إلى صارخ الوغى) أى مستغيث فى الحرب (بمستلئم) أى لابس لأمة وهى الدرع والباء للملابسة والمصاحبة (مثل الفنيق) هو الفحل المكرم (المرحّل) من رحل البعير أشخصه عن مكانه وأرسله أى تعدو بى ومعى من نفسى مستعد للحرب ...
===
لكنه يستحسن فى الخيل؛ لأنه يدل على أنها مما يعد للشدائد لقوتها وأهليتها وأنها مما جرب للملاقاة فى الحروب وللتصادم وذلك كمال فيها
(قوله: إلى الصارخ الوغى) أى:
إلى الصارخ الذى يصرخ فى مكان الوغى، والوغى الحرب والصارخ الذى يصرخ فى مكان الحرب هو: الذى يصيح وينادى الفرسان لحضور الحرب والاجتماع إليه لإغاثته
(قوله: لأمة) بالهمزة الساكنة وقد تسهل
(قوله: والباء للملابسة والمصاحبة) أى: متعلقة بمحذوف على أنها ومجرورها فى محل الحال من المجرور فى بى أى: تعدو بى حالة كونى مصاحبا لمستلئم آخر، وليست الباء للتعدية وليس قوله بمستلئم بدلا من الباء فى قوله بى؛ لأن ذلك يفوت التجريد ولأنه لا يبدل الاسم الظاهر من ضمير الحاضر إلا إذا كان مفيدا للإحاطة، ولا للسببية متعلقة ب تعدو لأن المعنى حينئذ تعدو بى بسبب مستلئم، وحينئذ فيكون المستلئم الذى هو المنتزع سببا للمجرد منه، والمقرر هو أن المجرد منه سبب ومنشأ لا العكس، نعم يمكن اعتبار السببية بتكلف وذلك بأن تدعى المبالغة حتى صار الأصل والسبب فرعا مسببا، وإنما لم يحمل على ذلك لأن المبالغة المفيدة للتجريد تكفى فى الحسن، ومتى ما زيد عليها ما أوجب العكس صار الكلام كالرمز وصار فى غاية البرودة كما يشهد بذلك الذوق السليم
(قوله: والمصاحبة) تفسير مراد للملابسة والأولى حذف الملابسة.
(قوله: مثل الفنيق) قال سم: الظاهر أنه صفة لمستلئم لقربه منه وقال اليعقوبى:
بالجر صفة لشوهاء والفنيق بالفاء والنون ثم ياء تحتية وقاف (وقوله: وهو الفحل المكرم) أى: الفحل من الإبل الذى ترك أهله ركوبه تكرمة له (وقوله: المرحّل) أى المرسل عن مكانه أى: أنه مطلق وغير مربوط فى محل، فقد شبه الفرس بالفحل المذكور فى القوة وعدم القدرة على المصادمة
(قوله: من رحل البعير) بتشديد الحاء (وقوله: أشخصه) أى:
стр. 2102
بالغ فى استعداده للحرب حتى انتزع منه آخر (ومنها) ما يكون بدخول فى المنتزع منه (نحو قوله تعالى لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ (١) أى فى جهنم وهى دار الخلد) لكنه انتزع منها دارا أخرى وجعلها معدة فى جهنم لأجل الكفار تهويلا لأمرها مبالغة فى اتصافها بالشدة (ومنها ما يكون بدون توسط حرف (نحو قوله (٢) ...
===
أطلقه (وقوله: وأرسله) تفسير
(قوله: بالغ فى استعداده للحرب) أى: بملازمته لبس اللأمة وغيرها من آلات الحرب
(قوله: حتى انتزع منه آخر) أى: حتى صار بحيث يخرج منه مستعد آخر يصاحبه.
(قوله: فى المنتزع منه) أى: على المنتزع منه ففى بمعنى على
(قوله: أى فى جهنم) تفسير للضمير المجرور بفى (وقوله: وهى) أى: جهنم نفسها
(قوله: لكنه انتزع منها دار أخرى إلخ) حاصله أنه بولغ فى اتصافها بكونها دارا ذات عذاب مخلد حتى صارت بحيث تفيض ويصدر عنها دار أخرى مثلها فى الاتصاف بكونها دارا ذات عذاب مخلد، فكأنه قيل: ما أعظم تلك الدار فى لزومها لهم وعدم انفكاك عذابها عنهم وكونها لا تضعف مع طول الخلود ولا تفنى بتصرم الأعوام، حتى إنها تفيض دارا أخرى مثلها فى اللزوم وقوة العذاب بلا ضعف مع التخليد
(قوله: تهويلا إلخ) علة لانتزاع الدار الأخرى منها
(قوله: ومبالغة فى اتصافها بالشدة) بحث فيه بعضهم بأن انتزاع دار الخلد يفيد المبالغة فى الخلود لا فى شدة العذاب، إلا أن يقال: اتصافها بالخلود يستلزم شدة العذاب فانتزع منها دار أخرى مثلها فى شدة العذاب وفى كونها مخلدا فيها، انتهى. قال العصام: يمكن ألا تكون فى هنا للانتزاع بل لإفادة أن دار الكفار منزلتهم بعض جهنم لأن كثيرا منها مشغول بالفساق من المسلمين، بل هى أوسع من أن يشغلها جميع من دخلها قال تعالى يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣)
(قوله: بدون توسط حرف) أى: بل يؤتى بالمنتزع على وجه يفهم منه الانتزاع بقرائن الأحوال من غير حرف مستعان به على إفادة التجريد
(قوله: نحو قوله) أى: قول الشاعر وهو: قتادة
стр. 2103
فلئن بقيت لأرحلنّ بغزوة، تحوى) أى تجمع (الغنائم أو يموت) منصوب بإضمار أن أى إلا أن يموت (كريم) يعنى نفسه انتزع من نفسه كريما مبالغة فى كرمه فإن قيل هذا من قبيل الالتفات من التكلم إلى الغيبة قلنا لا ينافى التجريد على ما ذكرنا (وقيل: تقديره أو يموت منى كريم ...
===
ابن مسلمة الحنفى نسبة لبنى حنيفة قبيلة
(قوله: فلئن بقيت) أى: حيّا، وقوله: لأرحلن أى: لأسافرن، وقوله بغزوة الباء للسببية أو بمعنى اللام كما هو فى بعض النسخ
(قوله: تحوى الغنائم) قال فى المطول: الجملة صفة لغزوة أى: تجمع تلك الغزوة الغنائم أى:
يجمع أهل تلك الغزوة الغنائم وأنا منهم: قال العصام: ويحتمل أن ضمير تحوى للخطاب، أى تحوى أنت ويكون فيه التفات من التكلم فى قوله: لئن بقيت لأرحلن إلى الخطاب فى قوله: تحوى الغنائم أى: أحوى بها الغنائم، وأما على كلام الشارح من أن ضمير تحوى للغزوة فلا التفات فيه، والالتفات إنما هو فى أو يموت كريم
(قوله: منصوب بإضمار أن) أى: لوقوعه بعد أو التى بمعنى إلا أى: لكن إن مات كريم فلا تحوى الغنائم، وما ذكره من النصب هو الرواية فى البيت وإلا فيجوز رفعه بالعطف على تحوى بحذف العائد أى: لأرحلن لغزوة تحوى الغنائم أو يموت فيها كريم، أى أو يستشهد فيها بالقتل
(قوله: يعنى نفسه) أى: أن الشاعر يعنى بالكريم نفسه؛ أى لأن معنى الكلام كما أفاده السياق أنى أسافر لغزوة إما أن أجمع فيها الغنائم أو أموت
(قوله: من قبيل الالتفات إلخ) أى: وحينئذ فلا يكون من قبيل التجريد لأن الالتفات مبنى على الاتحاد والتجريد مبنى على التعدد وهما متنافيان؛ وذلك لأن المعنى المعبر عنه فى الالتفات بالطريق الأول والثانى واحد، والمعبر عنه باللفظ الدالّ على المنتزع منه باللفظ الدالّ على المنتزع متعدد بحسب الاعتبار، إذ يقصد أن المجرد شىء آخر غير المجرد منه
(قوله: قلنا: لا ينافى إلخ) أى: قلنا: الالتفات لا ينافى التجريد.
(قوله: على ما ذكرنا) أى: على مقتضى ما ذكرنا من تعريف التجريد، فإنه يقتضى أنه قد يجامعه الالتفات إذ المراد بالاتحاد فى الالتفات الاتحاد فى نفس الأمر لا الاتحاد فيه وفى الاعتبار، والمراد بالتعدد فى التجريد التعدد بحسب الاعتبار لا فى نفس
стр. 2104
===
الأمر أيضا حتى ينافى الالتفات، والحاصل أن ما فى البيت تجريد نظرا للتغاير الادعائى، والتفات نظرا للاتحاد الواقعى، وفى بعض الحواشى ليس مراد الشارح بعدم منافاة الالتفات للتجريد أنه يجوز اجتماعهما فى لفظ واحد قصدا بل مراده أن الالتفات لا ينافى احتمال التجريد، فكما صح فى البيت الالتفات يصح فيه التجريد على البدلية لا على الاجتماع، وذلك لأن من المواد ما يصلح لقصد التجريد فقط ومنها ما يصلح للالتفات فقط ومنها ما يصلح لهما معا، فالأول: كما تقدم فى قولهم لى من فلان صديق حميم، إذ لا معنى للالتفات فيه لاتحاد الطرفيين فيه إذ هما معا غيبة، والثانى: كقوله تعالى إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (١) إذ لا معنى للانتزاع والتجريد فيه بأن يقال انتزع تعالى من ذاته ربا مبالغة فى ربوبيته للنبى- ﷺ لأنه يلزم الأمر بالصلاة المرب المنتزع، والثالث: كالمثال الذى نحن بصدد البحث فيه وهو لئن بقيت لأرحلن بغزوة إلخ، فإن المتكلم بهذا الكلام يحتمل أنه قصد المبالغة فى وصف نفسه بالكرم حتى انتزع من نفسه كريما آخر فيكون تجريدا، ويحتمل أنه أراد التنطع فى التعبير وتحويل الكلام من أسلوب إلى أسلوب آخر جديد فيكون التفاتا، وأما كون الالتفات والتجريد يجتمعان فى مادة قصدا فلا يصح.- انتهى كلامه، قال العلامة عبد الحكيم:
والصواب أن اجتماعهما واقع فى صورة يكون الأسلوب المنتقل إليه دالا على صفة كما فيما نحن فيه، فهو يعنى قوله كريم التفات من حيث إنه انتقل من التكلم للغيبة، وتجريد من حيث التعبير بصيغة الصفة لأجل المبالغة فى الكرم، ولا يرد ما قيل إن الالتفات يقتضى الاتحاد والتجريد يقتضى التغاير ولو ادعاء، وبينهما تناف لأنه إنما يلزم ذلك لو كان اعتبار المتنافيين من جهة واحدة بحسب اقتضاء المقام، وهنا ليس كذلك لما علمت أن الالتفات من حيث إنه انتقل من التكلم للغيبة لأجل تجديد الأسلوب، والتجريد من حيث التعبير بصيغة الصفة لأجل المبالغة فى الكرم مثلا اه. وبهذا تعلم أن قول الشارح: قلنا لا ينافى التجريد، معناه قلنا إن الالتفات لا ينافى التجريد وأنه يجوز اجتماعهما
стр. 2105
فيكون من قبيل: لى من فلان صديق حميم فلا يكون قسما آخر (وفيه نظر) لحصول التجريد وتمام المعنى بدون هذا التقدير (ومنها) ما يكون بطريق الكناية (نحو قوله:
يا خير من يركب المطىّ ولا ... يشرب كأسا بكفّ من بخلا (١)
===
معا فى مادة قصدا، والحاصل أن التنافى إنما يأتى لو كان المقام مقتضيا لهما بجهة واحدة وأما اجتماعهما فى مادة كل واحد باعتبار فلا ضرر فيه
(قوله: على ما ذكرنا) فيه أنه لم يتعرض لعدم المنافاة سابقا فالأولى لا ينافى التجريد بالمعنى المذكور، وقد يجاب بأن المراد على مقتضى ما ذكرنا من تعريف التجريد كما مر
(قوله: فيكون من قبيل لى من فلان صديق حميم) أى: فيكون مثله من جهة أن من داخلة على المنتزع منه فى كل، وذلك لأن المقدر كالمذكور
(قوله: وفيه نظر) أى: وفى هذا القيل نظر
(قوله: لحصول التجريد وتمام المعنى بدون هذا التقدير) أى: ومن المعلوم أن تقدير شىء زائد فى الكلام إنما يحتاج إليه عند عدم تمام المعنى بدونه وإنما كان هذا الكلام يفهم منه أن المتكلم جرد من نفسه كريما آخر بلا تقدير المجرور بمن لأنه عادل بين كونه يحوى الغنائم أو يموت الكريم، والجارى على الألسن أن يقال: لا بد لى من الغنيمة أو الموت فيفهم منه أن المراد بالكريم نفسه، والمدح المستفاد من التعبير بلفظ الكريم يقتضى المبالغة المصححة للتجريد.
(قوله: ومنها ما يكون بطريق الكناية) أى: مصحوبا بطريق الكناية أى: تجريد معه كناية بأن ينتزع المعنى ثم يعبر عنه بكناية كما أنه يعبر عنه بصريح
(قوله: نحو قوله) أى: قول الشاعر وهو الأعشى
(قوله: المطى) جمع مطية وهى المركوب من الإبل
(قوله: ولا يشرب كأسا بكف من بخلا) أى: بكف من هو موصوف بالبخل، وحاصله أن ذلك الممدوح وهو المخاطب من أهل الشرب والشأن أن الإنسان يشرب بكف نفسه، فانتزع الشاعر من ذلك الممدوح شخصا كريما يشرب من كفه الممدوح مبالغة فى كرمه، فصار الأصل ويشرب بكف كريم ثم عبر عن ذلك المعنى بالكناية بأن أطلق اسم
стр. 2106
أى يشرب الكأس بكف الجواد؛ انتزع منه جوادا يشرب هو بكفه على طريق الكناية لأنه إذا نفى عنه الشرب بكف البخيل فقد أثبت له الشرب بكف كريم؛ ومعلوم أنه يشرب بكفه فهو ذلك الكريم) وقد خفى هذا على بعضهم فزعم إن الخطاب أن كان لنفسه فهو تجريد وإلا فليس من التجريد فى شىء بل كناية عن كون الممدوح غير بخيل.
===
الملزوم وهو نفى الشرب بكف البخيل وأريد اللازم وهو الشرب بكف الكريم، فالتجريد مقدم على الكناية قصدا لكن فى توجيه كون التركيب محتويا عليهما يقدم توجيه الكناية كما فعل الشارح فقوله: أى يشرب الكأس بكف الجواد إشارة للمعنى الكنائى والكأس إناء مملوء من خمر
(قوله: انتزع) أى: الشاعر وقوله منه أى: من المخاطب وقوله: جوادا أى آخر غير المخاطب الممدوح وقوله: يشرب هو أى الممدوح وقوله: بكفه أى: بكف ذلك الجواد المنتزع.
(قوله: على طريق الكناية) أى: وجرى فى إفادة هذا المعنى على طريق الكناية، حيث أطلق اسم الملزوم الذى هو نفى الشرب بكف البخيل على اللازم وهو الشرب بكف الكريم، ومعلوم أنه يشرب بكف نفسه فيكون المراد بالكريم نفسه ففيه تجريد
(قوله: لأنه إذا نفى إلخ) أى: وبيان جريانه على طريق الكناية أن المخاطب إذا نفى عنه الشرب بكف البخيل بقوله: ولا يشرب كأسا بكف من بخلا فقد أثبت له الشرب بكف كريم وذلك لأن المخاطب لما تحقق له الشرب فى نفس الأمر لكونه من أهل الشرب، ولم يكن شربه بكف بخيل فقد كان بكف كريم، إذ لا واسطة بينهما
(قوله: فهو ذلك الكريم) أى: فهو حينئذ ذلك الكريم فى نفس الأمر والحاصل أن الشاعر قد جرد كريما آخر من المخاطب وكنى عن شربه بكفه المستلزم له بنفى الشرب بكف البخيل، ولا منافاة بين الكناية وكون المكنى عنه مجردا من غيره فإنه كما يصح التعبير عن المجرد بالتصريح يصح بالكناية، فلو امتنع التعبير عن المجرد بالكناية لامتنع بالتصريح
(قوله: وقد خفى هذا) أى: كونه انتزع منه جوادا على طريق الكناية الذى يفهم منه اجتماع التجريد والكناية
(قوله: على بعضهم) هو العلامة الخلخالى
(قوله: فزعم إلخ)
стр. 2107
وأقول: الكناية لا تنافى التجريد على ما قررناه ولو كان الخطاب لنفسه لم يكن قسما بنفسه بل داخلا فى قوله.
(ومنها مخاطبة الإنسان نفسه) وبيان التجريد فى ذلك أن ينتزع من نفسه شخصا آخر مثله فى الصفة التى سيق لها الكلام ثم يخاطبه (كقوله:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النّطق إن لم يسعد الحال (١)
===
حاصله أن الخلخالى زعم أن كلام المصنف فى جعل هذا أى قوله ولا يشرب كأسا بكف من بخلا تجريدا فى الكناية لا يصح، لأن الخطاب فى قوله يا خير من يركب المطى إن كان لنفسه فهو تجريد؛ لأنه صير نفسه أمامه فخاطبها، وإنما يصيرها كذلك بالتجريد وإذا كان هذا تجريدا فقوله: ولا يشرب كأسا بكف من بخلا كناية عن الكريم فيكون وصفا للمجرد أولا ولا تجريد فى الكناية نفسها لأن التجريد وقع أولا والكلام فى كون الكناية تتضمن تجريدا مستقلا ولم يوجد على هذا وإن كان الخطاب لغيره كان قوله: ولا يشرب كأسا بكف من بخلا كناية عن الكريم الذى هو ذلك المخاطب بواسطة دلالته على أنه يشرب بكف كريم، مع العلم بأن الكف كفه وليس من التجريد فى شىء
(قوله: وأقول) أى: فى الرد على ذلك البعض
(قوله: الكناية لا تنافى التجريد) رد لقوله وإلا فليس إلخ، وقوله ولو كان الخطاب لنفسه إلخ رد لقوله: إن كان الخطاب لنفسه فهو تجريد، وحاصل كلام الشارح اختيار أن الخطاب لغيره والتجريد حاصل، وكونه كناية لا ينافى التجريد وأن كون الخطاب لنفسه صحيح والتجريد حاصل معه إلا أنه لا يصح حمل كلام المصنف عليه؛ لأنه لا يكون حينئذ قسما برأسه، والمصنف جعله قسما برأسه.
(قوله: ومنها مخاطبة الإنسان نفسه) أى: من أقسام التجريد ما تدل عليه مخاطبة الإنسان لنفسه؛ لأن المخاطبة ليست من أنواع التجريد وإنما تدل عليه؛ وذلك لأن المخاطب يكون أمام الإنسان ولا يخاطب نفسه حتى يجعلها أمامه ولا يجعلها أمامه حتى يجرد منها شخصا آخر يكون مثله فى الصفة التى سيق لها الكلام ليتمكن من خطابه، وحينئذ فمخاطبة الإنسان نفسه تستلزم التجريد
(قوله: مثله فى الصفة التى سيق إلخ) أى: كفقد المال والخيل فى البيت الآتى
(قوله: لا خيل عندك تهديها ولا مال) أى: لا
стр. 2108
أى الغنى انتزع من نفسه شخصا آخر مثله فى فقد الخيل والمال وخاطبه
[المبالغة]:
(ومنه) أى ومن المعنوى (المبالغة المقبولة) لأن المردودة لا تكون من المحسنات وفى هذا إشارة إلى الرد على من زعم أن المبالغة مقبولة مطلقا وعلى من زعم أنها مردودة مطلقا ...
===
خيل ولا مال عندك تهديه للمادح فإذا لم يكن عندك شىء من ذلك تواسى به المادح فواسه بحسن النطق.
(قوله: أى الغنى) تفسير للحال والمعنى فليعن حسن النطق بالاعتذار بالفقر على عدم الإهداء إن لم يعن الحال الذى هو الغنى على الإهداء إليه لعدم وجدانه، وعبارة الأطول: المراد بالحال الفقر، والمعنى: فليسعد النطق بالاعتذار بالفقر على عدم الإهداء إن لم يعن الحال الذى هو الفقر على الإهداء إليه، وفيه أن الفقر لا يساعد ولا يعين على الإهداء، وإنما الذى يساعد ويعين عليه الغنى الذى هو عادمه فتأمل.
[المبالغة]:
(قوله: المقبولة) أى: وهى الإغراق والتبليغ وبعض صور الغلو
(قوله: لأن المردودة إلخ) علة لمحذوف أى: وقيد بالمقبولة؛ لأن المردودة وهى بعض صور الغلو لا تكون إلخ؛ لأن الغلو كما سيأتى إن كان معها لفظ يقربها من الصحة أو تضمنت نوعا حسنا من التخييل أو خرجت مخرج الهزل والخلاعة قبلت وإلا ردت
(قوله: وفى هذا) أى: التقييد بالمقبولة
(قوله: أن المبالغة مقبولة مطلقا) أى: سواء كانت تبليغا أو إغراقا أو غلوّا، وذلك لأن حاصلها أن يثبت فى الشىء من القوة أو الضعف ما ليس فيه وخير الكلام ما بولغ فيه وأعذب الحديث أكذبه مع إيهام الصحة وظهور المراد، وحينئذ فتكون من المحسنات مطلقا وإنما قلنا مع إيهام الصحة وظهور المراد؛ لأن الكذب المحض الذى هو قصد ترويح ظاهره مع فساده لم يقل أحد من العقلاء أنه مستحسن.
(قوله: وعلى من زعم أنها مردودة مطلقا) أى: لأن خير الكلام ما خرج مخرج الحق وجاء على منهج الصدق ولا خير فى كلام أوهم كذبا أو حققه كما يشهد له قول حسان، - رضى الله عنه (١):
стр. 2109
ثم إنه فسر مطلق المبالغة وبين أقسامها والمقبول منها والمردود فقال (والمبالغة) مطلقا (أن يدعى لوصف بلوغه فى الشدة أو الضعف حدّا مستحيلا أو مستبعدا) وإنما يدعى ذلك (لئلا يظن أنه) أى ذلك الوصف (غير متناه فيه) أى فى الشدة أو الضعف ...
===
وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا
فإنّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
والذى فيه مبالغة لا صدق فيه فهو ليس من أشعر بيت فهذان قولان مطلقان والمختار أن المبالغة منها مقبولة ومنها مردودة كما أشار إليه المصنف
(قوله: ثم إنه فسر مطلق المبالغة) أى: ولذا أتى بالاسم الظاهر فقال والمبالغة إلخ ولم يأت بالضمير بحيث يقول وهى لئلا يعود على المقبولة
(قوله: مطلقا) أى: سواء كانت مقبولة أو مردودة
(قوله: أن يدعى لوصف) ضمن يدعى معنى يثبت فعداه باللام أى: أن يثبت لوصف بالدعوى له لا بالتحقيق (وقوله: بلوغه) نائب فاعل يدعى أى: أنه بلغ (وقوله فى الشدة إلخ) فى بمعنى من أى: بلغ ووصل من مراتب الشدة أو الضعف حدّا أى: طرفا ومكانا مستحيلا أو مكانا مستبعدا يقرب من المحال والأمثلة المذكورة كلها للشدة ولم يمثل للضعف
(قوله: حدّا مستحيلا) أى:
عقلا وعادة كما فى الغلو أو عادة لا عقلا كما فى الإغراق (وقوله: أو مستبعدا) أى: بأن كان ممكنا عقلا وعادة إلا أنه مستبعد كما فى التبليغ
(قوله: وإنما يدعى ذلك) أى: بلوغ الوصف لتلك المنزلة لدفع توهم أن ذلك الوصف غير متناه فيه أى: غير بالغ فيه النهاية، بل هو متوسط أو دون المتوسط، وأتى الشارح بذلك إشارة إلى أن قول المصنف لئلا يظن ليس داخلا فى حد المبالغة، بل التعريف تم بدونه وأنه بيان للعلة التى تحمل البليغ على إيجاد المبالغة، وبه اندفع ما يقال: إن المبالغة المطلقة لا يشترط فيها ذلك، واختار العصام فى الأطول: أن هذا التعليل من جملة الحد، وأنه احترز بذلك عن دعوى بلوغ الوصف حدّا مستحيلا أو مستبعدا مع الغفلة عن قصد دفع الظن المذكور فلا تكون مبالغة، والحاصل أن الدعوى المذكورة إن قصد بها دفع الظن المذكور كانت مبالغة، وإن لم يقصد بها ذلك، بل غفل عن ذلك القصد فلا تكون مبالغة وهذا محصل كلامه.
стр. 2110
وتذكير الضمير وإفراده باعتبار عوده إلى أحد الأمرين (وتنحصر) المبالغة (فى التبليغ والإغراق والغلو) لا بمجرد الاستقراء بل بالدليل القطعى وذلك (لأن المدعى إن كان ممكنا عقلا وعادة فتبليغ كقوله (١): فعادى) يعنى الفرس (عداء) هو الموالاة بين الصيدين بصرع أحدهما على أثر الآخر فى طلق واحد ...
===
(قوله: وتذكير الضمير) أى: فى فيه
(قوله: باعتبار عوده إلى أحد الأمرين) أى:
فكأنه قال لئلا يظن أنه غير متناه فى أحد الأمرين والأحد مذكر مفرد، وظاهر كلامه أنه إذا ذكر متعاطفان بأو يعاد الضمير على أحدهما مطلقا وهو ما اقتضاه كلام كثير، ونقل السيوطى فى النكت عن ابن هشام أن إفراد الضمير فى المتعاطفين بأو إذا كانت للإبهام كما تقول جاءنى زيد أو عمرو فأكرمته، إذ معنى الكلام جاءنى أحد هما فأكرمت ذلك الأحد، فإن كانت للتقسيم عاد الضمير عليهما معا كما فى قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما (٢) فحكمها حكم الواو فى وجوب المطابقة
(قوله: فى التبليغ) هو مأخوذ من قولهم: بلغ الفارس إذا مد يده بالعنان ليزداد الفرس فى الجرى
(قوله: والإغراق) مأخوذ من قولهم: أغرق الفرس إذا استوفى الحد فى جريه
(قوله: والغلو) مأخوذ من قولهم: غلا فى الشىء إذا تجاوز الحد فيه
(قوله: لا بمجرد الاستقراء) أى: الخالى عن الدليل العقلى (وقوله: بل بالدليل القطعى) أى: مع الاستقراء وفى نسخة العقلى
(قوله: وذلك) أى: وبيان ذلك أى: انحصار المبالغة فى الأقسام الثلاثة بالدليل (فتبليغ) أى: فدعوى بلوغه ما ذكر تسمى تبليغا؛ لأن فيه مجرد الزيادة على المقدار المتوسط فناسب معناه اللغوى المتقدم
(قوله: كقوله) أى: كقول الشاعر، وهو امرؤ القيس يصف فرسا له بأنه لا يعرق وإن أكثر العدو
(قوله: فعادى عداء) أى: وإلى ذلك الفرس يقال وإلى بين الصيدين إذا جرح أحدهما على أثر الآخر فى طلق واحد أى: إذا
стр. 2111
(بين ثور) يعنى الذكر من بقر الوحش (ونعجة) يعنى الأنثى منها (دراكا) أى متتابعا (فلم ينضح بماء فيغسل) مجزوم معطوف على ينضح أى لم يعرق فلم يغسل ادعى أن فرسه أدرك ثورا ونعجة فى مضمار واحد ولم يعرق وهذا ممكن عقلا وعادة.
(وإن كان ممكنا عقلا وعادة فإغراق ...
===
ألقى أحدهما على وجه الأرض أثر الآخر فى شوط واحد من غير أن يتخلله وقفة لراحة ونحوها.
(قوله: بين ثور) متعلق بعادى أى: والى بين ثور ونعجة أى: صرع أحدهما أى: ألقاه على وجه الأرض على أثر الآخر فى طلق واحد أى: شوط واحد
(قوله: دراكا) بكسر الدال على وزن كتاب قال سم والظاهر أنه تأكيد لقوله عداء؛ لأن معنى التتابع يفهم من الموالاة خصوصا مع اعتبار الكون على الأثر فيها وذكر بعض شراح ديوان امرئ القيس أنه لم يرد الموالاة بين ثور ونعجة فقط، وإنما أراد التكثير من النعاج والثيران، والدليل على ذلك قوله: دراكا، ولو أراد ثورا ونعجة فقط لاستغنى بقوله:
فعادى عداء، وإنما يريد أن الموالاة بين الصيدين أتبع بعضها بعضا فيفيد أنه قتل الكثير فى طلق واحد، وحينئذ فهو غير تأكيد لقوله عداء- تأمل.
(قوله: فلم ينضح) أى: لم يرشح ذلك الفرس الذى عادى بين الصيدين بخروج ماء أى: عرق، واعلم أن نضح إن كان بمعنى رشّ كان من باب ضرب، وإن كان بمعنى رشح كما هنا كان من باب قطع
(قوله: فيغسل) يحتمل أنه أراد بالغسل المنفى غسل العرق ويكون تأكيدا لنفى العرق، ويحتمل أنه أراد به الغسل بالماء القراح، أى: لم يصبه وسخ العرق وأثره حتى يحتاج للغسل بالماء القراح
(قوله: ادعى أن فرسه أدرك ثورا ونعجة) أى: أو أثوارا ونعاجا على الاحتمالين السابقين فى قوله دراكا
(قوله: فى مضمار) أى: فى شوط
(قوله: وهذا) أى: ما ادعاه ممكن عقلا وعادة أى وإن كان وجود تلك الحالة فى الفرس فى غاية الندور عادة
(قوله: وإن كان) أى: المدعى وهو بلوغ الوصف إلى النهاية شدة أو ضعفا
(قوله: فإغراق) أى: فدعوى بلوغه إلى حيث
стр. 2112
كقوله (١) ونكرم جارنا مادام فينا، ونتبعه) من الأتباع أى نرسل (الكرامة) على أثره (حيث مالا) أى سار وهذا ممكن عقلا لا عادة بل فى زماننا يكاد يلحق بالممتنع عقلا إذ كل ممكن عادة ممكن عقلا (وهما) أى التبليغ والإغراق (مقبولان وإلا) ...
===
يستحيل بالعادة تسمى إغراقا؛ لأن الوصف بلغ إلى حد الاستغراق، حيث خرج عن المعتاد فناسب معناه اللغوى المتقدم
(قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو عمرو بن الأيهم التغلبى
(قوله: مادام فينا) أى: مادام مقيما فينا أى معنا وفى مكاننا
(قوله: حيث مالا) أى: حيث رحل عنا وسكن مع غيرنا، واتباع الكرامة له إرسالها إليه وبعثها فى إثره، فقد ادعى الشاعر أنهم يكرمون الجار فى حالة كونه مقيما عندهم وفى حالة كونه مع غيرهم وارتحاله عنهم، فالوصف المبالغ فيه كرمهم ولا شك أن إكرام الجار فى حالة كونه مع الغير وارتحاله عنهم محال عادة، حتى إنه يكاد أن يلتحق بالمحال عقلا فى هذا الزمان، لانطباع النفوس على الشح وعدم مراعاة غير المكافأة.
واعلم أن هذا البيت إنما يصلح مثالا للإغراق إذا حمل قوله ونتبعه الكرامة، حيث مال على أن المراد إرسال الإحسان إليه الدافع لحاجته وحاجة عياله بعد ارتحاله عنهم وكونه مع الغير، وأما إن حمل على أن المراد إعطاء الجار الزاد عند ارتحاله وسفره إلى أى جهة فلا يصلح مثالا، لأن هذا لا يستحيل عادة إذ هذا شائع عند الأسخياء وأصحاب المروآت.
(قوله: وهما مقبولان) أى: لعدم ظهور الكذب فيهما الموجب للرد، واعلم أن ما ذكره من المقبول والمردود إنما هو بالنظر إلى البديع واعتبارات الشعر، وأما بالنظر للبيان فالكل مقبول، لأنها ليست جارية على معانيها الحقيقية بل كنايات أو مجازات بالنظر للمواد والأمثلة فقوله تعالى يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ (٢) مجاز مركب عن كثرة صفائه ونوره، وقوله: عقدت سنابكها البيت مجاز عن كثرة الغبار فوق رؤس الجياد،
стр. 2113
أى وإن لم يكن ممكنا لا عقلا ولا عادة لامتناع أن يكون ممكنا عادة ممتنعا عقلا إذ كل ممكن عادة ممكن عقلا ولا ينعكس (فغلو كقوله (١) وأخفت أهل الشرك حتّى إنّه)
===
وقوله يخيل لى البيت مجاز عن طول سهره وكثرة نظره إلى الكواكب
(قوله: أى وإن لم يكن ممكنا لا عقلا ولا عادة) هذا نفى للقسم الأول، أعنى قوله: وإن كان ممكنا عقلا وعادة وترك نفى القسم الثانى أعنى قوله: وإن كان ممكنا عقلا لا عادة بأن يقول أى وإن لم يكن ممكنا لا عقلا ولا عادة أو عادة لا عقلا، لأنه لا يتصور أن يكون شىء ممكنا عادة ممتنعا عقلا كما أشار له الشارح بقوله لامتناع إلخ، فهو علة لمحذوف أى وترك نفى القسم الثانى لامتناع إلخ، أو أنه علة لاقتصار فى تفسير وإلا على ما ذكره فيه
(قوله: إذ كل ممكن عادة ممكن عقلا) أى: لأن الإمكان العادى أن يكون الإمكان بحكم الوقوع فى أكثر الأوقات أو دائما
(قوله: ولا ينعكس) أى عكسا كليا فليس كل ممكن عقلا ممكنا عادة؛ لأن دائرة العقل أوسع من العادة.
(قوله: فغلو) أى: فهو غلو أى أن ادعاء بلوغ الشىء إلى كونه غير ممكن عقلا وعادة يسمى بالغلو، لتجاوزه حد الاستحالة العادية إلى الاستحالة العقلية فناسب معناه اللغوى المتقدم.
(قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو أبو نواس وهو الحسن بن هانئ، لقب بأبى نواس لأنه كان له عذبتان تنوسان أى تتحركان على عاتقيه، وهذا البيت من قصيدة له فى مدح هارون الرشيد بأنه أخاف الكفار جميعا من وجد منهم ومن لم يوجد، وإنما مثل بهذا البيت ولم يكتف بأمثلة الأقسام الآتية لأنه مثال للمبالغة المردودة، حيث لم يدخل عليها ما يقربها إلى الصحة، ولم تتضمن تخييلا حسنا، ويمكن أن يريد الشاعر إنه لتخافك النطف التى لم تخلق، فلم تخرج من خوفك إلى ساحة الوجود فيتضمن تخييلا حسنا أ. هـ أطول.
(قوله: وأخفت أهل الشرك) أى: أدخلت فى قلوبهم الخوف والرعب ببطشك وهيبتك
(قوله: حتى إنه) بكسر همزة إن لدخول اللام فى خبرها وحينئذ فهى ابتدائية
стр. 2114
الضمير للشأن (لتخافك النّطف الّتى لم تخلق) فإن خوف النطفة الغير المخلوقة ممتنع عقلا وعادة (والمقبول منه) أى من الغلو (أصناف منها ما أدخل عليه ما يقر به إلى الصحة نحو) لفظة (يكاد فى قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ (١).
===
(قوله: النطف) جمع نطفة وهى الماء الذى يتخلق منه الإنسان وقوله (التى لم تخلق) أى:
لم يخلق منها الإنسان بعد، أو لم تخلق هى بنفسها أى لم توجد، فقد بالغ فى أخافته أهل الشرك حيث صيره تخافه النطف التى لم توجد، ومعلوم أن خوف النطف محال؛ لأن شرط الخوف عقلا الحياة فيستحيل الخوف من الموجود الموصوف بعدمها فضلا عن خوف المعدوم، فهذه المبالغة غلو مردود لعدم اشتماله على شىء من موجبات القبول الآتية.
(قوله: منها ما أدخل عليه ما يقر به إلى الصحة) أى: من تلك الأصناف صنف أدخل عليه لفظ يقرب الأمر الذى وقع فيه الغلو إلى الصحة، أى: إلى مكان وقوعه
(قوله: نحو لفظة يكاد) أى: ولفظة لو ولولا وحرف التشبيه
(قوله: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ) المبالغ فيه إضاءة الزيت كإضاءة المصباح من غير نار، ولا شك أن إضاءة الزيت إضاءة كإضاءة المصباح بلا نار محال عقلا وعادة، فلو قيل فى غير القرآن هذا الزيت يضىء كإضاءة المصباح بلا نار لرد، وحيث قيل يكاد يضىء أفاد أن المحال لم يقع ولكن قرب من الوقوع مبالغة، لأن المعنى يقرب زيتها من الإضاءة والحال أنه لم تمسسه نار، ومعنى قرب المحال من الوقوع توهم وجود أسباب الوقوع، وقرب المحال من الوقوع، قريب من الصحة، إذ قد تكثر أسباب الوهم المتخيل بها وقوعه ولو كان لا يقع، قيل: إن المصنف لما مثل بالآية كان ينبغى له أن يقول: منها ما أدخل عليه ما يخرجه عن الامتناع بدل قوله ما يقربه إلى الصحة تأدبا؛ إذ صحة كلام الله مزيد عليها فكيف يقال فيه ما يقربه إلى الصحة ثم إن ما ذكر من كون إضاءة الزيت كإضاءة المصباح بلا نار محالا عقلا غير ظاهر، لصحة اتصاف كل جسم بما اتصف به الآخر
стр. 2115
ومنها ما تضمن نوعا حسنا من التخييل كقوله (١) عقدت سنابكها) أى حوافر الجياد (عليها) يعنى فوق رءوسها (عثيرا) بكسر العين أى غبارا ...
===
ولصلاحية قدرة المولى لذلك، اللهم إلا أن يراد بالاستحالة العقلية الاستحالة فى عقول العامة تأمل.
(قوله: ومنها ما تضمن نوعا حسنا من التخييل) أى: ومن أصناف الغلو المقبولة الصنف الذى تضمن نوعا حسنا من تخييل الصحة وتوهمها، لكون ما اشتمل على الغلو يسبق إلى الوهم إمكانه لشهود شىء يغالط الوهم فيه فيتبادر صحته، كما يذاق من المثال، وقيد المصنف بقوله حسنا إشارة إلى أن تخييل الصحة لا يكفى وحده، إذ لا يخلو عنه محال حتى إخافة النطف فيما تقدم، وإنما المعتبر ما يحسن لصحة مغالطة الوهم فيه، بخلاف ما يبدو انتفاؤه للوهم بأدنى التفات كما فى إخافة النطف، فليس التخييل فيه على تقدير وجوده فيه حسنا فلا يقبل لعدم حسنه، أ. هـ. يعقوبى.
(قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو أبو الطيب المتنبى
(قوله: سنابكها) جمع سنبك وهو طرف مقدم الحافر، فقول الشارح أى حوافر الجياد أى أطراف مقدم حوافر الخيل الجياد
(قوله: عثيرا) مفعول عقدت (وقوله بكسر العين) أى وسكون الثاء المثلثة وفتح الياء المثناة من تحت وتمام البيت كما يأتى.
... ... لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا
أى لو تريد تلك الجياد سيرا مسرعا على ذلك العثير لأمكن ذلك العنق أى السير، ادعى أن الغبار المرتفع من سنابك الخيل قد اجتمع فوق رءوسها متراكما متكاثفا، بحيث صار أرضا يمكن أن تسير عليه الجياد، وهذا ممتنع عقلا وعادة لكنه يخيل للوهم تخييلا حسنا من ادعاء كثرته وكونه كالأرض التى فى الهواء صحته فلا يحيله حتى يلتفت إلى القواعد فصار مقبولا، ولقائل أن يقول إن الاستحالة هنا إنما هى عادية لإمكان مشى الخيل وعنقها فى الهواء والريح، فضلا عما إذا وجد جسم آخر معه كالغبار، وأجيب بما تقدم من أن المراد بالاستحالة العقلية الاستحالة ولو فى عقول العامة فتأمل.
стр. 2116
ومن لطائف العلامة فى شرح المفتاح: العثير الغبار ولا تفتح فيه العين وألطف من ذلك ما سمعت أن بعض البغالين كان يسوق بغلته فى سوق بغداد وكان بعض عدول دار القضاء حاضرا فضرطت البغلة فقال البغال على ما هو دأبهم بلحية العدل بكسر العين يعنى أحد شقى الوقر فقال بعض الظرفاء على الفور افتح العين فإن المولى حاضر ومن هذا القبيل ما وقع لى فى قصيدة:
===
(قوله: ومن لطائف العلامة) أى الشيرازى لما فى ذلك من التورية لأن قوله ولا تفتح فيه العين له معنيان قريب وهو النهى عن فتح العين الجارحة فى الغبار لئلا يؤذيها بدخوله فيها وليس هذا مرادا، وبعيد وهو النهى عن فتح العين فى هذا اللفظ أى لفظ عثير، لئلا يلزم تحريف اللفظ عن وضعه وهو المراد؛ لأن قصده ضبط الكلمة، ويحتمل أن المراد لما فى ذلك من التوجيه وهو احتمال الكلام لمعنيين ليس أحدهما أقرب من الآخر بناء على استواء المعنيين هنا
(قوله: وألطف من ذلك) أى: مما ذكره العلامة
(قوله: البغالين) أى: الذين يسوقون البغال
(قوله: فضرطت البغلة) أى أخرجت ريحا من جوفها بصوت.
(قوله: فقال البغال) أى: على عادة أمثاله عند فعل البغلة ذلك.
(قوله: بلحية العدل) أى: ما فعلت يقع فى لحية العدل لا فى وجه السائق، وفيه تشبيه العدل برجل ذى لحية على طريق المكنية
(قوله: يعنى) أى بلحية العدل
(قوله: الوقر) أى الحمل بكسر أولهما
(قوله: الظرفاء) أى الحذاق
(قوله: افتح العين فإن المولى حاضر) هذا الكلام يحتمل معنيين فيحتمل افتح عينك ترى المولى أى من هو أولى وأحق أن يقع ذلك فى لحيته وهو الشاهد حاضرا، ويحتمل افتح عين لفظ العدل لتصيب الضرطة مسمى هذا اللفظ فإنه حاضر، فإن كان المعنى المراد منهما خفيا كان تورية، وإن كان المعنيان ليس أحدهما خفيا عن الآخر كان توجيها، وهو أقرب هنا لصلاحية كل من المعنيين، فهذه الحكاية محتملة للتورية والتوجيه، كما أن ما ذكره العلامة كذلك إلا أن هذه الحكاية ألطف مما ذكره العلامة لما فيها من التفطن الغريب والهجو بوجه لطيف.
(قوله: ومن هذا القبيل) أى: احتمال التورية والتوجيه فى مادة فتح العين
(قوله: ما وقع لى فى قصيدة) أى: فى مدح ملك وهو السلطان أبو الحسين محمد كرت،
стр. 2117
علا فأصبح يدعوه الورى ملكا ... وريثما فتحوا عينا غدا ملكا
ومما يناسب هذا المقام أن بعض أصحابى ممن الغالب على لهجتهم إمالة الحركات نحو الفتحة أتانى بكتاب فقلت لمن هو فقال لمولانا عمر بفتح العين فضحك الحاضرون فنظر إلى كالمتعرف عن سبب ضحكهم المسترشد لطريق الصواب فرمزت إليه بغض الجفن ...
===
وقد ذكر منها فى أول المطول سبعة أبيات
(قوله: علا) (١) أى: ارتفع (وقوله: يدعوه الورى) أى الخلق (وقوله: ملكا) أى سلطانا. (قوله وريثما فتحوا عينا غدا ملكا) أى:
فقوله فتحوا عينا يحتمل فتحوا عين لفظ ملك أى وسطه فغدا بسبب الفتح ملكا فيكون معناه كذلك، ويحتمل أن يراد فتحوا أعينهم فيه ونظروه فوجدوه قد تبدل وصار ملكا، فيتجه فيه التوجيه أو التورية على ما تقدم، والريث مصدر راث إذا أبطأ يستعمل كثيرا بمعنى الزمان لإشعار البطء بالزمان، ويضاف للجمل نائبا عن الزمان فيقال اجلس ريث أنا أكلمك بكلمتين أى: اجلس زمانا مقداره ما أكلمك فيه كلمتين، والتقدير هنا أنه غدا ملكا فى الزمان الذى مقداره ما يفتحون فيه العين، كذا قال اليعقوبى وهو راجع لقول بعضهم أن ريثما بمعنى حيثما.
(قوله: ومما يناسب هذا المقام) أى: من جهة أن ضم العين فيه إشارة لمعنى خفى وإن كانت الإشارة بغير اللفظ، وليس فيه تورية ولا توجيه ولذا قال ومما يناسب ولم يقل ومنه
(قوله: على لهجتهم) أى: لغتهم وكلامهم أى: من قوم الغالب عليهم أنهم يميلون فى لهجتهم وكلامهم بالضم نحو الفتح
(قوله: فقلت لمن هو) أى ممن هو
(قوله: فقال) أى: ذلك الآتى بالكتاب لمولانا عمر بفتح العين وهو يعنى عمر بضمها
(قوله: فنظر إلى) أى: فنظر ذلك القائل إلى وقوله كالمتعرف أى: الطالب لمعرفة سبب ضحكهم لأنه خفى عليه،
(قوله: المسترشد لطريق الصواب) أى: الطالب لطريق الصواب الذى ينفى عنه سبب ضحكهم، ومعلوم أن نفى السبب بعد إدراكه فأشار له الشارح بضم عينه حسا، ففهم ذلك القائل أن سبب ضحكهم فتحه لعين عمر وأنه
стр. 2118
وضم العين فتفطن للمقصود واستظرف ذلك الحاضرون (لو تبتغى) أى تلك الجياد (عنقا) هو نوع من السير (عليه) أى على ذلك العثير (لأمكنا) أى العنق ادعى تراكم الغبار المرتفع من سنابك الخيل فوق رؤوسها بحيث صار أرضا يمكن سيرها عليه وهذا ممتنع عقلا وعادة لكنه تخييل حسن (وقد اجتمعا) أى إدخال ما يقربه إلى الصحة وتضمن التخييل الحسن (فى قوله:
يخيّل لى أن سمّر الشّهب فى الدّجى ... وشدّت بأهدا بى إليهنّ أجفاني (١)
===
ينبغى له ضم عينه
(قوله: وضم العين) تفسير لما قبله
(قوله: فتفطن للمقصود) أى: وهو ضم عين عمر
(قوله: واستظرف ذلك الحاضرون) أى: اعترفوا بطرافة المشير أى: حذقه وفهم المشار إليه.
(قوله: هو نوع من السير) أى: وهو السير السريع
(قوله: هذا) أى: مشى الخيل على الغبار
(قوله: لكنه تخييل حسن) أى: نشأ من ادعاء كثرته وكونه كالأرض التى فى الهواء.
(قوله: وقد اجتمعا) أى: السببان الموجبان للقبول، وهما إدخال ما يقرب للصحة، وتضمن النوع الحسن من التخييل، وإذا اجتمع السببان المذكوران فى الغلو ازداد قبوله
(قوله: ما يقربه إلى الصحة) أى: كلفظ يخيل
(قوله: فى قوله) أى: الشاعر وهو القاضى الأرجانى بفتح الراء مشددة بعد همزة مفتوحة نسبة لأرجان بلدة من بلاد فارس
(قوله: يخيل لى) أى: يوقع فى خيالى وفى وهمى، من طول الليل وكثرة سهرى فيه أن الشهب وهى النجوم سمرت أى أحكمت بالمسامير فى الدجى أى ظلمة الليل
(قوله: وشدت) أى: ويخيل لى مع ذلك أن شدت أى: ربطت أجفانى بأهدابى حال كونها مائلة إليهن أى: إلى الشهب، أى ويخيل لى أن أجفانى مربوطة فى الشهب بأهدابى، ادعى الشاعر أن طول الليل وصل لحالة هى أن الشهب أحكمت بالمسامير فى دياجيه، وأن كثرة سهره فيه وصلت لحالة هى أن أجفانه صارت مشدودة بأهدابه فى الشهب، ومن المعلوم أن إحكام الشهب بالمسامير فى الدجى وشد أجفانه بأهداب عينه محال، لكن
стр. 2119
أى يوقع فى خيالى أن الشهب محكمة بالمسامير لا تزول عن كأنها وأن أجفان عينى قد شدت بأهدابها إلى الشهب لطول ذلك الليل وغاية سهرى فيه وهذا تخييل حسن ولفظ يخيل يزيده حسنا (ومنها ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة ...
===
قد تضمن ذلك الغلو تخييلا حسنا، إذ يسبق إلى الوهم صحته من جهة أن هذا المحسوس تقع المغالطة فيه، وذلك أن النجوم لما بدت من جانب الظلمة ولم يظهر غيرها صارت النجوم كالدر المرصع به بساط أسود، فيسبق إلى الوهم من تخييل المشابهة قبل الالتفات إلى دليل استحالة شد النجوم بالمسامع فى الظلمة صحة ذلك، ولما ادعى أنه ملازم للسهر وأنه لا يفتر عن رؤية النجوم فى الظلمة فصارت عينه كأنها لا تطرف، نزلت أهدابه مع الأجفان بمنزله حبل مع شىء شد به بجامع التعلق وعدم التزلزل، فيسبق إلى الوهم من تخييل المشابهة بما ذكر صحة ذلك أيضا، ولما تضمن الغلو الموجود فى البيت هذا التخييل الذى قرب المحال من الصحة، كان ذلك الغلو مقبولا وزاد ذلك قبولا تصريحه بأن ذلك على وجه التخييل لا على سبيل الحقيقة، وتخييل المحال واقعا بمنزلة قربه من الصحة، لكون ذلك فى الغالب ناشئا عن تخييل الأسباب والحاصل أن التخييل موجود فى نفسه ولفظ يخيل لى يقرب من الصحة، فقد اجتمع فى الغلو فى هذا البيت السببان الموجبان لقبوله
(قوله: محكمة بالمسامير) أى: فى ظلم الليل وهذا محال؛ لأن الظلمة عرض والنجوم أجرام، لكن المتكلم لما رأى: أجراما بيضا كالجواهر مسمرة فى جرم أسود كبساط تخيل الوهم أن النجوم فى الظلمة كذلك قبل الالتفات إلى استحالة ذلك
(قوله: قد شدت بأهدابها إلخ) أى: وشد الأجفان بأهدابها فى النجوم مستحيل، لكن لما رأى المتكلم أجراما معلقة بأحبال فى أجرام تخيل الوهم أن الأجفان مع الأهداب كذلك
(قوله: حسن) أى: يدرك حسنه الذوق.
(قوله: ومنها) أى: من أصناف الغلو المقبول
(قوله: ما أخرج مخرج الهزل) أى:
الصنف الذى أخرج على سبيل الهزل وهو الكلام الذى لا يراد به إلا المطايبة والضحك وليس فيه غرض صحيح، وأما الخلاعة فهى عدم المبالاة بما يقول القائل لعدم المانع الذى
стр. 2120
كقوله:
أسكر بالأمس إن عزمت على ... الشّرب غدا إن ذا من العجب
[المذهب الكلامى]:
ومنه) أى ومن المعنوى (المذهب الكلامى ...
===
يمنعه من غير الصدق (قوله (١): أسكر بالأمس إن عزمت على الشرب) هذا مبالغة فى شغفه بالشرب فادعى أن شغفه بالشرب وصل لحالة هى أنه يسكر بالأمس عند عزمه على الشرب غدا، ولا شك أن سكره بالأمس عند عزمه على الشرب غدا محال إن أريد بالسكر ما يترتب على الشرب وهو المقصود هنا، ولكن لما أتى بالكلام على سبيل الهزل أى: لمجرد تحسين المجالس والتضاحك على سبيل الخلاعة أى: عدم مبالاته بقبيح ينهى عنه كان ذلك الغلو مقبولا؛ لأن ما يوجب التضاحك من المحال لا يعد صاحبه موصوفا بنقيصة الكذب عرفا، وإنما لم يقبل الغلو الخارج عن المسوغ؛ لأنه كذب محض، والكذب بلا مسوغ نقيصة عند جميع العقلاء، إن قلت: هذا الكلام نفس الهزل فكيف يقال: أخرج مخرج الهزل؟ قلت: الهزل أعم مما يكون من هذا الباب، وخروج الخاص مخرج العام بمعنى مجيئه موصوفا بما فى العام لوجوده فيه صحيح
(قوله: إن ذا) أى: سكره بالأمس إذا عزم على الشرب غدا من العجب، أكد كونه من العجب مع أنه لا شبهة فى كونه عجبا، لأنه حكم على الأمر المحقق المشار له بقوله: ذا والحكم عليه ولو بكونه من العجب مما ينكر لإنكار وجود ذلك الأمر- قاله فى الأطول.
[المذهب الكلامى]:
(قوله: وهو إيراد حجة للمطلوب) اللام بمعنى على متعلقة بحجة (وقوله: على طريقة أهل الكلام) متعلق بإيراد، واعلم أن إيراد الحجة للمطلوب متعلق بأداء أصل المعنى وكونها على طريقة أهل الكلام من المحسنات المعنوية؛ لأن المحاورة لا تتوقف على كونها على طريقتهم وإن كان مرجعه لذلك- قاله عبد الحكيم.
стр. 2121
وهو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام) وهو أن تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمه للمطلوب (نحو لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) (١) واللازم وهو فساد السموات والأرض باطل؛ لأن المراد به خروجهما عن النظام الذى هما عليه فكذا الملزوم وهو تعدد الآلهة وهذه الملازمة من المشهورات الصادقة التى يكتفى بها ...
===
وحاصله أن المحسن هو كون الدليل على طريق أهل الكلام بأن يؤتى به على صورة قياس استثنائى أو اقترانى يكون بعد تسليم مقدماته مستلزما للمطلوب، وأما إيراد حجة ودليل للمطلوب لا على طريقة أهل الكلام فليس محسنا، لكن الذى ذكره العلامة اليعقوبى أن المراد بكون الحجة على طريقة أهل الكلام صحة أخذ المقدمات من المأتى به على صورة الدليل الاقترانى أو الاستثنائى لا وجود تلك الصورة بالفعل، بل صحة وجودها من قوة الكلام فى الجملة كافية كما يؤخذ من الأمثلة انتهى
(قوله: وهو) أى: كونها على طريقة أهل الكلام (وقوله: أن تكون) بالتاء المثناة فوق أى: الحجة بعد تسليم مقدماتها، وفى بعض النسخ أن يكون بالياء التحتية والتذكير باعتبار كون الحجة بمعنى الدليل والبرهان
(قوله: مستلزمه للمطلوب) أى: استلزاما عقليّا أو عاديّا والاستلزام العقلى غير مشترط هنا
(قوله: بعد تسليم المقدمات) أى: الموجودة بالفعل على صورة القياس أو المأخوذة من الكلام المأتى به
(قوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) أى: لو كان فى السماء والأرض آلهة غير الله لفسدتا وهذا إشارة لقياس استثنائى ذكر شرطيته وحذف منه الاستثنائية والمطلوب لظهورهما أى: لكن وجود الفساد باطل بالمشاهدة فبطل الملزوم وهو تعدد الإله، وقد أشار الشارح لذلك بقوله واللازم أى: لوجود آلهة غير الله باطل فكذا الملزوم
(قوله: لأن المراد به) أى: بفسادهما (وقوله: خروجهما عن النظام) أى: وهذا النظام محقق مشاهد (وقوله: فكذا الملزوم) أى: باطل.
(قوله: وهذه الملازمة) أى: ملازمة الفساد لتعدد الآلهة من الأمور المشهورة الصادقة بحسب العرف فقد تقرر فى عرف الناس أن المملكة إذا كان فيها ملكان لم تستمر، بل تفسد.
стр. 2122
فى الخطابيات دون القطعيات المعتبرة فى البرهانيات (وقوله (١) حلفت فلم أترك لنفسك ريبة) أى شكا (وليس وراء الله للمرء مطلب) فكيف يحلف به كاذبا (لئن كنت) ...
===
وقد استمر هذا النظام العجيب طويلا ولم يحصل فيه فساد، فدل ذلك على عدم التعدد
(قوله: فى الخطابيات) أى: فى الأمور الخطابية المفيدة للظن وبالجملة فالملازمة فى الشرط عادية والدليل إقناعى لحصوله بالمقدمات المشهورة
(قوله: دون القطعيات المعتبرة فى البرهانيات) أى: الأدلة المفيدة لليقين؛ لأن تعدد الآلهة ليس قطعى الاستلزام للفساد لجواز عدم الفساد مع تعدد الآلهة بأن يتفقوا، والحاصل أن الدليل إقناعى لا برهانى وهذا بناء على ما قاله الشارح من أن المراد بالفساد اللازم لتعدد الآلهة الخروج عن هذا النظام المشاهد، وأما لو أريد به عدم السكون أى: عدم الوجود من أصله كانت الملازمة قطعية وكان الدليل برهانيّا؛ وذلك لأنه لو تعدد الإله لجاز اختلافهما ولو توافقا بالفعل، وجواز الاختلاف يلزمه جواز التمانع، وجواز التمانع يلزمه عجز الإله، وعجز الإله يلزمه عدم وجود السماء والأرض، لكن عدم وجودهما باطل بالمشاهدة، فما استلزمه من تعدد الإله باطل
(قوله: وقوله) أى: قول النابغة الذبيانى من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر ملك العرب بسبب تغيظ النعمان عليه بمدحه آل جفنة وهم قوم أصلهم من اليمن فارتحلوا منها ونزلوا بالشام وكان بينهم وبين النعمان عداوة
(قوله: حلفت) أى: حلفت لك بالله ما أبغضتك ولا احتقرتك ولا عرضت عند مدحى آل جفنة بذمك (وقوله: فلم أترك لنفسك ريبة) أى:
فلم أبق عندك بسبب ذلك اليمين شكّا فى أنى لست لك بمبغض ولا عدو، والريبة فى الأصل: الأمر الذى يريب الإنسان أى: يقلقه أريد بها هنا الشك كما قلنا، وقال فى الأطول: المعنى حلفت أنى باق على محبتى وإخلاصى لك الذى كنت عليه، فلم أترك بسبب هذا اليمين نفسك تتهمنى بأنى غيرت إخلاصى لك وأبدلتك بغيرك
(قوله: وليس وراء الله للمرء مطلب) أى: أنه لا ينبغى للمحلوف له بالله العظيم أن يطلب ما يتحقق
стр. 2123
اللام لتوطئة القسم (قد بلّغت عنّى خيانة، لمبلغك) اللام جواب القسم (الواشى أغشّ) من غش إذا خان (وأكذب ولكنّنى كنت امرءا لى جانب، من الأرض فيه) أى فى ذلك الجانب (مستراد) أى موضع طلب الرزق من راد الكلأ (ومذهب) أى موضع ذهاب للحاجات (ملوك) أى فى ذلك الجانب ملوك (وإخوان ....
===
به الصدق سوى اليمين بالله، إذ ليس وراء الله أعظم منه يطلب الصدق بالحلف به؛ لأنه أعظم من كل شىء فلا يكون الحالف به كاذبا فاليمين به كاف عن كل يمين
(قوله: اللام لتوطئة القسم) بمعنى أنها دالة على القسم المحذوف كما تدل التوطئة على الموطأ له
(قوله: خيانة) أى: غشا وعداوة وبغضا أو أنى رجحت عليك آل جفنة
(قوله: اللام جواب القسم) أى: دالة على أن المذكور بعدها جواب القسم لا جزاء الشرط، إذ هو محذوف دل عليه جواب القسم أى: والله لمبلغك تلك الخيانة أغش أى: من كل غاش وأكذب من كل كاذب، فالمفضل عليه محذوف
(قوله: ولكننى إلخ) هذا شروع فى بيان السبب لمدحه آل جفنة ليكون ذلك ذريعة لنفى اللوم عنه أى: ما كنت امرأ قصدت بمدحى آل جفنة التعريض بنقصك ولكننى كنت امرأ إلخ، فهو استدراك على محذوف
(قوله: لى جانب من الأرض) أى: لى جهة مخصوصة من الأرض لا يشاركنى فيها غيرى من الشعراء، وأراد بذلك الجانب من الأرض الشام
(قوله: أى موضع طلب الرزق) هذا بيان للمستراد فى الأصل، ولكن المراد منه هنا مجرد طلب الرزق كما أن المراد بالمذهب هنا المذهب لقضاء الحاجات ذا لمعنى فى ذلك الجانب يذهب لطلب الحاجات والأرزاق لكون ذلك الجانب مظنة الغنى والوجدان
(قوله: من راد الكلأ) بالقصر أى: طلبه والكلأ الحشيش
(قوله: أى فى ذلك الجانب ملوك) أشار الشارح بهذا إلى أن الملوك مبتدأ حذف خبره، لأن من المعلوم أن الرزق ليس من ذات المكان بل من ساكنيه، وهذه الجملة مستأنفة جواب لسؤال مقدر، فكأنه قيل من فى ذلك الجانب الذى تطلب الرزق منه فقال فيه ملوك هذا، ويحتمل أن يكون ملوك بدلا من جانب بتقدير المضاف أى: مكان ملوك أو أنه بدل من مستراد ويكون باقيا على حقيقته، وعلى كل من الاحتمالات الثلاثة فقد فهم المقصود وهو أن طلب الرزق من هؤلاء الملوك
(قوله: وإخوان)
стр. 2124
إذا ما مدحتهم، أحكّم فى أموالهم) أتصرف فيها كيف شئت (وأقرّب) عندهم وأصير رفيع المرتبة (كفعلك) أى كما تفعله أنت (فى قوم أراك اصطفيتهم، وأحسنت إليهم (فلم ترهم فى مدحهم لك أذنبوا) أى لا تعاتبنى على مدح آل جفنة المحسنين إلى والمنعمين على كما لا تعاتب قوما ...
===
هذا إشارة إلى مدح هؤلاء الملوك بالتواضع أى: فى ذلك المكان ملوك لاتصافهم برفعة الملك وإخوان بالتواضع أى: أنهم مع اتصافهم برفعة الملك يصيرون الناس إخوانا لهم ويعاملونهم معاملة الإخوان بسبب تواضعهم، فاندفع بذلك التقرير ما يقال: إن وصفهم بالأخوة ينافى وصفهم بالملوك للعلم بأن المادح ليس بملك مثلهم فكونهم ملوكا لا يناسب كونهم اخوانا للمادح
(قوله: إذا ما مدحتهم) ما زائدة، وقوله أحكم: بضم الهمزة وتشديد الكاف أى: أجعل حاكما فى أموالهم ومتصرفا فيها بما شئت أخذا وتركا، وقوله وأقرب أى: بالتوقير والتعظيم والإعطاء
(قوله: كفعلك أى: كما تفعله أنت فى قوم أراك اصطفيتهم) أى: اخترتهم لإحسانك، (وقوله: فلم ترهم فى مدحهم لك أذنبوا) أى: فلم تعدهم مذنبين فى مدحهم إياك، وأورد العلامة يس على ما ذكر من الاستدلال ما حاصله أن قوله اصطفيتهم فلم ترهم فى مدحهم لك أذنبوا: يقتضى أنه قدم الإحسان لمادحيه، وقوله إذا ما مدحتهم أحكم فى أموالهم: يقتضى تقدم المدح على الإحسان ولا يلزم من تسليم كون المدح المترتب على الإحسان أنه لا ذنب فيه تسليم أن المدح ابتداء لأجل التوصل للإحسان لا ذنب فيه، إذ يصح أن يعاتب على الابتداء بالمدح ولا يعاتب على كونه مكافأة وحينئذ فلم يتم الاستدلال فلو قال الشاعر ملوك حكمونى فى أموالهم فمدحتهم كفعلك فى قوم إلخ لكان أحسن، وأجيب بأن المراد بقوله كفعلك فى قوم إلخ أنك اصطفيتهم بسبب مدحهم إياك، وأحسنت إليهم بسبب المدح فمدحهم له صدر أولا قبل إحسانه لهم، وقوله فلم ترهم فى مدحهم لك أذنبوا أى: فلم تعدهم مذنبين فى مدحهم لك، إذ لو كان مدحهم لك ذنبا لما كافأت عليه بالإحسان إليهم، وحينئذ فمدح القوم للمخاطب سابق على إحسانه كما أن مدح الشاعر لهؤلاء الملوك سابق على إحسانهم، وقد سلم المخاطب أن مدح القوم للمخاطب
стр. 2125
أحسنت إليهم فمدحوك فكما أن مدح أولئك لا يعد ذنبا كذلك مدحى لمن أحسن إلى وهذه الحجة على طريق التمثيل ...
===
الذى ترتب عليه إحسانه لهم ليس ذنبا فيلزم أن يكون مدح الشاعر لهؤلاء الملوك الذى ترتب عليه إحسانهم له غير ذنب، وحينئذ فتم الاستدلال واندفع الإشكال، والحاصل أن الشاعر يقول للنعمان لا تعاتبنى على مدحى آل جفنة المحسنين إلى كما لا تعاتب قوما مدحوك فأحسنت إليهم، لأن سبب نفى العتاب وهو كون المدح لأجل الإحسان موجود فى كما وجد فيمن لم تعاتبهم
(قوله: أحسنت إليهم فمدحوك) لو قال مدحوك فأحسنت إليهم كان أولى لما قلناه، وأورد العلامة يس بحثا آخر، وحاصله أنه لا يوجد أحد يرى مادحه لأجل إحسانه مذنبا ولا يعاتبه على ذلك وكون الإنسان لا يعاتب من مدحه لطلب إحسانه لا يستلزم أن لا يعاتب من مدح غيره لطلب إحسان ذلك الغير، وحينئذ فلم يتم الاستدلال فكان ينبغى للشاعر أن يقول: فلم يرهم غيرك مذنبين بمدحهم لك أى: فلأى شىء ترانى مذنبا بمدحى لغيرك، وأجيب بأن المراد بقوله فلم يرهم فى مدحهم لك أذنبوا لم يرهم أحد مذنبين فى مدحك وأنت من جملة من لم يرهم مذنبين فعبر عن ذلك العموم بالخطاب والمراد العموم، كما يقال لا ترى فلانا إلا مصليا أى: لا يراه أحد إلا مصليا أنت وغيرك وإذا كان الناس لا يرون أن مادح المخاطب لأجل إحسانه مذنبا لزم أنهم لا يرون الشاعر مذنبا لمدحه آل جفنة لإحسانهم، لأن سبب نفى العتاب موجود فى كل، وحينئذ فلا وجه لكون المخاطب يرى الشاعر مذنبا لمدحه لهم
(قوله: وهذه الحجة) الظاهر أن هذا اعتراض على المصنف حيث مثل بهذه الأبيات للمذهب الكلامى مع أن المذهب الكلامى هو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام بأن يذكر قياس اقترانى أو استثنائى مستلزم للمطلوب إذا سلمت مقدماته فالمذهب الكلامى من أنواع القياس والمذكور هنا من قبيل التمثيل الأصولى وهو إلحاق معلوم بمعلوم فى حكمه لمساواته له فى علة الحكم وهو قسيم للقياس عند علماء الميزان فكما يقال: إن البر ربوى لكونه مقتاتا فكذلك الأرز ربوى لكونه مقتاتا يقال هنا كذلك، كما أن مدح المخاطب لا عتاب فيه لكونه للإحسان كذلك مدح
стр. 2126
الذى يسميه الفقهاء قياسا ويمكن رده إلى صورة قياس استثنائى أى لو كان مدحى لآل جفنة ذنبا لكان مدح ذلك القوم لك أيضا ذنبا واللازم باطل فكذا الملزوم.
[حسن التعليل]:
(ومنه) أى من المعنوى (حسن التعليل وهو أن يدعى لوصف علّة مناسبة له باعتبار لطيف) أى بأن ينظر نظرا يشتمل على لطف ودقة (غير حقيقى)
===
الشاعر لآل جفنة لا عتاب فيه؛ لأنه لأجل الإحسان
(قوله: الذى يسميه الفقهاء قياسا) أى: أصوليّا وهو حمل أمر على أمر فى حكمه لجامع بينهما
(قوله: ويمكن إلخ) هذا إشارة للجواب فكأنه قال: لكنه يمكن رده إلخ وضمير رده لما ذكر من الأبيات أو للحجة
(قوله: لو كان مدحى إلخ) بيان لملازمة اتحاد الموجب للمدحين وهو وجود الإحسان، فإذا كان أحد السببين ذنبا كان الآخر كذلك
(قوله: اللازم باطل) أى: لكن اللازم وهو كون مدح القوم لك ذنبا باطل باتفاقك (وقوله: فكذا الملزوم) أى: وهو كون مدحى لآل جفنة ذنبا، وإذا بطل هذا الملزوم ثبت المطلوب وهو انتفاء الذنب عنى بمدحى لآل جفنة ولزم منه نفى العتب، إذ لا عتب إلا عن ذنب ويمكن رده إلى صورة قياس اقترانى فيقرر هكذا مدحى لآل جفنة مدح بسبب الإحسان وكل مدح بسبب الإحسان لا عتب فيه ينتج مدحى لآل جفنة لا عتب فيه دليل الصغرى الوقوع والمشاهدة ودليل الكبرى تسليم المخاطب ذلك فى مادحيه.
[حسن التعليل]:
(قوله: حسن التعليل) أى: النوع المسمى بذلك الاسم
(قوله: وهو أن يدعى لوصف) ضمن الادعاء معنى الإثبات فعداه للوصف باللام أى: أن يثبت لوصف علّة مناسبة له ويكون ذلك الإثبات بالدعوى
(قوله: باعتبار لطيف) متعلق بيدعى، والمراد بالاعتبار النظر والملاحظة بالعقل، والمراد باللطف الدقة كما أشار له الشارح بقوله بأن ينظر إلخ أى: يثبت لوصف علة حالة كون الإثبات ملتبسا بنظر دقيق بحيث لا يدرك كون هذا المثبت علة إلا من له تصرف فى دقائق المعانى
(قوله: غير حقيقى) صفة لاعتبار
стр. 2127
أى لا يكون ما اعتبر علة لهذا الوصف علة له فى الواقع كما إذا قلت: قتل فلان أعاديه لدفع ضررهم فإنه ليس فى شىء من حسن التعليل وما قيل من أن هذا الوصف أعنى غير حقيقى ليس بمفيد هاهنا؛ لأن الاعتبار لا يكون إلا غير حقيقى فغلط ومنشؤه ما سمع ...
===
وفيه أن الذى يوصف بكونه حقيقيّا، أو غير حقيقى الأمر المعتبر لا الاعتبار، وأجيب بأن الضمير فى قوله: غير حقيقى أى: هو راجع للاعتبار بمعنى المعتبر على طريق الاستخدام كما أشار لذلك الشارح بقوله أى: لا يكون ما اعتبر إلخ، والمراد بالحقيقى ما كان علة فى الواقع سواء كان أمرا اعتباريّا أو موجود فى الخارج، وغير الحقيقى ما كان غير مطابق للواقع بمعنى أنه ليس علة فى نفس الأمر، بل اعتبر بوجه يتخيل به كونه صحيحا كان ذلك المعتبر أمرا اعتباريّا أو موجودا فى الخارج.
(قوله: أى لا يكون إلخ) أى: يجب أن يكون ما اعتبر من العلة المناسبة لها الوصف غير مطابقة للواقع بمعنى: أنها ليست علة له فى نفس الأمر، بل اعتبر كونها علة بوجه يتخيل به كون التعليل صحيحا، فلو كانت تلك العلة التى اعتبرت مناسبة للوصف حقيقة أى: علة له فى نفس الأمر، لم يكن ذلك من محسنات الكلام لعدم التصرف فيه فإن قيل: كون الاعتبار لطيفا إنما يكون بكون العلة غير مطابقة للواقع فى التعليل إذ بذلك يثبت لطفه؛ لأن جعل ما ليس بواقع واقعا على وجه لا ينكر ولا يمج هو الاعتبار اللطيف، وحينئذ فلا حاجة لقوله غير حقيقى أى: غير مطابق؛ لأن ذلك هو معنى كون المعتبر لطيفا قلنا: حصر لطف الاعتبار فى كون العلة غير مطابقة للواقع ممنوع، إذ لا يجوز فى اعتبار العلة المناسبة للوصف أن يكون لطيفا أى: دقيقا حسنا ويكون مطابقا وما يكون من البديع يشترط فيه ألا يطابق فلذا وصفه بقوله: غير حقيقى
(قوله: علة له فى الواقع) خبر يكون
(قوله: كما إذا قلت إلخ) هذا التمثيل للمنفى
(قوله: فإنه ليس فى شىء) أى:
فى مرتبة من مراتب حسن التعليل؛ لأن دفع الضرر علة فى الواقع لقتل الأعادى
(قوله: وما قيل) مبتدأ خبره قوله: فغلط، وحاصله أن بعض الشراح اعترض على المصنف، فقال:
الأولى إسقاط قوله: غير حقيقى؛ لأن قوله: باعتبار لطيف يغنى عنه؛ لأن الأمر الاعتباري
стр. 2128
أن أرباب المعقول يطلقون الاعتبارى على ما يقابل الحقيقى ولو كان الأمر كما توهم لوجب أن يكون جميع اعتبارات العقل غير مطابق للواقع (وهو أربعة أضرب؛ لأن الصفة) التى ادعى لها علة مناسبة (إما ثابتة قصد بيان علتها أو غير ثابتة أريد إثباتها والأولى إما ألا يظهر لها فى العادة علة) وإن كانت لا تخلو فى الواقع عن علة ...
===
لا يكون إلا غير حقيقى، إذ الاعتبارى ما لا وجود له فى الخارج، والحقيقى ما له وجود فى الخارج وحينئذ فالاعتبارى لا يكون إلا غير حقيقى.
قال الشارح: وهذا الاعتراض غلط نشأ مما سمعه من أرباب المعقول حيث يطلقون الاعتبارى على مقابل الحقيقى مريدين بالاعتبارى ما لا وجود له فى الخارج، بالحقيقى ما له وجود فى الخارج، ففهم أن المراد بالاعتبار: الأمر الاعتبارى، وأن المراد بقوله غير حقيقى أى: غير موجود فى الخارج، فاعترض، ونحن نقول: المراد بالاعتبار هنا نظر العقل لا كون الشىء اعتباريّا أى: لا وجود له والمراد بالحقيقى ما طابق الواقع لا كون الشىء موجودا فى الخارج ولا شك أن ما نظر له العقل تارة يكون حقيقيّا أى:
مطابقا للواقع وتارة لا يكون حقيقيّا، وحينئذ فقول المصنف: باعتبار لطيف لا يغنى عن قوله: غير حقيقى
(قوله: أن أرباب المعقول) بدل مما سمع
(قوله: ولو كان الأمر كما توهم) أى: من أن الاعتبارى لا يكون إلا غير حقيقى أى لا وجود له
(قوله: لوجب أن يكون إلخ) أى: واللازم باطل؛ لأن المنظور فيه بعضه مطابق للواقع وبعضه غير مطابق للواقع، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
(قوله: وهو) أى: حسن التعليل أربعة أضرب أى: باعتبار الصفة، وأما العلة فى الجميع فهى غير مطابقة للواقع
(قوله: إما ثابتة) أى: فى نفسها وقصد بما أتى به بيان علتها بحسب الدعوى لا بحسب الواقع؛ لأنها بحسبه ليست علة لأن الفرض أنها غير مطابقة للواقع
(قوله: أو غير ثابتة) أى: فى نفسها (وقوله: أريد إثباتها) أى: بما أتى به من العلة المناسبة
(قوله: إما ألا يظهر لها فى العادة علة) أى: غير التى أريد بيانها
(قوله: وإن كانت لا تخلو فى الواقع عن العلة) أى: لأن كل حكم لا يخلو عن العلة فى الواقع،
стр. 2129
(كقوله (١) لم يحك) أى لم يشابه (نائلك) أى عطاءك (السحاب وإنّما، حمّت به) أى صارت محمومة بسبب نائلك وتفوقه عليها (فصبيبها الرّحضاء) أى فالمصبوب من السحاب هو عرق الحمى فنزول المطر من السحاب صفة ثابتة لا يظهر لها فى العادة علة ...
===
لكن تارة تظهر لنا تلك العلة، وتارة تخفى لما تقرر أن الشىء لا يكون إلا لحكمة وعلة تقتضيه أما على المذهب الباطل من رعاية الحكمة وجوبا فظاهر، وأما على المذهب الصحيح فالقادر المختار وصف نفسه بالحكيم فهو يرتب الأمور على الحكم تفضلا وإحسانا منه
(قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو أبو الطيب المتنبى
(قوله: السحاب) أى:
عطاء السحاب وإنما قدرنا ذلك المضاف؛ لأن المناسب أن يشبه عطاء السحاب بنيل الممدوح أى: أن عطاء السحاب لا يشابه عطاءك فى الكثرة ولا فى الصدور عن الاختيار ولا فى وقوعه موقعه؛ لأن السحاب لا اختيار لها فى نزول المطر وآثار نيلها بالنسبة لآثار عطائه واقعة فى غير موقعها، ويفهم من عدم مشابهة النائلين أن السحاب لا يشابهه فى عطائه فكأنه قيل: لا يشابهك السحاب فى عطائك والسحاب قيل جمع سحابة، وقيل اسم جنس
(قوله: وإنما حمّت به) لما كان يتوهم أن كثرة أمطار السحاب سببه طلبها مشابهة الممدوح فى الإعطاء دفع ذلك بقوله وإنما إلخ أى: ليس كثرة أمطار السحاب لطلبها مشابهتك؛ لأنها أيست من ذلك لما رأته من غزير عطائك وإنما صارت محمومة بسبب غيرتها من عدم مشابهة نائلها لنائلك وتفوق نائلك على نائلها أى: فوقانه وعلوه عليه فى الكم والكيف، فالماء المصبوب من السحاب هو العرق الناشئ من الحمى التى أصابتها بسبب غيرتها فقول الشارح: بسبب نائلك أى: بسبب تغيظها وغيرتها من عدم مشابهة نائلها لنائلك (وقوله: وتفوقه) أى: علوه عليها أى:
وتفوق عطائك على السحاب أى: على عطائها.
(قوله: فصبيبها) أى: المطر المصبوب أى: النازل منه الرّحضاء أى: من أجل الرّحضاء أى: الحمى التى أصابتها بسبب غيرتها
(قوله: فنزول المطر من السحاب)
стр. 2130
وقد علله بأنه عرق حماها الحادثة بسبب عطاء الممدوح (أو يظهر لها) أى لتلك الصفة (علة غير) العلة (المذكورة) لتكون المذكورة غير حقيقية فتكون من حسن التعليل ...
===
أى: الذى تضمنه الكلام
(قوله: وقد علله) أى: علل ذلك النزول
(قوله: بأنه عرق حماها) أى: بأنه من حماها ذات العرق فهو من إضافة الصفة للموصوف وهو على حذف مضاف أى: وتلك العلة غير مطابقة للواقع
(قوله: بسبب عطاء الممدوح) أى:
بسبب الغيرة من عدم مشابهة عطائها لعطاء الممدوح
(قوله: أو يظهر لها) أى: فى العادة
(قوله: غير العلة المذكورة) أى: غير العلة التى ذكرها المتكلم لحسن التعليل
(قوله: لتكون إلخ) أى: وإنما قيد العلة الظاهرة بكونها غير المذكورة لأجل أن تكون المذكورة غير حقيقية أى غير مطابقة لما فى نفس الأمر فتكون من حسن التعليل، إذ لو كانت علتها الظاهرة هى التى ذكرت لكانت تلك العلة المذكورة حقيقية أى: مطابقة للواقع فلا تكون من حسن التعليل هذا كلامه، وقضيته ثبوت الملازمة بين ظهورها فى العادة وكونها حقيقية وليس كذلك؛ لجواز أن تكون الظاهرة غير المأتى بها من المشهورات الكاذبة، فالمأتى بها غير حقيقية فتكون من حسن التعليل، والحاصل أنه يشترط فى حسن التعليل كون العلة التى ذكرت. غير مطابقة لما فى نفس الأمر، فإن ظهرت علة أخرى سواء كانت مطابقة أو غير مطابقة فلا بد أن تكون هذه المأتى بها غير مطابقة لتكون من حسن التعليل، كما أنه لا بد أن تكون غير مطابقة حيث لا يظهر للمعلول علة أخرى أيضا، إذ كونها غير مطابقة لا بد منه فى كل موطن من مواطن حسن التعليل وبهذا علم أن ذكر كونها لا بد أن تكون غير مطابقة حيث تظهر علة أخرى فيه إيهام اختصاص هذا المعنى بما إذا ظهر غيرها وإيهام أن الظاهر تكون مطابقة حيث ذكر غير المطابقة معها والتحقيق ما قررناه من جواز كون الظاهرة غير مطابقة لصحة أن تكون من المشهورات الكاذبة كما لو قيل هذا متلصص لدورانه فى الليل بالسلاح ا. هـ يعقوبى.
стр. 2131
(كقوله:
ما به قتل أعاديه ولكن ... يتّقى إخلاف ما ترجو الذّئاب (١)
فإن قتل الأعداء فى العادة لدفع مضرتهم) وصفو المملكة عن منازعاتهم (لا لما ذكره) من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه ومحبة صدق رجاء الراجين بعثته على قتل أعدائه لما علم من أنه إذا توجه إلى الحرب صارت الذئاب ترجو اتساع الرزق عليها بلحوم من يقتله من الأعادى وهذا مع أنه وصف بكمال الجود وصف بكمال الشجاعة حتى ظهر ذلك للحيوانات العجم (والثانية) أى الصفة الغير الثابتة
===
(قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو أبو الطيب المتنبى
(قوله: ما به قتل أعاديه) ما نافية أى: ليس بالممدوح غيظ أو خوف أوجب قتل أعاديه، لأنه ليس طائعا للغيظ ولا تستفزه العداوة على القتل لحكمه على نفسه وغلبته إياها ولا خائفا من أعدائه لتمكنه بسطوته منهم
(قوله: ولكن يتقى) أى: ولكن حمله على قتلهم أنه يتقى أى: يتجنب بقتلهم إخلاف الأمر الذى ترجوه الذئاب منه إطعامهم لحوم الأعداء؛ لأنه لو لم يقتلهم لفات هذا المرجو للذئاب، فالعلة تجنب إخلاف مرجو الذئاب المستلزم لتحقق مرجوهم فالعلة تحقيق مرجوهم
(قوله: فإن قتل الأعداء إلخ) أى: قتل الملوك للأعداء وهذا علة لمحذوف أى: وإنما قلنا إن الصفة هنا ظهرت لها علة أخرى؛ لأن الصفة المعللة هنا هى قتل الأعداء وقتل الملوك أعداءهم إنما يكون فى العادة لدفع مضرتهم
(قوله: وصفو) أى:
خلو المملكة عن منازعتهم لا لما ذكره من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه فصارت محبته لتحقق رجاء الراجين لكرمه تبعثه على قتل الأعداء ومن جملة الراجين لكرمه الذئاب؛ لأنه عودها إطعامها لحوم الأعداء
(قوله: صدق) أى: تحقق رجاء أى: مرجو الراجين أى: إطعامهم من لحوم الأعداء
(قوله: لما علم إلخ) فالعلة هنا فى الصفة التى هى قتل الأعادى وهى تحقق ما ترجاه الذئاب غير مطابقة للواقع
(قوله: وهذا) أى: ما تضمنه البيت وهو إنقاؤه إخلاف ما ترجوه الذئاب مع كونه وصفا للممدوح بكمال الجود فيه
стр. 2132
التى أريد إثباتها (إما ممكنة كقوله (١) يا واشيا حسنت فينا إساءته، نجّى حذارك) أى حذارى إياك (إنسانى) أى إنسان عينى (من الغرق ...
===
من حيث إنه إذا لم يتوصل إليه إلا بالقتل ارتكبه وصف له بكمال الشجاعة أيضا حتى ظهرت للحيوانات العجم أى: الغير الناطقة التى هى الذئاب ووصف له أيضا بأنه لا تستفزه العداوة على القتل لحكمه على نفسه وغلبته إياها فلا يتبعها فيما تشتهى وأنه لا يخاف الأعداء، لأنه قد تمكن بسطوته منهم حيث شاء.
(قوله التى أريد إثباتها) أى بالعلة
(قوله: إما ممكنة) أى: فى نفسها أى: مجزوم بانتفائها لكنها ممكنة الحصول فى ذاتها
(قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو مسلم بن الوليد
(قوله: يا واشيا) أى: يا ساعيا بالكلام بين الناس على وجه الإفساد
(قوله: حسنت فينا إساءته) صفة لواشيا والمراد بإساءته إفساده أى: حسن عندنا ما قصده من الإفساد فحسن إساءة الواشى هو الصفة المعللة الغير الثابتة وعللها بقوله نجى حذارك إلخ أى:
لأجل أن إساءتك أوجبت حذارى منك فلم أبك لئلا تشعر بما عندى ولما تركت البكاء نجا إنسان عينى من الغرق بالدموع فقد أوجبت إساءتك نجاة إنسان عينى
(قوله: أى حذارى إياك) أشار بذلك إلى أن الإضافة فى حذارك من إضافة المصدر إلى المفعول والفاعل محذوف وهو تارة يتعدى بنفسه كما فى البيت وتارة يتعدى بمن فيقال حذارى منه يعنى أن محبوب الشاعر كان متباعدا عنه فكان ذلك الشاعر لا يقدر على البكاء لفراق محبوبه خوفا من أن يشعر بذلك الواشى فيأتى له ويقول له كيف تبكى على فراقه وهو صفته كذا، ويقول فيك كذا وكذا، والحاصل أن الشاعر يقول إنما حسنت إساءة الواشى عندى، لأنها أوجبت حذارى منه فلم أبك لئلا يشعر بما عندى ولما تركت البكاء نجا إنسان عينى من الغرق فى الدموع فقد أوجبت إساءته نجاة إنسان عينى من الغرق فى الدموع وغرق إنسان العين فى الدموع كناية عن العمى.
стр. 2133
فإن استحسان إساءة الواشى ممكن لكن لما خالف) الشاعر (الناس فيه) إذ لا يستحسنه الناس (عقبه) أى عقب الشاعر استحسان إساءة الواشى (بأن حذار منه) أى من الواشى (نجى إنسانه من الغرق فى الدموع) أى حيث ترك البكاء خوفا منه (أو غير ممكنة كقوله:
===
(قوله: فإن استحسان إلخ) هذا علة لمحذوف أى: وإنما مثلنا بهذا البيت للصفة الممكنة الغير الثابتة؛ لأن استحسان إساءة الواشى أمر ممكن لكنه غير واقع عادة
(قوله: لكن لما خالف الناس فيه) أى: فى ادعائه ووقوعه دون الناس
(قوله: عقبه إلخ) أى:
ناسب أن يأتى عقبه أى: عقب ذكره استحسان إساءة الواشى بتعليل يقتضى وقوعه فى زعمه ولو لم يقع فى الخارج وهو أن حذاره منه نجى إنسان عينه من الغرق فنجاة إنسان عينه من الغرق لحذاره علة لما ذكر من استحسان إساءة الواشى غير مطابقة لما فى نفس الأمر وهى لطيفة كما لا يخفى فكان الإتيان بها من حسن التعليل
(قوله: خوفا منه) أى:
خوفا من الواشى أن يطلع عليه فيشعر بما عنده إن قلت: إن صحة التمثيل بما ذكر متوقفة على أمرين عدم وقوع المعلل وكون العلة غير مطابقة وكلاهما غير مسلم؛ لأن من ادعى أن إساءة الواشى حسنت عنده لغرض من الأغراض لا يعد كاذبا، وحينئذ فالصفة المعللة على هذا ثابتة والعلة التى هى نجاة إنسانه من الغرق بترك البكاء لخوف الواشى لا يكذب مدعيها لصحة وقوعها، وحينئذ فلا يكون هذا المثال من هذا القسم ولا من حسن التعليل؛ وذلك لأنه لمطابقة العلة لا يكون من حسن التعليل ولثبوت الصفة لا يكون من هذا القسم، قلت المعتاد أن حسن الإساءة لا يقع من الشاعر ولا من غيره فعدم وقوع الصفة مبنى على العادة وترك البكاء لخوف الواشى باطل عادة؛ لأن من غلبه البكاء لم يبال بمن حضر عادة سواء كان واشيا أو غير واش فدعاوى الشاعر استحسانات تقديرية؛ لأن أحسن الشعر أكذبه فثبت المراد اهـ. يعقوبى.
(قوله: أو غير ممكنة) عطف على قوله إما ممكنة أى: أن الصفة الغير الثابتة إما ممكنة كما مر وإما غير ممكنة ادعى وقوعها وعللت بعلة تناسبها
(قوله: كقوله) أى:
стр. 2134
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليه عقد منتطق)
من انتطق أى: شد النطاق، وحول الجوزاء كواكب يقال لها نطاق الجوزاء فنية الجوزاء خدمة الممدوح صفة غير ممكنة قصد إثباتها كذا فى الإيضاح وفيه بحث ...
===
الشاعر أى: وهو المصنف فهذا البيت له، وقد وجد بيتا فارسيا فى هذا المعنى، فترجمه بالعربية بما ذكر، وقال كقوله: ولم يقل كقولى إما للتجريد أو نظرا لمعناه فإنه للفارسى تأمل.
والجوزاء برج من البروج الفلكية فيه عدة نجوم تسمى نطاق الجوزاء، والنطاق والمنطقة: ما يشد به الوسط وقد يكون مرصعا بالجواهر حتى يكون كعقد خالص من الدر وقوله عقد منتطق بفتح الطاء اسم مفعول أى: لما رأيت عليها عقدا منتطقا به أى:
مشدودا فى وسطها كالنطاق أى: الحزام، واعلم أن لو تفيد نفى مدخولها شرطا وجوابا فشرطها نفى نية الخدمة وجوابها نفى رؤية نطاق الجوزاء فتفيد لو نفى هذين النفيين فتثبت نية الخدمة ورؤية نطاق الجوزاء، فحاصل معنى البيت أن الجوزاء مع ارتفاعها لها عزم ونية على خدمة ذلك الممدوح ومن أجل ذلك انتطقت أى: شدت النطاق تهيؤا لخدمته فلو لم تنو خدمته ما رأيت عليها نطاقا شدت به وسطها
(قوله: من انتطق) أى:
مأخوذ منه وقوله أى: شد النطاق أى: المنطقة بوسطه
(قوله: غير ممكنة) أى: لأن النية بمعنى العزم والإرادة وإنما يكون ذلك ممن له إدراك بخلاف غيره كالجوزاء
(قوله: قصد إثباتها) أى: بالعلة المناسبة لها وهى كونها منتطقة أى شادة النطاق فى وسطها (قوله وفيه) أى: فيما قاله فى الإيضاح بحث، وحاصله أن أصل لو أن يكون جوابها معلولا لمضمون شرطها، فإذا قلت لو جئتنى: أكرمتك كان التركيب مفيدا أن العلة فى عدم الإكرام عدم المجىء، وإذا قلت لم لم تأتنى لم أكرمك كان التركيب مفيدا أن العلة فى وجود الإكرام الإتيان وظاهر المصنف أن المعلول مضمون الشرط، والعلة فيه مضمون الجزاء وهذا خلاف المشهور المقرر فى لو ولو أجرى البيت على المقرر فيها بأن جعل نية خدمة الممدوح علة لانتطاق الجوزاء لكان ذلك البيت من الضرب الأول وهو ما إذا
стр. 2135
لأن مفهوم هذا الكلام هو أن نية الجوزاء خدمة الممدوح علة لرؤية عقد النطاق عليها أعنى لرؤية حالة شبيهة بانتطاق المنطقة كما يقال لو لم تجئنى لم أكرمك يعنى أن علة الإكرام هى المجىء وهذه صفة ثابتة قصد تعليلها بنية خدمة الممدوح فيكون من الضرب الأول وهو الصفة الثابتة التى قصد علتها وما قيل إنه أراد أن الانتطاق صفة ممتنعة الثبوت للجوزاء وقد أثبتها الشارع وعللها بنية خدمة الممدوح
===
كانت الصفة التى ادعى لها علة مناسبة ثابتة ولم تظهر لها علة فى العادة، وذلك لأن المعلول الذى هو انتطاق الجوزاء ثابت، لأن المراد به إحاطة النجوم بها كإحاطة النطاق بالإنسان، وإذا كان المراد بالانتطاق الحالة الشبيهة بالانتطاق فهى محسوسة ثابتة ونية الخدمة التى هى علتها غير مطابقة، وحينئذ فالبيت المذكور مثل البيت السابق وهو قوله:
لم يحك نائلك السّحاب وإنما ... حمّت به فصبيبها الرّحضاء
من جهة أن كلا منهما عللت فيه صفة ثابتة بعلة غير مطابقة، وحينئذ فلا يصح تمثيل المصنف به للقسم الرابع
(قوله: لأن مفهوم هذا الكلام) أى: الذى هو البيت أى:
المفهوم منه بحسب استعمالها فى اللغة من كونها لامتناع الجزاء لامتناع الشرط
(قوله: خدمة الممدوح) مفعول المصدر وهو نية وقوله علة إلخ خبر أن
(قوله: علة لرؤية عقد النطاق) أى: لا أنه معلول له كما قال المصنف فى الإيضاح بقى شىء وهو أنه لا يصح تعليل رؤية النطاق بنية خدمة الممدوح إنما يصح أن يعلل بتلك النية الانتطاق- اللهم إلا أن تجعل رؤية النطاق كناية عن وجوده- فتأمل.
(قوله: كما يقال) أى: كالمفهوم مما يقال فهو تنظير من جهة أن الأول علة والثانى معلول
(قوله: وهذه) أى: رؤية عقد النطاق عليها أعنى الحالة الشبيهة بانتطاق المنتطق صفة ثابتة، وقوله قصد تعليلها بنية خدمة الممدوح أى: وهى علة غير مطابقة للواقع
(قوله: وما قيل) أى: فى الجواب عن المصنف وفى رد قول المعترض فيكون من الضرب الأول، وحاصله أن يجعل البيت على قاعدة اللغة، ويكون من هذا الضرب بأن يراد بالانتطاق الحقيقى: وهو جعل النطاق الحقيقى فى الوسط لا حالة شبيهة به، ولا شك رؤيته بالجوزاء غير ثابتة
(قوله: أنه) أى الشاعر، وقوله أراد أن الانتطاق أى:
стр. 2136
فهو مع أنه مخالف لصريح كلام المصنف فى الإيضاح ليس بشىء؛ لأن حديث انتطاق الجوزاء أعنى الحالة الشبيهة بذلك ثابت بل محسوس والأقرب أن يجعل لو هاهنا مثلها فى قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (١) أعنى الاستدلال بانتفاء الثانى على انتفاء الأول فيكون الانتطاق علة كون نية الجوزاء خدمة الممدوح أى دليلا عليه
===
الحقيقى
(قوله: فهو مع أنه إلخ) هذا رد لما قيل بوجهين الأول مخالفته لما فى الإيضاح، والثانى أن المراد بالانتطاق الحالة الشبيهة به لا الحقيقى كما ذكر هذا القائل
(قوله: مخالف لصريح كلام المصنف فى الإيضاح) أى: لأن كلامه صريح فى أن المعلل نية الخدمة، والعلة رؤية الانتطاق لا العكس كما ذكره هذا القائل
(قوله: لأن حديث انتطاق الجوزاء) الإضافة للبيان
(قوله: أعنى الحالة إلخ) أى: وحمل الانتطاق على الحقيقى مع قيام القرينة على إرادة خلافه وهو هيئة إحاطة النجوم بالجوزاء إحالة للدلالة عن وجهها فلا وجه له
(قوله: ثابت بل محسوس) أى: فلا يكون من هذا الضرب
(قوله: والأقرب) أى: فى تخريج هذا البيت، وحاصل ما ذكره الشارح أن لو هنا ليست لامتناع الجواب لامتناع الشرط كما هو الشائع فيها، بل للاستدلال بانتفاء الجزاء على انتفاء الشرط؛ لأن الشرط علّة فى الجزاء فيصح الاستدلال بوجود الجزاء على وجود الشرط وبعدمه على عدمه؛ لأن وجود المعلول يدل على وجود علته وعدم وجود المعلول يدل على عدم علته، فالشاعر جعل الانتطاق دليلا لنية خدمة الجوزاء للممدوح فاستدل بوجود الانتطاق فى الخارج على وجود نية الخدمة، والحاصل أن الشاعر كأنه ادعى دعوة وهى أن الجوزاء قصدها خدمة الممدوح، واستدل على ذلك بدليل وهو لو لم يكن قصدها الخدمة، لما كانت منطقة، لكن كونها غير منتطقة باطل لمشاهدة انتطاقها فبطل المقدم وهو لم يكن قصدها الخدمة فيثبت نقيضه وهو المطلوب
(قوله: أعنى الاستدلال بانتفاء الثانى) وهو عدم رؤية الانتطاق وانتفاؤه يكون برؤية الانتطاق، (وقوله: على انتفاء الأول) أى: وهو عدم نية الجوزاء خدمته وانتفاؤه يكون بنيتها خدمته؛ لأن نفى النفى إثبات، فصح قول الشارح: فيكون الانتطاق إلخ
(قوله: فيكون الانتطاق علة كون نية الجوزاء خدمة الممدوح أى: دليلا عليه) أى: كما أن انتفاء الفساد فى الآية دليل
стр. 2137
وعلة للعلم مع أنه وصف غير ممكن (وألحق به) أى بحسن التعليل (ما بنى على الشك) ولم يجعل منه؛ لأن فيه ادعاء وإصرارا والشك ينافيه ...
===
على انتفاء تعدد الآلهة، فانتفاء الثانى دليل على انتفاء الأول، وكذلك وجوده دليل على وجوده وإن كان الأول علة فى وجود الثانى؛ وذلك لأن الثانى مسبب عن الأول ولازم له ووجود المسبب يدل على وجود السبب، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم
(قوله: وعلة للعلم) أى: بوجوده فالعلة كما تطلق على ما يكون سببا لوجود الشىء فى الخارج تطلق على ما يكون سببا لوجود العلم به ذهنا، فالانتطاق وإن كان معلولا ومسببا عن نية الخدمة فى الخارج يجعل علة للعلم بوجود النية أى: دليلا عليه ويمكن حمل كلام المصنف فى الإيضاح على هذا بأن يقال: قوله قصد إثباتها بالعلة وهى انتطاق الجوزاء مراده بالعلة الدليل، وحينئذ فلا يتوجه عليه ما ذكره الشارح من البحث، تأمل.
(قوله: مع أنه) أى: ذلك الوصف وهو كون نية الجوزاء الخدمة، والحاصل أن العلة المذكورة فى الكلام لحسن التعليل قد يقصد كونها علة لثبوت الوصف ووجوده فى نفسه كما فى الضربين الأولين؛ لأن ثبوته معلوم وقد يقصد كونها علة للعلم به، وذلك إذا كان المستدل عليه مجهولا فتكون تلك العلة من باب الدليل وذلك كما فى الضربين الأخيرين لعدم العلم بثبوت الصفة، بل الغرض إثباتها والبيت المذكور هنا يصح أن يكون من الضرب الأول باعتبار، ومن الرابع باعتبار، فإذا جعلت نية خدمة الجوزاء للممدوح علة للانتطاق كان من الضرب الأول، وإن جعلت الانتطاق دليلا على كون الجوزاء نيتها خدمته كان من الضرب الرابع، وهذا ما سلكه المصنف
(قوله: ما بنى على الشك) أى: علة أتى بها على وجه الشك، بأن يؤتى فى الكلام مع الإتيان بتلك العلة بما يدل على الشك
(قوله: ولم يجعل منه) أى: ولم يجعل ما بنى على الشك من حسن التعليل حقيقة بل جعل ملحقا به
(قوله: لأن فيه) أى: فى حسن التعليل ادعاء أى لتحقق العلة (وقوله: وإصرارا) أى: على ادعاء التحقق؛ وذلك لأن العلة لما كانت غير مطابقة وأتى بها لإظهار أنها علة لما فيها من المناسبة المستعذبة لم يناسب فيها إلا الإصرار
стр. 2138
(كقوله: كأنّ السحاب الغرّ) جمع الأغر والمراد السحاب الماطرة الغزيرة الماء (غيّبن تحتها) أى تحت الربا (حبيبا فما ترقا) الأصل ترقأ بالهمز فخففت أى ما تسكن (لهنّ مدامع) علل على سبيل الشك نزول المطر من السحاب بأنها غيبت حبيبا تحت تلك الربا ...
===
على ادعاء التحقق
(قوله: كقوله) أى قول الشاعر وهو أبو تمام (١)
(قوله: كأن السحاب الغرّ) يطلق السحاب على الواحد وعلى الجمع لأنه اسم جنس وهو المراد به هنا بدليل وصفه بالجمع، وقيل: إنه جمع سحابة وعليه فوصفه بالجمع ظاهر
(قوله: جمع الأغر) الأغر فى الأصل الأبيض الجبهة والمراد به هنا مطلق الأبيض، أى كأن السحاب الأبيض أى كثير المطر لأن السحاب الممطر أكثر ما يكون أبيض
(قوله: غيّبن) أى دفنّ
(قوله: أى تحت الربا) أى المذكورة فى البيت قبله وهو قوله:
ربى شفعت ريح الصّبا بنسيمها ... إلى المزن حتّى جادها وهو هامع
الربا: جمع ربوة وهى التل المرتفع من الأرض، وقوله شفعت من الشفاعة، والنسيم يطلق على نفس الريح وعلى هبوبها وهو المراد هنا، والمزن وهى السحاب الأبيض، وضمير جادها للربا أى: حتى جاد المزن عليها أى: على تلك الربا والهامع من المزن السائل بكثرة، وقوله بعد ذلك: كأن السحاب الغر هى المزن فعدل فى البيت الثانى عن التعبير بالضمير لبيان معنى المزن
(قوله: بالهمز) أى: المضموم؛ لأنه فعل مضارع (وقوله: فخففت) أى الهمزة للضرورة بقلبها ألفا على غير قياس؛ لأن الهمزة التى تبدل ألفا شرط إبدالها قياسا سكونها، والحاصل أنه يقال: رقى يرقى كعلم يعلم بمعنى صعد ويقال رقأ يرقأ بالهمزة بمعنى سكن وهو المراد هنا، فلذا قال الشارح: الأصل ترقأ بالهمزة إلخ
(قوله: علل على سبيل الشك نزول المطر من السحاب) أى: على الربا (وقوله: بأنها) أى السحاب غيبت أى دفنت حبيبا تحت الربا فكأن الربا قبره، والسحاب تبكى فدموعها تهطل على ذلك القبر، والحاصل أن الشاعر يقول: أظن أو أشك أن السحاب غيبت حبيبا تحت الربا، فمن أجل ذلك لا تنقطع دموعها، فبكاؤها صفة عللت بدفن حبيب تحت
стр. 2139
فهى تبكى عليها
[التفريع]:
(ومنه) أى ومن المعنوى (التفريع وهو أن يثبت لمتعلق أمر حكم بعد إثباته) أى إثبات ذلك الحكم (لمتعلق له آخر) على وجه يشعر بالتفريع والتعقيب ...
===
الربا، ولما أتى بكأن أفاد أنه لم يجزم بأن بكاءها لذلك التغييب، فقد ظهر أنه علل بكاءها على سبيل الشك والظن بتغييبها حبيبا تحت الربا، ولا يخفى ما فى تسمية نزول المطر بكاء من لطف التجوز وبه حسن التعليل
(قوله: فهى) أى السحاب تبكى عليها أى تنزل دموعها على الربا لأجل الحبيب الذى تحتها.
[التفريع]:
(قوله: التفريع) بالعين المهملة وهو لغة جعل الشىء فرعا لغيره
(قوله: أن يثبت لمتعلق أمر حكم) أى أن يثبت أمر محكوم به على شىء بينه وبين أمر آخر نسبة، وتعلق بعد أن يثبت ذلك الحكم لمنسوب آخر لذلك الأمر، فالمتعلق فى الموضعين بفتح اللام، والمراد بالمتعلق النسبة والارتباط، وبالحكم المحكوم به (وقوله: لمتعلق له) أى كائن له، وآخر صفة لمتعلق، ففهم من التعريف أنه لا بد من متعلقين أى منسوبين لأمر واحد، كغلام زيد وأبوه فزيد أمر واحد وله متعلقان أى منسوبان أحدهما غلامه والآخر أبوه، ولا بد من حكم واحد يثبت لأحد المتعلقين وهما الغلام والأب بعد إثباته للآخر، كأن يقال: غلام زيد فرح ففرح أبوه، فالفرح حكم أثبت لمتعلقى زيد وهما غلامه وأبوه، وإثباته للثانى على وجه يشعر بتفريع الثانى على الأول
(قوله: على وجه يشعر بالتفريع) يعنى: أنه لا بد أن يكون إثبات الحكم للمتعلق الثانى على وجه يشعر بتفريعه على إثباته للأول، وذلك بأن يثبت الحكم ثانيا للمتعلق الثانى مع أداة ليست لمطلق الجمع، كأن يقال غلام زيد فرح كما أن أباه فرح، وغلام زيد راكب كما أن أباه راكب، وعلم من هذا أن المراد بالتفريع التبعية فى الذكر والتعقيب الصورى من غير أن يكون هناك أداة تفيد مطلق الجمع، سواء كان بأداة تفريع أم لا وليس المراد أن يكون ذلك الإثبات بأداة تفريع فقط، وإلا لم يكن البيت الذى ذكره المصنف من هذا النوع
(قوله: والتعقيب)
стр. 2140
احترازا عن نحو غلام زيد راكب وأبوه راكب (كقوله:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفى من الكلب
هو بفتح اللام شبه جنون يحدث للإنسان من عض الكلب ...
===
عطف تفسير (قوله واحترازا إلخ) أى وإنما أتى بهذا القيد لأجل الاحتراز عن نحو: غلام زيد راكب وأبوه راكب، ونحو: غلام زيد فرح وأبوه فرح، لعدم التفريع فى الإثبات للثانى وإن اتحد الحكم فيهما لأن الواو لمطلق الجمع، فما قبلها وما بعدها سيان فى التقدم لكل والتأخر للآخر كذا قرر شيخنا العدوى، هذا وفى بعض النسخ احتراز عن نحو غلام زيد راكب وأبوه راجل وفيه نظر، لأن تفسير التفريع المذكور يستدعى اتحاد الحكم للمتعلقين، وفى المثال المذكور حكمان مختلفان أثبتا لمتعلقى أمر، فالاحتراز عن هذا المثال ليس بقوله على وجه يشعر بالتفريع، بل بما علم من اشتراط اتحاد الحكم
(قوله: كقوله) أى الشاعر وهو الكميت (١) من قصيده يمدح بها آل البيت
(قوله: لسقام الجهل) بفتح السين أى لأمراض الجهل، وما فى قوله (كما دمائكم) زائد لا تمنع الجار من العمل، كما فى قوله تعالى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (٢) أى فبرحمة، فتكون الدماء هنا مجرورة بالكاف وما بعده أعنى جملة تشفى من الكلب فى موضع نصب على الحال ويجوز أن يكون الدماء مرفوعا على الابتداء وما بعده خبر، ووجه انطباق التعريف السابق على هذا البيت أن مدلول الكاف الذى هو الممدوحون وهم أهل البيت أمر واحد له متعلقان وهما: الأحلام أى العقول المنسوبة لهم، والدماء المنسوبة لهم، أثبت لأحد متعلقيه وهو الدماء الشفاء من الكلب بعد إثبات ذلك الحكم وهو الشفاء لمتعلق آخر وهو العقول، ولا يضر فى اتحاد الحكم كون الشفاء فى أحدهما منسوبا للكلب وفى الآخر للجهل لاتحاد جنس الحكم (قوله هو) أى الكلب بفتح اللام
(قوله: شبه جنون) أى داء يشبه الجنون
(قوله: من عض الكلب الكلب) الأول بسكون اللام والثانى بكسرها، والكلب الكلب فى الأصل: كلب عقور يعض الناس ويأكل لحمهم