← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

(وقوله: فدع الوعيد فما وعيدك ضائرى ... أطنين أجنحة الذباب يضير) وهذا فيما يكون الملحق الآخر اشتقاقا وهو ضائرى فى آخر المصراع الأول === من ظاهر لائم أى: ظهر الشيب يلومنى على جرى الخيل إلى الأماكن التى فيها اللهو فبعدا له من ظاهر لائم، فلاح الأول: ماضى يلوح مأخوذ من اللوحان وهو الظهور، والثانى اسم فاعل من لحاه إذا لامه، ومثال ما وقع الملحق الآخر فى آخر المصراع الأول قول الحريرى أيضا ومضطلع بتلخيص المعانى ... ومطّلع إلى تخليص عانى المضطلع بالشىء القوى فيه الناهض به وتلخيص المعانى اختصار ألفاظها وتحسين عباراتها والمطلع الناظر وتخليص العانى فكاك الأسير، فالأول من عنى يعنى، والثانى من عنا يعنو، ومثال ما وقع الملحق الآخر فى صدر المصراع الثانى قول الآخر: لعمرى لقد كان الثّريّا مكانه ... ثراء فأضحى الآن مثواه فى الثّرى (١) ثراء نصب على التمييز أى: لقد كانت الثريا مكانه من جهة ثروته وغناه، يقال لمن أصبح غنيا ذا ثروة: أصبح فلان فى الثريا أو فى العيوق، وقوله مثواه فى الثرى أى: فى الأرض والتراب، والشاهد فى ثراء الأول والثرى الثانى، فإن الأول واوى من الثروة والثانى يائى قال العلامة اليعقوبى: ويضعف كون هذا المثال من الملحق أن أحد اللفظين وهو الثانى لم يشتق من شىء حتى يتوهم فيهما الاشتقاق من أصل واحد، فالأقرب فيهما التجانس إلا أن يقال يكفى فى تبادر اشتقاقهما من أصل واحد كون أحدهما مأخوذا من شىء فيسرى الوهم الآخر- تأمل. (قوله: وقوله (٢) فدع الوعيد إلخ) أى: وقول الشاعر وهو ابن عيينة المهلبى والشاهد فى ضائرى ويضير فإنهما مما يجمعهما الاشتقاق؛ لأنهما مشتقان من الضير بمعنى الضرر، وقد وقع الأول فى آخر المصراع الأول والثانى فى عجز البيت، ومعنى البيت دع

стр. 2207

(وقوله: وقد كانت البيض القواضب فى الوغى) أى السيوف القواطع فى الحرب (بواتر) أى قواطع لحسن استعماله إياها (فهى الآن من بعده بتر) جمع أبتر إذ لم يبق بعده من يستعملها استعماله وهذا فيما يكون الملحق الآخر اشتقاقا فى صدر المصراع الثانى. [السجع]: (ومنه) أى ومن اللفظى (السجع قيل وهو تواطؤ الفاصلتين ... === وعيدك أى: إخبارك بأنك تنالنى بمكروه، فإنه لا يجديك منه شيئا؛ لأنه بمنزلة طنين أجنحة الذباب، وذلك الطنين لا ينالنى منه مكروه فكذا وعيدك (قوله: وقوله: وقد كانت إلخ) أى: وقول الشاعر وهو أبو تمام فى مرثية محمد بن نهشل حين استشهد وقبل البيت: ثوى فى الثّرى من كان يحيا به الورى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر (١) أى: سكن فى التراب من كان يحيا به الورى ومن كان عطاؤه كثيرا، لكثرته يزيد على حوادث الدهر ويسترها، فالغمر الأول بمعنى الستر، والثانى بمعنى الكثير، والنائل: العطاء (قوله: (٢) وقد كانت البيض القواضب فى الوغى بواتر) أى: أن السيوف البيض القواطع فى ذاتها كانت فى الحروب قواطع لرقاب الأعداء لحسن استعمال الممدوح إياها لمعرفته بكيفية الضرب بها وتدربه وشجاعته (قوله: فهى الآن) أى بعد موته بتر أى: مقطوعة الفائدة، إذ لم يبق بعده من يستعملها كاستعماله، والشاهد فى قوله: بواتر وبتر، فإن البواتر والبتر مما يجمعهما الاشتقاق؛ لأنهما مأخوذان من البتر وهو القطع (قوله: جمع أبتر) أى: مقطوعة الفائدة. [السجع]: (قوله: ومنه السجع) اعلم أن هنا ألفاظا أربعة ينبغى استحضار معانيها لكثرة دورانها على الألسن، فيزول الالتباس: السجع والفاصلة والقرينة والفقرة، فالقرينة قطعة

стр. 2208

من النثر على حرف واحد) فى الآخر (وهو معنى قول السكاكى هو) أى السجع (فى النثر كالقافية فى الشعر) ... === من الكلام جعلت مزاوجة لأخرى، والفقرة مثلها إن شرط مزاوجتها الأخرى، وإلا كانت أعم سواء كانت مع تسجيع أو لا كما هو ظاهر كلامهم، وأما الفاصلة فهى الكلمة الأخيرة من القرينة التى هى الفقرة، وأما السجع فقد يطلق على نفس الفاصلة الموافقة لأخرى فى الحرف الأخير منها، ويطلق على توافق الفاصلتين فى الحرف الأخير، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: قيل وهو تواطؤ أى: توافق الفاصلتين أى: الكلمتين اللتين هما آخر الفقرتين حالة كونهما من النثر (وقوله: على حرف واحد) على بمعنى (فى) متعلق بتوافق أى: توافق الفاصلتين فى كونهما على حرف واحد كائن فى آخرهما (قوله: من النثر) أى: سواء كان قرآنا أو غيره- كذا فى الأطول، ومقابل قوله فى النثر قوله الآتى: وقيل السجع غير مختص بالنثر (قوله: كالقافية فى الشعر) أى: من جهة وجوب التواطؤ فى كل على حرف فى الآخر (قوله: يعنى إلخ) إشارة لجواب بحث وارد على قول المصنف وهو أى: هذا التفسير معنى قول السكاكى: السجع فى النثر كالقافية فى الشعر، وحاصل البحث أن القافية فى الشعر لفظ ختم به البيت إما الكلمة نفسها أو الحرف الأخير منها أو غير ذلك كأن يكون من المحرك قبل الساكنين إلى الانتهاء على اختلاف المذاهب فيها، وعلى كل حال فليست القافية عبارة عن تواطؤ الكلمتين فى آخر البيتين، وحينئذ فالمناسب لتشبيه السكاكى السجع بها، حيث قال: السجع فى النثر كالقافية فى الشعر أن يراد بالسجع اللفظ أعنى الكلمة الأخيرة من الفقرة باعتبار كونها موافقة للكلمة الأخيرة من الفقرة الأخرى فى الحرف الأخير منها لا موافقة الكلمتين الأخيرتين من الفقرتين، وحينئذ فلا يصح قول المصنف وهو معنى قول السكاكى إلخ، وحاصل الجواب أن مراد المصنف بقوله وهذا التفسير أى: تفسير السجع بالموافقة المذكورة معنى قول السكاكى السجع فى النثر كالقافية فى الشعر أن هذا التفسير محصول كلام السكاكى وفائدته لا أنه عينه؛ وذلك أن تسمية السكاكى الفاصلة سجعا إنما هو لوجود التوافق فيها ولولا ذلك ما سميت، فعاد الحاصل إلى أن العلة التى أوجبت التسمية

стр. 2209

يعنى أن هذا مقصود كلام السكاكى ومحصوله وإلا فالسجع على التفسير المذكور بمعنى المصدر أعنى توافق الفاصلتين فى الحرف الأخير وعلى كلام السكاكى هو نفس اللفظ المتواطئ الآخر فى أواخر الفقر؛ ولذا ذكره السكاكى بلفظ الجمع وقال: إنها فى النثر كالقوافى فى الشعر؛ ذلك لأن القافية لفظ فى آخر البيت إما الكلمة نفسها أو الحرف الأخير منها أو غير ذلك على تفصيل المذاهب وليست عبارة عن تواطؤ الكلمتين من أواخر الأبيات على حرف واحد فالحاصل أن السجع قد يطلق على الكلمة الأخيرة من الفقرة باعتبار توافقها للكلمة الأخيرة من الفقرة الأخرى وقد يطلق على نفس توافقهما ومرجع المعنيين واحد. === هى المسماة بالسجع فى الحقيقة وفى القصد (قوله: يعنى) أى: المصنف (وقوله: أن هذا) أى: تفسير السجع بالتواطؤ المذكور (وقوله: مقصود كلام السكاكى) أى: المقصود منه لا أنه عينه (قوله: وإلا فالسجع إلخ) أى: وإلا نقل أن هذا التفسير بالتواطؤ هو المقصود من كلام السكاكى، بل قلنا: إنه عينه فلا يصح؛ لأن السجع إلخ. (قوله: فى أواخر الفقر) حال من اللفظ أى: حالة كون اللفظ كائنا فى أواخر الفقر (قوله: ولذا) أى: ولأجل كون السجع عند السكاكى نفس اللفظ المتواطئ لا المعنى المصدرى، وهو التواطؤ ذكره السكاكى بلفظ الجمع أى: والسجع لا يجمع إلا إذا كان بمعنى اللفظ ولو أراد المصدر لعبر بالإفراد؛ لأن المصدر لا يجمع إلا إذا أريد به الأنواع وإرادة الأنواع ليس فى كلام السكاكى ما يدل عليها فتعينت إرادة اللفظ وهذا دليل أول على أن السجع عند السكاكى نفس اللفظ (قوله: وقال إنها) أى: الأسجاع فى النثر كالقوافى فى الشعر، ومن هذا يعلم أن قول المصنف هو فى النثر إلخ رواية لكلام السكاكى بالمعنى (قوله: وذلك لأن القافية إلخ) أى: وبيان ذلك أى: وبيان كون السجع عنده نفس اللفظ المتواطئ إلخ أن القافية إلخ، وهذا دليل ثان على أن السجع عند السكاكى نفس اللفظ فلو قال: ولأن القافية إلخ كان أوضح (قوله: على تفصيل) أى: اختلاف (قوله: وليست عبارة إلخ) أى: فلما شبه الأسجاع بالقوافى التى هى ألفاظ قطعا علم أن مراده بالإسجاع: الألفاظ المتوافقة لا المعنى المصدرى (قوله: ومرجع المعنيين واحد)

стр. 2210

(وهو) أى السجع (ثلاثة أضرب مطرف إن اختلفتا) أى الفاصلتان (فى الوزن نحو ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١). فإن الوقار والأطوار مختلفان وزنا (وإلا) أى وإن لم يختلفا فى الوزن (فإن كان ما فى إحدى القرينتين) من الألفاظ (أو) كان (أكثره) أى أكثر ما فى إحدى القرينتين (مثل ما يقابله من) القرينة (الأخرى ... === أى: وهو التوافق المذكور، فإن المعنى الثانى نفس التوافق، والأول: الكلمة من حيث التوافق فهو المسمى فى الحقيقة. اه. سم (وقوله: ومرجع المعنيين واحد) هو المراد بقوله السابق يعنى أن هذا مقصود كلام السكاكى (قوله: أى الفاصلتان) أى: الكلمتان الأخيرتان من الفقرتين (قوله: فى الوزن) ينبغى أن يكون المعتبر هنا الوزن الشعرى لا الوزن التصريفى (وقوله: إن اختلفتا فى الوزن) أى: مع الاتفاق فى التقفية أى: الحرف الأخير بقرينة تعريف السجع، حيث اعتبر فيه التوافق فى الحرف الأخير. (قوله: فإن الوقار والأطوار مختلفان وزنا) أى: أن الوقار فاصلة من الفقرة الأولى، والأطوار فاصلة من الفقرة الثانية، وقد اختلفا فى الوزن، فإن ثانى وقارا محرك، وثانى أطوارا ساكن، وإنما سمى مطرفا؛ لأنه خارج فى التوغل فى الحسن إلى الطرف بخلاف غيره كما يأتى، أو لأن ما وقع به التوافق وهو الاتحاد بين الفاصلتين إنما هو الطرف وهو الحرف الأخير دون الوزن كذا قال اليعقوبى، وقال العصام: سمى مطرفا أخذا له من الطريف وهو الحديث من المال؛ لأن الوزن فى الفاصلة الثانية حديث، وليس هو الوزن الذى كان فى الأولى (قوله: أى وإن لم يختلفا فى الوزن) أى: بل اتفاقا فيه كما اتفقا فى التقفية (قوله: القرينتين) أى: الفقرتين سميت بذلك لأنها تقارن الأخرى (قوله: مثل ما يقابله من القرينة الأخرى) أى مثل ما يقابله من الألفاظ الكائنة فى القرينة الأخرى، يعنى ما عدا الفاصلتين؛ لأن الموضوع حصول الموازنة فى الفاصلتين،

стр. 2211

فى الوزن والتقفية) أى التوافق على الحرف الأخير (فترصيع نحو: يطبع الأسجاع بجواهر لفظه من يقرع الأسماع بزواجر وعظه) فجميع ما فى القرينة الثانية موافق لما يقابله من القرينة الأولى وأما لفظ فهو فلا يقابله شىء من الثانية ولو قال بدل الأسماع الآذان كان مثالا لما يكون أكثر ما فى الثانية موافقا لما يقابله فى الأولى (وإلا فمتواز) === فلا معنى لإدراجه فى هذا الاشتراط (قوله: فى الوزن) متعلق بمثل؛ لأنه فى معنى مماثل (قوله: فترصيع) أى: فالسجع الكائن على هذه الصفة يسمى ترصيعا تشبيها له بجعل إحدى اللؤلؤتين فى العقد فى مقابلة الأخرى المسمى لغة بالترصيع، وكان الأولى للمصنف أن يقول: فمرصع على صيغة اسم المفعول ليناسب قوله: أولا فمطرف، وقوله بعد فمتواز (قوله: نحو فهو يطبع إلخ) هذا مثال لما فيه المساواة فى الجميع، وقوله يطبع الأسجاع بجواهر لفظه أى: يزين الأسجاع بألفاظه الشبيه بالجواهر، ففى يطبع استعارة تبعية، أو أنه شبه تزيين السجع بمصاحبة خيار الألفاظ بجعل الحلى مطبوعا بالجواهر فعبر بهذه العبارة على طريق الاستعارة بالكناية، وقوله ويقرع الأسماع بزواجر وعظه شبه الأسماع بأبواب تقرع بالأصابع لتفتح فعبر بما ذكر على طريق المكنية أيضا- كذا فى اليعقوبى، وقال العصام يطبع أى: يعمل يقال طبع السيف والدرهم عمله، والأسجاع: الكلمات المقفيات، والجواهر: جمع جوهر: الشىء النفيس، وإضافتها للفظة من إضافة المشبه به للمشبه، وأفرد اللفظ فى موضع إرادة المتعدد لكونه فى الأصل مصدرا، وقوله ويقرع أى: يدق، والمراد لازم الدق وهو التأثير أى: يؤثر فى الأسماع بزواجر وعظه، وعلى هذا فلا استعارة فى الكلام، ومحل الشاهد أن (وعظه) فاصلة موازنة للفاصلة الأولى وهى (لفظه) فخرج السجع حينئذ عن كونه مطرفا، ثم إن كل كلمة من القرينة الأولى موافقة لما يقابلها من القرينة الثانية وزنا وتقفية، وذلك لأن يطبع موازن ليقرع، والقافية فيها العين والأسجاع موازن للأسماع، والقافية فيهما العين أيضا، وجواهر موازن لزواجر، والقافية فيهما الراء (قوله: فلا يقابله شىء من الثانية) هذا جواب أما، أى: لا يقابله شىء من الثانية أى حتى يقال: إنه مساو له أو غير مساو له، والحاصل أن هذا المثال تساوت فيه جميع المتقابلات (قوله: كان مثالا لما يكون إلخ) أى: لأن الآذان ليست

стр. 2212

أى وإن لم يكن جميع ما فى القرينة ولا أكثره مثل ما يقابله من الأخرى فهو السجع المتوازى (نحو فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ. وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١) لاختلاف سرر وأكواب فى الوزن والتقفية وقد يختلف الوزن فقط ... === موافقة للأسجاع فى التقفية، إذ آخر الأسجاع العين، وآخر الآذان النون ولا فى الوزن بحسب اللفظ الآن وإن كانت موافقة بحسب الأصل، لأن أصل آذان أأذان بوزن أفعال ولا ينظر للأصل فى مثل ذلك على أنه يجوز أن يكتفى فى عدم التوافق بعدم الموافقة فى التقفية وإن كانت الموافقة فى الوزن حاصلة بالنظر للأصل (قوله: أى وإن لم يكن جميع ما فى القرينة ولا أكثره مثل ما يقابله من الأخرى) أى: بأن كان جميع ما فى إحدى القرينتين من المتقابلات أو أكثر ما فيها أو نصفه مخالفا لما يقابله من القرينة الأخرى فى الوزن والتقفية معا أو فى أحدهما، وهذا الاختلاف المذكور بالنظر لما عدا الفاصلة؛ لأن التوافق فى الحرف الأخير منها معتبر فى مطلق السجع (قوله: المتوازى) أى: المسمى بذلك لتوازى الفاصلتين أى: توافقهما وزنا وتقفية دون رعاية غيرهما والتسمية يكفى فيها أدنى اعتبار (قوله: لاختلاف إلخ) أى: وإنما كان السجع فى هذه الآية متوازيا لاختلاف سرر وأكواب فى الوزن والتقفية أى: وأما الفاصلتان وهما مرفوعة وموضوعة فمتوافقتان وزنا وتقفية ولفظ فيها لم يقابله شىء من القرينة الأخرى (قوله: وقد يختلف الوزن فقط) هذا من جملة ما دخل تحت إلا فهى صادقة بثلاثة أمور، لأن عدم الاتفاق فى الوزن والتقفية صادق بالاختلاف فيهما أو فى أحدهما، أى: وقد يختلف وزن ما فى القرينتين من السجع المتوازى من غير اختلاف فى التقفية أى: مع توافق الفاصلتين كما هو الموضوع فعرفا وعصفا فى الآية التى مثل بها متوازيان والقافية فيهما واحدة، وأما المرسلات والعاصفات فغير متوازيين، لأن مرسلات على وزن مفعلات، وعاصفات على وزن فاعلات ومتوافقان فى التقفية، وقد يقال: إن المعتبر فى السجع الوزن العروضى كما مر والوزن المذكور لا ينظر فيه إلى اتحاد الحركة ولا لكون الحرف أصليا أو زائدا،

стр. 2213

نحو وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً. فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (١) وقد تختلف التقفية فقط كقولنا حصل الناطق والصامت وهلك الحاسد والشامت (قيل وأحسن السجع ما تساوت قرائنه نحو فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ. وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ. وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) (٢) أى بعد أن لا تتساوى قرائنه فالأحسن (ما طالت قرينته الثانية ... === بل المنظور له فيه مقابلة متحرك بمتحرك وساكن بساكن فالحق أن السجع فى الآية المذكورة مرصّع، لأن مرسلات وعاصفات متحدان وزنا وقافية (قوله عرفا) قال ابن هشام: إن كان المراد بالمرسلات الملائكة وبالعرف المعروف فعرفا إما مفعول لأجله، أو نصب بنزع الخافض وهو الباء والتقدير أقسم بالملائكة المرسلة للمعروف أو بالمعروف وإن كان المراد بالمرسلات الأرواح أو الملائكة وعرفا بمعنى متتابعة فانتصاب عرفا على الحال، والتقدير أقسم بالأرواح أو الملائكة المرسلة متتابعة. (قوله: وقد تختلف) أى: فى المتوازى التقفية فقط دون الوزن فيما يعتبر فيه التقابل وهو غير الفاصلتين (قوله: حصل الناطق والصامت، وهلك الحاسد والشامت) أى: أنعم الله على فحصل عندى وملكت الناطق وهو الرقيق والصامت كالخيل ونحوها والعقار فحصل على وزن هلك وقافيتهما مختلفة، لأن قافية الكلمة الأولى اللام وقافية الثانية الكاف، وكذا يقال فى ناطق وحاسد، وأما صامت وشامت فلا بد فيهما من التوافق وزنا وقافية، لأنهما فاصلتان (قوله: قيل إلخ) ليس مراده التضعيف بل حكايته عن غيره (قوله: ما تساوت قرائنه) أى: فى عدد الكلمات وإن كانت إحدى الكلمات أكثر حروفا من كلمة القرينة الأخرى فلا يشترط التساوى فى عدد الحروف (قوله: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ. وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ. وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) أى: فهذه قرائن ثلاثة وهى متساوية فى كون كلّ مركبة من لفظين، والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذى لا شوك له كأنه خضد أى: قطع شوكه، والطلح: شجر الموز، والمنضود: الذى نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه (قوله: ثم ما طالت قرينته الثانية) أى: طولا غير متفاحش وإلا كان قبيحا،

стр. 2214

نحو وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (١) أو قرينته (الثالثة نحو خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٢) من التصلية (ولا يحسن أن يولى قرينة) أى أن يؤتى بعد قرينة بقرينة أخرى (أقصر منها) قصرا (كثيرا) لأن السجع قد استوفى أمده فى الأول بطوله فإذا جاء الثانى أقصر منه كثيرا يبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها، وإنما قال كثيرا احترازا عن قوله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٣) ... === والطول المتفاحش بالزيادة على الثلث ومحل القبح إذا وقعت الطويلة بعد فقرة واحدة أما لو كانت بعد فقرتين فأكثر لا يقبح، لأن الأوليين حينئذ بمثابة واحدة (قوله: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) أى: فهاتان قرينتان والثانية أكثر فى الكلمات من الأولى فهى أطول منها (قوله: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ) هما قرينتان متساويتان فى أن كلا منها كلمة واحدة ولا عبرة بحرف الفاء المأتى به للترتيب فى كون الثانية من كلمتين، وأما قوله (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ) فهو قرينة ثالثة وهى أطول من كل مما قبلها، وقول المصنف: أو قرينته الثالثة عطف بأو إشارة إلى أنه فى مرتبة ما قبله. (قوله: من التصلية) أى: الإحراق بالنار (قوله: ولا يحسن أن يولى إلخ) أى: بأن تكون قرينة طويلة، والقرينة التى بعدها قصيرة قصرا كثيرا بالنسبة إليها سواء كانت القصيرة ثانية بالنظر لأصل الكلام أو ثالثة أو رابعة، وذلك كما لو قيل خاطبنى خليلى وشفانى بكلامه الذى هو كالجوهر النفيس فاقتنيت به أحسن تنفيس (قوله: أمده) أى غايته (قوله: فيعثر دونها) أى: فيقع قبل الوصول إليها، لأن السمع يطلب أمدا مثل الأولى أو قريبا منها، فإذا سمع القصير كثير فاجأه خلاف ما يترقب وهو مما يستقبح (قول: احتراز إلخ) أى: فإن زيادة الأولى على الثانية إنما هو بكلمتين الأولى تسع كلمات بهمزة الاستفهام وحرف الجر والثانية ست كلمات وهذا غير مضر إذ المضر إنما

стр. 2215

(والأسجاع مبنية على سكون الأعجاز) أى أواخر فواصل القرائن إذ لا يتم التواطؤ والتزاوج فى جميع الصور إلا بالوقف والسكون (كقولهم: ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت) إذ لو لم يعتبر السكون لفات السجع؛ لأن التاء من فات مفتوح ومن آت منون مكسور. (قيل: ولا يقال فى القرآن أسجاع) رعاية للأدب وتعظيما له إذ السجع فى الأصل هدير الحمام ونحوه ... === هو الزيادة بأكثر من الثلث، وأما الزيادة بالثلث فأقل فلا تضر (قوله: والأسجاع مبنية على سكون الأعجاز) أى: أن سكون الأعجاز أصل ينبنى عليه تحصيل السجع وهو واجب عند اختلاف الحركات الإعرابية ومستحسن عند اتفاقها (قوله: إذ لا يتم إلخ) هذا مرتبط بمحذوف أى: لأن الغرض من التسجيع أن يزاوج أى يوافق بين الفواصل ولا يتم التوافق بينهما إلا بالسكون وذلك السكون أعم من أن يكون فى الفاصلة من أصل وضعها كما فى دعا أمرا للاثنين ودعا فعلا ماضيا أو يحصل بالوقف، ولذا قال المصنف: مبنية على السكون ولم يقل: مبنية على الوقف (قوله: أى أواخر) إلخ أشار بهذا إلى أن كلامه على حذف مضاف، والفواصل تفسير للأعجاز أى: على سكون أواخر الأعجاز (قوله: التواطؤ) أى: التوافق (وقوله: والتزاوج) مرادف لما قبله (قوله: كقولهم: ما أبعد ما فات) أى: لأن ما فات من الزمان ومن الحوادث فيه لا يعود أبدا (قوله: وما أقرب ما هو آت) أى: لأنه لا بد من حصوله فصار كالقريب (قوله: منون مكسور) أى: وهذا التخالف غير جائز فى القوافى ولا واف بالغرض من السجع أعنى: تزاوج الفواصل (قوله: ولا يقال فى القرآن أسجاع) ليس المراد أنه لا يقال فيه ذلك لعدم وجوده فى نفس الأمر، بل المراد أنه ينهى أن يقال ذلك لرعاية الأدب ولتعظيم القرآن وتنزيهه عن التصريح بما أصله أن يكون فى الدواب العجم (قوله: هدير الحمام) أى: تصويته (وقوله: ونحوه) بالرفع عطفا على المضاف أى: ونحو الهدير كتصويت الناقة لا على المضاف إليه لأن الهدير قاصر على الحمام، والحاصل أن كلّا من هدير الحمام وتصويت الناقة يقال له السجع فى الأصل، ثم نقل لفظ سجع من هذا المعنى للمعنى المذكور

стр. 2216

وقيل لعدم الإذن الشرعى، وفيه نظر؛ إذ لم يقل أحد بتوقف أمثال هذا على إذن الشارع وإنما الكلام فى أسماء الله تعالى (بل يقال) للأسجاع فى القرآن- أعنى الكلمة الأخيرة من الفقرة- (فواصل وقيل: السجع غير مختص بالنثر ومثاله من النظم قوله (١): تجلّى به رشدى وأثرت) أى صارت ذا ثروة (به يدى ... === فى هذا الفن، وحينئذ فلا يصرح بوجوده فى القرآن لما ذكر (قوله: وقيل لعدم إلخ) أى: وقيل النهى عن أن يقال ذلك لعدم الإذن الشرعى بإطلاقه (قوله: وإنما الكلام) أى: وإنما الخلاف فى أسماء الله هل يحتاج فى إطلاقها لإذن أو لا؟ وقد يقال: إن القرآن كلام الله فلا يسمى كله ولا جزؤه إلا بما لا إيهام فيه ولا نقصان قياسا على تسمية الذات. والسجع هدير الحمام ففيه من إيهام النقص ما يمنع إطلاقه إلا بإذن (قوله: بل يقال للأسجاع فى القرآن) أى باعتبار القرآن (قوله: أعنى الكلمة الأخيرة من الفقرة الأولى) أعنى أى: بالأسجاع هنا الكلم الأواخر من الفقر، وقول المصنف: بل يقال فواصل مبنى على ما قاله السكاكى من أن السجع يطلق على الكلمة الأخيرة من الفقرة، إذ هى التى يقال لها فاصلة لا على أن السجع موافقة الكلمات الأخيرة من الفقرة (قوله: فواصل) أى: لمناسبة ذلك لقوله تعالى: فُصِّلَتْ آياتُهُ (٢). (قوله: وقيل السجع غير مختص بالنثر) هذا عطف على محذوف، والأصل والسجع مختص بالنثر أخذا مما تقدم حيث قيل: إنه فى النثر كالقافية فى الشعر، وحيث قيل: إنه توافق الفاصلتين، إذ الفاصلتان مخصوصتان بالنثر وإطلاقهما على ما فى الشعر توسع وقيل غير مختص بالنثر، بل يكون فيه كما تقدم، وفى النظم بأن يجعل كل شطر من البيت فقرتين لكل فقرة سجعة، فإن اتفق فقرتا الشطرين فهو غير تشطير، وإلا فهو تشطير أو بأن يجعل كل شطر فقرة فيكون البيت فقرتين، وهذا كثير كألفية ابن مالك وجوهرة اللقانى (قوله: قوله) أى: قول أبى تمام (وقوله: تجلى) أى: ظهر بهذا الممدوح وهو نصر المذكور فى البيت السابق أعنى قوله:

стр. 2217

وفاض به ثمدى) هو بالكسر الماء القليل والمراد هنا المال القليل (وأورى) أى صار ذا ورى (به زندى) وأما أورى بضم الهمزة على أنه متكلم المضارع من أوريت الزند أخرجت ناره فتصحيف ومع ذلك يأباه الطبع. === سأحمد نصرا ما حييت وإنّنى ... لأعلم أن قد جلّ نصر عن الحمد (١) تجلى به رشدى أى: ظهر به رشدى أى: بلوغى للمقاصد وهذه قرينة فى النظم، (وقوله: وأثرت به يدى) أى: وصارت يدى بهذا الممدوح ذات ثروة أى: كثرة مال لاكتسابها منه جاها وعطاء قرينة أخرى فى النظم ساجعت ما قبلها (قوله: وفاض به) أى: بالممدوح ثمدى قرينة ساجعة لما قبلها (قوله: والمراد به المال القليل) أى: على طريق الاستعارة بجامع القلّة أو النفع فى كل، وهذه الفقرة باعتبار المراد منها كالتأكيد لما قبلها (قوله: وأورى) بفتح الهمزة، والراء فعل ماض، وزندى فاعله وضمير به للممدوح أى: أورى بالممدوح زندى (قوله: أى صار ذا ورى) أى: صار زندى ذا نار بعد أن كان لا نار له، فالهمزة فى أورى للصيرورة، وصيرورة زنده ذا نار كناية عن ظفره بالمطلوب؛ لأن الزند إذا لم يكن ذا ورى لم ينل منه المراد، وإن كان ذا ورى نيل منه المراد فأورى على هذا فعل ماض وفاعله زندى، فهو موافق لما قبله فى كون الفاعل غير ضمير المتكلم (قوله: على أنه متكلم المضارع) الأولى على أنه مضارع المتكلم (قوله: من أوريت الزند أخرجت ناره) أى: فالمعنى حينئذ وأورى أنا بالممدوح زندى أى: أخرج بسببه نار زندى (قوله: فتصحيف) أى: تغيير لشكل الكلمة؛ لأنه بضم الهمزة وكسر الراء، مع أنهما مفتوحتان، والدليل على أنه تصحيف عدم مطابقته لما قبله فى الفاعل من جهة كون فاعل ما قبله من طريق الغيبة، بسبب كونه اسما ظاهرا، فلم يجر الكلام على نمط واحد وجريانه مع إمكانه أنسب لبلاغة الشاعر (قوله: يأباه الطبع) أى: لأنه يومئ إلى ما ينافى المقام؛ وذلك لأن فيه إيماء إلى أن عند الشاعر أصل الظفر بالمراد، ثم استعان بالممدوح حتى بلغ المقصود وكون زنده لا ورى له، ثم صار بالممدوح ذا ورى أنسب

стр. 2218

(ومن السجع على هذا القول) أى القول بعدم اختصاصه بالنثر (ما يسمى التشطير وهو جعل كل من شطرى البيت سجعة مخالفة لأختها) أى للسجعة التى فى الشطر الآخر، فقوله: سجعة ... === بمقام المدح من كونه يخرج نار زنده بإعانة الممدوح مع وجود أصل النار فيه، والحاصل أن العبارة الأولى وهى أورى بصيغة الماضى تقتضى أنه صار زنده ذا ورى بعد انعدام وريه، والثانية تقتضى أن له أصل الورى وبلوغ كماله بالممدوح، ولا يخفى أن الأولى بمقام المدح أنسب من الثانية (قوله: ومن السجع على هذا القول ما يسمى التشطير) حاصله أنه إذا بنينا على القول بأن السجع مختص بالنثر فما يوجد فى النظم مما يشبه السجع يعد من المحسنات الشبيهة به وإذا بنينا على القول بأن السجع يوجد فى الشعر أيضا فنقول: السجع الموجود فيه قسمان ما لا يسمى بالتشطير وهو الذى تقدم، وما يسمى بالتشطير (قوله: وهو جعل كل من شطرى البيت إلخ) أى: أن يجعل كل مصراع من البيت مشتملا على فقرتين والفقرتين اللتين فى المصراع الأول مخالفتين للّتين فى المصراع الثانى فى التقفية كما فى البيت الآتى، فإن الشطر الأول فقرتان وقافيتهما الميم، والشطر الثانى فقرتان أيضا وقافيتهما الباء، وسمى هذا النوع بالتشطير لجعل الشاعر سجعتى الشطر الأول مخالفتين لأختيهما من الشطر الثانى وشمول تعريف السجع السابق لهذا النوع المسمى بالتشطير باعتبار كل شطر، فإنه مشتمل على سجعتين مقفيتى الآخر وإن كان لا يشمله باعتبار مجموع الشطرين لعدم اتفاقهما فى التقفية (قوله: مخالفة لأختها) أى: بألّا يتوافقا فى الحرف الأخير (قوله: فقوله: سجعة إلخ) هذا شروع فى جواب اعتراض وارد على كلام المصنف، وحاصله أن ظاهر قوله وهو جعل كل من شطرى البيت سجعة أن كل شطر يجعل سجعة وليس كذلك، إذ السجعة: إما الكلمة الأخيرة من الفقرة، أو توافق الفقرتين فى الحرف الأخير- كما مر، فكان الأولى للمصنف أن يقول: وهو جعل كل شطر فقرتين مخالفتين لأختيهما، وحاصل الجواب أن قوله: سجعة ليس مفعولا ثانيا لجعل، بل نصب على المصدرية، والمفعول محذوف أى: جعل كل من شطرى البيت مسجوعا سجعة أى: مسجعا سجعا وهذا صادق بكون

стр. 2219

فى موضع المصدر أى مسجوعا سجعة؛ لأن الشطر نفسه ليس بسجعة، أو هو مجاز تسمية للكل باسم جزئه (كقوله: تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب فى الله (١)) أى راغب فيما يقربه من رضوانه (مرتقب) أى منتظر ثوابه أو خائف عقابه فالشطر الأول سجعة مبنية على الميم والثانية سجعة مبنية على الباء. === الشطر فقرتين، فعلم أن قوله: سجعة مصدر مؤكد بمعنى سجعا، ومن المعلوم أنه يلزم من جعل كل شطر مسجعا سجعا أن يكون كل شطر فيه فقرتان ليتحقق معنى السجع فيه (قوله: فى موضع المصدر) أى: معنى المصدر (قوله: لأن الشطر إلخ) علة لمحذوف أى: وليس مفعولا ثانيا لجعل؛ لأن الشطر إلخ (قوله: أو هو مجاز إلخ) جواب بالتسليم، وكأنه يقول: سلمنا أن سجعه مفعول ثان لجعل، لكنه أطلق السجعة على مجموع الشطر الذى وجدت فيه تجوزا من إطلاق اسم الجزء على الكل، وإطلاق اسم الجزء على الكل يرجع لتسمية الكل باسم الجزء الذى قاله الشارح. (قوله: كقوله) أى: قول الشاعر وهو أبو تمام فى مدح المعتصم بالله حين فتح عمورية بلدة بالروم والبيت المذكور من قصيدة من البسيط مطلعها: السّيف أصدق إنباء من الكتب ... فى حدّه الحدّ بين الجدّ والّلعب (٢) (قوله: تدبير معتصم بالله) هذا مبتدأ وخبره فى البيت الثالث بعده وهو قوله: لم يرم قوما ولم ينهد إلى بلد ... إلّا تقدّمه جيش من الرّعب أى: لم يقصد تدبيره قوما ولم يتوجه إلى بلد إلا تقدمه الرعب (وقوله: معتصم بالله) هو الممدوح (وقوله: منتقم لله) أى أنه إذا أراد أن ينتقم من أحد فلا ينتقم منه إلا لأجل الله أى: لأجل انتهاك حرماته لا لحظ نفسه وذلك لعدالته (وقوله: مرتغب فى الله) بالغين المعجمة أى: راغب فيما يقربه من رضوان الله (وقوله: مرتقب) بالقاف أى: من الله أى: منتظر الثواب من الله وخائف منه إنزال العذاب عليه فهو خائف راج كما هو صفة المؤمنين الكمل (قوله: فالشطر الأول سجعة) جعل الشطر سجعة بناء على ما مر له من

стр. 2220

[الموازنة]: (ومنه) أى ومن اللفظى (الموازنة وهى تساوى الفاصلتين) أى الكلمتين الأخيرتين من الفقرتين أو من المصراعين (فى الوزن دون التقفية نحو: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ. وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١) فإن مصفوفة ومبثوثة متساويتان فى الوزن لا فى التقفية إذ الأولى على الفاء والثانية على الثاء ولا عبرة بتاء التأنيث فى القافية على ما بيّن فى موضعه ... === التجوز، والمراد أن الشطر الأول محتو على سجعتين مبنيتين على الميم، والثانى محتو على سجعتين مبنيتين على الباء، قال ابن يعقوب: وقد وجد السجع فى البيت بلا سكون، وبه يعلم أن العدول إلى السكون فى السجع إنما هو عند الحاجة إليه، وذلك عند اختلاف الحركات الإعرابية فى أواخر الفواصل- كما مر. [الموازنة]: (قوله: أى الكلمتين الأخيرتين إلخ) أشار الشارح بهذا التفسير إلى أن إطلاق المصنف الفاصلتين على ما ذكر من قبيل استعمال الكلمة فى حقيقتها ومجازها، ودفع الشارح بهذا ما اعترض به بعضهم على المصنف من أن ظاهر قوله: الفاصلتين أن الموازنة لا تكون إلا فى النثر؛ لأن الفاصلة مختصة بالنثر مع أنها كما تكون فى النثر كالآية التى مثل بها تكون أيضا فى الشعر كما مثلوا لذلك بقول الشاعر: هو الشّمس قدرا والملوك كواكب ... هو البحر جودا والكرام جداول فالكواكب والجداول متفقتان فى الوزن مختلفتان فى التقفية، والجداول: جمع جدول، وهو النهر الصغير، فكأن الكرام تستقى منه. (قوله: دون التقفية) هى اتفاق المزدوجين فى الحرف الأخير (قوله: ونمارق) جمع نمرقة بضم النون وفتحها، وهى الوسادة الصغيرة، والزرابى البسط الفاخرة جمع زربية (وقوله: مبثوثة) أى: مفروشة (قوله: على ما بيّن فى موضعه) أى: وهو علم القوافى

стр. 2221

وظاهر قوله دون التقفية أنه يجب فى الموازنة عدم التساوى فى التقفية حتى لا يكون نحو: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ. وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١) من الموازنة ويكون بين الموازنة والسجع مباينة إلا على رأى ابن الأثير فإنه يشترط فى السجع التساوى فى الوزن والتقفية، ويشترط فى الموازنة التساوى فى الوزن ... === فإنهم ذكروا هناك أن تاء التأنيث ليست من حروف القافية إن كانت تبدل هاءا فى الوقف وإلا فتعتبر كتاء بنت وأخت (قوله: وظاهر قوله إلخ) الحاصل أن قول المصنف دون التقفية يحتمل أن يكون على ظاهره، وأن المعنى أن تتفق الفاصلتان فى الوزن ولا يتفقا فى التقفية فيجب فى الموازنة عدم الاتفاق فى التقفية- بخلاف السجع- فإنه يشترط فيه الاتفاق فى التقفية فهما متباينان، وعلى هذا فالموازنة لا تصدق على نحو قوله تعالى: سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ. وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ لوجود التوافق فى التقفية، وشرط الموازنة: عدم الاتفاق فيها، وتباين اللوازم يقتضى تباين الملزومات، قال فى المطول: ويحتمل أن يكون مراد المصنف دون التقفية، فلا يشترط التوافق فيها، وإذا لم يشترط فى الموازنة التوافق فى التقفية جاز أن تكون مع التقفية ومع عدمها بشرط اتحاد الوزن، وعلى هذا فيكون بينها وبين السجع عموم وخصوص من وجه؛ لأنه شرط فيه اتحاد التقفية ولم يشترط فيه اتحاد الوزن فيصدقان فى نحو: سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ. وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ من وجود الوزن والتقفية معا وينفرد السجع بنحو ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (٢) لوجود التقفية، فيكون سجعا دون الوزن فلا يكون موازنة وتنفرد الموازنة بنحو: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ. وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ لوجود الوزن، فيكون موازنة دون التقفية فلا يكون سجعا (قوله: حتى لا يكون إلخ) أى: لأنه وجد فيه التساوى فى التقفية، وقوله ويكون عطف على النفى وهو لا يكون وقوله مباينة أى: لأنه شرط فى السجع التساوى فى التقفية، وفى الموازنة عدم التساوى فيها (قوله: إلا على رأى ابن الأثير) أى: فليتباينان، وحاصله أن ابن الأثير شرط فى السجع: التوافق فى الوزن، وفى التقفية أى:

стр. 2222

دون الحرف الأخير، فنحو شديد وقريب ليس بسجع وهو أخص بالموازنة وإذا تساوى الفاصلتان فى الوزن دون التقفية. (فإن كان ما فى إحدى القرينتين) من الألفاظ (أو أكثره مثل ما يقابله من) القرينة (الأخرى فى الوزن) سواء ماثله فى التقفية أولا (خص) هذا النوع من الموازنة (باسم المماثلة) وهى لا تختص بالنبر كما توهم البعض من ظاهر قولهم تساوى الفاصلتين، ولا بالنظم على ما ذهب إليه البعض، ... === الحرف الأخير، وشرط فى الموازنة التوافق فى الوزن ولم يشترط فيها التوافق فى الحرف الأخير وهو التوافق فى التقفية، فالموازنة عنده: الكلام الذى يقع فيه التوافق فى الوزن- سواء كان مع ذلك متفقا فى التقفية أم لا، فالسجع عنده أخص من الموازنة، لأنه شرط فيه ما فى الموازنة وزيادة، فنحو: " سرر مرفوعة وأكواب موضوعة" سجع وموازنة، ونحو شديد وقريب إذا ختم بهما قرينتان لا يكون من السجع لعدم التقفية، ويكون من الموازنة لوجود الوزن، واعترض عليه بأنه يلزم على كلامه أن نحو: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ليس من السجع لعدم الوزن ولا من الموازنة لذلك أيضا فيكون خارجا عن النوعين وهو فى غاية البعد (قوله: دون الحرف الأخير) أى: ولا يشترط فى الموازنة تساويهما فى الحرف الأخير الذى هو التقفية. (قوله: أو أكثره) أى: أو كان أكثر ما فى إحدى القرينتين من الألفاظ (قوله: من القرينة الأخرى) أى: من الألفاظ التى فى القرينة الأخرى (قوله: سواء مماثلة إلخ) هذا التعميم إنما هو فيما عدا الفاصلتين، لأن ما عداهما هو المحدث عنه، وأما الفاصلتان فيشترط فيهما عدم التقفية كما حل به الشارح أولا، فالتعميم ظاهر على كلام المصنف (قوله: خص هذا النوع) جواب إن، والمراد بهذا النوع ما تساوت المتقابلات التى فى قرينتيه أو جلها، وقوله باسم المماثلة أى: فيقال هذه الموازنة مماثلة، فالمماثلة نوع من مطلق الموازنة فهى بمنزلة الترصيع من السجع (قوله: وهى) أى: الموازنة لا تختص إلخ ويلزم من عدم اختصاص الموازنة بقبيل عدم اختصاص المماثلة بقبيل، لأن المماثلة نوع للموازنة وكل ما ثبت لجنس ثبت لنوعه (قوله: على ما ذهب إليه البعض) أى: نظرا إلى

стр. 2223

بل يجرى فى القبيلين، فلذلك أورد مثالين (نحو) قوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ. وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١) وقوله: مها الوحش) جمع مهاة وهى البقرة الوحشية (إلا أنّ هاتا) أى هذه النساء (أوانس ... قنا الخطّ إلا أنّ تلك) القنا (ذوابل) ... === أن الشعر لوزنه أنسب باسم الموازنة (قوله: بل يجرى) أى: اسم المماثلة وقوله فى القبيلين أى: النثر والنظم (قوله: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ) (٢) هذه قرينة، وقوله وهديناهما الصراط المستقيم: قرينة ثانية مقابلة لما قبلها وفى كل من القرينتين أربع كلمات غير الفاصلة، والتوافق بينهما فى ثلاثة من الأربعة وهى: الفعل وفاعله ومفعولاه، ولا تخالف إلا فى الفعل فهذا مثال لما تساوى فيه الجل فى الوزن ولم يوجد هنا تساو فى التقفية، ومثال التساوى فى الكل فى النثر قوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ. وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (٣) كما تقدم. (قوله: وقوله) أى: قول الشاعر وهو أبو تمام فى مدح نسوة (قوله: (٤) مها الوحش) أى: هن كمها الوحش فى سعة الأعين وسوادها وأهدابها، والمها بضم الميم كما فى معاهد التنصيص، وبفتحها كما فى سم. (قوله: إلا أن هاتا) فيه أن هاتا للمفردة المؤنثة، والنساء ليس مفردا، وأجيب بأنه مفرد حكما (قوله: أوانس) أى: يأنس بهن العاشق بخلاف مها الوحش فإنها نوافر (قوله: قنا الخط) أى: هن كقنا الخط فى طول القد واستقامته، والقنا: جمع قناة وهى الرمح، والخط بفتح الخاء موضع باليمامة تصنع فيه الرماح وتنسب إليه الرماح المستقيمة. (قوله: ذوابل) جمع ذابل من الذبول وهو ضد النعومة والنضارة يقال: قنا ذابل أى: رقيق الصق القشر- قاله فى الأطول.

стр. 2224

وهذه النساء نواضر، والمثالان مما يكون أكثر ما فى إحدى القرينتين مثل ما يقابله من الأخرى، لعدم تماثل آتيناهما وهديناهما وزنا، وكذا هاتا وتلك. ومثال الجميع قول أبى تمام: فأحجم لمّا لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لمّا لم يجد عنك مهربا (١) === (قوله: وهذه النساء نواضر) أى: لا ذبول فيها، وحاصله أن الشاعر يقول: إن هؤلاء النساء كمها الوحش وزدن بالأنس وكالقنا وزدن بالنضارة والنعومة (قوله: لعدم تماثل آتيناهما إلخ) فيه مسامحة لأن التخالف بين الفعلين فقط، وأما الضميران فلا تخالف فيهما (قوله: وكذا هاتا وتلك إلخ) حاصله أن مها من المصراع الأول موازن لقنا من المصراع الثانى وأوانس من الأول موازن لذاوبل من الثانى وإلا أن فيهما متفق، وأما هاتا فى الأول وتلك فى الثانى فهما غير متوازنين، وحينئذ فهذا المثال من الشعر لما تساوى فيه الجل (قوله: ومثال الجميع) أى: ومثال ما تساوى فيه جميع ما فى إحدى القرينتين لجميع ما فى الأخرى (قوله: قول أبى تمام) أى: فى مدح الفتح بن خاقان ويذكر مبارزته للأسد فالضمير فى أحجم وأقدم للأسد، والمعنى أن هذا الأسد لما لم يجد طمعا فى تناولك لقوتك عليه أحم وتباعد عنك، ولما عرف أنه لا ينجو منك أقدم دهشا فإقدامه تسليم منه لنفسه لعلمه بعدم النجاة لا للشجاعة، فأقدم فى المصراع الثانى موازن لأحجم فى المصراع الأول، ولما لم يجد فى الثانى موازن لنظيرتها فى المصراع الأول وعنك موازن لفيك ومهربا موازن لمطمعا وليس فى البيت موافقة فى التقفية، قال فى الأطول: والتمثيل بهذا البيت للموافقة فى الجميع فيه نظر، لأن لما لم يجد المكرر فى البيت لا يقال فيه تماثل، بل هو عينه، وحينئذ فتكون المماثلة فى البيت باعتبار الأكثر هذا، وما ذكره الشارح هنا من نسبة هذا البيت لأبى تمام هو الصواب خلافا لما فى المطول من نسبته للبحترى- قاله شيخنا.

стр. 2225

وقد كثر ذلك فى الشعر الفارسى وأكثر مدائح أبى الفرج الرومى من شعراء العجم على المماثلة وقد اقتفى الأنورى أثره فى ذلك. [القلب]: (ومنه) أى ومن اللفظى (القلب) وهو أن يكون الكلام بحيث لو عكسته وبدأت بحرفه الأخير إلى الأول كان الحاصل بعينه هو هذا الكلام ويجرى فى النثر والنظم (كقوله: مودّته تدوم لكلّ هول ... وهل كلّ مودّته تدوم) (١) فى مجموع البيت وقد يكون ذلك فى المصراع كقوله: أرانا الإله هلالا أنارا === (قوله: وقد كثر ذلك) أى: تساوى جميع ما فى إحدى القرينتين لجميع ما فى الأخرى فى الوزن (قوله: على المماثلة) أى: مشتملة على المماثلة فى الجميع (قوله: الأنورى) بفتح الهمزة وسكون النون من شعراء الفرس. [القلب]: (قوله: بحيث لو عكسته) أى: عكست قراءته الأولى بأن بدأت بحرفه الأخير، ثم بما يليه، ثم بما يلى ما يليه، وهكذا إلى أن وصلت إلى الحرف الأول (قوله: كان الحاصل بعينه هو هذا الكلام) أى: كان الحاصل هو الكلام الأول بعينه ولا يضر فى القلب المذكور تبديل بعض الحركات والسكنات، ولا تخفيف ما شدد أولا، ولا تشديد ما خفف أولا، ولا قصر ممدود، ولا مد مقصور، ولا تصيير الألف همزة، ولا الهمزة ألفا (قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو القاضى الأرجانى (قوله: وهل كل إلخ) استفهام إنكارى بمعنى النفى والمقصود وصف خليله من بين الأخلاء بالوفاء (قوله: فى مجموع البيت) أى: حال كون القلب فى مجموع البيت لا فى المصراع منه، وحاصله أن القلب الواقع فى النظم تارة يكون بحيث يكون كل من المصراعين قلبا للآخر كما فى: أرانا الإله هلالا أنارا (٢)

стр. 2226

(وفى التنزيل: كُلٌّ فِي فَلَكٍ (١) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٢) والجرف المشدد فى حكم المخفف، لأن المعتبر هو الحروف المكتوبة، وقد يكون ذلك فى المفرد نحو سلس وتغاير القلب بهذا المعنى ... === فإن هذا بيت من مشطور المتقارب، وإذا قلبت المصراع الأخير خرج المصراع الأول، وإذا قلبت المصراع الأول خرج المصراع الأخير وتارة لا يكون كذلك، بل يكون مجموع البيت قلب المجموعة، وأما كل مصراع فلا يخرج من قلب الآخر كما فى قوله: مودته تدوم إلخ. (قوله: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) أى: بإلغاء حرف العطف وهو الواو لخروجه عن ذلك، ومن قبيل القلب الواقع فى الآية قولهم: قلع مركب ببكر معلق. (قوله: والحرف المشدد فى حكم المخفف) أى: لأن المنظور له فى القلب الحرف المكتوب فلا يضر فى القلب اختلاف لامى كل وفلك مثلا تشديدا وتخفيفا والحرف المقصور فى حكم الممدود، ولذا تحقق القلب فى أرض خضراء ولا اعتداد بالهمزة، ولذا لم يضر ذلك، ولا يضر اختلاف الحركات ولا انقلاب المحرك ساكنا وعكسه، ولهذا استشهدوا بقول العماد الفاضل: سر فلا كبا بك الفرس، وجواب الفاضل له: دام علا العماد، ولا يضر سقوط ألف علا فى الوصل، وعود ألف الفرس الساقطة فى الوصل (قوله: وقد يكون ذلك) أى: القلب (قوله: نحو سلس) هو بفتح اللام وكسرها، فالأول مصدر، والثانى وصف ودخل بنحو كشك وكعك وخوخ وباب وشاش وساس، واعلم أن ما ذكره المصنف من القلب المراد به قلب الحروف، ومن القلب نوع آخر يقال له قلب الكلمات وهو: أن يكون الكلام بحيث لو عكسته بأن ابتدأت بالكلمة الأخيرة منه، ثم بما يليها، وهكذا إلى أن تصل إلى الكلمة الأولى منه يحصل كلام مفيد مغاير للأول المقلوب كقوله: عدلوا فما ظلمت لهم دول ... سعدوا فما زالت لهم نعم

стр. 2227

لتجنيس القلب ظاهر فإن المقلوب هاهنا يجب أن يكون عين اللفظ الذى ذكر بخلافه ثمة، ويجب ثمة ذكر اللفظين جميعا بخلافه هاهنا. [التشريع]: (ومنه) أى ومن اللفظى (التشريع) ويسمى التوشيح وذا القافيتين (وهو بناء البيت على قافيتين ... === بذلوا فما شحّت لهم شيم ... رفعوا فما زلّت لهم قدم (١) فهو دعاء لهم، ولو عكس صار دعاء عليهم- هكذا: نعم لهم زالت فما سعدوا ... دول لهم ظلمت فما عدلوا قدم لهم زلّت فما رفعوا ... شيم لهم شحّت فما بذلوا فليس الخارج بالقلب هنا الكلام الأول بعينه (قوله: لتجنيس القلب) وهو أن يقدم فى أحد اللفظين المتجانسين بعض الحروف ويؤخر ذلك البعض فى اللفظ الآخر أى مثل: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا"، وكما فى رقم هذا الكتاب فى القمر (قوله: بخلافه ثمة) أى: بخلاف تجنيس القلب، فإنه لا يجب أن يكون أحد المتجانس فيه نفس مقلوب الآخر إذا قرىء من آخره، ألا ترى إلى القمر والرقم، فإن الجمع بينهما تجنيس القلب، ولو قرئ أحدهما من آخره على الترتيب لم يكن نفس الآخر (قوله: ويجب ثمة إلخ) أى: يجب فى تجنيس القلب أن يذكر اللفظ الذى هو المقلوب مع مقابله بخلاف القلب هنا فيذكر اللفظ المقلوب وحده [التشريع]: (قوله: التشريع) أى: النوع المسمى بالتشريع، قيل: إن تسميته بهذا لا تخلو عن قلة أدب؛ لأن أصل التشريع تقرير أحكام الشرع وهو وصف للبارى أصالة ووصف لرسوله نيابة فالأولى أن يسمى ببعض ما يسمى به من غير هذه التسمية فإنه يسمى التوشيح وذا القافيتين والتسمية الأخيرة أصرح فى معناها، والتوشيح فى الأصل التزيين

стр. 2228

يصح المعنى عند الوقوف على كلّ منهما) أى من القافيتين فإن قيل كان عليه أن يقول يصح الوزن والمعنى عند الوقوف على كلّ منهما؛ لأن التشريع هو أن يبنى الشاعر أبيات القصيدة ذات قافيتين على بحرين أو ضربين من بحر واحد، فعلى أى القافيتين وقفت كان شعرا مستقيما قلنا: القافية إنما هى آخر البيت فالبناء على قافيتين لا يتصور، إلا إذا كان البيت بحيث يصح الوزن ويحصل الشعر عند الوقوف على كل منهما وإلا لم تكن الأولى قافية (كقوله: يا خاطب الدّنيا) من خطب المرأة (الدّنية) أى الخسيسة (إنّها ... شرك الرّدى) أى حبالة الهلاك (وقرارة الأكدار) أى مقر الكدوارت، فإن وقفت على الردى فالبيت من الضرب الثامن من الكامل وإن وقفت على الأكدار فهو من الضرب الثانى منه والقافية عند الخليل ... === باللآلئ ونحوها (قوله: يصح المعنى) المراد بصحة المعنى تمامه (قوله: فإن قيل إلخ) اعتراض على المصنف، حيث لم يشترط صحة الوزن مع اشتراط صحة المعنى، مع أن الشعر لا يتحقق بدون صحة الوزن (قوله: ذات قافيتين) صفة لقصيدة، فلامها للجنس، أو حال منها (قوله: قلنا إلخ) حاصله أن لفظ القافية مشعر باشتراط الوزن؛ لأن القافية لا تكون إلا فى البيت، فيستلزم تحققها تحقق استقامة الوزن ضرورة أن القافية لا تسمى قافية إلا مع الوزن (قوله: كقوله) أى: الشاعر وهو الحريرى فى مقاماته (قوله: (١) يا خاطب الدنيا) أى: يا طالبها من خطب المرأة طلبها وبعد البيت: دار متى ما أضحكت فى يومها ... أبكت غدا تبّا لها من دار غاراتها لا تنقضى وأسيرها ... لا يفتدى بجلائل الأخطار فقد بنى هذه الأبيات، وكذا سائر القصيدة على قافيتين، إذ يصح أن يقال فيها: يا خاطب الدّنيا ... إنّها شرك الرّدى دار متى ما أضحكت ... فى يومها أبكت غدا غاراتها لا تنقضى ... وأسيرها لا يفتدى

стр. 2229

من آخر حرف فى البيت إلى أول ساكن يليه مع الحركة التى قبل ذلك الساكن فالقافية الأولى من هذا البيت هو لفظ الردى مع حركة الكاف من شرك والقافية الثانية هى من حركة الدال من الأكدار إلى الآخر وقد يكون البناء على أكثر من قافيتين وهو قليل متكلف ومن لطيف القافيتين نوع يوجد فى الشعر الفارسى وهو أن تكون الألفاظ الباقية بعد القوافى الأول بحيث إذا جمعت شعرا مستقيم المعنى. === كما يصح قراءة كل بيت على تمامه، وكل من الوجهين على قافية وضرب، فإن وقفت على لفظ الردى من البيت الأول ولفظ غدا فى الثانى ولفظ يفتدى فى الثالث وهو القافية الأولى كان البيت من الضرب الثامن من الكامل، وإن وقفت على لفظ الأكدار فى البيت الأول ودار فى الثانى والأخطار فى الثالث كان البيت من الضرب الثانى منه، وبيان ذلك أن أصل البحر الكامل متفاعلن ست مرات، وأنه يسدس على الأصل تارة ويربع مجزوءا تارة أخرى وضربه الثانى هو مسدسه الذى عروضه سالمة وضربه مقطوع، فالأبيات المذكورة على القافية الثانية من هذا القبيل، وأما ضربه الثامن فهو مربعه الذى أجزاؤه الأربعة سالمة والأبيات على القافية الأولى كذلك (قوله: من آخر حرف فى البيت إلخ) فيه إدخال من على الآخر وإدخال إلى على الأول وهو خلاف المشهور فكان الأولى العكس (قوله: يليه) أى: يلى ذلك الآخر أى: قبل ذلك الآخر، وقوله مع الحركة التى قبل ذلك الساكن أى: وأما حرف تلك الحركة فخارج عنها (قوله: وقد يكون البناء على أكثر من قافيتين) أى: فلو قال المصنف هو بناء البيت على قافيتين أو أكثر كان أحسن إن قيل إذا وجد البناء على أكثر من قافيتين فقد وجد على القافيتين، لأن الأكثر من القافيتين لا يوجد إلا إذا وجدت القافيتان، وقول المصنف بناء البيت على قافيتين: يحتمل فقط ويحتمل قافيتين فأكثر، فنحن نريد الاحتمال ولا اعتراض على المصنف، قلت: الظاهر من قوله هو بناء البيت على قافيتين أن يكون مبنيا عليهما فقط (قوله: وهو قليل) من ذلك قول الحريرى: (١)

стр. 2230

[لزوم ما لا يلزم]: (ومنه) أى ومن اللفظى (لزوم ما لا يلزم) ويقال الإلزام والتضمين والتشديد والإعنات أيضا (وهو أن يجىء قبل حرف الروى) ... === جودى على المستهتر الصّبّ الجوى ... وتعطّفى بوصاله وترحّمى ذا المبتلى المتفكر القلب الشجى ... ثم اكشفى عن حاله لا تظلمى المستهتر: هو المولع الذى لا يبالى بما قيل فيه، والصب: العاشق، والجوى: هو المحروق بنار العشق أو الحزن، فهذه الأبيات مبنية على قواف متعددة الأولى: رائية فى المستهتر والمتفكر، فيقال من منهوك الرجز: جودى على المستهتر ... ذا المبتلى المتفكر والثانية: بائية فى الصب والقلب، فيقال من مشطور الرجز الأحذّ: جودى على المستهتر الصّبّ ... ذا المبتلى المتفكر القلب والثالثة: يائية فى الجوى والشجى، فيقال من مشطور الرجز: جودى على المستهتر الصّبّ الجوى ... ذا المبتلى المتفكر القلب الشجى والرابعة: فائية فى تعطفى واكشفى فيقال من مجزوء الرجز: جودى على المستهتر الصبّ الجوى وتعطفى ... ذا المبتلى المتفكر القلب الشجى ثم اكشفى والخامسة: هائية فى وصاله وحاله فيقال: جودى على المستهتر الصبّ الجوى وتعطفى بوصاله ... ذا المبتلى المتفكر القلب الشجى ثم اكشفى عن حاله والسادسة: ميمية فى ترحمى ولا تظلمى (قوله: بحيث إذا جمعت إلخ) أى: بأن يؤخذ ما بعد القافية الأولى من كل بيت ويجمع المأخوذ وينظم [لزوم ما لا يلزم]: (قوله: الإلزام) أى: لأن المتكلم شاعرا كان أو ناثرا ألزم نفسه أمرا لم يكن لازما له (قوله: والتضمين إلخ) أى: لتضمينه قافيته ما لا يلزمها (قوله: والإعنات) أى: الإيقاع فيما فيه عنت أى: مشقة؛ لأن إلزام ما لا يلزم فيه مشقة (قوله: قبل حرف الروى)

стр. 2231

وهو الحرف الذى تبنى عليه القصيدة وتنسب إليه، فيقال قصيدة لامية أو ميمية مثلا، من رويت الحبل إذا فتلته؛ لأنه يجمع بين الأبيات كما أن الفتل يجمع بين قوى الحبل، أو من رويت على البعير إذا شددت عليه الرّواء وهو الحبل الذى يجمع به الأحمال (أو ما فى معناه) أى قبل الحرف الذى هو فى معنى حرف الروى (من الفاصلة) يعنى الحرف الذى وقع فى فواصل الفقر موقع حرف الروى فى قوافى الأبيات وفاعل يجىء هو قوله (ما ليس بلازم فى السجع) يعنى أن يؤتى قبله بشىء، === أى: من القافية ويؤخذ من قول الشارح: لأنه يجمع بين الأبيات أن الإضافة غير بيانية، والمعنى قبل الحرف الذى يجمع بين الأبيات ويحتمل أنها بيانية؛ لأنهم قد يعبرون بالروى بدون حرف مرادا به الحرف المذكور (قوله: وهو الحرف) أى: الأخير من القافية (قوله: فيقال قصيدة لامية) أى: إن كان الحرف الأخير من قافيتها لاما وهكذا (قوله: من رويت الحبل) أى: مأخوذ من قولك: رويت الحبل (قوله: إذا فتلته) أى: ويلزمه الجمع (قوله: لأنه) أى الروى (قوله: بين قوى الحبل) أى طاقاته (قوله: الرواء) بكسر الراء والمد (قوله: وهو الحبل الذى يجمع به الأحمال) أى: والحرف الأخير من القافية الذى تنسب إليه القصيدة يجمع بين الأبيات (قوله: وما فى معناه) عطف على حرف الروى أى: أو يجىء قبل الحرف الذى فى معناه (قوله: يعنى إلخ) أشار الشارح إلى أن قوله من الفاصلة بيان لما فى معناه، وأنه أطلق الفاصلة على الحرف الذى يختم به الفاصلة، فهو من تسمية الجزء باسم الكل، والظاهر أن الفاصلة باقية على معناها الحقيقى، وهو الكلمة الأخيرة من الفقرة أى: حال كونه كائنا من الفاصلة. (قوله: ما ليس بلازم فى السجع) ما عبارة عن شىء كما قال الشارح (قوله: يعنى أن يؤتى قبله) أى: قبل ما ذكر من حرف الروى أو الحرف الذى فى معناه (وقوله: بشىء) الشىء: أمور ثلاثة حرف وحركة معا، كما فى الآية الآتية والأبيات المذكورة بعدها، وحرف فقط: كالقمر ومستمر فى قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ. وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (١) وحركة فقط كقول ابن الرومى:

стр. 2232

لو جعل القوافى أو الفواصل أسجاعا لم يحتج إليه الإتيان بذلك الشىء ويتم السجع بدونه، فمن زعم أنه كان ينبغى أن يقول ما ليس بلازم فى السجع أو القافية ليوافق قوله قبل حرف الروى أو ما فى معناه فهو لم يعرف معنى هذا الكلام، ثم لا يخفى أن المراد بقوله يجىء قبل كذا ما ليس بلازم فى السجع أن يكون ذلك فى بيتين أو أكثر أو فاصلتين أو أكثر ... === لما تؤذن الدّنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطّفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنّها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد حيث التزم فتح ما قبل الدال وقوله لما تؤذن من تقدم العلة على المعلول (قوله: لو جعل القوافى أو الفواصل أسجاعا) أى: بأن حولت القوافى عن وزن الشعر وجعلت أسجاعا وكذلك الفواصل إذا غيرت عن حالها وجعلت أسجاعا أخر (قوله: لم يلزم الإتيان بذلك الشىء) أى: فى تلك الأسجاع المفروضة (قوله: ويتم إلخ) أى: لكون السجع يتم بدونه فهو فى قوة التعليل لما قبله (قوله: لم يعرف معنى هذا الكلام) أى: لم يعرف معناه المراد منه، والحاصل أن هذا المعترض فهم أن مراد المصنف بالسجع الفواصل، فاعترض عليه وقال: كان الأولى له أن يزيد القافية بأن يقول: ما ليس بلازم فى السجع أى: الذى يكون فى الفواصل ولا فى القافية التى تكون فى الشعر ليوافق قوله قبل حرف الروى، أو ما فى معناه وهو حرف السجع، فرد شارحنا على هذا المعترض بما حاصله: أن هذا المعترض لم يفهم مراد المصنف؛ لأنه ليس مراده بالسجع الفواصل، وإنما مراده أن الفواصل والقوافى فى لزوم ما لا يلزم فيها: هو أن يجىء شىء قبل ما ختمت به لا يلزم ذلك الشىء تلك القوافى ولا تلك الفواصل على تقدير جعلها أسجاعا وتحويلها إلى خصوص السجع، ويدل على أن ما فهمه ذلك المعترض ليس مرادا للمصنف إتيانه بالسجع اسما ظاهرا إذ الفواصل والأسجاع من واد واحد فلو أراد المصنف ما ذكره لكان المناسب أن يقول ما ليس بلازم فيهما بالإضمار أى: فى الفاصلة والقافية، تأمل. (قوله: ثم لا يخفى أن المراد إلخ) حاصله أن المراد بقول المصنف أن يجىء قبل حرف الروى أو قبل ما يجرى مجراه ما ليس بلازم فى السجع أن يؤتى بما ذكر فى بيتين

стр. 2233

وإلا ففى كل بيت أو فاصلة يجىء قبل حرف الروى أو ما فى معناه ما ليس بلازم فى السجع كقوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل (١) قد جاء قبل اللام ميم مفتوحة وهو ليس بلازم فى السجع وقوله: قبل حرف الروى أو ما فى معناه إشارة إلى أنه يجرى فى النثر والنظم (نحو فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (٢) فالراء بمنزلة حرف الروى ومجىء الهاء قبلها فى الفاصلتين لزوم مالا يلزم، لصحة السجع بدونها نحو فلا تقهر ولا يسخر ... === أو فى فاصلتين فأكثر كما سيأتى فى التمثيل، فإنه لو لم يشترط وجوده فى أكثر من بيت أو فاصلة لم يخل بيت ولا فاصلة منه، لأنه لا بد أن يؤتى قبل حرف الروى أو ما جرى مجراه بحرف لا يلزم فى السجع فقوله مثلا: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل قد جىء قبل الروى الذى هو اللام بميم وهى حرف لا يلزم فى السجع، وعليه يكون البيت من هذا النوع وليس كذلك، وإنما يكون الإتيان المذكور من هذا النوع إن التزم فى بيتين فأكثر أو فى فاصلتين فأكثر (قوله: وإلا) أى: وإلا يكن المراد أن يكون ذلك فى إلخ يكون التعريف غير مانع لشموله كل بيت على حدته، مع أن البيت ليس من هذا النوع أى: لزوم ما لا يلزم (قوله: وهو ليس بلازم فى السجع) أى: لو حولناه وجعلناه سجعا (قوله: فالراء) أى: فى تقهر وتنهر بمنزلة حرف الروى أى: الذى فى القافية من جهة التواطؤ على الختم به (قوله: ومجىء الهاء قبلها إلخ) أى: وكذا فتحة الهاء قبلها لزوم ما لا يلزم (قوله: لصحة السجع بدونها) أى: لو حولناه إلى سجع آخر نحو فلا تقهر ولا تبصر ولا تصغر كما ذكر فى قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ

стр. 2234

(وقوله: سأشكر عمرا إن تراخت منيتى، أيادى) بدل من عمرا (لم تمنّن وإن هى جلّت) أى لم تقطع أو لم تخلط بمنة وإن عظمت وكثرت. (فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النّعل زلّت) (١) === وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (قوله: وقوله) أى: الشاعر وهو محمد بن سعيد الكاتب فى مدح عمرو بن سعيد، وسبب مدحه له بذلك أنه دخل عليه فرأى كمه مشقوقا من تحته فبعث إليه بعشرة آلاف درهم (قوله: إن تراخت منيتى) (٢) أى: إذا تأخرت مدتى وطال عمرى شكرت عمرا أى: أديت حق شكر نعمته بالمبالغة فى إظهارها والثناء عليه بها، والمراد بالشكر الموعود به أكمله بالمبالغة وإلا فقد شكره فى إظهارها والثناء عليه بها، والمراد بالشكر الموعود به أكمله بالمبالغة وإلا فقد شكره بذكرها وثنائه عليه بها (قوله: بدل من عمرا) أى: بدل اشتمال من عمرا وينبغى أن يقدر الرابط أى: أيادى له لوجوبه فى بدلى البعض والاشتمال، والأيادى: جمع أيد وهى النعم، والأيدى جمع يد بمعنى النعمة، فهو جمع الجمع (قوله: وإن هى جلّت) إن: وصلية، والجملة حالية أى: وإن كانت جليلة فى نفس الأمر فهو لا يقطعها ولا يمن بها. (قوله: أى لم تقطع) بل هى دائما مسترسلة، فتمنن مأخوذ من المن وهو القطع (قوله: أو لم تخلط بمنة) أى: بذكرها له على وجه المنة (قوله: فتى) أى هو فتى من صفته أنه لا يحجب الغنى عن كل صديق له ولا يستقل به عن الأصدقاء (قوله: ولا مظهر الشكوى) بالرفع عطف على غير الواقع صفة للخبر (قوله: كناية إلخ) فالمعنى أن من صفته أنه لا يظهر الشكوى إذا نزلت به البلايا وابتلى بالشدة، بل يصبر على ما ينوبه من حوادث الزمان ولا يشكو ذلك إلا لله، فقد وصف الشاعر ذلك الممدوح بنهاية كمال المروءة وحسن الطبع حيث ذكر أن ذلك الممدوح من صفته أنه إذا كان فى غنى ويسر لم يستأثر به، بل يشارك فيه أصحابه، وإذا كان فى عسر وتضعضع لا يشكو من

стр. 2235

زلة القدم والنعل كناية عن نزول الشر والمحنة (رأى خلّتى) أى فقرى (من حيث يخفى مكانها) أى لأنى كنت أسترها عنه بالتجمل (فكانت) أى خلتى (قذى عينيه حتى تجلّت) أى انكشفت وزالت بإصلاحه إياها بأياديه يعنى من حسن اهتمامه جعله كالداء الملازم لأشرف أعضائه حتى تلافاه بالإصلاح، فحرف الروى هو التاء وقد جىء قبله بلام مشددة مفتوحة وهو ليس بلازم فى السجع لصحة السجع بدونها نحو جلت ومدت ومنبت وانشقت ونحو ذلك. === ذلك إلا لله، ولا يظهر تلك الحالة لأحد من أصحابه، فأصدقاؤه ينتفعون بمنافعه ولا يتضررون بمضاره أصلا، بل لا يحزنون بها؛ لأنه يخفيها ولا يظهرها لهم (قوله: رأى خلتى) أى: أبصر أمارة فقرى وهى تقطع كم القميص (قوله: أى فقرى) هذا تفسير على مراد وإلا فالخلة بالفتح الحاجة بمعنى الاحتياج وهو أعم من الفقر وكونه يراها مع كون صاحبها يخفيها لتجمل وإظهار آثار الغنى يدل على اهتمامه بأمر أصحابه حتى يطلع على أسرارهم قصدا لرفعتهم (قوله: من حيث يخفى مكانها) خفاء المكان مبالغة فى خفاء الشىء، أو المراد بمكانها وجودها يعنى لكمال ترقبه لحالى رأى حاجتى فى موضع أخفيها فيه (قوله: فكانت قذى عينيه) أى: فلما رأى خلتى كانت كالقذى أى: الغماص الذى فى عينيه وهو أعظم ما يهتم بإزالته، لأنه وقع فى أشرف الأعضاء فما زال يعالجها حتى تجلت (قوله: بأياديه) أى: نعمه. (قوله: من حسن اهتمامه) أى: اهتمام عمرو الممدوح بإزالة فقره (قوله: جعله) أى: المذكور وهو الخلة أى: فقر المادح، ولو قال جعلها أى: الخلة كان أظهر أو أنه ذكر الضمير الراجع للخلة نظرا لكونها بمعنى الفقر (قوله: حتى تلافاه) أى: مازال يعالجه حتى تداركه بالإصلاح (قوله: وهو ليس بلازم) أى: وكل من اللام والفتح ليس بلازم فى السجع، ففى كل من الآية والأبيات نوعان من لزوم ما لا يلزم أحدهما التزام الحرف كالهاء واللام، والثانى التزام فتح ذلك الحرف (قوله: لصحة السجع) أى: المفروض بدونها، أى: لو جعلت القوافى سجعا لم يلزم فيها ذلك (قوله: أصل الحسن إلخ) أى: والأمر الذى لا بد أن يحصل ليحصل الحسن بجميع المحسنات اللفظية، كما

стр. 2236

(وأصل الحسن فى ذلك كله) أى فى جميع ما ذكر من المحسنات اللفظية (أن تكون الألفاظ تابعة للمعانى دون العكس) أى لا أن تكون المعانى توابع للألفاظ بأن يؤتى بالألفاظ متكلفة مصنوعة فيتبعها المعنى كيفما كانت كما يفعله بعض المتأخرين الذين لهم شغف بإيراد المحسنات اللفظية فيجعلون الكلام كأنه غير مسوق لإفادة المعنى، ولا يبالون ... === يقال أصل الجود الغنى أى: الأمر الذى لا بد أن يحصل ليحصل الجود الغنى، والأمر الذى لا بد أن يحصل ليحصل الشىء شرطه وإطلاق الأصل على شرط الشىء صحيح لتوقف المشروط على الشرط كتوقف الفرع على الأصل (قوله: فى ذلك) أى: فيما ذكر من المحسنات اللفظية، وفى بمعنى الباء أى: أن شرط حصول الحسن بتلك المحسنات اللفظية أن تكون الألفاظ تابعة للمعانى بأن تكون المعانى هى المقصودة بالذات والألفاظ تابعة لها، وإنما أتى بقوله: كله، لئلا يتوهم أنه مختص بالأخير منها، وهو إلزام ما لا يلزم. (قوله: أن تكون الألفاظ تابعة للمعانى) أى: الواقعة الحاضرة عنده بأن تلاحظ أولا مع ما يقتضيه الحال من تقديم أو تأخير أو حصر أو غير ذلك، فإذا أتى بالمحسنات اللفظية بعد ذلك فقد تم الحسن، وإن لم يؤت بها كفت النكات المعنوية. (قوله: أى لا أن تكون المعانى توابع للألفاظ) تفسير لقوله: دون العكس، لا لقوله: العكس لفساد المعنى (قوله: لا أن تكون المعانى توابع للألفاظ) لأنه لو كانت المعانى توابع للألفاظ لفات الحسن وانقلب إلى القبح؛ لأنه إذا اختل موجب البلاغة بطل التحسين اللفظى، وهذا الكلام تذكرة لما تقدم من أن وجود البديع إنما يعتبر بعد وجود البلاغة التى لها تعلق بالمعنى وحسن المعانى، وعليه يقال: كان ينبغى ألا تخص المحسنات اللفظية بالذكر، بل وكذلك البديع المعنوى إنما يعتبر إذا وجد الحسن الذاتى المتعلق بالمعنى الأصلى، لكن لما كان الغلط فى التعلق بالمحسنات اللفظية أكثر نبه عليه دون المعنوية هذا إذا جعلت الإشارة لأقرب مذكور وهو المحسنات اللفظية كما صنع الشارح، أما إن جعلت لمطلق البديع فلا يرد ما ذكر. (قوله: بأن يؤتى بالألفاظ إلخ) هذا تصوير للمنفى وهو كون المعانى توابع للألفاظ (وقوله: متكلفة) أى: متكلفا فيها غير متروكة على سجيتها (قوله: مصنوعة)

стр. 2237

بخفاء الدلالات وركاكة المعنى فيصير كغمد من ذهب على سيف من خشب بل الوجه أن تترك المعانى على سجيتها فتطلب لأنفسها ألفاظا تليق بها، وعند هذا تظهر البلاغة والبراعة ويتميز الكامل من القاصر. وحين رتب الحريرى- مع كمال فضله- فى ديوان الإنشاء ... === أى: قصد فيها إلى الصناعة وتحصيل المحسنات اللفظية، وحاصل ذلك أنه إذا كان المحسن اللفظى أو البديعى مطلقا هو المقصود بالذات كانت الألفاظ متكلفا فيها مطلوبة ويتحقق فى ضمن ذلك الإخلال بما يطلب للمعانى من الاعتبارات المناسبة لمقتضى الحال، فتكون تلك المطالب غير مرعية فى تلك المعانى، إذ المقصود بالذات الألفاظ البديعية وإيجادها لا الحسن المعنوى، فربما لم تخل الألفاظ حينئذ من خفاء الدلالة حيث تكون كناية أو مجازا، ومن ركاكة حيث تكون حقيقة بألا يراعى فيها الاعتبار المناسب، فتكون الألفاظ البديعية فى تلك المعانى: كغمد من ذهب ركب على سيف من خشب، أو كثياب فاخرة على ذات مشوهة، وأما إذا كان المقصود بالذات إفادة المعنى كانت الألفاظ غير متكلفة، بل تأتى بها المعانى حيث تركت على سجيتها التى تنبغى لها من المطابقة لمقتضى الحال؛ لأن ما بالذات لا تكلف فيه وإذا لم يتكلف جاء الكلام باشتماله على ما يقتضيه الحال حسنا حسنا ذاتيّا فإذا جاء حسن زائد على الذاتى وهو البديعى صار ذلك الحسن البديعى تابعا للذاتى فيزداد الحسن الذاتى بالحسن البديعى (قوله: بخفاء الدلالات) أى: إذا كانت الألفاظ مجازات أو كنايات (وقوله: وركاكة المعنى) أى: إذا كانت الألفاظ حقائق (قوله: فيصير) أى: اللفظ وفى نسخة فتصير بالتاء الفوقية أى: الألفاظ البديعية (قوله: بل الوجه) أى: الطريق (وقوله: أن تترك المعانى) أى: الواقعة والحاضرة عنده (قوله: ألفاظا تليق بها) أى: من حيث اشتمالها على مقتضى الحال (قوله: وعند هذا) أى عند الإتيان بالألفاظ التى تليق بالمعانى (قوله: والبراعة) مرادف لما قبله (وقوله: الكامل) أى: فى البلاغة (وقوله: من القاصر) أى: فيها؛ وذلك لأن مقتضيات الأحوال التى يشتمل الكلام عليها لا تنضبط لكثرتها، وكلّما كثرت رعايتها ازداد الكلام بلاغة (قوله: فى ديوان الإنشاء) أى: حين رتب كاتبا عند الملك يكتب المراسلات للملوك والوزراء والعلماء.

стр. 2238

عجز فقال ابن الخشاب هو رجل مقاماتى؛ وذلك لأن كتابه حكاية تجرى على حسب إرادته، ومعانيه تتبع ما اختاره من الألفاظ المصنوعة، فأين هذا من كتاب أمر به فى قضية؟ وما أحسن ما قيل فى الترجيح بين الصاحب والصابى أن الصاحب كان يكتب كما يريد، والصابى كان يكتب كما يؤمر، وبين الحالين بون بعيد ... === (قوله: عجز) أى لأنه كلف إنشاء ألفاظ مطابقة لمعان واقعية، ومقتضيات أحوال خارجية، وتكون تلك الألفاظ مع ذلك مصاحبة لبديعيات، والحال أنه إنما كانت له قوة على إنشاء ألفاظ لمعان مع بديعياتها تناسب أحوالا مقدرة يختلقها كما أراد (قوله: فقال ابن الخشاب) أى: فى سبب عجزه وكان معاصرا له (قوله: رجل مقاماتى) أى: له قوة على إنشاء الألفاظ المستحسنة المطابقة للمعانى التقديرية المتخيلة لا على إنشاء الألفاظ المستحسنة المطابقة للمعانى الواقعية؛ لأن المقامات حكايات تقديرية (قوله: وذلك) أى: ومعنى ذلك أى: كونه رجلا مقاماتيّا (قوله: لأن كتابه) أى: كتاب الحريرى المسمى بالمقامات (قوله: فأين هذا) أى: كتاب معانيه فرضية من كتاب معانيه واقعة وحاضرة (قوله: أمر به فى قضية) أى: عينية فإن هذا لا يكتب ما أراده، بل ما أمر به وهذا أخص يلزم من القدرة عليه القدرة على الأول وهو الكتابة لما أراده دون العكس؛ لأن كتابة ما يريده الإنسان ويخترعه سهل التناول بالتجربة، وأما كتابة ما يؤمر به فهو صعب إلا على الأقوياء. (قوله: فى الترجيح) أى: التفضيل (وقوله: يكتب كما يريد) أى: كالحريرى، (وقوله: يكتب كما يؤمر) أى: كابن الخشاب (قوله: يكتب كما يريد) أى يكتب لما يريده من الألفاظ؛ لأنه لم يقصد إفادة معنى واقعى، فالمعانى تابعة لما أراده من تلك الألفاظ المصنوعة (قوله: كما يؤمر) أى: فألفاظه التى يكتبها تابعة للمعانى التى أمر بها بمعنى أن تلك المعانى تطلب تلك الألفاظ (قوله: بون بعيد) أى فرق بعيد وأن الحالة الثانية أشرف من الأولى، وقد علمت أنه يلزم من القدرة على الحالة الثانية القدرة على الحالة الأولى، دون العكس.

стр. 2239

ولهذا قال قاضى قم حين كتب إليه الصاحب أيها القاضى بقم قد عزلناك فقم والله ما عزلنى إلا هذه السجعة. [خاتمة]: [فى السرقات الشعرية وما يتصل بها] للفن الثالث (فى السرقات الشعرية وما يتصل بها) مثل الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح (وغير ذلك) مثل القول فى الابتداء والتخلص والانتهاء وإنما قلنا: أن الخاتمة من الفن الثالث دون أن نجعلها خاتمة للكتاب خارجة عن الفنون الثلاثة كما توهمه غيرنا؛ ... === (قوله: ولهذا) أى: لأجل أن بين الحالين بونا بعيدا (قوله: حين كتب إليه الصاحب) أى: ابن عباد وزير الملك (قوله: ما عزلنى إلا هذه السجعة) أى: لأنه لا غرض له فى عزلى ولا حامل له عليه إلا ذكر هذه السجعة فهى المقصودة دون المعنى، فصار اللفظ متبوعا والمعنى تابعا. اه سم. وحاصله أن الصاحب أراد أن يجانس بين قم الذى هو فعل أمر، وبين قم الذى هو اسم مدينة، فلما لم يتيسر له معنى مطابق لمقتضى الحال واقع فى نفس الأمر يكون اللفظ فيه بليغا أنشأ العزل لقاضى تلك البلدة، فكتب إليه البيت المذكور، فتأمل القاضى وقال: إنه لا غرض له فى المعنى وهو العزل وأنه لا يناسب حاله بلا سبب ولا حال الملك فصار الكلام كالهزل، ثم تفطن وقال: والله ما عزلنى إلا هذه السجعة. [خاتمة فى السرقات الشعرية]: أى: يبحث فيها عن كيفية السرقات الشعرية وعن المقبول منها وغير المقبول، هذا هو المراد فصار المبحوث عنه فيها يتوهم أنه ظرف لها. قال فى الأطول: وخص السرقة الشعرية بالذكر؛ لأن أكثر السرقة يكون فيها فلا ينافى أن السرقة تكون فى غير الشعر أيضا ولعله أدخل ذلك فى قوله وما يتصل بها. اهـ. (قوله: مثل الاقتباس إلخ) وجه اتصال هذه الأمور بالسرقات الشعرية كون كل من القبيلين فيه إدخال معنى كلام سابق فى لاحق (قوله: مثل القول فى الابتداء والتخلص والانتهاء) قال فى الأطول: جمعها مع السرقات الشعرية وما يتصل بها بجامع

стр. 2240

لأن المصنف قال فى الإيضاح فى آخر بحث المحسنات اللفظية: هذا ما تيسر لى بإذن الله جمعه وتحريره من أصول الفن وبقيت أشياء يذكرها فى علم البديع بعض المصنفين وهو قسمان أحدهما ما يجب ترك التعرض له لعدم كونه راجعا إلى تحسين الكلام أو لعدم الفائدة فى ذكره لكونه داخلا فيما سبق من الأبواب ... === أن كلّا مما يجب فيه مزيد الاحتياط (قوله: لأن المصنف قال فى الإيضاح) أى الذى هو كالشرح لهذا المتن (قوله: من أصول) أى: مسائل (قوله: وبقيت أشياء إلخ) هذا ظاهر فى كون تلك الأشياء من نفس الفن لا خارجة عنه، وإلا فلا وجه للتعبير بالبقاء، ولا بقوله فى علم البديع إلخ، وكذا قوله: والثانى ما لا بأس بذكره لاشتماله إلخ: فإن هذا ظاهر فى تعلق الخاتمة بهذا الفن (قوله: وهو) أى: الباقى قسمان (قوله: ما يجب ترك التعرض له) أى: ما يجب ترك عده من هذا الفن وإن ذكره ذلك البعض، ووجوب ترك عده من هذا الفن: إما لكونه غير راجع لتحسين الكلام أصلا، وإنما يعد من هذا الفن ما يرجع لتحسين الكلام حسنا غير ذاتى، وهذا قسمان: - الأول: ما يرجع لتحسين الخط على تقدير كونه فيه حسن كما فى الجناس الخطى كما فى: يسقين ويشفين، وكما فى أبيات لقصيدة أو رسالة حروفها كلها منقوطة أو غير منقوطة، أو حرف بنقط وحرف بدونه، أو كلمة بنقط كل حروفها والأخرى بدون نقط، وإنما لم يكن فى هذا حسن؛ لأن هذا يرجع للشكل المرئى لا للمسموع، والحسن المسموع هو المعتبر، ومع ذلك لا يتعلق به غرض البلغاء غالبا، والثانى من قسمى هذا القسم: ما لا يسلم كونه حسنا أصلا، بل البلغاء جازمون بإخراجه عن معنى الحسن وذلك كذكر موصوف، ثم يذكر له أوصاف عديدة كأن يقال: جاءنى زيد عاقلا تاجرا كبير السن عالما باللغة، ونظيره من القرآن: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ (١) إلخ، فهذا مما يجزم بأنه لا يعد من المحسنات، وإما لكونه راجعا إلى تحسين الكلام، لكن ذكر فيما تقدم فى الإطناب والإيجاز والمساواة كالتذييل والتكميل والإرصاد، فقد تقدم أن بعض هذه الأشياء قد يكون من المحسنات عند كونها لم يعتبر مطابقتها لمقتضى الحال، فذكرها هنا خلو عن الفائدة لتقدم صورتها

стр. 2241

والثانى ما لا بأس بذكره لاشتماله على فائدة مع عدم دخوله فيما سبق مثل القول فى السرقات الشعرية وما يتصل بها. (اتفاق القائلين) على لفظ التثنية (إن كان فى الغرض على العموم كالوصف بالشجاعة والسخاء) وحسن الوجه والبهاء ونحو ذلك (فلا يعد) هذا الاتفاق (سرقة) ... === هناك (قوله: والثانى إلخ) هذا محل الشاهد فى نقل كلام الإيضاح، ولا شك أن هذا يدل على أن السرقات الشعرية وما يتصل بها من فن البديع، وحينئذ فالخاتمة المشتملة على البحث عما ذكر خاتمة للفن الثالث، لا خاتمة للكتاب خارجة عن الفنون الثلاثة. (قوله: اتفاق إلخ) هذا توطئة، والمقصود بالذات قوله: فالأخذ والسرقة (قوله: على لفظ التثنية) حال من القائلين أى: حال كونه ملتبسا بلفظ التثنية لا بلفظ الجمع وليس صلة لاتفاق ولا للقائلين، والمعنى إذا قال قائلان قولا واتفقا فى الغرض العام الذى يقصده كل أحد، وإنما أعربه مثنى؛ لأن الاثنين أقل ما يتصور فيه الاتفاق، والمراد بالقائلين قائل المأخوذ منه ولو كان القائل متعددا وقائل المأخوذ ولو متعددا أيضا، وفى الأطول: القائلين بالجمع، والمراد ما فوق الواحد، أو أنه بالتثنية اقتصارا على أقل من يقع منه الاتفاق (قوله: فى الغرض) متعلق باتفاق أى: فى المعنى المقصود (وقوله: على العموم) أى: حال كون ذلك الغرض على العموم أى: يقصده عامة الناس أى: كل أحد منهم (وقوله: إن كان فى الغرض على العموم) يتضمن أمرين: أحدهما: كون الاتفاق فى نفس الغرض لا فى الدلالة عليه. وثانيهما: كون الغرض عامّا، وقابل الأول بقوله: وإن كان فى وجه الدلالة أى: وإن كان اتفاق القائلين فى الدلالة على الغرض وترك مقابل الثانى، وهو ما إذا كان اتفاق القائلين فى الغرض الخاص وحكمه حكم ما سيأتى وهو: أن تحكم فيه بالتفصيل؛ لأن المعنى الدقيق مما يتفاوت الناس فى إدراكه فيمكن أن يدعى فيه السبق والتقدم والزيادة وعدم ذلك (قوله: والبهاء) هو الحسن مطلقا أى: تعلق بالوجه أو بغيره (قوله: ونحو ذلك) أى: كرشاقة القد أى: اعتدال القامة وسعة العين والذكاء والبلادة (قوله: فلا يعد هذا الاتفاق سرقة) أى: إذا نظر فيه باعتبار

стр. 2242

ولا استعانة ولا أخذا ونحو ذلك مما يؤدى هذا المعنى (لتقرره) أى تقرر هذا الغرض العام (فى العقول والعادات) فيشترك فيه الفصيح والأعجم والشاعر والمفعم (وإن كان) اتفاق القائلين (فى وجه الدلالة) أى طريق الدلالة على الغرض ... === شخصين أحدهما متقدم والآخر متأخر. قال فى الأطول: وقوله: فلا يعد سرقة هو بفتح الدال، ويصح ضمها على أنه خبر بمعنى النهى، فهو مفيد لوجوب عدم العد؛ لأن مطلقات العلوم مصروفة إلى الوجوب. اهـ. (قوله: ولا استعانة) أى: ولا يعد ذلك الاتفاق استعانة بأن يعتقد أن الثانى منهما استعان بالأول فى التوصل للغرض (قوله: ولا أخذا) أى: بأن يدعى أن الثانى أخذه من الأول (قوله: ونحو ذلك مما يؤدى هذا المعنى) أى: كالانتهاب والإغارة والغصب والمسخ، وما أشبه ذلك من الألقاب الآتية، وإنما كانت هذه الألقاب تؤدى هذا المعنى الواحد؛ لأنها كلها تشترك فى الاستناد إلى الغير فى التوصل، وإنما اختلفت معانيها باعتبار العوارض (قوله: لتقرره فى العقول) أى: جميعا وفى العادات جميعا، فلم يخص ابتداعه بعقل مخصوص حتى يكون غيره آخذا له منه ولا بعادة وزمان حتى يكون أرباب ذلك الزمان مأخوذا منهم وعموم العقول يستلزم عموم العادات وبالعكس وإنما جمع بينهما تأكيدا (قوله: فيشترك إلخ) أى: فبسبب استواء العقول فيه والعادات يشترك فيه الفصيح إلخ، والمراد بالأعجم هنا ضد الفصيح كما أن المراد بالمفحم هنا بفتح الحاء ضد الشاعر أى: من لا قدرة له على الشعر وإذا كان جميع العقلاء متشاركين فى ذلك الغرض لتقرره فى عقولهم فلا يكون أحد فيه أقدم ينقل عنه لعدم اختصاصه به. (قوله: وإن كان اتفاق القائلين فى وجه الدلالة أى: طريق الدلالة على الغرض) بأن ذكر أحدهما ما يستدل به على ثبوت الغرض من شجاعة أو سخاء أو جمال كان ذلك الدليل الذى استدل به على ثبوت الغرض تشبيها أو حقيقة أو مجازا أو كناية وذكر الآخر كذلك، كما لو قال أحد القائلين: زيد كالبدر فى الإضاءة أو

стр. 2243

(كالتشبيه والمجاز والكناية وكذكر هيئات تدل على الصفة لاختصاصها بمن هى له) أى لاختصاص تلك الهيئات بمن ثبتت تلك الصفة له (كوصف الجواد بالتهلل عند ورود العفاة) أى السائلين جمع عاف (و) كوصف (البخيل بالعبوس) عند ذلك (مع سعة ذات اليد) أى المال، وأما العبوس عند ذلك مع قلّة ذات اليد === كالأسد فى الشجاعة أو كالبحر فى الجود أو كثير الرماد، أو قال: رأيت أسدا فى الحمام يعنى زيدا، وقال القائل الآخر فى عمرو مثل ذلك (قوله: طريق الدلالة إلخ) المراد بطريق الدلالة اللفظ الدالّ على الوصف العام من حقيقة أو مجاز أو كناية أو تشبيه، (وقوله: على الغرض) أى: العام متعلق بالدلالة (قوله: كالتشبيه إلخ) تمثيل للوجه، والمراد به الكلام الدال على التشبيه ليكون لفظا؛ لأن وجه الدلالة لفظ (قوله: وكذكر هيئات) أى: أوصاف والمراد الجنس (وقوله: تدل على الصفة) أى: التى هى الغرض كما إذا قيل: زيد يتهلل وجهه عند ورود العفاة عليه أو عمرو يعبس وجهه عند ورود العفاة عليه، فإن التهلل لازم لذات الجواد، فينتقل من الوصف بالتهلل لذات الجواد، وينتقل منها لوصفه بالجود على جهة الكناية للانتقال من الملزوم للّازم، وكذا يقال فى العبوس، وإذا علمت هذا تعلم أن قول المصنف: وكذكر هيئات إلخ عطفه على ما قبله من قبيل عطف الخاص على العام؛ لأن ذكر الهيئات من قبيل الكناية المذكورة فيما قبل. (قوله: لاختصاصها إلخ) علّة لتدل أى: لأجل اختصاصها بموصوف هى أى: تلك الصفة التى هى الغرض له أى: لذلك الموصوف فيلزم أن تكون الهيئات مستلزمة للصفة التى هى الغرض، والانتقال من الملزوم للّازم كناية (قوله: بمن ثبتت تلك الصفة له) أى: بموصوف ثبتت له تلك الصفة التى هى الغرض. (قوله: بالتهلل) أى: الابتسام والبشاشة (قوله: بالعبوس) هو تلون الوجه تلونا يدل على الغم (قوله: عند ذلك) أى: عند ورود العفاة عليه (قوله: مع سعة) أى: كثرة ذات اليد قال فى الأطول: راجع للتهلل والعبوس؛ لأن تهلل الجواد لا يكون عند قلّة المال عند ورود العفاة والعبوس مع قلّة ذات اليد ليس من خواصّ البخيل، وذات اليد هو المال سمّى ذات اليد؛ لأن اليد تفعل معه ما لا تفعل مع قلته فكأنه يأمر اليد بالإعطاء والإمساك واليد كالمملوك له. ا. هـ.

стр. 2244

فمن أوصاف الأسخياء (فإن اشترك الناس فى معرفته) أى فى معرفة وجه الدلالة (لاستقراره فيهما) أى فى العقول والعادات (كتشبيه الشجاع بالأسد والجواد بالبحر فهو كالأول) أى فالاتفاق فى هذا النوع من وجه الدلالة كالاتفاق فى الغرض العام فى أنه لا يعد سرقة ولا أخذا. (وإلا) أى وإن لم يشترك الناس فى معرفته (جاز أن يدعى فيه) أى فى هذا النوع من وجه الدلالة (السبق والزيادة) بأن يحكم بين القائلين فيه بالتفاضل === (قوله: فمن أوصاف الأسخياء) لأن عبوسه فى تلك الحالة دليل على كرمه؛ لأنه يحصل له غمّ على عدم كثرة ما بيده ليكرم منه العفاة (قوله: فإن اشترك إلخ) هذا دليل جواب الشرط فى قوله: وإن كان فى وجه الدلالة، وجواب الشرط محذوف تقديره ففيه تفصيل فإن اشترك إلخ (قوله: لاستقراره فيهما أى: فى العقول والعادات) أى: بحيث صار متداولا بين الخاصة والعامة (قوله: كتشبيه الشجاع بالأسد) أى: فى الشجاعة، وكتشبيه البليد بالحمار فى البلادة، وتشبيه الوجه الجميل بالقمر فى الإضاءة، والمراد بالتشبيه: الكلام الدالّ عليه ليكون لفظا- كما مر. (قوله: من وجه الدلالة) بيان لهذا النوع أى: الذى هو الاتفاق فى وجه الدلالة على الغرض. (قوله: أى وإن لم يشترك الناس فى معرفته) أى معرفة طريق الدلالة على الغرض بأن كان لا يصل إليه كل أحد لكونه مما لا ينال إلا بفكر بأن كان مجازا مخصوصا أو كناية أو تشبيها على وجه لطيف (قوله: جاز) أى: صح أن يدعى فيه إلخ بخلاف ما تقدم فإنه لا يصح أن يدعى فيه ذلك فهذه الحالة هى التى يمكن فيها تحقيق السرقة، لكن لا يتعين فيها السرقة ولذا فصلها كما يأتى (قوله: من وجه الدلالة) أى: الذى هو الاتفاق فى وجه الدلالة على الغرض (قوله: السبق والزيادة) يحتمل أن المراد بالسبق التقدم أى: جاز أن يدعى أن أحدهما أقدم والآخر أخذه من ذلك الأقدم، وجاز أن يدعى زيادة أحدهما على الآخر فيه، وأن أحدهما فيه أكمل من الآخر، وعلى هذا فالعطف مغاير، ويحتمل أن المراد بالسبق الغلبة، وعليه؛ فعطف الزيادة على السبق عطف

стр. 2245

وأن أحدهما فيه أكمل من الآخر وأن الثانى زاد على الأول أو نقص عنه (وهو) أى ما لا يشترك الناس فى معرفته من وجه الدلالة على الغرض (ضربان) أحدهما (خاصّىّ فى نفسه غريب) لا ينال إلا بفكر (و) الآخر (عامّىّ تصرف فيه بما أخرجه من الابتذال إلى الغرابة كما مرّ) فى باب التشبيه والاستعارة من تقسيمهما إلى الغريب الخاصى والمبتذل العامّىّ الباقى على ابتذاله والمتصرف فيه بما يخرجه إلى الغرابة. === تفسير والمعنى جاز أن يدعى سبق أحد الآتيين به أى: غلبته الآخر فيه وزيادته عليه فيه ونقص الآخر عنه وإلى الثانى يشير صنيع الشارح؛ لأن قوله: بأن يحكم إلخ يشير إلى أنه ليس المراد بالسبق مجرد التقدم فى الزمن، بل السبق لعلو المرتبة والكمال (قوله: وأن أحدهما فيه أكمل إلخ) تفسير للتفاضل (قوله: خاصّىّ) أى: منسوب للخاصّة أى: هذا المفهوم لا يطّلع عليه إلا الخاصّة وهم البلغاء (قوله: غريب) تفسير لقوله خاصى لقوله فى بحث الاستعارة: أو خاصية وهى الغريبة؛ لأن من لوازم كونه غريبا أن يكون خاصيّا لا يعرفه إلا الخاصة (قوله: لا ينال إلا بفكر) تفسير لغريب أى: لا يدركه إلا الأذكياء كتشبيه الشمس بالمرآة فى كفّ الأشلّ، وكالتجوز بإطلاق الاحتباء على ضم العنان الذى فى فم الفرس لقربوسه (قوله: والآخر عامّىّ) أى: يعرفه عامّة الناس (قوله: الباقى على ابتذاله) هذا زائد على ما هنا (قوله: والمتصرف فيه بما يخرجه إلخ) أى: كما فى تشبيه الوجه البهى بالشمس فى قوله: لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء (١) فإن تشبيه الوجه البهى بالشمس مبتذل عامى، لكن أضاف لذلك كون عدم الحياء من الشمس هو الذى أوجب لها ادعاء المقابلة لهذا الوجه، فخرج بذلك عن الابتذال، وكما فى التجوز فى إطلاق السيلان على سير الإبل فى قوله: وسالت بأعناق المطىّ الأباطح
следующие страницы →