شىء به؛ وذلك لأنه إذا كان معناه
===
المعنى المجازى بشىء آخر وإثبات لازمه له فهذا لا ضرر فيه كما فى قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (١) فإنه شبه ما غشى أهل تلك القرية التى كفرت بنعم الله عند جوعهم وخوفهم من الصفرة وانتقاع اللون والنحول- باللباس بجامع الاشتمال فى كلّ واستعير اللباس لذلك استعارة تصريحية تحقيقية، ثم شبه أيضا ما غشيهم عند جوعهم وخوفهم بمطعوم مرّ بشع تشبيها مضمرا فى النفس على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الإذاقة تخييل. ففى الآية ثلاث استعارات: تحقيقية ومكنية وتخييلية
(قوله: والمراد بمعناه ما عنى باللفظ واستعمل اللفظ فيه) يعنى الآن حال إطلاقه أى: وليس المراد بمعناه المعنى الذى وضع له اللفظ وضعا مقيدا بكونه أصليّا ولا يضرّ بيان هذه الإرادة فى التعريف وإن كان المراد بالمعنى عند الإطلاق ما ذكر؛ لأن التنبيه عليه لزيادة البيان
(قوله: فعلى هذا) أى:
فإذا فرعنا على هذا الحدّ المذكور- وهو أن الاستعارة لفظ تضمن تشبيه معناه بما وضع له- يخرج من تفسيرها أسد ونحوه: كحمار وبدر من قولك: زيد أسد أو حمار أو بدر فلا يكون استعارة، بل هو تشبيه بليغ بحذف الأداة، فقول الشارح: نحو: زيد أسد فيه حذف كما علمت أى: نحو: أسد من قولك: زيد أسد
(قوله: مما يكون اللفظ) بيان للنحو وكان الأولى أن يقول من كل لفظ استعمل فيما وضع له
(قوله: وإن تضمن) أى: ذلك اللفظ المستعمل فيما وضع له، (وقوله: به) أى: بمعناه الموضوع له، ولا شك أن لفظ الأسد فى الأمثلة السابقة مستعمل فى المعنى الذى وضع هو له وهو الحيوان المفترس وإن تضمن تشبيه شىء وهو زيد به، لكن ذلك الشىء ليس معنيّا بذلك اللفظ، وحينئذ فلا يكون ذلك اللفظ مجازا فلا يكون استعارة
(قوله: وذلك) أى: وبيان ذلك أى: خروج لفظ الأسد فى الأمثلة المذكورة عند حدّ الاستعارة
(قوله: لأنه) أى الحال والشأن (وقوله: إذا كان معناه) أى: معنى لفظ
стр. 1770
عين المعنى الموضوع له لم يصح تشبيه معناه بالمعنى الموضوع له؛ لاستحالة تشبيه الشىء بنفسه، على أن ما فى قولنا: ما تضمن عبارة عن المجاز بقرينة تقسيم المجاز إلى الاستعارة وغيرها، وأسد فى الأمثلة المذكورة ليس بمجاز؛ ...
===
الأسد المستعمل فيه فى الأمثلة المذكورة
(قوله: عين الموضوع له) أى: لا المعنى المجازى وهو الرجل الشجاع
(قوله: لم يصح تشبيه معناه) أى: المستعمل فيه وهو عين الموضوع له أى: لا يصح أن يقال فيه: شبه معناه المستعمل فيه بمعناه الموضوع له لما فيه من تشبيه الشىء بنفسه وتشبيه الشىء بنفسه محال، والحاصل: أن قولنا: تضمن هذا تشبيه معناه بما وضع له يقتضى أن هاهنا معنى استعمل فيه اللفظ وآخر وضع له شبه أحدهما بالآخر، فإذا كان ما استعمل فيه هو معناه الذى وضع له اتحد المشبه والمشبه به وهذا فاسد، وحينئذ فيؤخذ من تعريف الاستعارة السابق أن نحو: الأسد فى الأمثلة المذكورة خارج بطريق اقتضاء التعريف المغايرة فيكون هذا الخارج من قبيل التشبيه البليغ لا من الاستعارة
(قوله: لاستحالة .. إلخ) أورد عليه أن كون اللفظ مستعملا فيما وضع له مشبها بما وضع له لا يقتضى تشبيه الشىء بنفسه- ألا ترى أن المشترك إذا شبه بعض معانيه ببعض، واستعمل فى المشبه صدق عليه أنه لفظ استعمل فى معناه الذى وضع له متضمنا تشبيهه بالمعنى الذى وضع له ضرورة أنه وضع لهما معا وليس فيه تشبيه الشىء بنفسه، وأجيب بأنا لا نسلم أن المشترك إذا استعمل بتلك الحيثية يصدق عليه أنه لفظ استعمل فى معناه الذى وضع له متضمنا تشبيهه بالمعنى الذى وضع له؛ لأن المشترك موضوع بأوضاع متعددة فهو من حيث وضعه لمعنى يكون ما عداه غير ما وضع له من حيث ذلك الوضع وإن كان موضوعا له بوضع آخر، وحينئذ فالمشترك المذكور داخل فى الاستعارة لصدق حدّها عليه حيث استعمل المشترك بتلك الحيثية
(قوله: على أن ما .. إلخ) هذه العلاوة من تتمّة كلام المصنف مقوية لما ذهب إليه من إخراج الأسد فى الأمثلة المذكورة عن الاستعارة، وحاصلها: أنه لا يحتاج فى إخراج الأسد فى تلك الأمثلة عن الاستعارة إلى اقتضاء التشبيه المغايرة بين المعنى وما وضع له وإلا لزم تشبيه الشىء بنفسه؛ لأن لنا شيئا يغنينا عن هذا التطويل المذكور وهو أن تقول: إن لفظ الأسد فى الأمثلة كلها خارج عن التعريف بقوله ما تضمن؛ لأن ما واقعة على المجاز، وأسد فى
стр. 1771
لكونه مستعملا فيما وضع له- وفيه بحث؛ لأنا لا نسلّم أنه مستعمل فيما وضع له، بل فى معنى الشجاع، ...
===
الأمثلة ليس بمجاز وليست واقعة على لفظ حتى يحتاج للإخراج بما ذكر وإن صح الإخراج به أيضا، وإنما كانت ما واقعة على مجاز؛ لأنا إذا قسمنا المجاز أولا إلى استعارة وغيرها، ثم أردنا تفسير الاستعارة من القسمين بعد التقسيم، فالأنسب: أن يؤخذ فى تعريفها الجنس الجامع لقسمى المجاز دون ما هو أبعد لخروجه عن تعريف مطلق المجاز، وإنما كان الأنسب: أن يؤخذ المجاز جنسا؛ لأنه هو الأقرب للنوع الذى أريد تمييزه عن مقابله، وحينئذ تكون ما عبارة عنه
(قوله: لكونه مستعملا فيما وضع له) هذا آخر كلام المصنف فى الإيضاح
(قوله: وفيه بحث) أى: فى كلام المصنف بحث من حيث إخراجه الأسد فى الأمثلة المذكورة عن الاستعارة
(قوله: لا نسلّم أنه) أى: الأسد فى الأمثلة المذكورة.
(قوله: مستعمل فيما وضع له) أى: الحيوان المفترس
(قوله: بل فى معنى الشجاع) أى: وحينئذ لفظ أسد له معنيان شبه معناه المراد منه وهو الشجاع الذى زيد فرد من أفراده بالمعنى الموضوع له وهو الحيوان المفترس، واستعير اسمه له فيكون أسد حينئذ مجازا بالاستعارة لصدق تعريفها الذى ذكره المصنف عليه، وليس هناك جمع بين الطرفين لما علمت أن زيدا ليس هو المشبه بالأسد الحقيقى، بل المشبه كلى زيد المذكور وهو الشجاع، (وقوله: بل فى معنى الشجاع) أى: بل يختار ويرجح أنه مستعمل فى معنى الشجاع، فالشارح لا يمنع جواز أن يكون مستعملا فيما وضع له وأن يكون التركيب من باب التشبيه البليغ بأن يكون سوق الكلام لإثبات تشبيه زيد بالأسد- كذا قيل، وهذا بعيد من عبارة الشارح المذكورة- فتأمل.
واعلم أنه ليس المراد بمعنى الشجاع صورته الذهنية من حيث وجودها وحصولها فى الذهن، إذ لا يصح تشبيهها بالأسد قطعا مع أن التشبيه معتبر فى الاستعارة، بل المراد به الذات المبهمة المشبهة بالأسد وتعلق الجار بالأسد على هذا باعتبار أنه إنما يطلق على تلك الذات مأخوذة مع ذلك الوصف، فكان الوصف جزء مفهومه المجازى- اه فنرى.
стр. 1772
فيكون مجازا، واستعارة؛ كما فى: رأيت أسدا يرمى- بقرينة حمله على زيد- ولا دليل لهم على أن هذا على حذف أداة التشبيه، وأن التقدير: زيد كأسد.
واستدلالهم على ذلك بأنه قد أوقع الأسد على زيد- ومعلوم أن الإنسان لا يكون أسدا، فوجب المصير إلى التشبيه بحذف أداته؛ قصدا إلى المبالغة- فاسد؛ ...
===
(قوله: فيكون مجازا) أى: لأنه مستعمل فى غير ما وضع له (وقوله: واستعارة) أى: لأنه لفظ تضمن تشبيه معناه المراد منه بالمعنى الذى وضع له
(قوله: بقرينة حمله) متعلق بمستعمل المقدر فى قوله، بل فى معنى الشجاع أى: بل مستعمل فى معنى الشجاع بقرينة حمله، ويصح أن يكون متعلقا بقوله: فيكون مجازا، وحينئذ يكون جوابا عمّا يقال المجاز مشروط بوجود القرينة المانعة من إرادة الحقيقة ولا قرينة هنا، وحاصل الجواب: أنا لا نسلّم عدم القرينة هنا، بل هنا قرينة وهى حمله على زيد، ولا يقال: إنه لا دلالة للحمل على كون الأسد مستعملا فى معنى الشجاع لجواز أن يراد به المعنى الموضوع له وتقدر الأداة؛ لأنا نقول يكفى فى القرينة ما هو الظاهر ومسخ الكلام بالتقدير مما لا يلتفت إليه
(قوله: ولا دليل لهم) أى: للقوم التابع لهم المصنف أى: لا دليل لهم صحيح منتج لدعواهم من أن أسدا فى الأمثلة المذكورة مستعمل فى حقيقته، وعلى هذا فلا منافاة بين قوله: ولا دليل لهم، وبين قوله: بعد واستدلالهم ... إلخ- تأمل.
(قوله: على أن هذا) أى: نحو زيد أسد.
(قوله: على حذف أداة .. إلخ) أى: محمول على حذف أداة التشبيه وأن التقدير: زيد كالأسد حتى يكون أسد مستعملا فيما وضع له
(قوله: واستدلالهم) مبتدأ خبره فأسد الآتى (وقوله: على ذلك) أى: على ما ذكر من أن أسدا ونحوه فى الأمثلة المذكورة مستعمل فى حقيقته، وأنه محمول على حذف أداة التشبيه
(قوله: بأنه قد أوقع الأسد على زيد) أى: حمل عليه وأخبر به عنه
(قوله: أن الإنسان لا يكون أسدا) أى:
فمقتضاه أن يكون حمله عليه غير صحيح لوجوب كون المحمول عين الموضوع فى المعنى
(قوله: فوجب المصير) أى: الرجوع
(قوله: بحذف أداته) الباء للملابسة أى: الملابس لحذف أداته
(قوله: قصدا إلى المبالغة) علّة للحذف أى: وإنما حذفت الأداة لأجل قصد
стр. 1773
لأن المصير إلى ذلك إنما يجب إذا كان أسد مستعملا فى معناه الحقيقى.
وأما إذا كان مجازا عن الرجل الشجاع- فحمله على زيد صحيح، ويدل على ما ذكرنا: أن المشبه به فى مثل هذا المقام كثيرا ما يتعلق به الجارّ والمجرور،
===
المبالغة فى زيد بإيهام أنه عين الأسد
(قوله: لأن المصير إلى ذلك) أى: التشبيه بحذف الأداة
(قوله: فحمله على زيد صحيح) لأن المعنى زيد رجل شجاع، والحاصل: أن قولنا: زيد أسد أصله: زيد رجل شجاع كالأسد، فحذف المشبه وأداة التشبيه، وتنوسى التشبيه، واستعمل المشبه به فى معنى المشبه على سبيل الاستعارة؛ لأن المشبه- وهو الذات المتصفة بالشجاعة- لم يذكر لفظه، وقد ذكر المشبه به مكانه مخبرا به عن زيد، وأما زيد فليس مشبها به إلا من حيث كونه ذاتا صدقت عليها الشجاعة، وبتلك الحيثية أخبر عنه، وأما من حيث إنه شخص عين بهذا العلم فليس مشبها. هذا وقد ضعف بعضهم ما قاله الشارح من البحث: بأنه لا بدّ من المبالغة فى الاستعارة ولا مبالغة فى قولنا: زيد رجل شجاع كالأسد، فإن الحكم باتحاد زيد بالرجل الشجاع والتشبيه بالأسد يفيد تشبيه زيد بالأسد ولا مبالغة فيه، وردّ بأنه إذا استعمل لفظ المشبه به فى المشبه وهو الرجل الشجاع كان تشبيهه به مفروغا منه مسلما والمقصود الحكم بالاتحاد كما فى: رأيت أسدا يرمى، فإن تشبيه الرجل الشجاع بالأسد مفروغ منه والمقصود إيقاع الرؤية عليه، فحصلت المبالغة فى الرجل الشجاع باستعمال لفظ المشبه به فيه وجعله فردا ادعائيّا له- فتأمل.
(قوله: على ما ذكرنا) أى: من أن أسدا مستعمل فى الرجل الشجاع لا فى الحيوان المفترس الذى وضع له
(قوله: فى مثل هذا المقام) أى: فى هذا المقام وما ماثله من كل تركيب ذكر فيه المشبه به والمشبه بحسب الصورة ولم تذكر الأداة
(قوله: كثيرا ما يتعلق به الجارّ والمجرور) أى: وتعلق الجارّ والمجرور به دليل على أنه مؤول بمشتق:
كشجاع ومجترئ ونحوهما، فإن الشجاع مشتق من الشجاعة والمجترئ من الجراءة، ولو كان المشبه به مستعملا فى معناه الحقيقى ما تعلق به الجارّ والمجرور لكونه جامدا
стр. 1774
كقوله:
أسد علىّ وفى الحروب نعامة (١)
أى: مجترئ صائل علىّ، وكقوله:
===
حينئذ، والجامد لا يتعلق به الجار والمجرور
(قوله: كقوله: أسد علىّ) أى: كقول عمران ابن قحطان مفتى الخوارج وزاهدهم- خطابا للحجاج توبيخا له أى: أنت أسد علىّ وأنت نعامة فى الحروب.
فعلى متعلق بأسد لكونه بمعنى مجترىء صائل، وفى الحروب متعلق بنعامة لكونه بمعنى جبان؛ لأن النعامة من أجبن الحيوانات، وتمام البيت:
فتحاء تنفر من صفير الصّافر
والفتحاء بالحاء المهملة والمد: المسترخية الجناحين عند النزول والمراد من قوله تنفر من صفير الصافر: أنه يترعج من مجرد الصدى. وبعد البيت المذكور:
هلا برزت إلى غزالة فى الوغى ... بل كان قلبك فى جناحى طائر
الخطاب فى برزت للحجاج، وغزالة هى امرأة شبيب الخارجى، وكان يضرب المثل بشجاعتها، نقل أنها هجمت الكوفة ليلا فى ثلاثين فارسا، وكان الحجاج فى الكوفة وصحبته ثلاثون ألف مقاتل، فخرج هاربا بهم فصلّت صلاة الصبح فيها وقرأت فى تلك الصلاة سورة البقرة
(قوله: أى مجترئ) تفسير للمعنى المجازى المشبه بالأسد؛ وذلك لأن أسدا لا يصح تعلق الجارّ والمجرور به، إلا إذا كان فيه معنى الفعل ولا يكون فيه معنى الفعل إلا إذا قصد منه الاجتراء، والاجتراء لا يكون مقصودا منه إلا إذا استعمل فيه مجازا، وأما عند استعماله فى المعنى الحقيقى فلا يقصد منه الاجتراء وإن كان الاجتراء حاصلا وفرق بين حصول الشىء قصدا وحصوله من غير قصد. نعم، يمكن أن يقال من طرف المصنف: إن الجار والمجرور متعلق بالأداة لما فيها من معنى الفعل وهو أشبه
стр. 1775
والطّير أغربة عليه (١)
أى: باكية وقد استوفينا ذلك فى الشرح.
هل الاستعارة مجاز لغوى أم عقلى:
واعلم أنهم قد اختلفوا فى أن الاستعارة مجاز لغوى، أو عقلى؛ ...
===
كما قيل فى قوله تعالى: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) فإن" بمجنون" متعلق بما فيها من معنى الفعل أى: انتفى ذلك بنعمة ربك، وكذا يقال هنا: المعنى أنت تشبه الأسد بالنسبة إلى، وحذف ما يتعلق به الجار والمجرور شائع
(قوله: والطير أغربة عليه .. إلخ) هذا بعض بيت لأبى العلاء المعرى من قصيدة يرثى بها الشريف الطاهر الموسوى مطلعها:
أودى فليت الحادثات كفاف ... حال المسيف وعنبر المستاف (٣)
وتمام البيت المذكور فى الشرح:
... بأسرها ... فتح السّراة وساكنات لصاف
أودى أى: هلك وفاعله حال المسيف، وكفاف: اسم معدول مثل قطام أى: ليت الحادثات تكف الأذى، واستاف الرجل إذا ذهب ماله، والفتح بالضم: جمع فتحاء من الفتح وهو اللين يقال: عقاب فتحاء؛ لأنها إذا انحطت كسرت جناحها وهذا لا يكون إلا من اللين. والسراة بفتح السين المهملة: جبال باليمن يكون فيها هذا وغيره، وبضم الشين المعجمة جبال بالشام، ولصاف: جبل طيئ، والشاهد فى قوله: " والطير أغربة عليه" فإنه ليس المراد بالأغربة الطير المعروف، إذ لا معنى له هنا، بل المراد الطير باكية عليه، فعليه متعلق بأغربة وهى فى الأصل اسم للطير المعروف وهو جامد، ولا يصح تعلق الجار به، فاستعمله الشاعر فى الباكية فصح تعلق الجار به، وإنما نقل لفظ الأغربة إلى معنى الباكية؛ لأن الغراب يشبه به الباكى الحزين، إذ يزعمون أن الغراب يعلم بالموت ومن لازم ذلك التحزن وعلى ما قال المصنف فالمعنى: أن كل الطيور فى الحزن على ذلك المرثى مثل الأغربة الباكية عليه
(قوله: واعلم .. إلخ) أشار الشارح بهذا إلى أن كلام المصنف مرتب على محذوف
(قوله: أو عقلى) أى: لا بمعنى الإسناد إلى غير من هو له، بل بالمعنى الآتى.
стр. 1776
فالجمهور على أنها مجاز لغوى- بمعنى: أنها لفظ استعمل فى غير ما وضع له لعلاقة المشابهة (ودليل أنها) أى: الاستعارة (مجاز لغوى: كونها موضوعة للمشبه به، لا للمشبه، ولا للأعم منهما) أى: من المشبه والمشبه به فأسد فى قولنا: رأيت أسدا يرمى" موضوع للسبع المخصوص، لا للرجل الشجاع، ولا لمعنى أعم من السبع والرجل كالحيوان المجترئ مثلا؛ ...
===
(قوله: فالجمهور على أنها مجاز لغوى) أى: وعليه مشى المصنف سابقا، حيث قال فيما مرّ: وقد يقيدان- أى: الحقيقة والمجاز- باللغويين، ثم قسم المجاز اللغوى إلى استعارة ومجاز مرسل فتكون الاستعارة حينئذ مجازا لغويا
(قوله: بمعنى .. إلخ) أتى بهذه العناية دفعا لتوهم أن المراد باللغوى ما قابل الشرعى والعرفى والعقلى، فأفاد بها أن المراد باللغوى ما قابل العقلى فقط.
(قوله: ودليل .. إلخ) حاصل ما ذكره من الدليل أن تقول: الاستعارة لفظ استعمل فى غير ما وضع له لعلاقة وقرينة وكل ما هو كذلك فهو مجاز لغوى، فالاستعارة مجاز لغوى ودليل كلّ من الصغرى والكبرى النقل عن أئمة اللغة، وأشار المصنف بقوله: كونها موضوعة للمشبه به لا للمشبه إلى الصغرى؛ لأن هذا فى قوة قولنا: الاستعارة لفظ استعمل فى غير ما وضع له؛ لأنها موضوعة للمشبه به لا للمشبه المستعمل فيه اللفظ
(قوله: أى الاستعارة) يعنى المصرحة؛ لأن الكلام فيها
(قوله: للمشبه به) أى: كالأسد بالنسبة إلى السبع المخصوص (وقوله: لا للمشبه) أى: كالرجل الشجاع
(قوله: ولا للأعم منهما) أى:
وهو الشجاع مطلقا أى: رجلا كان أو أسدا، إذ لو كان اللفظ موضوعا للأعم منهما لكان متواطئا أو مشككا فيكون حقيقة بالنسبة لكلّ منهما، وإذا كان اللفظ لم يوضع للمشبه ولا للقدر المشترك بين المشبهين المستلزم لكون إطلاقه على كلّ منهما حقيقة كان استعماله فى المشبه مجازا لغويّا، إذ يصدق عليه حينئذ أنه لفظ استعمل فى غير ما وضع له، وهذا هو معنى المجاز اللغوى
(قوله: موضوع للسبع المخصوص) أى: والقرينة المانعة من إرادة المعنى الموضوع له كيرمى فى المثال لا تمنع من الوضع له أو إنما تمنع من إرادة المعنى الحقيقى الموضوع له
(قوله: كالحيوان المجترئ) مثال للمعنى الأعم
стр. 1777
ليكون إطلاقه عليهما حقيقة، كإطلاق الحيوان على الأسد والرجل، وهذا معلوم بالنقل عن أئمة اللغة قطعا، فإطلاقه على الرجل الشجاع إطلاق على غير ما وضع له مع قرينة مانعة عن إرادة ما وضع له- فيكون مجازا لغويّا.
وفى هذا الكلام دلالة على أن لفظ العامّ إذا أطلق على الخاصّ لا باعتبار خصوصه بل باعتبار عمومه فهو ليس من المجاز فى شىء- كما إذا لقيت زيدا فقلت: لقيت رجلا، أو إنسانا، أو حيوانا، بل هو حقيقة إذ لم يستعمل اللفظ إلا فى معناه الموضوع له.
===
والمجترئ مأخوذ من الجراءة
(قوله: ليكون .. إلخ) علّة للمنفى- أعنى: الوضع للمعنى الأعم، وقوله: عليهما أى: على السبع والرجل الشجاع
(قوله: كإطلاق الحيوان .. إلخ) أى: فحيوان موضوع للمعنى الأعم من الأسد والرجل، وهو الجسم النامى الحساس المتحرك بالإرادة، وحينئذ فاستعماله فى كلّ من الأسد والرجل حقيقة.
(قوله: وهذا) أى: كون الأسد موضوعا للسبع المخصوص وليس موضوعا للرجل ولا للمعنى الأعم منه ومن السبع
(قوله: فإطلاقه) أى: الأسد فى قولنا: رأيت أسدا يرمى
(قوله: فيكون مجازا لغويّا) أى: لا عقليّا
(قوله: وفى هذا الكلام) أعنى قول المصنف ولا للأعم منهما
(قوله: بل باعتبار عمومه) أى: تحقق العام فيه وأنه فرد من أفراده وهل هذا شرط حين الإطلاق أو الشرط إنما هو إطلاقه عليه من غير ملاحظة الخصوص- كذا نظر يس، والظاهر من إضراب الشارح الأول
(قوله: فهو ليس من المجاز فى شىء) أى:
وأما لو أطلق عليه باعتبار خصوصه كان مجازا، وعبارة ابن يعقوب: وقد تقرر بهذا أن اللفظ الموضوع للمعنى الأعم إذا استعمل فيما يوجد فيه ذلك الأعم من حيث إنه متحقق فيه فهو حقيقة، فإذا قلت: رأيت إنسانا وأردت بالإنسان زيدا، ولكن من حيث إنه إنسان لا من حيث إنه زيد- أى: شخص مسمى بهذا الاسم- فإنه يكون حقيقة، وكذلك قولك: رأيت رجلا تريد زيدا من حيث وجود الرجولية فيه فإنه يكون حقيقة، ولو استعمل العام فى الخاص من حيث خصوصه أى: للإشعار بخصوصه وجعل ارتباطه بمعنى العام الموجود فيه واسطة للاستعمال، وجعل إطلاق
стр. 1778
(وقيل إنها) أى: الاستعارة: (مجاز عقلى- بمعنى: أن التصرف ....
===
اللفظ من حيث استعمال لفظ العام فى الخاص بسبب ملابسة العام للخاص فى الجملة كان مجازا، ومن ثم كان العام الذى أريد به الخصوص مجازا عند الأصوليين قطعا ومثل العام المتواطئ إذا استعمل فى أحد أفراده من غير قصد إشعار بالأعم فيه ولا يضر فى التجوز عدم إشعار الأعم بالأخص وعدم استلزامه إياه من حيث خصوصه لما تقدم أن الملازمة فى الجملة تكفى فى التجوز- اه.
وما ذكره من أن استعمال العامّ فى الخاصّ باعتبار عمومه حقيقة، وأما استعماله فيه من حيث خصوصه فمجاز مثله فى بحث المعرف باللام فى المطول حيث قال ما حاصله: أن اسم الجنس وعلم الجنس إذا أطلقا على الفرد باعتبار الخصوص كان مجازا، وإذا أطلقا على الحقيقة فى ضمن الفرد كان حقيقة، ونقل شيخنا الحفنى فى حاشيته على رسالة الوضع عن الكمال بن الهمام: أن استعمال العام فى الخاص حقيقة مطلقا بناء على أن اللام فى قولهم فى تعريف الحقيقة: الكلمة المستعملة فيما وضعت له لام الأجل أى: فيما وضعت لأجله واسم الكلى إنما وضع ليستعمل فى الجزئى- وتأمله
(قوله: بمعنى: أن التصرف .. إلخ) الأولى بمعنى أنها تصرف عقلى أى: ذات تصرف عقلى وأشار المصنف بقوله: بمعنى .. إلخ إلى أنه ليس المراد بالمجاز العقلى هنا إسناد الشىء لغير من هو له؛ لأنه إنما يكون فى الكلام المركب المحتوى على إسناد وهو غير متحقق هنا، بل المراد هنا بالمجاز العقلى التصرف فى أمر عقلى- أى: يدرك بالعقل- وهو المعانى العقلية والتصرف فيها بادعاء أن بعضها وهو المشبه داخل فى البعض الآخر وهو المشبه به وجعل الآخر شاملا له على وجه التقدير، ولو لم يكن كذلك فى نفس الأمر وحسن ذلك الإدخال وجود المشابهة بينهما فى نفس الأمر، ثم إنه يلزم من كون التصرف فى أمر عقلى كون التصرف نفسه عقليّا؛ لأن جعل ما ليس بواقع واقعا فى التقدير والاعتقاد بناء على مناسبة المشابهة أمر عقلى: وعلم مما ذكرنا: أن المجاز العقلى يطلق على أمرين- أحدهما: إسناد الشىء لغير من هو له، والثانى: التصرف فى المعانى العقلية على خلاف ما فى الواقع
(قوله: أن التصرف) أى: وهو الادعاء المذكور.
стр. 1779
فى أمر عقلى لا لغوى؛ لأنها لم تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله) أى:
دخول المشبه (فى جنس المشبه به) بأن جعل الرجل الشجاع فردا من أفراد الأسد (كان استعمالها) أى: الاستعارة فى المشبه استعمالا (فيما وضعت له) ...
===
(وقوله: فى أمر عقلى) أى: وهو جعل الرجل الشجاع فردا من أفراد الأسد حقيقة
(قوله: لا لغوى) أى: لا فى أمر لغوى وهو اللفظ بمعنى أن المتكلم لم ينقل اللفظ إلى غير معناه وإنما استعمله فى معناه بعد أن تصرف فى تلك المعانى وصيّر بعضها نفس غيرها، وبعد تصيير المعنى معنى آخر جىء باللفظ وأطلق على معناه بالجعل وإن لم يكن معناه فى الأصل
(قوله: لأنها .. إلخ) هذا دليل لكونها ليست مجازا لغويّا، وحاصله: أن الاستعارة مستعملة فيما وضعت له بعد الادعاء وكل ما هو كذلك لا يكون مجازا لغويّا. ينتج أن الاستعارة ليست مجازا لغويّا، بل عقليّا؛ لأن الكلام فى المجاز لا فى الحقيقة وسند الصغرى قوله: لأنها لما لم تطلق .. إلخ
(قوله: لأنها) أى: الاستعارة بمعنى الكلمة كلفظ أسد (وقوله: على المشبه) أى: كالرجل الشجاع.
(قوله: بأن جعل .. إلخ) الباء للسببية
(قوله: استعمالا) الظاهر أنه حل معنى ولا حاجة له فى حل الإعراب، إذ يصح تعلق قوله: فيما وضعت له بقوله: استعمالها على أن كان تامّة، وعلى أنها ناقصة فالخبر الجار والمجرور
(قوله: استعمالا فيما وضعت له) أى: لأن العقل صيّر المشبه من أفراد المشبه به الذى وضع اللفظ المستعار لحقيقتها، فتصير الاستعارة حينئذ مستعملة فيما وضعت له لا فيما لم توضع له، وقد تقدم أن المجاز اللغوى: هو ما استعمل فى غير ما وضع له، وحينئذ فلا تكون الاستعارة مجازا لغويّا، بل هى على هذا التقدير حقيقة لغوية لاستعمالها فيما وضعت له بعد الادعاء والإدخال فى جنس المشبه به فالتجوّز فى الحقيقة إنما كان فى المعانى بجعل بعضها نفس غيرها، ثم أطلق اللفظ فتسميته مجازا عقليّا ظاهر نظرا لسبب إطلاقه، وأما تسميتها استعارة فباعتبار إعطاء حكم المعنى للفظ؛ لأن المستعار فى الحقيقة على هذا هو معنى المشبه به بجعل حقيقته لما ليس حقيقة له وهو المشبه، ولما تبع ذلك إطلاق اللفظ سمى استعارة- ا. هـ يعقوبى.
стр. 1780
وإنما قلنا: إنها لم تطلق على المشبه إلا بعد ادّعاء دخوله فى جنس المشبه به؛ لأنها لو لم تكن كذلك لما كانت استعارة؛ لأن مجرد نقل الاسم لو كان استعارة لكانت الأعلام المنقولة استعارة، ولما كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة؛ إذ لا مبالغة فى إطلاق الاسم المجرد عاريا عن معناه، ...
===
(قوله: وإنما قلنا) أى: على لسان المصنف وإلا فالمناسب إنما قال
(قوله: لو لم تكن كذلك) أى: مطلقة على المشبه بعد الادعاء، بل أطلقت عليه بدون الادعاء المذكور، وهذا الدليل الذى أشار له بقوله: لأنها .. إلخ: من قبيل دليل الخلف وهو المثبت للمدعى بإبطال نقيضه واللوازم التى ذكرها الشارح ثلاثة- فقوله: لما كانت استعارة لازم أول أى: ولكن التالى باطل فكذا المقدم فثبت نقيضه وهو المدعى، وكذا يقال فى بقية اللوازم الآتية.
(قوله: لما كانت استعارة) أى: لأن حقيقة الاستعارة نقل اللفظ بمعناه للمستعار لا نقل مجرد اللفظ خاليا عن المعنى
(قوله: لأن مجرد نقل الاسم) أى: لأن نقل الاسم عن معناه لمعنى آخر مجردا عن المبالغة والادعاء
(قوله: لكانت الأعلام المنقولة) - أى: كزيد مسمى به رجل بعد تسمية آخر به- استعارة لمجرد وجود النقل فيه ولا قائل به، ويرد بأن نفى الادعاء لا يستلزم أن اللفظ لم يبق فيه إلا مجرد الإطلاق حتى يصح كون الأعلام المنقولة التى هى من الحقيقة استعارة؛ وذلك لأن النقل بواسطة علاقة التشبيه والأعلام لا علاقة فيها أصلا، فلم يلزم من نفى ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به كون الأعلام المنقولة يصح أن تكون استعارة لعدم وجود أصل التشبيه فيها
(قوله: ولما كانت الاستعارة أبلغ من الحقيقة) أى: إنه يلزم لو لم تراع المبالغة المقتضية لإدخال المشبه فى جنس المشبه به الذى بنى عليه كون الاستعارة مجازا عقليّا أن لا تكون الاستعارة أبلغ من الحقيقة، بل تكون مساوية لها مع أنهم جازمون بأن الاستعارة أبلغ من الحقيقة
(قوله: إذ لا مبالغة فى إطلاق الاسم المجرد) أى: عن الادعاء (وقوله: عاريا عن معناه) أى: الحقيقى ولو بحسب الادعاء، والمعنى: أن الاسم إذا نقل إلى معنى ولم يصحبه اعتبار معناه الأصلى فى ذلك المعنى المنقول إليه لم يكن فى إطلاق ذلك الاسم على ذلك المعنى المنقول
стр. 1781
ولما صح أن يقال لمن قال: رأيت أسدا- ...
===
إليه مبالغة فى جعله كصاحب ذلك الاسم، كما فى الحقيقة المشتركة والمنقولة، فإنه لما لم يصحبها معناها الأصلى انتفت المبالغة فى إلحاق المعنى المنقول إليه بالغير، ورد ما ذكره من أن نفى الادعاء المذكور يلزم منه مساواة الاستعارة للحقيقة فى نفى المبالغة بأنه إن أريد بنفى المبالغة نفى المبالغة فى التشبيه فيصير كأصل التشبيه أو كما لا تشبيه فيه أصلا ففاسد من وجهين- أحدهما: أنه مصادرة حيث علّل الشىء بنفسه؛ لأن نفى المبالغة فى التشبيه يعود إلى معنى نفى ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به. والآخر: أن نفى تلك المبالغة لا يستلزم نفى كون الاستعارة أبلغ من الحقيقة؛ لأن الأبلغية الموجودة فى الاستعارة دون الحقيقة هى الأبلغية الموجودة فى سائر أنواع المجاز وهى كون المجاز كادعاء الشىء بالدليل على ما سيأتى، وتلك لم توجد فى الحقيقة سواء كانت تشبيها أو غيره، وإن أريد بنفى المبالغة شىء آخر فلم يتصور حتى يحكم عليه
(قوله: ولما صح أن يقال .. إلخ) يعنى أنه يلزم من نفى ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به فى الاستعارة أن من قال: رأيت أسدا يرمى وأراد بالأسد زيدا لا يقال فيه إنه جعله أسدا، كما لا يقال لمن سمى ولده أسدا أنه جعله أسدا لاستواء الإطلاقين فى عدم ادعاء دخول ما أطلق عليه اللفظ فى جنس صاحب الاسم، مع أن من قال: رأيت أسدا يرمى وأراد بالأسد زيدا على سبيل الاستعارة يقال فيه: إنه جعل زيدا أسدا قطعا وما ذاك إلا باعتبار دخول المشبه فى جنس المشبه به، فثبت المدعى وهو أن الاستعارة لم تطلق إلا بعد إدخال المشبه فى جنس المشبه به فكانت مجازا عقليّا، فإن قلت:
يخدش هذا الوجه الثالث فى كلام الشارح أن قولهم: جعله أسدا يجرى فى زيد أسد مع أنه لم يوجد فيه الادعاء المذكور ضرورة أنه تشبيه وليس باستعارة، وجوابه: أن الادعاء المذكور متحقق أيضا فى زيد أسد، إذ ليس المعنى على تقدير أداة التشبيه لما سبق تحقيقه، بل جعله فردا من أفراد الأسد ادعاء. فإن قلت: ذلك الادعاء لا يتحقق فى المعرف- يعنى زيد الأسد- بل المعنى على تقدير أداة التشبيه، مع أنه يقال لمن قاله أيضا جعل زيدا أسدا. قلت:
إن ثبت قولهم بذلك فى الصورة المذكورة كان مرادهم أنه جعله شبيها بالأسد فهو على حذف مضاف ولا يجرى هذا فى الاستعارة- ا. هـ فنرى.
стр. 1782
وأراد به زيدا- أنه جعله أسدا، كما لا يقال لمن سمى ولده أسدا أنه جعله أسدا؛ إذ لا يقال: جعله أميرا- إلا وقد أثبت فيه صفة الإمارة، وإذا كان نقل اسم المشبه به إلى المشبه تبعا لنقل معناه إليه- بمعنى: أنه أثبت له معنى الأسد الحقيقى ادّعاء ثم أطلق عليه اسم الأسد- كان الأسد مستعملا فيما وضع له، فلا يكون مجازا لغويّا، بل عقليّا- بمعنى: أن العقل جعل الرجل الشجاع من جنس الأسد- وجعل ما ليس فى الواقع واقعا مجاز عقلى.
===
(قوله: وأراد .. إلخ) أى: بالأسد زيدا.
(قوله: إنه جعله أسدا) أى: صيّره أسدا وإنما كان لا يقال لمن قال ذلك إنه جعل زيدا أسدا؛ لأن جعل إذا كان بمعنى صيّر- كما هنا- تعدى إلى مفعولين، ويفيد إثبات صفة لشىء فيكون مدلول قولك: فلان جعل زيدا أسدا أنه أثبت الأسدية له، ولا شك أن مجرد نقل لفظ الأسد لزيد وإطلاقه عليه من غير ادّعاء دخوله فى جنسه ليس فيه إثبات أسدية له.
(قوله: أنه جعله أسدا) أى صيّره
(قوله: إذ لا يقال جعله أميرا إلا وقد أثبت فيه صفة الإمارة) أى: ومن سمى ولده أسدا لم يثبت فيه الأسدية بمجرد إطلاق لفظ الأسد عليه
(قوله: وإذا كان) هذا مرتبط بما أنتجه الدليل السابق، وحاصله: أنه رتب على انتفاء الادعاء المذكور فى الاستعارة ثلاثة لوازم وكل منها باطل فيكون ملزومها- وهو انتفاء الادعاء المذكور فى الاستعارة- باطلا فيثبت نقيضه وهو اعتبار الادعاء المذكور فى الاستعارة، وإذا كان الادعاء المذكور معتبرا فيها فيكون اسم المشبه به إنما نقل للمشبه تبعا لنقل معناه إليه وإذا كان .. إلخ
(قوله: بمعنى أنه .. إلخ) أى: لأنك لما جعلت الرجل الشجاع فردا من أفراد الحيوان المفترس كان ذلك المعنى الكلى وهو الحيوان المفترس متحققا فيه، فحينئذ يكون نقل لفظ الأسد للرجل الشجاع بعد نقل معناه له، فيكون استعمال اسم الأسد فى الرجل الشجاع استعمالا فيما وضع له، وظهر لك من هذا أن المستعار فى الحقيقة على هذا هو معنى المشبه به بجعل حقيقته لما ليس حقيقة له وهو المشبه، ولما تبع ذلك إطلاق اللفظ سمى استعارة تبعا لاستعارة
стр. 1783
(ولهذا) أى: ولأن إطلاق اسم المشبه به على المشبه إنما يكون بعد ادعاء دخوله فى جنس المشبه به (صح التعجب فى قولك: قامت تظلّنى) (١) أى:
توقع الظلّ علىّ (من الشمس ... نفس أعزّ علىّ من نفسى
قامت تظلّلنى ومن عجب شمس) ...
===
المعنى
(قوله: ولهذا) أى: ولأن إطلاق اسم المشبه به أى: ولأجل أن إطلاق اسم المشبه به المسمى بالاستعارة
(قوله: إنما يكون بعد ادعاء دخوله فى جنس المشبه به) أى:
المترتب عليه كون الاستعارة مستعملة فيما وضعت له وأنها مجاز عقلى، فهذا له مدخل فى صحة التعجب عند هذا القائل- وسيأتى الجواب عنه، وأنه لا مدخل له فى الصحة.
(قوله: فى قوله) أى: قول ابن العميد فى غلام جميل قام على رأسه يظلّله من حرّ الشمس، وهو أبو الفضل محمد بن الحسين كاتب ديوان الإنشاء والرسائل للملك نوح بن نصر، مدحه الصاحب بن عباد بقصائد كثيرة منها (٢):
قالوا ربيعك قد قدم ... فلك البشارة بالنعم
قلت الربيع أخو الشتا ... أم الربيع أخو الكرم
قالوا الذى بنواله ... يغنى المقلّ من العدم
قلت الرئيس ابن العمي ... د إذن فقالوا لى نعم
(قوله: أى توقع الظل علىّ) فسره بذلك؛ لأن التظليل على ما فى التاج إيقاع الظل
(قوله: من الشمس) أى: من حرّها وضمن التظليل معنى المنع فلذا عدّاه بمن أى: تمنعنى من حر الشمس
(قوله: نفس) فاعل قامت ولذلك اتصلت به تاء التأنيث وإن كان القائم غلاما
(قوله: أعزّ علىّ) صفة لنفس وجملة تظلّلنى فى محل نصب على الحال، والتقدير قامت نفس هى أعزّ علىّ من نفسى مظلّلة لى من الشمس
(قوله: قامت) فاعله ضمير يعود على النفس، والجملة مؤكدة لما قبلها (وقوله: ومن عجب) خبر مقدم،
стр. 1784
أى: غلام كالشمس فى الحسن والبهاء (تظلّلنى من الشمس)
فلولا أنه ادعى لذلك الغلام معنى الشمس الحقيقى وجعله شمسا على الحقيقة لما كان لهذا التعجب معنى؛ إذ لا تعجب فى أن يظلّل إنسان حسن الوجه إنسانا آخر.
(والنهى عنه) أى: ولهذا صحّ النهى عن التعجب ...
===
وشمس: مبتدأ مؤخر، والجملة حال، والتقدير: قامت تلك النفس مظلّلة لى وشمس مظلّلة من الشمس من العجب
(قوله: أى غلام كالشمس فى الحسن والبهاء) أى: فقد شبه الغلام بالشمس وادّعى أنه فرد من أفرادها وأن حقيقتها متحققة فيه، ثم استعار له اسمها
(قوله: وجعله شمسا على الحقيقة) أى: من حيث إنه جعله فردا من أفرادها وأن حقيقتها موجودة فيه
(قوله: إذ لا تعجب فى أن يظلّل إنسان .. إلخ) أى: لعدم الغرابة بخلاف تظليل الشمس الحقيقية إنسانا من الشمس، فإنه مستغرب؛ وذلك لأن الشمس لا يرتسم ظلّ تحتها على إنسان مثلا، إلا إذا حال بينه وبينها شىء كثيف يحجب نورها، وأما إذا كان الحائل بينهما شيئا له نور فلا يرتسم ظل تحتها على الإنسان المظلّل؛ لأن النور لا يحجب النور، فإذا جعل ذلك الغلام شمسا حقيقة استغرب إيقاعه الظل على من ظلله. الاستغراب: كون الشمس التى من شانها طى الظل وإذهابه توجب ظلّا على تقدير حيلولتها بين الشمس وبين الإنسان المظلل
(قوله: لما كان لهذا التعجب معنى) قال العصام: فيه نظر؛ لأنه يجوز أن يكون التعجب من استخدامه من بلغ فى الحسن درجة الشمس أو من انقياده له وخدمته له.
فى قول الآخر
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر (١)
وقوله:
ترى الثياب من الكتّان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها (٢)
стр. 1785
(فى قوله:
لا تعجبوا من بلى غلالته) (١) هى شعار يلبس تحت الثوب، وتحت الدرع أيضا (قد زرّ أزراره على القمر) تقول: زررت القميص عليه، أزرّه: إذا شددت أزراره عليه، ...
===
فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر فى كل وقت طالع فيها
(قوله: فى قوله) أى: فى قول الشريف أبى الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن على بن أبى طالب- رضى الله عنه- وهو شاعر مفلق وعالم محقق مولده بأصبهان وبها مات، والبيت من المنسرح وقبله:
يا من حكى الماء فرط رقّته ... وقلبه فى قساوة الحجر
يا ليت حظّى كحظّ ثوبك من ... جسمك يا واحدا من البشر
لا تعجبوا .. إلخ
(قوله: لا تعجبوا من بلى غلالته) البلى بكسر الباء مقصورا من بلى الثوب يبلى إذا فسد أى: لا تعجبوا من تسارع بلى وفساد غلالته ففى الكلام حذف مضاف
(قوله: هى) أى الغلالة شعار أى: ثوب صغير ضيّق الكمّين كالقميص يلاقى البدن يلبس تحت الثوب الواسع ويلبس أيضا تحت الدرع. سمىّ شعارا؛ لأنه يلى الشعر (قوله قد زرّ) أى: لأنه قد زرّ أى: شدّ وهو بالبناء للفاعل والفاعل ضمير المحبوب وضمير أزراره المنصوب على المفعولية راجع للمحبوب أيضا أو للغلالة، وذكره باعتبار أنها قميص أو شعار شبه المحبوب الذى هو مرجع الضمير المستتر فى الفعل بالقمر واستعار اسم المشبه به للمشبه استعارة تصريحية والبلى ترشيح، ويحتمل أن" زرّ" بالبناء للمفعول، وإزاراه نائب فاعل والضمير للغلالة، وعلى هذا فالمشبه هو المحبوب الذى هو مرجع الضمير فى غلالته
(قوله: تقول .. إلخ) أفاد بهذا أن تعدية زرّ إلى الأزرار فيه ضرب من
стр. 1786
فلولا أنه جعله قمرا حقيقيّا لما كان للنهى عن التعجب معنى؛ لأن الكتان إنما يسرع إليه البلى بسبب ملابسة القمر الحقيقى، لا بملابسة إنسان كالقمر فى الحسن. لا يقال: القمر فى البيت ليس باستعارة؛ لأن المشبه مذكور- وهو الضمير فى غلالته وأزراره-؛ لأنا نقول: لا نسلم أن الذكر على هذا الوجه ينافى الاستعارة المذكورة، ...
===
التسامح؛ لأنه إنما يتعدى للقميص ويتضمن الدلالة على الأزرار، ولا يتعدى إلى الأزرار والشاعر قد عدّاه إليها
(قوله: فلولا أنه جعله .. إلخ) حاصله: أنه لما خشى أن يتوهم أن صاحب الغلالة إنسان تسارع البلى لغلالته فيتعجب من ذلك؛ لأن العادة أن غلالة الإنسان لا يتسارع البلى إليها قبل الأمد المعتاد لبلاها نهى الشاعر عن ذلك التعجب وبين سبب النهى وهو أنه لم يبق فى الإنسانية، بل دخل فى جنس القمرية، والقمر لا يتعجب من سرعة بلى ما يباشر ضوءه؛ لأن هذا من خواصّه- ومتى ظهر السبب بطل العجب- ولكون ما ذكر من خواص القمر قيل: إن من جملة عيوب القمر أنه يهدم العمر ويحل الدين ويوجب أجرة المنزل ويسخن الماء ويفسد اللحم ويقرض الكتان ويعين السارق ويفضح العاشق الطارق
(قوله: لأن الكتان) أى: الذى كانت منه الغلالة
(قوله: لا نسلم أن الذكر على هذا الوجه ينافى الاستعارة) أى: لأنه لا ينبئ عن التشبيه، والمنافى لها إنما هو الجمع بين الطرفين على وجه ينبئ عن التشبيه بحيث يكون المشبه به واقعا خبرا عن المشبه كما فى: زيد أسد، أو حالا منه أو صفة له نحو: مررت بزيد أسدا، وجاءنى رجل أسد، فذلك الجمع ينبئ عن التشبيه ضرورة أنه لا يصح صدقه على ما جرى عليه فتقدر أداة التشبيه نفيا لما يلزم من فساد الصدق كما تقدم على ما فيه، وأما إذا ذكر المشبه لا على وجه ينبئ عن التشبيه- كما فى البيت- لعدم جريان المشبه به عليه حتى يسهل تقدير الأداة نظرا للمعنى فهو استعارة، وقد سبق كلّ من هذا البحث وجوابه فى بحث المجاز العقلى، وأنت خبير بأن هذا الجواب يقتضى أن نحو: على لجين الماء استعارة وهم صرحوا بكونه تشبيها إلا أن يقال: تصريحهم بكونه تشبيها لا ينافى صحة كونه استعارة- فتأمل.
стр. 1787
كما يقال: سيف زيد فى يد أسد؛ فإن تعريف الاستعارة صادق على ذلك.
(وردّ) هذا الدليل (بأن الادّعاء) أى ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به (لا يقتضى كونها) أى: الاستعارة (مستعملة فيما وضعت له) للعلم الضرورى بأن أسدا- فى قولنا: رأيت أسدا يرمى- مستعمل فى الرجل الشجاع، والموضوع له هو السبع المخصوص؛ وتحقيق ذلك: أن ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به مبنىّ على أنه جعل أفراد الأسد ...
===
(قوله: كما يقال) أى: كقولنا أى كعدم المنافاة فى قولنا: سيف زيد فى يد أسد المراد فى يده فقد شبه زيد بالأسد، وادعى أنه فرد من أفراده واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية، فقد جمع بين المشبه- وهو زيد- والمشبه به- وهو الأسد- على وجه لا ينبئ عن التشبيه؛ لأن هذا التركيب ونحوه لا يتأتى فيه تقدير الأداة إلا بزيادة فى التركيب أو نقص منه بحيث يتحول الكلام عن أصله كأن يقال رأيت فى يد رجل كالأسد سيفا
(قوله: ورد هذا الدليل) حاصله: منع الصغرى القائلة:
الاستعارة لفظ مستعمل فيما وضع له بعد الادعاء أى: لا نسلم ذلك، وهذا الادعاء لا يخرج اللفظ عن كونه مستعملا فى غير ما وضع له هذا، وقد علم من مضمون الكلام أولا وآخرا: أن ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به مسلم عند القائل بأن الاستعارة مجاز لغوى، ومعلوم أن كون اللفظ أطلق على غير معناه الأصلى فى نفس الأمر مسلم عند القائل بأنها مجاز عقلى، وبقى النزاع فى أن الاستعارة هل تسمى مجازا لغويّا نظرا لما فى نفس الأمر، أو عقليّا نظرا للمبالغة والادعاء؟ فالخلاف على هذا عائد إلى اللفظ والتسمية- فتدبر.
(قوله: مستعمل فى الرجل الشجاع) أى: وإن ادعى أن الرجل الشجاع فرد من أفراد الأسد بعد تشبيهه به، إذ تقدير الشىء نفس الشىء لا يقتضى كونه إياه حقيقة
(قوله: وتحقيق ذلك) أى: تحقيق أن الادعاء المذكور لا يقتضى كون الاستعارة مستعملة فيما وضعت له، وحاصل ما ذكره من التحقيق: أن ادعاء دخول المشبه فى جنس المشبه به لا يقتضى كونها مستعملة فيما وضعت له، إذ ليس معناه ما فهمه المستدلّ
стр. 1788
بطريق التأويل قسمين:
أحدهما: المتعارفا، وهو الذى له غاية الجراءة، ونهاية القوة فى مثل تلك الجثة المخصوصة.
والثانى: غير المتعارف: وهو الذى له تلك الجراءة لكن لا فى تلك الجثة المخصوصة، والهيكل المخصوص، ولفظ الأسد إنما هو موضوع للمتعارف؛ فاستعماله فى غير المتعارف استعمال فى غير ما وضع له، والقرينة مانعة عن إرادة المعنى المتعارف ليتعين المعنى الغير المتعارف. وبهذا يندفع ما يقال: إن الإصرار على دعوى الأسدية للرجل الشجاع ينافى نصب القرينة المانعة عن إرادة ...
===
من ادعاء ثبوت المشبه به له حقيقة حتى يكون لفظ المشبه به فيه استعمال لما وضع له والتجوّز فى أمر عقلى وهو جعل غير المشبه به مشبها به، بل معناه: جعل المشبه به مؤولا بوصف مشترك بين المشبه والمشبه به، وادعاء أن لفظ المشبه به موضوع لذلك الوصف، وأن أفراده قسمان: متعارف وغير متعارف، ولا خفاء فى أن الدخول بهذا المعنى لا يقتضى كونها مستعملة فيما وضعت له؛ لأن الموضوع له هو المفرد المتعارف والمستعمل فيه هو المفرد الغير المتعارف.
(قوله: بطريق التأويل قسمين) متعلق بجعل. إن قلت: إن الذى بطريق التأويل إنما هو أحد القسمين وهو غير المتعارف، وأما الآخر وهو المتعارف فبطريق التحقيق- فكيف يقول الشارح على أنه جعل أفراد الأسد قسمين بطريق التأويل؟ قلت: جعل الأفراد قسمين مبنىّ على كون الأسد موضوعا للقدر المشترك بينهما الصادق على كلّ منهما وهو مجترىء، وكونه موضوعا لذلك ليس إلا بطريق التأويل وأما بطريق التحقيق فهو منحصر فى قسم واحد وهو المتعارف. اه يس.
(قوله: فى مثل) أى: المودعين فى مثل .. إلخ
(قوله: والهيكل المخصوص) عطف تفسير
(قوله: والقرينة مانعة عن إرادة .. إلخ) أى: لا عن إرادة الجنس بقسميه
(قوله: وبهذا يندفع .. إلخ) أى: ببيان أن القرينة مانعة عن إرادة المعنى المتعارف ليتعين غير المتعارف، فيندفع ما يقال: إن الإصرار على دعوى الأسدية للرجل ينافى القرينة المانعة من إرادة الأسدية، ووجه الاندفاع: أن
стр. 1789
السبع المخصوص.
(وأما التعجب والنهى عنه) كما فى البيتين المذكورين (فللبناء على تناسى التشبيه قضاء لحق المبالغة) ودلالة على أن المشبه بحيث لا يتميز عن المشبه به أصلا حتى إن كل ما يترتب على المشبه به من التعجب والنهى عن التعجب يترتب على المشبه أيضا.
===
الإصرار على دعوى الأسدية بالمعنى الغير المتعارف، ونصب القرينة إنما يمنع من إرادة الأسدية بالمعنى المتعارف، وحينئذ فلا منافاة
(قوله: السبع المخصوص) الأنسب أن يقول: عن إرادة الأسد ويحذف قوله المخصوص؛ لأن ذكره فى السؤال يشير إلى الجواب- تأمل.
(قوله: وأما التعجب .. إلخ) هذا إشارة إلى جواب عن سؤال نشأ من الجواب المتقدم، وهو إذا كان الادعاء لا يقتضى استعمال الاستعارة فيما وضعت له فلا يصح التعجب والنهى عنه فى البيتين السابقين؛ لأنهما لا يتمّان إلا بجعل المشبه من أفراد المشبه به حقيقة، وحاصل الجواب الذى أشار له المصنف: أن التعجب والنهى عنه لتناسى التشبيه، وجعل الفرد الغير المتعارف مساويا للمتعارف فى حقيقته، حتى إن كل ما يترتب على المتعارف يترتب عليه، وبما تقرر من جعل كلام المصنف إشارة لجواب سؤال مقدر، اندفع ما ذكره العلّامة العصام: من أن التعجب والنهى لم يجعلا دليلا على كون الاستعارة مستعملة فيما وضعت له، بل استدل بهما على الادعاء، فلما سلم المجيب الادعاء ومنع اقتضاءه كون الاستعارة مستعملة فيما وضعت له، فلا حاجة إلى المنازعة فى كون التعجب والنهى مبنيّين على الادعاء، إذ بناؤهما عليه لا ينافى مجازا لغويّا، فالأولى إسقاط قوله: وأما التعجب والنهى عنه
(قوله: وأما التعجب) أى: من المشبه (وقوله: والنهى عنه) أى: عن التعجب
(قوله: فللبناء) أى: فلبناء الاستعارة
(قوله: على تناسى التشبيه) أى: إظهار التناسى، والمراد بالتناسى النسيان أى: على إظهار نسيان التشبيه
(قوله: قضاء .. إلخ) وإنما تنوسى فيه التشبيه توفية لحق المبالغة فى دعوى الاتحاد
(قوله: ودلالة .. إلخ) عطف تفسير على قوله: قضاء لحق المبالغة.
стр. 1790
[مفارقة الاستعارة للكذب]:
(والاستعارة تفارق الكذب بالبناء على التأويل) فى دعوى دخول المشبه فى جنس المشبه به بأن يجعل أفراد المشبه به قسمين: متعارفا، وغير متعارف- كما مرّ- ولا تأويل فى الكذب.
(ونصب) أى: وبنصب (القرينة على إرادة خلاف الظاهر) فى الاستعارة لما عرفت أنه لا بدّ للمجاز من قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له، بخلاف الكذب؛ فإن قائله لا ينصب قرينة على إرادة خلاف الظاهر، بل يبذل المجهود فى ترويج ظاهره (ولا تكون) الاستعارة (علما) لما سبق من أنها تقتضى إدخال المشبه فى جنس المشبه به بجعل أفراده قسمين: متعارفا، وغير متعارف، ...
===
(قوله: والاستعارة تفارق الكذب) أى: والكلام الذى فيه الاستعارة يفارق الكلام الكاذب أى: لا يشتبه به بسبب ما ذكر من الأمرين. فقولك: جاءنى أسد يشتبه بالكلام الكاذب لولا الوجهان، فاندفع ما يقال: إن الاستعارة تكون فى المفرد؛ لأنها الكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له، والكذب يكون فى الحكم، فالمتصف بالكذب الكلام المركب المستعمل فى غير ما وضع له، فلا اشتباه بينهما حتى يحتاج للفرق
(قوله: بالبناء على التأويل) أى: بسبب بنائها على التأويل وعدم بناء الكذب عليه
(قوله: فى دعوى .. إلخ) متعلق بمحذوف صفة للتأويل أى: المتحقق فى دعوى .. إلخ من تحقق العامّ فى الخاصّ، أو أن" فى" بمعنى" من" البيانية.
(قوله: بل يبذل المجهود .. إلخ) يقال: بذل يبذل كنصر ينصر، والمراد بالمجهود:
الجهد والوسع والطاقة، والمراد بترويج ظاهره: إظهار صحته عند السامع ومحل كون الكذب يبذل المتكلم وسعه وطاقته فى ترويج ظاهره إذا عرف عدم مطابقته وقصد إظهار صحته، لا إن لم يقصد ذلك واعتقد الصحة
(قوله: ولا تكون علما) أى: شخصيّا؛ لأنه المتبادر من إطلاق العلم؛ ولأن علم الجنس تجرى فيه للاستعارة كاسم الجنس، بخلاف علم الشخص، فلا يصح أن يشبه زيد بعمرو فى الشكل والهيئة مثلا ويطلق عليه اسمه، وتخصيص المصنف الاستعارة بالذكر فى الامتناع يفهم منه: أن الامتناع