فهو مع أنه مخالف لصريح كلام المصنف فى الإيضاح ليس بشىء؛ لأن حديث انتطاق الجوزاء أعنى الحالة الشبيهة بذلك ثابت بل محسوس والأقرب أن يجعل لو هاهنا مثلها فى قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (١) أعنى الاستدلال بانتفاء الثانى على انتفاء الأول فيكون الانتطاق علة كون نية الجوزاء خدمة الممدوح أى دليلا عليه
===
الحقيقى
(قوله: فهو مع أنه إلخ) هذا رد لما قيل بوجهين الأول مخالفته لما فى الإيضاح، والثانى أن المراد بالانتطاق الحالة الشبيهة به لا الحقيقى كما ذكر هذا القائل
(قوله: مخالف لصريح كلام المصنف فى الإيضاح) أى: لأن كلامه صريح فى أن المعلل نية الخدمة، والعلة رؤية الانتطاق لا العكس كما ذكره هذا القائل
(قوله: لأن حديث انتطاق الجوزاء) الإضافة للبيان
(قوله: أعنى الحالة إلخ) أى: وحمل الانتطاق على الحقيقى مع قيام القرينة على إرادة خلافه وهو هيئة إحاطة النجوم بالجوزاء إحالة للدلالة عن وجهها فلا وجه له
(قوله: ثابت بل محسوس) أى: فلا يكون من هذا الضرب
(قوله: والأقرب) أى: فى تخريج هذا البيت، وحاصل ما ذكره الشارح أن لو هنا ليست لامتناع الجواب لامتناع الشرط كما هو الشائع فيها، بل للاستدلال بانتفاء الجزاء على انتفاء الشرط؛ لأن الشرط علّة فى الجزاء فيصح الاستدلال بوجود الجزاء على وجود الشرط وبعدمه على عدمه؛ لأن وجود المعلول يدل على وجود علته وعدم وجود المعلول يدل على عدم علته، فالشاعر جعل الانتطاق دليلا لنية خدمة الجوزاء للممدوح فاستدل بوجود الانتطاق فى الخارج على وجود نية الخدمة، والحاصل أن الشاعر كأنه ادعى دعوة وهى أن الجوزاء قصدها خدمة الممدوح، واستدل على ذلك بدليل وهو لو لم يكن قصدها الخدمة، لما كانت منطقة، لكن كونها غير منتطقة باطل لمشاهدة انتطاقها فبطل المقدم وهو لم يكن قصدها الخدمة فيثبت نقيضه وهو المطلوب
(قوله: أعنى الاستدلال بانتفاء الثانى) وهو عدم رؤية الانتطاق وانتفاؤه يكون برؤية الانتطاق، (وقوله: على انتفاء الأول) أى: وهو عدم نية الجوزاء خدمته وانتفاؤه يكون بنيتها خدمته؛ لأن نفى النفى إثبات، فصح قول الشارح: فيكون الانتطاق إلخ
(قوله: فيكون الانتطاق علة كون نية الجوزاء خدمة الممدوح أى: دليلا عليه) أى: كما أن انتفاء الفساد فى الآية دليل
стр. 2137
وعلة للعلم مع أنه وصف غير ممكن (وألحق به) أى بحسن التعليل (ما بنى على الشك) ولم يجعل منه؛ لأن فيه ادعاء وإصرارا والشك ينافيه ...
===
على انتفاء تعدد الآلهة، فانتفاء الثانى دليل على انتفاء الأول، وكذلك وجوده دليل على وجوده وإن كان الأول علة فى وجود الثانى؛ وذلك لأن الثانى مسبب عن الأول ولازم له ووجود المسبب يدل على وجود السبب، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم
(قوله: وعلة للعلم) أى: بوجوده فالعلة كما تطلق على ما يكون سببا لوجود الشىء فى الخارج تطلق على ما يكون سببا لوجود العلم به ذهنا، فالانتطاق وإن كان معلولا ومسببا عن نية الخدمة فى الخارج يجعل علة للعلم بوجود النية أى: دليلا عليه ويمكن حمل كلام المصنف فى الإيضاح على هذا بأن يقال: قوله قصد إثباتها بالعلة وهى انتطاق الجوزاء مراده بالعلة الدليل، وحينئذ فلا يتوجه عليه ما ذكره الشارح من البحث، تأمل.
(قوله: مع أنه) أى: ذلك الوصف وهو كون نية الجوزاء الخدمة، والحاصل أن العلة المذكورة فى الكلام لحسن التعليل قد يقصد كونها علة لثبوت الوصف ووجوده فى نفسه كما فى الضربين الأولين؛ لأن ثبوته معلوم وقد يقصد كونها علة للعلم به، وذلك إذا كان المستدل عليه مجهولا فتكون تلك العلة من باب الدليل وذلك كما فى الضربين الأخيرين لعدم العلم بثبوت الصفة، بل الغرض إثباتها والبيت المذكور هنا يصح أن يكون من الضرب الأول باعتبار، ومن الرابع باعتبار، فإذا جعلت نية خدمة الجوزاء للممدوح علة للانتطاق كان من الضرب الأول، وإن جعلت الانتطاق دليلا على كون الجوزاء نيتها خدمته كان من الضرب الرابع، وهذا ما سلكه المصنف
(قوله: ما بنى على الشك) أى: علة أتى بها على وجه الشك، بأن يؤتى فى الكلام مع الإتيان بتلك العلة بما يدل على الشك
(قوله: ولم يجعل منه) أى: ولم يجعل ما بنى على الشك من حسن التعليل حقيقة بل جعل ملحقا به
(قوله: لأن فيه) أى: فى حسن التعليل ادعاء أى لتحقق العلة (وقوله: وإصرارا) أى: على ادعاء التحقق؛ وذلك لأن العلة لما كانت غير مطابقة وأتى بها لإظهار أنها علة لما فيها من المناسبة المستعذبة لم يناسب فيها إلا الإصرار
стр. 2138
(كقوله: كأنّ السحاب الغرّ) جمع الأغر والمراد السحاب الماطرة الغزيرة الماء (غيّبن تحتها) أى تحت الربا (حبيبا فما ترقا) الأصل ترقأ بالهمز فخففت أى ما تسكن (لهنّ مدامع) علل على سبيل الشك نزول المطر من السحاب بأنها غيبت حبيبا تحت تلك الربا ...
===
على ادعاء التحقق
(قوله: كقوله) أى قول الشاعر وهو أبو تمام (١)
(قوله: كأن السحاب الغرّ) يطلق السحاب على الواحد وعلى الجمع لأنه اسم جنس وهو المراد به هنا بدليل وصفه بالجمع، وقيل: إنه جمع سحابة وعليه فوصفه بالجمع ظاهر
(قوله: جمع الأغر) الأغر فى الأصل الأبيض الجبهة والمراد به هنا مطلق الأبيض، أى كأن السحاب الأبيض أى كثير المطر لأن السحاب الممطر أكثر ما يكون أبيض
(قوله: غيّبن) أى دفنّ
(قوله: أى تحت الربا) أى المذكورة فى البيت قبله وهو قوله:
ربى شفعت ريح الصّبا بنسيمها ... إلى المزن حتّى جادها وهو هامع
الربا: جمع ربوة وهى التل المرتفع من الأرض، وقوله شفعت من الشفاعة، والنسيم يطلق على نفس الريح وعلى هبوبها وهو المراد هنا، والمزن وهى السحاب الأبيض، وضمير جادها للربا أى: حتى جاد المزن عليها أى: على تلك الربا والهامع من المزن السائل بكثرة، وقوله بعد ذلك: كأن السحاب الغر هى المزن فعدل فى البيت الثانى عن التعبير بالضمير لبيان معنى المزن
(قوله: بالهمز) أى: المضموم؛ لأنه فعل مضارع (وقوله: فخففت) أى الهمزة للضرورة بقلبها ألفا على غير قياس؛ لأن الهمزة التى تبدل ألفا شرط إبدالها قياسا سكونها، والحاصل أنه يقال: رقى يرقى كعلم يعلم بمعنى صعد ويقال رقأ يرقأ بالهمزة بمعنى سكن وهو المراد هنا، فلذا قال الشارح: الأصل ترقأ بالهمزة إلخ
(قوله: علل على سبيل الشك نزول المطر من السحاب) أى: على الربا (وقوله: بأنها) أى السحاب غيبت أى دفنت حبيبا تحت الربا فكأن الربا قبره، والسحاب تبكى فدموعها تهطل على ذلك القبر، والحاصل أن الشاعر يقول: أظن أو أشك أن السحاب غيبت حبيبا تحت الربا، فمن أجل ذلك لا تنقطع دموعها، فبكاؤها صفة عللت بدفن حبيب تحت
стр. 2139
فهى تبكى عليها
[التفريع]:
(ومنه) أى ومن المعنوى (التفريع وهو أن يثبت لمتعلق أمر حكم بعد إثباته) أى إثبات ذلك الحكم (لمتعلق له آخر) على وجه يشعر بالتفريع والتعقيب ...
===
الربا، ولما أتى بكأن أفاد أنه لم يجزم بأن بكاءها لذلك التغييب، فقد ظهر أنه علل بكاءها على سبيل الشك والظن بتغييبها حبيبا تحت الربا، ولا يخفى ما فى تسمية نزول المطر بكاء من لطف التجوز وبه حسن التعليل
(قوله: فهى) أى السحاب تبكى عليها أى تنزل دموعها على الربا لأجل الحبيب الذى تحتها.
[التفريع]:
(قوله: التفريع) بالعين المهملة وهو لغة جعل الشىء فرعا لغيره
(قوله: أن يثبت لمتعلق أمر حكم) أى أن يثبت أمر محكوم به على شىء بينه وبين أمر آخر نسبة، وتعلق بعد أن يثبت ذلك الحكم لمنسوب آخر لذلك الأمر، فالمتعلق فى الموضعين بفتح اللام، والمراد بالمتعلق النسبة والارتباط، وبالحكم المحكوم به (وقوله: لمتعلق له) أى كائن له، وآخر صفة لمتعلق، ففهم من التعريف أنه لا بد من متعلقين أى منسوبين لأمر واحد، كغلام زيد وأبوه فزيد أمر واحد وله متعلقان أى منسوبان أحدهما غلامه والآخر أبوه، ولا بد من حكم واحد يثبت لأحد المتعلقين وهما الغلام والأب بعد إثباته للآخر، كأن يقال: غلام زيد فرح ففرح أبوه، فالفرح حكم أثبت لمتعلقى زيد وهما غلامه وأبوه، وإثباته للثانى على وجه يشعر بتفريع الثانى على الأول
(قوله: على وجه يشعر بالتفريع) يعنى: أنه لا بد أن يكون إثبات الحكم للمتعلق الثانى على وجه يشعر بتفريعه على إثباته للأول، وذلك بأن يثبت الحكم ثانيا للمتعلق الثانى مع أداة ليست لمطلق الجمع، كأن يقال غلام زيد فرح كما أن أباه فرح، وغلام زيد راكب كما أن أباه راكب، وعلم من هذا أن المراد بالتفريع التبعية فى الذكر والتعقيب الصورى من غير أن يكون هناك أداة تفيد مطلق الجمع، سواء كان بأداة تفريع أم لا وليس المراد أن يكون ذلك الإثبات بأداة تفريع فقط، وإلا لم يكن البيت الذى ذكره المصنف من هذا النوع
(قوله: والتعقيب)
стр. 2140
احترازا عن نحو غلام زيد راكب وأبوه راكب (كقوله:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفى من الكلب
هو بفتح اللام شبه جنون يحدث للإنسان من عض الكلب ...
===
عطف تفسير (قوله واحترازا إلخ) أى وإنما أتى بهذا القيد لأجل الاحتراز عن نحو: غلام زيد راكب وأبوه راكب، ونحو: غلام زيد فرح وأبوه فرح، لعدم التفريع فى الإثبات للثانى وإن اتحد الحكم فيهما لأن الواو لمطلق الجمع، فما قبلها وما بعدها سيان فى التقدم لكل والتأخر للآخر كذا قرر شيخنا العدوى، هذا وفى بعض النسخ احتراز عن نحو غلام زيد راكب وأبوه راجل وفيه نظر، لأن تفسير التفريع المذكور يستدعى اتحاد الحكم للمتعلقين، وفى المثال المذكور حكمان مختلفان أثبتا لمتعلقى أمر، فالاحتراز عن هذا المثال ليس بقوله على وجه يشعر بالتفريع، بل بما علم من اشتراط اتحاد الحكم
(قوله: كقوله) أى الشاعر وهو الكميت (١) من قصيده يمدح بها آل البيت
(قوله: لسقام الجهل) بفتح السين أى لأمراض الجهل، وما فى قوله (كما دمائكم) زائد لا تمنع الجار من العمل، كما فى قوله تعالى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (٢) أى فبرحمة، فتكون الدماء هنا مجرورة بالكاف وما بعده أعنى جملة تشفى من الكلب فى موضع نصب على الحال ويجوز أن يكون الدماء مرفوعا على الابتداء وما بعده خبر، ووجه انطباق التعريف السابق على هذا البيت أن مدلول الكاف الذى هو الممدوحون وهم أهل البيت أمر واحد له متعلقان وهما: الأحلام أى العقول المنسوبة لهم، والدماء المنسوبة لهم، أثبت لأحد متعلقيه وهو الدماء الشفاء من الكلب بعد إثبات ذلك الحكم وهو الشفاء لمتعلق آخر وهو العقول، ولا يضر فى اتحاد الحكم كون الشفاء فى أحدهما منسوبا للكلب وفى الآخر للجهل لاتحاد جنس الحكم (قوله هو) أى الكلب بفتح اللام
(قوله: شبه جنون) أى داء يشبه الجنون
(قوله: من عض الكلب الكلب) الأول بسكون اللام والثانى بكسرها، والكلب الكلب فى الأصل: كلب عقور يعض الناس ويأكل لحمهم
стр. 2141
ولا دواء له أنجع من شرب دم ملك كما قال الحماسى: (١)
بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤكم من الكلب الشفاء
ففرع على وصفهم بشفاء أحلامهم من داء الجهل وصفهم بشفاء دمائهم من داء الكلب يعنى أنهم ملوك وأشراف وأرباب العقول الراجحة.
[تأكيد المدح بما يشبه الذم]:
(ومنه) أى ومن المعنوى (تأكيد المدح بما يشبه الذم ....
===
فيحصل له بسبب ذلك الكلب الذى هو داء يشبه الجنون، فيصير ذلك الكلب بعد ذلك كل من عضه يحصل له ذلك الداء بإذن الله تعالى
(قوله: ولا دواء له) أى لذلك الداء بعد ظهوره أنجع أى أنفع وأكثر تأثيرا فيه من شرب دم ملك، قيل بشرط كون ذلك الدم من إصبع من أصابع رجله اليسرى فتؤخذ منه قطرة على تمرة وتطعم للمعضوض يجد الشفاء بإذن الله، وقيل دم الملوك نافع لذلك الداء مطلقا أى من أى محل كان، ولهذا كانت الحكماء توصى الحجامين بحفظ دم الملوك لأجل مداواتهم هذا الداء به.
(قوله: بناة مكارم) البناة بضم الباء جمع بان، الأساة بضم الهمزة جمع آس وهو الطبيب مأخوذ من الأسى بالفتح والقصر وهو المداواة والعلاج، والكلم الجراحات والجمع كلوم، أى: أنتم الذين تبنون المكارم وترفعون أساسها بإظهارها، وأنتم الذين تؤاسون أى تطبقون الكلم أى جراحات القلوب وجراحات الفاقة وغيرها، وأنتم الذين دماؤكم تشفى من الكلب لشرفكم وكونكم ملوكا
(قوله: ففرع على وصفهم بشفاء أحلامهم من داء الجهل وصفهم بشفاء دمائهم من داء الكلب) قال الفنرى: أراد بالتفريع التعقيب الصورى والتبعية فى الذكر كما ينبئ عنه لفظ الوصف، لا أن شفاء الدماء من الكلب متفرع فى الواقع على شفاء أحلامهم لسقام الجهل، إذ لا تفريع بينهما فى نفس الأمر أصلا، فلا يرد أن التشبيه فى قوله (كما دماؤكم) يدل على أن أمر التفريع على عكس ما ذكره الشارح، إذ المشبه به أصل والمشبه فرع فلا حاجة إلى اعتبار
стр. 2142
وهو ضربان أفضلهما أن يستثنى من صفة ذمّ منفية عن الشىء صفة مدح) لذلك الشىء (بتقدير دخولها فيها) أى دخول صفة المدح فى صفة الذم ...
===
القلب، على أن الكاف فى مثله ليست للتشبيه بل لمجرد التعليل، كما قيل به فى قوله تعالى وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ (١) اه والحاصل أن المراد بتفرع الثانى على الأول، كونه ناشئا ذكره عن ذكر الأول حيث جعل الأول وسيلة للثانى أى كالتقدمة والتوطئة له، حتى إن الثانى فى قصد المتكلم لا يستقل عن ذكر الأول، وليس المراد بتفرعه عنه ترتبه عليه باعتبار الوجود الخارجى، إذ لا تفرع بينهما أصلا بهذا المعنى، خلافا لما فهمه بعضهم من أن المراد بتفرع الثانى عن الأول كونه مترتبا عليه وتابعا له فى الوجود ولو بحسب الادعاء، فيدعى هنا أن شرف العقل كاف فى ترتيب الشفاء من الكلب عليه، فورد عليه أن الكاف للتشبيه والمشبه به هو الأصل المتفرع عنه والمشبه هو الفرع، وحينئذ فالتشبيه يدل على أن أمر التفريع على عكس ما ذكره الشارح فأجاب بأن فى الكلام قلبا، والأصل دماؤكم تشفى من الكلب كما أن أحلامكم لسقام الجهل شافية، وهذا كله تكلف لا داعى له.
[تأكيد المدح بما يشبه الذم]:
(قوله: وهو ضربان) فيه: أن المناسب لقوله بعد ذكر الضربين ومنه ضرب آخر أن يقول هنا وهو ضروب، إلا أن يقال إنه رأى أن الضربين هما الأكثر والأشهر فلم يتعرض للآخر هنا
(قوله: أفضلهما) أى: أحسنهما
(قوله: صفة مدح) نائب فاعل يستثنى
(قوله: بتقدير إلخ) أى: وإنما يستثنى صفة المدح من صفة الذم بتقدير دخولها فيها، أى بسبب تقدير المتكلم أن صفة المدح المستثناة داخلة فى صفة الذم المنفية، وليس المراد بالتقدير ادعاء الدخول على وجه الجزم والتصميم، بل تقدير الدخول على وجه الشك المفاد بالتعليق؛ لأن معنى الاستثناء كما يأتى أن يستثنى صفة المدح من صفة الذم المنفية على تقدير، أى فرض دخولها فيها إن كانت عيبا، هذا إذا كانت الباء على أصلها للسبيبة، فلو جعلت بمعنى على، وأن المعنى وإنما تستثنى صفة المدح من صفة الذم
стр. 2143
(كقوله (١) ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم، بهنّ فلول) جمع فل وهو الكسر فى حد السيف (من قراع الكتائب) أى مضاربة الجيوش (أى إن كان فلول السيف عيبا فأثبت شيئا منه) أى من العيب (على تقدير كونه منه) أى كون فلول السيف من العيب (وهو) أى هذا التقدير وهو كون الفلول من العيب (محال) لأنه كناية عن كمال الشجاعة (فهو) أى إثبات شىء من العيب ...
===
على تقدير دخولها فيها، لأفادت أن التقدير على وجه التعليق الموجب لكونه على وجه الشك، فلا يحتاج للتنبيه على المراد- فافهم ا. هـ يعقوبى.
وإنما كان ما ذكر من تأكيد المدح؛ لأن نفى صفة الذم على وجه العموم حتى لا يبقى ذم فى المنفى عنه مدح، وبما تقرر من أن الاستثناء من النفى إثبات، كان استثناء صفة المدح بعد نفى الذم إثباتا للمدح، فجاء فيه تأكيد المدح، وإنما كان هذا التأكيد مشبها للذم وفى صورته؛ لأنه لما قدر الاستثناء متصلا وقدر دخول هذا المستثنى فى المستثنى منه كان الإتيان بهذا المستثنى لو تم التقدير وصح الاتصال ذمّا؛ لأن العيب منفى فإذا كان هذا عيبا كان إثباتا للذم، لكن وجد مدحا فهو فى صورة الذم وليس بذم
(قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو زياد بن معاوية الملقب بالنابغة الذبيانى نسبة لذبيان بالضم والكسر قبيلة من قبائل العرب
(قوله: من قراع) بكسر القاف بمعنى المضاربة، والكتائب بالتاء المثناة فوق جمع كتيبة وهى الجماعة المستعدة للقتال (فقوله: لا عيب فيهم) نفى لكل عيب ونفى كل عيب مدح، ثم استثنى من العيب المنفى كون سيوفهم مفلولة من مضاربة الكتائب، على تقدير كونه عيبا
(قوله: أى إن كان فلول السيف عيبا) جواب الشرط محذوف أى ثبت العيب وإلا فلا، وأما قوله: فأثبت شيئا منه فهذا كلام مستأنف بصيغة الماضى المبنى للمعلوم، وأى فقد أثبت الشاعر شيئا من العيب وهو فلول السيف على تقدير إلخ، وليس بصيغة المضارع على أنه جواب الشرط لركة ذلك لفظا ومعنى
(قوله: لأنه كناية عن كمال الشجاعة) أى: ومحال أن تكون الشجاعة صفة ذم، وإنما كان فلول السيوف كناية عن كمال الشجاعة؛ لأن فلول السيوف إنما يكون
стр. 2144
على هذا التقدير (فى المعنى تعليق بالمحال) كما يقال: حتى يبيض القار وحتى يلج الجمل فى سمّ الخياط (والتأكيد فيه) أى فى هذا الضرب (من جهة أنه كدعوى الشىء ببينة) لأنه علق نقيض المدعى وهو إثبات شىء من العيب بالمحال والمعلق بالمحال محال فعدم العيب محقق (و) من جهة ...
===
من المضاربة عند ملاقاة الأقران فى الحروب، وذلك لازم لكمال الشجاعة، فأطلق اسم اللازم وأراد الملزوم
(قوله: على هذا التقدير) أى: وهو كون الفلول من العيب.
(قوله: تعليق بالمحال) أى تعليق على محال فى المعنى، والمعلق على المحال محال، وإنما قال فى المعنى لأنه ليس فى اللفظ تعليق، فقوله لا عيب فيهم غير أن سيوفهم إلخ فى معنى لا عيب فيهم أصلا إلا الشجاعة إن كانت عيبا، لكن كون الشجاعة عيبا محال فيكون ثبوت العيب فيهم محالا
(قوله: كما يقال: حتى يبيض القار وحتى يلج الجمل فى سمّ الخياط) أى: أن مثل التعليق بالمحال الواقع فى البيت ما يقال لا أفعل كذا حتى يبيض القار أى الزفت، وحتى يلج الجمل أى وحتى يدخل الجمل فى سمّ الخياط أى فى ثقب الإبرة؛ لأنه فى تأويل الاستثناء المعلق؛ لأن المعنى لا أفعله على وجه من الوجوه إلا أن يثبت هذا الوجه وهو أن يبيض القار أو يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (١) وثبوت هذا الشرط محال، ففعل ذلك الشىء محال.
(قوله: والتأكيد فيه) أى: وتأكيد المدح فى هذا الضرب الذى هو استثناء صفة مدح من صفة ذم منفية على تقدير دخولها فيها
(قوله: من جهة أنه) أى: إثبات المدح فى هذا الضرب
(قوله: كدعوى الشىء ببينة) أى: كإثبات المدعى بالبينة أى الدليل؛ وذلك لأنه قد تقرر أن الاستدلال قد يكون بأن يقال: إن هذا الشىء لو ثبت ثبت المحال فإن الخصم إذا سلم هذا اللزوم لزم قطعا انتفاء ذلك الشىء فيلزم ثبوت نقيضه، وإذا كان نقيضه هو المدعى لزم إثباته بحجة التعليق بالمحال، والاستثناء الواقع فى هذا الضرب بمنزلة القول المذكور فى الصورة؛ لأن المتكلم علق ثبوت العيب الذى هو نقيض المدعى على كون المستثنى عيبا، وكونه عيبا محال والمعلق على المحال محال، فيكون
стр. 2145
(أن الأصل فى) مطلق الاستثناء هو (الاتصال) أى كون المستثنى منه بحيث يدخل فيه المستثنى على تقدير السكوت عنه وذلك لما تقرر فى موضعه من أن الاستثناء المنقطع مجاز وإذا كان الأصل فى الاستثناء الاتصال (فذكر أداته قبل ذكر ما بعدها) يعنى المستثنى (يوهم إخراج شىء) وهو المستثنى (مما قبلها) أى ما قبل الأداة وهو المستثنى منه (فإذا وليها) أى الأداة (صفة مدح) وتحول الاستثناء من الاتصال إلى الانقطاع (جاء التأكيد) ...
===
ثبوت العيب فيهم محالا فيلزم ثبوت نقيضه وهو عدم العيب الذى هو المدعى
(قوله: أن الأصل فى مطلق الاستثناء) أى: لا فى كل الاستثناء؛ لأن الأصل فى الاستثناء فى الضرب الثانى الانقطاع كما يأتى اه. يس.
(قوله: على تقدير السكوت عنه) أى: عن الاستثناء، فيكون ذكر المستثنى إخراجا له عن الحكم الثابت للمستثنى منه
(قوله: وذلك) أى وبيان ذلك أى وبيان كون الأصل فى مطلق الاستثناء الاتصال ما تقرر فى موضعه من أن الاستثناء المنقطع مجاز، ومن المعلوم أن المجاز خلاف الأصل والأصل الحقيقة، هذا وقد اشتهر فيما بينهم أن الاستثناء حقيقة فى المتصل مجاز فى المنقطع، وقد اختلف فى المراد من ذلك، فقيل: قولهم الاستثناء المنقطع مجاز، يريدون به أن استعمال أداة الاستثناء فى الاستثناء المنقطع مجاز، وأما إطلاق لفظ الاستثناء على المنقطع فهو حقيقة اصطلاحا كإطلاقه على المتصل، وقيل: بل المراد أن إطلاق لفظ الاستثناء على المنقطع مجاز أيضا
(قوله: فذكر أداته) الضمير فى أداته راجع للاستثناء، إلا أننا إن قلنا: إن المراد بالاستثناء أولا فى قوله: الأصل فى الاستثناء الاتصال الأداة كانت الإضافة فى أداته بيانية، أو أن الضمير فى أداته راجع للاستثناء بمعنى المستثنى منه على طريق الاستخدام، وإن قلنا: إن المراد بالاستثناء أولا لفظ الاستثناء كان الضمير فى أداته عائدا على أصل الاستثناء
(قوله: يعنى المستثنى) أى: يعنى بما بعدها المستثنى
(قوله: يوهم) أى يوقع فى وهم السامع أى فى ذهنه أن غرض المتكلم أن يخرج شيئا من أفراد ما نفاه قبلها ويريد إثباته، حتى يحصل فهم إثبات شىء من العيب.
(قوله: وتحول الاستثناء إلخ) المراد بتحوله من الاتصال إلى الانقطاع، ظهور أن المراد به الانقطاع فكأنه قال: فإذا ولى الأداة صفة مدح وظهر أن المراد بالاستثناء الانقطاع
стр. 2146
لما فيه من المدح على المدح والإشعار بأنه لم يجد صفة ذم يستثنيها فاضطر إلى استثناء صفة مدح وتحويل الاستثناء إلى الانقطاع (و) الضرب (الثانى) من تأكيد المدح بما يشبه الذم (أن يثبت لشىء صفة مدح وتعقب بأداة استثناء) أى بذكر عقيب إثبات صفة المدح لذلك الشىء أداة استثناء (تليها صفة مدح أخرى له) أى لذلك الشىء (نحو أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش) ....
===
بعد ما توهم الاتصال من مجرد ذكر الأداة
(قوله: لما فيه) أى لما فى الاستثناء من المدح أى من زيادة المدح على المدح، فالمدح الأول المزيد عليه جاء من نفى العيب على جهة العموم، حيث قال لا عيب فيهم، إذ من المعلوم أن نفى صفة الذم على وجه العموم حتى لا يبقى فى المنفى عنه ذم مدح، والمدح الثانى المزيد إشعار الاستثناء لصفة المدح بأنه لم يجد صفة ذم يستثنيها؛ لأن الأصل فى الإتيان بالأداة بعد عموم النفى استثناء الإثبات من جنس المنفى وهو الذم، فلما أتى بالمدح بعد الأداة فهم منه أنه طلب الأصل الذى ينبغى ارتكابه، فلما لم يجد ذلك الأصل الذى هو استثناء الذم اضطر إلى استثناء المدح، وحول الاستثناء عن أصله إلى الانقطاع
(قوله: فاضطر إلخ) أى لأجل تتميم الكلام، وإلا كان الكلام غير مفيد لأنه إذا قيل لا عيب فيهم غير لم يكن مفيدا.
(قوله: وتعقب) أى تلك الصفة بأداة استثناء
(قوله: تليها) أى تلى تلك الأداة وتأتى بعدها
(قوله: له) أى: كائنة لذلك الشىء الموصوف بالأولى وظاهره، سواء كانت الصفة الثانية مؤكدة للأولى ولو بطريق اللزوم كما فى المثال الأول، أو كانت غير ملائمة لها كما فى قوله الآتى (هو البدر إلا أنه البحر زاخرا) وذلك لأن تأكيد المدح يحصل بمجرد ذكر الصفة المدحية ثانيا، ولو لم تكن ملائمة للأولى لحصول المدح بكل منهما
(قوله: نحو أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش) (١) وجه تأكيد المدح فى هذا أن إثبات الأفصحية على جميع العرب تشعر بكماله، والإتيان بأداة الاستثناء بعدها يشعر
стр. 2147
بيد بمعنى غير وهو أداة استثناء (وأصل الاستثناء فيه) أى فى هذا الضرب (أيضا
===
بأنه أريد إثبات مخالف لما قبلها؛ لأن الاستثناء أصله المخالفة، فلما كان المأتى به كونه من قريش المستلزم لتأكيد الفصاحة، إذ قريش أفصح العرب جاء التأكيد، وإنما كان مدحا بما يشبه الذم؛ لأن أصل ما بعد الأداة مخالفته لما قبلها، فإن كان ما قبلها إثبات مدح كما هنا فالأصل أن يكون ما بعدها سلب مدح، وإن كان ما قبلها سلب عيب كما فى الضرب السابق الأصل فيما بعدها أن يكون إثبات عيب، وهو هنا ليس كذلك، فكان مدحا فى صورة ذم؛ لأن ذلك أصل دلالة الأداة اه. يعقوبى.
(قوله: بيد بمعنى غير) اعلم أن بيد تستعمل اسما بمعنى غير الاستثنائية فلا تكون مرفوعة ولا مجرورة بل منصوبة، ولا يكون الاستثناء بها متصلا بل منقطعا، وتستعمل حرف تعليل بمعنى من أجل، ومن الثانى قول الشاعر:
عمدا فعلت ذاك بيد أنّى ... أخاف إن هلكت أن ترنّى
أى تصوتى مأخوذ من الرنين وهو التصويت، فقول الشارح بيد بمعنى غير، أى بيد هنا فى هذا الحديث بمعنى غير، لأن صحة التمثيل به مبنية على ذلك، وأما على ما قاله ابن هشام فى المغنى من أن بيد فى هذا الحديث حرف تعليل بمعنى من أجل، والمعنى أنا أفصح العرب لأجل أنى من قريش، فلا يكون المثال من هذا الباب، ومعنى التعليل هنا أن له مدخلا فى ذلك لا أنه علة تامة (قوله وهو) أى غير أداة استثناء أى فبيد كذلك لأنه بمعناه.
(قوله وأصل الاستثناء فيه إلخ) هذا شروع فى بيان أن هذا الضرب إنما يفيد التأكيد من وجه واحد من الوجهين السابقين فى الضرب الأول، ليرتب على ذلك أن الضرب الأول أفضل من هذا الضرب، قيل الأولى حذف قوله وأصل ويقول والاستثناء فيه منقطع أيضا، إذ لا معنى للأصل هنا، ويدل لهذا قول الشارح، كما أن الاستثناء فى الضرب الأول منقطع ولم يقل كما أن الأصل فى الاستثناء فى الضرب الأول أن يكون منقطعا، وفى عبد الحكيم قوله وأصل الاستثناء فيه أى: الراجح الكثير الاستعمال فى هذا الضرب أن يكون المذكور بعد أداة الاستثناء غير داخل فيما قبلها، بأن يكون ما قبلها
стр. 2148
أن يكون منقطعا) كما أن الاستثناء فى الضرب الأول منقطع لعدم دخول المستثنى فى المستثنى منه وهذا لا ينافى كون الأصل فى مطلق الاستثناء هو الاتصال (لكنه) أى الاستثناء المنقطع فى هذا الضرب (لم يقدر متصلا) كما قدر فى الضرب الأول إذ ليس هنا صفة ذم منفية عامة يمكن تقدير دخول صفة المدح فيها وإذا لم يمكن تقدير الاستثناء متصلا فى هذا الضرب (فلا يفيد التأكيد ...
===
صفة خاصة وما بعدها كذلك، وفى تعبيره بالأصل إشارة إلى أنه قد يكون داخلا إلا أنه خلاف الأصل، نحو: فلان له جميع المحاسن أو جمع كل كمال إلا أنه كريم، وأما فى الضرب الأول فلكون ما قبل الأداة صفة منفية والمستثنى صفة مدح يكون غير داخل فيما قبلها البتة، لكنه قدر دخوله ليصير متصلا فيفيد التأكيد من وجهين انتهى وعلى هذا فالأيضية راجعة للاستثناء فيه لا لأصالته.
(قوله أن يكون منقطعا) أما الانقطاع فى الضرب الأول فلأن محصله أن يستثنى من العيب خلافه، فلم يدخل المستثنى فى جنس المستثنى منه، وأما الانقطاع فى الثانى فلانتفاء العموم فى المستثنى منه فيه (قول وهذا) أى كون الأصل فى الاستثناء فى هذا الضرب الانقطاع لا ينافى كون الأصل فى مطلق الاستثناء الاتصال، لأن أصالة الانقطاع نظرا لخصوص هذا الضرب، وأصالة الاتصال نظرا لمطلق الاستثناء، وهذا كما يقال الأصل فى الحيوان أن يكون بصيرا والأصل فى العقرب أن تكون عمياء، فالحكم على الحيوان بأصالة البصر له لا ينافى الحكم على نوع منه بثبوت أصالة العمى له، وإذا علمت أنه لا منافاة بين كون الأصل فى مطلق الاستثناء الاتصال وكون الأصل فى الاستثناء الواقع فى هذا الضرب الانقطاع- تعلم أنه لا تنافى بين كلامى المصنف.
(قوله لكنه إلخ) لما كان الاستثناء فى الضربين منقطعا أراد أن يفرق بينهما فقال لكنه إلخ، وحاصل الفرق أن الضرب الأول يجوز فيه تقدير دخول ما بعد أداة الاستثناء فيما قبلها لكونه صفة عامة، والضرب الثانى لا يجوز فيه ذلك لعدم عموم الصفة التى قبل الأداة (قوله لم يقدر متصلا) أى بل بقى على حاله من الانقطاع (قوله إذ ليس هنا صفة ذم منفية عامة يمكن إلخ) أى وإنما هنا صفة خاصة فلا يمكن تقدير دخول شىء فيها.
стр. 2149
إلا من الوجه الثانى) وهو أن ذكر أداة الاستثناء قبل ذكر المستثنى يوهم إخراج شىء مما قبلها من حيث أن الأصل فى مطلق الاستثناء هو الاتصال فإذا ذكر بعد الأداة صفة مدح أخرى جاء التأكيد ولا يفيد التأكيد من جهة أنه كدعوى الشىء ببينة لأنه مبنى على التعليق بالمحال المبنى على تقدير الاستثناء متصلا (ولهذا) أى ولكون التأكيد فى هذا الضرب من الوجه الثانى فقط (كان) الضرب (الأول) المقيد للتأكيد من وجهين (أفضل ومنه) أى ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم (ضرب آخر) وهو أن ...
===
(قوله إلا من الوجه الثانى) أى من الوجهين المذكورين فى الضرب الأول (قوله وهو أن ذكر إلخ) حاصله أن الإخراج فى هذا الضرب من صفة المدح المثبته، فيتوهم قبل ذكر المستثنى أنه صفة مدح أريد إخراجها من المستثنى منه ونفيها على الموصوف، لأن الاستثناء من الإثبات نفى، فإذا تبين بعد ذكره أنه أريد إثباته له أيضا أشعر ذلك بأنه لم يمكنه نفى شىء من صفات المدح عنه فيجىء التأكيد
(قوله: المبنى على تقدير الاستثناء متصلا) وهو غير ممكن فى هذا لأن كلا من المستثنى والمستثنى منه صفه خاصة فلا يتصور شمول أحدهما للآخر، فلا يتصور الاتصال، فإذا قلنا لا عيب فيه إلا الكرم إن كان عيبا، أفاد أن العيب منتف عنه مع كل ما فيه من الأوصاف، إلا إذا كان الكرم عيبا وهو محال، بخلاف قولنا أنا أفصح الناس بيد أنى من بنى فلان الفصحاء، فلا معنى للتعليق فيه، فإن قلت: ما المانع أن يقدر فى المثال وشبهه إلا أن يكون كونى من بنى فلان مخلا بالفصاحة فيثبت لى إخلال بها فحينئذ يفيد التأكيد من الوجه الأول أيضا قلت: يمنع من ذلك كون ذلك غير معتبر فى استعمال البلغاء، وإلا لصرح به يوما ما، ولو قيل أنا أفصح الناس إلا أنى من بنى فلان، إن كان مخلا بالفصحاة كان ركيكا بخلاف التعليق بعد العموم كما مر اه. يعقوبى.
(قوله أفضل) أى من الثانى لأن التأكيد فيه من وجه واحد.
(قوله ضرب آخر) أى غير الضربين الأولين بالنظر للصورة التركيبية، وإلا فهو يعود للضرب الأول فى المعنى، لأن المعنى لا عيب فينا إلا الإيمان إن كان عيبا (قوله أن
стр. 2150
يؤتى بمستثنى فيه معنى المدح معمولا لفعل فيه معنى الذم (نحو وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا (١) أى ما تعيب منا إلا أصل المناقب ...
===
يؤتى بمستثنى) أى كالإيمان (وقوله معمولا لفعل) أى كتنقم فيكون الاستثناء حينئذ مفرغا؛ لتفرغ العامل الذى فيه معنى الذم السابق على إلا للعمل فيما بعدها، وهو المستثنى الذى فيه معنى المدح (قوله نحو وَما تَنْقِمُ مِنَّا إلخ) أى نحو قوله تعالى حكاية عن سحرة فرعون (قوله أى ما تعيب منا) الخطاب لفرعون أى ما تعيب منا يا فرعون شيئا أو أصلا الأصل إلخ (قوله وهو الإيمان) أى وكون الإيمان أصل المناقب وقاعدة النجاة والشرف الدنيوى والأخروى مما لا يخالف فيه عاقل، فلا يضر كون فرعون يعتقده عيبا بالنسبة لكفره، فقد أتى فى هذا المثال بأداة الاستثناء بعدها صفة مدح هى الإيمان، والفعل المنفى فيه معنى الذم لأنه من العيب، فهو فى تأويل لا عيب فينا إلا الإيمان إن كان عيبا، لكنه ليس بعيب وحينئذ فلا عيب فينا، قيل إن الاستثناء هنا متصل حقيقة إذ التقدير ما تعيب شيئا فينا إلا الإيمان، بخلافه فيما تقدم فإنه منقطع، وفيه أنه إن جعل متصلا حقيقة خرج المثال عما نحن بصدده، إذ ليس فيه تأكيد المدح بما يشبه الذم، إذ حاصل المعنى أنك ما عبت فينا أمرا من الأمور إلا الإيمان، جعلته عيبا وليس بعيب فى نفسه كما تعتقد، فهو بمنزلة ما لو قيل ما أنكرت من أفعال زيد إلا مواصلة فلان، وليست مما ينكر، فالنزاع إنما هو فى المستثنى هل هو كما اعتقده المخاطب أو لا؟ وليس من تأكيد المدح بما يشبه الذم فى شىء، لأنه لم يستثن مدحا أكد به مدحا هو نفى العيب وإنما استثنى أمرا مسلم الدخول ويبقى النزاع فيه هل هو كما زعمه المخاطب أم لا؟ بخلاف قولنا لا عيب فينا إلا الإيمان إن كان عيبا فهو بمنزلة ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم إلخ، فالتأويل على الانقطاع متعين، فيفيد هذا الضرب ما يفيده الأول من التأكيد بالوجهين وهما: أن فيه من التعليق ما هو كإثبات الشىء بالبينة، وأن فيه الإشعار بطلب ذم فلم يجده فاستثنى المدح وهو ظاهر أ. هـ يعقوبى.
стр. 2151
والمفاخر وهو الإيمان يقال نقم منه وانتقم منه إذا عابه وكرهه وهو كالضرب الأول فى إفادة التأكيد من وجهين (والاستدراك) المفهوم من لفظ لكن (فى هذا الباب) أى باب تأكيد المدح بما يشبه الذم (كالاستثناء كما فى قوله:
هو البدر إلا أنه البحر زاخرا ... سوى أنه الضّر غام لكنه الوبل) (١)
===
(قوله والمفاخر) تفسير (قوله يقال نقم منه) بابه ضرب وفهم والأول أكثر ومنه الآية (قوله إذا عابه) أى فى شىء وقوله وكرهه أى لأجل ذلك الشىء
(قوله: من وجهين) لا يقال الوجه الأول مبنى على التعليق بالمحال كما تقدم، ولا يجرى ذلك هنا لأن كون الإيمان عيبا ليس بمحال، بدليل أن إعابتهم عليه قد وقعت بالفعل، لأنا نقول إعابته لهم عليه لا تقتضى كونه عيبا فى نفسه ولا يخرجه ذلك عن كونه حقا، لأنها باطلة قطعا بمقتضى العقل السليم اه. يس.
(قوله المفهوم من لفظ لكن) أى الدال عليه لفظ لكن (قوله فى هذا الباب) لم يقل فيه لئلا يتوهم عود الضمير للضرب الأخير خاصة (قوله كالاستثناء) أى فى إفادة المراد وهو تأكيد الشىء بما يشبه نقيضه، وحينئذ فيراد بالاستثناء المذكور فى تعريف الضربين ما يعم الاستدراك وإنما كان الاستدراك كالاستثناء فى هذا الباب لأنهما من واد واحد، إذ كل منهما لإخراج ما هو بصدد الدخول وهما أو قيقة، فإنك إذا قلت فى الاستدراك زيد شجاع لكنه بخيل فهو لإخراج ما يتوهم ثبوته من الشجاعة، لأن الشجاعة تلائم الكرم، كما أنك إذا قلت فى الاستثناء جاء القوم إلا زيدا، فهو لإخراج ما أوهم من عموم الناس دخوله، وإن كان الإيهام فى الأول بطريق الملائمة وفى الثانى بطريق الدلالة التى هى أقوى، فإذا أتى بصفة مدح ثم أتى بعد أداة الاستدراك بصفة مدح أخرى، أشعر الكلام بأن المتكلم لم يجد حالا يستدركه على الصفة الأولى، غير ملائم لها الذى هو الأصل، فأتى بصفة مدح مستدركة على الأولى، فيجىء التأكيد كما تقدم فى الضرب الثانى من الاستثناء.
(قوله: كما فى قوله) أى الشاعر وهو أبوالفضل بديع الزمان الهمذانى فى مدح خلف بن أحمد السجستانى (قوله هو البدر) أى من جهة الرفعة والشرف (قوله زاخرا)
стр. 2152
فقوله: إلا وسوى استثناء مثل بيد أنى من قريش وقوله: لكنه استدراك يفيد فائدة الاستثناء فى هذا الضرب؛ لأن إلا فى الاستثناء المنقطع بمعنى لكن
[تأكيد الذم بما يشبه المدح]:
(ومنه) أى ومن المعنوى (تأكيد الذم بما يشبه المدح وهو ضربان- أحدهما: أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشىء صفة ذم بتقدير دخولها) أى صفة الذم (فيها) أى فى صفة المدح (كقولك: ...
===
أى حالة كونه زاخرا أى مرتفعا من تلاطم الأمواج (وقوله: إلا أنه البحر) أى من جهة الكرم
(قوله: سوى أنه الضرغام) أى الأسد من جهة الشجاعة والقوة
(قوله: لكنه الوبل) جمع وابل وهو المطر الغزير، ولم يكتف بوصفه بكونه بحرا فى الكرم عن كونه وبلا فيه؛ لأن الوبلية تقتضى وجود العطاء بالفعل، والبحرية تقتضى التهيؤ للأخذ من كل جانب، فالكرم المستفاد من البحرية كالقوة، والمستفاد من الوبلية كالفعل، فلم يكتف بالأول عن الثانى
(قوله: فقوله: إلا وسوى إلخ) أى فقوله: إلا أنه البحر (وقوله:
سوى أنه الضرغام) مثل بيد أنى من قريش من جهة أن كلّا من الضرب الثانى؛ لأنه أثبت أولا صفة مدح وعقبها بأداة استثناء يليها صفة مدح أخرى، إلا أن الصفة الأخرى فى البيت قد تعددت
(قوله: فى هذا الضرب) أى ضرب بيد أنى من قريش وهو الضرب الثانى، والحاصل أن الاستثناءين والاستدراك المذكور كل منهما فى هذا البيت من قبيل بيد أنى من قريش وهو الضرب الثانى، والتأكيد فيه من الوجه الثانى فقط، ومثال الاستدراك الذى كالاستثناء فى الضرب الأول.
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (١).
[تأكيد الذم بما يشبه المدح]:
(قوله: صفة ذم) أى ثابتة لذلك الشىء
(قوله: بتقدير) أى بواسطة تقدير دخولها فيها ومعلوم أن نفى صفة المدح ذم، فإذا أثبت صفة ذم بعد هذا النفى الذى هو ذم جاء
стр. 2153
فلان لا خير فيه إلا أنه يسىء إلى من يحسن إليه، وثانيهما: أن يثبت للشىء صفة ذم وتعقب بأداة استثناء تليها صفة أخرى له كقولك: فلان فاسق إلا أنه جاهل) فالضرب الأول يفيد التأكيد من وجهين والثانى من وجه واحد (وتحقيقهما
===
التأكيد وكان مشبها للمدح، لما سبق من أن الأصل فيما بعد إلا مخالفته لما قبلها، فيكون ما بعدها إثبات صفة المدح، فتأمل.
(قوله: فلان لا خير فيه إلا أنه يسىء إلى من أحسن إليه) أى أنه انتفت عنه صفات الخير إلا هذه الصفة، وهى الإساءة للمحسن إليه إن كانت خيرا، لكنها ليست خيرا وحينئذ فلا خير فيه أصلا، ويجرى فى هذا ما جرى فى الضرب الأول فى تأكيد المدح من كون التأكيد فيه من وجهين؛ وذلك لأنه كدعوى الشىء ببينة، وهو هنا نفى الخيرية عنه بالمرة، وذلك لتعليق وجود الخيرية فى فلان على المحال، وهو كون الإساءة للمحسن إليه خيرا المبنى ذلك على تقدير الاتصال فى الاستثناء؛ ولأن الكلام من جهة كون الأصل فى الاستثناء الاتصال يشعر بأن المتكلم طلب الأصل وهو استثناء المدح ليقع الاتصال، فلما لم يجده استثنى ذمّا فجاء فيه ذم على ذم. قال السبكى فى عروس الأفراح: فى هذا المثال نظر؛ لأن الأصل فى الاستثناء الاتصال فلا بد أن يكون فيه مناسبة بين الخصلة المستثناة والخصال المستثنى منها، والإساءة إلى من أحسن إليه ليس فيها شىء يشبه الخير، وعلاقة المضادة هنا بعيدة الاعتبار، فينبغى أن يمثل بما صورته صورة إحسان، كقولك: فلان لا خير فيه إلا أنه يتصدق بما يسرقه. اه. يس.
(قوله: وتعقب) أى تلك الصفة
(وقوله: تليها) أى: تلى تلك الأداة،
(وقوله: له) أى كائنة لذلك الشىء الموصوف بالصفة الأولى
(قوله: والثانى من وجه واحد) أى لأن كونه كدعوى الشىء بالبينة لا يتأتى هنا لأنه يتوقف على التعليق وهو بالمحال وهو يتوقف على اتصال الاستثناء، وهو لا يتأتى هنا لأن المستثنى منه هنا صفة خاصة لا يمكن دخول شىء فيها، وحينئذ فالضرب الثانى وإنما يفيد التأكيد من جهة أن الاستثناء لما كان الأصل فيه الاتصال، والعدول عن الاتصال إلى الانقطاع يشعر بأن المتكلم طلب استثناء المدح فلم يجده، فأتى بالذم على الذم فجاء تأكيد الذم
(قوله: وتحقيقهما) أى
стр. 2154
على قياس ما مرّ) فى تأكيد المدح بما يشبه الذم.
[الاستتباع]:
(ومنه) أى ومن المعنوى (الاستتباع وهو المدح بشىء على وجه يستتبع المدح بشىء آخر كقوله
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدّنيا بأنّك خالد (١)
مدحه بالنهاية فى الشجاعة) حيث جعل قتلاه بحيث يخلد وارث أعمارهم
===
وتحقيق وجه إفادتهما للتأكيد
(قوله: على قياس ما مرّ) أى يجرى على الاعتبار والنظر فيما مر من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
[الاستتباع]: (قوله وهو المدح بشىء) أى كالنهاية فى الشجاعة (وقوله: يستتبع) أى يستلزم، (وقوله: المدح بشىء آخر) أى ككونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها
(قوله: يستتبع المدح بشىء آخر) أى يتبعه أى يلزمه المدح بشىء آخر
(قوله: كقوله) أى الشاعر وهو أبو الطيب المتنبى
(قوله: نهبت من الأعمار) أى أخذت منها على وجه القهر والاختطاف
(قوله: ما لو حويته) أى أعمارا لو حويتها وضممتها إلى عمرك، وهذا مبنى على مذهب المعتزلة القائلين: إن القاتل قطع على المقتول أجله ولو تركه لعاش، فإذا جمع ما بقى من أعمار قتلاه إلى عمره لكان خالدا لآخر الدنيا، ومذهب أهل السنة أنه لم يقطعه بل المقتول مات بانتهاء أجله
(قوله: لهنّئت الدنيا بأنك خالد) أى: لقيل للدنيا هنيئا لك بسبب أنك خالد فيها، أى لهنّئ أهلها بسبب خلوده
(قوله: مدحه بالنهاية إلخ) أى لأن اغتيال النفوس وأخذها قهرا إنما يكون بالشجاعة، ولما وصف أعمار تلك النفوس بأنها لو ضمت لناهبها كانت خلودا دل ذلك على كمال شجاعته
(قوله: حيث جعل) أى لأنه جعل قتلاه بحيث يخلد فى الدنيا وارث أعمارهم لكثرتهم، ولا شك أن اغتيال النفوس الكثيرة التى لو اجتمعت أعمارهم لناهبها لكان بها خالدا إنما يكون لكمال
стр. 2155
(على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها) إذ لا تهنئة لأحد بشىء لا فائدة فيه قال على بن عيسى الربعى (وفيه) أى فى البيت وجهان آخران من المدح أحدهما (أنه نهب الأعمار دون الأموال) كما هو مقتضى علو الهمة وذلك مفهوم من تخصيص الأعمار بالذكر والإعراض عن الأموال مع أن النهب بها أليق وهم يعتبرون ذلك فى المحاورات والخطابيات وأن لم يعتبره أئمة الأصول (و) الثانى
===
كونه سببا لصلاح الدنيا فتابع له
(قوله: على وجه) أى وهو كون الدنيا تهنأ بخلوده، والحاصل أن الشاعر لما مدحه بنهاية الشجاعة، وجعل خلوده تهنأ به الدنيا كان مدحه بنهاية الشجاعة على الوجه المذكور، وهو تهنئة الدنيا بخلوده مستتبعا ومستلزم لمدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا وحسن نظامها، لأن المراد بتهنئة الدنيا تهنئة أهلها، فلو لم يكن لهذا الممدوح فائدة لأهل الدنيا ما هنئوا ببقائه، إذ لا تهنئة لأحد بشىء لا فائدة له فيه، فقول الشاعر إذ لا تهنئة إلخ علة لمحذوف قد علمته
(قوله: قال على إلخ) أشار الشارح بهذا إلى استخراج الوجهين الآخرين من المدح من البيت المذكور ليس ذلك للمصنف كما هو ظاهره، بل هو ناقل لذلك عن غيره، ففيه إشارة للاعتراض على المصنف، والربعى بفتح الراء والباء نسبة لربيعة
(قوله: وجهان آخران) أى غير الاستتباع مدلولان لذلك البيت بالالتزام وهما. علو الهمة وعدم الظلم:
(قوله: أنه نهب الأعمار دون الأموال) أى وهذا يستلزم مدحه بعلو الهمة، وأن همته إنما تتعلق بمعالى الأمور، لأن الذى يميل للمال إنما هو الهمة الدنية والأموال يعطيها ولا ينهبها والأرواح ينهبها، فالعدول عن الأموال إلى الأعمار إنما هو لعلو الهمة، وذلك مما يمدح به، وقوله أنه نهب إلخ أى مفاد أنه نهب إلخ وهو علو الهمة
(قوله: وذلك) أى نفى نهب الأموال مفهوم من تخصيص الأعمار بالذكر والإعراض عن الأموال، لأن تخصيص الشىء بالذكر يقتضى الحصر
(قوله: مع أن النهب بها) أى مع أن تعلق النهب بالأعمار أليق بالمدح
(قوله: وهم) أى: البلغاء يعتبرون ذلك أى: التخصيص والإعراض من حيث ما يفهم منه
(قوله: فى المحاورات) أى: المخاصمات وقوله والخطابيات أى:
الظنيات (قوله وإن لم يعتبره) أى التخصيص المذكور أئمة الأصول أى: أكثرهم، فهو لا
стр. 2156
(أنه لم يكن ظالما فى قتلهم) وإلا لما كان للدنيا سرور بخلود.
[الإدماج]:
(ومنه) أى ومن المعنوى (الإدماج) يقال أدمج الشىء فى ثوبه إذا لفّه فيه (وهو أن يضمن كلام سيق لمعنى) مدحا كان أو غيره (معنى آخر) هو منصوب مفعول ثان ليضمن ...
===
يفيد الحصر عندهم لأنه لقب وهو لا مفهوم له، كقولهم على زيد حج، واعتبره الدقاق والصير فى من الأصوليين، وقد يقال هذا ظاهر بالنظر للمجرور فقط أى الأعمار، أما إذا نظر لمجموع الجار والمجرور فهو قيد، وأئمة الأصول يعتبرون مفهومه. اه يس.
(قوله: أنه لم يكن ظالما فى قتلهم) أى: لأن الظالم لا سرور للدنيا ببقائه، بل سرورها بهلاكه، ومعلوم أن كونه غير ظالم مدح فهم من التهنئة لاستلزامها إياه، فالمدح الأول لازم للمعنى الذى جعل أصلا وهو النهاية فى الشجاعة، والمدح الثانى لازم للمعنى الذى جعل مستتبعا بالفتح وهو كونه سببا لصلاح الدنيا.
[الإدماج]:
(قوله: يقال) أى: لغة أدمج الشىء فى ثوبه إذا لفّه فيه أى: أدخله فيه فهو فى اللغة الإدخال مطلقا
(قوله: وهو) أى اصطلاحا
(قوله: أن يضمن كلام) أى: أن يجعل المتكلم الكلام الذى سيق لمعنى متضمنا لمعنى آخر، فالمعنى الآخر ملفوف فى الكلام، فقوله: يضمن على صيغة المبنى للمفعول والنائب عن الفاعل هو كلام (وقوله: سيق لمعنى) نعت لكلام (وقوله: معنى آخر) مفعول ثان ليضمن منصوب به بعد أن رفع به المفعول الأول بالنيابة
(قوله: معنى آخر) أراد به الجنس أعم من أن يكون واحدا كما فى البيت المذكور فى المتن، أو أكثر كما فى قول ابن نباتة:
ولا بدّ لى من جهلة فى وصاله ... فمن لى بخلّ أودع الحلم عنده (١)
يريد أن وصاله لا يتيسر له إلا بترك الوقار ومداراة رقبائه وملازمة عتبته والرضا بالطرد والشتم وغيرهما من أفعال الجهلاء، والخلّ بالكسر الخليل، فقد أدمج فى
стр. 2157
وقد أسند إلى المفعول الأول (فهو) لشموله المدح وغيره (أعم من الاستتباع) لاختصاصه بالمدح ...
===
الغزل وهو الكلام الواقع من المحب فى شأن المحبوب الفخر بكونه حليما، حيث كنى عن ذلك بالاستفهام عن وجود خليل صالح يودعه حلمه، وضمن الفخر بالحلم شكوى الزمان لتغير الإخوان حيث أخرج الاستفهام مخرج الإنكار تنبيها على أنه لم يبق فى الإخوان من يصلح لهذا الشأن أى: إيداع الحلم عنده، وقد نبه بقوله أودع الحلم عنده على أنه لم يعزم على مفارقة الحلم على سبيل الدوام، بل فى بعض الحالات أعنى حالة وصال المحبوب للوقوف على الجهل، وذلك لأنه لما كان شأنه أن يفعل أفعال الجهال وكان مريدا لوصاله، عزم على أنه إن وجد من يصلح لأن يودعه حلمه أودعه إياه، فإن الودائع ترد آخر الأمر، واعلم أن المعنى الآخر وهو المضمن المدموج يجب أن لا يكون مصرحا به، ولا يكون فى الكلام إشعار بأنه مسوق لأجله، وإلا لم يكن ذلك من الإدماج، فما قيل فى قوله:
أبى دهرنا إسعافنا فى نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم (١)
فقلت له نعماك فيهم أتمّها ... ودع أمرنا إن المهمّ المقدّم
إن هذا الكلام مسوق للتهنئة بالوزارة لبعض الوزراء، وأن الدهر أسعفه بتلك الوزراة، وأن الشاعر يحبها، وضمن ذلك التشكى من الدهر فى عدم إسعافه هو فى نفسه، فكانت الشكاية فيه إدماجا، فهو سهو لأنه صرح أولا بالشكاية حيث قال: أبى دهرنا إسعافنا فى نفوسنا فكيف تكون مدمجة بل لو قيل إن هذا الكلام مسوق للشكاية والتهنئة مدمجة كان أقرب، ولا ينافى هذا كون المقصود بالذات هو التهنئة، لأن القصد الذاتى لا ينافى إفادة ذلك المقصود بطريق الإدماج بأن يؤتى به بعد التصريح بغيره، وقول الشاعر:
أتمها أى أتم ما ابتدأته من النعمى أى الإنعام، وأترك أمرنا فإن أمرهم مهم والمهم مقدم.
(قوله: وقد أسند) أى يضمن
(قوله: لاختصاصه بالمدح) هذا بالنظر لظاهر تعريف الاستتباع، أما لو قيل إن ذكر المدح فى التعريف بطريق التمثيل لا للتخصيص،
стр. 2158
(كقوله: أقلّب فيه (١)) أى فى ذلك الدليل (أجفانى كأنّى، أعدّ بها على الدّهر الذّنوبا، فإنه ضمن وصف الليل بالطول للشكاية من الدهر
[التوجيه]:
ومنه) أى ومن المعنوى. (التوجيه) ويسمى محتمل الضدين (وهو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين) أى متباينين متضادين ...
===
كان مساويا للإدماج- قاله عبد الحكيم
(قوله: كقوله) أى الشاعر وهو أبو الطيب المتنبى
(قوله: أقلّب فيه أجفانى) عبر بالمضارع لدلالته على تكرر تقليب الأجفان ليلا، وهو دليل على السهر، والأجفان جمع جفن كقفر وهو غطاء العين من أعلى وأسفل
(قوله: كأنى) أى فى حالة تقليبها أعدّ بها أى: بالأجفان من جهة حركتها، فجعل أجفانه كالسبحة حيث يعد بها ذنوب الدهر، فكأن كل حركة ذنب (وقوله: الذنوبا) أى: ذنوب الدهر التى فعلها معه، من تفريقه بينه وبين الأحبة مثلا ومن عدم استقامة الحال، لا ذنوبه التى فعلها فى الدهر إذ لا معنى لعدّها على الدهر، وكأن هنا تحتمل الشك أى: كثر تقليب الأجفان فى ذلك الليل كثرة أوجبت لى الشك فى أنى أعد بها على الدهر ذنوبه، وتحتمل التشبيه أى: أشبه نفسى فى حالة التقليب بنفسى فى حالة عدّ الذنوب
(قوله: فإنه ضمن إلخ) أى: وإنما كان فى هذا البيت إدماج؛ لأن الشاعر ضمن وصف الليل بالطول أى: المأخوذ من قوله: أقلب فيه أجفانى؛ لأنه يدل على كثرة تقليب الأجفان، وهو يدل على كثرة السهر، وهو يدل على طول الليل، وهذا المعنى الذى سيق له الكلام أولا
(قوله: للشكاية) أى: المأخوذة من قوله: كأنى أعدّ بها إلخ، وهو مفعول ضمن وتلك الشكاية بها حصل الإدماج لأنها معنى تضمنه المعنى الذى سيق أولا، مع عدم التصريح بها وعدم إشعار الكلام بأنه مسوق لأجلها.
[التوجيه]:
(قوله: وهو إيراد الكلام) أى الإتيان به
(قوله: محتملا لوجهين) أى على حد سواء إذ لو كان أحدهما متبادر لكان تورية لا توجيها
(قوله: أى متباينين) بيان للاختلاف
стр. 2159
كالمدح والذم مثلا ولا يكفى مجردا احتمال معنيين متغايرين (كقول من قال لأعور/ ليت عينيه سواء) يحتمل تمنى صحة العين العوراء فيكون دعاء له والعكس فيكون دعاء عليه قال (السكاكى منه) أى ومن التوجيه (متشابهات القرآن باعتبار) وهو احتمالها لوجهين مختلفين وتفارقه باعتبار آخر وهو عدم استواء الاحتمالين ...
===
(قوله: كالمدح والذم) أى وكالسب والدعاء
(قوله: ولا يكفى مجرد احتمال معنيين متغايرين) أى: كما يوهمه كلام المصنف فهو اعتراض عليه، أى فلو قيل رأيت العين فى موضع، فإنه يحتمل على السواء أن يراد العين الجارية وعين الذهب والفضة، وليس من التوجيه لأن المعنيين متغايران ولا تضاد بينهما لجواز اجتماعهما،
(قوله: كقول من قال لأعور) أى خياط يسمى عمرا وذلك القائل هو بشار بن برد، وقوله
ليت عينيه سواء (١)
عجز بيت وصدره:
خاط لى عمرو قباء
وهذا البيت من مجزوء الرمل وبعده:
فاسأل الناس جميعا ... أمديح أم هجاء
روى أن بشارا أعطى لخياط أعور اسمه عمرو ثوبا ليخيطه له فقال له الخياط لأخيطنه بحيث لا يعلم أقباء هو أم غيره، فقال له بشار لئن فعلت ذلك لأقولن فيك شعرا لا يدرى أهجاء أم غيره، فلما خاط الخياط ذلك الثوب قال بشار ما ذكر فى البيتين، فإن قلت الظاهر أن الشاعر أراد المدح لأنه بإزاء خياطة وهى الإحسان، ومقابل الإحسان يكون إحسانا فلم يستو الاحتمالان، وحينئذ فلا يتجه عدد من التوجيه، قلت أراد استواء الاحتمالين بالنظر لنفس اللفظ وإن ترجح أحد الاحتمالين بالنظر للقرينة، على أن كون الشعر فى مقابلة الخياطة لا يعين كون الشاعر أراد المدح، لاحتمال أن يكون أفسد الخياطة بالإبرة فدعا عليه، وسمى الدعاءين مديحا وهجاء، نظرا لكون المدعو
стр. 2160
لأن أحد المعنيين فى المتشابهات قريب والآخر بعيد لما ذكر السكاكى نفسه من أن أكثر متشابهات القرآن من قبيل التورية والإيهام ويجوز أن يكون وجه المفارقة هو أن المعنيين فى المتشابهات لا يجب تضادهما ...
===
له يستحق أن يمدح بموجب الدعاء له، والمدعو عليه يستحق أن يذم ويهجى بموجب الدعاء عليه
(قوله: لأن أحد المعنيين فى المتشابهات قريب والآخر بعيد) أى: وهو المراد من اللفظ كما فى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (١) فإن المتبادر من اليد الجارحة والمراد منها القدرة، وهذا المعنى المراد بعيد من اللفظ
(قوله: لما ذكر السكاكى) أى وإنما قلنا إن أحد المعنيين فى المتشابهات قريب والآخر بعيد لما ذكر إلخ
(قوله: من قبيل التورية والإيهام) العطف مرادف أى ومعلوم أن التورية التى هى الإيهام إنما تتصوره فى معنى قريب وبعيد كما تقدم.
(قوله ويجوز أن يكون وجه المفارقة) أى: بين التوجيه والمتشابهات وهذا وجه آخر للفرق، وقوله أن المعنيين فى المتشابهات لا يجب تضادهما، أى بل يجوز اجتماعهما كالقدرة واليد بمعنى الجارحة، أى بخلاف التوجيه فإنه يجب فيه تضاد المعنيين كما مر قال العلامة اليعقوبى بعد أن ذكر جميع كلام الشارح: وفى هذا الكلام خبط لا يخفى، لأنهم اشترطوا فى التوجيه استواء المعنيين فى القرب والبعد، فكيف يصح أن تكون المتشابهات من التوجيه بوجه مع كون أحد المعنيين فى المتشابهات بعيدا هو المراد كما فى قوله وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ (٢) والرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٣) فالمعنى المجازى وهو البعيد منهما هو المراد كما تقدم، وأيضا قد ذكر السكاكى نفسه أن المتشابهات على الإطلاق من التوجيه باعتبار، وقد ذكر بعد أن أكثرها له معنى قريب وبعيد، وهو يقتضى أن الذى يكون توجيها من المتشابهات بالاعتبار هو البعض لا الكل، نعم إن صح أن بعض المتشابهات يحتمل الضدين على السواء كانت من التوجيه الصرف، لا أنها منه باعتبار فقط، وكذا إن صح أن التوجيه لا يشترط فيه استواء الاحتمالين، وهو بعيد من كلامهم.
стр. 2161
[الهزل يراد به الجدّ]:
(ومنه) أى ومن المعنوى (الهزل الذى يراد به الجد كقوله
إذا ما تميمىّ أتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّبّ)
[تجاهل العارف]:
(ومنه) أى ومن البديع المعنوى (تجاهل العارف وهو كما سماه السكاكى سوق المعلوم ...
===
[الهزل يراد به الجد]:
(قوله: الهزل الذى يراد به الجد) أى: وهو أن يذكر الشىء على سبيل اللعب والمباسطة، ويقصد به أمر صحيح فى الحقيقة، والفرق بينه وبين التهكم أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل وهذا بعكسه، وهو واقع فى كلامهم كثيرا، كقول الإمام مالك لبعض تلامذته حين سأله: أتعرف بيت قدامة؟ وكان ذلك البيت يلعب فيه بالحمام ومنه قول ابن نباتة:
سلبت محاسنك الغزال صفاته ... حتى تحيّر كلّ ظبى فيكا
لك جيده ولحاظه ونفاره ... وكذا نظير قرونه لأبيكا
والجد بكسر الجيم ضد الهزل الذى هو اللهو واللعب
(قوله: كقوله) أى الشاعر وهو أبو نواس
(قوله: إذا ما تميمىّ إلخ) (١) أى: فقولك للتميمى وقت مفاخرته بحضورك لا تفتخر، وقل لى كيف أكلك للضب هزل ظاهر لكنك تريد به الجد، وهو ذم التميمى بأكله الضب وأنه لا مفاخرة مع ارتكابه أكل الضب الذى يعافه أشراف الناس، وعلم من هذا أن الهزلية باعتبار استعمال الكلام، والجدية باعتبار ما قصد منه فى الحالة الراهنة
(قوله: عد عن ذا) أى جاوز هذا الافتخار بتركه وحدثنا عن أكلك الضب تأكله على أى حالة فعد أمر من عدى بمعنى يجاوز.
[تجاهل العارف]:
(قوله: وهو كما سماه إلخ) كان الظاهر أن يقول: وهو ما سماه السكاكى إلخ، إلا أنه اعتبر المغايرة من حيث إنه يسمى بتجاهل العارف، ومن حيث إنه يسمى بالسوق،
стр. 2162
كقوله:
ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضّاحى)
أى الظاهر (أو) المبالغة (فى الذم كقوله وما أدرى وسوف إخال أدري (١)) أى أظن وكسر همزة المتكلم فيه هو الأفصح وبنو أسد تقول أخاك بالفتح
===
يوجب ذبوله وأنه لا يخرج ورقه، فلما أورق وبخته على إخراج الورق، وأظهرت أنها حينئذ تشك فى جزعه، وإذا كان الشجر يوبخ على عدم الجزع فأحرى غيره، فالتجاهل هنا المؤدى لتنزيل ما لا يعلم منزلة العالم صار وسيلة للتوبيخ على الإيراق، ووسيلة إلى التشبيه على أن مآثره بلغت إلى حيث تعلم بها الجمادات، ولو أتت تلك القائلة بما يدل على أن الشجر لا يعلم بابن طريف وأنه من جملة الجمادات لما حسن التوبيخ ولما اتضح ظهور المآثر حتى للجمادات فافهم اه. يعقوبى.
(قوله: كقوله) (٢) أى الشاعر وهو البحترى
(قوله: سرى) أى ظهر بالليل وهو صفة لبرق
(قوله: ابتسامتها) أى أم ضوء أسنانها عند ابتسامها
(قوله: بالمنظر) الباء بمعنى فى، وأراد بالمنظر المحل الذى ينظر وهو الوجه فهو بفتح الظاء، والضاحى هو الظاهر من ضحا الطريق إذا ظهر، فالشاعر يعلم أنه ليس ثم إلا ابتسامها، لكنه تجاهل وأظهر أنه التبس عليه الأمر فلم يدر هل هذا اللمعان المشاهد من أسنانها عند الابتسام، لمع برق سرى أم هو ضوء مصباح أم هو ضوء ابتسامتها الكائن من منظرها الضاحى، وهذا التجاهل المنزل منزلة الجهل مفيد للمبالغة فى مدحها، وأنها بلغت إلى حيث يتحير فى الحاصل منها ويلتبس المشاهد منها.
(قوله: كقوله) أى الشاعر وهو زهير بن أبى سلمى وبعد البيت المذكور.
فمن فى كفّه منهم خضاب ... كمن فى كفّه منهم قناء
(قوله: وسوف إخال أدرى) المعنى وأظن أنى سأدرى وأعلم بحالهم حاصلا، فحذف مفعولى إخال وسوف محلها بعد إخال، وهذه الجملة اعتراضية بين أدرى ومعموله،
стр. 2163
وهو القياس (أقوم آل حصن أم نساء) فيه دلالة على أن القوم هم الرجال خاصة (والتدله) أى وكالتحير والتدهش (فى الحب فى قوله بالله يا ظبيات القاع (١)) وهو المستوى من الأرض (قلنا لنا، ليلاى منكن أم ليلى من البشر) وفى إضافة ليلى إلى نفسه أولا والتصريح باسمها ثانيا استلذاذ ...
===
وهو قوله: أقوم آل حصن إلخ، وكونها بالواو يدل على أن الاعتراض قد يكون بالواو
(قوله: وهو القياس) أى: فى حرف المضارعة الداخل على الثلاثى
(قوله: أقوم آل حصن أم نساء) هذا محل الشاهد فهو يعلم أن آل حصن رجال، لكنه تجاهل وأظهر أنه التبس عليه أمرهم فى الحال، وإن كان سيعلمه فى المستقبل، فلم يدر هل هم رجال أم نساء، وهذا التجاهل المنزل منزلة الجهل مفيد للمبالغة فى ذمهم من حيث إنهم يلتبسون بالنساء فى قلة نفعهم وضعف فائدتهم.
(قوله: فيه دلالة إلخ) أى حيث قابل بين النساء والقوم فمعادلته بينهم تدل على أن القوم لا يتناول النساء بل هو مخصوص بالرجال لغة، ويدل له قوله تعالى لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ (٢) قال العصام: وفيه أنه يجوز مقابلة المجتمع من الرجال والنساء بالنساء الصرفة، فالحق أن القوم اسم لمجموع الرجال والنساء، بدليل إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ (٣) فتأمل.
(قوله: والتدهش) عطف تفسير أى ذهاب العقل
(قوله: فى قوله) أى الشاعر وهو الحسين بن عبد الله الغريى
(قوله: وهو) أى القاع المستوى من الأرض أى:
الأرض المستوية، وإضافة الظبيات إليه لكونها فيه، وقوله بالله قسم استعطاف للظبيات المناديات لتجيبه،
(قوله: ليلاى منكن إلخ) (٤) أى: ليلى المنسوبة إلى منكن، أى فهو يعلم أن ليلى من البشر، فتجاهل وأظهر أنه أدهشه الحب حتى لا يدرى هل هى من الظبيات الوحشية أم من البشر، فلذلك سأل الظبيات عن حالها
(قوله: وفى إضافة ليلى إلخ) أى
стр. 2164
وهذا أنموذج من نكت التجاهل وهى أكثر من أن يضبطها القلم.
[القول بالموجب]:
(ومنه) أى ومن المعنوى (القول بالموجب وهو ضربان أحدهما أن نفع صفة كلام الغير كناية عن شىء أثبت له) ...
===
أن الإضافة فيها استلذاذ أكثر من عدم الإضافة، وكذا التصريح باسمها، وهذا جواب عما يقال فيه إظهار موضع الإضمار فما نكته؟
(قوله: وهذا) أى ما ذكره المصنف من النكات أنموذج أى: نبذة قليلة
(قوله: وهى أكثر من أن يضبطها القلم) أى من ذى أن يضبطها القلم أى: وهى أكثر من النكات الموصوفة يضبط القلم لها، وحينئذ فلا تدخل تحت حصر.
[القول بالموجب]:
(قوله: القول بالموجب) بكسر الجيم اسم فاعل؛ لأن المراد به الصفة الموجبة للحكم، وبفتح الجيم اسم مفعول إن أريد به القول بالحكم الذى أوجبته الصفة، والمراد بالقول الاعتراف أى: اعتراف المتكلم بالصفة الموجبة للحكم فى كلام المخاطب، مع كونه نافيا لمقصوده من إثباتها لغير من أثبتها له المخاطب، أو مع حمل كلامه على خلاف مقصوده.
(قوله: أن تقع صفة فى كلام الغير) أى: كالأعز فإنه صفة وقعت فى كلام المنافقين دالة على شىء وهو فريقهم، فالمراد بالكناية فى كلام المصنف العبارة، وليس المراد بالكناية المصطلح عليها وهو اللفظ المستعمل لينتقل منه إلى اللازم مع جواز إرادة الملزوم، إذ ليس دلالة الأعز على فريقهم بطريق الكناية؛ لأنه لا لزوم بين مفهوم الأعز وفريق المنافقين، ويحتمل أن يراد بها معناها المعهود، ويكفى فى اللزوم اعتقادهم اللزوم وادعاؤهم ذلك؛ لأنهم يدعون أنهم لازم لمعنى الأعز، ثم إن الظاهر أن المراد بالصفة الواقعة كناية فى الآية ما يدل على ذات باعتبار معنى كالأعز، والصفة التى روعى إثباتها للغير المعنى القائم بالغير كالعزة، فاختلفت الصفتان، وحينئذ ففى الكلام استخدام؛ لأن الصفة المذكورة أولا فى قوله أن تقع صفة أريد بها معنى وأريد بالضمير فى قوله فتثبتها معنى آخر.
стр. 2165
أى لذلك الشىء (حكم فتثبتها لغيره) أى فتثبت أنت فى كلامك لك الصفة لغير ذلك الشىء (من غير تعرض لثبوته له) أى لثبوت ذلك الحكم لذلك الغير (أو نفيه عنه نحو يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (١) فالأعز صفة وقعت فى كلام المنافقين كناية عن فريقهم والأذل كناية عن المؤمنين وقد أثبت المنافقون لفريقهم إخراج المؤمنين من المدينة فأثبت الله تعالى فى الرد عليهم صفة العزة لغير فريقهم وهو الله تعالى ورسوله والمؤمنون ولم يتعرض لثبوت ذلك الحكم الذى هو الإخراج للموصوفين بالعزة أعنى الله تعالى ورسوله والمؤمنين ولا لنفيه عنهم (والثانى حمل لفظ وقع فى كلام الغير
===
(قوله: أى لذلك الشىء حكم) أى: تقتضيه فيه تلك الصفة لكونها نعتا كالإخراج للمؤمنين
(قوله: فتثبتها لغيره) أى: فتثبت تلك الصفة لغير ذلك الشىء، كالله ورسوله والمؤمنين أى: للإيماء إلى أن ذلك الحكم مسلم لزومه لتلك الصفة، ولكن لا يفيدك أيها المخاطب؛ لأن الصفة المستلزمة له إنما هى لغير من عبرت بها عنه، فقد قيل بموجب تلك الصفة وهو استلزامها للحكم، لكن هو لغير من عبرت بها عنه
(قوله: من غير تعرض إلخ) أى: فلو تعرضت للحكم إثباتا أو نفيا خرج الكلام عن القول بالموجب، فإذا قال القوى:
ليخرجن القوى من هذا البيت الضعيف، معبرا بصفة القوة عن نفسه مثبتا لمدلولها حكم الإخراج، فإن أثبت الصفة للغير ولم تتعرض للحكم بأن قلت: القوى أنا، كان الكلام من القول بالموجب، وإن تعرضت للحكم بأن قلت: القوى الذى هو أنا يخرجك منه، لم يكن من القول بالموجب فى شىء
(قوله: لثبوته له أو نفيه عنه) الأولى لإثباته له أو انتفائه عنه
(قوله: يقولون) أى: المنافقون لئن رجعنا من غزوة بنى المصطلق إلى المدينة
(قوله: وقد أثبت المنافقون لفريقهم) أى: المكنى عنه بالأعز
(قوله: فأثبت الله تعالى إلخ) أى بعد أن سلم لهم أن الأعز يخرج الأذل، فكأنه قيل لهم: نعم الأعز يخرج الأذل، لكن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين لا لكم
(قوله: ولم يتعرض لثبوت ذلك الحكم الذى هو الإخراج للموصوفين بالعزة) أى:
وإن كان يلزمه ذلك؛ لأنه لما أثبت الصفة الموجبة للحكم لهم لزم ثبوت الحكم لهم.
стр. 2166
على خلاف مراده) حال كونه خلاف مراده (مما يحتمله) ذلك اللفظ (بذكر متعلقة) أى إنما يحمل على خلاف مراده بأن يذكر متعلق ذلك اللفظ (كقوله
===
(قوله: على خلاف مراده) أى مراد ذلك الغير، وذلك كما لو أطلق الغير لفظا على معنى فيحمله غير من أطلقه على معنى آخر لم يرده المتكلم الأول
(قوله: مما يحتمله ذلك اللفظ) أى: من المعانى التى يحتملها ذلك اللفظ احتمالا حقيقيا أو مجازيا، بأن يكون اللفظ صالحا لذلك المعنى الذى حمل عليه، وإن كان لم يرد، فلو كان اللفظ غير صالح له، كان الحمل عليه عبثا لا بديعا
(قوله: بذكر متعلقه) متعلق بحمل والباء للسببية أى وحمل اللفظ على الخلاف المحتمل بسبب ذكر متعلق ذلك اللفظ
(قوله: بأن يذكر متعلق ذلك اللفظ) المراد بالمتعلق هنا ما يناسب المعنى المحمول عليه، سواء كان متعلقا اصطلاحيا كالمفعول والجار والمجرور أو لا، فالأول كقوله (١):
قلت ثقلت إذ أتيت مرارا إلخ.
والثانى كقوله:
لقد بهتوا لمّا رأونى شاحبا ... فقالوا به عين فقلت وعارض
أرادوا بالعين إصابة العائن وحمله على إصابة عين المعشوق بذكر ملائم وهو العارض فى الأسنان التى هى كالبرد، فكأنه قال صدقتم بأن بى عينا، لكن بى عينها وعارضها لا عين العائن، ووجه كون هذا الضرب من القول بالموجب ظاهر كالأول، لأنه اعترف بما ذكر المخاطب لكن المعنى غير مراد، ولما لم يصرح بنفى المراد صار ظاهرة إقرارا بما قيل وذلك ظاهر، وقد فهم من البيتين أن الحمل على خلاف المراد تارة يكون بإعادة المحمول، كما فى البيت المذكور فى المتن، وكما فى قول بعضهم:
جاء أهلى لمّا رأونى عليلا ... بحكيم لشرح دائى يسعف
قال هذا به إصابة عين ... قلت عين الحبيب إن كنت تعرف
стр. 2167
قلت ثقّلت إذ أتيت مرارا ... قال ثقّلت كاهلى بالأيادي
فلفظ ثقلت وقع فى كلام الغير بمعنى حملتك المؤنة فحمله على تثقيل عاتقه بالأيادى والمنن أن ذكر متعلقة أعنى قوله كاهلى بالأيادى ...
===
وتارة يكون بدون إعادته كما فى البيت الذى ذكرناه.
(قوله إذ أتيت مرارا) إذ ظرف لقلت أو ثقلت
(قوله: قال ثقلت كاهلى) الكاهل ما بين الكتفين، وقوله بالأيادى أى المنن والنعم
(قوله: فلفظ ثقلت وقع فى كلام الغير) أى وهو المتكلم
و(قوله: بمعنى حملتك المؤنة) أى المشقة من أكل وشرب بإتيانى لك مرة بعد أخرى، وقوله فحمله، أى المخاطب وقوله (على تثقيل عاتقه) أى كتفه وقوله والمنن عطف تفسير، والحاصل أن المتكلم يقول لمخاطبه ثقلت عليك وحملتك المشقة بإتيانى إليك مرارا، فقال له المخاطب صدقت فى كونك ثقلت على، لكن ثقلت كاهلى بالمنن لا حملتنى المشقة، فجعل إتيانه إليه نعما عديدة حتى أثقلت عاتقه، وبعد البيت المذكور:
قلت طوّلت قال لا بل تطول ... ت وأبرمت قال حبل ودادى
. أى: قلت له طولت الإقامة والإتيان، فقال بل تطولت من التطول والتفضل، وقوله وأبرمت أى أمللت، وقوله حبل ودادى أى: قال نعم أبرمت ولكن أبرمت وأحكمت حبل ودادى، فقوله وأبرمت قال حبل ودادى من هذا القبيل، أى القول بالموجب بدون إعادة المحمول، ومنه أيضا البيت الثالث فى قول الشاعر:
وإخوان حسبتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادى (١)
وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن فى فؤادى
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادى
فكأنه قال نعم صدقتم ولكن صفاؤكم عن ودادى لا عن حقد، وأما البيتان الأولان فليسا من هذا القبيل، بل ما فيهما قريب منه، إذ ليس فيهما حمل صفة ذكرت
стр. 2168
[الاطراد]:
(ومنه) أى ومن المعنوى. (الاطراد وهو أن تأتى بأسماء الممدوح أو غيره) وأسماء (آبائه على ترتيب الولادة من غير تكلف) فى السبك (كقوله:
===
فى كلام الغير على معنى آخر، وإنما فيهما ذكر صفة ظنت على وجه فإذا هى على خلافه، فأشبها هذا القبيل من جهة كون المعنى فيهما فى الجملة على الخلاف، وذلك لأنه وقع فى ظنه أن إخوانه دروع له، فظهر له أنهم ليسوا دروعا له، بل للأعادى، وظن أنهم سهام صائبات لأعاديه فظهر له أنهم ليسوا كذلك بل سهام صائبة لفؤاده، وأما البيت الثالث فقد صدر اللفظ منه فحمله على غير مرادهم.
[الاطراد]:
(قوله: أى ومن المعنوى الاطراد) أى ومن البديع المعنوى الاطراد، قيل: الظاهر أنه من البديع اللفظى لا المعنوى؛ لأن مرجعه لحسن السبك، وقد يقال: إن مرجعه لحسن السبك فى معنى مخصوص وهو النسب، فللمعنى دخل فيه- قاله اليعقوبى. فاندفع قول العلامة يس: لم يظهر لى رجوع هذا النوع إلى الضرب المعنوى بوجه لا بالذات ولا بالعرض
(قوله: بأسماء الممدوح) الأولى أن يقول: باسم الممدوح أو غيره، إذ لا تعدد هنا لاسم الممدوح أو غيره، والمراد بغيره المذموم أى: المهجو أو المرثى
(قوله: وأسماء آبائه) أراد بالجمع هنا ما فوق الواحد بدليل المثال
(قوله: على ترتيب الولادة) بأن يذكر اسم الأب ثم اسم أبى الأب وهكذا، إن قلت: لا فائدة فى ذلك القيد إذ لا يمكن الإتيان بأسماء الآباء من غير ترتيب، وإلا لكذب الانتساب فلا بد من الترتيب، إذ لو قيل بعتيبة بن شهاب بن الحارث لكذب، قلت: لا ينحصر ذكر الممدوح وآبائه فى الذكر على طريق الانتساب، فلو قيل: بعتيبة بن شهاب وحارث لكان من الاطراد- قاله العصام، وتأمله
(قوله: من غير تكلف فى السبك) أى: فى نظم اللفظ ونفى التكلف، يرجع فيه إلى الذوق السليم فلا يكون ذكره فى التعريف مضرّا، لأنه ليس بخفى، وقيل: نفى التكلف ألا يفصل بين الأسماء بلفظ لا دلالة على النسب، نحو زيد بن عمرو بن خالد،
стр. 2169
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
يقال للقوم إذا ذهب عزهم وتضعضع حالهم: قد ثل عرشهم يعنى إن تبجحوا بقتلك وفرحوا به، فقد أثرت فى عزهم وهدمت أساس مجدهم بقتل رئيسهم فإن قيل هذا من تتابع الإضافات فكيف يعد من المحسنات؟ قلنا قد تقرر أن تتابع الإضافات إذا سلم من الاستكراه ملح ولطف، والبيت من هذا القبيل كقوله ﷺ (١) (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم) ...
===
والتكلف فى السبك ضده نحو زيد الفاضل بن عمرو أو زيد بن عمرو التاجر ابن خالد، ونحوه للفنرى، وفيه أن استفادة هذا المعنى من حسن السبك خفية، وحينئذ فيلزم التعريف بالأخفى، تأمل.
ويسمى ذكر اسم الشخص واسم آبائه على ترتيب الولادة اطرادا؛ لأن تلك الأسماء فى تحدرها كالماء الجارى فى اطراده، أى: سهولة انسجامه وجريانه.
(قوله: فقد ثللت) (٢) هو بتاء الخطاب أى: أهلكت، يقال ثلهم إذا أهلكهم، والعروش جمع عرش يطلق على المقر (وقوله: بعتيبة) أى بقتل عتيبة، وهذا مثال لما ذكر فيه اسم غير الممدوح، ومثال الاطراد الذى ذكر فيه اسم الممدوح الحديث الآتى
(قوله: وتضعضع) أى: ضعف
(قوله: إن تبجحوا) أى افتخروا بقتلك
(قوله: فقد أثرت إلخ) هذا دليل الجواب المحذوف، أى فلا يعظم علينا افتخارهم؛ لأن عندنا ما يخفف أذى افتخارهم، وهو أنك قد أثرت فى عزهم وهدمت أساس مجدهم، بقتل رئيسهم، فكأنك أخذت بثأر نفسك قبل قتلك فلا افتخار لهم فى الحقيقة
(قوله: فإن قيل هذا) أى البيت، (وقوله: من تتابع) إلخ أى: من ذى تتابع الإضافات
(قوله: فكيف يعد من المحسنات) أى: مع أنه مخل بالفصاحة
(قوله: قلنا: قد تقرر إلخ) حاصله أن تتابع الإضافات إنما يخل
стр. 2170
بالفصاحة إذا كان فيه ثقل واستكراه، أما إذا سلم من ذلك حسن ولطف، والبيت من الحديث هذا تمام ما ذكر من الضرب المعنوى.
[المحسنات اللفظية]:
[الجناس]
(وأما) الضرب (اللفظى) من الوجوه المحسنة للكلام (فمنه الجناس بين اللفظين وهو تشابههما فى اللفظ) أى فى التلفظ ...
===
هذا القبيل، مع أنه ليس فيه إلا إضافتان
(قوله: الحديث) أى: اقرأ الحديث، والحديث المشار إليه هو قوله (الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) (١) فقد تتابعت فيه الإضافات وسلم من الثقل والاستكراه إذ هو فى غاية الحسن والسلاسة.
[المحسنات اللفظية]:
(قوله: وأما الضرب اللفظى إلخ) لما فرغ المصنف من الكلام على الضرب المعنوى، شرع فى الكلام على أنواع الضرب اللفظى، وقد ذكر فى هذا الكتاب منها سبعة أنواع
(قوله: فمنه الجناس) أى النوع المسمى بالجناس بكسر الجيم؛ لأنه فى الأصل مصدر جانس كقاتل قتالا، قال فى الخلاصة:
لفاعل الفعال والمفاعله
(قوله: أى فى التلفظ) أى: فى النطق بهما، بأن يكون المسموع منهما متحد الجنسية كلا أو جلا، فلا يكفى التشابه فى لام الكلمة أو عينها أو فائها كما يؤخذ من الأمثلة، وإن كان التشابه فى اللفظ صادقا بذلك، وإنما فسر اللفظ بالتلفظ؛ لأنه لو حمل على ظاهره كان التقدير هو تشابه اللفظين فى اللفظ، ولا معنى لذلك ضرورة مغايرة وجه الشبه للطرفين، وعلى فرض صحة ذلك فلا يشمل إلا التام منه، فيخرج منه الجناس الغير التام كذا قيل، هذا ويحتمل أن المصنف أطلق اللفظ على ذاتهما أى حروفهما، فيكون المعنى تشابه اللفظين فى حروفهما كلا أو جلا، ثم إن التشابه المذكور لا بد فيه من اختلاف المعنى، كما دلت عليه الأمثلة الآتية، فكأنه يقول هو ألا يتشابها إلا فى اللفظ، فيخرج ما إذا تشابها من جهة المعنى فقط، نحو أسد وسبع للحيوان المفترس،
стр. 2171
فيخرج التشابه فى المعنى نحو أسد وسبع أو فى مجرد العدد نحو ضرب وعلم أو فى مجرد الوزن نحو ضرب وقتل (والتام منه) أى من الجناس (أن يتفقا) أى اللفظان (فى أنواع الحروف) ...
===
كما قال الشارح فليس بينهما جناس، وأما إذا تشابها فى اللفظ والمعنى معا كالتأكيد اللفظى، نحو: قام زيد قام زيد فلا جناس بينهما.
(قوله: فيخرج) أى بقوله: فى اللفظ
(قوله: نحو أسد وسبع) أى فإنهما قد تشابها فى المعنى دون اللفظ، بمعنى أن اللفظين متشابهان من جهة أن معناهما واحد، فوجه الشبه بين اللفظين اتحاد المعنى، فالمعنى فى هذا هو المعنى فى ذاك، كما يقال: اشترك الطرفان فى وجه الشبه، وليس المعنى أن لهذين اللفظين معنيين تشابها، وإلا لورد أن المعنى فيهما متحد والتشابه يقتضى التعدد.
(قوله: أو فى مجرد العدد) أى: ويخرج من التعريف التشابه فى العدد المجرد عن التشابه فى اللفظ، كما فى ضرب وعلم مبنيين للفاعل فلا جناس بينهما لعدم تشابههما فى التلفظ وإن تشابها فى العدد.
(قوله: أو فى مجرد الوزن) أى: ويخرج من التعريف ما إذا تشابه اللفظان فى الوزن دون التلفظ، ويلزم من التشابه فى الوزن التشابه فى العدد، نحو: ضرب وقتل مبنيين للفاعل فلا جناس بينهما لعدم تشابههما فى التلفظ وإن تشابها فى الوزن والعدد.
(قوله: والتام منه) هذا شروع فى أقسام الجناس، وهى خمسة: التام والمحرف والناقص والمقلوب وما يشمل المضارع واللاحق؛ وذلك لأن اللفظين إن اتفقا فى كل شىء من أنواع الحروف وأعدادها وهيآتها وترتيبها فهو التام، وإن اختلفا فى الهيئة فقط فهو المحرف، وإن اختلفا فى زيادة بعض الحروف فهو الناقص، وإن اختلفا فى نوع من الحروف فهو ما يشمل المضارع واللاحق، وإن اختلفا فى ترتيب الحروف فهو المقلوب، وفى كل قسم من هذا الأقسام الخمسة تفصيل يأتى.
وبدأ المصنف منها بالكلام على التام حيث قال: والتام منه إلخ
(قوله: فى أنواع الحروف) الإضافة للبيان، وإنما أورد لفظ أنواع تنبيها على أن الحروف أنواع، وإلا
стр. 2172
فكل من الحروف التسعة والعشرين نوع، وبهذا يخرج نحو يفرح ويمرح (و) فى (أعدادها) وبه يخرج نحو الساق والمساق (و) فى (هيآتها) وبه يخرج نحو البرد والبرد، فإن هيئة الكلمة كيفية حاصلة لها باعتبار الحركات والسكنات فنحو ضرب وقتل على هيئة واحدة مع اختلاف الحروف بخلاف ضرب وضرب مبنيين للفاعل والمفعول فإنهما على هيئتين مع اتحاد الحروف ...
===
فيكفى أن يقول فى الحروف
(قوله: فكل من الحروف التسعة والعشرين نوع) أى برأسه فالألف نوع وتحته أصناف؛ لأنها إما مقلوبة عن واو أو ياء أو أصلية، والباء كذلك نوع تحته أصناف؛ لأنها إما مدغمة أو لا مشددة أو لا، وعلى هذا القياس فلا يرد أن يقال النوع تحته أصناف، والحروف الهجائية إنما تحتها أشخاص لا أصناف، والجواب ما ذكر، أو يقال وهو الأقرب: المراد بالنوع هنا النوع اللغوى، ولا يشترط فيه وجود أصناف تحته
(قوله: وبهذا) أى باشتراط الاتفاق فى أنواع الحروف الموجودة فى اللفظين يخرج عن التام نحو: يفرح ويمرح مما اتفقا فى بعض الأنواع دون بعض، فإن يفرح ويمرح قد اختلفا فى الميم والفاء، فليس بينهما جناس تام بل لاحق
(قوله: وفى أعدادها وهيآتها) الأولى وفى عددها وهيئتها، إذ ليس توافق الكلمتين فى أعداد الحروف وفى الهيآت، إذ ليس لحروف الكلمة إلا هيئة واحدة وعدد واحد، لكنه أورد صيغة الجمع نظرا للمواد، والمراد بتوافق الكلمتين فى عدد الحروف أن يكون مقدار حروف أحد اللفظين هو مقدار حروف الآخر.
(قوله: وبه) أى باشتراط اتفاق اللفظين فى عدد الحروف، يخرج نحو الساق والمساق؛ لأن الميم لا يقابلها شىء فى المقابل، بل هى مزيدة فلم يتفق عدد الحروف فى اللفظين، فليس بينهما جناس تام بل ناقص، ولو أخرج نحو الساق والمساق بالاتفاق فى أنواع الحروف الموجودة ما بعد، أيضا. تأمل. ولا اعتبار بكون الحرف المشدد بحرفين كما يأتى، والمساق مصدر ميمى بمعنى السوق.
(قوله: هيآتها) أى الحروف
(قوله: نحو البرد والبرد) أى بفتح الباء من أحدهما وضمها من الآخر
(قوله: فإن هيئة الكلمة إلخ) هذا تعليل لمحذوف، أى وإنما اشتراط
стр. 2173
(و) فى (ترتيبها) أى تقديم بعض الحروف على بعض وتأخيره عنه، وبه يخرج الفتح والحتف (فإن كانا) أى اللفظان المتفقان فى جميع ما ذكر (من نوع واحد) من أنواع الكلمة (كاسمين) أو فعلين أو حرفين ...
===
الاتفاق فى هيئة الحروف زيادة على الاتفاق فى أنواعها؛ لأن هيئتها أمر زائد عليها، فلا يلزم من الاتفاق فى أنواع الحروف الاتفاق فى هيئتها، ولا يلزم من الاتفاق فى هيئتها الاتفاق فى أنواعها؛ لأن هيئة الحرف حركته المخصوصة أو سكونه، وهو غيره. قال العلامة عبد الحكيم: كان الأولى أن يقول: فإن هيئة الحروف دون الكلمة؛ لأن الكلام فى هيآت الحروف دون هيآت الكلمات، والحاصل أن هيئة الحروف كيفية حاصلة لها باعتبار حركاتها وسكناتها، سواء اتفقت أنواع الحروف أو اختلفت، وأما هيئة الكلمة فهى كيفية حاصلة لها باعتبار حركات الحروف وسكناتها، وتقديم بعضها على بعض، ولا يعتبر فى هيئة الكلمة حركة الحرف الأخير ولا سكونه؛ لأن الحرف الأخير عرضة للتغير، إذ هو محل الإعراب والوقف، فلا يشترط اتفاق الكلمتين فى هيئته
(قوله: وفى ترتيبها) أى أنه يشترط الاتفاق فى ترتيب الحروف، بأن يكون المقدم والمؤخر فى أحد اللفظين هو المقدم والمؤخر فى الآخر.
وقد تبين من كلام المصنف أن الجناس التام يشترط فيه شروط أربعة: الاتفاق فى أنواع الحروف، والاتفاق فى أعدادها والاتفاق فى هيئتها، والاتفاق فى ترتيبها
(قوله: أى تقديم بعض الحروف على بعض) هذا تصوير للترتيب فى حد ذاته (وقوله: وتأخيره عنه) أى تأخير الآخر عن البعض الأول
(قوله: والحتف) هو الموت.
(قوله: فإن كانا من نوع واحد) أى سواء اتفقا فى الإفراد كما مثل المصنف، أو فى الجمعية نحو قول الشاعر:
حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتّال (١)
الأول جمع إجل بالكسر وهو القطيع من بقر الوحش، والثانى جمع أجل والمراد به منتهى الأعمار، والمعنى عيون النساء الشبيهة بقطيع البقر من الوحش جالبات للموت،
стр. 2174
(سمى مماثلا) جريا على اصطلاح المتكلمين من أن التماثل هو الاتحاد فى النوع (نحو وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ (١) أى القيامة يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ من ساعات الأيام (وإن كانا من نوعين) ...
===
والعشق قتال للإنسان، أو كانا مختلفين نحو: فلان طويل النجاد وطلاع النجاد، الأول مفرد بمعنى حمائل السيف، والثانى جمع نجد وهو ما ارتفع من الأرض، والمعنى فلان طويل حمائل السيف وطلاع للأراضى المرتفعة
(قوله: سمى مماثلا) أى سمى جناسا تاما مماثلا، وفى نسخة سمى متماثلا وهى المناسبة لقول الشارح، من أن التماثل إلخ وأشار الشارح بما ذكره من التعليل إلى أن تلك التسمية بطريق النقل عن اصطلاح المتكلمين من أن التماثل هو الاتحاد فى النوع، والمناسب فى التعليل لنسخة سمى مماثلا أن يقال أخذا من المماثلة التى هى الاتحاد فى النوع عند المتكلمين، ثم إن المستحق أن يسمى مماثلا جريا على ذلك الاصطلاح كل من المتجانسين لا التجانس بينهما، ولكن لا حجر فى الاصطلاح
(قوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) أى القيامة سميت ساعة لوقوعها فيها
(قوله: يقسم المجرمون) أى: يحلف المجرمون أنهم ما لبثوا فى الدنيا غير ساعة، أى إلا وقتا يسيرا من ساعات الأيام الدنيوية، والساعة اصطلاحا جزء من أربعة وعشرين جزءا يتجزأ بها زمان الليل والنهار، ففى زمن استوائهما يكون الليل منها اثنتى عشرة ويكون النهار كذلك، وعند اختلافهما بالطول والقصر يدخل من ساعات أحدهما فى الآخر ما نقص من ذلك الآخر، وهو إيلاج أحدهما فى الآخر المشار له بقوله تعالى يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ (٢) والساعة فى الآية يحتمل أن يراد بها هذه الاصطلاحية، ويحتمل أن يراد بها الساعة اللغوية، وهى اللحظة من الزمان وهذا أقرب، ومحل الشاهد أن الساعة الأولى والثانية فى الآية قد اتفقا فى نوع الاسمية، وفى جميع الأوجه السابقة، إذ لا عبرة باللام التعريفية لأنها فى حكم الانفصال، فكان الجناس بينهما مماثلا، قيل إنه لا جناس فى الآية أصلا، لأن استعمال لفظ الساعة فى القيامة مجاز،
стр. 2175
اسم وفعل أو اسم وحرف أو فعل وحرف (سمى مستوفى كقوله:
ما مات من كرم الزّمان فإنّه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله (١)
===
لوقوعها فى لحظة فسميت القيامة ساعة لملابستها للساعة، واللفظ الحقيقى مع مجازيه لا يكون من التجنيس، كما لوقيل رأيت أسدا فى الحمام وأسدا فى الغابة، وكما لو قلت ركبت حمارا ورأيت حمارا تعنى بليدا، وقد يجاب على تقدير تسليم أنه لا جناس بين اللفظ الحقيقى ومجازيه بأن الساعة صارت حقيقة عرفية فى القيامة.
وقد اقتصر المصنف على مثال ما إذا كان الجناس بين اسمين، ومثاله بين الفعلين أن يقال: لما قال لديهم قال لهم كذا وكذا، فالأول من القيلولة والثانى من القول، ومثاله بين الحرفين أن يقال: قد يجود الكريم وقد يعثر الجواد، فإن قد الأولى للتكثير والثانية للتقليل، فالمعنى مختلف مع اتفاق اللفظين فى نوع الحرفية، وفى جميع ما مر
(قوله: اسم وفعل إلخ) يعنى أن هذا المسمى بالمستوفى، ثلاثة أقسام: الأول بين اسم وفعل كما فى البيت والثانى بين اسم وحرف، كأن يقال: رب رجل شرب رب رجل آخر، فرب الأولى حرف جر والثانية اسم للعصير المعلوم، والثالث بين حرف وفعل، كقولك علا زيد على جميع أهله، أى: ارتفع عليهم، فعلا الأولى فعل والثانية حرف
(قوله: سمى مستوفى) أى لاستيفاء كل من اللفظين أوصاف الآخر، وإن اختلفا فى النوع
(قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو أبو تمام فى مدح يحيى بن عبد الله البرمكى، كان من عظماء أهل الوزارة فى الدولة العباسية وهذا البيت مثال الاسم والفعل، ومثال الاسم والحرف رب رجل شرب رب آخر فرب الأول حرف جر، والثانى اسم للعصير المستخرج من العنب، ومثال الفعل والحرف علا زيد على جميع أهله أى: ارتفع عليهم فعلا الأولى فعل والثانية حرف (قوله ما مات من كرم الزمان) ما موصولة فى محل رفع على الابتداء وخبره جملة فإنه إلخ ومن كرم الزمان بيان لما أى ما ذهب عن أهل الوقت من كرم الزمان الماضى فصار كالميت فى عدم ظهوره
(قوله: فإنه) أى فإن ذلك الميت من الكرم وقوله يحيا أى يظهر كالحى، ويتجدد عند يحيى بن عبد الله يعنى أن كل كرم اندرس،