بأن تؤخذ صفة فتضم إلى لازم آخر، وآخر لتصير جملتها مختصة بموصوف؛ فيتوصل بذكرها إليه (كقولنا- كناية عن الإنسان- حى مستوى القامة عريض الأظفار) وهذا يسمى خاصة مركبة. (وشرطهما) أى: وشرط هاتين الكنايتين:
(الاختصاص بالمكنى عنه) ...
===
المعانى جنسين أو أجناسا متعددة
(قوله: بأن تؤخذ صفة) أى: كحى مثلا،
و(قوله: فتضم إلى لازم) أى: كمستوى القامة،
و(قوله: وآخر) أى: وإلى لازم آخر مثل عريض الأظفار وتعبيره أولا بالصفة وثانيا باللازم لمجرد التفنن ولو عبر بالصفة أولا وثانيا أو باللازم كذلك كان صحيحا
(قوله: لتصير جملتها مختصة بالموصوف) أى: وإن كانت كل صفة بمفردها غير خاصة به ألا ترى أن حى فى المثال ليس خاصا بالإنسان لوجوده فى الحمار وكذلك مستوى القامة فإنه موجود فى النخل وعريض الأظفار موجود فى الفرس، وأما جملة الثلاثة فهى مختصة بالإنسان وحينئذ فيتوصل بمجموع ذكرها إليه، وذلك بأن ينتقل من مفهومها الذى هو غير مقصود بالذات إلى ذات الموصوف كما مر
(قوله: كناية عن الإنسان) حال من قولنا بمعنى مقولنا والعامل فيه معنى الكاف، وحينئذ فكناية بمعنى مكنيّا به أى: كقولنا: حى مستوى إلخ حالة كون ذلك مكنيا به عن الإنسان، وحينئذ فقوله: حى مستوى القامة عريض الأظفار بدل من القول أو بيان له، ويجوز أن يكون فاعلا لمحذوف أى: بدا لنا حى مثلا فلو كنى عن الإنسان باستواء القامة وحده شاركه فيه النخل ولو كنى عنه بالحى شاركه فيه الحمار، ولو كنى عنه بهما لساواه التمساح كما قيل، ولو كنى عنه بعريض الأظفار وحده أو بعريض الأظفار مع الحى ساواه الجمل بخلاف مجموع الأوصاف الثلاثة فإنها يختص بها الإنسان فكانت كناية نعم عرض الأظفار مع استواء القامة يغنى عن حى، بل قيل الحى مع استواء القامة يغنى عن عرض الأظفار إذ لا يوجد حى كذلك خلاف ما قيل فى التمساح والثعبان؛ لأن المراد بالقامة ما كان ممتدّا إلى أعلى لا ما يمتد على الأرض
(قوله: وهذا) أى مجموع الصفات المختصة بالموصوف الذى ينتقل منها، إليه يسمى عند أصحاب العلوم العقلية خاصة مركبة كما أن الصفة الواحدة التى لها اختصاص بموصوف، وينتقل منها إليه تسمى خاصة بسيطة لعدم تركبها (قوله وشرطهما الاختصاص بالمكنى عنه) أى:
стр. 1997
ليحصل الانتقال.
وجعل السكاكى الأولى منهما- أعنى: ما هى معنى واحد-: قريبة؛ بمعنى:
سهولة المأخذ، والانتقال فيها لبساطتها، واستغنائها عن ضم لازم إلى آخر، وتلفيق بينهما، والثانية: بعيدة بخلاف ذلك، وهذه غير البعيدة بالمعنى الذى سيجىء.
===
أن يكون المعنى الواحد المكنى به مختصا بالمكنى عنه وأن يكون مجموع المعانى المكنى بها مختصا بالمكنى عنه وهذا الشرط لا يختص بهاتين الكنايتين اللتين هما قسما الأولى، بل كل كناية كذلك إذ لا يدل الأعم على الأخص، ولا ينتقل منه إليه على أن هذا الشرط مستدرك مع ما علم مما مر أن الكناية الانتقال فيها من الملزوم للازم والملزوم مختص قطعا باللازم المكنى عنه، ولعله نص على ذلك الشرط فيهما تذكرة لما علم لئلا يغفل فيتوهم أن مجموع الأوصاف أو الصفة ينتقل منها إلى الموصوف مع عموم مفهومها
(قوله: ليحصل الانتقال) أى: منهما للمكنى عنه.
(قوله: وجعل السكاكى) أى: سمى السكاكى
(قوله: بمعنى سهولة المأخذ) أى:
الأخذ يعنى أن محاول الإتيان بها يسهل عليه الإتيان بها ويسهل على السامع الانتقال منها لبساطتها وعدم التركيب فيها فلا يحتاج فيها إلى ضم وصف لآخر والتأمل فى المجموع ليعلم اختصاص هذا المجموع بلا زيد ولا نقص
(قوله: وتلفيق) أى: تأليف بينهما والعطف مرادف
(قوله: والثانية بعيدة) أى: وجعل الثانية أعنى ما هى مجموع معان بعيدة أى: سماها بذلك الاسم
(قوله: بخلاف ذلك) أى: وهى ملتبسة بخلاف ذلك أى: أنها بعيدة بمعنى أنها صعبة الأخذ والانتقال وذلك لتوقفها على جمع أوصاف يكون مجموعها مختصا بلا زيد ولا نقص وذلك يحتاج إلى التأمل فى عموم مجموع الأوصاف وخصوصه ومساواته، وكلما توقف الإتيان أو الانتقال على تأمل كان بعيدا
(قوله: غير البعيدة بالمعنى الذى سيجىء) أى: وهى ما كان فيها وسائط، والحاصل أن المراد هنا بالقرب سهولة الانتقال والتناول لأجل البساطة والمراد بالبعد صعوبتهما لأجل التركيب؛ لأن إيجاد المركب والفهم منه أصعب من البسيط غالبا، وليس المراد هنا بالقرب انتفاء الوسائط والوسائل بين الكناية والمكنى عنه، وبالبعد وجودها
стр. 1998
(الثانية) من أقسام الكناية (المطلوب بها صفة) من الصفات؛ كالجود، والكرم، ونحو ذلك. وهى ضربان: قريبة، وبعيدة (فإن لم يكن الانتقال) من الكناية ...
===
كما سيأتى، فالقرب والبعد هنا مخالفان لهما بهذا المعنى الآتى وإن كان يمكن مجامعتهما لصحة وجود البساطة وعدم الواسطة ووجود التركيب مع الوسائط
(قوله: المطلوب بها صفة من الصفات) يعنى أن يكون المقصود إفادته وإفهامه بطريق الكناية هو صفة من الصفات ونعنى بها المعنوية وهى المعنى القائم بالغير كالجود والكرم وطول القامة لا خصوص مدلول النعت النحوى ومعنى طلب الصفة بالكناية دون النسبة: أن يكون المقصود بالذات هو إفهام معنى الصفة من صفة أخرى أقيمت مقام تلك الصفة فصار تصور المثبتة أعنى: المكنى عنها هو المقصود بالذات لا نفس إثباتها، لأن نفس إثباتها كالمعلوم من وجود نسبة المكنى بها، وذلك كأن يذكر جبن الكلب، أو كثرة الرماد لينتقل منه للجود، وأما طلب النسبة بالكناية دون الصفة ففيما إذا صرح بالصفة وقصد الكناية بإثباتها لشىء عن إثباتها للمراد فيصير الإثبات بسبب ذلك هو المقصود بالذات، وأما طلب النسبة والصفة معا بالكناية ففيما إذا جهلا معا وقصد الانتقال لهما، والحاصل أن النسبة إن كانت معلومة أو كالمعلومة للتعرض لها فى ضمن صفة كنى بها عن أخرى كان المطلوب تصور الأخرى التى أثبتت فى ضمن إثبات ما أفهمها، وحينئذ فتكون الكناية لطلب الصفة، وإن كانت الصفة معلومة أو كالمعلومة وكنى بإثباتها لشىء لينتقل لإثباتها للمراد كان المطلوب ذلك الإثبات وتكون الكناية لطلب النسبة، وإن جهلا معا بناء على صحته وقصد الانتقال لهما كان المطلوب هما معا، وتكون الكناية لطلب الصفة والنسبة معا على ما سيأتى فالصفة لا تخلو من النسبة والنسبة لا تخلو من الصفة، ولكن اختلفا فى الاعتبار والقصد الأولى وعدمه فافهم ففى المقام دقة- اه يعقوبى.
(قوله: وهى ضربان إلخ) حاصل ما ذكر من الأقسام أن الكناية المطلوب بها صفة إما قريبة أو بعيدة والقريبة إما واضحة أو خفية والواضحة إما ساذجة أو مشوبة
стр. 1999
إلى المطلوب (بواسطة- فقريبة) والقريبة قسمان (واضحة) يحصل الانتقال منها بسهولة (كقولهم- كناية عن طول القامة-: طويل نجاده، وطويل النجاد، والأولى) أى: طويل نجاده- كناية (ساذجة) لا يشوبها شىء من التصريح (وفى الثانية) أى: طويل النجاد ...
===
بالتصريح فجملة الأقسام أربعة
(قوله: إلى المطلوب) أى: الذى هو الصفة المكنى عنها؛ لأن الكلام فى الكناية المطلوب بها صفة
(قوله: بواسطة) أى: بين المنتقل عنه والمنتقل إليه، وإنما يكون الانتقال المكنى عنه غير محتاج لواسطة إذا كان إدراك المكنى عنه يعقب إدراك المعنى الأصلى للفظ الكناية المشعور به منه
(قوله: فقريبة) أى: فتلك الكناية تسمى قريبة لانتفاء الوسائط التى يبعد معها غالبا زمن إدراك المكنى عنه عن زمن الشعور بالمعنى الأصلى
(قوله: والقريبة قسمان واضحة أو خفية) قد علمت أن المراد بالقرب هنا عدم الوسائط وعدم الوسائط يجامع كون المعنى المكنى عنه خفيا بالنسبة للأصل ويجامع كونه واضحا فلذا انقسمت القريبة للواضحة والخفية كما ذكر المصنف
(قوله: يحصل الانتقال منها بسهولة) أى: لكون المعنى المنتقل إليه يسهل إدراكه بعد إدراك المنتقل عنه لكونه لازما بينا بحسب العرف أو القرينة أو بحسب ذاته
(قوله: كناية) حال من القول مقدم عليه أى: كقولهم: فلان طويل نجاده كون القول كناية عن طول القامة، ولا شك أن طول النجاد اشتهر استعماله عرفا فى طول القامة ففهم منه اللزوم بلا تكلف، إذا لا يتعلق بالإنسان من النجاد إلا مقداره وليس بينه وبينه واسطة، فلذا كانت تلك الكناية واضحة قريبة وكانت كناية عن الصفة؛ لأن النسبة هنا مصرح بها وإنما المقصود بالذات صاحبها وهو الوصف؛ فلذا كانت كناية مطلوبا بها صفة
(قوله: طويل نجاده) برفع النجاد على أنه فاعل طويل، والضمير المضاف إليه عائد على الموصوف، والنجاد بكسر النون حمائل السيف
(قوله: وطويل النجاد) أى: ومثل قولنا فلان طويل نجاده فى كونه كناية مطلوبا بها صفة هى قريبة واضحة فى (١)
стр. 2000
(تصريح ما لتضمن الصفة) أى: طويل (الضمير) الراجع إلى الموصوف ضرورة احتياجها إلى مرفوع مسند إليه؛ فيشتمل على نوع تصريح بثبوت الطول له، والدليل على تضمنه الضمير أنك تقول: هند طويلة النجاد، والزيدان طويلا النجاد، والزيدون طوال النجاد؛ فتؤنث، وتثنى، وتجمع الصفة البتة لإسنادها إلى ضمير الموصوف، بخلاف: هند طويل نجادها، والزيدان طويل نجادهما، والزيدون طويل نجادهم. وإنما جعلنا الصفة المضافة كناية مشتملة على نوع تصريح، ولم نجعلها تصريحا للقطع بأن الصفة ...
===
من شائبة التصريح بالمعنى المقصود وهو المكنى عنه، فقول الشارح: لا يشوبها شىء من التصريح أى: بالمعنى المقصود تفسير لقوله ساذجة وإنما كانت خالية من شائبة التصريح بالمعنى المقصود؛ لأن الفاعل بطويل هو النجاد لينتقل منه إلى طول قامة فلان
(قوله: تصريح ما) أى: نوع تصريح بالمقصود الذى هو طول القامة المكنى عنه فلذا كانت كناية مشوبة بالتصريح
(قوله: لتضمن إلخ) أى: وإنما كان فيها تصريح ما لتضمن الصفة التى هى لفظ طويل الضمير الراجع للموصوف لكونها مشتقة والضمير عائد على الموصوف فكأنه قيل: فلان طويل ولو قيل ذلك لم يكن كناية، بل تصريحا بطوله الذى هو طول قامته ولما لم يصرح بطوله لإضافته للنجاد وأومئ إليه بتحمل الضمير كانت كناية مشوبة بالتصريح ولم تجعل تصريحا حقيقيا.
(قوله: ضرورة احتياجها إلى مرفوع مسند إليه) أى: لمشابهتها للفعل فى الاشتقاق، والفعل محتاج إلى مرفوع مسند إليه فإن كان موجودا فى اللفظ فذاك، وإلا فهو ضمير مستتر فكذلك الصفة
(قوله: فيشتمل على نوع تصريح بثبوت الطول له) أى: وفى ذلك تصريح ما بالمكنى عنه وهو طول القامة
(قوله: والدليل على تضمنه الضمير) أى: تضمن طويل ولو قال تضمنها أى الصفة كان أولى إلا أن يقال الضمير فى تضمنه للصفة وذكر الضمير باعتبار أنها وصف أى والدليل على تضمن تلك الصفة للضمير وتحملها له وأنه فاعل لها لفظا، لا أنها مضافة لفاعلها لفظا، بل لفاعلها فى المعنى أنك تقول: هند طويلة النجاد بتأنيث الصفة نظرا لهند والزيدان طويلا النجاد بتثنيتها نظرا للزيدين والزيدون طوال النجاد بجمعها نظرا للزيدين فقد أنثنا الصفة وثنيناها وجمعناها
стр. 2001
فى المعنى صفة للمضاف إليه، واعتبار الضمير رعاية لأمر لفظى؛ وهو امتناع خلو الصفة عن معمول مرفوع بها (أو خفية) عطف على واضحة؛ وخفاؤها بأن يتوقف الانتقال منها على تأمل وإعمال روية (كقولهم- كناية عن الأبله- عريض القفا) فإن عرض القفا، وعظم الرأس بالإفراط مما يستدل به على البلاهة؛ فهو ملزوم لها
===
لزوما وجعلناها مطابقة للموصوف، وما ذاك إلا لإسنادها لضميره بخلاف ما إذا خلت عن ضمير الموصوف الذى جرت عليه وأسندت لاسم ظاهر فإنها لا تطابق ما قبلها، بل يجب فيها الإفراد والتجريد من علامة التثنية والجمع وتذكر لتذكير الفاعل وهو الاسم الظاهر الذى أسندت إليه وتؤنث لتأنيثه، وبالجملة فالصفة كالفعل إن أسندت لضمير ما قبلها وجبت مطابقتها لما قبلها فى الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وإن أسندت لاسم ظاهر وخلت عن ضمير ما قبلها وجب فيها الإفراد ولو كان الموصوف بها لفظا مثنى أو مجموعا، وذكرت لتذكير الفاعل ولو كان الموصوف بها مؤنثا وأنثت لتأنيث الفاعل ولو كان الموصوف بها مذكرا
(قوله: فى المعنى) أى: فى الحقيقة ونفس الأمر
(قوله: عطف على واضحة) أى: أن الكناية المطلوب بها صفة إن لم يكن الانتقال فيها للمطلوب وهو الصفة بواسطة فهى: إما واضحة لا تحتاج فى الانتقال للمراد إلى تأمل، أو خفية يتوقف الانتقال منها إلى المراد على تأمل وإعمال روية أى: فكر، وذلك حيث يكون اللزوم بين المكنى به وعنه فيه غموض ما فيحتاج إلى إعمال روية فى القرائن وسير المعانى ليستخرج المقصود منها، وليس المراد أنها خفية لتوقف الانتقال منها إلى المقصود على وسائط؛ لأن الموضوع أن الانتقال فيها بلا واسطة.
(قوله: عن الأبله) أى: البليد وقيل هو الذى عنده خفة عقل
(قوله: عريض القفا) القفا بالقصر مؤخر الرأس وعرضه يستلزم عظم الرأس غالبا والمقصود هنا العظم المفرط كما نبه عليه الشارح؛ لأنه الدال على البلاهة، وأما عظمها من غير إفراط، بل مع اعتدال فيدل على الهمة والنباهة وكمال العقل
(قوله: فإن عرض القفا) العرض بالفتح (١)؛ لأن المراد به ما قابل الطول، وأما العرض بالضم فهو بمعنى الجانب، وقوله: وعظم الرأس من عطف اللازم على الملزوم لا أنه مثال آخر
(قوله: فهو) أى:
стр. 2002
بحسب الاعتقاد، لكن فى الانتقال منه إلى البلاهة نوع خفاء لا يطلع عليه كل أحد، وليس الخفاء بسبب كثرة الوسائط والانتقالات حتى تكون بعيدة (وإن كان الانتقال) من الكناية إلى المطلوب بها (بواسطة فبعيدة؛ كقولهم: كثير الرماد؛ ...
===
العرض ملزوم لها أى: البلاهة وهى لازمة له فقد انتقل من الملزوم للازم
(قوله: بحسب الاعتقاد) أى: عند من له اعتقاد فى ملزوميته للبليد، فإن قلت: من له اعتقاد لا خفاء بالنسبة إليه ومن لا اعتقاد له لا كناية باعتباره، إذ لا يفهم المراد أصلا، وحينئذ فجعل الكناية فى هذا المثال خفية لا يظهر- قلت: لا يلزم من تقدم اعتقاد اللزوم حضوره حال الخطاب، إذ يجوز أن يكون بعض المعانى المخزونة يدرك لزومه بمطلق الالتفات فلا تخفى الكناية عنها على المتكلم عند دوام إيجادها ولا تخفى على السامع عند سماعها، ويجوز أن يكون إدراك لزومها يحتاج إلى تصفح المعانى والدلالة بالقرائن الخفية الدالة فيحتاج المتكلم فى إيجادها إلى تأمل والسامع فى فهمها إلى روية وفكر، وما هنا من هذا القبيل فافهم.
وظهر من هذا أن اعتقاد لزوم البلادة لعرض القفا ليس مشتركا بين الناس، بل قد يخص به واحد دون آخر، إذ لا سبيل إليه إلا بعد التأمل، فإن قلت: كون عرض القفا كناية عن الأبله بلا واسطة لا يظهر؛ لأن الأطباء يقولون إنما استلزم عرض القفا البله؛ لأنه يدل على قوة الطبيعة البلغمية المستلزمة للبرودة المستلزمة للغفلة والبله قلت:
ما ذكر تدقيق لا يعتبره أهل العرف ولا يلاحظونه، وإنما ينتقلون منه أولا إلى الأبله وحينئذ فكون عرض القفا كناية عن البله بلا واسطة واضح باعتبار العرف؛ لأن اللزوم بينهما متقرر حتى قيل إنه الآن لا خفاء فيه أصلا وأن الخفاء المذكور فيه لعله باعتبار العرف القديم
(قوله: لا يطلع عليه) أى: لا يدركه كل أحد وإنما يدركه من أعمل فكرته ورويته حتى اطلع على الملزومية واعتقدها.
(قوله: وليس الخفاء إلخ) دفع به ما يتوهم من قوله: لا يطلع عليه كل أحد أن ذلك بسبب وجود كثرة الوسائط
(قوله: إلى المطلوب بها) أى: وهو الصفة
(قوله: فبعيدة) أى: فتلك الكناية تسمى فى الاصطلاح بعيدة وذلك لبعد زمن إدراك المقصود
стр. 2003
كناية عن المضياف، فإنه ينتقل من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدور، ومنها) أى: ومن كثرة الإحراق (إلى كثرة الطبائخ، ومنها إلى كثرة الأكلة) جمع: آكل (ومنها إلى كثرة الضيفان) بكسر الضاد؛ جمع: ضيف (ومنها إلى المقصود) وهو المضياف؛ ...
===
فيها لاحتياجها فى الغالب إلى استحضار تلك الوسائط وظاهره أنها تسمى بعيدة ولو كانت الواسطة واحدة وهو كذلك؛ لأن فيها بعدا ما باعتبار مالا واسطة فيها أصلا
(قوله: كناية) أى: حالة كون ذلك القول كناية
(قوله: عن المضياف) هو كثير الضيافة التى هى القيام بحق الضيف، فكثرة الرماد كناية عن المضيافية بسبب كثرة الوسائط، والحاصل أنه يلزم من كون كثير الرماد كناية عن المضياف أن تكون كثرة الرماد كناية عن المضيافية وهذه الكناية اللازمة هى المقصود بالتمثيل؛ لأن أصل الموضوع الكناية المطلوب بها صفة من الصفات- فتأمل.
(قوله: فإنه ينتقل إلخ) أى: إنما قلنا إن كثرة الرماد كناية عن المضيافية لكثرة الوسائط؛ لأنه أى الحال والشأن ينتقل من كثرة الرماد
(قوله: إلى كثرة إحراق الحطب تحت القدور) أى: ضرورة أن الرماد لا يكثر إلا بكثرة الإحراق وربما كان مجرد كثرة الإحراق لا يفيد، وليس بلازم فى الغالب؛ لأن الغالب من العقلاء أن الإحراق لا يصدر منهم إلا لفائدة الطبخ، وإنما يكون الطبخ إذا كان الإحراق تحت القدور زاده ليفيد المراد ويتحقق الانتقال.
(قوله: الطبائخ) جمع طبيخ أى: ما يطبخ
(قوله: إلى كثرة الأكلة جمع آكل) أى: إلى كثرة الآكلين لذلك المطبوخ؛ وذلك لأن العادة أن المطبوخ إنما يطبخ ليؤكل فإذا كثر الآكلون له
(قوله: إلى كثرة الضيفان بكسر الضاد جمع ضيف)؛ وذلك لأن الغالب أن كثرة الأكلة إنما تكون من الأضياف إذا الغالب أن الكثرة المعتبرة المؤدية لكثرة الرماد لا تكون من العيال.
(قوله: ومنها إلى المقصود) أى: وينتقل من كثرة الضيفان إلى المقصود وهو المضيافية، فقول الشارح: وهو المضياف أى: مضيافية المضياف بدليل أن الكلام فى المطلوب
стр. 2004
وبحسب قلة الوسائط وكثرتها تختلف الدلالة على المقصود وضوحا، وخفاء.
(الثالثة) من أقسام الكناية (المطلوب بها نسبة) أى: إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه؛ وهو المراد بالاختصاص فى هذا المقام ...
===
بها صفة، والفرق بين كثرة الضيفان والمضيافية حتى ينتقل من أحدهما للآخر أن كثرة وجود الضيفان وصف للأضياف والمضيافية وصف للمضيف بكسر الياء، إذ هى القيام بحق الضيف كما تقدم وهما متلازمان ولشدة اللزوم بينهما ربما يتوهم اتحادهما فيقال:
ليس هناك انتقال، وقد ذكر المصنف أربع وسائط بين الكناية والمقصود، وزاد بعضهم بعد كثرة الرماد كثرة الجمر فكانت الوسائط خمسة
(قوله: وبحسب قلة الوسائط وكثرتها إلخ)؛ وذلك لأن كثرة الوسائط من شأنها خفاء الدلالة وقلتها من شأنها وضوحها وإذا انتفت رأسا ظهرت شائبة الوضوح؛ لأن أول ما يدرك فى الغالب عند الالتفات إلى اللوازم ما يكون منها بلا واسطة، إذ اللازم الملاصق للملزوم أظهر، وإنما قلنا: إن الشأن فى كل منهما ما ذكر إشارة إلى أن كلا منهما قد يكون على خلاف ذلك فيمكن فى الكناية المنتفية الوسائط الخفاء كما تقدم فى عرض القفا وفى كثيرها الوضوح لمرور الذهن بسرعة إلى المقصود إما مع إحضارها لظهورها وإما بدون الإحضار لكثرة الاستعمال فيسرع الانتقال، ولا يقال إذا أسرع الذهن للانتقال بدون إحضار فلا واسطة؛ لأنا نقول يكفى فى كون الكناية ذات وسائط وجودها فى نفس الأمر مع إمكان إحضارها عرفا- فتأمل. اه يعقوبى.
(قوله: المطلوب بها نسبة) ضابطها أن يصرح بالصفة ويقصد بإثباتها لشىء الكناية عن إثباتها للمراد وهو الموصوف بها
(قوله: أى إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه) أى:
إثبات صفة لموصوف أو نفى صفة عن موصوف
(قوله: وهو) أى: إثبات أمر لأمر إلخ المراد بالاختصاص فى هذا المقام أى: القسم الثالث وليس المراد بالاختصاص فيه الحصر، والحاصل أن الاختصاص المعبر به فى هذا القسم فى كلام المصنف وغيره المراد به مجرد ثبوت أمر لأمر كان على وجه الحصر أولا لا خصوص الحصر فقول المصنف: فإنه أراد أن يثبت اختصاص إلخ مراده بالاختصاص مجرد الثبوت؛ ولذا قال الشارح: أى:
стр. 2005
(كقوله: إن السماحة والمروءة) هى كمال الرجولية (والندى ... فى قبة ضربت على ابن الحشرج؛ ...
===
ثبوتها له لأنه ليس فى البيت أداة حصر، وإنما عبر بالاختصاص عن مجرد الثبوت وإن كان مجرد الثبوت أعم؛ لأن من ثبت له شىء لا يخلو من الاختصاص به فى نفس الأمر ولو لم تقصد الدلالة عليه، إذ لا بد من تحقق من ينتفى عنه ذلك الشىء فى نفس الأمر.
(قوله: كقوله) أى الشاعر وهو زياد الأعجم من أبيات من الكامل قالها فى:
عبد الله بن الحشرج، وكان أميرا على نيسابور فوفد عليه زياد فأمر بإنزاله، وبعث إليه ما يحتاجه فأنشده البيت وبعده (١):
ملك أغرّ متوّج ذو نائل ... للمعتفين يمينه لم تشنج
يا خير من صعد المنابر بالتّقى ... بعد النبىّ المصطفى المتحرج (*)
لما أتيتك راجيا لنوالكم ... ألفيت باب نوالكم لم يرتج
فأمر له بعشرة آلاف درهم، وكان عبد الله بن الحشرج سيدا من سادات قيس وأميرا من أمرائها، وولى عمالة خراسان وفارس وهمذان
(قوله: إن السماحة) هى بذل مالا يجب بذله من المال عن طيب نفس سواء كان ذلك المبذول قليلا أو كثيرا، والندى: بذل الأموال الكثيرة لاكتساب الأمور الجليلة العامة كثناء كل أحد ويجمعهما الكرم، والمروءة فى العرف: سعة الإحسان بالأموال وغيرها كالعفو عن الجناية وتفسر بكمال الرجولية كما قال الشارح، لكن يرد عليه أنه يقتضى اختصاصها بالرجل دون المرأة مع أنها تتصف بالمروءة إلا أن يقال المراد بالرجولية الإنسانية الشاملة للذكر والأنثى، وتفسر أيضا بالرغبة فى المحافظة على دفع ما يعاب به الإنسان وعلى ما يرفع على الأقران وهذا قريب مما قبله.
(قوله: فى قبة ضربت على ابن الحشرج) فى جعل هذه الصفات الثلاثة فى قبة مضروبة على ابن الحشرج كناية عن ثبوتها له؛ لأنه إذا أثبت الأمر فى مكان الرجل
стр. 2006
فإنه أراد أن يثبت اختصاص ابن الحشرج بهذه الصفات) أى: ثبوتها له (فترك التصريح) باختصاصه بها (بأن يقول: إنه مختص بها، أو نحوه) مجرور عطفا على:
أن يقول، أو منصوب عطفا على: أنه مختص بها؛ مثل أن يقول: ثبتت سماحة ابن الحشرج، أو السماحة لابن الحشرج، أو سمح ابن الحشرج، أو حصلت السماحة له، أو ابن الحشرج سمح؛ كذا فى المفتاح، وبه يعرف أن ليس المراد بالاختصاص هاهنا الحصر (إلى الكناية) أى: ترك التصريح، ...
===
وحيزه فقد أثبت له
(قوله: فإنه) أى: الشاعر وهذا علة لكون البيت المذكور مثالا للكناية المطلوب بها النسبة
(قوله: أراد أن يثبت اختصاص ابن الحشرج بهذه الصفات) أى: أراد أن يفيد ثبوت ابن الحشرج لهذه الصفات
(قوله: أى ثبوتها له) هو بالنصب تفسير للاختصاص، وأشار الشارح بهذا التفسير إلى أن المراد بالاختصاص مجرد الثبوت، والحصول وأن فى عبارة المصنف قلبا، وأن المراد منها أن الشاعر أراد أن يفيد ثبوت هذه الصفات الثلاثة لابن الحشرج
(قوله: باختصاصه بها) أى ثبوتها له.
(قوله: بأن يقول إلخ) تصوير للتصريح بالاختصاص بها، وقوله: إنه أى: ابن الحشرج، وقوله مختص بها أى: بهذه الأوصاف الثلاثة
(قوله: عطفا على أن يقول) أى:
فالمعنى ترك التصريح المصور بذلك القول وبنحوه
(قوله: عطفا على أنه مختص) أى:
فالمعنى حينئذ بأن يقول: إنه مختص، أو يقول نحوه أى: نحو أنه مختص بها من الطرق الدالة على ثبوت النسبة للموصوف كإضافتها له إضافة بتقدير اللام نحو: ثبتت سماحة ابن الحشرج؛ لأن إضافتها له تفيد كونها ثابتة له وكإسنادها إليه فى ضمن الفعل نحو سمح ابن الحشرج وكنسبتها إليه نسبة تشبه الإضافة مع الإخبار بالحصول كأن يقال: حصلت السماحة لابن الحشرج أو السماحة لابن الحشرج حاصلة وكإسنادها إليه على أنها خبر فى ضمن الوصف كأن يقال ابن الحشرج سمح بسكون الميم، وكذا يقال فى الندى والمروءة
(قوله: وبه يعرف) أى: وبما ذكر من الأمثلة يعرف أنه ليس المراد بالاختصاص- المعبر به فى كلامهم هاهنا أى: فى هذا القسم- الحصر، بل المراد به الثبوت للموصوف سواء كان على وجه الحصر أم لا
و(قوله: وبه يعرف إلخ) استدلال على ما
стр. 2007
ومال إلى الكناية (بأن جعلها) أى: تلك الصفات (فى قبة) تنبيها على أن محلها ذو قبة؛ وهى تكون فوق الخيمة يتخذها الرؤساء (مضروبة عليه) أى: على ابن الحشرج، فأفاد إثبات الصفات المذكورة له؛ لأنه إذا أثبت الأمر فى مكان الرجل، وحيزه فقد أثبت له (ونحوه) أى: مثل البيت المذكور فى كون الكناية لنسبة الصفة إلى الموصوف بأن تجعل فيما يحيط به، ويشتمل عليه (قولهم: المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه) ...
===
قدمه من أنه ليس المراد بالاختصاص فى هذا القسم الحصر، وحينئذ فلا تكرار بين ما هنا وما تقدم
(قوله: ومال إلى الكناية) إتيان الشارح بمال يحتمل أنه إشارة إلى أن ترك فى كلام المصنف مضمن معنى مال، فيكون العطف فى كلام الشارح تفسيريا أى ترك التصريح ومال عنه إلى الكناية، ويحتمل أنه إشارة إلى أن قول المصنف: إلى الكناية متعلق بمحذوف عطفا على قوله: ترك التصريح
(قوله: فى قبة) أى: حاصلة وواقعة فى قبة
(قوله: تنبيها) علة لترك الشاعر التصريح بثبوت تلك الأوصاف للممدوح وميله للكناية بأن جعلها واقعة فى قبة مضروبة على الممدوح أى لأجل التنبيه على أن محل تلك الصفات وهو الممدوح ذو قبة وأنه من الرؤساء
(قوله: وهى تكون إلخ) أى: والقبة مأوى يشبه الخيمة إلا أنها تكون فوق الخيمة فى العظم والاتساع وهى التى تسمى الآن بالصوان
(قوله: فأفاد) أى: الشاعر بجعل الصفات فى قبة مضروبة على الممدوح إثباتها له والحاصل أن المصرح به نسبة الصفات للقبة حيث جعلت فيها وهى صفات لا تقوم بنفسها، بل بغيرها ولا يصلح أن يكون ذلك الغير هو القبة فتعين أن يكون هو المضروب عليه القبة لصلاحيته لها وعدم مشاركة غيره له فى تلك القبة فيكون المقصود من تلك الكناية نسبة الصفات وثبوتها له فهذا هو المكنى عنه.
(قوله: لأنه إذا أثبت الأمر) أى: الذى لا يقوم بنفسه كما هنا
(قوله: فقد أثبت له) أى: لاستحالة قيام ذلك الأمر بنفسه ووجوب قيامه بمحل ولا يصح أن يكون قائما بمحل الرجل وحيزه فيتعين إثباته للرجل؛ لأن الأصل عدم مشاركة الغير لذلك الرجل فى مكانه وحيزه
(قوله: بأن تجعل) أى: بسبب جعل الصفة
و(قوله: فيما يحيط به) أى: بالموصوف فينتقل من ذلك لإثباتها للموصوف
(قوله: المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه)
стр. 2008
حيث لم يصرح بثبوت المجد له، بل كنى عن ذلك بكونهما بين برديه، وبين ثوبيه.
فإن قلت: هاهنا قسم رابع؛ وهو أن يكون المطلوب بها صفة ونسبة معا؛ كقولنا:
كثر الرماد فى ساحة زيد؛ قلت: ليس هذا كناية واحدة، بل كنايتان؛ إحداهما:
المطلوب بها نفس الصفة؛ ...
===
المجد الشرف والكرم صفة ينشأ عنها بذل المال عن طيب نفس، والثوبان والبردان متقاربان، وثناهما بالنظر إلى أن الغالب فى الملبوس تعدده وهما على تقدير المضاف أى:
بين أجزاء برديه وثوبيه، وإنما قدرنا ذلك لأن الشخص الممدوح حل فى بينية أجزاء البردين والثوبين؛ لأن كلا منهما محيط بكله أو بعضه على وجه الاشتمال
(قوله: حيث لم يصرح) أى: وإنما كان هذا المثال نحو ما تقدم من البيت فى كون الكناية لنسبة الصفة للموصوف؛ لأنه لم يصرح بثبوت المجد والكرم للممدوح بحيث يقال: ثبت الكرم والمجد له أو هما مختصان به، بل كنى إلخ، فالحيثية فى كلامه للتعليل
(قوله: بل كنى عن ذلك) أى: عن ثبوتهما له بكونهما بين برديه وثوبيه أى: لأن من المعلوم أن حصول الكرم والمجد فيما بين الثوبين لا يخلو عن موصوف بهما هنالك وليس إلا صاحب الثوبين؛ لأن الكلام فى الثوبين الملبوسين فأفاد الثبوت للموصوف بطريق الكناية والكرم والمجد مذكوران فلا يطلبان، وإنما طلب ثبوتهما لموصوفهما فكانت الكناية هنا مما طلب بها النسبة
(قوله: فإن قلت إلخ) هذا وارد على قول المصنف سابقا وهى ثلاثة أقسام
و(قوله: هاهنا) أى: فى الكناية
(قوله: كثر الرماد فى ساحة زيد) الساحة هى الفسحة التى بين بيوت الدار وقدام بابها والمثال المذكور كناية عن المضيافية وإثباتها لزيد، أما الإثبات، فلأنا لم نثبت كثرة الرماد لزيد ولا لما أضيف لضميره كما فى طويل نجاده حتى تكون النسبة معلومة، وإنما أثبتناها فى ساحته لينتقل من ذلك إلى ثبوتها له، وأما المضيافية فلأنا لم نصرح بها حتى يكون المطلوب نفس النسبة، بل كنينا عنها بكثرة الرماد
(قوله: قلت ليس هذا كناية واحدة، بل كنايتان إلخ) حاصله أنا لا نسلم أن هذا المثال كناية طلب بها الصفة والنسبة معا بل كنايتان إحداهما طلب بها النسبة وهى إثبات الكثرة فى الساحة والأخرى طلب بها نفس المضيافية وهى التصريح بكثرة الرماد لينتقل بها إلى المضيافية لاستلزامها إياها، ولك أن تسمى مجموع الكنايتين
стр. 2009
وهى كثرة الرماد؛ كناية عن المضيافية، والثانية: المطلوب بها نسبة المضيافية إلى زيد؛ وهو جعلها فى ساحته؛ ليفيد إثباتها له.
الكناية العرضية:
(والموصوف فى هذين القسمين) يعنى: الثانى، والثالث (قد يكون) مذكورا؛ كما مر، وقد يكون (غير مذكور؛ ...
===
قسما آخر، إذ لا حجر فى الاصطلاح لكن لو فتحنا هذا الباب لحدثت لنا كناية خامسة وهى التى يطلب بها الصفة والنسبة وغيرهما وهو الموصوف كقولنا: كثر الرماد فى ساحة العالم حيث دل الدليل كالشهرة على أن المراد بالعالم زيد، فتكون كثرة الرماد كناية عن الصفة وهى المضيافية لاستلزامها إياها وإثباتها فى الساحة كناية عن نسبتها للموصوف، وذكر العالم كناية عن الموصوف على ما تقدم فى الكناية بالصفة عن الموصوف
(قوله: وهى كثرة الرماد) الضمير هى راجع لإحداهما لا إلى الصفة، وإحداهما نفس الكناية
(قوله: يعنى الثانى) أى: من أقسام الكناية وهو المطلوب به صفة والثالث هو المطلوب به نسبة صفة لموصوف
(قوله: قد يكون غير مذكور) أى: لا لفظا ولا تقديرا؛ لأن المقدر فى التركيب حيث كان يقتضيه كالمذكور، وإنما قال والموصوف فى هذين؛ للاحتراز عن الموصوف فى القسم الأول من أقسام الكناية، فإنه لا يتصور إلا كونه غير مذكور، لأنه نفس المطلوب بالكناية بخلاف القسم الثانى والثالث من أقسام الكناية، فإن الموصوف فيهما قد يذكر وقد لا يذكر؛ فمثال ذكره فى القسم الأول من هذين القسمين وهو المطلوب بها صفة قولهم: زيد طويل نجاده فالموصوف بالصفة المطلوبة وهو زيد قد ذكر، ومثال ذكره فى الثانى وهو المطلوب بها نسبة قوله: إن السماحة والمروءة البيت فإن الموصوف بنسبة السماحة والمروءة إليه وهو ابن الحشرج قد ذكر وأما مثال عدم ذكره فى المطلوب بها صفة والنسبة مذكورة فهو متعذر ضرورة استحالة نسبة لغير منسوب إليه أى: حكم على غير محكوم عليه ملفوظ أو مقدر، وحينئذ فمتى كان المطلوب بها صفة وكانت النسبة موجودة فلا بد من ذكر الموصوف لفظا أو تقديرا فذكره لفظا كما فى: زيد كثير الرماد وذكره تقديرا كأن
стр. 2010
كما يقال فى عرض من يؤذى المسلمين: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده") (١) فإنه كناية عن نفى صفة الإسلام عن المؤذى؛ وهو غير مذكور فى الكلام، وأما القسم الأول؛ وهو ما يكون المطلوب بالكناية نفس الصفة، ...
===
يقال: كثير الرماد فى جواب هل زيد كريم؟ وأما مثال عدم ذكره والنسبة غير مذكورة فموجود كقولك: كثر الرماد فى هذه الساحة، فإن كثره الرماد كناية عن صفة المضيافية وإيقاع الكثرة فى الساحة كناية عن ثبوت المضيافية لصاحب الساحة وهو لم يذكر
(قوله: كما يقال) الأولى كقوله- ﵊؛ لأنه حديث كما فى البخارى،
و(قوله: فى عرض من يؤذى) العرض بالضم الناحية والجانب، والمراد به هنا التعريض أى: فى التعريض بمن يؤذى المسلمين
(قوله: كما يقال) مثال للقسم الثالث وهو الكناية عن النسبة والنسبة المكنى عنها هنا نفى الصفة لا ثبوتها؛ لأن نسبة الصفة يكنى عنها مطلقا سواء كانت ثبوتية أو سلبية وهى هنا سلبية، إذ هى سلب الإسلام عن المؤذى
(قوله: عن نفى صفة الإسلام) الإضافة للبيان،
و(قوله: وهو) أى: المؤذى (غير مذكور فى الكلام) ووجه الكناية هنا أن مدلول الجملة حصر الإسلام فيمن لا يؤذى ولا ينحصر فيه إلا بانتفائه عن المؤذى فأطلق الملزوم وأريد اللازم
(قوله: وأما القسم الأول) أى: من هذين القسمين الأخيرين وهو الثانى فى المتن وليس المراد القسم الأول من الأقسام الثلاثة المذكورة فى المتن كما توهم وهذا مقابل المحذوف أى: أما كون القسم الثانى من هذين القسمين تارة يكون الموصوف فيه مذكورا وتارة يكون غير مذكور فظاهر فى جميع أنواعه، وأما القسم الأول من هذين القسمين فلا يظهر كون الموصوف فيه تارة يكون مذكورا وتارة غير مذكور فى جميع أنواعه والقصد بذلك- أى: بقوله وأما القسم الأول إلخ- تقييد كلام المصنف، فإن ظاهره أنه إذا كان المطلوب بها صفة تارة يكون الموصوف مذكورا، وتارة يكون غير مذكور سواء صرح بالنسبة أم لا، مع أنه متى صرح بالنسبة فلا بد من ذكر الموصوف فيقيد كلام المصنف بالنسبة للقسم الأول بما إذا
стр. 2011
وتكون النسبة مصرحا بها، فلا يخفى أن الموصوف بها يكون مذكورا لا محالة؛ لفظا، أو تقديرا. وقوله: (فى عرض من يؤذى) معناه: التعريض به؛ يقال: نظرت إليه من عرض- بالضم- أى: من جانب وناحية. قال (السكاكى: الكناية تتفاوت إلى تعريض، وتلويح، ورمز، وإيماء، وإشارة) وإنما قال: تتفاوت، ولم يقل:
تنقسم؛ لأن التعريض وأمثاله مما ذكر ليس من أقسام الكناية فقط، بل هو أعم؛ كذا فى شرح المفتاح؛ وفيه نظر، والأقرب أنه قال ذلك لأن هذه الأقسام ...
===
لم يصرح بالنسبة
(قوله: وتكون النسبة مصرحا بها) أى: والحال أن النسبة المطلوب بها الصفة مصرح بها وهذا إشارة إلى قسم للقسم الثانى لا إلى جملة القسم الثانى
(قوله: أى من جانب وناحية) أى: ولما كان المعنى المعرض به منظورا له من ناحية المعنى المستعمل فيه اللفظ قيل للفظ المستعمل فى ذلك المعنى تعريض
(قوله: تتفاوت) أى: تتنوع
(قوله: وإشارة) عطف مرادف، لأن الرمز والإشارة شىء واحد، وحينئذ فالأنواع أربعة لا خمسة
(قوله: وأمثاله) أى: من التلويح والرمز والإيماء
(قوله: بل هو) أى: ما ذكر من التعريض وأمثاله أعم من الكناية؛ لأن هذه الأمور لا تختص بالكناية؛ لأن التعريض مثلا يكون كناية ومجاز والتلويح والرمز والإشارة يطلق كل منها على معنى غير الكناية اصطلاحا ولغة فلو عبر بالانقسام أفاد أن هذه الأشياء لا تخرج عن الكناية، إذ أقسام الشىء أخص منه
(قوله: كذا فى شرح المفتاح) أى: للرازى
(قوله: وفيه نظر) أى: من وجهين أحدهما أن تعدية التفاوت بإلى إنما تصح بتضمينه معنى الانقسام فقد عاد الأمر إلى الانقسام ثانيهما أن أقسام الشىء لا يجب أن تكون أخص منه لصحة أن يكون بعض الأقسام أو كلها بينها وبين المقسم عموم من وجه كما مر فى تقسيم الأبيض إلى حيوان وغيره، والحال أن بين الحيوان والأبيض عموما من وجه لصدقهما فى الحيوان الأبيض واختصاص الحيوان بنحو الفرس الأدهم، واختصاص الأبيض بنحو العاج، وكذا غيره وإذا صح أن يكون قسم الشىء أعم منه فلا ضرر حينئذ فى التعبير بتنقسم ولا نسلم أنه يقتضى أن هذه الأشياء لا تخرج عن الكناية لما علمت أنه يصح أن يكون قسم الشىء أعم منه هذا محصل كلام الشارح وهو
стр. 2012
قد تتداخل وتختلف باختلاف الاعتبارات: من الوضوح والخفاء، وقلة الوسائط وكثرتها.
===
مبنى على ما اختاره من جواز كون القسم أعم من المقسم والمحققون على خلافه؛ لأن القسم من حيث هو قسم لا يكون إلا أخص وعمومه إنما هو باعتبار مطلق ما يصدق عليه القسم
(قوله: قد تتداخل) أى: يدخل بعضها فى بعض فيمكن اجتماع الجميع فى صورة واحدة باعتبارات مختلفة لجواز أن يعبر عن اللازم باسم الملزوم فيكون كناية ومع ذلك قد يكون تعريضا بالنظر لسامع يفهم أن إطلاقه على ذلك الغير بالسياق، وقد يكون تلويحا بالنظر لسامع آخر لفهمه كثرة الوسائط ولم يفهم المعرض به، وقد يكون رمزا بالنسبة لسامع آخر يخفى عليه اللازم، والحاصل أنها أقسام اعتبارية تختلف باختلاف الاعتبارات ويمكن اجتماعها لا أنها أقسام حقيقة مختلفة بالفصول لا يمكن اجتماعها فعدل السكاكى عن التعبير ب تنقسم لئلا يتوهم أنها أقسام حقيقية متباينة كما هو الأصل فيها
(قوله: وتختلف إلخ) عطف على تتداخل من عطف السبب على المسبب؛ لأن دخول بعضها فى بعض واجتماعها بسبب اختلاف الاعتبارات أى:
المعتبرات وبين الاعتبارات بقوله: من الوضوح والخفاء إلخ، وبعد هذا كله فيقال للعلامة الشارح: إن هذا الوجه الذى استقربته إنما أفاد وجه العدول عن التعبير بالانقسام، وأما وجه التعبير بخصوص التفاوت المشعر بالاختلاف فى الرتبة مع التساوى فى شىء يعم فلم يظهر على أن هذا الوجه الذى استقر به قد يقال عليه: إن الأمور الاعتبارية التى وقع بها الاختلاف بين هذه الأشياء يكفى اعتبارها فى كونها أقساما متباينة؛ لأن صدق كل منها فى صورة الاجتماع المذكور إنما هو باعتبار يخالف به الآخر فهى أقسام مختلفة لا يصدق بعضها على بعض ولا يداخله بذلك الاعتبار، وإن اعتبر مجرد الصدق من غير رعاية أوجه الاختلاف لم يصدق التفاوت أيضا فلعل الأولى أن يقال: إنما عبر السكاكى بالتفاوت للإشارة إلى أن هذه الأقسام وإن استوت فى كونها كناية يقع التفاوت فيها فى جملة أى: أنه يفوق بعضها بعضا فى رتبة دقة الفهم وظهوره وفى رتبة قلة الوسائط وكثرتها وذلك مما يؤدى إلى التفاوت فى الأبلغية؛ لأن الخطاب بها يختلف
стр. 2013
(والمناسب للعرضية التعريض) أى: الكناية إذا كانت عرضية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور. كان المناسب أن يطلق عليها اسم: التعريض؛ لأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على المقصود؛ يقال عرضت لفلان: ...
===
يناسب بعضها الذكى وبعضها الغبى وما يكون خطابا لذكى يفوق ما كان خطابا لغبى فى الأبلغية، وإن كان كل فى مقامه بليغا- فتأمل اه يعقوبى.
(قوله: والمناسب إلخ) هذا من كلام السكاكى قصد به تمييز تلك الأقسام بعضها من بعض وأشار إلى أن بين كل قسم واسمه مناسبة
و(قوله: والمناسب للعرضية) أى: لكون الكناية عرضية
و(قوله: التعريض) أى: إطلاق اسم التعريض عليها وتسميتها بالتعريض
(قوله: مسوقة لأجل موصوف غير مذكور) هذا تفسير العرضية، وحينئذ ففى الكلام حذف حرف التفسير وهو أى: المسوقة لأجل إثبات صفة لموصوف غير مذكور كما إذا قلت المؤمن هو غير المؤذى وأردت نفى الإيمان عن المؤذى مطلقا من غير قصد لفرد معين
(قوله: لأنه) أى التعريض وهذا تعليل لكون تسمية الكناية العرضية بالتعريض مناسبا، وحاصله أنه إنما ناسب لوجود معنى التعريض فيها.
(قوله: إمالة الكلام) أن توجيهه
و(قوله: إلى عرض) بالضم أى: جانب وناحية،
و(قوله: يدل) - أى: ذلك العرض بمعنى الجانب- على المقصود ويفهم منه وذلك الجانب هو محل استعماله الكلام وسياقه والقرائن كذا كتب بعضهم، وقرر شيخنا العدوى أن قوله: إمالة الكلام إلى عرض أى: جانب وهو المعنى الكنائى، وقوله: يدل أى ذلك العرض على المقصود وهو المعنى المعرض به المقصود من سياق الكلام مثلا قولك: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، معناه الصريح: حصر الإسلام فى غير المؤذى ويلزم منه نفى الإسلام عن كل مؤذ وهذا هو المعنى الكنائى والمقصود من السياق نفى الإسلام عن المؤذى المعين كزيد وهذا هو المعرض به وليس اللفظ مستعملا فيه، بل مستعمل فى المعنى الكنائى، فالمعنى المعرض به ليس حقيقيا للفظ ولا مجازيا ولا كنائيا، وإذا علمت ما ذكر ظهر لك أن الكناية العرضية غير التعريض إلا أن المناسب كما قال السكاكى: تسميتها به لوجود معناه فيها
(قوله: عرضت لفلان) أى: ارتكبت التعريض
стр. 2014
وبفلان- إذا قلت قولا لغيره وأنت تعنيه؛ فكأنك أشرت به إلى جانب وتريد جانبا آخر.
(و) المناسب (لغيرها) أى: لغير العرضية (إن كثرت الوسائط) ...
===
لأجل إظهار حال فلان فاللام للتعليل
(قوله: وبفلان) الباء للسببية أى: عرضت بسبب إظهار حال فلان
(قوله: وأنت تعنيه) أى: تعنى فلانا وتقصده فالقول ليس مستعملا فيه وإنما تعنيه من عرض ولهذا لم يقل وأنت تعنيه منه
(قوله: فكأنك أشرت إلخ) أى:
فكأنك لما قلت قولا له معنى أصلى وأردت معنى آخر وهو المعنى المعرض به المقصود من سياق الكلام الذى هو حال فلان أشرت بالكلام إلى جانب حسى وأردت به جانبا آخر، وإنما عبر بقوله: فكأنك ولم يقل: فقد أشرت إلخ بلا تشبيه للإشارة إلى أن الجانب هنا لا يراد به أصله الذى هو الحسى وإنما يراد به ما شبه به وهو المعنى أو أن الكنائية للتحقيق أى: إذا قلت قولا وعنيت به فلانا فقد أشرت تحقيقا إلى جانب وهو المعنى الأصلى الموضوع له اللفظ وأردت به جانبا آخر وهو المعنى المعرض به الذى قصد من سياق الكلام وقد يقال: قضية هذا التوجيه تسمية الكناية تعريضا مطلقا من غير تقييد بكونها عرضية أى: مسوقة لأجل موصوف غير مذكور لوجود هذا المعنى فى الجميع، إذ كل كناية أطلق فيها اللفظ الذى له جانب هو معناه الأصلى، وأريد به جانب آخر خلاف أصله، ويمكن الجواب بأن اختلاف الجانب فيما لم يذكر فيه الموصوف أظهر؛ لأنه أشير بالكلام لغير مذكور ولا مقدر فكان إطلاق اسم التعريض الذى هو إرادة جانب آخر عليه أنسب، واعلم أن التعريض ليس من مفهوم الحقيقة فقط ولا من المجاز ولا من الكناية؛ لأن الحقيقة هو اللفظ المستعمل فى معناه الأصلى والمجاز هو المستعمل فى لازم معناه فقط والكناية هو المستعمل فى اللازم مع جواز إرادة الأصل والتعريض أن يفهم من اللفظ معنى بالسياق والقرائن من غير أن يقصد استعمال اللفظ فيه أصلا، ولذلك يكون لفظ التعريض تارة حقيقة وتارة يكون مجازا وتارة يكون كناية، فالأول كما إذا قيل: لست أتكلم أنا بسوء فيمقتنى الناس ويريد إفهام أن فلانا ممقوت؛ لأنه كان يتكلم بسوء فالكلام حقيقة ولما سيق عند تكلم فلان بالسوء كان فيه
стр. 2015
بين اللازم والملزوم؛ كما فى: كثير الرماد، وجبان الكلب، ومهزول الفصيل (التلويح) لأن التلويح هو أن تشير إلى غيرك من بعد.
===
تعريض بمقته، ولكن فهم هذا المعنى من السياق لا من الوضع، والثانى كما إذا قيل لك:
رأيت أسودا فى الحمام غير كاشفين العورة فما مقتوا، ولا عيب عليهم تعريضا بمن كان حاضرا أنه كشف عورته فى الحمام فمقت وعيب عليه، فالكلام مجاز، ولكن قد فهم هذا المقصود من السياق لا من المعنى المجازى، والثالث كما إذا قلت: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده كناية عن كون من لم يسلم المسلمون من لسانه غير مسلم ويفهم منه بطريق التعريض الذى هو الإفهام بالسياق أن فلانا المعين ليس بمسلم فقولهم:
إن الكناية تكون تعريضا معناه أن اللفظ قد يستعمل فى معنى مكنى عنه ليلوح بمعنى آخر بالقرائن، والسياق كما فى هذا المثال فإن حصر الإسلام فيمن لا يؤذى من لازمه انتفاؤه عن مطلق المؤذى، فإذا استعمال هذا اللفظ فى هذا اللفظ فى هذا اللازم كناية فإن لم يكن ثم شخص معين آذى كان اللفظ كناية وإلا جاز أن يعرض بهذا الشخص المعين أنه غير مسلم بسبب المعنى اللازم الذى استعمل فيه اللفظ وهو أن مطلق المؤذى غير مسلم
(قوله: بين اللازم) أى: الذى استعمل لفظه وبين الملزوم أى: الذى أطلق اللفظ عليه كناية، وإنما فسرنا اللازم والملزوم بما ذكر على اصطلاح السكاكى لأن أصل الكلام له
(قوله: كما فى كثير الرماد) أى: فإن بين كثرة الرماد والمضيافية المستعملة هى فيها وسائط وهى كثرة الإحراق وكثرة الطبائخ وكثرة الأكلة وكثرة الأضياف
(قوله: وجبان الكلب) أى: فإن بين جبن الكلب والمضيافية المستعمل هو فيها وسائط وهى عدم جراءة الكلب وأنس الكلب بالناس وكثرة مخالطة الواردين وكثرة الأضياف
(قوله: ومهزول الفصيل) أى: فإن بين هزال الفصيل والمضيافية المستعمل هو فيها وسائط وهى عدم اللبن وكثرة شاربيه وكثرة الأضياف
(قوله: التلويح) أى:
إطلاق اسم التلويح عليها وتسميتها به
(قوله: لأن التلويح إلخ) علة لمحذوف أى: وإنما سميت الكناية الكثيرة الوسائط كما ذكر تلويحا؛ لأن التلويح فى الأصل أن تشير إلى غيرك من بعد أى وكثرة الوسائط بعيدة الإدراك غالبا
стр. 2016
(و) المناسب لغيرها (إن قلت) الوسائط (مع خفاء) فى اللزوم؛ كعريض القفا، وعريض الوسادة (الرمز) لأن الرمز هو أن تشير إلى قريب منك على سبيل الخفية؛ لأن حقيقته الإشارة بالشفة أو الحاجب.
(و) المناسب لغيرها إن قلت الوسائط (بلا خفاء) كما فى قوله:
أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... فى آل طلحة ثم لم يتحول
===
(قوله: والمناسب لغيرها) أى: لغير العرضية
(قوله: إن قلت الوسائط) المراد بقلتها ألّا تكون كثيرة وهذا صادق بانعدامها رأسا وبوجودها مع القلة
(قوله: مع خفاء فى اللزوم) أى: بين المعنى المستعمل فيه والمعنى الأصلى للفظ
(قوله: كعريض القفا وعريض الوسادة) الأول مثال لما عدمت فيه الوسائط، وذلك لأنه يكنى عن البله بعرض القفا فيقال فلان عريض القفا أى: أنه أبله وليس بينهما واسطة عرفا؛ وذلك لأنه يكنى بعرض الوسادة عن البله وليس بينهما إلا واسطة واحدة؛ لأن عرض الوسادة يستلزم عرض القفا وعرض القفا يستلزم البله
(قوله: الرمز) أى: إطلاق الرمز عليها وتسميتها به
(قوله: لأن الرمز إلخ) علة لمحذوف أى: إنما سميت هذه رمزا؛ لأن الرمز فى الأصل إلخ
(قوله: لأن حقيقته إلخ) أى: وإنما قيدنا بقولنا على سبيل الخفية؛ لأن حقيقته الإشارة بالشفة والحاجب أى: والغالب أن الإشارة بهما إنما تكون عند قصد الإخفاء.
(قوله: والمناسب لغيرها) أى: لغير العرضية إن قلت الوسائط بلا خفاء الإيماء والإشارة أى: إطلاق الإيماء والإشارة عليها وتسميتها بهما وذلك لأن أصل الإشارة أن تكون حسية وهى ظاهرة ومثلها الإيماء
(قوله: كما فى قوله: أو ما رأيت المجد إلخ) وجه كون الوسائط فيه قليلة من غير خفاء أن تقول: إن إلقاء المجد رحله فى آل طلحة مع عدم التحول هذا معنى مجازى، إذ لا رحل للمجد ولكن شبه برجل شريف له رحل يخص بنزوله من شاء ووجه الشبه الرغبة فى الاتصال بكل وأضمر التشبيه فى النفس على طريق المكنية واستعمل معه ما هو من لوازم المشبه به وهو إلقاء الرحل أى: الخيمة والمنزل تخييلا، ولما جعل المجد ملقيا رحله فى آل طلحة بلا تحول لزم من ذلك كون محله وموصوفه
стр. 2017
(الإيماء والإشارة، ثم قال: ) السكاكى (والتعريض قد يكون مجازا؛ كقولك: آذيتنى فستعرف؛ وأنت تريد) بتاء الخطاب (إنسانا مع المخاطب دونه) أى: لا تريد المخاطب ليكون اللفظ مستعملا فى غير ما وضع له فقط؛ فيكون مجازا
===
آل طلحة لعدم وجدان غيرهم معهم، وذلك بواسطة أن المجد ولو شبه بذى الرحل هو صفة لا بد له من موصوف ومحل وهذه الواسطة بينة بنفسها فكانت الكناية ظاهرة والواسطة واحدة فقد قلت الوسائط مع الظهور، ثم إن مراده بقلة الوسائط عدم كثرتها فيصدق بالواسطة الواحدة مع الظهور كما مر فى البيت وكما فى عرض الوسادة بناء على أنه ظاهر عرفا فى البله وليس بينهما إلا واسطة واحدة ويصدق بعدم الواسطة أصلا مع الظهور كعرض القفا فى البله بناء على ظهوره عرفا فيه كما قيل
(قوله: ثم قال إلخ) أى: انتقل السكاكى من الكناية فى التعريض إلى تحقيق المجاز فيه فكلمة ثم للتباعد بين المبحثين، وإلا فلا تراخى بين كلامى السكاكى، والحاصل أن السكاكى بعد ما سمى أحد أقسام الكناية تعريضا انتقل بعد ذلك لتحقيق الكلام التعريضى، فذكر أنه تارة يكون مجازا، وتارة يكون كناية، فقوله والتعريض أى: الكلام التعريضى أى: المعرض به
(قوله: قد يكون مجازا) وذلك بأن تقوم القرينة على عدم صحة إرادة المعنى الحقيقى.
(قوله: وأنت تريد إنسانا مع المخاطب) جملة حالية أى: وإنما يكون هذا الكلام التعريضى مجازا، فى حال كونك تريد بتاء الخطاب إنسانا مع المخاطب، أى: تريد به تهديد إنسان مصاحب للمخاطب دون المخاطب، فلا تريد تهديده أى تخويفه.
(قوله: بتاء الخطاب) أى فى قولك: آذيتنى فستعرف.
(قوله: مع المخاطب) صفة لإنسان أى حاضرا مع المخاطب، فهو مصاحب له فى الحضور والسماع لا فى الإرادة
(قوله: أى:
لا تريد المخاطب) أى لا تريد تهديده، وحيث أردت بهذا الكلام تهديد غير المخاطب فقد صارت تاء الخطاب غير مراد بها أصلها الذى هو المخاطب، وإنما أريد بها ذلك الإنسان بمعونة أن التهديد له، وإذا تحقق أنك لا تريد بهذا الخطاب المخاطب وإنما أردت غيره للعلاقة كان هذا التعريض مجازا؛ لأنه قد أطلق اللفظ وأريد به اللازم دون الملزوم.
стр. 2018
(وإن أردتهما) أى: أردت المخاطب وإنسانا آخر معه جميعا (كان كناية) لأنك أردت باللفظ المعنى الأصلى وغيره معه، والمجاز ينافى إرادة المعنى الأصلى (ولا بد فيهما) أى: فى الصورتين (من قرينة) دالة على أن المراد فى الصورة الأولى هو الإنسان الذى مع المخاطب وحده ليكون مجازا، وفى الثانية كلاهما جميعا ليكون كناية، وتحقيق ذلك أن قولك: آذيتنى فستعرف- كلام دال على تهديد المخاطب بسبب الإيذاء، ويلزم منه تهديد كل من صدر عنه الإيذاء، فإن استعملته وأردت به تهديد المخاطب وغيره من المؤذين كان كناية، وإن أردت به تهديد غير المخاطب بسبب الإيذاء لعلاقة اشتراكه للمخاطب فى الإيذاء؛ إما تحقيقا، وإما فرضا وتقديرا مع قرينة دالة على عدم إرادة المخاطب كان مجازا.
===
(قوله: وإن أردتهما كان كناية) أى: وإن أردتهما بتاء الخطاب بقرينة قوله قبل: وأنت تريد بتاء الخطاب- يعنى أن الكلام التعريضى قد يكون كناية، حيث لم تقم قرينة على عدم صحة إرادة المعنى الأصلى، بل قامت على إرادة الأصلى وغيره، وذلك كقولك:
آذيتنى فستعرف، والحال أنك أردت تهديد المخاطب وإنسانا آخر معه، فحيث أردتهما بهذا الخطاب كان كناية؛ لأن الكناية هى اللفظ الذى يجوز أن يراد به المعنى الحقيقى ولازمه، والمجاز لا يراد به إلا اللازم كما تقدم، وأنت خبير بأنه إذا أريد بتاء الخطاب الأمران معا كان اللفظ مستعملا فى المعنى الحقيقى والمعنى المجازى، وهو ممنوع عند البيانيين، إلا أن يقال: إرادة المعنى الحقيقى هنا للانتقال لغيره، وإن كان كل منهما هنا مقصودا بالإثبات، والظاهر أنهم لا يسمحون بذلك كما فى سم.
(قوله: ولا بد فيهما من قرينة) أى: وإذا كان التعريض يكون مجازا ويكون كناية فلا بد فى الصورتين السابقتين وهما صورة المجاز وصورة الكناية من قرينة تميز إحداهما من الأخرى، حيث اتحد لفظهما وإنما اختلفا فى الإرادة، فإذا وجدت القرينة الدالة على أن المهدد هو غير المخاطب فقط- كأن يكون المخاطب صديقا وغير مؤذ- كان اللفظ مجازا، وإذا وجدت القرينة الدالة على أنهما هددا معا- كأن يكونا معا عدوين للمتكلم ومؤذيين له، ويعلم عرفا أن ما يعامل به أحدهما يعامل به الآخر- كان اللفظ كناية.
(قوله: وتحقيق ذلك) أى: وبيان ذلك الكلام على الوجه الحق، وهذا جواب عما يقال: لا نسلم أن (آذيتنى فستعرف)
стр. 2019
(وإن أردتهما) أى: أردت المخاطب وإنسانا آخر معه جميعا (كان كناية) لأنك أردت باللفظ المعنى الأصلى وغيره معه، والمجاز ينافى إرادة المعنى الأصلى (ولا بد فيهما) أى: فى الصورتين (من قرينة) دالة على أن المراد فى الصورة الأولى هو الإنسان الذى مع المخاطب وحده ليكون مجازا، وفى الثانية كلاهما جميعا ليكون كناية، وتحقيق ذلك أن قولك: آذيتنى فستعرف- كلام دال على تهديد المخاطب بسبب الإيذاء، ويلزم منه تهديد كل من صدر عنه الإيذاء، فإن استعملته وأردت به تهديد المخاطب وغيره من المؤذين كان كناية، وإن أردت به تهديد غير المخاطب بسبب الإيذاء لعلاقة اشتراكه للمخاطب فى الإيذاء؛ إما تحقيقا، وإما فرضا وتقديرا مع قرينة دالة على عدم إرادة المخاطب كان مجازا.
===
(قوله: وإن أردتهما كان كناية) أى: وإن أردتهما بتاء الخطاب بقرينة قوله قبل: وأنت تريد بتاء الخطاب- يعنى أن الكلام التعريضى قد يكون كناية، حيث لم تقم قرينة على عدم صحة إرادة المعنى الأصلى، بل قامت على إرادة الأصلى وغيره، وذلك كقولك:
آذيتنى فستعرف، والحال أنك أردت تهديد المخاطب وإنسانا آخر معه، فحيث أردتهما بهذا الخطاب كان كناية؛ لأن الكناية هى اللفظ الذى يجوز أن يراد به المعنى الحقيقى ولازمه، والمجاز لا يراد به إلا اللازم كما تقدم، وأنت خبير بأنه إذا أريد بتاء الخطاب الأمران معا كان اللفظ مستعملا فى المعنى الحقيقى والمعنى المجازى، وهو ممنوع عند البيانيين، إلا أن يقال: إرادة المعنى الحقيقى هنا للانتقال لغيره، وإن كان كل منهما هنا مقصودا بالإثبات، والظاهر أنهم لا يسمحون بذلك كما فى سم.
(قوله: ولا بد فيهما من قرينة) أى: وإذا كان التعريض يكون مجازا ويكون كناية فلا بد فى الصورتين السابقتين وهما صورة المجاز وصورة الكناية من قرينة تميز إحداهما من الأخرى، حيث اتحد لفظهما وإنما اختلفا فى الإرادة، فإذا وجدت القرينة الدالة على أن المهدد هو غير المخاطب فقط- كأن يكون المخاطب صديقا وغير مؤذ- كان اللفظ مجازا، وإذا وجدت القرينة الدالة على أنهما هددا معا- كأن يكونا معا عدوين للمتكلم ومؤذيين له، ويعلم عرفا أن ما يعامل به أحدهما يعامل به الآخر- كان اللفظ كناية.
(قوله: وتحقيق ذلك) أى: وبيان ذلك الكلام على الوجه الحق، وهذا جواب عما يقال: لا نسلم أن (آذيتنى فستعرف)
стр. 2020
.
===
عن الدلالة الأصلية إن استعمل اللفظ فيه وحده كان مجازا، وإن كان يسمى تعريضا وإن استعمل فيه مع المعنى الأصلى كان كناية، وإن كان يسمى تعريضا، فيكون التعريض فردا من كل منهما لا يخرج عنهما بوجه من الوجوه، والمحققون على أن له مفهوما مخالفا، فجعله لا يخرج عن أحدهما مخالف لما عليه المحققون، وإن أيد هذا بأنه إن لم يكن كذلك لزم وجود لفظ دل على معنى دلالة صحيحة من غير أن يكون حقيقة فى ذلك المعنى ولا مجازا ولا كناية فالحق ما قاله الشارح العلامة فى شرح المفتاح من أن معنى كون التعريض مجازا أو كناية أن يرد على طريق أحدهما فى إفادة معنى كإفادة ذلك الأحد، وأما معناه المعرض به فليس التعريض فيه مجازا ولا حقيقة لأنه إنما دل عليه بالسياق والقرائن، ولا عجب فى ذلك فإن التراكيب كثيرا ما تفيد المعانى التابعة لمعانيها ولم تستعمل فيها لا حقيقة ولا مجازا، كدلالة إن زيدا قائم مثلا على حال الإنكار، فمعنى كون التعريض مجازا على هذا أن قولك: آذيتنى فستعرف يدل على تهديد المخاطب مطابقة، ويدل على تهديد كل ما سواه لزوما، ويفيد بالتعريض تهديد معين عند المخاطب بقرائن الأحوال، فلما قامت القرائن على إرادة ذلك المعين فقط وأنه هو المقصود بالذات دل على غير الأصل، وكانت دلالته على طريق المجاز من جهة دلالة كل على غير الموضوع له فقط، وليس التعريض باعتبار ذلك المعين المعرض به مجازا؛ لأن الدلالة عليه بالقرائن من غير اعتبار توسط نقل اللفظ إلى اللازم والملزوم، كونه مقصود فقط بالقرائن لا يخرج به الكلام عن أصله، ألا ترى إلى المجاز الذى صار حقيقة عرفية فإن صيرورته حقيقة فى العرف لا تخرجه عن كونه مجازا باعتبار أصل اللغة، فكذلك التعريض لا يخرج عن استعماله الأصلى من أن دلالته اللفظية على غير المعرض به يكون دلالته الفرعية السياقية على المعرض به، ومعنى كونه كناية أن يراد الأصل والمعرض به معا، فيكون على طريق الكناية فى إرادة الأصل والفرع، إلا أن إرادة الأصل لفظية وإرادة الفرع سياقية، وهذا هو المأخوذ من كلام المحققين فليفهم.
انتهى.
стр. 2021
[فصل]: الموازنة بين المجاز والحقيقة:
(أطبق البلغاء على أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة والتصريح؛ ...
===
فصل: تكلم فيه على أفضلية المجاز والكناية على الحقيقة والتصريح فى الجملة
(قوله: أطبق البلغاء) أى: اتفق أهل فن البلاغة الشاملة للمعانى والبيان، فالمراد بالإطباق: الإجماع والاتفاق، مأخوذ من قولهم أطبق القوم على الأمر الفلانى: أجمعوا عليه، والمراد بالبلغاء أهل فن البلاغة؛ لأنهم الذين يظهر منهم الإجماع، ويمكن أن يراد بالبلغاء جميع البلغاء العالمون بالاصطلاحات وغيرهم من أرباب السليقة، ويكون إجماع أهل السليقة بحسب المعنى حيث يعتبرون هذه المعانى أى الحقيقة والمجاز والتشبيه فى موارد الكلام، وإن لم يعلموا بالاصطلاحات أى بلفظ حقيقة ولفظ مجاز ولفظ كناية ولفظ استعارة.
(قوله: على أن المجاز والكناية) أى: الواقعين فى كلام بلغاء العرب ومن تبعهم، ويشمل قوله المجاز العقلى إلا أن العلة توجب قصره على المجاز اللغوى.
(قوله: أبلغ من الحقيقة) قيل عليه: إن أبلغ إن كان مأخوذا من بلغ بضم اللام بلاغة ففيه أن البلاغة لا يوصف بها الفرد والكناية كلمة مفردة، والمجاز قد يكون كلمة، وأيضا الحال إن اقتضى الحقيقة كانت البلاغة فى الإتيان بها ولا عبرة بغيرها من كناية أو مجاز، وإن اقتضى المجاز أو الكناية كانت البلاغة فى الإتيان بما ذكر ولا عبرة بالحقيقة، وإن كان مأخوذا من بالغ مبالغة ففيه أن أفعل التفضيل لا يصاغ من الرباعى، وقد يجاب باختيار الأول وأن المراد البلاغة اللغوية وهى الحسن؛ (فقوله: أبلغ من الحقيقة) أى: أفضل وأحسن منها، ويصح إرادة الثانى بناء على مذهب الأخفش والمبرد المجوزين لصوغ أفعل التفضيل من الرباعى، والمعنى أنهما أكثر مبالغة فى إثبات المقصود.
(قوله: من الحقيقة والتصريح) لف ونشر مرتب؛ فقوله: من الحقيقة يعود إلى المجاز والتصريح عطف عليه وهو عائد للكناية، وحينئذ فالمعنى المجاز أبلغ من الحقيقة والكناية أبلغ من التصريح، وربما يؤخذ من مقابلة المجاز بالحقيقة والكناية بالتصريح أن الكناية ليست من المجاز؛ لأن التصريح حقيقة قطعا فلو كانت الكناية من المجاز كان فى الكلام تداخل، ويحتمل أن يكون الأمر كذلك
стр. 2022
[فصل]: الموازنة بين المجاز والحقيقة:
(أطبق البلغاء على أن المجاز والكناية أبلغ من الحقيقة والتصريح؛ ...
===
فصل: تكلم فيه على أفضلية المجاز والكناية على الحقيقة والتصريح فى الجملة
(قوله: أطبق البلغاء) أى: اتفق أهل فن البلاغة الشاملة للمعانى والبيان، فالمراد بالإطباق: الإجماع والاتفاق، مأخوذ من قولهم أطبق القوم على الأمر الفلانى: أجمعوا عليه، والمراد بالبلغاء أهل فن البلاغة؛ لأنهم الذين يظهر منهم الإجماع، ويمكن أن يراد بالبلغاء جميع البلغاء العالمون بالاصطلاحات وغيرهم من أرباب السليقة، ويكون إجماع أهل السليقة بحسب المعنى حيث يعتبرون هذه المعانى أى الحقيقة والمجاز والتشبيه فى موارد الكلام، وإن لم يعلموا بالاصطلاحات أى بلفظ حقيقة ولفظ مجاز ولفظ كناية ولفظ استعارة.
(قوله: على أن المجاز والكناية) أى: الواقعين فى كلام بلغاء العرب ومن تبعهم، ويشمل قوله المجاز العقلى إلا أن العلة توجب قصره على المجاز اللغوى.
(قوله: أبلغ من الحقيقة) قيل عليه: إن أبلغ إن كان مأخوذا من بلغ بضم اللام بلاغة ففيه أن البلاغة لا يوصف بها الفرد والكناية كلمة مفردة، والمجاز قد يكون كلمة، وأيضا الحال إن اقتضى الحقيقة كانت البلاغة فى الإتيان بها ولا عبرة بغيرها من كناية أو مجاز، وإن اقتضى المجاز أو الكناية كانت البلاغة فى الإتيان بما ذكر ولا عبرة بالحقيقة، وإن كان مأخوذا من بالغ مبالغة ففيه أن أفعل التفضيل لا يصاغ من الرباعى، وقد يجاب باختيار الأول وأن المراد البلاغة اللغوية وهى الحسن؛ (فقوله: أبلغ من الحقيقة) أى: أفضل وأحسن منها، ويصح إرادة الثانى بناء على مذهب الأخفش والمبرد المجوزين لصوغ أفعل التفضيل من الرباعى، والمعنى أنهما أكثر مبالغة فى إثبات المقصود.
(قوله: من الحقيقة والتصريح) لف ونشر مرتب؛ فقوله: من الحقيقة يعود إلى المجاز والتصريح عطف عليه وهو عائد للكناية، وحينئذ فالمعنى المجاز أبلغ من الحقيقة والكناية أبلغ من التصريح، وربما يؤخذ من مقابلة المجاز بالحقيقة والكناية بالتصريح أن الكناية ليست من المجاز؛ لأن التصريح حقيقة قطعا فلو كانت الكناية من المجاز كان فى الكلام تداخل، ويحتمل أن يكون الأمر كذلك
стр. 2023
لأن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم فهو كدعوى الشىء ببينة) فإن وجود الملزوم يقتضى وجود اللازم لامتناع انفكاك الملزوم عن لازمه ...
===
ويكون ذكر الكناية والتصريح بعد المجاز والحقيقة من باب ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على الأهمية؛ لأن السبب الموجب لأكثرية المبالغة فى الكناية مع التصريح فيه خفاء، حيث قيل إن الكناية يراد بها المعنيان معا فلا تنهض فيها العلة الآتية على وجه الوضوح، ويحتمل أن يراد بالمجاز ما سوى الكناية من أنواع المجاز بدليل ذكرها بعده وهو الأقرب.
(قوله: لأن الانتقال فيها) أى: فى المجاز والكناية من الملزوم إلى اللازم، فلا يفهم المعنى المراد من نفس اللفظ، بل بواسطة الانتقال من الملزوم إلى اللازم، أما فى المجاز فظاهر أنه لا يفهم الرجل الشجاع من نفس قولك: رأيت أسدا فى الحمام، بل بواسطة الانتقال من الحيوان إلى لازمه وهو الشجاع، وأما فى الكناية فلأن اللازم الذى قيل إن الانتقال فيها منه إلى الملزوم قد تقدم أنه ما دام غير ملزوم لم ينتقل منه، فصح أن الانتقال فيها من الملزوم أيضا، فالمراد بالملزوم بالنسبة لها الملزوم فى الذهن، ومن كان لازما فى الخارج
(قوله: فهو كدعوى الشىء ببينة) أى: وإذا كان الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم، فذلك اللازم المنتقل إليه من الملزوم كالشىء المدعى ثبوته المصاحب للبينة، أى الدليل، بخلاف الحقيقة والتصريح فإن كلا منهما دعوى مجردة عن الدليل، فإذا قلت: فلان كثير الرماد كأنك قلت: فلان كريم لأنه كثير الرماد، وإذا قلت: رأيت أسدا فى الحمام فكأنك قلت: رأيت شجاعا فى الحمام لأنه كالأسد، كذا قرر شيخنا العلامة العدوى.
وفى كلام بعضهم ما يقتضى أن المراد بالبينة الشاهدان حيث قال: ووجه كونهما كالدعوى بالبينة أن تقرر الملزوم يستلزم تقرر اللازم لامتناع انفكاك الملزوم عن اللازم، فصار تقرر الملزوم مشعرا باللازم والقرينة مقررة له أيضا، فصار كأنه قرر مرتين مثل الدعوى التى أثبتت بشاهدين من جهة أن فى كل تأكيد الإثبات، وبهذا يعلم وجه كون الأبلغية فى كلام المصنف مأخوذة من المبالغة، وإنما قال: كدعوى ولم يقل: أن فيهما
стр. 2024
أبلغ أن شيئا منهما يوجب أن يحصل فى الواقع زيادة فى المعنى لا توجد فى الحقيقة والتصريح، بل المراد أنه يفيد زيادة تأكيد للإثبات، ويفهم من الاستعارة أن الوصف فى المشبه بالغ حد الكمال كما فى المشبه به، وليس بقاصر فيه؛ كما يفهم من التشبيه، والمعنى لا يتغير حاله فى نفسه بأن يعبر عنه بعبارة أبلغ؛ وهذا مراد الشيخ عبد القاهر بقوله: [ليست مزية قولنا: [رأيت أسدا] على قولنا: [رأيت رجلا هو والأسد سواء فى الشجاعة] أن الأول أفاد زيادة فى مساواته للأسد فى الشجاعة لم يفدها الثانى، ...
===
والتشبيه، أن كل واحد من تلك الثلاثة الأول يفيد تأكيد الإثبات وهذا لا يفيده خلافها، وليس السبب فى كون كل واحد من الثلاثة الأول أبلغ من خلافه أنه يفيد زيادة فى نفس المعنى المراد، كالكرم والشجاعة مثلا لا يفيدها خلافه، فقول الشارح:
وليس معنى كون المجاز والكناية أى والاستعارة (وقوله: أبلغ) أى: من الحقيقة والتصريح والتشبيه (وقوله: أن شيئا منهما) أى: ومن الاستعارة (وقوله: يوجب أن يحصل) أى:
يثبت فى الواقع ونفس الأمر، ولو قال أن شيئا منهما يفيد زيادة فى نفس المعنى لا تفيدها الحقيقة والتصريح لكان أوضح.
(قوله: بل المراد) أى: من كون المجاز والكناية والاستعارة أبلغ من الحقيقة والتصريح والتشبيه
(قوله: أنه) أى ما ذكر من كل من المجاز والكناية والاستعارة
(قوله: زيادة تأكيد) الإضافة بيانية
(قوله: أن الوصف) أى الذى هو وجه الشبه
(قوله: حد الكمال) أى مرتبة الكمال
(قوله: وليس بقاصر) أى وليس الوصف بقاصر فى المشبه
(قوله: كما يفهم إلخ) راجع للمنفى
(قوله: بأن يعبر) أى بسبب أن يعبر عنه بعبارة أبلغ كالمجاز والكناية والاستعارة، أى: أن التعبير بما ذكر لأجل إفادة تغير المعنى فى نفس الأمر منتف
(قوله: وهذا) أى: المراد المتقدم مراد الشيخ عبد القاهر بقوله: إلخ، خلافا للمصنف فإنه حمل كلام الشيخ على محمل آخر ثم اعترض عليه وأجاب عن اعتراضه انظر ذلك فى المطول.
(قوله: ليست مزية) أى فضيلة
(قوله: أن الأول إلخ) هذا خبر ليس والمراد بالأول رأيت أسدا، والمراد بالثانى رأيت رجلا هو والأسد سواء فى الشجاعة
(قوله: فى مساواته)
стр. 2025
بل الفضيلة هى أن الأول أفاد تأكيدا لإثبات تلك المساواة له لم يفده الثانى. والله أعلم.
كمل القسم الثانى، والحمد لله على جزيل نواله، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد وآله.
===
فى بمعنى على أى ليست فضيلة التركيب الأول المشتمل على الاستعارة على التركيب الثانى المحتوى على التشبيه، أن الأول أفاد زيادة على مساواة الرجل للأسد فى الشجاعة لم يفدها الثانى، بل كل من التركيبين إنما أفاد مساواة الرجل للأسد فى الشجاعة ولم يفد أحدهما زيادة على المساواة المذكورة.
(قوله: بل الفضيلة) أى فضيلة الأول على الثانى
(قوله: لإثبات تلك المساواة له) أى: للأسد (وقوله: لم يفده) أى ذلك التأكيد التركيب الثانى، وبيان ذلك أن التركيب الأول أفاد المساواة من حيث التعبير عن المشبه بلفظ المشبه به؛ لأن ذلك التعبير يشعر بالاتحاد ودلالة الاتحاد على المساواة أبلغ من دلالة التنصيص على المساواة، كما فى التركيب الثانى، فإنه يخطر معه احتمال كونها من بعض الوجوه دون بعض، والاتحاد الذى أفاده التعبير عن المشبه بلفظ المشبه به يقتضى المساواة فى الحقيقة المتضمنة للشجاعة، وفيها تأكيد الإثبات أيضا من جهة أن الانتقال إلى الشجاعة المفاد بطريق المجاز كإثبات الشىء بالدليل، وهذا أى إفادة تأكيد الإثبات بالانتقال من الملزوم إلى اللازم هو الجارى فى الكناية والمجاز المرسل كما مر، فثبت أن كلا من المجاز المرسل والكناية والاستعارة لا يدل على أزيد مما تدل عليه الحقيقة، وأن الفضيلة فى كل واحد من هذه الثلاثة من جهة إفادته تأكيد الإثبات الذى لا تفيده الحقيقة.
هذا وقد تم الفن الثاني
стр. 2026
الفن الثالث على البديع
стр. 2027
الفن الثالث [علم البديع]
[تعريفه]
(وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام) أى: يتصور معانيها، ويعلم أعدادها وتفاصيلها بقدر الطاقة، والمراد بالوجوه ما مر فى قوله: ويتبعها وجوه أخر تورث الكلام حسنا وقبولا، وقوله (بعد رعاية المطابقة) لمقتضى الحال (و) رعاية (وضوح الدلالة) أى: الخلو عن التعقيد المعنوى ...
===
الفن الثالث [علم البديع]
(قوله: وهو علم) المراد به هنا الملكة؛ لأنها هى التى تكون آلة فى معرفة الوجوه المحسنة، أى فى تصورها وفى التصديق بضبط أعدادها وتفاصيلها.
(قوله: يعرف به وجوه تحسين الكلام) أى يعرف به الأمور التى يصير بها الكلام حسنا.
(قوله: أى يتصور إلخ) تفسير لقوله: يعرف، أشار به إلى أن المراد بالمعرفة هنا تصور معانى تلك الوجوه والتصديق بأعدادها وتفاصيلها، فالمراد بالمعرفة هنا مطلق الإدراك الشامل للتصور والتصديق، فيعرف بذلك العلم أن الأمور المحسّنة عدتها كذا وأن الوجه الفلانى يتصور بكذا، وليس المراد بالمعرفة هنا الإدراكات الجزئية المتعلقة بالفروع المستخرجة من القواعد كما سبق فى المعانى والبيان؛ لأنه لا قواعد لهذا العلم حتى يستخرج منها فروع، وما قالوه من أن لكل علم مسائل فإنما هو فى العلوم الحكمية، وأما الشرعية والأدبية فلا يتأتى ذلك فى جميعها، فإن اللغة ليست إلا ذكر الألفاظ، وكذلك علم التفسير والحديث، فعلمت من هذا أن المراد بالعلم- فى قول المصنف- علم الملكة وليس المراد به القواعد ولا التصديق بالقواعد، انظر عبد الحكيم.
(قوله: بقدر الطاقة) أشار بهذا إلى أن الوجوه البديعية غير منحصرة فى عدد معين لا يمكن زيادتها عليه
(قوله: والمراد بالوجوه ما مر إلخ) أشار بهذا إلى أن الإضافة فى قوله: وجوه تحسين، للعهد، وحينئذ فصح التعريف واندفع أن يقال: إن الوجوه المحسّنة للكلام مجهولة والتعريف بالمجهول لا يفيد، فأشار الشارح بقوله: والمراد .. إلخ إلى أنه لا جهل فى التعريف؛
стр. 2028
إشارة إلى أن هذه الوجوه إنما تعد محسنة للكلام بعد رعاية الأمرين. والظرف- أعنى قوله: بعد رعاية- ...
===
لأن الإضافة هنا للعهد، فكأنه يقول: علم يعرف به الأوجه المشار إليها فيما تقدم، وهى الوجوه التى تحسن الكلام وتورثه قبولا بعد رعاية البلاغة مع الفصاحة، وعلى هذا فقوله بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة تأكيد وبيان لما تقدم، فقول الشارح (إشارة إلى أن هذه الوجوه إلخ) المراد زيادة إشارة وتنبيه على أن هذه الوجوه إلخ، وإلا فجعل الوجوه إشارة لما سبق فيه تنبيه على ما ذكره، وإشارة أيضا إليه تأمل.
(قوله: بعد رعاية المطابقة) أى: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فأل فى المطابقة إما للعهد أو عوض عن المضاف إليه (وقوله: بعد رعاية المطابقة) أى: المعلومة بعلم المعانى، ولو قال بعد رعاية البلاغة كان أخصر. (وقوله: ورعاية وضوح الدلالة) أى: وبعد رعاية وضوح الدلالة المعلومة بعلم البيان.
(وقوله: أى الخلو عن التعقيد المعنوى) تفسير لوضوح الدلالة، وأما الخلو عن التعقيد اللفظى فهو داخل فى قوله بعد رعاية المطابقة لأن المطابقة لا تعتبر إلا بعد الفصاحة وهى تتوقف على الخلو عن التعقيد اللفظى، وحاصل كلامه أن تلك الأوجه إنما تعد محسنة للكلام إذا أتى بها بعد رعاية الأمرين:
الأمر الأول: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وهذا يتضمن الخلو عن ضعف التأليف المبين فى النحو، والخلو عن الغرابة المبين فى اللغة، والخلو عن مخالفة القياس المبين فى الصرف، والخلو عن التنافر المدرك بالذوق، وذلك لأن المطابقة لا عبرة بها إلا بعد الفصاحة، والفصاحة تتوقف على الخلو عن هذه الأمور المبين بعضها فى تلك العلوم والمدرك بعضها بالذوق.
والأمر الثانى: وضوح الدلالة المبين فى علم البيان، ولما كان المبين فى الفن الثانى هو ما يزول به التعقيد المعنوى، فسر الشارح وضوح الدلالة بالخلو عن التعقيد المعنوى، ولم يفسره بالخلو عن التعقيد المعنوى واللفظى، وأدخلناه فيما توقفت عليه المطابقة من أمر الفصاحة لعدم بيانه فى الفن الثانى
(قوله: إنما تعد محسنة إلخ) أى وإلا كانت كتعليق
стр. 2029
متعلق بقوله: تحسين الكلام.
[وجوه تحسين الكلام]:
(وهى) أى: وجوه تحسين الكلام (ضربان: معنوى) أى: راجع إلى تحسين المعنى أولا وبالذات، ...
===
الدر على أعناق الخنازير
(قوله: متعلق بقوله تحسين الكلام) أى فهو ظرف لغو أى أن تحسين الكلام بهذه الوجوه إنما يكون بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة، فالواقع بعدهما هو التحسين فى الملاحظة لا فى الوجود؛ لأن التحسين مقارن لهما فى الوجود، وأما إذا جعل ظرفا مستقرا فالذى بعدهما هو الحصول فيقتضى أنه متأخر عنهما فى الوجود، والتقدير حالة كون التحسين حاصلا بعدهما.
[وجوه تحسين الكلام]:
(قوله: ضربان) أى نوعان معنوى ولفظى، أى وأما نوع له مزيد تعلق بكل من اللفظ والمعنى على وجه الأصالة فغير موجود.
الوجه الأول:
[المحسنات المعنويه]
(قوله: معنوى) أى منسوب إلى المعنى من حيث إنه راجع لتحسينه أولا، وبالذات بمعنى أن ذلك النوع قصد أن يكون كل فرد من أفراده محسنا للمعنى لذاته، وإن كان بعض أفراد ذلك النوع قد يفيد تحسين اللفظ أيضا، لكن ثانيا وبالعرض أى التبعية لتحسين المعنى
(قوله: أولا وبالذات) أولا نصب على الظرفية بمعنى قبل وهو حينئذ منصرف ولا وصفية له؛ ولذا دخله التنوين مع أنه أفعل تفضيل فى الأصل بدليل الأولى والأوائل كالفضلى والأفاضل، وهذا معنى قول الصحاح: إذا جعلت أول صفة لم تصرفه تقول لقيته عاما أول، وإذا لم تجعله صفة صرفته تقول لقيته عاما أولا، ومعناه فى الأول أول من هذا العام، وفى الثانى قبل هذا العام؛ قاله يس. والباء فى بالذات بمعنى اللام وهو عطف على قوله أولا أى راجع لتحسين المعنى قبل رجوعه لتحسين اللفظ ورجوعه لتحسين المعنى لذاته.
стр. 2030
وإن كان قد يفيد بعضها تحسين اللفظ أيضا (ولفظى) أى: راجع إلى تحسين اللفظ كذلك.
[المطابقة]:
(أما المعنوى) قدمه لأن المقصود الأصلى والغرض الأولى هو المعانى، والألفاظ توابع وقوالب لها ...
===
(قوله: وإن كان قد يفيد بعضها) أى بعض الأوجه المندرجة فى ذلك النوع تحسين اللفظ أيضا، وذلك كما فى المشاكلة وهى ذكر الشىء بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته كما فى قوله:
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لى جبّة وقميصا (١)
فقد عبر عن الخياطة بالطبخ لوقوعها فى صحبته، فاللفظ حسن لما فيه من إيهام المجانسة اللفظية؛ لأن المعنى مختلف واللفظ متفق، لكن الغرض الأصلى جعل الخياطة كطبخ المطبوخ فى اقتراحها لوقوعها فى صحبته، وكما فى العكس كما يأتى فى قوله عادات السادات سادات العادات، فإن فى اللفظ شبه الجناس اللفظى لاختلاف المعنى، ففيه التحسين اللفظى والغرض الأصلى الإخبار بعكس الإضافة مع وجود الصحة.
الوجه الثانى:
(قوله: ولفظى) أى منسوب للفظ من حيث إنه راجع لتحسينه أولا وبالذات، وإن كان بعض أفراد ذلك النوع قد يفيد تحسين المعنى أيضا، لكن بطريق التبع والعروض لتحسين اللفظ وهذا معنى قول الشارح كذلك.
(قوله: لأن المقصود الأصلى والغرض الأولى هو المعانى) أى فينبغى حينئذ الاهتمام بالوجوه المحسنة لها وتقديمها على الوجوه المحسنة لغيرها.
(قوله: والألفاظ توابع) أى: من حيث إن المعنى يتسحضر أولا ثم يؤتى باللفظ على طبقه
(قوله: وقوالب لها) أى من حيث إن المعانى تتلقى منها ويفهم منها، وإنما كانت المعانى هى المقاصد لأن
стр. 2031
(فمنه: المطابقة؛ وتسمى الطباق، والتضاد أيضا؛ وهى الجمع بين متضادين؛ أى: معنيين متقابلين فى الجملة) أى: يكون بينهما تقابل وتناف ولو فى بعض الصور؛ سواء كان التقابل حقيقيا، ...
===
بها تقع المؤاخذة ويحصل الغرض أخذا ودفعا وامتثالا وانتهاء وانتفاعا وإضرارا، ولذلك يقال: لولا المعانى ما كانت الألفاظ محتاجا لها.
[ومن المعنوى]: ومن المعنوى
(قوله: فمنه المطابقة) ذكر المصنف فى هذا الكتاب تسعة وعشرين وجها من هذا النوع، أولها المطابقة وهى لغة الموافقة، يقال طابقت بين الشيئين جعلت أحدهما حذو الآخر، ويسمى المعنى الذى ذكره مطابقة لأن المتكلم وفق بين المعنيين المتقابلين، أو لموافقة الضدين فى الوقوع فى جملة واحدة واستوائهما فى ذلك مع بعد الموافقة بينهما، وكون المطابقة من وجوه التحسين يعرف بالذوق، وكذا يقال فى بقية الوجوه الآتية
(قوله: وتسمى الطباق والتضاد) أى وتسمى أيضا بالتطبيق والتكافؤ؛ لأن المتكلم يكافئ بين اللفظين أى يوافق بينهما
(قوله: الجمع بين متضادين) أى فى كلام واحد أو ما هو كالكلام الواحد فى الاتصال، وقوله بين متضادين أخذ بالأقل كما فى قولهم الكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد، وإلا فالجمع بين الأمور المتضادة مطابقة ولو كثرت تلك المتضادات
(قوله: أى معنيين متقابلين) لما كان يتوهم أن المراد بالمتضادين هنا خصوص الأمرين الوجوديين المتواردين على محل واحد بينهما غاية الخلاف كالسواد والبياض- وليس ذلك شرطا، بين المصنف أن المراد بالمتضادين هنا ما هو أعم من ذلك، أعنى الأمرين اللذين بينهما تقابل وتناف
(قوله: فى الجملة) أى: ولو فى الجملة فليس التنافى فى بعض الأحوال شرطا بدليل التعميم.
(قوله: وتناف) تفسير لما قبله
(قوله: ولو فى بعض الصور) أى ولو فى بعض الأحوال، ومن المعلوم أن المتقابلين فى بعض الأحوال إنما يكون التنافى بينهما باعتبار ذلك البعض، فلذا قال لبيان عموم التقابل (سواء كان التقابل حقيقيّا إلخ)
(قوله: ولو فى بعض الصور) أى: كما فى الاعتبارى فإن التنافى فيه باعتبار المتعلق
(قوله: سواء كان التقابل حقيقيّا)
стр. 2032
أو اعتباريّا، وسواء كان تقابل التضاد، أو تقابل الإيجاب والسلب، أو تقابل العدم والملكة، أو تقابل التضايف، أو ما يشبه شيئا من ذلك (ويكون) ذلك الجمع (بلفظين من نوع) واحد من أنواع الكلمة (اسمين؛ نحو: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ (١) أو فعلين ...
===
أى كتقابل الأمرين اللذين بينهما غاية الخلاف لذاتيهما كتقابل القدم والحدوث
(قوله: أو اعتباريّا) أى: كتقابل الإحياء والإماتة، فإنهما لا يتقابلان إلا باعتبار بعض الأحوال، وهو أن يتعلق الإحياء بحياة جرم فى وقت، والإماتة بإماتته فى ذلك الوقت، وإلا فلا تقابل بينهما باعتبار أنفسهما ولا باعتبار المتعلق عند تعدد الوقت.
(قوله: وسواء كان) أى التقابل الحقيقى تقابل التضاد كتقابل الحركة والسكون على الجرم الموجود، بناء على أنهما وجوديان
(قوله: أو تقابل الإيجاب والسلب) أى كتقابل مطلق الوجود وسلبه
(قوله: أو تقابل العدم والملكة) أى كتقابل العمى والبصر والقدرة والعجز، بناء على أن العجز نفى القدرة عمن شأنه الاتصاف بها
(قوله: أو تقابل التضايف) أى: كتقابل الأبوة والنبوة، وقيل: إن الجمع بين الأبوة والبنوة من باب مراعاة النظير لا من المطابقة، ورد بأن مراعاة النظير الجمع بين أمور لا تنافى فيها كالشمس والقمر، بخلاف ما فيه التنافى كالأبوة والبنوة.
(قوله: أو ما يشبه شيئا من ذلك) أى أو تقابل ما يشبه شيئا مما ذكر مما يشعر بالتنافى لاشتماله بوجه ما على ما يوجب التنافى كهاتا وتلك فى قوله:
مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلّا أنّ تلك ذوابل (٢)
لما فى هاتا من القرب وتلك من البعد، وكما فى قوله تعالى: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً (٣) لما يشعر به الإغراق من الماء المشتمل على البرودة غالبا وما يشعر به إدخال النار من حرارة النار.
(قوله: ذلك الجمع) أى بين المتقابلين المسمى بالطباق (قوله من أنواع الكلمة) أى التى هى الاسم والفعل والحرف
(قوله: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) الأيقاظ جمع
стр. 2033
نحو يحيى ويميت أو حرفين نحو: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (١) فإن فى اللام معنى الانتفاع وفى على معنى التضرر أى لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعصيتها غيرها.
===
يقظ على وزن عضد أو كتف بمعنى يقظان، والرقود جمع راقد فالجمع بين أيقاظ ورقود مطابقة؛ لأن اليقظة تشتمل على الإدراك بالحواس، والنوم يشتمل على عدمه فبينهما شبه العدم والملكة باعتبار لازميهما، وبينهما باعتبار أنفسهما التضاد؛ لأن النوم عرض يمنع إدراك الحواس واليقظة عرض يقتضى الإدراك بها، وإن قلنا إن اليقظة نفى ذلك العرض كان بينهما عدم وملكة حقيقة، وقد دل على كل منهما بالاسم
(قوله: نحو: يُحْيِي وَيُمِيتُ) (٢) أى من قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ فالإحياء والإماتة وإن صح اجتماعهما فى المحيى والمميت، لكن بينهما باعتبار متعلقهما أعنى الحياة والموت العدم والملكة أو التضاد بناء على أن الموت عرض وجودى، فالتنافى بينهما اعتبارى، وإنما لم يجعلهما من الملحق الآتى لإشعارهما من جهة اللفظ بالحياة والموت، بخلاف الملحق كما يأتى فى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (٣) والليل والنهار فى الآية المذكورة مما يشبه تقابلهما تقابل التضاد للإشعار بالظلمة والنور اللذين هما كالبياض والسواد معا. (لَها ما كَسَبَتْ إلخ) أى للنفس جزاء وثواب ما كسبته من الطاعات وعليها عقاب ما اكتسبته من المعاصى
(قوله: فإن فى اللام معنى الانتفاع) وذلك لأن اللام تشعر بالملكية المؤذنة بالانتفاع، وعلى تشعر بالعلو المشعر بالتحمل أو الثقل المؤذن بالتضرر، فصار تقابلهما- أى اللام وعلى- كتقابل النفع والضرر وهما ضدان، فكأنه قيل: لها ثواب ما كسبت من الطاعات فلا ينتفع بطاعتها غيرها، وعليها عقاب ما اكتسبته من المعاصى فلا يتضرر بمعصيتها غيرها. كما قال الشارح، وبين الشارح ذلك لما فى تقابل اللام وعلى من الخفاء بخلاف ما قبله فإن التقابل فيه ظاهر فلذا لم ينبه عليه.
(قوله: أى لا ينتفع بطاعتها إلخ) أخذ الحصر من تقديم الجار والمجرور على عامله، فالانتفاع الحاصل من الدعاء والصدقة للغير انتفاع بثمرة الطاعة لا بنفسها.
стр. 2034
(أو من نوعين نحو: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (١) فإنه قد اعتبر فى الإحياء معنى الحياة، والموت والحياة مما يتقابلان وقد دل على الأول بالاسم وعلى الثانى بالفعل.
[أنواع الطباق]:
(وهو) أى: الطباق (ضربان: طباق الإيجاب كما مر ...
===
(قوله: أو من نوعين) عطف على قوله من نوع، والقسمة العقلية تقتضى أن الجمع بين المتقابلين بنوعين من أنواع الكلمة ثلاثة أقسام: اسم مع فعل واسم مع حرف وفعل مع حرف، لكن الموجود من هذه الثلاثة واحد فقط وهو الأول، كذا فى المطول.
والمراد بقوله لكن الموجود أى فى الكلام البليغ، وإلا فقد وجدت بقية الأقسام فى غيره، فمثال الاسم مع الحرف: للصحيح كل ما مضر وعلى السقيم كل ما نافع، ومثال الحرف والفعل للصحيح ما يضر وعلى السقيم ما ينفع كذا فى الأطول، والشاهد فى الأول فى مضر مع اللام، وفى الثانى فى نافع مع على.
(قوله: نحو أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ) أى ضالا فهديناه، فقد عبر عن الموت بالاسم وعن الإحياء المتعلق بالحياة بالفعل، ولا يخفى أن التقابل هنا اعتبارى؛ لأن تقابل الإحياء للموت باعتبار تعلقه بالحياة التى هى ضد أو ملكة للموت، وإلا فالإحياء نفسه لا يقابل الموت وإذا لم يجعل هذا المثال من أمثلة الملحق الآتية لأن المقابلة هنا باعتبار ما دل عليه اللفظ، فإن الحياة المقابلة للموت دل عليها لفظ أحييناه؛ لأن معنى أحييناه: أوجدنا فيه الحياة، بخلاف الآتى فى الملحق، فإن قوله فى المثال الأول رحماء لا يقابل قوله أشداء باعتبار ما دل عليه اللفظ؛ لأن الرحمة المدلولة للفظ لا تقابل الشدة بنفسها، بل باعتبار سبب ما دل عليه اللفظ لأن الرحمة سببها اللين وهو يقابل الشدة.
(قوله: والموت) أى المعتبر فى ميتا.
[الطباق من حيث الإيجاب والسلب]:
(قوله: وهو ضربان إلخ) هذا تنويع آخر للطباق باعتبار الإيجاب والسلب
(قوله: طباق الإيجاب) بأن يكون اللفظان المتقابلان معناهما موجبا
(قوله: كما مر) أى
стр. 2035
وطباق السلب) وهو أن يجمع بين فعلى مصدر واحد، أحدهما مثبت والآخر منفى، أو أحدهما أمر والآخر نهى، فالأول (نحو قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا.
===
فى الأمثلة كلها، ألا ترى إلى وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ (١) فإن اليقظة والرقاد ذكرا بطريق الإثبات، وكذا يقال فى باقى الأمثلة التى مرت
(قوله: وطباق السلب) هو داخل فى التعميم السابق فى التقابل
(قوله: بين فعلى مصدر واحد) ظاهره التقييد به وإخراج غير الفعلين وفعلى المصدرين
(قوله: فعلى مصدر إلخ) الفعلان كيعلمون ولا يعلمون ومصدرهما العلم، والتقابل بينهما تقابل الإيجاب والسلب
(قوله: أحدهما مثبت والآخر منفى) أى فيكون التقابل بين الإيجاب والسلب لا بين مدلولى الفعلين، وقد تبع الشارح فيما ذكره من التعريف المصنف فى الإيضاح وهو تعريف غير جامع؛ لأنه يخرج منه لست بعالم وأنا عالم، ونحو أحسبك إنسانا ولست بإنسان، ونحو أضرب زيدا وما ضرب عمرو، ولا تضرب زيدا وقد ضربت بكرا، والأولى أن يقول: وهو أن يجمع بين الثبوت والانتفاء. قاله فى الأطول.
(قوله: أو أحدهما أمر إلخ) أى أو يجمع بين فعلين أحدهما أمر والآخر نهى، فإن النهى يدل على طلب الكف عن الفعل والأمر يدل على طلب الفعل، والكف والفعل متضادان، فيكون التقابل باعتبار الفعل والترك لا باعتبار مصدر الفعلين لاستوائه، وإنما جعل هذا من تقابل السلب والإثبات لأن المطلوب فى أحدهما من جهة المعنى سلب وفى الآخر إثبات.
(قوله: فالأول) أى وهو أن يجمع بين فعلى مصدر واحد أثبت أحدهما وسلب الآخر
(قوله: نحو قوله تعالى) أى ونحو ضرب ولم يضرب
(قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أى ما أعد لهم فى الآخرة من النعيم، ومن فى قوله من الحياة الدنيا إما بيانية أى يعلمون الظاهر الذى هو الحياة الدنيا ويعدلون عن الباطن الذى هو الحياة الآخرة، أو ابتدائية أى يعلمون شيئا ظاهرا ناشئا من الحياة الدنيا وهو التلذذ باللذات