← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

(فمنه: المطابقة؛ وتسمى الطباق، والتضاد أيضا؛ وهى الجمع بين متضادين؛ أى: معنيين متقابلين فى الجملة) أى: يكون بينهما تقابل وتناف ولو فى بعض الصور؛ سواء كان التقابل حقيقيا، ... === بها تقع المؤاخذة ويحصل الغرض أخذا ودفعا وامتثالا وانتهاء وانتفاعا وإضرارا، ولذلك يقال: لولا المعانى ما كانت الألفاظ محتاجا لها. [ومن المعنوى]: ومن المعنوى (قوله: فمنه المطابقة) ذكر المصنف فى هذا الكتاب تسعة وعشرين وجها من هذا النوع، أولها المطابقة وهى لغة الموافقة، يقال طابقت بين الشيئين جعلت أحدهما حذو الآخر، ويسمى المعنى الذى ذكره مطابقة لأن المتكلم وفق بين المعنيين المتقابلين، أو لموافقة الضدين فى الوقوع فى جملة واحدة واستوائهما فى ذلك مع بعد الموافقة بينهما، وكون المطابقة من وجوه التحسين يعرف بالذوق، وكذا يقال فى بقية الوجوه الآتية (قوله: وتسمى الطباق والتضاد) أى وتسمى أيضا بالتطبيق والتكافؤ؛ لأن المتكلم يكافئ بين اللفظين أى يوافق بينهما (قوله: الجمع بين متضادين) أى فى كلام واحد أو ما هو كالكلام الواحد فى الاتصال، وقوله بين متضادين أخذ بالأقل كما فى قولهم الكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد، وإلا فالجمع بين الأمور المتضادة مطابقة ولو كثرت تلك المتضادات (قوله: أى معنيين متقابلين) لما كان يتوهم أن المراد بالمتضادين هنا خصوص الأمرين الوجوديين المتواردين على محل واحد بينهما غاية الخلاف كالسواد والبياض- وليس ذلك شرطا، بين المصنف أن المراد بالمتضادين هنا ما هو أعم من ذلك، أعنى الأمرين اللذين بينهما تقابل وتناف (قوله: فى الجملة) أى: ولو فى الجملة فليس التنافى فى بعض الأحوال شرطا بدليل التعميم. (قوله: وتناف) تفسير لما قبله (قوله: ولو فى بعض الصور) أى ولو فى بعض الأحوال، ومن المعلوم أن المتقابلين فى بعض الأحوال إنما يكون التنافى بينهما باعتبار ذلك البعض، فلذا قال لبيان عموم التقابل (سواء كان التقابل حقيقيّا إلخ) (قوله: ولو فى بعض الصور) أى: كما فى الاعتبارى فإن التنافى فيه باعتبار المتعلق (قوله: سواء كان التقابل حقيقيّا)

стр. 2032

أو اعتباريّا، وسواء كان تقابل التضاد، أو تقابل الإيجاب والسلب، أو تقابل العدم والملكة، أو تقابل التضايف، أو ما يشبه شيئا من ذلك (ويكون) ذلك الجمع (بلفظين من نوع) واحد من أنواع الكلمة (اسمين؛ نحو: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ (١) أو فعلين ... === أى كتقابل الأمرين اللذين بينهما غاية الخلاف لذاتيهما كتقابل القدم والحدوث (قوله: أو اعتباريّا) أى: كتقابل الإحياء والإماتة، فإنهما لا يتقابلان إلا باعتبار بعض الأحوال، وهو أن يتعلق الإحياء بحياة جرم فى وقت، والإماتة بإماتته فى ذلك الوقت، وإلا فلا تقابل بينهما باعتبار أنفسهما ولا باعتبار المتعلق عند تعدد الوقت. (قوله: وسواء كان) أى التقابل الحقيقى تقابل التضاد كتقابل الحركة والسكون على الجرم الموجود، بناء على أنهما وجوديان (قوله: أو تقابل الإيجاب والسلب) أى كتقابل مطلق الوجود وسلبه (قوله: أو تقابل العدم والملكة) أى كتقابل العمى والبصر والقدرة والعجز، بناء على أن العجز نفى القدرة عمن شأنه الاتصاف بها (قوله: أو تقابل التضايف) أى: كتقابل الأبوة والنبوة، وقيل: إن الجمع بين الأبوة والبنوة من باب مراعاة النظير لا من المطابقة، ورد بأن مراعاة النظير الجمع بين أمور لا تنافى فيها كالشمس والقمر، بخلاف ما فيه التنافى كالأبوة والبنوة. (قوله: أو ما يشبه شيئا من ذلك) أى أو تقابل ما يشبه شيئا مما ذكر مما يشعر بالتنافى لاشتماله بوجه ما على ما يوجب التنافى كهاتا وتلك فى قوله: مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلّا أنّ تلك ذوابل (٢) لما فى هاتا من القرب وتلك من البعد، وكما فى قوله تعالى: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً (٣) لما يشعر به الإغراق من الماء المشتمل على البرودة غالبا وما يشعر به إدخال النار من حرارة النار. (قوله: ذلك الجمع) أى بين المتقابلين المسمى بالطباق (قوله من أنواع الكلمة) أى التى هى الاسم والفعل والحرف (قوله: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) الأيقاظ جمع

стр. 2033

نحو يحيى ويميت أو حرفين نحو: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (١) فإن فى اللام معنى الانتفاع وفى على معنى التضرر أى لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعصيتها غيرها. === يقظ على وزن عضد أو كتف بمعنى يقظان، والرقود جمع راقد فالجمع بين أيقاظ ورقود مطابقة؛ لأن اليقظة تشتمل على الإدراك بالحواس، والنوم يشتمل على عدمه فبينهما شبه العدم والملكة باعتبار لازميهما، وبينهما باعتبار أنفسهما التضاد؛ لأن النوم عرض يمنع إدراك الحواس واليقظة عرض يقتضى الإدراك بها، وإن قلنا إن اليقظة نفى ذلك العرض كان بينهما عدم وملكة حقيقة، وقد دل على كل منهما بالاسم (قوله: نحو: يُحْيِي وَيُمِيتُ) (٢) أى من قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ فالإحياء والإماتة وإن صح اجتماعهما فى المحيى والمميت، لكن بينهما باعتبار متعلقهما أعنى الحياة والموت العدم والملكة أو التضاد بناء على أن الموت عرض وجودى، فالتنافى بينهما اعتبارى، وإنما لم يجعلهما من الملحق الآتى لإشعارهما من جهة اللفظ بالحياة والموت، بخلاف الملحق كما يأتى فى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (٣) والليل والنهار فى الآية المذكورة مما يشبه تقابلهما تقابل التضاد للإشعار بالظلمة والنور اللذين هما كالبياض والسواد معا. (لَها ما كَسَبَتْ إلخ) أى للنفس جزاء وثواب ما كسبته من الطاعات وعليها عقاب ما اكتسبته من المعاصى (قوله: فإن فى اللام معنى الانتفاع) وذلك لأن اللام تشعر بالملكية المؤذنة بالانتفاع، وعلى تشعر بالعلو المشعر بالتحمل أو الثقل المؤذن بالتضرر، فصار تقابلهما- أى اللام وعلى- كتقابل النفع والضرر وهما ضدان، فكأنه قيل: لها ثواب ما كسبت من الطاعات فلا ينتفع بطاعتها غيرها، وعليها عقاب ما اكتسبته من المعاصى فلا يتضرر بمعصيتها غيرها. كما قال الشارح، وبين الشارح ذلك لما فى تقابل اللام وعلى من الخفاء بخلاف ما قبله فإن التقابل فيه ظاهر فلذا لم ينبه عليه. (قوله: أى لا ينتفع بطاعتها إلخ) أخذ الحصر من تقديم الجار والمجرور على عامله، فالانتفاع الحاصل من الدعاء والصدقة للغير انتفاع بثمرة الطاعة لا بنفسها.

стр. 2034

(أو من نوعين نحو: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (١) فإنه قد اعتبر فى الإحياء معنى الحياة، والموت والحياة مما يتقابلان وقد دل على الأول بالاسم وعلى الثانى بالفعل. [أنواع الطباق]: (وهو) أى: الطباق (ضربان: طباق الإيجاب كما مر ... === (قوله: أو من نوعين) عطف على قوله من نوع، والقسمة العقلية تقتضى أن الجمع بين المتقابلين بنوعين من أنواع الكلمة ثلاثة أقسام: اسم مع فعل واسم مع حرف وفعل مع حرف، لكن الموجود من هذه الثلاثة واحد فقط وهو الأول، كذا فى المطول. والمراد بقوله لكن الموجود أى فى الكلام البليغ، وإلا فقد وجدت بقية الأقسام فى غيره، فمثال الاسم مع الحرف: للصحيح كل ما مضر وعلى السقيم كل ما نافع، ومثال الحرف والفعل للصحيح ما يضر وعلى السقيم ما ينفع كذا فى الأطول، والشاهد فى الأول فى مضر مع اللام، وفى الثانى فى نافع مع على. (قوله: نحو أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ) أى ضالا فهديناه، فقد عبر عن الموت بالاسم وعن الإحياء المتعلق بالحياة بالفعل، ولا يخفى أن التقابل هنا اعتبارى؛ لأن تقابل الإحياء للموت باعتبار تعلقه بالحياة التى هى ضد أو ملكة للموت، وإلا فالإحياء نفسه لا يقابل الموت وإذا لم يجعل هذا المثال من أمثلة الملحق الآتية لأن المقابلة هنا باعتبار ما دل عليه اللفظ، فإن الحياة المقابلة للموت دل عليها لفظ أحييناه؛ لأن معنى أحييناه: أوجدنا فيه الحياة، بخلاف الآتى فى الملحق، فإن قوله فى المثال الأول رحماء لا يقابل قوله أشداء باعتبار ما دل عليه اللفظ؛ لأن الرحمة المدلولة للفظ لا تقابل الشدة بنفسها، بل باعتبار سبب ما دل عليه اللفظ لأن الرحمة سببها اللين وهو يقابل الشدة. (قوله: والموت) أى المعتبر فى ميتا. [الطباق من حيث الإيجاب والسلب]: (قوله: وهو ضربان إلخ) هذا تنويع آخر للطباق باعتبار الإيجاب والسلب (قوله: طباق الإيجاب) بأن يكون اللفظان المتقابلان معناهما موجبا (قوله: كما مر) أى

стр. 2035

وطباق السلب) وهو أن يجمع بين فعلى مصدر واحد، أحدهما مثبت والآخر منفى، أو أحدهما أمر والآخر نهى، فالأول (نحو قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا. === فى الأمثلة كلها، ألا ترى إلى وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ (١) فإن اليقظة والرقاد ذكرا بطريق الإثبات، وكذا يقال فى باقى الأمثلة التى مرت (قوله: وطباق السلب) هو داخل فى التعميم السابق فى التقابل (قوله: بين فعلى مصدر واحد) ظاهره التقييد به وإخراج غير الفعلين وفعلى المصدرين (قوله: فعلى مصدر إلخ) الفعلان كيعلمون ولا يعلمون ومصدرهما العلم، والتقابل بينهما تقابل الإيجاب والسلب (قوله: أحدهما مثبت والآخر منفى) أى فيكون التقابل بين الإيجاب والسلب لا بين مدلولى الفعلين، وقد تبع الشارح فيما ذكره من التعريف المصنف فى الإيضاح وهو تعريف غير جامع؛ لأنه يخرج منه لست بعالم وأنا عالم، ونحو أحسبك إنسانا ولست بإنسان، ونحو أضرب زيدا وما ضرب عمرو، ولا تضرب زيدا وقد ضربت بكرا، والأولى أن يقول: وهو أن يجمع بين الثبوت والانتفاء. قاله فى الأطول. (قوله: أو أحدهما أمر إلخ) أى أو يجمع بين فعلين أحدهما أمر والآخر نهى، فإن النهى يدل على طلب الكف عن الفعل والأمر يدل على طلب الفعل، والكف والفعل متضادان، فيكون التقابل باعتبار الفعل والترك لا باعتبار مصدر الفعلين لاستوائه، وإنما جعل هذا من تقابل السلب والإثبات لأن المطلوب فى أحدهما من جهة المعنى سلب وفى الآخر إثبات. (قوله: فالأول) أى وهو أن يجمع بين فعلى مصدر واحد أثبت أحدهما وسلب الآخر (قوله: نحو قوله تعالى) أى ونحو ضرب ولم يضرب (قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أى ما أعد لهم فى الآخرة من النعيم، ومن فى قوله من الحياة الدنيا إما بيانية أى يعلمون الظاهر الذى هو الحياة الدنيا ويعدلون عن الباطن الذى هو الحياة الآخرة، أو ابتدائية أى يعلمون شيئا ظاهرا ناشئا من الحياة الدنيا وهو التلذذ باللذات

стр. 2036

(و) الثانى (نحو قوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ (١) ومن الطباق) ما سماه بعضهم تدبيجا؛ من دبج المطر الأرض؛ إذا زينها؛ وفسره بأن يذكر فى معنى من المدح، أو غيره ألوان لقصد الكناية، أو التورية، ... === المحرمة لا باطنا وهى كونها مزرعة للآخرة. والشاهد فى قوله: لا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظاهِراً (٢) فإن العلم الأول منفى والثانى مثبت، وبين النفى والإثبات تقابل فى الجملة أى باعتبار أصلهما لا باعتبار الحالة الراهنة؛ لأن المنفى علم ينفع فى الآخرة والمثبت علم لا ينفع فيها ولا تنافى بينهما. (قوله: والثانى) وهو أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا (قوله: نحو قوله تعالى) أى ونحو اضرب زيدا ولا تضرب عمرا (قوله: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) من المعلوم أن الخشية لا يؤمر بها وينهى عنها من جهة واحدة بل من جهتين كما فى الآية، فقد أمر بها باعتبار كونها لله ونهى باعتبار كونها للناس، فالتنافى بين الأمر والنهى إنما هو باعتبار أصلهما لا باعتبار مادة استعمالهما فتأمل. (قوله: ومن الطباق ما سماه بعضهم تدبيجا) إنما جعله من أقسام الطباق ولم يجعله وجها مستقلا برأسه من أوجه المعنوى لدخوله فى تعريف الطباق، لما بين اللونين أو الألوان من التقابل (قوله: من دبج المطر الأرض إذا زينها) أى بألوان النبات، فذكر الألوان فى الكلام تشبيه بما يحدث بالمطر من ألوان النبات، أو أنه مأخوذ من الدبج وهو النقش؛ لأن ذكر الألوان كالنقش على البساط (قوله: وفسره) أى وفسر ذلك البعض التدبيج (قوله: أو غيره) كالهجاء والرثاء والغزل (قوله: لقصد الكناية أو التورية) أى: بالكلام المشتمل على تلك الألوان، وأو مانعة خلو فتجوز الجمع كما فى مثال الحريرى الآتى، واحترز بقوله لقصد الكناية أو التورية عن ذكر الألوان لقصد الحقيقة، فلا تكون من المحسنات؛ لأن الحقيقة يقصد منها إفادة المعنى الأصلى، وعن ذكرها لقصد المجاز كأن يذكر ألوانا وينصب قرينة تمنع من إرادتها بحيث لم يتحقق الجمع بين الألوان إلا فى

стр. 2037

وأراد بالألوان ما فوق الواحد؛ بقرينة الأمثلة؛ فتدبيج الكناية (نحو قوله: تردى) من: ترديت الثوب: أخذته رداء (ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها) أى: لتلك الثياب (الليل إلا وهى من سندس خضر) ... === اللفظ دون المعنى، فلا يكون ذلك من المحسنات المعنوية، بل اللفظية- كذا ذكر العلامة عبد الحكيم. وذكر بعضهم أن ذكر الألوان باقية على حقيقتها لا يمنع التدبيج كما فى قوله: ومنثور دمعى غدا أحمرا ... على أسّ عارضك الأخضر وكما فى قول الصلاح الصفدى: ما أبصرت عيناك أحسن منظرا ... فيما يرى من سائر الأشياء كالشّامة الخضراء فوق الوجنة ال ... حمراء تحت المقلة السّوداء (قوله: وأراد) أى ذلك البعض (وقوله بقرينة الأمثلة) أى كالمثال الأول (قوله: نحو قوله) أى قول الشاعر، وهو أبو تمام فى مرثية أبى نهشل محمد بن حميد التى رثاه بها حين استشهد وأولها: لذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر (قوله: تردّى ثياب الموت) أى جعلها رداء لنفسه والمراد أنه لبسها، وأراد بثياب الموت الثياب التى كان لابسا لها وقت الحرب وقتل وهو لابس لها، وعلى هذا فإضافة ثياب للموت لأدنى ملابسة، (وقوله: حمرا) حال من ثياب وهى حال مقدرة إذ لا حمرة حين اللبس لتأخر تلطخها بالدم عنه. ا. هـ سم. قال يس: وفيه نظر، والأظهر أن المراد بثياب الموت الثياب التى كفن بها، انتهى. وفيه أنه يكفن فى الثياب التى مات فيها وهو كان لابسا لها قبل حصول الدم. فتأمل. (قوله: من سندس) هو رقيق الحرير (قوله: خضر) مرفوع على أنه خبر بعد خبر لا مجرور صفة لسندس لأن القوا فى مضمومة الروى فإن قبله: وقد كانت البيض القواضب فى الوغى ... قواطع وهى الآن من بعده بتر

стр. 2038

يعنى: ارتدى الثياب الملطخة بالدم فلم ينقض يوم قتله، ولم يدخل فى ليلته إلا وقد صارت الثياب من سندس خضر من ثياب الجنة، فقد جمع بين الحمرة والخضرة؛ وقصد بالأول الكناية عن القتل، وبالثانى: الكناية عن دخول الجنة، وتدبيج التورية على قول الحريرى، فمذ اغبر العيش الأخضر، ... === غزا غزوة والحمد نسج ردائه ... فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر تردى ثياب الموت إلخ وبعده: كأنّ بنى نبهان حين وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر (١) كذا قيل، ولا يخفى أن جعله خبرا بعد خبر لا يلائم قول الشارح فى شرح البيت: " ولم يدخل فى ليلته إلا وقد صارت الثياب من سندس خضر من ثياب الجنة" فإنه ظاهر فى جعل الخضر صفة لسندس وهو الموافق للعرف من أنه إذا ذكر أصل الثوب يجعل اللون صفة للأصل لا للثوب، فالوجه أن يجعل خضر فى البيت خبر مبتدأ محذوف أى هى خضر، والجملة صفة لسندس، هكذا فى الأطول. (قوله: يعنى ارتدى الثياب الملطخة بالدم) أى لبسها (قوله: وقصد بالأول) أى بالوصف الأول وهو حمرة الثياب يعنى مع بقية الشطر، الكناية عن القتل؛ لأن التردى بثياب الموت حالة كونها حمرا يلزم منه القتل. (قوله: وبالثانى الكناية عن دخول الجنة) أى وقصد بالوصف الثانى وهو خضرة الثياب الكناية عن دخول الجنة، لما علم أن أهل الجنة يلبسون الحرير الأخضر، وصيرورة هذه الثياب الحمر تلك الثياب الخضرة عبارة عن انقلاب حال القتل إلى حال التنعم بالجنة. (قوله: وتدبيج التورية) أى: والتدبيج المشتمل على التورية، وهى أن يكون للفظ معنيان قريب وبعيد ويراد به البعيد (قوله فمذ اغبر) أى فمن حين اغبر العيش الأخضر، والذى فى مقامات الحريرى ذكر هذا بعد قوله وازور المحبوب الأصفر هكذا: فمذ ازور المحبوب الأصفر واغبر العيش الأخضر، واخضرار العيش كناية عن طيبه ونعومته

стр. 2039

وازور المحبوب الأصفر اسود يومى الأبيض، وابيض فودى الأسود حتى رثى لى العدو الأزرق فيا حبذا الموت الأحمر. فالمعنى القريب للمحبوب الأصفر: إنسان له صفرة، والبعيد: الذهب؛ وهو المراد هاهنا فيكون تورية، وجمع الألوان لقصد التورية لا يقتضى أن يكون فى كل لون تورية؛ كما توهمه بعضهم (ويلحق به) أى: بالطباق شيئان؛ أحدهما: الجمع بين معنيين ... === وكماله؛ لأن اخضرار العود والنبات يدل على طيبه ونعومته وكونه على أكمل حال، فيكنى به عن لازمه فى الجملة الذى هو الطيب والحسن والكمال، واغبرار العيش كناية عن ضيقه ونقصانه وكونه فى حال التلف؛ لأن اغبرار النبات والمكان يدل على الذبول والتغير والرثاثة فيكنى به عن هذا اللازم. (قوله: وازور المحبوب الأصفر) أى تباعد وأعرض ومال عنى المحبوب الأصفر، وفى ذكر هذا اللون وقعت التورية؛ لأن المعنى القريب للمحبوب الأصفر هو الإنسان الموصوف بالصفرة المحبوبة، وازوراره بعده عن ساحة الاتصال، والمعنى البعيد الذهب الأصفر لأنه محبوب وهو المراد هنا فكان تورية. (قوله: اسود يومى الأبيض) متعلق به المجرور بمذ، واسوداد اليوم كناية عن ضيق الحال وكثرة الهموم فيه؛ لأن اسوداد الزمان كالليل يناسبه الهموم، ووصفه بالبياض كناية عن سعة الحال والفرح والسرور لأن بياض النهار يناسب ذلك. (قوله: وابيض فودى الأسود) عطف على اسود يومى، والفود شعر جانب الرأس مما يلى الأذن، وابيضاض فوده كناية عن ضعف بنيته ووهنه من كثرة الحزن والهم (قوله: حتى رثى لى) أى: رق لى وأشفق على العدو الأزرق أى الخالص العداوة الشديدها، قيل إن وصف العدو الشديد العداوة بالزرقة لأنه فى الأصل كان أهل الروم أعداء للعرب والزرقة غالبة عليهم، ثم وصف كل عدو شديد العداوة بها على طريق الكناية وإن لم يكن أزرق. (قوله: فيا حبذا الموت الأحمر) حمرة الموت كناية عن شدته أى الشديد يقال احمر البأس إذا اشتد، وقيل إنه أراد بالموت الأحمر القتل، ويا فى قوله فيا حبذا زائدة للتنبيه لا للنداء أى فحبذا الموت الأحمر أى وأحبب به إن جاء عاجلا (قوله: لا يقتضى أن يكون إلخ) أى بل قد تجمع الألوان لقصد التورية بواحد منها كما هنا، والحاصل أن

стр. 2040

يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر نوع تعلق؛ مثل السببية واللزوم (نحو: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (١) فإن الرحمة وإن لم تكن مقابلة للشدة ... === الحريرى قد جمع بين ألوان من الاغبرار والاخضرار والاصفرار والاسوداد والابيضاض والزرقة والحمرة وكل تلك الألوان فى كلامه كناية إلا الاصفرار فإن فيه التورية، فقد علم من ذلك أن جمع الألوان لا يجب أن يكون على أنها كلها كنايات أو توريات بل يجوز أن تجمع على أن بعضها تورية وبعضها كناية، وقد توهم بعضهم وجوب ذلك وهو فاسد. (قوله: يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر) أى: والحال أنه ليس بين هذين المعنيين اللذين تعلق أحدهما بما يقابل الآخر تناف بل يجتمعان، كالرحمة والشدة فإن الرحمة تكون شديدة وبهذا يمتاز عن الطباق، وما قيل إنه إذا كان أحدهما لازما لمقابل الآخر يتحقق بينهما التنافى فى الجملة لأن منافى الملزوم مناف للازمه، وحينئذ فهو طباق لا ملحق به مدفوع؛ لأن اللازم قد يكون أعم وحينئذ فمنافى الملزوم لا يجب أن يكون منافيا للازم، والحاصل أن الشىء الأول من الشيئين الملحقين بالطباق هو أن يجمع بين معنيين ليس أحدهما مقابلا للآخر، لكن يتعلق أحدهما بمعنى يقابل المعنى الآخر، وتعلق أحد المعنيين بالمعنى المقابل للآخر إما لكونه بينه وبينه لزوم السببية، أو بينه وبينه لزوم آخر غير لزوم السببية، والتقابل هنا ليس بين المعنيين بل بين أحدهما وملزوم الآخر. (قوله: فإن الرحمة وإن لم تكن إلخ) حاصله أنه قد جمع فى هذه الآية بين الرحمة والشدة، ومن المعلوم أن الرحمة لا تقابل الشدة، وإنما تقابل الرحمة الفظاظة، والشدة إنما يقابلها اللين، لكن الرحمة مسببة عن اللين المقابل للشدة، وذلك لأن اللين فى الإنسان كيفية قلبية تقتضى الانعطاف لمستحقه، وذلك لأن الانعطاف هو الرحمة فقد قوبل فى الآية بين معنيين هما الشدة والرحمة وأحدهما وهو الرحمة له تعلق بمقابل الشدة وهو اللين والتعلق بينهما تعلق السببية أى كون الرحمة مسببة عن اللين وأصل الشدة واللين فى المحسوسات فالشدة فيها الصلابة، واللين فيها ضدها وهى صفة تقتضى صحة الغمز إلى

стр. 2041

لكنها مسببة عن اللين) الذى هو ضد الشدة. (و) الثانى: الجمع بين معنيين غير متقابلين عبر عنهما بلفظين يتقابل معناهما الحقيقيان (نحو: قوله (١): لا تعجبى يا سلم من رجل) يعنى: نفسه (ضحك المشيب برأسه) أى: ظهر ظهورا تامّا ... === الباطن والنفوذ فيه والشدة بخلافها ولو قيل إن الشدة لها تعلق بمقابل الرحمة وهو الفظاظة وعدم الانعطاف لصح أيضا لأن عدم الانعطاف لازم للشدة التى هى كيفية قلبية توجب عدم الانعطاف لمستحقه (قوله: لكنها مسببة عن اللين) أى ومنافى السبب لا يجب أن يكون منافيا للمسبب. (قوله: غير متقابلين) أى: ولا يستلزم ما أريد بأحدهما ما يقابل الآخر وبهذا فارق ما قبله (قوله: نحو قوله) أى: الشاعر وهو دعبل- بكسر الدال المهملة والباء الموحدة وبينهما عين مهملة ساكنة- بوزن زبرج، وضبطه بعضهم أيضا بفتح الباء ففى الباء وجهان، وهو شاعر خزاعى رافضى كما فى الأطول (قوله: لا تعجبى إلخ) قبله: يا سلم ما بالشّيب منقصة ... لا سوقة يبقى ولا ملكا لا تعجبى يا سلم ... البيت وبعده: قصر الغواية عن هوى قمر ... وجد السّبيل إليه مشتركا قد كان يضحك فى شبيبته ... والآن يحسد كلّ من ضحكا يا ليت شعرى كيف حالكما ... يا صاحبىّ إذا دمى سفكا لا تأخذا بظلامتى أحدا ... قلبى وطرفى فى دمى اشتركا (قوله: يا سلم) ترخيم سلمى أو المراد يا سالمة من العيوب فيكون السلم بمعنى السلامة المستعمل فى السالمة (قوله: يعنى نفسه) عبر عن نفسه برجل لأجل أن يتمكن من الوصف بالجملة (وقوله: المشيب) هو كالشيب عبارة عن بياض الشعر (قوله: ظهر ظهورا تامّا)

стр. 2042

(فبكى) ذلك الرجل. فظهور المشيب لا يقابل البكاء إلا أنه قد عبر عنه بالضحك الذى معناه الحقيقى مقابل البكاء (ويسمى الثانى: إيهام التضاد) لأن المعنيين قد ذكرا بلفظين يوهمان التضاد نظرا إلى الظاهر. [المقابلة]: (ودخل فيه) أى: فى الطباق؛ ... === أى فهو من باب التعبير باللازم عن الملزوم لأن الضحك الذى هو هيئة للفم معتبرة من ابتداء حركة وانتهاء إلى شكل مخصوص يستلزم عادة ظهور بياض الأسنان، فعبر به عن مطلق ظهور البياض فى ضمن الفعل، فكان فيه تبعية المجاز المرسل، ويحتمل أن يكون شبه حدوث الشيب بالرأس بالضحك بجامع أن كلّا منهما معه وجود لون بعد خفائه فى آخر، ثم قدر استعارة الضحك لذلك الحدوث، واشتق من الضحك ضحك بمعنى حدث وظهر فهو استعارة تبعية، كذا فى ابن يعقوب. وفى الأطول: جعل الضحك كناية عن الظهور التام، إما لأن الظهور التام للشيب يجعل صاحبه مضحكة للناس، أو لأن الضحك يستلزم ظهور ما خفى من مستور الشفتين (قوله: فبكى ذلك الرجل) أى بتذكر الموت أو للتأسف على زمان الشباب (قوله: فظهور المشيب لا يقابل البكاء) بل يكاد أن يدّعى أن بينهما تلازما. (قوله: ويسمى الثانى إيهام التضاد) أى فهو محسن معنوى باعتبار إيهام الجمع بين الضدين، أى باعتبار أنه يوقع فى وهم السامع أن المتكلم قد جمع بين معنيين متضادين، فلا يرد أنه جمع فى اللفظ فقط فيكون محسنا لفظيّا (وقوله: ويسمى الثانى إلخ) أى بخلاف الأول فإنه ليس له اسم خاص، بل هو عام وهو ملحق بالطباق. (قول: لأن المعنيين) أى الغير المتقابلين، والفرق بين التدبيج الذى فيه الكناية، وبين إيهام التضاد- مع أن فى كل منهما المعنيين المرادين لا تضاد بينهما ولكن يتوهم التضاد من ظاهر اللفظين باعتبار معنييهما الأصليين- أن الكناية التى فى التدبيج يصح أن يراد بها معناها الأصلى فينافى مقابله، بخلاف إيهام التضاد فلا يصح فيه معناه الأصلى. (قوله: نظرا إلى الظاهر) أى ظاهر اللفظ، والحمل له على حقيقته الذى هو غير مراد.

стр. 2043

بالتفسير الذى سبق (ما يختص باسم المقابلة) وإن جعله السكاكى وغيره قسما برأسه من المحسنات المعنوية (وهو أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر، ثم) يؤتى (بما يقابل ذلك) المذكور من المعنيين المتوافقين، أو المعانى المتوافقة (على الترتيب) فيدخل فى الطباق لأنه جمع بين معنيين متقابلين فى الجملة (والمراد بالتوافق خلاف التقابل) حتى لا يشترط أن يكونا ... === إنما أخره عن الملحق؛ لأنه قسم برأسه عند الغير، فناسب تأخيره عن الأول وملحقاته، وإنما نبه على دخوله تنبيها على أن من جعله قسما مستقلّا من البديعيات المعنوية فقد غفل (قوله: بالتفسير الذى سبق) أى وهو الجمع بين أمرين متقابلين ولو فى الجملة. (قوله: ودخل فيه إلخ) (قوله: وإن جعله إلخ) الواو للحال (قوله: متوافقين) أى غير متقابلين (قوله: على الترتيب) أى يكون ما يؤتى به ثانيا مسوقا على ترتيب ما أتى به أولا، بحيث يكون الأول للأول والثانى للثانى (قوله: فيدخل فى الطباق) أى: إنما دخل هذا النوع المسمى بالمقابلة فى الطباق لأنه جمع بين معنيين متقابلين فى الجملة- أى على وجه مخصوص دون آخر- إذ ليس التقابل بين كل اثنين من المعانى التى ذكرت، ألا ترى أنه لا تقابل بين الضحك والقلة ولا بين البكاء والكثرة فى المثال الآتى، وإن كان فيه مقابلة بين الضحك والبكاء والقلة والكثرة، أى وحيث كان فى المقابلة جمع بين معنيين متقابلين فى الجملة كانت طباقا، فالصدق تعريفه عليها. قال العلامة عبد الحكيم: لا يخفى أن فى الطباق حصول التوافق بعد التنافى، ولذا سمى بالطباق، وفى المقابلة حصول التنافى بعد التوافق، ولذا سمى بالمقابلة وفى كليهما إيراد المعنيين بصورة غريبة فكل منهما محسن بانفراده، واستلزام أحدهما للآخر لا يقتضى دخوله فيه، فالحق مع السكاكى فى جعله المقابلة قسما مستقلّا من البديعيات المعنوية (قوله: والمراد إلخ) جواب عما يقال أن جعل المقابلة داخلة فى الطباق دون مراعاة النظير تحكم؛ لأنه كما يصدق عليها باعتبار جمع المتقابلين تعريف الطباق يصدق عليها باعتبار جمع المتوافقين تعريف مراعاة النظير، فأجاب بقوله: والمراد بالتوافق فى قولنا فى تعريف المقابلة: أن يؤتى بمعنيين متوافقين إلخ

стр. 2044

متناسبين، أو متماثلين؛ فمقابلة الاثنين بالاثنين (نحو: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً) (١) أتى بالضحك والقلة المتوافقين ثم البكاء والكثرة المتماثلين لهما. (و) مقابلة الثلاثة بالثلاثة (نحو قوله: === عدم التقابل وعدم التنافى، فيشمل المتناسبين كما يأتى فى مراعاة النظير، ولذلك توجد المقابلة معه، ويشمل المتماثلين فى أصل الحقيقة مع عدم التناسب فى المفهوم كمصدوق القائم والإنسان، ويشمل الخلافيين كالإنسان والطائر وكالضحك والقلة، فإنهما غير متماثلين وغير متناسبين، فلما لم يشترط فى المقابلة تماثل المعنيين ولا تناسبهما- بخلاف مراعاة النظير فإنه يشترط فيها ذلك- جعلت داخلة فى الطباق باعتبار جمع المتقابلين ولم تجعل داخلة فى مراعاة النظير باعتبار جمع المتوافقين. قال فى الأطول: وهذا المراد وإن رجح دخول المقابلة فى الطباق، لكن لا ينفى كون بعضها من مراعاة النظير؛ لأنه كما لا يشترط فى المقابلة التناسب لم يشترط عدمه. اه. (قوله: متناسبين) أى: بينهما مناسبة وإن اختلفا ماصدقا ومفهوما: كالشمس والقمر والعبد والفقير (وقوله: أو متماثلين) أى: فى أصل الحقيقة وإن اختلفا مفهوما فقط كإنسان وقائم (قوله: المتماثلين لهما) كذا فى نسخة، وفى أخرى المتقابلين لهما، والأولى أظهر بقرينة قوله لهما وإن كانت الثانية صحيحة أيضا؛ لأن المراد المتقابلين بالنسبة لهما- فتأمل. وحاصله أنه أتى بالضحك والقلة وهما متوافقان ثم بالبكاء والكثرة وهما متوافقان أيضا، وقابل الأول من الطرف الثانى- وهو البكاء- بالأول من الطرف الأول- وهو الضحك- وقابل الثانى من الطرف الثانى- وهو الكثرة- بالثانى من الطرف الأول- وهو القلة (قوله: نحو قوله) (٢) أى: قول الشاعر وهو أبو دلامة بضم الدال على وزن ثمامة

стр. 2045

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل) أتى بالحسن، والدين، والغنى، ثم بما يقابلها من القبح، والكفر، والإفلاس على الترتيب. (و) مقابلة الأربعة بالأربعة (نحو: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١) والتقابل بين الجميع ظاهر ... === من شعراء الدولة العباسية كان فى مدة المعتصم بالله (قوله: إذا اجتمعا) أى: بالرجل (وقوله: بالرجل) أى: إذا اجتمعا بالرجل ففى البيت احتباك (قوله: بالرجل) ويقاس عليه المرأة بالأولى أو غلب الرجل على المرأة أو أراد بالرجل الشخص مطلقا، وإنما كانت المرأة أولى؛ لأنه إذا لم يدفع قبح الكفر والإفلاس كمال الرجل برجوليته فكيف يدفع ذلك نقصان المرأة بكونها امرأة؟ (قوله: والغنى) أى: المعبر عنه بالدنيا (قوله: فأما من أعطى) أى: حقوق أمواله (وقوله: واتقى) أى: اتقى الله برعاية أوامره ونواهيه والاعتناء بها خوفا منه تعالى أو محبة فيه، أو المراد اتقى حرمات الله وتباعد عنها (وقوله: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) أى: بالخصلة الحسنى وهى الإيمان، أو بالملة الحسنى وهى ملة الإسلام، أو المثوبة الحسنى وهى الجنة، أو بالكلمة الحسنى وهى كلمة التوحيد. (وقوله: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) أى: فسنهيئه للجنة بأن نوفقه للأعمال الصالحة من يسّر الفرس للركوب إذا أسرجها وأجلهما، ومنه (كلّ ميسّر لما خلق له). (قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) أى: بالنفقة فى الخير واستغنى عن ثواب الله ولم يرغب فيه والمراد بالعسرى النار (قوله: والتقابل بين الجميع ظاهر) حاصله أن قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى محتو على أربعة أمور مقابلة للأربعة الأولى على الترتيب، فالبخل مقابل للإعطاء، والاستغناء مقابل للاتقاء، والتكذيب مقابل للتصديق، والتيسير للعسرى مقابل للتيسير لليسرى؛ لأن المراد بالتيسير لليسرى التهيؤ للجنة، والتيسير للعسرى التهيؤ للنار، فظهر لك أن المقابلة الرابعة بين

стр. 2046

إلا بين الاتقاء والاستغناء؛ فبّينه بقوله: (والمراد ب (استغنى) أنه زهد فيما عند الله تعالى كأنه استغنى عنه) أى: عما عند الله تعالى (فلم يتق أو) المراد باستغنى: (استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة فلم يتق) ... === مجموع تيسره لليسرى ومجموع تيسره للعسرى لا بين الجزأين الأولين منهما لاتحادهما وعدم المقابلة بينهما ولا بين المجرورين فى الجزأين لما نقل فى الإيضاح إنها إنما تكون بين المستقلين والمجرور هنا لا يستقل فلا تقع به المقابلة والمراد بالمستقل ما لا يكون تماما لغيره كأن يكون الحرف صلة لغيره (قوله: إلا بين الاتقاء والاستغناء) أى: فإن التقابل بينهما فيه خفاء؛ وذلك لأن الاستغناء إن فسر بكثرة المال أو بعدم طلب الدنيا للقناعة فلا يكون مقابلا للتقوى، وإن فسر بشىء آخر غير ما ذكر كان محتاجا لبيانه لأجل أن تتضح مقابلته لا نفى، فلذا قال المصنف والمراد (قوله: أنه زهد فيما عند الله) أى: من الثواب الأخروى، وليس المراد به كثرة المال. يقال: زهد فى الشىء وعن الشىء رغب عنه ولم يرده، ومن فرق بين زهد فى الشىء وعن الشىء فقد أخطأ كما فى المغرب (قوله: كأنه استغنى عنه) أى: فصار بترك طلبه كأنه استغنى عنه أى: لا يحتاج إليه مع شدة حاجته إليه؛ وذلك لأن العاقل لا يترك طلب شىء إلا إذا كان مستغنيا عنه فعبر بالاستغناء عن ترك طلب ما عند الله تعالى على وجه الترفع عنه إنكارا له وترك طلبه كذلك كفر، وإذا كان كافرا فلم يتق الكفر (قوله: أو استغنى بشهوات الدنيا) أى: أو المراد باستغنى أنه استغنى بشهوات الدنيا المحرمة عن طلب نعيم الجنة، إما لإنكاره إياه فيكون كافرا فلم يتق الكفر فيعود إلى الوجه الأول، وإما أن يكون ذلك سفها وشغلا باللذة المحرمة عن ذلك النعيم فلم يتق المحرمات، وإنما قيدنا الشهوات بالمحرمة؛ لأن كل من لم يرتكب المحرمة أصلا لا يخلو شرعا وعادة من طلب النعيم الأخروى، وإنما المستلزم لعدم التقوى هو الاستغناء باللذات المحرمة فعدم الاتقاء ليس هو نفس الاستغناء بالشهوات، بل الاستغناء ملزومه؛ لأنه فسر الاستغناء بالشغل بمحرم والشغل بالمحرم يستلزم نفى التقوى التى هى الطاعة بخلاف تفسيره بالزهد فيما عند الله بمعنى الكفر بما عنده تعالى فهو أظهر فى الدلالة.

стр. 2047

فيكون الاستغناء مستتبعا لعدم الاتقاء؛ وهو مقابل للاتقاء فيكون هذا من قبيل قوله تعالى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (١) (وزاد السكاكى) فى تعريف المقابلة قيدا آخر حيث قال: هى أن يجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما === (قوله: فيكون الاستغناء مستتبعا) أى: مستلزما لعدم الاتقاء وهذا مفرع على الاحتمالين قبله (وقوله: وهو) أى: عدم الاتقاء مقابل للاتقاء (قوله: فيكون هذا من قبيل إلخ) أى: ففى هذا المثال تنبيه على أن المقابلة قد تتركب من الطباق، وقد تتركب مما هو ملحق بالطباق لما علمت أن مقابلة الاتقاء للاستغناء من قبيل الملحق بالطباق وهو الجمع بين معنيين يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر نوع تعلق مثل مقابلة الشدة والرحمة فى قوله تعالى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ والمقابلة بين الثلاثة من الطباق لا يقال: كيف مثل المصنف بالآية لما يدخل فى الطباق ولم يمثل بها للملحق به؟ لأنا نقول صح ذلك باعتبار اشتمال أغلبها على ما هو فى نفس الطباق. هذا، وقد ذكر الواحدى فى شرح ديوان المتنبى أن من مقابلة الخمسة بالخمسة قوله: أزورهم وسواد اللّيل يشفع لى ... وأنثنى وبياض الصّبح يغرى بى (٢) وفيه نظر؛ لأن لى وبى صلتان ليشفع ويغرى فهما من تمامهما بخلاف اللام وعلى فى قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (٣)، والمقابلة إنما تكون بين المستقلين كما فى الإيضاح وأما مقابلة الستة بالستة فمنه قول عنترة: على رأس عبد تاج عزّ يزينه ... وفى رجل حرّ قيد ذلّ يشينه (٤) ولم يوجد فى كلامهم أكثر من مقابلة الستة بمثلها (قوله: قيدا آخر) أى: لا تتقرر حقيقتها عنده إلا به (قوله: وضديهما) الأولى أن يزيد أو أضدادها بضمير الجماعة لأجل قوله: أو أكثر (قوله: وإذا شرط) أى: وإذا قيدت المعانى الأول بقيد فلا بد

стр. 2048

(وإذا شرط هاهنا) أى: فيما بين المتوافقين، أو المتوافقات (أمر شرط ثمة) أى: فيما بين ضديهما أو أضدادهما (ضده) أى: ضد ذلك الأمر (كهاتين الآيتين فإنه لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق جعل ضده) أى: ضد التيسير- وهو التعسير المعبر عنه بقوله: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (مشتركا بين أضدادها) وهى البخل، والاستغناء، والتكذيب؛ فعلى هذا لا يكون قوله: " ما أحسن الدين" من المقابلة؛ لأنه اشترط فى الدين والدنيا الاجتماع، ولم يشترط فى الكفر والإفلاس ضده. [مراعاة النظير]: (ومنه) أى: ومن المعنوى (مراعاة النظير، ويسمى: التناسب والتوفيق) والائتلاف والتلفيق أيضا (وهى جمع: أمر وما يناسبه، لا بالتضاد) ... === أن تقيد المعانى المقابلة لها بقيد يضاد القيد الأول، والمراد بالشرط هنا الاجتماع فى أمر لا الشرط المعروف؛ لأن التيسير والتعسير الممثل بهما لذلك ليسا شرطين وإنما هما أمران اشترك فى كلّ منهما أمور متوافقة (قوله: وإذا شرط إلخ) أى: وأما إذا لم يشترط أمر فى الأول فلا يشترط شىء فى الثانى كما فى قوله تعالى فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا (١) إلخ (قوله: أو أضدادهما) كذا فى نسخة وصوابه أضدادها بضمير الجماعة؛ لأنه راجع لقوله المتوافقات وما قبله أى: ضديهما راجع للمتوافقين (قوله: ولم يشترط فى الكفر والإفلاس ضده) أى: وهو الافتراق بل اعتبر فيهما الاجتماع أيضا، والحاصل أن ذلك البيت لا يكون من قبيل المقابلة عند السكاكى إلا لو قيل: وأقبح الكفر والإفلاس إذا تفرقا مع أن المقصود إذا اجتمعا فى الشخص- فتأمل. [مراعاة النظير]: (قوله: أى ومن المعنوى) أى: ومن البديع المعنوى. (قوله: جمع أمر وما يناسبه) أى: أن يجمع بين أمرين متناسبين أو أمور متناسبة فاقتصار المصنف على أمرين؛ لأن ذلك أقل ما يتحقق فيه المناسبة (قوله: لا بالتضاد) أى: بل بالتوافق فى كون ما جمع

стр. 2049

والمناسبة بالتضاد أن يكون كلّ منهما مقابلا للآخر، وبهذا القيد يخرج الطباق، وذلك قد يكون بالجمع بين أمرين (نحو: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ) (١) جمع بين أمرين (و) نحو (قوله) (٢) فى صفة الإبل: (كالقسىّ) جمع: قوس (المعطفات) المنحنيات ... === من واد واحد لصحبته فى إدراكه، أو لمناسبته فى شكل، أو لترتب بعض على بعض، أو ما أشبه شيئا من ذلك. (قوله: والمناسبة بالتضاد إلخ) هذا يشعر بأن المتضادين متناسبان وهو كذلك من جهة أن الضد أقرب خطورا بالبال عند ذكر ضده (قوله: مقابلا للآخر) أى: منافيا له (قوله: وبهذا القيد) أعنى: قوله: لا بالتضاد يخرج الطباق؛ لأنه جمع بين أمرين متضادين وقد تقدم أن المراد بالتضاد مطلق التقابل والتنافى فى الجمع، ولما كان فى هذا الجمع رعاية الشىء مع نظيره بشبه أو مناسبة سمى مراعاة النظير (قوله: وذلك) أى: الجمع بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد قد يكون أى: قد يتحقق بسبب الجمع بين أمرين (قوله: بِحُسْبانٍ) أى: يجريان فى بروجهما بحسبان معلوم المقدار لا يزيدان عليه ولا ينقصان عنه، فالشمس تقطع الفلك فى سنة والقمر يقطعه فى شهر فهو أسرع منها سيرا ذلك تقدير العزيز العليم (قوله: جمع بين أمرين) أى: وهما الشمس والقمر ولا يخفى تناسبهما من حيث تقارنهما فى الخيال لكون كل منهما جسما نورانيّا سماويّا، ثم إنه لا حاجة لقوله: جمع بين أمرين مع قوله: قد يكون بالجمع بين أمرين فهو تأكيد له (قوله: ونحو قوله) أى: البحترى، (وقوله: فى صفة الإبل) أى: المهزولة (قوله: كالقسىّ) جمع قوس (وقوله: المعطفات) أى: المنحنيات؛ لأنه مأخوذ من عطّف العود بتشديد الطاء وعطفه بتخفيفها حناه ووصف القوس بالتعطيف من باب الوصف الكاشف أو المؤكد، إذ لا يكون القوس إلا كذلك، فإن قلت: إن قوسا بزنة فعل، وفعل يجمع على فعول: كفلس يجمع على فلوس، فكان مقتضاه أن يقال فى جمع قوس قووس لا قسى، قلت:

стр. 2050

(بل الأسهم) جمع: سهم (مبرية) أى: منحوتة (بل الأوتار) جمع: وتر- جمع بين ثلاثة أمور. (ومنها) أى: ومن مراعاة النظير: (ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف؛ وهو أن يختم الكلام ... === أصل قسى قووس بدليل قوس الشيخ، واستقوس أى: انحنى ورجل متقوس أى: معه قوس قدمت اللام إلى محل عين الكلمة، فصار قسوو فوقعت الواو متطرفة، فقلبت ياء فصار قسوى اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وقلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء، وأدغمت الياء فى الياء فصار قسى بضم فاء الكلمة، ثم لما استثقل الانتقال من الضمة للكسرة فى مثل هذا كسروا فاء الكلمة للخفة فصار قسى بوزن فليع بكسر الفاء (قوله: بل الأسهم) أى: بل هى كالأسهم وهذا إضراب عن التشبيه الأول بالقسىّ (وقوله: بل الأوتار) أى: بل هى كالأوتار فهى هزيلة جدّا وهذا إضراب عن التشبيه الثانى، ومحصل معنى البيت: أن الإبل المهازيل فى شكلها ورقة أعضائها شابهت تلك القسى، بل أرق منها وهى الأسهم، بل أرق منها وهى الأوتار (قوله: جمع وتر) أى: وهو الخيط الجامع بين طرفى القوس (قوله: جمع بين ثلاثة أمور) وهى القوس والسهم والوتر بينها مناسبة وفى انتقاله تدل؛ لأن القوس أغلظ من السهم المبرى، والسهم المذكور أغلظ من الوتر، والوتر أرقها كلها، وقد يكون الجمع بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد متحققا بسبب الجمع بين أربعة كقول بعضهم للوزير المهلبى: أنت أيها الوزير إسماعيلى الوعد، شعيى التوفيق، يوسفى العفو، محمدى الخلق، فجمع بين الأنبياء الأربعة المرسلين، وفيه مناسبة، وقد يكون متحققا بسبب الجمع بين أكثر من أربعة كقول ابن رشيق- بفتح أوله وكسر ثانيه (١): أصحّ وأقوى ما سمعناه فى النّدى ... من الخبر المأثور منذ قديم أحاديث ترويها السّيول عن الحيا ... عن البحر عن كفّ الأمير تميم

стр. 2051

بما يناسب ابتداءه فى المعنى نحو: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١)) فإن اللَّطِيفُ يناسب كونه غير مدرك بالأبصار، ... === فقد ناسب فيه بين الصحة والقوة والسماع والخبر المأثور والأحاديث والرواية، وكذا ناسب بين السيل والحيا أى: المطر والبحر وكف تميم مع ما فى البيت الثانى من صحة الترتيب فى العنعنة، إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر كما يقع فى سند الأحاديث، فإن السيول أصلها المطر والمطر أصله البحر على ما يقال، والبحر أصله كف الممدوح على ما ادعاه الشاعر- ا. هـ أطول. (قوله: بما يناسب ابتداءه فى المعنى) أى: لكون ما ختم به الكلام كالعلة لما بدئ به أو العكس أو كالدليل عليه أو نحو ذلك وإنما كان تشابه الأطراف نوعا خاصّا من مراعاة النظير؛ لأنها الجمع بين متناسبين مطلقا، سواء كان أحدهما فى الختم والآخر فى الابتداء كما فى تشابه الأطراف أو كانا معا فى الابتداء كما تقدم فى المثال، أو فى الاختتام، أو فى التوسط، بخلاف تشابه الأطراف، فإنه قاصر على الجمع بين متناسبين أحدهما فى الابتداء والآخر فى الانتهاء. قال الفنرى: ولو قال بدل قوله: بما يناسب ابتداءه بما يناسب ما قبله كان أولى؛ لأن قوله: لا تدركه الأبصار الذى يناسبه اللطيف، وإن كان ابتداء الكلام لكونه رأس الآية، لكن قوله: وهو يدرك الأبصار الذى يناسبه الخبير ليس ابتداء الكلام- انتهى. وأجاب بعضهم بأن المراد بالكلام هنا ما يقصد من التراكيب المفيدة سواء كان جملة واحدة أو أكثر، والمراد بأوله ما ليس بآخر، وحينئذ فيصدق على قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أنه كلام وعلى قوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ أنه أول وعلى قوله: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أنه آخر- تأمل. (قوله: فإن اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالأبصار) أى: باعتبار المتبادر منه وهو الدقة لأخذه من لطف ككرم إذا دق ورق، ومعلوم أن الشىء كلما لطف ودق

стр. 2052

والْخَبِيرُ يناسب كونه مدركا للأبصار؛ لأن المدرك للشىء يكون خبيرا عالما. (ويلحق بها) أى: بمراعاة النظير أن تجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين يكون لهما معنيان متناسبان وإن لم يكونا مقصودين هنا (نحو: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ. وَالنَّجْمُ (١) أى: النبات الذى ينجم- أى: يظهر من الأرض لا ساق له- كالبقول (والشجر) ... === كان أخفى فلا يدرك بالبصر، ألا ترى للهواء فإنه لما لطف جدّا امتنع إدراكه بالبصر عادة وإن كان ذلك المعنى محالا فى حقه تعالى، إذ اللطيف فى حقه بمعنى الرفيق بعباده الرؤوف بهم، وعبارة الفنرى (قوله: فإن اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالأبصار) فيه تأمل إذ المناسب له اللطيف المشتق من اللطافة وهو ليس بمراد هنا، وأما اللطيف المشتق من اللطف بمعنى الرأفة فلا يظهر له مناسبة، اللهم إلا أن يقال: اللطيف هنا مستعار من مقابل الكثيف لما لا تدركه الأبصار ولا ينطبع منها وهذا القدر يكفى فى المناسبة- ا. هـ. (قوله: لأن المدرك للشىء إلخ) لعل الأظهر فى بيان المناسبة عبارة ابن يعقوب ونصها: أما مناسبة الخبير لإدراكه الأبصار فظاهرة؛ لأن الخبير من له علم بالخفيات ومن جملة الخفيات، بل الظواهر الأبصار فيدركها- تأمل. (قوله: غير متناسبين) أى: فى أنفسهما لعدم وجود شىء من أوجه التناسب من تقارن أو علية، أو نحو ذلك (قوله: بلفظين) أى: حالة كون المعنيين المذكورين معبرا عنهما بلفظين (قوله: وإن لم يكونا مقصودين هنا) أى: والحال أن مجموع المعنيين المتناسبين لم يقصد فى الحالة الراهنة، وهذا صادق بألا يقصد واحد منهما، أو يكون أحدهما مقصودا دون الآخر كما فى المثال المذكور فى المتن. (قوله: نحو الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إلخ) التمثيل بذلك بالنظر للنجم مع الشمس والقمر (قوله: بِحُسْبانٍ) أى يجريان فى فلكهما بحساب معلوم لا يزيد ولا ينقص (قوله: كالبقول)

стр. 2053

الذى له ساق (يَسْجُدانِ) أى: ينقادان لله تعالى فيما خلقا له، فالنجم بهذا المعنى- وإن لم يكن مناسبا للشمس والقمر لكنه قد يكون بمعنى الكوكب، وهو مناسب لهما (ويسمى إيهام التناسب) لمثل ما مر فى إيهام التضاد. [الإرصاد]: (ومنه) أى: ومن المعنوى (الإرصاد) وهو فى اللغة: نصب الرقيب فى الطريق (ويسميه بعضهم: التسهيم) يقال: برد مسهم: فيه خطوط مستوية (وهو أن يجعل قبل العجز من الفقرة) هى فى النثر ... === مثل الفجل والبصل (قوله: الذى له ساق) وقد يسمى ما لا يقوم على ساق شجرا. قال تعالى: وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١) واليقطين وهو القرع مما لا يقوم على ساق (قوله: وهو مناسب لهما) أى: لاقترانه معهما فى الخيال لكونه جسما نورانيّا سماويّا والحاصل أن النجم فى الآية بالنسبة للشجر من فى مراعاة النظير وبالنسبة للشمس والقمر من إيهام التناسب، ويسجدان مجاز عن انقيادهما لله تعالى، و(قوله: فيما خلقا له) أى: من الانتفاع بهما (قوله: لمثل ما مر فى إيهام التضاد) أى: أنه يوجه بتوجيه مثل التوجيه الذى وجه به إيهام التضاد بقوله فيما مر؛ لأن المعنيين قد ذكرا بلفظين يوهمان التضاد فيقال هنا إنما سمى بذلك لكون المعنيين عبر عنهما بلفظين يوهمان التناسب نظرا للظاهر وبالجملة فنسبة إيهام التناسب من مراعاة النظير كنسبة إيهام التضاد من المطابقة. [الإرصاد]: (قوله: أى ومن المعنوى) أى: ومن البديع المعنوى (قوله: نصب الرقيب فى الطريق) أى: ليدل عليه أو على ما يأتى منه كما ينصب القطاع من ينظر القافلة ليعرفوا هل يقاومونهم وهل معهم شىء أو لا؟ يقال: رصدته أى: نصبت له رقيبا، وأرصدته: جعلته يرصد أى: يراقب الشىء (قوله: برد مسهم إلخ) أى: فالتسهيم فى الأصل جعل البرد أى: الثوب ذا خطوط كأنها فيه سهام، ثم نقل لما قاله المصنف بجامع التزيين (قوله: وهو أن يجعل قبل العجز إلخ) أى: سواء كان متصلا بالعجز أو كان هناك فاصل بينهما،

стр. 2054

بمنزلة البيت من النظم، فقوله: وهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه فقرة، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه فقرة أخرى، والفقرة فى الأصل حلى يصاغ على شكل فقرة الظهر (أو) من (البيت ... === ووجه تسمية ما يدل على العجز إرصاد أن الإرصاد فى اللغة نصب الرقيب فى الطريق ليدل عليه، أو على ما يأتى منه، وما يدل على العجز نصب ليدل على صفته وختمه، وأما وجه تسميته تسهيما؛ فلأن ما جعل قبل العجز ليدل عليه مزيد فى البيت أو فى الفقرة ليزينه بدلالته على المقصود من عجزه فصار بمنزلة الخطوط فى الثوب المزيدة فيه لتزيينه؛ أو لأن ما قبل العجز مع العجز كأنهما خطان مستويان فى البيت أو الفقرة (قوله: بمنزلة البيت من النظم) أى: بمنزلة البيت الكامل من الشعر فى أن رعاية الروى واجبة فيهما بخلاف المصراع إلا أنه فرق بينهما من جهة أن البيت يكون بيتا وحده والفقرة لا تكون فقرة بدون الأخرى- قاله عبد الحكيم، وفى ابن يعقوب: الفقرة: ما يكون من النثر بمنزلة البيت من الشعر فى كونه ملتزما ما ختم ما بعده بما التزم منه فى الروى: كالحرف الملتزم فى ختم الآيات (قوله: فقوله) أى: الحريرى وهو مبتدأ خبره فقرة، (وقوله: هو) أى: أبو زيد السروجى (قوله: يطبع الأسجاع) يقال طبعت السيف والدرهم أى: عملته وطبعت من الطين جرة عملتها منه والأسجاع: جمع سجع وهو الكلام الملتزم فى آخره حرف فهو قريب من الفقرة أو هو نفسها فى الماصدق (وقوله: بجواهر لفظه) أى: من لفظه الشبيه بالجواهر (قوله: ويقرع الأسماع إلخ) قرع الأسماع بزواجر الوعظ عبارة عن إسماع الموعظة على وجه محرك للمقصود (قوله: بزواجر وعظه) أى: بالزواجر من وعظه أى: بالأمور المانعة للسامع من ارتكاب ما لا ينبغى (قوله: فقرة أخرى) أى: لأن كلّا منهما بمنزلة البيت فيما ذكر آنفا (قوله: والفقرة فى الأصل) الفقرة بفتح الفاء وكسرها، والمراد بالأصل اللغة، (وقوله: حلى) بفتح الحاء وسكون اللام وجمعه حلى بضم الحاء وكسرها وكسر اللام وتشديد الياء، (وقوله: يصاغ على شكل فقرة الظهر) أى: فتكون الفقرة فى الأصل مشتركة بين فقرة الظهر وبين الحلى الذى يصاغ على شكلها، ثم استعيرت لكلام لو ضم إليه غيره التزم

стр. 2055

ما يدل عليه) أى: على العجز- وهو آخر كلمة من الفقرة، أو البيت (إذا عرف الروى) فقوله: ما يدل فاعل" يجعل"، وقوله: " إذا عرف" متعلق بقوله: " يدل"، والروى: الحرف الذى بنى عليه أواخر الأبيات أو الفقر، ويجب تكرره فى كل منهما، وقيد بقوله: " إذا عرف الروى" لأن من الإرصاد ما لا يعرف به العجز لعدم معرفة حرف الروى، كما فى قوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١) ... === فى المضموم الحرف الأخير الكائن فى المضموم إليه هذا ما يشعر به كلام الشارح، وذكره العلامة سم، والذى ذكره العلامة ابن يعقوب أن الفقرة فى الأصل اسم لعظم الظهر، ثم استعير لحلى يصاغ على هيئته عظم الظهر، ثم استعير لكلام لو ضم إليه غيره التزم فى المضموم الحرف الأخير الكائن فى المضموم إليه، وعلى هذا فقول الشارح: فى الأصل أى: الأصل الثانى، وإلا فالأصل الأول إحدى فقار الظهر (قوله: ما يدل عليه) أى: كلمة تدل على العجز أى: على مادته وصورته، فالمادة يدل عليها الإرصاد والصورة يدل عليها الروى، فالمتوقف على معرفة الروى هو الصورة فقط (قوله: آخر كلمة) أى: الكلمة الأخيرة من الفقرة إلخ (قوله: إذا عرف الروى) أى: من حيث إنه روى لتلك القافية، فمعرفة صيغة القافية من الكلام السابق لا بد منها أيضا، فلا يرد أن معرفة الروى وهو النون فى الآية لا تدل على أن العجز يختلفون لجواز أن يكون مختلفون، ولو قال المصنف: إذا عرف الروى مع معرفة صيغة القافية لكان أوضح (قوله: فاعل يجعل) أى: نائب فاعل يجعل، أو على رأى الزمخشرى من أن نائب الفاعل عنده يقال له فاعل (قوله: متعلق بقوله: يدل) أى أن الإرصاد هو أن يؤتى قبل العجز بما يدل على شخصه أى: إذا وجد ذلك الشرط وهو معرفة الروى وصيغة القافية، فإن فقد ذلك الشرط لم توجد تلك الدلالة، وإن كان ذلك يسمى إرصادا، والحاصل أن الإرصاد لا بد فيه من الدلالة على مادة العجز، فإن عرف الروى وصيغة القافية وجب أن يدل على صيغته أيضا، وإن لم يعرف الروى انتفت تلك الدلالة (قوله: ويجب تكرره) أى: الروى فى كلّ منهما أى: من الأبيات والفقر (قوله: ما لا يعرف به العجز)

стр. 2056

فلو لم يعرف أن حرف الروى هو النون لربما توهم أن العجز فيما فيه اختلفوا، أو اختلفوا فيه، فالإرصاد فى الفقرة (نحو: وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١)، و) فى البيت (نحو قوله: === أى: باعتبار صورته ومادته لا باعتبار مجرد مادته، وإلا فقوله اختلفوا يدل على مادة الاختلاف (قوله: فلو لم يعرف) أى: فلو فرض أنه لم يعرف من الآية التى قبلها أن حرف الروى هو النون لربما توهم إلخ- ظاهره أنه لو عرف أن الروى حرف النون لفهم أن العجز يختلفون- وليس كذلك- لجواز أن يفهم أنه مختلفون، فالأولى أن يقول: فلو لم يعرف حرف الروى من حيث إنه روى لتلك القافية، إذ لا بد من العلم بصيغة القافية أيضا، ومثل هذه الآية قول الشاعر: أحلّت دمى من غير جرم وحرّمت ... بلا سبب يوم اللّقاء كلامى (٢) فليس الذى حللته بمحلّل ... وليس الّذى حرّمته بحرام فحرمته إرصاد يدل على أن العجز حرام إذا عرف أن الروى الميم، وأن القافية على وزن فعال كسلام وكلام، فلو لم يعرف أن القافية مثل سلام وكلام لربما توهم أن العجز بمحرم. (قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أى: فيظلمهم إرصاد؛ لأنه يدل على أن مادة العجز من مادة الظلم، إذ لا معنى لقولنا مثلا: وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم ينفعون أو يمنعون من الهلاك أو نحو ذلك، ويعين كون المادة من الظلم مختومة بنون بعد واو معرفة الروى الكائن فيما قبل الآية وهو قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣) (قوله: نحو قوله) أى: قول الشاعر وهو عمرو بن معد يكرب (٤)

стр. 2057

إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع (١) [المشاكلة]: (ومنه) أى: ومن المعنوى (المشاكلة، وهى ذكر الشىء بلفظ غيره لوقوعه) أى: ذلك الشىء (فى صحبته) أى: ذلك الغير ... === (قوله: إذا لم تستطع شيئا إلخ) أى: فقوله: إذا لم تستطع إرصاد؛ لأنه يدل على أن مادة العجز من مادة الاستطاعة المثبتة، إذ لا يصح أن يقال: إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما لا تستطيع، أو جاوزه إلى كل ما تشتهى، أو إلى فعل ما تعرض لك إرادته ولو كنت لا تستطيعه، أو نحو ذلك، والذوق السليم شاهد صدق على ذلك، ومعرفة الروى تدل على أن تلك المادة تختم بعين قبلها ياء، وليس ذلك إلا لفظ تستطيع وهو ظاهر. [المشاكلة]: (قوله: ذكر الشىء) أى: كالخياطة فى المثال الآتى (وقوله: بلفظ غيره) أى: كلفظ الطبخ لوقوع الخياطة فى صحبة الطبخ، وكما لو قيل لك: أسقيك ماء فقلت: بل اسقنى طعاما فقد ذكرت الإطعام بلفظ السقى لوقوعه فى صحبة السقى، ثم إن المتبادر من المصنف أن المشاكلة مجاز لغوى؛ لأنها كلمة مستعملة فى غير ما وضعت له لعلاقة بناء على أن اللام فى قوله: لوقوعه فى صحبته تعليلية، وأن الوقوع المذكور من العلاقات المعتبرة لرجوعها للمجاورة كما سيأتى بيانه، وعليه فقوله: ذكر الشىء بلفظ غيره شامل لجميع المجازات والكنايات (وقوله: لوقوعه فى صحبته) مخرج لما سوى المشاكلة، والقوم وإن لم ينصوا على أن الوقوع فى الصحبة من العلاقات فقد نصوا على ما يرجع إليه وهو المجاورة، فإن قلت: إن وقوع الشىء فى صحبة غيره متأخر عن الذكر فكيف يكون علة للذكر؟ قلت: المراد بالوقوع فى الصحبة قصد المتكلم الوقوع فى الصحبة، والقصد متقدم على الذكر، وقيل: المشاكلة قسم ثالث لا حقيقة ولا مجاز، أما كونها غير حقيقة فظاهر؛ لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له، وأما كونها غير مجاز فلعدم العلاقة المعتبرة؛ لأن الوقوع فى الصحبة ليس من العلاقة ولا يرجع إلى المجاورة المعتبرة

стр. 2058

=== علاقة؛ لأنها المجاورة بين مدلول اللفظ المتجوز به وبين مدلول اللفظ المتجوز عنه أى: تقارنها فى الخيال والمشاكلة ليست كذلك؛ لأن المشاكلة أن يعدل عن اللفظ الدال على المعنى المراد إلى لفظ غيره من غير أن يكون هناك مجاورة بين مدلولى اللفظين وتقارن بينهما فى الخيال فليس فيها إلا مجرد ذكر المصاحب بلفظ غير لاصطحابهما فى الذكر، ولو كان هذا القدر يكفى فى التجوز لصح التجوز فى نحو قولنا: جاء زيد وعمرو بأن يقال: جاء زيد وزيد مرادا به عمرو لوقوعه فى صحبته وهو لا يصح، ويمكن حمل المصنف على هذا القول بجعل اللام فى قوله: لوقوعه فى صحبته توقيتية أى: ذكر الشىء بلفظ غيره وقت وقوعه فى صحبته، وعلى هذا فخروج الكنايات والمجازات بهذا القيد ظاهر؛ لأن شيئا منها ليس من شأنه أن يذكر وقت صحبته للغير، وعلى هذا القول فمعنى الوقوع فى صحبة الغير أن ذلك الشىء وجد مصاحبا للغير بمعنى أنه ذكر هذا عند ذكر هذا، وليس المراد وقوعه فى صحبته فى قصد المتكلم كما يقوله الأول، واعلم أن القول بأن المشاكلة ليست حقيقة ولا مجازا هو ما ارتضاه العلامة ابن يعقوب وعبد الحكيم حيث قال: أقول بكونها مجازا ينافى كونها من المحسنات البديعية، وأنه لا بد فى المجاز من اللزوم بين المعنيين فى الجملة، والمعنيان فى المشاكلة تارة يكون بينهما علاقة من العلاقات المعتبرة فى المجاز: كإطلاق اسم السبب على جزء المسبب عنه المترتب عليه كما فى قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (١) فإن السيئة الأولى عبارة عن المعصية والثانية عبارة عن جزاء المعصية وبينهما علاقة السببية، فأطلق السبب وأريد المسبب، وتارة لا يكون بينهما علاقة كإطلاق الطبخ على خياطة الجبة والقميص، وأن فى المشاكلة نقل المعنى من لباس إلى لباس فإن اللفظ بمنزلة اللباس ففيها إيراد المعنى بصورة عجيبة فيكون محسنا معنويّا وفى المجاز نقل اللفظ من معنى لمعنى آخر، فلا بد من علاقة مصححة للانتقال والتغليب أيضا من هذا القسم، إذ فيه أيضا نقل المعنى من لباس إلى لباس لنكتة، ولذا كان البحث عنه من وظيفة المعانى، وإن صرح الشارح فيما سبق بكونه من باب

стр. 2059

(تحقيقا، أو تقديرا) أى: وقوعا محققا، أو مقدرا (فالأول نحو قوله: قالوا اقترح شيئا) من: اقترحت عليه شيئا: إذا سألته إياه من غير روية وطلبته على سبيل التكليف والتحكم، وجعله من: اقترح الشىء: ابتدعه- غير مناسب- على ما لا يخفى- (نجد) مجزوم على أنه جواب الأمر من الإجادة؛ وهى تحسين الشىء (لك طبخه ... قلت اطبخوا لى جبّة وقميصا) أى: خيطوا، وذكر خياطة الجبة بلفظ الطبخ لوقوعها فى صحبة طبخ الطعام (ونحو: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ (١)) ... === المجاز والحقيقة والمجاز والكناية أقسام للكلمة إذا كان المقصود استعمال الكلمة فى المعنى، وأما إذا كان المقصود نقل المعنى من لفظ للفظ آخر فهو ليس شيئا منها- انتهى. (قوله: تحقيقا) أى: بأن ذكر ذلك الشىء عند ذكر الغير (وقوله: أو تقديرا) أى: بأن ذكر الشىء عند حضور معنى الغير فيكون اللفظ الدالّ على الغير مقدرا والمقدر كالمذكور (قوله: أى وقوعا) دفع به ما يوهم أن قوله تحقيقا راجع للذكر. (قوله: فالأول) أى: فالقسم الأول من المشاكلة وهو ذكر الشىء بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته وقوعا محققا (قوله: إذا سألته) أى: تقول ذلك إذا سألته إلخ (وقوله: من غير روية) أى: تأمل فى حال المسئول (وقوله: وطلبته إلخ) تفسير (وقوله: على سبيل التكليف) أى: الإلزام (قوله: والتحكم) أى: الإلزام تفسير، وحينئذ فالمعنى اطلب ما شئت من المطبوخ طلبا إلزاميّا (قوله: ابتدعه) أى: حصله وأوجده أولا ومنه اقترح الكلام أى: ابتدعه وابتكره على غير مثال (قوله: غير مناسب) خبر عن قوله وجعله، وإنما كان غير مناسب؛ لأنه ينافيه قوله بعد: نجد لك طبخه أى: نحسن لك طبخ ذلك المسئول؛ وذلك لأنه على تقدير أن يكون اقترح مأخوذا من اقترح الشىء ابتدعه يصير المعنى ابتدع شيئا من الأطعمة المطبوخة وأوجده؛ نجد لك طبخه، ولا معنى لإيجاد المطبوخ ليطبخ وإن حمل على أن المعنى أوجد أصله ليطبخ نافاه السياق أيضا؛ لأن المراد: اطلب ما تريد من الأطعمة المطبوخة تعطاه، وليس المراد ائتنا بطعام نطبخه لك- قاله ابن يعقوب. (قوله: نجد) بضم النون وكسر الجيم مضارع متكلم (قوله: خيطوا) بكسر الخاء المعجمة وسكون الياء التحتية (قوله: ونحوه) أى: نحو هذا المثال فى كونه مشاكلة

стр. 2060

حيث أطلق النفس على ذات الله تعالى لوقوعه فى صحبة (نفسي). (والثانى) وهو ما يكون وقوعه فى صحبة الغير تقديرا (نحو) قوله تعالى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا إلى قوله صِبْغَةَ اللَّهِ) وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١) (وهو) أى: قوله: صِبْغَةَ اللَّهِ (مصدر) لأنه فعلة من صبغ كالجلسة؛ من جلس؛ وهى الحالة التى يقع عليها الصبغ (مؤكد ل آمَنَّا بِاللَّهِ أى: تطهير الله؛ ... === لوقوع الشىء فى صحبة غيره تحقيقا (قوله: حيث أطلق النفس إلخ) فالمراد ولا أعلم ما فى ذاتك، والحاصل أن النفس تطلق بمعنى الذات وبمعنى الروح، وحينئذ فلا يجوز إطلاقها عليه تعالى ولو بالمعنى الأول إلا على سبيل المشاكلة للإيهام، فإن قلت: قد ورد فى الحديث أنت كما أثنيت على نفسك وفى الآية وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ (٢) وكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (٣) قلت: وإن أطلق من غير مشاكلة فى ذلك لا يجوز الإطلاق من غير مشاكلة فى غير ما ورد، والحق أنه يجوز إطلاق النفس على الذات من غير مشاكلة، وليس فى الآية مشاكلة؛ لأن اللفظ أطلق على معناه لا على غيره لمصاحبته له فى اللفظ- ا. هـ من ابن يعقوب. ولك أن تقول: إن فى الآية مشاكلة على كل من القولين بناء على أن المراد من نفسه تعالى علمه لا ذاته وأن الظرفية مجازية- فتأمل. (قوله: فى صحبة الغير) أى: كصبغتنا وصبغتكم فى حل الآية الآتى (قوله: صِبْغَةَ اللَّهِ) منصوب بعامل محذوف وجوبا دل عليه قوله آمَنَّا بِاللَّهِ تقديره صبغنا الله بالإيمان صبغة أى: طهرنا تطهيرا (قوله: لأنه فعلة) أى: لأن وزنه فعلة بكسر الفاء وسكون العين (قوله: وهى) أى: الصبغة، (وقوله: الحالة) أى: الهيئة المخصوصة، (وقوله: التى يقع عليها) أى: يتحقق فيها مطلق المصدر الذى هو مطلق الصبغ من تحقق العام فى الخاص (قوله: لامنا بالله) أى: العامل دل عليه آمنا (قوله: أى تطهير الله) بإضافة تطهير

стр. 2061

لأن الإيمان يطهر النفوس) فيكون آمنا مشتملا على تطهير الله لنفوس المؤمنين، ودالّا عليه فيكون صِبْغَةَ اللَّهِ بمعنى: تطهير الله مؤكدا لمضمون قوله: آمَنَّا بِاللَّهِ ثم أشار إلى وقوع تطهير الله فى صحبة ما يعبر عنه بالصبغ تقديرا قوله: (والأصل فيه) أى: فى هذا المعنى- وهو ذكر التطهير بلفظ الصبغ (أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم فى ماء أصفر يسمونه: المعمودية، ... === إلى الله تفسير لصبغة الله ولم يقدمه على (قوله: مؤكد) لئلا يكون فيه فصل بين الصفة والموصوف، ثم إن إطلاق مادة الصبغ على التطهير من الكفر مجاز بالاستعارة؛ لأنه شبه التطهير من الكفر بالإيمان بصبغ المغموس فى الصبغ الحسى بجامع ظهور أثر كل منهما على ظاهر صاحبه فيظهر أثر التطهير على المؤمن حسّا ومعنى بالعمل الصالح والأخلاق الطيبة كما يظهر أثر الصبغ على صاحبه، ولا ينافى ذلك كونه مشاكلة- ا. هـ يعقوبى. (قوله: لأن الإيمان إلخ) علة لمؤكد (قوله: مشتملا على تطهير الله إلخ) أى: من اشتمال الملزوم على لازمه (قوله: لمضمون) أى: لما تضمنه قوله آمنا بالله وهو الفعل الذى قدرناه (قوله: ثم أشار إلى وقوع إلخ) أى: ثم أشار إلى وجه وقوع التطهير المعبر عنه بصبغة الله فى صحبة ما يعبر عنه أى: المعنى الذى يعبر عنه بلفظ الصبغ وهو الغمس فقال: والأصل فيه إلخ، ولو قال المصنف بدل قوله: والأصل فيه، وبيان ذلك أى: وبيان المشاكلة فى هذه الآية كان أظهر (قوله: تقديرا) أى: وقوعا مقدرا (قوله: يغمسون) أى: يدخلون أولادهم فهذا الغمس يستحق أن يقال له صبغة؛ لأن الماء الأصفر شأنه أن يغير لون ما أدخل فيه إلا أنه لم يذكر ذلك اللفظ دالّا على ذلك المعنى فى الآية إلا أننا نفرض أنه وجد ذلك اللفظ دالّا على هذا المعنى (قوله: فى ماء أصفر) أى: بشىء يجعلونه فيه كالزعفران يوكل بذلك القسيس منهم ويضع فيه الملح لئلا يتغير بطول الزمان فتغتر عامتهم بعدم التغير، ويقولون: إن ذلك بركة القسيس كما يغترون بإظهاره الزهد فجعلوا استغفاره موجبا للمغفرة وفوضوا إليه أمر النساء فيباشر أسرارهن إن شاء وهم راضون بذلك (قوله: يسمونه) أى ذلك الماء المعمودية اسم للماء الذى غسل به عيسى- ﵇ ثالث ولادته، ثم إنهم مزجوه بماء آخر، فكلما أخذوا منه شيئا

стр. 2062

ويقولون: إنه) أى: الغمس فى ذلك الماء (تطهير لهم) فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال: الآن صار نصرانيّا حقّا؛ فأمر المسلمون بأن يقولوا للنصارى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا؛ هذا إذا كان الخطاب فى قوله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ للكافرين، وإن كان الخطاب للمسلمين فالمعنى: أن المسلمين أمروا بأن يقولوا: صبغنا الله تعالى بالإيمان صبغة، ولم نصبغ صبغتكم أيها النصارى (فعبر عن الإيمان بالله ب صِبْغَةَ اللَّهِ للمشاكلة) لوقوعه فى صحبة صبغة النصارى تقديرا (بهذه القرينة) الحالية التى هى سبب النزول من غمس النصارى أولادهم فى الماء الأصفر، وإن لم يذكر ذلك لفظا. === صبوا عليه ماء آخر بدل ما أخذ وهو باق إلى الآن (قوله: ويقولون إنه تطهير لهم) أى: من كل دين يخالف دينهم أى: إنهم يعتقدون ذلك. (قوله: صار نصرانيّا حقّا) أى: لأنه تطهر من سائر الأديان المخالفة لدينهم (قوله: فأمر المسلمون إلخ) أمر المسلمين مفهوم من السياق (قوله: قولوا) أى: يا نصارى إن أردتم التطهير الحقيقى (قوله: وصبغنا الله بالإيمان) أى: غمسنا فى الإيمان الذى هو كالماء الطهور من صبغ يده فى الماء غمسها فيه (قوله: بأن يقولوا) أى: للكافرين (قوله: ولم نصبغ صبغتكم) هذا هو اللفظ المقدر (قوله: فعبر عن الإيمان بالله) أى: التطهير الحاصل بالإيمان بالله بصبغة الله؛ لأن المعبر عنه بالصبغة هو التطهير الحاصل بالإيمان كما مر، والحاصل أن الصبغ ليس بمذكور فى كلام الله ولا فى كلام النصارى، ولكن لما كان غمسهم أولادهم فى الماء الأصفر يستحق أن يسمى صبغا وإن لم يتكلموا بذلك حين الغمس، والآية نازلة فى سياق ذلك الفعل صار كأن لفظ الصبغ مذكور (قوله: للمشاكلة) أى: لمناسبة المعنى المعبر عنه والمعنى الذى يستحق أن يعبر عنه بلفظ الصبغة- ا. هـ يس. وهذا مثل ما لو رأيت إنسانا يغرس شجرا، وقلت لآخر: اغرس إلى الكرام- هكذا- وتريد ب اغرس: اصنع المعروف إلى أهل المعروف وعبرت عن الصنع بالغرس

стр. 2063

=== لمصاحبته للغرس الحاضر ولو لم يذكر، فكأنك قلت: هذا يغرس الأشجار فاغرس أنت الإحسان مثله، فإن قدرته مجازا للتشبيه فى رجاء النفع كان مجازا للتشبيه ومشاكلة للصحبة، وإن لم تقدره كان مشاكلة محضة، وكذا يقال فى كل مشاكلة- ألا ترى أنك لو اعتبرت فى المثال السابق أن الطبخ الحقيقى شبه به النسج فى الرغبة والحاجة، فإنه يكون مجازا باعتبار التشبيه، ومشاكلة باعتبار المصاحبة؛ لأن قرينة الحال التى هى سبب النزول من غمس النصارى أولادهم فى الماء الأصفر دلت على ذلك كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان تريد رجلا يصطنع الكرام. ومنه الاستطراد: وهو الانتقال من معنى إلى معنى آخر متصل به لم يقصد بذكر الأول التوصل إلى ذكر الثانى كقول الحماسى: وإنا لقوم ما نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول (*) وقول الآخر: إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس وإن كان من جرم (**) وعليه قوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١) قال الزمخشرى: هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر السوآت وخصف الورق عليها إظهارا للمنة فيما خلق الله من اللباس ولما فى العرى وكشف العورة من المهانة والفضيحة وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى هذا أصله، وقد يكون الثانى هو المقصود فيذكر الأول قبله ليتوصل إليه كقول أبى إسحاق الصابى: إن كنت خنتك فى المودة ساعة ... فذممت سيف الدولة المحمودا وزعمت أنّ له شريكا فى العلا ... وجحدته فى فضله التوحيدا قسما لو انى حالف بغموسها ... لغريم دين ما أراد مزيدا

стр. 2064

[المزاوجة]: (ومنه) أى: ومن المعنوى (المزواجة، وهو أن يزاوج) أى: توقع المزواجة على أن الفعل مسند إلى ضمير المصدر، أو إلى الظرف- أعنى قوله: (بين معنيين فى الشرط والجزاء) والمعنى: يجعل معنيان واقعان فى الشرط والجزاء مزدوجين فى أن يرتب على كلّ منهما معنى مرتب على الآخر ... === [المزاوجة]: (قوله: وهى أن يزاوج بين معنيين) يصح كسر الواو من يزاوج على أنه مبنى للفاعل، وحينئذ فالفاعل ضمير يعود على المتكلم ويصح فتح الواو على أن الفعل مبنى للمفعول، وعليه فنائب الفاعل إما ضمير يعود على المصدر المفهوم من الفعل والمعنى هو أن يزاوج الزواج أى: أن يوقع المزواجة؛ لأن الفعل المبنى للمفعول إذا لم يكن له مفعول جعل المصدر نائب الفاعل، وأما الظرف على قول من قال: إن بين ظرف متصرف غير ملازم للنصب على الظرفية كما فى قوله تعالى: لقد تقطع بينكم برفع بين وإلا فقد شرط فى الظرف إذا وقع نائب فاعل تصرفه، وإما أن تكون بين زائدة ومعنيين نائب الفاعل ولا يجوز قراءته على صيغة الخطاب كما فى: عبد الحكيم، خلافا لما فى يس من إجازته. (قوله: واقعان فى الشرط إلخ) أفاد بهذا أن قول المصنف فى الشرط والجزاء حال من معنيين أو صفة له وأن ما وقعت فيه المزاوجة محذوف، ثم لا يخفى أن المعنيين هما معنى الشرط والجزاء، فالشرط نهى الناهى ونهيه هو المعنى الأول والجزاء أصاخت إلى الواشى، والمعنى الثانى الإصاخة للواشى، وحينئذ فالظرفية فى قوله واقعان فى الشرط والجزاء من ظرفية المدلول فى الدال- كذا قرر شيخنا العدوى، وعبارة ابن يعقوب: المراد بجعل المعنيين واقعين فى الشرط والجزاء أن يقع أحد ذينك المعنيين فى مكان الشرط بأن يؤتى به بعد أداته وأن يقع الآخر فى موضع الجزاء بأن ربط بالشرط وسيق جوابا له (قوله: مزدوجين) أى: مستويين فى أن يرتب إلخ، وحاصله أن معنى ازدواج المعنيين الواقع أحدهما شرطا، والآخر جزاء أن يجمع بينهما فى بناء معنى من المعانى على كل

стр. 2065

(كقوله: إذا ما نهى الناهى) ومنعنى عن حبها (فلجّ بى الهوى) لزمنى (أصاخت إلى الواشى) أى: استمعت إلى النمام الذى يشى حديثه ويزينه، وصدقته فيما افترى على (فلجّ بها الهجر) زاوج بين نهى الناهى، وإصاختها إلى الواشى الواقعين فى الشرط والجزاء فى أن رتب عليهما لجاج شىء، وقد يتوهم ... === منهما فإذا بنى معنى على كل منهما فقد ازدوجا أى: اجتمع ذلك الشرط وذلك الجزاء فى ذلك المعنى الذى بنى عليهما (قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو البحترى (قوله: إذا ما نهى الناهى) (١) أى: إذا نهانى الناهى عن حبها وزجرنى الزاجر عن التوغل فى ودها (قوله: لزمنى) أى: صار الهوى لازما لى ومن صفاتى وأصل اللجاج كثرة الكلام والخصومة والتزامها وإدامتها معبر به عن مطلق اللزوم الصادق بلزوم الهوى مجازا مرسلا من التعبير باسم المقيد عن المطلق (قوله: فلج) عطف على نهى وجواب الشرط أصاخت، وقوله فلج: بها عطف عليه (قوله: أصاخت إلى الواشى) قيل: الصواب رواية ودراية: أصاخ إلى الواشى فلجّ به الهجر بالتذكير؛ لأن قبله كأنّ الثّريّا علّقت بجبينه ... وفى نحره الشّعرى وفى خدّه البدر وفى شرح البيتين أن فى قوله: فلج بى الهوى، وكذا فى قوله فلج بها الهجر قلبا؛ لأن اللجاج من العاشق فى العشق لا من العشق فى العاشق ومن المعشوق فى الهجر لا من الهجر فى المعشوق- ا. هـ فنرى. فالمعنى فلججت فى الهوى ولجت فى الهجر (قوله: الذى يشى حديثه) مضارع وشى يشى من الوشى وهو التزيين، فقوله ويزينه أى: بأن يأتى به على وجه يقبل عطف تفسير والمراد باستماعها لحديث الواشى قبولها له من إطلاق اسم السبب على المسبب (قوله: فلج بها الهجر) أى: لزمها ذلك وصار من صفاتها (قوله: لجاج شىء) أى: لزوم شىء وإن كان اللازم للشرط هو الهوى، واللازم للجواب هو الهجر ولا يخفى

стр. 2066

من ظاهر العبارة أن المزاوجة هى أن يجمع بين معنيين فى الشرط ومعنيين فى الجزاء كما جمع فى الشرط بين نهى الناهى ولجاج الهوى، وفى الجزاء بين إصاختها إلى الواشى ولجاج الهجر؛ وهو فاسد إذ لا قائل بالمزواجة فى مثل قولنا: إذ جاءنى زيد فسلم على أجلسته، وأنعمت عليه؛ وما ذكرنا هو المأخوذ من كلام السلف. === ما فى ترتب لجاج الهوى على النهى من المبالغة فى الحب لاقتضائه إن ذكرها ولو على وجه العيب يزيد حبها ويثيره كما قال: (١) أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى الّلوّم وما فى ترتب لزوم الهجران على وشى الواشى من المبالغة فى ضعف حبها، وأنه على شفا إذ يزيله مطلق الوشى فكيف يكون الأمر لو سمعت أو رأت عيبا كما قال: ولا خير فى ودّ ضعيف تزيله ... هواتف وهم كلّما عرضت جفا والمبالغتان مما يستحسن فى كل من المحب والمحبوب، فمن شأن العاشق أن يوصف بمثل ما ذكر ومن شأن المعشوق أن يوصف بالعكس تحقيقا لمعنى العشق، وإلا كان مكافأة ومجازاة فى الود فلا يكون من العشق فى شىء. (قوله: من ظاهر العبارة) أى: لأن ظاهرها أن قوله فى الشرط والجزاء ظرف ليزاوج (قوله: إذ لا قائل إلخ) أى: لأنه لا بد فيها أن يكون المرتب على المعنيين الواقعين فى الشرط والجزاء واحدا وهنا المرتب على المجىء غير المرتب على الإجلاس (قوله: إذا جاءنى إلخ) أى: فقد جمع هنا بين معنيين فى الشرط وهما مجىء زيد وسلامه عليه ومعنيين فى الجزاء وهما إجلاسه وإنعامه عليه ومن جملة أمثلتها قول الشاعر: إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكّرت القربى ففاضت دموعها (٢) احتربت بمعنى تحاربت والضمير فى تحاربت وفى دماؤها وفى دموعها للفرسان فى البيت السابق، والمعنى: إذا تحاربت هذه الفرسان وتقاتلوا فاضت دماؤها التى سكبوها فى القتال، ثم إذا تذكرت ما بينهم من القرابة الجامعة لهم فاضت دموعها على

стр. 2067

العكس: (ومنه) أى: ومن المعنوى (العكس) والتبديل (وهو أن يقدم جزء من الكلام على جزء) آخر (ثم يؤخر) ذلك المقدم على الجزء المؤخر أولا، والعبارة الصريحة ما ذكره بعضهم؛ وهو أن تقدم فى الكلام جزءا ثم تعكس فتقدم ما أخرت، وتؤخر ما قدمت، وظاهر عبارة المصنف ... === من قتل إشفاقا على قطيعة الرحم أى: إنهم مع كونهم أقارب تحاربوا وتقاتلوا، فزاوج بين الاحتراب وتذكر القربى الواقعين فى الشرط والجزاء فى ترتب فيضان شىء عليهما، وأن المترتب على الشرط فيضان الدماء والمترتب على الجزاء فيضان الدموع. [العكس]: (قوله: والتبديل) عطف تفسير وإنما كان العكس من المحسنات المعنوية؛ لأن فيه عكس المعنى وتبديله أولا، ثم يتبعه وقوع التبديل فى اللفظ بخلاف رد العجز على الصدر فإنه إيراد اللفظين أحدهما فى أول الكلام والثانى فى آخره كما فى قوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ (١) فلذا كان من المحسنات اللفظية- كذا ذكر عبد الحكيم. وحاصله أن الحسن فى العكس باعتبار أنه يجعل المعنى الواحد تارة مستحقا لتقديم لفظه، وتارة مستحقا لتأخيره، بخلاف رد العجز على الصدر فإن الحسن فيه باعتبار جعل اللفظ صدرا وعجزا من غير تصرف فى معناه بالتقديم والتأخير (قوله: أن يقدم جزء من الكلام) أراد بالجزء الكلمة دون الحروف فيخرج القلب الآتى نحو: مودّته تدوم لكلّ هول ... وهل كلّ مودّته تدوم (٢) لأن فيه تقديم حروف ثم عكسها- ا. هـ أطول. (قوله: والعبارة الصريحة ما ذكره بعضهم) أى: بخلاف عبارة المصنف، فإنها محتملة لغير المراد؛ لأن قوله: ثم يؤخر ذلك المقدم محتمل؛ لأن يكون المراد، ثم يؤخر ذلك المقدم على ذلك الجزء المؤخر، ويحتمل ثم يؤخر ذلك المقدم على غير الجزء المؤخر،

стр. 2068

صادق على نحو: عادات السادات أشرف العادات وليس من العكس. (ويقع) العكس (على وجوه، منها: ... === ويحتمل أن المراد ثم يؤخر ذلك المقدم على الجزء الذى كان مؤخرا أو على غيره، فلذا قال الشارح: وظاهر عبارة المصنف صادق إلخ أى: ظاهرها بدون التأويل الذى قاله الشارح: وإلا فبالتأويل الذى قاله الشارح يخرج ذلك (قوله: صادق على نحو إلخ) أى: لأنه قد قدم جزء من الكلام وهو عادات على جزء آخر وهو السادات، ثم أخر ذلك المقدم؛ لأن ظاهره يؤخر ذلك المقدم سواء أخر على الجزء الذى كان مؤخرا أولا أو على غيره وصادق أيضا على قوله تعالى: وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه لأنه قدم جزء من الكلام وهو تخشى على جزء آخر وهو الناس، ثم أخر الأول وهو تخشى وصادق على قول الشاعر: سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه ... وليس إلى داعى النّدى بسريع (١) (قوله: وليس من العكس) بل هو من رد العجز إلى الصدر، والحاصل أنك إذا قدمت جزءا من الكلام على جزء آخر ثم عكست فقدمت ما أخرت وأخرت ما قدمت كان هذا عكسا وتبديلا، وهو يستلزم تكرار الجزأين الواقع فيهما العكس بالتقديم والتأخير، وإن قدمت جزءا من الكلام على جزء آخر ثم أخرت المقدم على غير المؤخر كان هذا من رد العجز إلى الصدر، وهو لا يقتضى تكرار الجزأين معا. (قوله: ويقع العكس على وجوه) أى: يجىء من مجىء العام فى الخاص، أى: يتحقق فى تلك الوجوه. (قوله: أن يقع بين أحد طرفى جملة وما أضيف إليه ذلك الطرف) وذلك بأن تعمد إلى المبتدأ مثلا وهو أحد طرفى الجملة الخبرية، إذا كان ذلك المبتدأ مضافا لشىء، فتجعله مضافا إليه وتجعل المضاف إليه أولا هو المضاف، على أن ذلك المضاف هو الطرف الآخر الذى هو الخبر، فيصدق أنه وقه العكس فى أحد طرفى الجملة باعتبار

стр. 2069

أن يقع بين أحد طرفى جملة، وما أضيف إليه ذلك الطرف؛ نحو: عادات السادات سادات العادات) فالعادات أحد طرفى الكلام، والسادات مضاف إليه ذلك الطرف، وقد وقع العكس بينهما بأن قدم أولا العادات على السادات، ثم السادات على العادات. (ومنها) أى: من الوجوه (أن يقع بين متعلقى فعلين فى جملتين؛ نحو: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (١)) فالحى والميت متعلقان ب يُخْرِجُ، وقد قدم أولا الْحَيَّ على الْمَيِّتِ، وثانيا: الْمَيِّتِ على الْحَيَّ (ومنها) أى: من الوجوه (أن يقع بين لفظين فى طرفى جملتين؛ نحو لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ (٢)) قدم أولا هُنَّ على هُمْ، وثانيا هُمْ على هُنَّ؛ وهما لفظان ... === الآخر (فقوله: أن يقع بين إلخ) أى: أن يقع العكس متعلقا بهما، أى: بالطرف وما أضيف إليه لا أنه يقع بينهما، وقوله: أحد طرفى الجملة أى ويكون العكس هو الخبر فى تلك الجملة، كما فى المثال؛ ليكون إطلاق الجملة عليها باعتبار الأول؛ لأن العكس إنما وقع فى عادات السادات وهو مفرد، لكن لما عكس وحملنا عليه عكسه صار المجموع جملة. (قوله: عادات السادات سادات العادات) يعنى أن الأمور المعتادة للسادات أى للأكابر والأعيان من الناس أفضل وأشرف من الأمور المعتادة لغيرهم من الناس. (قوله: بين متعلقى فعلين) أى: أو ما فى معناهما نحو: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ (٣) وخروج الحى من الميت كخروج الدجاجة من البيضة، وخروج الميت من الحى كخروج البيضة من الدجاجة. (قوله: فى طرفى جملتين) أى: موجودين فى طرفى كل من جملتين (قوله: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) هاتان جملتان فى كل منهما ضميران أحدهما ضمير الذكور والآخر ضمير الإناث، ففى الجملة الأولى وجد ما للإناث منهما فى الطرف الأول الذى هو المسند إليه، ووجد ما للذكور

стр. 2070

وقع أحدهما فى جانب المسند إليه، والآخر فى جانب المسند. [الرجوع]: (ومنه) أى: ومن المعنوى (الرجوع، وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض) أى: بنقضه وإبطاله (لنكتة؛ ... === فى الطرف الثانى الذى هو المسند من تلك الجملة، وعكس ذلك فى الجملة الثانية، فوجد ما للذكر فى الطرف الأول منها وما للإناث فى الطرف الثانى منها، فصدق أن العكس وقع بين لفظين كائنين فى طرفى جملتين. (قوله: وقع أحدهما فى جانب المسند إليه) فيه أن هن فى لا هن حل لهم وهم فى ولا هم يحلون لهن نفس المسند إليه، إلا أنه واقع فى جانبه، فذلك التعبير يوهم وقوع الشىء فى نفسه، وهو فاسد، وأجاب بعضهم بأن التعبير بذلك فى جانب المسند إليه مشاكلة، والأحسن أن يقال: إن المراد بالوقوع بالنسبة للمسند إليه التحقق من تحقق العام فى الخاص، أى وهما لفظان تحقق أحدهما فى كونه مسندا إليه ووقع الآخر أى: وذكر الآخر فى جانب المسند فتأمل. [الرجوع]: (قوله: وهو العود) أى: الرجوع (قوله: بالنقض) الباء للمصاحبة أى: أن يرجع المتكلم إلى الكلام السابق مستصحبا فى رجوعه إليه نقصه وإبطاله، ويحتمل أن تكون للتعليل، أى أن يرجع إليه لأجل نقضه وإبطاله بكلام آخر. (قوله: لنكتة) متعلق بالعود أى: أن الرجوع لنقض الكلام السابق إنما يكون من البديع إذا كان ذلك النقض لنكتة، وأما إذا عاد المتكلم لإبطال الكلام الأول لمجرد كونه غلطا فلا يكون من البديع، والعود بالنقض لنكتة، لأمور: لأجل التحير والتوله: أى: الدهش أو لأجل إظهار التحسر والتحزن على ما فات، فإذا كان الإنسان متولها بحب شىء صار كالمغلوب على عقله، فربما ظن أن الشىء واقع وليس بواقع، فإذا أخبر بشىء على خلاف الواقع لكونه مرغوبا له ثم عاد لإبطاله بالإخبار بالحقيقة، يظهر من ذلك أنه عائد إلى الصدق كرها وفى ضمن ذلك التأسف على فوات ما رغب فيه، ثم إن العود لإبطال الكلام السابق تارة يكون بلفظ بلى وتارة يكون بلفظ لا وتارة يكون بلفظ استغفر الله.
следующие страницы →