← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

والثانى ما لا بأس بذكره لاشتماله على فائدة مع عدم دخوله فيما سبق مثل القول فى السرقات الشعرية وما يتصل بها. (اتفاق القائلين) على لفظ التثنية (إن كان فى الغرض على العموم كالوصف بالشجاعة والسخاء) وحسن الوجه والبهاء ونحو ذلك (فلا يعد) هذا الاتفاق (سرقة) ... === هناك (قوله: والثانى إلخ) هذا محل الشاهد فى نقل كلام الإيضاح، ولا شك أن هذا يدل على أن السرقات الشعرية وما يتصل بها من فن البديع، وحينئذ فالخاتمة المشتملة على البحث عما ذكر خاتمة للفن الثالث، لا خاتمة للكتاب خارجة عن الفنون الثلاثة. (قوله: اتفاق إلخ) هذا توطئة، والمقصود بالذات قوله: فالأخذ والسرقة (قوله: على لفظ التثنية) حال من القائلين أى: حال كونه ملتبسا بلفظ التثنية لا بلفظ الجمع وليس صلة لاتفاق ولا للقائلين، والمعنى إذا قال قائلان قولا واتفقا فى الغرض العام الذى يقصده كل أحد، وإنما أعربه مثنى؛ لأن الاثنين أقل ما يتصور فيه الاتفاق، والمراد بالقائلين قائل المأخوذ منه ولو كان القائل متعددا وقائل المأخوذ ولو متعددا أيضا، وفى الأطول: القائلين بالجمع، والمراد ما فوق الواحد، أو أنه بالتثنية اقتصارا على أقل من يقع منه الاتفاق (قوله: فى الغرض) متعلق باتفاق أى: فى المعنى المقصود (وقوله: على العموم) أى: حال كون ذلك الغرض على العموم أى: يقصده عامة الناس أى: كل أحد منهم (وقوله: إن كان فى الغرض على العموم) يتضمن أمرين: أحدهما: كون الاتفاق فى نفس الغرض لا فى الدلالة عليه. وثانيهما: كون الغرض عامّا، وقابل الأول بقوله: وإن كان فى وجه الدلالة أى: وإن كان اتفاق القائلين فى الدلالة على الغرض وترك مقابل الثانى، وهو ما إذا كان اتفاق القائلين فى الغرض الخاص وحكمه حكم ما سيأتى وهو: أن تحكم فيه بالتفصيل؛ لأن المعنى الدقيق مما يتفاوت الناس فى إدراكه فيمكن أن يدعى فيه السبق والتقدم والزيادة وعدم ذلك (قوله: والبهاء) هو الحسن مطلقا أى: تعلق بالوجه أو بغيره (قوله: ونحو ذلك) أى: كرشاقة القد أى: اعتدال القامة وسعة العين والذكاء والبلادة (قوله: فلا يعد هذا الاتفاق سرقة) أى: إذا نظر فيه باعتبار

стр. 2242

ولا استعانة ولا أخذا ونحو ذلك مما يؤدى هذا المعنى (لتقرره) أى تقرر هذا الغرض العام (فى العقول والعادات) فيشترك فيه الفصيح والأعجم والشاعر والمفعم (وإن كان) اتفاق القائلين (فى وجه الدلالة) أى طريق الدلالة على الغرض ... === شخصين أحدهما متقدم والآخر متأخر. قال فى الأطول: وقوله: فلا يعد سرقة هو بفتح الدال، ويصح ضمها على أنه خبر بمعنى النهى، فهو مفيد لوجوب عدم العد؛ لأن مطلقات العلوم مصروفة إلى الوجوب. اهـ. (قوله: ولا استعانة) أى: ولا يعد ذلك الاتفاق استعانة بأن يعتقد أن الثانى منهما استعان بالأول فى التوصل للغرض (قوله: ولا أخذا) أى: بأن يدعى أن الثانى أخذه من الأول (قوله: ونحو ذلك مما يؤدى هذا المعنى) أى: كالانتهاب والإغارة والغصب والمسخ، وما أشبه ذلك من الألقاب الآتية، وإنما كانت هذه الألقاب تؤدى هذا المعنى الواحد؛ لأنها كلها تشترك فى الاستناد إلى الغير فى التوصل، وإنما اختلفت معانيها باعتبار العوارض (قوله: لتقرره فى العقول) أى: جميعا وفى العادات جميعا، فلم يخص ابتداعه بعقل مخصوص حتى يكون غيره آخذا له منه ولا بعادة وزمان حتى يكون أرباب ذلك الزمان مأخوذا منهم وعموم العقول يستلزم عموم العادات وبالعكس وإنما جمع بينهما تأكيدا (قوله: فيشترك إلخ) أى: فبسبب استواء العقول فيه والعادات يشترك فيه الفصيح إلخ، والمراد بالأعجم هنا ضد الفصيح كما أن المراد بالمفحم هنا بفتح الحاء ضد الشاعر أى: من لا قدرة له على الشعر وإذا كان جميع العقلاء متشاركين فى ذلك الغرض لتقرره فى عقولهم فلا يكون أحد فيه أقدم ينقل عنه لعدم اختصاصه به. (قوله: وإن كان اتفاق القائلين فى وجه الدلالة أى: طريق الدلالة على الغرض) بأن ذكر أحدهما ما يستدل به على ثبوت الغرض من شجاعة أو سخاء أو جمال كان ذلك الدليل الذى استدل به على ثبوت الغرض تشبيها أو حقيقة أو مجازا أو كناية وذكر الآخر كذلك، كما لو قال أحد القائلين: زيد كالبدر فى الإضاءة أو

стр. 2243

(كالتشبيه والمجاز والكناية وكذكر هيئات تدل على الصفة لاختصاصها بمن هى له) أى لاختصاص تلك الهيئات بمن ثبتت تلك الصفة له (كوصف الجواد بالتهلل عند ورود العفاة) أى السائلين جمع عاف (و) كوصف (البخيل بالعبوس) عند ذلك (مع سعة ذات اليد) أى المال، وأما العبوس عند ذلك مع قلّة ذات اليد === كالأسد فى الشجاعة أو كالبحر فى الجود أو كثير الرماد، أو قال: رأيت أسدا فى الحمام يعنى زيدا، وقال القائل الآخر فى عمرو مثل ذلك (قوله: طريق الدلالة إلخ) المراد بطريق الدلالة اللفظ الدالّ على الوصف العام من حقيقة أو مجاز أو كناية أو تشبيه، (وقوله: على الغرض) أى: العام متعلق بالدلالة (قوله: كالتشبيه إلخ) تمثيل للوجه، والمراد به الكلام الدال على التشبيه ليكون لفظا؛ لأن وجه الدلالة لفظ (قوله: وكذكر هيئات) أى: أوصاف والمراد الجنس (وقوله: تدل على الصفة) أى: التى هى الغرض كما إذا قيل: زيد يتهلل وجهه عند ورود العفاة عليه أو عمرو يعبس وجهه عند ورود العفاة عليه، فإن التهلل لازم لذات الجواد، فينتقل من الوصف بالتهلل لذات الجواد، وينتقل منها لوصفه بالجود على جهة الكناية للانتقال من الملزوم للّازم، وكذا يقال فى العبوس، وإذا علمت هذا تعلم أن قول المصنف: وكذكر هيئات إلخ عطفه على ما قبله من قبيل عطف الخاص على العام؛ لأن ذكر الهيئات من قبيل الكناية المذكورة فيما قبل. (قوله: لاختصاصها إلخ) علّة لتدل أى: لأجل اختصاصها بموصوف هى أى: تلك الصفة التى هى الغرض له أى: لذلك الموصوف فيلزم أن تكون الهيئات مستلزمة للصفة التى هى الغرض، والانتقال من الملزوم للّازم كناية (قوله: بمن ثبتت تلك الصفة له) أى: بموصوف ثبتت له تلك الصفة التى هى الغرض. (قوله: بالتهلل) أى: الابتسام والبشاشة (قوله: بالعبوس) هو تلون الوجه تلونا يدل على الغم (قوله: عند ذلك) أى: عند ورود العفاة عليه (قوله: مع سعة) أى: كثرة ذات اليد قال فى الأطول: راجع للتهلل والعبوس؛ لأن تهلل الجواد لا يكون عند قلّة المال عند ورود العفاة والعبوس مع قلّة ذات اليد ليس من خواصّ البخيل، وذات اليد هو المال سمّى ذات اليد؛ لأن اليد تفعل معه ما لا تفعل مع قلته فكأنه يأمر اليد بالإعطاء والإمساك واليد كالمملوك له. ا. هـ.

стр. 2244

فمن أوصاف الأسخياء (فإن اشترك الناس فى معرفته) أى فى معرفة وجه الدلالة (لاستقراره فيهما) أى فى العقول والعادات (كتشبيه الشجاع بالأسد والجواد بالبحر فهو كالأول) أى فالاتفاق فى هذا النوع من وجه الدلالة كالاتفاق فى الغرض العام فى أنه لا يعد سرقة ولا أخذا. (وإلا) أى وإن لم يشترك الناس فى معرفته (جاز أن يدعى فيه) أى فى هذا النوع من وجه الدلالة (السبق والزيادة) بأن يحكم بين القائلين فيه بالتفاضل === (قوله: فمن أوصاف الأسخياء) لأن عبوسه فى تلك الحالة دليل على كرمه؛ لأنه يحصل له غمّ على عدم كثرة ما بيده ليكرم منه العفاة (قوله: فإن اشترك إلخ) هذا دليل جواب الشرط فى قوله: وإن كان فى وجه الدلالة، وجواب الشرط محذوف تقديره ففيه تفصيل فإن اشترك إلخ (قوله: لاستقراره فيهما أى: فى العقول والعادات) أى: بحيث صار متداولا بين الخاصة والعامة (قوله: كتشبيه الشجاع بالأسد) أى: فى الشجاعة، وكتشبيه البليد بالحمار فى البلادة، وتشبيه الوجه الجميل بالقمر فى الإضاءة، والمراد بالتشبيه: الكلام الدالّ عليه ليكون لفظا- كما مر. (قوله: من وجه الدلالة) بيان لهذا النوع أى: الذى هو الاتفاق فى وجه الدلالة على الغرض. (قوله: أى وإن لم يشترك الناس فى معرفته) أى معرفة طريق الدلالة على الغرض بأن كان لا يصل إليه كل أحد لكونه مما لا ينال إلا بفكر بأن كان مجازا مخصوصا أو كناية أو تشبيها على وجه لطيف (قوله: جاز) أى: صح أن يدعى فيه إلخ بخلاف ما تقدم فإنه لا يصح أن يدعى فيه ذلك فهذه الحالة هى التى يمكن فيها تحقيق السرقة، لكن لا يتعين فيها السرقة ولذا فصلها كما يأتى (قوله: من وجه الدلالة) أى: الذى هو الاتفاق فى وجه الدلالة على الغرض (قوله: السبق والزيادة) يحتمل أن المراد بالسبق التقدم أى: جاز أن يدعى أن أحدهما أقدم والآخر أخذه من ذلك الأقدم، وجاز أن يدعى زيادة أحدهما على الآخر فيه، وأن أحدهما فيه أكمل من الآخر، وعلى هذا فالعطف مغاير، ويحتمل أن المراد بالسبق الغلبة، وعليه؛ فعطف الزيادة على السبق عطف

стр. 2245

وأن أحدهما فيه أكمل من الآخر وأن الثانى زاد على الأول أو نقص عنه (وهو) أى ما لا يشترك الناس فى معرفته من وجه الدلالة على الغرض (ضربان) أحدهما (خاصّىّ فى نفسه غريب) لا ينال إلا بفكر (و) الآخر (عامّىّ تصرف فيه بما أخرجه من الابتذال إلى الغرابة كما مرّ) فى باب التشبيه والاستعارة من تقسيمهما إلى الغريب الخاصى والمبتذل العامّىّ الباقى على ابتذاله والمتصرف فيه بما يخرجه إلى الغرابة. === تفسير والمعنى جاز أن يدعى سبق أحد الآتيين به أى: غلبته الآخر فيه وزيادته عليه فيه ونقص الآخر عنه وإلى الثانى يشير صنيع الشارح؛ لأن قوله: بأن يحكم إلخ يشير إلى أنه ليس المراد بالسبق مجرد التقدم فى الزمن، بل السبق لعلو المرتبة والكمال (قوله: وأن أحدهما فيه أكمل إلخ) تفسير للتفاضل (قوله: خاصّىّ) أى: منسوب للخاصّة أى: هذا المفهوم لا يطّلع عليه إلا الخاصّة وهم البلغاء (قوله: غريب) تفسير لقوله خاصى لقوله فى بحث الاستعارة: أو خاصية وهى الغريبة؛ لأن من لوازم كونه غريبا أن يكون خاصيّا لا يعرفه إلا الخاصة (قوله: لا ينال إلا بفكر) تفسير لغريب أى: لا يدركه إلا الأذكياء كتشبيه الشمس بالمرآة فى كفّ الأشلّ، وكالتجوز بإطلاق الاحتباء على ضم العنان الذى فى فم الفرس لقربوسه (قوله: والآخر عامّىّ) أى: يعرفه عامّة الناس (قوله: الباقى على ابتذاله) هذا زائد على ما هنا (قوله: والمتصرف فيه بما يخرجه إلخ) أى: كما فى تشبيه الوجه البهى بالشمس فى قوله: لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء (١) فإن تشبيه الوجه البهى بالشمس مبتذل عامى، لكن أضاف لذلك كون عدم الحياء من الشمس هو الذى أوجب لها ادعاء المقابلة لهذا الوجه، فخرج بذلك عن الابتذال، وكما فى التجوز فى إطلاق السيلان على سير الإبل فى قوله: وسالت بأعناق المطىّ الأباطح

стр. 2246

[السرقة والأخذ نوعان]: [الأول: ظاهر]: (فالأخذ والسرقة) أى ما يسمى بها بهذين الاسمين (نوعان ظاهر وغير ظاهر. أما الظاهر فهو أن يؤخذ المعنى كله إما) حال كونه (مع اللفظ كله أو بعضه أو حال كونه (وحده) من غير أخذ شىء من اللفظ (فإن أخذ اللفظ كله من غير تغيير لنظمه) أى لكيفية الترتيب والتأليف ... === فإنه مبتذل، ولكنه تصرف فيه بإسنادها إلى الأباطح وإدخال الأعناق فيه، فخرج بذلك عن الابتذال. [السرقة والأخذ نوعان]: (قوله: فالأخذ والسرقة إلخ) الفاء فاء الفصحة أى: وإذا تقرر هذا فالأخذ إلخ، وحاصله أنه لما ذكر أن القائلين إذا اتفقا فى وجه الدلالة على الغرض وكان ذلك الوجه لا يعرفه كل الناس إما لغرابته فى ذاته أو بسبب التصرف فيه جاز أن يدعى أن أحدهما أخذ ذلك الوجه من الآخر وسرقه منه شرع فى بيان أقسام الأخذ والسرقة بقوله: فالأخذ والسرقة إلخ (قوله: أى ما يسمى بهذين الاسمين) أشار بهذا إلى أنهما اسمان مترادفان مدلولهما واحد لا أنهما متغايران (قوله: ظاهر) أى: بأن يكون لو عرض الكلامان على أى عقل حكم بأن أحدهما أصله الآخر بشرطه المتقدم وهو كون وجه الدلالة لا يعرفه كل الناس (قوله: وغير ظاهر) أى: بأن يكون بين الكلامين تغيير يحوج العقل فى حكمه بأن أحدهما أصله الآخر إلى تأمل. [النوع الأول: ظاهر]: (قوله: أما الظاهر) أى: أما الأخذ الظاهر (قوله: فهو أن يؤخذ المعنى كله) أى: مع ظهور أن أحدهما من الآخر، وإنما زدنا ذلك القيد؛ لأن غير الظاهر منه أخذ المعنى أيضا، لكن مع خفاء والذوق السليم يميز ذلك (قوله: أو حال كونه وحده) أشار الشارح بتقدير ذلك إلى أن قوله: أو وحده عطف على قوله: إما مع اللفظ أى: يؤخذ المعنى وحده من غير أخذ اللفظ كله أو بعضه فعلم حينئذ أن الأخذ الظاهر ضربان

стр. 2247

الواقع بين المفردات (فهو مذموم؛ لأنه سرقة محضة ويسمى نسخا وانتحالا كما حكى عبد الله بن الزّبير أنه فعل ذلك بقول معن بن أوس (١): إذا أنت لم تنصف أخاك) أى لم تعطه النّصفة ولم توفه حقوقه (وجدته ... === أحدهما: أن يؤخذ المعنى مع اللفظ كله أو بعضه، والثانى: أن يؤخذ المعنى وحده، وهذا الثانى يلزمه تغيير النظم بأن يبدل جميع الكلام بتركيب آخر، ولا يدخل فى هذا تبديل الكلمات المرادفة بما يرادفها مع بقاء النظم؛ لأن هذا فى حكم أخذ اللفظ كله، والضرب الأول: قسمان؛ لأن المأخوذ مع المعنى إما كل اللفظ، وإما بعضه، وفى كلّ منهما إما أن يحصل تغيير فى النظم أو لا يحصل تغيير فيه فأقسام الأخذ الظاهر خمسة، وقد ذكر المصنف هذه الأقسام الخمسة بقوله: فإن أخذ إلخ (قوله: الواقع بين المفردات) أى: مفردات اللفظ المأخوذ والمأخوذ منه وذلك بأن يكون اللفظ المأخوذ والمأخوذ منه متحدين تأليفا متعددين شخصا باعتبار اللافظين (قوله: لأنه سرقة محضة) أى: غير مشوبة بشىء آخر ليس للمسروق منه، ومعلوم أن السرقة المحضة أشد فى الحرمة من السرقة المشوبة بشىء من غير مال المسروق منه (قوله: ويسمى) أى: هذا الأخذ المذموم نسخا أى: لأن القائل الثانى نسخ كلام غيره أى: نقله ونسبه لنفسه من قولهم: نسخت الكتاب أى: نقلت ما فيه إلى كتاب آخر (قوله: وانتحالا) الانتحال فى اللغة: ادعاء شىء لنفسك أى: أن تدعى أن ما لغيرك لك، يقال: انتحل فلان شعر غيره إذا ادعاه لنفسه (قوله: كما حكى) أى: كالأخذ الذى حكى (قوله: عن عبد الله بن الزّبير) بفتح الزاى وكسر الباء الموحدة شاعر مشهور وهو غير عبد الله بن الزّبير بن العّوام الصحابى، فإنه بضم الزاى وفتح الباء، والأول قدم على الثانى يستعطيه، فلما حرمه من العطاء قال: لعن الله ناقة حملتنى إليك فقال له الثانى: إن وراكبها (قوله: أنه فعل ذلك) أى: النسخ والانتحال وهو نائب فاعل حكى، أو أنه بدل اشتمال من عبد الله أى: فى فعل ذلك بقول معن- تأمل. (قوله: معن) بضم الميم وفتح العين وهو غير معن بن زائدة، فإنه بفتح الميم وسكون العين (قوله: أخاك) أى: صاحبك (قوله: أى لم تعطه النّصفة) بفتح النون والصاد:

стр. 2248

على طرف الهجران) أى هاجرا لك مبتدلا بك وبأخوتك (إن كان يعقل ويركب حد السيف) أى يتحمل شدائد تؤثر فيه تأثير السيوف وتقطعه تقطيعا (من أن تضيمه) أى بدلا من أن تظلمه (إذا لم يكن عن شفرة السيف) أى عن ركوب حد السيف وتحمل المشاق (مزحل) أى مبعد فقد حكى أن عبد الله بن الزبير .. === اسم مصدر بمعنى الإنصاف الذى هو العدل وتوفية الحق (فقوله: ولم توفه حقوقه) عطف تفسير على ما قبله ومعنى إعطاء النصفة أى: العدل إيقاعه (قوله: على طرف الهجران) أى: على الطرف الذى هو الهجران بكسر الهاء، فالإضافة فيه بيانية وكون الهجران طرفا باعتبار توهم أن المواصلة مكان متوسط بين المتواصلين، وأن الهجر طرف لذلك المكان خارج، ويحتمل أن تكون الإضافة على أصلها بأن يجعل للهجر طرفان، والذى عليه المظلوم هو الأبعد منهما (قوله: إن كان يعقل) أى: وجدته هاجرا لك رافضا لصحبتك إن كان له عقل يطلب به معالى الأمور؛ لأنه لا خير فى صحبة من لا يرى لك ما ترى له فكيف بصحبة من يظلمك ولا ينصفك؟ وأما من لا عقل له فيرضى بأدنى الأمور بدلا عن أعلاها فلا يقام له وزن فى المعاملات ولا يلتفت إليه فى التخصيص بالمكرمات (قوله: ويركب) أى: ذلك الأخ الذى لم تنصفه (قوله: حد السيف) أى: طرفه القاطع (قوله: أى يتحمل إلخ) أشار بهذا إلى أنه لم يرد بركوبه حد السيف المعن الحقيقى، بل المراد تحمل ما ذكر فكأنه قال: ويركب ما هو بمنزلة القتل بالسيف (قوله: من أن تضيمه) بفتح التاء والضيم: الظلم والذل، وأشار الشارح بقوله: بدلا إلى أن من للبدل ويصح جعلها للتعليل أى: من أجل ضيمك أى: ظلمك وذلك له بعدم إنصافك (قوله: عن شفرة السيف) بفتح الشين المعجمة أى: حده القاطع، وفى الكلام حذف مضاف أى: إذا لم يكن عن ركوب حد السيف، وأراد بحد السيف هنا الأمور الشاقّة التى هى بمنزلة القتل مثل: ما مر (وقوله: مزحل) بفتح الميم والحاء المهملة وبينهما زاى معجمة أى: بعد وانفصال، والمعنى ويركب الأمور الشاقة التى تؤثر فيه تأثير السيف مخافة أن يلحقه الضيم والعار متى لم يجد عن ركوبها بعدا (قوله: فقد حكى إلخ)

стр. 2249

دخل على معاوية فأنشده هذيين البيتين فقال له معاوية: لقد شعرت بعدى يا أبا بكر ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معن بن أوس المزنى فأنشد قصيدته التى أولها: لعمرك ما أدرى وإنّى لأوجل ... على أيّنا تعدو المنيّة أوّل حتى أتمها وفيها هذان البيتان فأقبل معاوية على عبد الله بن الزبير وقال: ألم تخبرنى أنهما لك؟ فقال: اللفظ له والمعنى لى وبعد فهو أخى من الرضاعة وأنا أحق بشعره. (وفى معناه) أى فى معنى ما لم يغير فيه النظم ... === الفاء للتعليل أى: وإنما قلنا إن ابن الزبير فعل ذلك بقول معن السابق؛ لأنه قد حكى إلخ (قوله: دخل على معاوية) أى: وكان معاوية حاقدا عليه وعنده غيظ منه (قوله: لقد شعرت بعدى) بضم العين أى: لقد صرت شاعرا بعد علمى بأنك غير شاعر، أو بعد مفارقتى إياك فأنت قبل أن أفارقك لم تقل شعرا وقد صرت بعد مفارقتى شاعرا (قوله: يا أبا بكر) كنية لعبد الله بن الزبير (قوله: فأنشد قصيدته) أنشد يتعدى لمفعولين، يقال: أنشدنى شعرا فمفعوله الأول هنا محذوف أى: فأنشده قصيدته (قوله: لأوجل) من الوجل وهو الخوف وموضع على أيّنا نصب؛ لأنه مفعول أدرى (وقوله: وإنى لأوجل) اعتراض، وتغدو بالغين المعجمة بمعنى تصبح وذكر بعضهم أنه بالعين المهملة من العدو والمنية الموت، وأول مبنى على الضم لقطعه عن الإضافة ونية معناها كما فى قبل وبعد أى: أول كل شىء، وحاصل المعنى: ما أدرى من الذى تغدو عليه المنية منا قبل الآخر وإنى لأخاف ما يقع من ذلك (قوله: حتى أتمها) أى: واستمر على إنشاد القصيدة حتى أتمها (قوله: فأقبل معاوية إلخ) أى: التفت إليه؛ لأنه معه فى المجلس (قوله: أنهما) أى البيتين (وقوله: ألم تخبرنى أنهما لك) يقتضى أن عبد الله بن الزبير أخبر معاوية بذلك وهذا الاستفهام إنكارى (قوله: وبعد فهو أخى إلخ) هذا اعتذار من ابن الزبير فى سرقته البيتين ونسبتهما لنفسه يستظرفه الحاضرون (وقوله: وأنا أحق بشعره) أى: لكمال اتحاده به ولا يخفى برودة هذا الاعتذار خصوصا وهو غير أخ له من النسب (قوله: وفى معناه)

стр. 2250

(أن يبدل بالكلمات كلها أو بعضها ما يرادفها) يعنى أنه أيضا مذموم وسرقة محضة كما يقال فى قول الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي (١) ذر المآثر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنّك أنت الآكل اللابس (٢) وكما قال امرؤ القيس: وقوفا بها صحبى على مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمّل (٣) === أى: ومن قبيله فى كونه مذموما وسرقة محضة أن يبدل إلخ؛ لأن المرادف ينزل منزلة رديفه فلازم أحدهما من القبح لازم للآخر، قال فى الأطول: وحمل ذمه إذا لم يفد التبديل للكلام حسن سجع أو موازنة أو زيادة فصاحة أو سلامة للشعر، فإن أفاد ذلك ترجح على الأصل وزاد عليه قبولا (قوله: أن يبدل بالكلمات كلها) أى: كما فى بيت الحطيئة فإنه بدلت كلماته كلها (وقوله: أو بعضها) أى: كما فى بيت امرئ القيس، فإنه قد بدلت بعض كلماته (قوله: دع المكارم) البيت مقول قول الحطيئة (وقوله: ذر المآثر إلخ) مقول ليقال، (وقوله: دع المكارم) أى: دع طلبها، والمكارم: جمع مكرمة بمعنى الكرامة، والبغية: بكسر الباء وضمها كما ذكره فى المختار بمعنى الحاجة والطلب، (وقوله: الطاعم الكاسى) أى: الآكل المكسو والمعنى لست أهلا للمكارم والمعالى فدعها لغيرك واقنع بالمعيشة، وهى مطلق الأكل والستر باللباس، فإنك تناله بلا طلب يشق كطلب المعالى (قوله: لمطلبها) أى: لطلبها فقد بدل كل لفظ من البيت الأول بمرادفه، فذر: مرادف لدع، والمآثر: مرادف للمكارم ولا تذهب مرادف لقوله لا ترحل، وقوله لمطلبها: مرادف لبغيتها، واجلس: مرادف لاقعد، والآكل: مرادف للطاعم، واللابس: مرادف للكاسى، وأما قوله: فإنك أنت فمذكور فى البيتين باللفظ، وإنما كان هذا من إبدال الكل؛ لأن فإنك من الأمور العامة فالمراد ما عداه (قوله: وقوفا) جمع واقف كشاهد

стр. 2251

فأورده طرفة فى داليته إلا أنه أقام تجلد مقام تجمل. === وشهود من الوقف بمعنى الحبس لا من الوقوف بمعنى اللبث؛ لأنه لازم والمذكور فى البيت متعد، مفعوله: مطيهم، وصحبى: فاعله، وانتصابه على الحال من فاعل نبك، وعلى بمعنى: لأجل أى: قفا نبك فى حال وقوف أصحابى مراكبهم لأجلى قائلين لا تهلك أسى أى: من فرط الحزن وشدة الجزع وتجمل أى: اصبر صبرا جميلا أى: وادفع عنك الأسى بالتجمل أى: الصبر الجميل (قوله: لا تهلك) هو بكسر اللام، وماضيه هلك بفتحها، قال تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ (١) (قوله: فأورده طرفة) هو بفتح الطاء والراء المهملتين (قوله: إلا أنه أقام تجلد مقام تجمل) فقد أبدل بعض الكلمات بما يرادفه، ونظير هذا قول العباس بن عبد المطلب: وما النّاس بالنّاس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التى كنت تعلم (٢) فقد أورده الفرزدق فى شعره إلا أنه أبدل تعلم بتعرف. (تنبيه) يجرى مجرى تبديل الكل، أو البعض المرادف فى القبح تبديل الكل، أو البعض بالضد مع رعاية النظم والترتيب وذلك لقرب تناول الضد كما لو قيل فى قول حسان بن ثابت- رضى الله عنه- فى مدح آل البيت: بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطّراز الآخر (٣) وشم بضم الشين جمع: أشم من الشمم وهو: ارتفاع قصبة الأنف مع استواء فى أعلاه وهو صفة مدح عند العرب، والطراز العلم، والمراد هنا المجد أى: أنهم من النمط الأول فى المجد والشرف.

стр. 2252

(وإن كان) أخذ اللفظ كله (مع تغيير لنظمه) أى نظم اللفظ (أو أخذ بعض اللفظ) لا كله (سمّى) هذا الأخذ (إغارة ومسخا) ولا يخلو إما أن يكون الثانى أبلغ من الأول أو دونه أو مثله (فإن كان الثانى أبلغ) من الأول (لاختصاصه بفضيلة) لا توجد فى الأول كحسن السبك أو الاختصار أو الإيضاح أو زيادة معنى (فممدوح) أى فالثانى مقبول (كقول بشار ... === (قوله: أخذ) يحتمل أنه مصدر وهو اسم كان ومع تغيير خبرها، وعليه فقوله: أو أخذ بعض اللفظ عطف على كان، ويحتمل أنه فعل وهو خبر كان واسمها ضمير الشأن (قوله: مع تغيير لنظمه) محترز قوله السابق: من غير تغيير لنظمه (وقوله: أو أخذ بعض اللفظ) محترز قوله: كله فهو على اللف والنشر المشوش (قوله: أو أخذ بعض اللفظ) أى: سواء كان فيه تغيير للنظم أو لا (قوله: إغارة) أى: لأنه أغار على ما هو للغير فغيره عن وجهه، والمراد بتغيير النظم تغيير التأليف والترتيب الواقع بين المفردات (قوله: ومسخا) لأنه بدل صورة ما للغير بصورة أخرى، والغالب كونها أقبح، والمسخ فى الأصل تبديل صورة بما هو أقبح منها (قوله: إما أن يكون الثانى) أى: الكلام الثانى الذى هو متعلق الأخذ (قوله: أبلغ من الأول) أى: من الكلام الأول المأخوذ منه، والمراد بالبلاغة هنا ما يحصل به الحسن مطلقا لا خصوص البلاغة المعلومة بدليل الأمثلة. (قوله: كحسن السبك) المراد به الخلو عن التعقيد اللفظى والمعنوى (قوله: أو الاختصار) أى: حيث يناسب المقام (قوله: مقبول) أى: فإغارة ومسخ مقبول؛ لأن تلك الزيادة أخرجته إلى طرف من الابتداع (قوله: كقول بشار) (١) قبله: قالوا حرام تلاقينا فقلت لهم ... ما فى التّلاقى ولا فى غيره حرج وبعده البيت، وبعده: أشكو إلى الله همّا لا يفارقنى ... وشرعا فى فؤادى الدّهر تعتلج

стр. 2253

من راقب الناس) أى حاذرهم (لم يظفر بحاجته، وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج) أى الشجاع القتال الحريص على القتل (وقول سلم) (١) بعده (من راقب الناس مات غمّا) أى حزنا وهو مفعول له أو تمييز (وفاز باللّذّة الجسور) ... === (قوله: من راقب الناس) أى: من خاف منهم وترقب عقابهم كما قيل، أو من راعاهم ومشى على مزاجهم فيما يكرهون فيتركه وفيما يبتغون فيقدم عليه (قوله: لم يظفر بحاجته) لأنه ربما كرهها الناس فيتركها لأجلهم فتفوت مع شدة شوقه إليها (قوله: وفاز بالطيبات) أى: ومن لم يراقبهم ولم يبال بهم فاز بالظفر بالطيبات الحسية كالظفر بالمعشوق والمعنوية كشفاء غيظ النفوس بالأخذ بالثأر مثلا، وهذا الذى لا يراقب الناس هو الفاتك أى: الشجاع الذى عنده الجراءة على الإقدام على الأمور قتلا أو غيره من غير مبالاة بأحد (قوله: اللهج) أى: الملازم لمطلوبه الحريص عليه من غير مبالاة قتلا كان أو غيره فقول الشارح: أى الشجاع تفسير للفاتك، (وقوله: الحريص على القتل) أى: له ولوع به تفسير للهج (قوله: وقول سلم) بفتح السين وسكون اللام الملقب بالخاسر لخسرانه فى تجارته؛ لأنه باع مصحفا ورثه فاشترى بثمنه عودا يضرب به كما فى الأساس أو اشترى بثمنه ديوان شعر كما فى الأطول (قوله: من راقب الناس) أى: من خاف وترقب عقابهم أو من راعاهم ومشى على مزاجهم وقبل هذا البيت: أهدى لى الشوق وهو حلو ... أغنّ فى طرفه فتور (قوله: مات غمّا) أى: لم يصل لمراده فيبقى مغموما من فوات المراد ويشتد عليه الغم كشدة الموت، فقد دل على فوات الحاجة بموت الغم الذى هو أخص منه (قوله: أو تمييز) أى: مات بغمه فيكون من الإسناد للسبب، قال فى الأطول: ومع صحة حمل الكلام على الحقيقة فى المفعول لا يصار إلى المجاز الذى فى التمييز (قوله: وفاز إلخ) الشاهد فيه مع قوله: من راقب الناس حيث أخذ بعض اللفظ من غير تغيير

стр. 2254

أى الشديد الجراءة فبيت سلم أجود سبكا وأخصر لفظا. (وإن كان) الثانى (دونه) أى دون الأول فى البلاغة لفوات فضيلة توجد فى الأول (فهو) أى الثانى (مذموم كقول أبى تمام) فى مرئية محمد بن حميد: (هيهات لا يأتى الزمان بمثله ... إنّ الزّمان بمثله لبخيل) (١) === (قوله: أى الشديد الجراءة) أى: فهو بمعنى الفاتك اللهج وهو أصرح فى المعنى وأخصر (قوله: فبيت سلم إلخ) الحاصل أن المعنى فى البيتين واحد وهو أن من لا يراقب الناس يفوز بالمرغوب فيه ومن راقبهم فاته مطلوبه، لكن بيت سلم أجود سبكا لدلالته على المعنى من غير تأمل لوضوحه وأخصر لفظا؛ لأن لفظ الجسور قائم مقام لفظى الفاتك اللهج- كذا فى ابن يعقوب، وقرر بعضهم أنه إنما كان أجود سبكا؛ لأنه رتب فيه الموت على مراقبة الناس، وأما بيت بشار فقد رتب فيه على مراقبة الناس عدم الظفر بالحاجة، والأول أبلغ، وفى الأطول: وإنما كان بيت سلم أجود سبكا لكونه فى غاية البعد عن موجبات التعقيد من التقديم والتأخير ونحو ذلك. اهـ. قال فى المطول: يروى عن أبى معاذ رواية بشار أنه قال: أنشدت بشارا قول سلم فقال: ذهب والله بيتى فهو أخف منه وأعذب، والله لا أكلت اليوم، ولا شربت. اهـ. فلعل مراد الشارح بجودة سبكه خفة ألفاظه وعذوبتها، وتأمل ذلك. (قوله: وإن كان الثانى) أى: وإن كان الكلام الثانى وهو المأخوذ دون الكلام الأول وهو المأخوذ منه (وقوله: فى البلاغة) أى: فى الحسن وليس المراد بها مطابقة الكلام إلخ لوجودها فى كل منهما (قوله: مذموم) أى: لأنه لم يصحبه شىء يشبه أن يكون به مبتدع الحسن، بل هو نفس الأول مع رذيلة إسقاط ما فى الأول من الحسن (قوله: كقول أبى تمام) هو الأصل وهو من بحر الكامل (قوله: فى مرثية محمد بن حميد) بزنة رويد أى: حين استشهد فى بعض غزواته، والمرثية بتخفيف الياء، وقد تشدد كما قيل القصيدة التى يذكر فيها الرثاء أى: محاسن الميت (قوله: هيهات لا يأتى إلخ) هيهات اسم

стр. 2255

وقول أبى الطيب (أعدى الزمان سخاؤه) يعنى تعلم الزمان منه السخاء وسرى سخاؤه إلى الزمان ... === فعل ماض معناه بعد وفاعله محذوف تقديره بعد إتيان الزمان بمثل ذلك المرئى بدليل ما بعده وهو قوله: لا يأتى الزمان بمثله أو بعد نسيانى له بدليل ما قبله وهو قوله: أنسى أبا نصر نسيت إذا يدى ... من حيث ينتصر الفتى وينيل (١) وقوله: أنسى إحدى الهمزتين فيه محذوفة على نمط أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٢) والاستفهام إنكارى، وينيل من الإنالة وهى الإعطاء (قوله: إن الزمان بمثله لبخيل) أى: إن الزمان بخيل بإيجاد مثله فى الماضى والمستقبل وهذه الجملة مستأنفة جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل: لماذا لا يأتى الزمان بمثله؟ هل لأنه بخيل بمثله أو لاستحالة مثله؟ فقال: إن الزمان بمثله لبخيل فالتأكيد هنا بإنّ لكون المقام مقام أن يتردد، ويسأل هل بخل الزمان بمثله أو لم يبخل؟ بل استحال ولما كان هذا معنى الكلام وهو يشعر بإمكان المثل، لكن منع من وجوده بخل الزمان أو رد على أبى تمام أن الكلام قاصر، وأن صوابه التعبير بما يفيد امتناع وجود المثل لا بما يفيد إمكانه، إلا أنه منع من الوجود عارض وهو بخل الزمان، وأجيب بأن المراد ببخل الزمان بوجود مثله امتناع وجود مثله على سبيل الكناية؛ لأن البخل بالشىء يستلزم انتفاء علّة وجوده وإذا انتفت علّة وجوده بقى امتناعه، فصار حاصل المعنى أن الزمان لا يأتى بمثله لامتناع وجود مثله فى الماضى والمستقبل، ونسبة التأثير إلى الزمان من الموحد لا تضر؛ لأن المراد بها تلبسه بالفعل وذم الزمان بالبخل ومدحه بالكرم لا يضر من الموحد أيضا؛ لأنه ينزل منزلة العاقل المكتسب وهو يذم على اكتسابه شرعا وطبعا وما نزل منزلته كهو (قوله: وقول أبى الطيب) هو المأخوذ (قوله: (٣) أعدى الزمان سخاؤه) أى: سرى سخاؤه إلى الزمان

стр. 2256

(فسخا به) وأخرجه من العدم إلى الوجود ولولا سخاؤه الذى استفاده منه لبخل به على الدنيا واستبقاه لنفسه كذا ذكره ابن جنى، وقال ابن فورجة: هذا تأويل فاسد لأن سخاء غير موجود لا يوصف بالعدوى وإنما المراد سخا به على وكان بخيلا به على فلما أعداه سخاؤه أسعدنى بضمى إليه وهدايتى له لما أعدى سخاؤه (ولقد يكون به الزمان بخيلا) ... === والإعداء أن يتجاوز الشىء من صاحبه إلى غيره (قوله: فسخا به) أى: فجاد الزمان بذلك الممدوح (قوله: كذا ذكره ابن جنى) أى: فى شرحه لديوان أبى الطيب وعلى ما ذكره من كون المعنى أن الزمان طرأ عليه سخاء الممدوح قبل وجوده فسخا به على الدنيا يلزم عليه أن يكون سخاؤه الذى لم يوجد موصوفا بالعدوى وهذا غلو لما مر من أن المبالغة إذا كانت غير ممكنة عقلا وعادة كانت غلوا ممنوعا وهنا كذلك فهو مثل قوله: وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّه ... لتخافك النّطف الّتى لم تخلق (وقوله: وأخرجه من العدم إلخ) تفسير لقوله: فسخا به (وقوله: ولولا سخاؤه) أى: الزمان (وقوله: الذى استفاد منه) أى: من الممدوح (وقوله: لبخل) أى: الزمان (وقوله: به) أى: بالممدوح (قوله: وقال ابن فورجة) أى: فى شرحه للديوان المذكور، وفورجة بضم الفاء وفتحها، وحاصل الخلاف بين الشيخين أن قوله: فسخا به معناه على ما قال ابن جنى: فجاد به على الدنيا بإيجاده من العدم، وعلى ما قال ابن فورجة: فجاد به علىّ وأظهره لى وجمعنى عليه، وكذا (قوله: ولقد يكون به الزمان بخيلا) أى: على بإظهاره إلىّ وجمعى عليه أو بخيلا على الدنيا بإيجاده من العدم (قوله: فاسد) الأولى غير مقبول لغلوه إذ ليس بفاسد إلا أن يقال: غير المقبول عند البلغاء فاسد عندهم (قوله: لأن سخاء غير موجود) بإضافة سخاء لما بعده أى: لأن سخاء شخص غير موجود فسخاء اسم إن (وقوله: لا يوصف خبرها) (وقوله: بالعدوى) أى: بالسريان للغير (قوله: وإنما المراد إلخ) أى: وإنما المراد أن الممدوح كان موجودا سخيّا وكان الزمان بخيلا بالممدوح علىّ أى: بإظهاره لى وهدايتى له، فلما أعدى سخاؤه الزمان سخا الزمان بذلك الممدوح علىّ بضمى إليه وهدايتى له فالموصوف بالعدوى ليس سخاء شخص

стр. 2257

فالمصراع الثانى مأخوذ من المصراع الثانى لأبى تمام على كل من تفسير ابن جنى وابن فورجة إذ لا يشترط فى هذا النوع من الأخذ عدم تغاير المعنيين أصلا كما توهمه البعض وإلا لم يمكن مأخوذا منه على تأويل ابن جنى أيضا؛ لأن أبا تمام علق البخل بمثل المرثى وأبا الطيب بنفس الممدوح. هذا، ولكن مصراع أبى تمام أجود سبكا لأن قول أبى الطيب: ولقد يكون بلفظ المضارع لم يقع موقعه إذ المعنى على المضى ... === غير موجود، بل سخاء شخص موجود (قوله: فالمصراع الثانى) أى: من بيت أبى الطيب (قوله: على كل إلخ) متعلق بمأخوذ أى: سواء قلنا: إن مصراع أبى الطيب إن الزمان بخيل بإيجاد ذلك الممدوح أو بإيصاله إلى الشاعر (قوله: إذ لا يشترط إلخ) جواب عما يقال: إن المصراعين بين معنييهما مغايرة؛ وذلك لأن معنى مصراع أبى تمام: إن الزمان بخيل بوجود مثل الممدوح المرثى، ومعنى مصراع أبى الطيب: إن الزمان بخيل بإيجاد ذلك الممدوح أو بإيصاله للشاعر، فالبخل فى الأول متعلق بالمثل، وفى الثانى متعلق بنفس الممدوح، وإذا كان المصراعان متغايرين، فكيف يكون أحدهما مأخوذا من الآخر؟ ! (قوله: عدم تغاير المعنيين أصلا) أى: بالكلية وعدم تغاير هما بالكلية هو اتحادهما فكأنه قال: إذ لا يشترط فى هذا النوع من الأخذ الاتحاد من كل وجه، بل يكفى الاتحاد من بعض الوجوه كما هنا؛ لأنهما مشتركان فى أصل البخل وإن اختلفا من جهة متعلقه (قوله: وإلا لم يكن مأخوذا منه) أى: مع أن المصنف جعله مأخوذا منه (قوله: أيضا) أى: كما لا يكون مأخوذا منه على تأويل ابن فورجة (قوله: لأن أبا تمام إلخ) أى: فهناك مغايرة بحسب الظاهر وإن كان لا مغايرة بحسب المراد؛ وذلك لأن بخل الزمان بمثله فى بيت أبى تمام كناية عن بخله به كما تقدم- كذا قرر شيخنا العدوى وهو تعليل بمثله فى بيت أبى تمام كناية عن بخله به كما تقدم- كذا قرر شيخنا العدوى وهو تعليل لقوله: إذ لا يشترط إلخ (قوله: ولكن مصراع أبى تمام إلخ) استدراك على قوله فالمصراع الثانى أى: من بيت أبى الطيب مأخوذ من المصراع الثانى من بيت أبى تمام، وحاصله أن قول أبى الطيب: ولقد يكون به الزمان بخيلا مأخوذ من قول أبى تمام: إن الزمان بمثله لبخيل، وظاهر أن الأول أحسن من الثانى؛ لأن الثانى عبر بصيغة المضارع

стр. 2258

فإن قيل: المراد لقد يكون الزمان بخيلا بهلاكه أى لا يسمح بهلاكه قط لعلمه بأنه سبب لصلاح العالم والزمان وإن سخا بوجوده وبذله للغير لكن إعدامه وإفناءه باق بعد فى تصرفه، قلنا: هذا تقدير لا قرينة عليه وبعد صحته فمصراع أبى تمام أجود لاستغنائه عن مثل هذا التكلف. === والمناسب صيغة الماضى بأن يقال: ولقد كان به الزمان بخيلا كما دلت عليه الجملة الاسمية من الأول؛ لأن أصلها الدلالة على الوقوع مع زيادة إفادتها الدوام والثبوت الشامل للمضى، وأيضا المراد أن الزمان كان بخيلا به حتى أعداه بسخائه فلا تناسب المضارعة، إذ لا معنى لكونه جاد به الزمان وهو بخيل به فى المستقبل؛ لأنه بعد الجود به خرج عن تصرفه فيه، إن قلت: المعنى وإن كان على المضى إلا أنه عدل للمستقبل قصدا للاستمرار أو لحكاية الحال الماضية كما تقرّ فى أمثاله، قلت: لما لم يحصل بخل الزمان بعد إعداء سخائه إياه لم يحسن حمل المضارع على الاستمرار ولا على حكاية الحال الماضية. اهـ فنرى. (قوله: فإن قيل) أى: فى الجواب عن كون بيت أبى الطيب دون بيت أبى تمام، وحاصله أنا لا نسلم أن بيت أبى الطيب دون بيت أبى تمام؛ لأن كلام أبى الطيب على حذف مضاف أى: ولقد يكون بهلاكه الزمان بخيلا وهلاكه استقبالى، وحينئذ فالتعبير بالمضارع واقع فى موقعه (قوله: والزمان وإن سخا بوجوده إلخ) جواب عما يقال: إن السخاء بالشىء هو بذله للغير والزمان إذا سخا به فقد بذله فلم يبق فى تصرفه حتى يسمح بهلاكه أو يبخل، وحاصل الجواب أنا نسلم أن إيجاده لم يبق فى تصرفه بعد السخاء به لما فيه من تحصيل الحاصل، وأما إفناؤه فهو باق بعد فى تصرفه فله أن يسمح بهلاكه وأن يبخل به فنفى الشاعر ذلك (قوله: باق بعد) أى بعد وجوده فى تصرفه أى: فله أن يسمح بهلاكه وأن يبخل به فنفى الشاعر ذلك، والحاصل أن إيجاده وإعدامه كانا بيد الزمان فسخا بإيجاده ولم يسخ بإعدامه قط لكونه سببا لصلاح الدنيا (قوله: قلنا هذا) أى: تقدير المضاف المذكور (قوله: لا قرينة عليه) أى: فلا يصح وبعد صحته إلخ (قوله: لاستغنائه عن مثل هذا التكلف) فعلى تقدير التصحيح بما ذكر لا يخرج به عن

стр. 2259

(وإن كان) الثانى (مثله) أى مثل الأول (فأبعد) أى فالثانى أبعد (من الذم والفضل للأول كقول أبى تمام: لو حار) (١) أى تحير فى التوصل إلى إهلاك النفوس (مرتاد المنية) أى الطالب الذى هو المنية على أنها إضافة بيان (لم يجد، إلا الفراق على النفوس دليلا وقول أبى الطيب: لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا) (٢) الضمير فى لها للمنية وهو حال من سبلا والمنايا فاعل وجدت، وروى يد المنايا فقد أخذ المعنى كله مع لفظة المنية والفراق والوجدان وبدل بالنفوس الأرواح. === المفضولية (قوله: وإن كان الثانى مثله) أى: مثل الأول أى فى البلاغة (قوله: فالثانى أبعد من الذم) أى: حقيق بأنه لا يذم فأفعل التفضيل ليس على بابه وإنما قلنا هكذا؛ لأن ظاهر العبارة يقتضى أن هناك بعيدا من الذم وهذا أبعد منه وليس كذلك (قوله: دليلا) مفعول يجد الأول ومفعوله الثانى محذوف أى: لها (وقوله: إلا الفراق) استثناء من قوله دليلا (وقوله: على النفوس) متعلق بدليلا بمعنى طريقا، وفى الكلام حذف مضاف والمعنى لو تحيرت المنية فى وصولها لهلاك النفوس لم تجد لها طريقا يوصلها لذلك إلا فراق الأحبة. (قوله: لولا مفارقة الأحباب) أى: موجودة (قوله: وهو حال من سبلا) لأنه فى الأصل صفة لها فلما قدم صار حالا كما أن قوله: إلى أرواحنا كذلك، إذ المعنى سبلا مسلوكة إلى أرواحنا وقيل: إنه جمع لهاة وهو فاعل وجدت أضيفت للمنايا واللهاة اللحمة المطبقة فى أقصى سقف الحلق فكأنه يقول: لما وجد فم المنايا التى شأنها الاغتيال به إلى أرواحنا سبلا فأطلق اللهاة وأراد الفم لعلاقة المجاورة (قوله: فقد أخذ المعنى كله) أى: فقد أخذ أبو الطيب فى بيته معنى بيت أبى تمام بتمامه؛ وذلك لأن محصل معنى البيتين أنه لا دليل للمنية على النفوس إلا الفراق أما الأول فواضح، وأما الثانى فلأن

стр. 2260

(وإن أخذ المعنى وحده سمّى هذا الأخذ) (إلماما) من ألّم إذا قصد وأصله من ألّم بالمنزل إذا نزل به (وسلخا) وهو كشط الجلد عن الشاة ونحوها فكأنه كشط عن المعنى جلدا وألبسه جلدا آخر فإن اللفظ للمعنى بمنزلة اللباس (وهو ثلاثة أقسام كذلك) أى مثل ما يسمى إغارة ومسخا لأن الثانى إما أبلغ من الأول أو دونه أو مثله. === صريحه أن مفارقة الأحباب لولاها ما اتصلت المنية بالأرواح فيفهم أن المواصلة مانعة من الوصول للأرواح، وحينئذ فلا دليل ولا طريق توصل لاتصال المنية بالأرواح إلا الفراق فما يقال: إن فى بيت أبى تمام الحصر دون بيت أبى الطيب فيكون الأول أبلغ من الثانى لا عبرة به وظهر ما قاله الشارح: إن أبا الطيب أخذ المعنى كله مع بعض اللفظ؛ لأنه أخذ لفظ المنية والفراق والوجدان وبدل النفوس بالأرواح وأن البيتين متساويان فى البلاغة فلذا كان الثانى غير مذموم. (قوله: وإن أخذ المعنى وحده) أى: دون شىء من اللفظ وهذا عطف على قوله: فإن أخذ اللفظ فهو شروع فى الضرب الثانى من الظاهر من الأخذ والسرقة (قوله: من ألّم إذا قصد) أى: لأن الشاعر يقصد إلى أخذ المعنى من لفظ غيره (قوله: وأصله) أى: وأصل الإلمام مأخوذ من ألّم بالمنزل إذا نزل به، فالإلمام فى أصل اللغة معناه النزول، ثم أريد منه سببه وهو القصد كما هنا؛ لأن الشاعر قد قصد أخذ المعنى من لفظ غيره (قوله: وهو) أى: السلخ فى اللغة كشط الجلد إلخ، وقوله فكأنه مرتب على محذوف أى: واللفظ للمعنى بمنزلة الجلد؛ فكأن الشاعر الثانى الذى أخذ معنى شعر الأول كشط من ذلك المعنى جلدا، وألبس ذلك المعنى جلدا آخر (قوله: فإن اللفظ إلخ) أى: وإنما كان اللفظ للمعنى بمنزلة الجلد لأن اللفظ يتوهم فيه كونه كاللباس للمعنى من جهة الاشتمال عليه بالدلالة (قوله: وهو) أى: الكلام الذى تعلق الأخذ بمعناه (قوله: أى مثل ما يسمى إغارة) أى: مثله فى الانقسام إلى ثلاثة أقسام، وأن تلك الأقسام الثلاثة عين الأقسام الثلاثة المتقدمة (قوله: لأن الثانى إما أبلغ من الأول) أى: فيكون ممدوحا (وقوله: أو دونه) أى: أو دون الأول فى البلاغة فيكون مذموما (وقوله: أو

стр. 2261

(أولها) أى أول الأقسام وهو أن يكون الثانى أبلغ من الأول (كقول أبى تمام: (١) هو) ضمير الشأن (الصنع) أى الإحسان والصنع مبتدأ خبره الجملة الشرطية أعنى قوله (إن يعجل فخير وإن يرث) أى يبطؤ (فللريث فى بعض المواضع أنفع) والأحسن أن يكون هو عائدا إلى حاضر فى الذهن وهو مبتدأ خبره الصنع والشرطية ابتداء كلام وهذا كقول أبى العلاء: === مثله) أى: مثل الأول فى البلاغة فيكون بعيدا عن الذم (قوله: ضمير الشأن) أى: مبتدأ أول، والصنع بمعنى الإحسان مبتدأ ثان، والجملة الشرطية خبر المبتدأ الثانى، والمبتدأ الثانى وخبره خبر ضمير الشأن أى: الشأن هو أن الإحسان إن يعجل فخير وإن يتأخر فقد يكون بتأخيره أنفع (قوله: وإن يرث) من راث ريثا أى بطؤ وتأخر، ومنه قولهم: أمهلته ريثما فعل كذا أى ساعة فعله (قوله: أى يبطؤ) بفتح أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه وبعده همز من بطؤ يبطؤ بطئا إذا تأخر (قوله: والأحسن أن يكون هو عائدا إلى حاضر) أى يفسره قوله الصنع الذى جعل خبرا عنه، وإنما كان هذا الاحتمال أحسن من الأول؛ لأن كون الضمير للشأن خلاف الظاهر مع إفادة هذا الإعراب ما يفيده الأول من الإجمال والتفصيل، ومع كونه أفيد لتعدد الحكم فيه، إذ فيه الحكم بأن ذلك المتعقل هو الصنع والحكم بأن الصنع من صفته ما ذكر، قاله سم. قال يس: وقوله: لأن كون الضمير للشأن خلاف الظاهر أى: لأنه مخالف للقياس من خمسة أوجه عوده على ما بعده لزوما وأن مفسره لا يكون إلا جملة وأنه لا يتبع بتابع وأنه لا يعمل فيه إلا الابتداء أو أحد نواسخه وأنه ملازم للإفراد (قوله: إلى حاضر فى الذهن) وهو الموعود به (قوله: وهذا كقول إلخ) أى: وهذا الإعراب على الاحتمال الثانى كالإعراب الكائن فى قول أبى العلاء، فإن الضمير فيه عائد على متعقل الذهن يفسره ما بعده المخبر به عنه، ولا يصح أن يكون ذلك الضمير ضمير الشأن؛ لأن الخبر الواقع بعده مفرد وضمير الشأن إنما يخبر عنه بجملة، والحاصل أن الضمير فى بيت

стр. 2262

هو الهجر حتّى ما يلمّ خيال ... وبعض صدود الزائرين وصال (١) وهذا نوع من الإعراب لطيف لا يكاد يتنبه له إلا الأذهان الرائضة من أئمة الإعراب (وقول أبى الطيب (٢) ومن الخير بطء سيبك) أى تأخر عطائك (عنّى، أسرع السّحب فى المسير الجهام) أى السحاب الذى لا ماء فيه وأما ما فيه ماء فيكون بطيئا ثقيل المشى فكذا حال العطاء، ففى بيت أبى الطيب زيادة بيان لاشتماله على ضرب المثل بالسحاب. === أبى تمام يحتمل أن يكون ضمير الشأن، ويحتمل أن يكون عائدا على متعقل فى الذهن، وأما فى بيت أبى العلاء فيتعين أن يكون عائدا على متعقل فى الذهن ولا يجوز أن يكون ضمير الشأن؛ لأن ما بعده لا يصلح للخبرية عنه فهو نظير البيت الأول على الاحتمال الثانى فيه (قوله: ما يلمّ خيال) ما زائدة ويلم بفتح أوله وضم ثانيه من لمّ يلم كردّ يردّ بمعنى نزل وحصل وضمير يلم للهجر أى: حتى إذا لمّ وحصل من هذا الذى يهجرنا فهو خيال؛ لأنه لعدم الاعتبار به بمنزلة العدم الذى هو خيال (قوله: وبعض صدود إلخ) أى: إنا لم ننل من الذى هجرنا حتى الصدود؛ لأنا لا نلقاه لا يقظة ولا مناما، والصدود قد يعد وصالا بالنسبة لهذا الهجر (قوله: الرائضة) أى: المرتاضة والممارسة لصناعة الإعراب (قوله: ومن الخير بطء سيبك عنّى) أى: لأن بطأه وعدم سرعته يدل على كثرته كالسحاب، فإنه لا يسرع منها إلا ما كان خاليا عن الماء، وأما السحاب التى فيها ماء فإنها بطيئة المشى (قوله: الجهام) بفتح الجيم كما فى الأطول. (قوله: ففى بيت أبى الطيب زيادة بيان) أى: للمعنى المقصود وهو أن تأخير العطاء يكون خيرا وأنفع، والحاصل أن البيتين اشتركا فى المعنى وهو أن تأخير العطاء يكون خيرا وأنفع، لكن بيت أبى الطيب وهو المتأخر منهما أجود؛ لأنه زاد حسنا بضرب المثل له بالسحاب، فكأنه دعوى بالدليل إذ كأنه يقول: العطاء كالسحاب فكما أن بطىء السير من السحاب أكثر نفعا من سريعها وهو الجهام، فكذلك عطاؤك بطيئه

стр. 2263

(وثانيها) أى ثانى الأقسام وهو أن يكون الثانى دون الأول (كقول البحترى: وإذا تألّق) أى لمع (فى الندى) أى فى المجلس (كلامه المصقول) المنقح (خلت) أى حسبت (لسانه من عضبه) أى سيفه القاطع (وقول أبى الطيب: كأنّ ألسنهم فى النّطق قد جعلت ... على رماحهم فى الطّعن خرصانا (١)) جمع خرص بالضم والكسر وهو السنان يعنى أن ألسنهم عند النطق فى المضاء والنفاذ تشابه أسنتهم عند الطعن فكأن ألسنهم جعلت أسنة رماحهم ... === أكثر نفعا من سريعه فكان تأخير عطائك أفضل من سرعته، وقد يقال: إن البطء فى السحاب خلاف البطء فى العطاء؛ لأن البطء فى السحاب فى سيره وفى العطاء فى عدم ظهوره على أن البيت الأول يفيد أن البطء أنفع فى بعض المواضع دون بعض فيكون من الممدوح تارة خيرا وتارة لا يكون، والثانى يفيد أن البطء من الممدوح لا يكون إلا خيرا وهو أوكد فى المدح، وحينئذ فالبيتان متفاوتان فى المعنى فلا يصح التمثيل بهما- تأمل. (قوله: وهو أن يكون الثانى دون الأول) أى: وهو أن يكون الكلام الثانى المأخوذ دون الكلام الأول المأخوذ منه فى البلاغة والحسن (قوله: كقول البحتري (٢)) هذا هو القول الأول (قوله: أى المجلس) أى: الممتلئ بأشراف الناس (قوله: المنقح) أى: المصفى من كل ما يشينه، والمصقول فى الأصل معناه: المجلو فتفسير الشارح له بالمنقح تفسير مراد (قوله: أى حسبت لسانه من عضبه) أى: ظننت أن لسانه ناشئ من سيفه القاطع، أو أن من زائدة أى: ظننت أن لسانه سيفه القاطع فشبه لسانه بسيفه بجامع التأثير (قوله: وقول أبى الطيب) هذا هو القول الثانى (قوله: فى النطق) أى: فى حالة النطق أو عند النطق ففى الكلام حذف مضاف أو أن فى بمعنى عند وكذا يقال فى قوله فى الطعن (قوله: قد جعلت على رماحهم) أى: قد جعلت خرصانا على رماحهم عند الطعن أى: الضرب بالقنا. (قوله: بالضم والكسر) أى: فى المفرد وكذا فى الجمع (قوله: وهو السنان) أى: لأن خرصان الرماح أسنتها كما أن خرصان الشجر أغصانها (قوله: والنفاذ) عطف

стр. 2264

فبيت البحترى أبلغ لما فى لفظى تألق والمصقول من الاستعارة التخييلية فإن التألق والصقالة للكلام بمنزلة الأظفار للمنية ولزم من ذلك تشبيه كلامه بالسيف وهو استعارة بالكناية (وثالثها) أى ثالث الأقسام وهو أن يكون الثانى مثل الأول (كقول الأعرابى أبى زياد: ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا) === تفسير (قوله: فبيت البحترى أبلغ) حاصله أن كلّا من البيتين تضمن تشبيه اللسان بآلة الحرب فى النفاذ والمضاء وإن كانت الآلة المعتبرة فى الأول السيف والآلة المعتبرة فى الثانى الرمح، ولكن بيت البحترى أجود؛ لأنه نسب فيه التألق والصقالة للكلام وهما من لوازم السيف على حد المنية والأظفار، فكان فى كلامه استعارة بالكناية، فازداد بهذا حسنا، بخلاف بيت أبى الطيب، وتقرير الاستعارة المذكورة أن يقال: شبه الكلام الموجب لتأثير المضاء والنفوذ فى النفوس بالسيف الموجب للتأثير من الجذّ والقطع، وطوى ذكر المشبه به ورمز إليه بذكر شىء من لوازمه وهو التألق والصقالة على طريق الاستعارة بالكناية وإثبات التألق تخييل والصقالة ترشيح لأن مجموعهما تخييل كما هو ظاهر الشارح؛ لأن التخييل لا يكون إلا واحدا ويزيد بيت البحترى على بيت أبى الطيب أيضا بأن فيه حسب التى للظن وهى أقوى فى الدلالة على التشبيه من كأن على أن فى بيت أبى الطيب قبحا من جهة أخرى وهو أن المتبادر من كلامه أن ألسنتهم قطعت وجعلت خرصانا وفيه من القبح ما لا يخفى (قوله: للكلام) أى: اللذين أثبتهما للكلام (قوله: بمنزلة الأظفار للمنية) أى: بمنزلة الأظفار التى أثبتت للمنية (قوله: ولزم من ذلك) أى: من إثبات التألق والصقالة للكلام؛ لأن التخييلية والمكنية متلازمان على ما سبق (قوله: وهو استعارة بالكناية) الضمير للتشبيه على مذهب المصنف فى الاستعارة بالكناية، أو للسيف بناء على مذهب القوم فيها (قوله: مثل الأول) أى: فى البلاغة (قوله: كقول الأعرابى) هذا هو الكلام الأول، والثانى قول أشجع الآتى (قوله: ولم يك أكثر الفتيان مالا (١)) أى: لم يكن الممدوح أكثر الأقران مالا.

стр. 2265

أى أسخاهم يقال: فلان رحب الباع والذراع ورحيبهما أى سخىّ (وقول أشجع: وليس) أى الممدوح يعنى جعفر بن يحيى (بأوسعهم) الضمير للملوك (فى الغنى، ولكنّ معروفه) أى إحسانه (أوسع) فالبيتان متماثلان هذا ولكن لا يعجبنى معروفه أوسع. === (قوله: رحب الباع والذراع) الرحب: الواسع، والباع: قدر مد اليدين، والذراع: من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى (قوله: أى سخىّ) أى: فهو مجاز مرسل من إطلاق اسم الملابس بكسر الباء وهو سعة الباع أو الذراع على الملابس بفتحها وهو كثرة المعطى؛ لأن الباع والذراع بهما يحصل المعطى عند قصد دفعه فإذا اتسع كثر ما يملؤه فلابست السعة الكثرة عند الإعطاء فأطلقت السعة على الكثرة بتلك الملابسة مع القرينة (قوله: وقول أشجع) أى: فى مدح جعفر بن يحيى البرمكى (قوله: الضمير للملوك) أى: فى البيت السابق: يروم الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع (١) أى: يقصد الملوك غايته التى بلغها فى الكرم والحال أنهم لا يصنعون من المعروف والإحسان كما يصنع (قوله: فى الغنى) أى: فى المال (قوله: أوسع) أى: من معروفهم (قوله: فالبيتان متماثلان) أى: لاتفاقهما على إفادة أن الممدوح لم يزد على الأقران فى المال، ولكنه فاقهم فى الكرم ولم يختص أحدهما بفضيلة عن الآخر، فلذا كان الثانى بعيدا عن الذم (قوله: لكن لا يعجبنى معروفه أوسع) أى: وحينئذ فالبيتان ليسا متماثلين، بل الأول أبلغ فتمثيل المصنف بهذين البيتين للقسم الثالث لا يتم ووجه عدم الإعجاب أن أرحبهم ذراعا يدل على كثرة الكرم بطريق المجاز بخلاف معروفه أوسع فإنه يدل على ذلك بطريق الحقيقة، فالبيت الأول قد ازداد بالمجاز حسنا، وقيل: وجه كونه لا يعجبه أن المعروف قد يعبر به عن الدبر أى: الشىء المعروف منه وهو الدبر أوسع، وفيه بعد؛ لأن الكلام البليغ لا يعتريه الاستهجان.

стр. 2266

[الثانى: غير ظاهر ومنه: تشابه المعنيين]: (وأما غير الظاهر فمنه أن يتشابه المعنيان) أى معنى البيت الأول ومعنى البيت الثانى (كقول جرير فلا يمنعك من أرب) أى حاجة (لحاهم) جمع لحية يعنى كونهم فى صورة الرجال (سواء ذو العمامة والخمار) يعنى أن الرجال منهم والنساء سواء فى الضعف (وقول أبى الطيب: ومن فى كفّه منهم قناة ... كمن فى كفّه منهم خضاب (١)) === [النوع الثانى: غير الظاهر]: (قوله: وأما غير الظاهر) أى: وأما الأخذ غير الظاهر وهو ما يحتاج لتأمل فى كون الثانى مأخوذا من الأول، إذا علمت ضابطه تعلم أن المثال الآتى فى التشابه ينبغى أن يجعل من الظاهر؛ لأن إدراك كون الثانى أصله الأول ظاهر لا يحتاج لتأمل، ولم يقسم المصنف غير الظاهر إلى الأبلغ والأدنى المذموم والمساوى فى البلاغة البعيد عن الذم؛ لأن أقسام غير الظاهر كلها مقبولة من حيث الأخذ، فإن اعتراها رد من جهة أخرى خارجة عن معنى الأخذ كانت غير مقبولة. [ومن النوع الثانى: تشابه المعنيين]: (قوله: فمنه أن يتشابه المعنيان) أى: فأقسامه كثيرة ذكر المصنف منها خمسة كلها مقبولة. القسم الأول منها أن يتشابه المعنيان أى: معنى البيت الأول المأخوذ منه، ومعنى الثانى المأخوذ أى: من غير نقل للمعنى لمحل آخر فغاير ما بعده (قوله: أى حاجة) أى: تريدها منهم (قوله: لحاهم) بضم اللام وكسرها فاعل يمنع (وقوله: جمع لحية) بفتح اللام وكسرها (قوله: سواء ذو العمامة إلخ) أى: لأن الرجال منهم والنساء سواء فى الضعف، فلا مقاومة للرجال منهم على الدفع عن النساء منهم، فقوله سواء إلخ: جملة مستأنفة فى معنى العلة، والعمامة بالكسر تطلق على المغفر، وعلى البيضة، وعلى ما يلف على الرأس، وحملها على الأولين أبلغ، وعلى الثالث أوفق بقوله والخمار (قوله: وقول أبى الطيب) أى: فى مدح سيف الدولة بن حمدان، وخضوع بنى كلاب وقبائل العرب له (قوله: قناة)

стр. 2267

واعلم أنه يجوز فى تشابه المعنيين اختلاف البيتين: تشبيبا ومديحا وهجاء وافتخارا ونحو ذلك فإن الشاعر الحاذق إذا قصد إلى المعنى المختلس لينظمه احتال فى إخفائه فغيره عن لفظه ونوعه ووزنه وقافيته وإلى هذا أشار بقوله. [ومنه: النقل]: (ومنه) أى من غير الظاهر (أن ينقل المعنى إلى محل آخر كقول البحترى: سلبوا) أى ثيابهم ... === أى: رمح (وقوله: خضاب) أى: صنع الحناء، والبيت الأول أى: بيت جرير هو المأخوذ منه بيت أبى الطيب هو الثانى المأخوذ، والبيتان متشابهان فى المعنى من جهة إفادة كل منهما، أن الرجال لهم من الضعف مثل ما للنساء، إلا أن الأول أفاد التساوى والثانى أتى بأداة التشبيه والأول عبر عن النساء بذوات الخمار وعن الرجال بذوى العمامة، والثانى عبر عن النساء بذوات الخضاب وعن الرجال بذوى القناة فى أكفّهم، والأول أيضا جعل ذلك التساوى علّة لعدم منعهم تناول الحوائج منهم بخلاف الثانى (قوله: واعلم إلخ) هذا دخول على كلام المصنف الآتى (قوله: اختلاف البيتين إلخ) فيجوز أن يكون أحد البيتين تغزلا والآخر مديحا أو هجاء أو افتخارا أو رثاء (قوله: تشبيبا) التشبيب ذكر أوصاف المرأة بالجمال وفى بعض النسخ نسيبا يقال نسب ينسب بكسر سين المضارع إذا تشبب بامرأة أى: تغزل بها ووصفها بالجمال، والمراد هنا من الأمرين ذكر أوصاف المحبوب مطلقا ذكرا أو أنثى (قوله: ونحو ذلك) أى: ويجوز اختلافهما بنحو ذلك كالاختلاف فى الوزن أو القافية (قوله: المختلس) أى الذى اختلسه وأخذه من كلام غيره (قوله: فغيره عن لفظه ونوعه) أى فغير لفظه وصرفه عن نوعه كالمدح أو الذم أو الافتخار أو الرثاء أو الغزل. (قوله: وإلى هذا أشار بقوله) أى: وإلى هذا القسم وهو نقل المعنى من نوع من هذه الأنواع لنوع آخر أشار إلخ، ووجه الإشارة أنه ذكر أنه ينقل المعنى إلى محل آخر وهذا صادق بأن ينقله من التشبيب إلى أحد المذكورات. [ومنه: النقل]: (قوله: أن ينقل المعنى إلى محل آخر) بأن يكون المعنى وصفا وينقل من موصوف

стр. 2268

(فأشرقت الدّماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا) أى لأن الدماء المشرقة كانت بمنزلة ثياب لهم (وقول أبى الطيب: يبس النجيع عليه) أى على السيف (وهو مجرد، عن غمده فكأنما هو مغمد) لأن الدم اليابس بمنزلة غمد له فنقل المعنى من القتلى والجرحى إلى السيف. [ومنه: أن يكون معنى الثانى أشمل]: (ومنه) أى من غير الظاهر (أن يكون معنى الثانى أشمل) من معنى الأول كقول جرير: إذا غضبت عليك بنو تميم ... وجدت النّاس كلّهم غضابا (١) لأنهم يقومون مقام كلهم ... === لموصوف آخر، كنقله ستر الدم من القتلى إلى السيف فى المثال الذى ذكره المصنف، أو يكون المعنى مدحا فينقل للهجاء أو الرثاء أو العكس. (قوله: (٢) فأشرقت الدماء عليهم) أى: فظهرت الدماء عليهم ملابسة لإشراق شعاع الشمس، وأتى بقوله محمرة؛ لنفى ما يتوهم من غلبة الإشراق عليها حتى صارت بلون البياض (قوله: فكأنهم لم يسلبوا) أى: فلما ستروا الدماء بعد سلبهم صاروا كأنهم لم يسلبوا؛ لأن الدماء المشرقة عليهم سارت ساترة لهم كاللباس المعلوم، وهذا البيت هو المنقول عنه المعنى وبيت أبى الطيب الآتى هو المنقول فيه المعنى (قوله: النجيع) هو الدم المائل إلى سواد (قوله: وهو مجرد إلخ) أى: والحال أن السيف خارج من غمده (قوله: فكأنما هو مغمد) أى: فصار السيف لما ستره النجيع الذى له شبه بلون الغمد كأنه مغمد أى: مجعول فى الغمد (قوله: فنقل المعنى) أى: وهو ستر الدم كاللباس من القتلى إلى السيف أى: لأنه فى البيت الأول وصفهم بأن الدماء سترتهم كاللباس، ونقل هذا المعنى لموصوف آخر وهو السيف فوصفه بأنه ستره الدم كستر الغم. [ومنه: أن يكون معنى الثانى أشمل]: (قوله: أشمل) أى: أجمع (قوله: لأنهم) أى: بنى تميم (وقوله: يقومون مقام كلهم) أى:

стр. 2269

(وقول أبى نواس: وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد (١) فإن يشمل الناس وغيرهم فهو أشمل من معنى بيت جرير. [ومنه: القلب]: (ومنه) أى من غير الظاهر (القلب وهو أن يكون معنى الثانى نقيض معنى الأول ... === مقام كل الناس، فقد أفاد جرير بهذا الكلام أن بنى تميم ينزلون منزلة الناس جميعا فى الغضب (قوله: وقول أبى نؤاس) بضم النون والهمزة أى: قوله لهارون الرشيد لما سجن الفضل البرمكى وزيره غيرة منه حين سمع عنه التناهى فى الكرم مشيرا إلى أن فى الفضل شيئا مما فى هارون وأن فى هارون جميع ما فى الفضل، وما فى العالم من الخصال مبالغة، وقبل البيت: قولا لهارون إمام الهدى ... عند احتفال المجلس الحاشد أنت على ما فيك من قدرة ... فلست مثل الفضل بالواجد وليس على الله بمستنكر .. ... إلخ روى أن هارون لما سمع الأبيات أطلق الفضل من السجن، والاحتفال: الاجتماع والحاشد بالشين المعجمة: الجامع، وقوله مثل الفضل: مفعول الواجد أى: لا تجد مثل الفضل فى خدمتك وطاعتك (قوله: أن يجمع العالم) أى: صفات العالم الكمالية، وهذا البيت أشمل من الأول؛ لأن الأول جعل بنى تميم بمنزلة كل الناس الذين هم بعض العالم، والبيت الثانى جعل الممدوح بمنزلة كل العالم الذى هو أشمل من الناس؛ لأن الناس بعض العالم (قوله: وغيرهم) أى: من الملائكة والجن، واعلم أن الرواية الصحيحة ليس على الله بدون واو قبل ليس وهو من بحر السريع مستفعلن مستفعلن فاعلاتن، فدخله حذف السبب فصار فاعلن، وفى بعض النسخ وليس بالواو قبل ليس ففيه من العيوب الخزم وهو زيادة ما دون خمسة أحرف فى صدر الشطر. [ومنه: القلب]: (قوله: أن يكون معنى الثانى نقيض معنى الأول) وذلك كأن يقرر البيت الأول

стр. 2270

كقول أبى الشيص: أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوّم (١) وقول أبى الطيب: أأحبّه) الاستفهام للإنكار والإنكار باعتبار القيد الذى هو الحال أعنى قوله (٢) (وأحبّ فيه ملامة؟ ) كما يقال أتصلى وأنت محدث؟ على تجويز واو الحال فى المضارع المثبت كما هو رأى البعض أو على حذف المبتدأ، أى وأنا أحب ويجوز أن تكون الواو للعطف. والإنكار راجع إلى الجمع بين أمرين أعنى محبته ومحبة الملامة فيه (إن الملامة فيه من أعدائه) وما يصدر عن عدو المحبوب يكون مبغوضا وهذا نقيض معنى بيت أبى الشيص ... === حب اللوم فى المحبوب لعلّة، ويقرر الثانى بغض اللوم فى المحبوب لعلة أخرى، فيكون التناقض والتنافى بين البيتين بحسب الظاهر، وإن كانت العلة تنفى التناقض؛ لأنها مسلمة من الشخصين فيكون الكلامان معا غير كذب، ومعلوم أن من كانت عنده العلة الأولى صح الكلام باعتباره، ومن كانت عنده الثانية صح الكلام باعتباره، فالتناقض فى ظاهر اللفظين والالتئام باعتبار العلل (قوله: أجد الملامة) أى: أجد اللوم والإنكار علىّ (قوله: فى هواك) بكسر الكاف خطاب لمؤنث أى: فى شأنه أو بسببه (قوله: حبّا لذكرك) أى: وإنما وجدت اللوم فيك لذيذ لأجل حبى لذكرك واللوم مشتمل على ذكرك (قوله: والإنكار باعتبار القيد) أى: راجع للقيد فالمنكر فى الحقيقة هو مصاحبة تلك الحال فالمعنى كيف أحبه مع حبى فيه ملامة؟ بل أحبه فقط (قوله: كما يقال: أتصلى وأنت محدث) أى: فالمنكر هو وقوع الصلاة مع الحدث، لا وقوع الصلاة من حيث هى، وكما تقول: أتتكلم وأنت بين يدى الأمير، فالمنكر هو كونه يتكلم مع كونه بين يدى الأمير (قوله: على تجويز إلخ) أى: بناء على تجويز إلخ وهو مرتبط بقوله الذى هو الحال (قوله: والإنكار راجع إلى الجمع بين الأمرين) أى: كيف يجتمع حبه وحب اللوم فيه فى الوقوع منى، بل لا يكون إلا واحدا منهما (قوله: وهذا) أى: بغض اللوم فى المحبوب

стр. 2271

لكن كل منهما باعتبار الآخر ولهذا قالوا: الأحسن فى هذا النوع أن يبيّن السبب. [ومنه: أخذ بعض المعنى مع تحسينه ببعض الإضافات]: (ومنه) أى من غير الظاهر (أن يؤخذ بعض المعنى ويضاف إليه ما يحسنه === نقيض معنى بيت أبى الشيص أى: لأنه جعل اللوم فى المحبوب محبوبا (قوله: لكن كل منهما باعتبار) أى: لكن كل من كراهة الملامة وحبها باعتبار غير الاعتبار الآخر، فمحبة اللوم فى البيت الأول من حيث اشتمال اللوم على ذكر المحبوب وهذا محبوب له، وكراهته فى الثانى من حيث صدوره من الأعداء والصادر منهم يكون مبغوضا، وأشار الشارح بهذا الاستدراك إلى أن التناقض بين معنى البيتين المذكورين بحسب الظاهر، وفى الحقيقة لا تناقض بينهما أصلا لاختلاف فى السبب فى كل (قوله: ولهذا) أى: لأجل أن كلّا من المعنيين باعتبار (قوله: فى هذا النوع) أى: نوع القلب (وقوله: أن يبيّن) أى: الشاعر السبب كما فى البيتين المذكورين، فإن الأول علل حب الملامة بحبه لذكره، والثانى علل كراهيته لها بكونها تصدر من الأعداء، وإنما كان الأحسن فى هذا النوع بيان السبب لأجل أن يعلم أن التناقض ليس بحسب الحقيقة، بل بحسب الصورة- كذا قال يس، وقال العلامة اليعقوبى: إنما كان الأحسن فى هذا النوع بيان السبب، بل لا بد فيه من بيانه؛ لأنه إذا لم يبينه كان مدعيا للنقض من غير بينة وهو غير مسموع فلو قال هنا: أأحبه وأحب فيه ملامة كان دعوى لعدم المحبة بلا دليل وذلك لا يفيد، فهذا النوع أخرج لباب المعارضة والإبطال وهو يفتقر لدليل التصحيح فلا بد منه فى الطرفين. [ومنه: أخذ بعض المعنى مع تحسينه ببعض الإضافات]: (قوله: أن يؤخذ بعض المعنى ويضاف إليه ما يحسنه) أى: أن يؤخذ بعض المعنى من الكلام الأول ويترك البعض الآخر ثم لا يقتصر فى الكلام الثانى على بعض المعنى المأخوذ من الأول، بل يضاف لذلك البعض المأخوذ ما يحسنه من المعانى ومفهوم هذا الكلام أنه إذا لم يضف إليه شىء أصلا كان من الظاهر؛ لأن مجرد أخذ المعنى من الأول كلّا كان أو بعضا لا لبس فيه، فيعد من الظاهر، وكذا إذا أضيف إليه ما لا يحسنه من الزيادة فإنه

стр. 2272

كقول الأفوه: وترى الطير على آثارنا، رأى عين) يعنى عيانا (ثقة) حال أى: واثقة ومفعول له مما يتضمنه قوله: على آثارنا أى كائنة على آثارنا لوثوقها (أن ستمار) أى ستطعم من لحوم من نقتلهم (وقول أبى تمام: وقد ظلّلت) أى ألقى عليه الظل وصارت ذوات ظل (عقبان أعلامه ضحى، بعقبان طير ... === يكون من الظاهر؛ لأن المأخوذ حينئذ ولو قل لا لبس فيه، بخلاف أخذ البعض مع تزيينه بما أضيف فإن ذلك يخرجه عن سنن الاتباع إلى الابتداع، فكأنه مستأنف فيخفى. (قوله: (١) وترى الطير على آثارنا رأى عين) أى: وتبصر الطير وراءنا تابعة لنا معاينة- كذا قال اليعقوبى، قال فى الأطول: الآثار: جمع أثر بمعنى العلم أى: مستعلية على أعلامنا متوقعة فوقها فتكون الأعلام مظللة بها، وإنما أكد قوله ترى بقوله رأى عين؛ لئلا يتوهم أنها بحيث ترى لمن أمعن النظر بتكلف لبعدها، ولئلا يتوهم أن المعنى أنها لما تبعتنا كأنها رئيت ولو لم تر لبعدها؛ لأنه يقال: ترى فلانا يفعل كذا بمعنى أنه يفعله وهو بحيث يرى فى فعله لولا المانع (قوله: حال) أى: من الطير بناء على أن المصدر بمعنى اسم الفاعل (قوله: مما يتضمنه) أى: من العامل الذى يتضمنه المجرور الذى هو قوله على آثارنا، وعلى هذا الاحتمال فقوله: ثقة أن ستمار جواب لسؤال مقدر، إذ كأنه قيل: لماذا كانت الطيور على آثارنا تابعة لنا؟ فقيل: كانت على آثارنا وتبعتنا لوثوقها بأنها ستمار أى: ستطعم الميرة أى: الطعام أى: لحوم من نقتلهم (قوله (٢): ظلّلت) هو بالبناء للمفعول، وعقبان أعلامه نائب الفاعل، والعقبان بكسر أوله: جمع عقاب، وإضافته للأعلام من إضافة المشبه به للمشبه أى: ظللت أعلامه الشبيهة بالعقبان فى تلونها وفخامتها؛ لأن الأعلام بمعنى الرايات فيها ألوان مختلفة كالعقبان، وقال الخلخالى: الإضافة حقيقية على معنى اللام، والمراد بعقبان الأعلام الصور المعمولة من ذهب أو غيره على هيئة عقبان الطير الموضوعة على رأس العلم بمعنى الراية، وهذا يتوقف على أن تلك الصور التى وضعت على رأس الأعلام صنعت على هيئة العقبان ولم يثبت (قوله: بعقبان طير)

стр. 2273

فى الدماء نواهل) من نهل إذا روى نقيض عطش (أقامت) أى عقبان الطير (مع الرايات) أى الأعلام وثوقا بأنها ستطعم لحوم القتل (حتّى كأنّها، من الجيش إلا أنها لم تقاتل. فإن أبا تمام لم يلمّ بشىء من معنى قول الأفوه: رأى عين) الدالّ على قرب الطير من الجيش بحيث ترى عيانا لا تخيلا، وهذا مما يؤكد شجاعتهم وقتلهم الأعادى (ولا) بشىء (من معنى قوله: ثقة أن ستمار) الدال على وثوق الطير بالميرة لاعتيادها بذلك وهذا أيضا مما يؤكد المقصود. قيل: إن قول أبى تمام: ظللت الملم بمعنى قوله رأى عين؛ لأن وقوع الظل على الرايات مشعر بقربها من الجيش، ... === متعلق بظللت أى: ظللت عقبان الأعلام بعقبان طير؛ لأنها لزمت فوق الأعلام ألقت ظلّها عليها (قوله: فى الدماء) أى: من الدماء، ففى بمعنى من، متعلقة بنواهل الذى هو صفة لعقبان طير أى: ظللت عقبان الأعلام بعقبان طير من صفتها إذا وضعت الحرب أوزارها. النهل أى: الرى من دماء القتلى، فتظليل العقبان للأعلام لرجائها النهل من الدماء ووثوقها بأنها ستطعم من لحوم القتلى (قوله: لوثوقها بأنها ستطعم لحوم القتلى) أى: ولرجائها الرى من دمائها (قوله: حتى كأنها من الجيش) أى: حتى صارت من شدة اختلاطها برؤوس الرماح والأعلام من أفراد الجيش، إلا أنها لم تقاتل أى: لم تباشر القتال وهذا استدراك على ما يتوهم من الكلام السابق من أنها حيث صارت من الجيش قاتلت معه (قوله: فإن أبا تمام إلخ) أى: وإنما كان كلام أبى تمام بالنسبة لكلام الأفوه السابق مما ذكرناه وهو أخذ بعض المعنى ويضاف إليه ما يحسنه؛ لأن أبا تمام إلخ (قوله: لم يلم) من ألم الرباعى وما تقدم فى قوله حتى ما يلم خيال من لم الثلاثى، والأول بمعنى أخذ والثانى بمعنى وقع وحصل (قوله: لا تخيلا) أى: لأنها ترى على سبيل التخيل بأن يكون هناك من البعد ما يوجب الشك فى المرئى (قوله: وهذا) أى: كون الطير قريبا من الجيش بحيث يرى معاينة مما يؤكد المعنى المقصود للشاعر وهو وصفهم بالشجاعة والاقتدار على قتل الأعادى؛ وذلك لأن قربها إنما يكون لأجل توقع الفريسة (قوله: لاعتيادها) أى: والثقة منها بالميرة لاعتيادها ذلك وكون ذلك معتادا يدل على كمال الشجاعة والجراءة على القتل فكلا المعنيين أى: معنى رأى عين، ومعنى ثقة أن ستمار

стр. 2274

وفيه نظر؛ إذ قد يقع ظل الطير على الراية وهو فى جو السماء بحيث لا يرى أصلا. نعم لو قيل: إن قوله حتى كأنها من الجيش الملم بمعنى قوله رأى عين فإنها إنما تكون من الجيش إذا كانت قريبا منهم مختلطا بهم لم يبعد عن الصواب (لكن زاد) أبو تمام (عليه) أى على الأفوه زيادات محسنة للمعنى المأخوذ من الأفوه أعنى تساير الطير على آثارهم (بقوله إلا أنها لم تقاتل وبقوله فى الدماء نواهل وبإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش وبها) أى وبإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش ... === مؤكد للمقصود الذى هو الوصف بالشجاعة ومفيد له (قوله: إلمام) أى: إتيان بمعنى قوله: رأى عين أى: وحينئذ فلا يتم قول المصنف: إن أبا تمام لم يلم بمعنى قول الأفوه: رأى عين (قوله: وفيه نظر إلخ) حاصله أن وقوع ظل الطير على الرايات لا يستلزم قربه منها بدليل أن ظل الطير يمر بالأرض أو غيرها، والحال أن الطير فى الجو بحيث لا يرى (قوله: نعم إلخ) هذا اعتراض ثان على قول المصنف: إن أبا تمام لم يلم بمعنى قول الأفوه: رأى عين إلخ، وحاصله أن قوله: حتى كأنها من الجيش فيه إلمام بمعنى قوله: رأى عين، وحينئذ فلا يتم ما قاله المصنف إلا أن يقال: إن قول المصنف فإن أبا تمام لم يلم بشىء إلخ أى: فى البيت الأول- فتأمل. (قوله: إذا كانت قريبا منهم مختلطا بهم) أى: لأن المنفصل عن الشىء البعيد عنه لا يعد من أفراده (وقوله: قريبا) خبر كان ولم يؤنثه؛ لأنه يستوى فيه المذكر والمؤنث ولا يرد مختلطا لأنه تابع (قوله: لم يبعد عن الصواب) ويزيد هذا تأكيدا قوله أقامت مع الرايات؛ لأن صحبة الرايات تستلزم القرب (قوله: زيادات) أى: ثلاثة (قوله: أعنى) أى: بالمعنى المأخوذ من الأفوه تساير إلخ، وهذا المعنى بعض معنى بيته (قوله: يعنى قوله إلخ) أشار بذلك إلى أن مراد المصنف بالأول الأول من تلك الزيادات لا الأول فى كلام الشاعر؛ لأنه أخر فيه (قوله: هذا هو المفهوم إلخ) أى: أن المفهوم من الإيضاح أن ضمير قوله وبها راجع لإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش، والمراد بالأول الأول من الزيادات وهو قوله إلا أنها لم تقاتل لا الأول فى كلام أبى تمام؛ لأنه أخر فيه وبيان ذلك

стр. 2275

(يتم حسن الأول) يعنى قوله إلا أنها لم تقاتل لأنه لا يحسن الاستدراك الذى هو قوله إلا أنها لم تقاتل ذلك الحسن إلا بعد أن تجعل الطير مقيمة مع الرايات معدودة فى عداد الجيش حتى يتوهم أنها أيضا مع المقاتلة هذا هو المفهوم من الإيضاح، وقيل: معنى قوله وبها أى بهذه الزيادات الثلاث يتم حسن معنى البيت الأول (وأكثر هذه الأنواع) المذكورة لغير الظاهر (ونحوها مقبولة) لما فيها من نوع تصرف (بل منها) أى من هذه الأنواع (ما يخرجه حسن التصرف من قبيل الاتباع إلى حيز الابتداع وكل ما كان أشد خفاء) ... === أنه لو قيل: ظللت عقبان الرايات بعقبان الطير إلا أنها لم تقاتل لم يحسن هذا الاستدراك؛ لأن مجرد وقوع ظلها على الرايات لا يوقع فى الوهم أنها تقاتل مثل الجيش حتى يستدرك عليه بالنفى بخلاف إقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش فإنه مظنة أنها أيضا تقاتل مثل الجيش فيحسن الاستدراك الذى هو رفع التوهم الناشئ من الكلام السابق (قوله: يتم حسن معنى البيت الأول) أى: المعنى الذى أخذه أبو تمام من بيت الأفوه الأول وهو تساير الطير على آثارهم واتباعها لهم فى الزحف (قوله: وأكثر هذه الأنواع إلخ) أى: الأنواع التى ذكرها المصنف لغير الظاهر وهى خمسة كما مر (وقوله: ونحوها) أى: ونحو هذه الأنواع وهذا إشارة إلى أنواع أخر لغير الظاهر لم يذكرها المصنف، والظاهر أن نحوها عطف على هذه أى: وأكثر هذه الأنواع وأكثر نحو هذه الأنواع مقبول وهذا الكلام يقتضى أن من هذه الأنواع ومن نحوها ما ليس بمقبول وتعليلهم القبول بوجود نوع من التصرف يقتضى قبول جميع أنواع غير الظاهر ما ذكر منها وما هو نحو ما ذكر منها، ويؤيد ذلك أن الأخذ الظاهر يقبل مع التصرف فكيف بغير الظاهر الذى لا ينفك عن التصرف، فكان الأولى للمصنف أن يقول: وهذه الأنواع ونحوها مقبولة ويحذف لفظة أكثر- تأمل. (قوله: أى من هذه الأنواع) أى: التى تنسب لغير الظاهر مطلقا لا بقيد كونها مذكورة (قوله: من قبيل الاتباع) أى: كونه تابعا لغيره (وقوله: إلى حيز الابتداع) أى: الإحداث والابتكار فكأنه غير مأخوذ (قوله: وكل ما كان أشد) أى: وكل ما كان

стр. 2276

بحيث لا يعرف كونه مأخوذا من الأول إلا بعد مزيد تأمل (كان أقرب إلى القبول) لكونه أبعد عن الاتباع وأدخل فى الابتداع (هذا) أى الذى ذكر فى الظاهر وغيره من ادعاء سبق أحدهما وأخذ الثانى منه وكونه مقبولا أو مردودا وتسمية كل بالأسامى المذكورة (كله) إنما يكون (إذا علم أن الثانى أخذ من الأول) بأن يعلم أنه كان يحفظ قول الأول حين نظم أو بأن يخبر هو عن نفسه أنه أخذه منه وإلا فلا يحكم بشىء من ذلك (لجواز أن يكون الاتفاق) فى اللفظ والمعنى جميعا أو فى المعنى وحده (من نوادر الخواطر أى مجيئه على سبيل الاتفاق من غير قصد إلى الأخذ) ... === الكلام المأخوذ من غيره أشد خفاء من مأخوذ آخر (قوله: بحيث لا يعرف إلخ) أى وذلك بأن يكسب من التصرف وإدخال اللطائف ما أوجب كونه لا يعرف مما أخذ منه وأن أصله ذلك المأخوذ منه إلا بعد مزيد تأمل وإمعان نظر (قوله: مزيد تأمل) أى: وأما أصل التأمل فلا بد منه فى غير الظاهر (قوله: كان أقرب إلى القبول) أى: مما ليس كذلك (قوله: لكونه أبعد) أى: لكونه صار بتلك الخصوصيات واللطائف المزيدة فيه أبعد (قوله: أى الذى ذكر) أى: فإفراد هذا بتأويل المشار إليه بما ذكر فلا منافاة بينه وبين التأكيد بقوله كله (قوله: من ادعاء سبق أحدهما) أى: للآخر (وقوله: وأخذ) أى: وادعاء أخذ الثانى من الأول (قوله: بأن يعلم) بيان لسبب علم أن الثانى أخذ من الأول (قوله: وإلا فلا يحكم) أى: وإن لم يعلم أخذ الثانى من الأول بأن علم العدم أو جهل الحال بشىء من ذلك أى: من سبق أحدهما واتباع الآخر ولا بما يترتب على ذلك من القبول أو الرد، وأشار الشارح بقوله وإلا فلا يحكم بشىء إلى أن قول المصنف لجواز إلخ: علة لمحذوف (قوله: لجواز أن يكون الاتفاق) أى: اتفاق القائل الأول والقائل الثانى (قوله: أو فى المعنى وحده) أى: كلّا أو بعضا (قوله: أى مجيئه) الضمير للخاطر المفهوم من الخواطر أى: مجىء الخاطر على سبيل الاتفاق (وقوله: من غير قصد إلى الأخذ) تفسير لما قبله، والمراد من غير قصد من القائل الثانى للأخذ من القائل الأول، يعنى أنه يجوز أن يكون اتفاق القائلين بسبب ورود خاطر هو ذلك اللفظ وذلك المعنى على قلب الثانى

стр. 2277

كما يحكى عن ابن ميّادة أنه أنشد لنفسه: مفيد ومتلاف إذا ما أتيته ... تهلّل واهتزّ اهتزاز المهنّد (١) فقيل له: أين يذهب بك هذا للحطيئة؟ فقال: الآن علمت أنى شاعر إذ وافقته على قوله ولم أسمعه (فإذا لم يعلم) أن الثانى أخذ من الأول (قيل: قال فلان كذا وقد سبقه إليه فقال كذا) ليغتنم بذلك فضيلة الصدق ويسلم من دعوى علم الغيب ... === ولسانه كما ورد على الأول من غير سبق الشعور بالأول حتى يقصد الأخذ منه (قوله: ميادة) بفتح الميم وتشديد الياء اسم امرأة أمة سوداء وهى أم الشاعر فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث (قوله: أنه أنشد لنفسه) أى: أنه أنشد بيتا ونسبه لنفسه (قوله: مفيد ومتلاف) أى هذا الممدوح يفيد الأموال للناس أى: يعطيها لهم ويتلفها على نفسه (قوله: إذا ما أتيته تهلّل إلخ) التهلل: طلاقة الوجه، والاهتزاز: التحرك، والمهند: السيف المصنوع من حديد الهند أى: إذا أتيت هذا الممدوح تهلل أى: تنور وجهه فرحا بسؤالك إياه لما جبل عليه من الكرم واهتز بإرادة العطاء اهتزازا كاهتزاز السيف المهند فى البريق والإشراق (قوله: أين يذهب بك) كلام يقال للمخطئ الضال تنبيها له على الصواب أى: إنك قد ضلت فى ادعائك لنفسك ما هو لغيرك أين تذهب بنفسك أى: أنت ضالّ لا سبيل لك وإلى الخروج ما دمت على ما أنت عليه (قوله: هذا للحطيئة) الحطيئة: اسم لشاعر معلوم سمّى بذلك لقصره، وقيل: لدمامته (قوله: إذ وافقته على قوله) أى: والحال أنه سلم له أنه شاعر (قوله: قيل) أى: فى حكاية ما وقع من المتأخر بعد المتقدم (قوله: قال فلان كذا) أى: من بيت أو قصيدة (قوله: وقد سبقه إليه) أى: إلى ذلك القول فلان فقال كذا أى: سواء كان مخالفا للثانى باعتبار ما أو لا وإنما قلنا أو قصيدة لجواز توارد الخواطر فى معنى القصيدة مثلا، بل وفى لفظها؛ لأن الخالق على لسان الأول هو الخالق على لسان الثانى (قوله: ليغتنم إلخ) علّة لمحذوف أى: فإذا لم يعلم

стр. 2278

ونسبة النقص إلى الغير (ومما يتصل بهذا) أى بالقول فى السرقات (القول فى الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح) بتقديم اللام على الميم من لمحه إذا أبصره، وذلك لأن فى كل منها أخذ شىء من الآخر. [الاقتباس]: (أما الاقتباس فهو أن يضمن الكلام) نظما كان أو نثرا (شيئا من القرآن أو الحديث ... === أن الثانى أخذ من الأول قيل قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا، ولا يقال: إن الثانى أخذه من الأول ليغتنم إلخ؛ لأنه لو ادعى سرقة مثلا أو عدمها لم يأمن من أن يخالف الواقع (وقوله: من دعوى إلخ) أى: لو عين نوعا كالسرقة أو عدمها. اهـ سم. (قوله: ونسبة النقص إلى الغير) أى: الشاعر الثانى؛ لأن أخذ الثانى من الأول لا يخلو عن انتقاص الثانى باعتبار أن الأول هو المنشئ له (قوله: ومما يتصل إلخ) خبر مقدم والقول مبتدأ مؤخر ومن تبعيضية ففيه إشارة إلى أن المتصل لا ينحصر فيما ذكر وفى بعض النسخ ويتصل فالقول فاعل يتصل أى: القول فى السرقات يتصل به القول أى: الكلام فى الاقتباس (قوله: من لمحه إذا أبصره) أى: وليس مأخوذا من ملح إذا حسن حتى يكون بتقديم الميم (قوله: وذلك) أى: وبيان ذلك أى: وبيان اتصال القول فيها بالقول فى السرقات الشعرية المقتضى كونها فى نفسها لها اتصال بالسرقات أن فى كل إلخ، ومعنى اتصالها بالسرقات تعلقها بها تعلق المناسبة من جهة أن فى كل من هذه الألقاب أخذ شىء من شىء سابق مثل ما فى السرقات. [الاقتباس]: (قوله: أن يضمن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث) أى: أن يؤتى بشىء من لفظ القرآن، أو من لفظ الحديث فى ضمن الكلام. قال العصام: ومما ينبغى أن يلحق بالاقتباس أن يضمن الكلام شيئا من كلام الذين يتبرك بهم وبكلامهم خصوصا الصحابة والتابعين.

стр. 2279

لا على أنه منه) أى لا على طريقة أن ذلك الشىء من القرآن أو الحديث يعنى على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه منه كما يقال فى أثناء الكلام: قال الله تعالى كذا وقال النبى ﷺ كذا ونحو ذلك فإنه لا يكون اقتباسا ومثل للاقتباس بأربعة أمثلة؛ لأنه إما من القرآن أو الحديث وكل منهما إما فى النثر أو فى النظم فالأول (كقول الحريرى فلم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب حتى أنشد فأغرب و) الثانى مثل (قول الآخر ... === (قوله: لا على أنه منه) أى: بشرط أن يكون المأتى به على أنه من كلام المضمن بكسر الميم، لا على أنه من القرآن أو الحديث (فقوله: شيئا من القرآن إلخ) أى: كلاما يشبه القرآن أو الحديث فليس المضمن نفس القرآن أو الحديث لما سيأتى أنه يجوز فى اللفظ المقتبس تغيير بعضه ويجوز نقله عن معناه الوارد فيه فلو كان المضمن هو القرآن حقيقة كان نقله عن معناه كفرا وكذلك تغييره. اهـ سيرامى. (قوله: يعنى إلخ) أتى بالعناية إشارة إلى أن النفى ليس منصبا على المقيد وهو الوجه والطريقة، بل على القيد وهو كونه من القرآن أو الحديث، ففسر الشارح المتن أولا على ظاهره، ثم أشار لبيان المراد منه (قوله: كما يقال إلخ) مثال للمنفى أى: الإتيان بشىء من القرآن أو الحديث على وجه فيه إشعار بأنه منه (قوله: ونحو ذلك) مثل وفى الحديث أو وفى التنزيل كذا (قوله: فإنه لا يكون اقتباسا) أى: لأن هذا ليس من التضمين فى شىء لسهولة التناول فلا يفتقر إلى نسج الكلام نسجا يظهر منه أنه شىء آخر فيعد مما يستحسن فيلحق بالبديع (قوله: فالأول) أى: وهو الاقتباس من القرآن فى النثر (قوله: فلم يكن إلا كلمح البصر إلخ) أى: لم يكن من الزمان إلا كلمح البصر أى: لم يكن من الزمان إلا مثل ما ذكر فى القلّة واليسارة، فأنشد فيه أبو زيد السروجى وأغرب أى: أتى بشىء غريب بديع، وهذا كناية عن سرعة الإسناد الغريب وحتى فى قوله: حتى أنشد بمعنى الفاء، فقد اقتبس الحريرى هذا من قوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ (١) وظاهر أنه أتى به لا على أنه من القرآن (قوله: والثانى)

стр. 2280

إن كنت أزمعت) أى عزمت (على هجرنا، من غير ما جرم فصبر جميل وإن تبدّلت بنا غيرنا، فحسبنا الله ونعم الوكيل. و) الثالث مثل (قول الحريرى: قلنا: شاهت الوجوه) أى قبحت وهو لفظ الحديث على ما روى أنه لما اشتدت الحرب يوم حنين أخذ النبى ﷺ كفّا من الحصباء فرمى به وجوه المشركين وقال" شاهت الوجوه" (١) (قبح) على المبنى للمفعول أى لعن من قبحه الله بالفتح أى أبعده عن الخير (اللكع) أى اللئيم (ومن يرجوه و) الرابع مثل (قول ابن عباد: قال) أى الحبيب (لى إن رقيبى، ... === أى: وهو الاقتباس من القرآن فى النظم (قوله: إن كنت أزمعت) بكسر التاء خطابا لمؤنث كما هو الرواية (قوله: أى: عزمت) أشار إلى أن الإزماع هو العزم، يقال أزمع على الشىء: عزم عليه (قوله: من غير ما جرم) ما زائدة أى: من غير جرم أى: من غير ذنب صدر منا (قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أى: فأمرنا معك صبر جميل اقتبس هذا من قوله تعالى حكاية عن يعقوب: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (٢) وهو الذى لا شكوى فيه (قوله: وإن تبدلت بنا غيرنا) أى: وإن اتخذت غيرنا بدلا منّا فى الصحبة (قوله: فحسبنا الله) أى: فيكفينا الله فى الإعانة على هذه الشدة التى هى قطعك حبل وصالنا (قوله: ونعم الوكيل) أى: المفوض إليه فى الشدائد اقتبس هذا من قوله تعالى: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ (٣) (قوله: والثالث) أى: وهو الاقتباس من الحديث فى النثر (قوله: وهو) أى: شاهت الوجوه لفظ الحديث (قوله: وقال: شاهت الوجوه) أى: قبحت وتغيرت بانكسارها وانهزامها وعودها بالخيبة فلما فعل ذلك انهزم المشركون (قوله: وقبح) بضم القاف وكسر الباء مخففة على وزن ضرب (قوله: أى لعن) بمعنى أبعد عن الخير (قوله: من قبحه الله بالفتح) أى: بفتح القاف والباء مع تخفيفها وبابه نفع ينفع (قوله: والرابع) أى: وهو اقتباس الحديث فى النظم (قوله: (٤) إن رقيبى) الرقيب: الحافظ والحارس (قوله: فداره) أى: لئلا يمنعنى
следующие страницы →