← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وتقاعدت عزائمهم عن اكتشاف (*) خبيئات أسراره، === الطلوع أى الإدراك، فضلا عن طلوعهم وإدراكهم بالفعل، والإضافة فى" طوالع أنواره" من إضافة الصفة للموصوف، أى: أنواره الطالعة بمعنى الظاهرة، والمراد بأنوار الشرح معانيه، استعار لها لفظ الأنوار استعارة مصرحة، والطوالع ترشيح، ويصح أن تكون الطوالع استعارة لمعانى الشرح، والأنوار استعارة لألفاظه، أى: عن إدراك معانى ألفاظه؛ وحينئذ فالإضافة من إضافة المدلول للدال، ثم إن كون معانيه طالعة وظاهرة بالنسبة لما عند الشارح أو بالنسبة لما فى الواقع، فلا ينافى أنها بالنسبة لهم فى غاية الدقة فتحتاج إلى استطلاع. (قوله: وتقاعدت) يقال فيه ما قيل فى" تقاصرت"، ويقال فى السين والتاء فى" استكشاف" ما مر فيهما فى" استطلاع"، والكشف هو الإظهار. (قوله: خبيئات أسراره) الإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف، أى أسراره المخبّآت، أى التى شأنها أن تخبأ لعاقبة الدهر؛ لعظمها ولشرفها، والأسرار جمع سر وهو ضد الجهر، والمراد بها هنا النكات، فشبه نكات المطول ومعانيه الشديدة الصعوبة بالأسرار، والجامع الاحتياج لزيادة الاهتمام فى كل، واستعيرت الأسرار للنكات المذكورة استعارة تصريحية. ويحتمل أن تكون الإضافة حقيقية بأن أريد بالأسرار مطلق الأسرار، وأراد بالخبيئات أشرف الأسرار أى: أدقها، والمعنى: عن إظهار أدق الأسرار أى أدق الدقائق. ثم إن هذه السجعة متعلقة بالمعانى الشديدة الصعوبة والدقة، وما قبلها بالدقة الصعبة فقط، فلا يقال: إن هذه عين ما قبلها، لكن قد يقال: إن الأولى الاقتصار على السجعة الأولى وحذف الثانية؛ لأنه إذا تقاصرت هممهم وعجزت عن المعانى الصعبة فقصورها عن الشديدة الصعوبة بالطريق الأولى، إلا أن يقال: أتى بهذه الثانية؛ دفعا لما يتوهم أن هممهم وإن تقاصرت عن درك المعانى الصعبة لم تتقاصر عن إدراك شديدة الصعوبة؛ لكون هممهم عليّة. ثم لا يخفى حسن التعبير هنا ب" تقاعدت"، وفيما مر ب" تقاصرت"؛ وذلك لأنّ طوالع الأنوار شأنها العلو فيناسبها التعبير بالتقاصر، وشأن خبيئات الأسرار الانخفاض فيناسبها التعبير بالتقاعد.

стр. 37

وأن المنتحلين قد قلبوا أحداق الأخذ والانتهاب، ومدّوا أعناق المسخ === (قوله: وأن المنتحلين) جمع منتحل وهو الآخذ لكلام الغير وينسبه لنفسه تصريحا أو تلويحا، أى: وأن الآخذين لكلام غيرهم مظهرين أنه لهم. (قوله: قلبوا أحداق (١) الأخذ) الإضافة لأدنى ملابسة، أى: قلبوا أحداقهم الملابس تقلّبها للأخذ والانتهاب؛ لأنّ الشأن أن الإنسان وقت أخذ كلام غيره يقلب أحداقه، أو شبه الأخذ والانتهاب بشخص ظالم، بجامع القبح فى كلّ، على طريق الاستعارة المكنية، وإثبات الأحداق تخييل، والتقليب ترشيح، وهذا كناية عن شدة عنايتهم باختصار المطول ونسبته لأنفسهم، والانتهاب هو الأخذ قهرا، فهو من عطف الخاص على العام، لكن الشارح قصد به التفسير فهو تفسير مراد. (قوله: ومدوا أعناق المسخ) مدّ العنق: تطويله، أي: وطولوا أعناقهم الملابس مدّها للمسخ، فالإضافة لأدنى ملابسة، وهذا كناية عن كمال الميل لاختصارهم له. أو فى الكلام استعارة وتقريرها أن يقال: شبه أخذ معانى المطول مع التعبير عنها بعبارة أخرى بالمسخ الذى هو تبديل صورة بصورة أدنى من الأولى، ثم استعمل اسم المشبه به وهو لفظ المسخ فى المشبه على طريق الاستعارة المصرحة، ثم بعد ذلك شبه الأخذ المذكور أيضا بإنسان مفسد تشبيها مضمرا فى النفس على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الأعناق تخييل، والمد ترشيح، فقد اجتمعت المصرحة والمكنية والتخييلية، على حد ما قيل فى قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (٢)، ولا يخفى ما فى التعبير بالمسخ من الإشارة إلى أنهم لو عبروا عن معانى المطول بعبارات أخرى، لكان تعبيرهم بعبارة متسفلة جدّا، لما علمت أن المسخ تبديل صورة بصورة أدنى من الأولى.

стр. 38

على ذلك الكتاب. وكنت أضرب عن هذا الخطب صفحا، وأطوى دون مرامهم كشحا؛ علما منى ... === (قوله: على ذلك الكتاب) متعلق بمدوا و" على" بمعنى" إلى" وأتى بإشارة البعيد إشارة لبعد مرتبة ذلك الكتاب عنهم، وإنما عبر ب" على" دون" إلى" للطيفة وهى أن" على" تستعمل فعلا ماضيا بمعنى ارتفع، ففى التعبير بها إشارة إلى أنهم حين مدوا الأعناق ارتفع عنهم فلم يصلوا إليه، ويصح الوقف على قوله: (مدوا أعناق المسخ، والابتداء بقوله: (علا ذلك الكتاب) أى: ارتفع ذلك الكتاب عن مد أعناقهم لأجل مسخهم، فهو تحصين لكتابه. (قوله: وكنت أضرب) الواو للحال، والضرب يطلق بمعنى الصرف والإمساك، أى: كنت أمسك نفسي، وأصرفها عن هذا الخطب العظيم، وهو اختصار الشرح، وبمعنى الإعراض أى: أعرض عن هذا الأمر العظيم، فالفعل على الأول متعدّ حذف مفعوله، وعلى الثانى لازم، وعلى كل ف" صفحا" مفعول مطلق، وقيل مفعول لأجله. فإن قلت: إن الصفح بمعنى الإعراض، وهو عين الضرب بمعنى الصرف؛ فيلزم تعليل الشىء بنفسه، وهو لا يصح؟ والجواب: أن العلة أثر الصفح ولازمه، وهو جلب الراحة من القيل والقال اللذين لا يخلو منهما مؤلّف ولو أبدع فى المقال، فيكون من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. (قوله: وأطوى دون مرامهم كشحا) الطىّ ضد النشر، ودون مرامهم بمعنى: قدام مطلوبهم أى: قبل وصولهم إليه، والكشح: ما بين أسفل الخاصرة إلى آخر عظم الجنب، فالكشح هو الوسط، وطى الكشح عبارة عن لىّ الجنب، ومن لوازمه عدم تبليغ السائل مقصوده، فأطلق هنا وأريد لازمه، والمعنى: ولا أبلغهم مقصودهم من اختصار ذلك الشرح، ويحتمل أن يكون الكلام تمثيلا حيث شبه حاله من الامتناع من الشيء المطلوب بحال من طوى كشحه معرضا عن شخص مثلا، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه. (قوله: علما منى) علة لقوله: (أضرب وأطوى) على التنازع، واعترض هذا التعليل بأنهم لم يسألوه أن يكون ما يأتى به من اختصار المطول تستحسنه كل الطباع،

стр. 39

بأن مستحسن الطباع بأسرها، ومقبول الأسماع عن آخرها، أمر لا تسعه ... === فكيف يجعل عدم القدرة على ذلك علة للامتناع؟ ويجاب بأن فى الكلام حذفا، والأصل: علما منى بأن الاختصار الذى طلبوه إذا فعلته لا يسلم من طعن الناس فيه، ولا يخلص من اعتراضهم عليه؛ لأن الإتيان بالأمر الذى تستحسنه كل الطباع أمر لا تسعه قدرتى؛ فلذا آثرت الراحة. (قوله: بأن مستحسن) أى بأن الإتيان بالأمر الذى تستحسنه ذوو الطباع. (قوله: بأسرها) أى: بجميعها، والأسر فى الأصل: القيد الذى يشدّ به الأسير، يقال: ذهب الأسير بأسره أى: بقيده، ومن لوازم ذلك ذهابه بجميعه، وذلك اللازم مراد هنا، فقد أطلق اسم الملزوم وهو الأسر، وأريد اللازم وهو الجميع، وهذا تأكيد لما استفيد من (أل) الاستغراقية. (قوله: ومقبول الأسماع) أى: ولعلمى بأن الإتيان بالأمر الذى تقبله الأسماع، أى: ذوو الأسماع. (قوله: عن آخرها) أى: إلى آخرها أى من أولها إلى آخرها ف" عن" بمعنى" إلى" الغائية، وفى الكلام حذف المبتدأ وهو تأكيد؛ لأن" أل" الاستغراقية فى" الأسماع" تفيد ذلك الشمول، ويصح جعل" عن" باقية على حالها، وهى متعلقة بمحذوف أى: قبولا ناشئا عن آخرها، وإذا نشأ ذلك القبول عن الآخر كان ناشئا عن غيره بالأولى، فاندفع ما يقال: إن نشأة القبول عن آخر الأسماع لا تشمل جميع الأسماع، إذ قد بقى الأول، وما بين الأول والآخر وهو الوسط، فلا يصح قوله بعد ذلك: (أمر لا تسعه ... ) إلخ، وأجاب عنه بعضهم بجوابين غير ما مر: الأول منهما: أن ذلك التعبير يستلزم عرفا نشأة القبول عن الجميع، باعتبار أنه أسند القبول أولا إلى" الأسماع" المحلى ب (أل) الاستغراقية، ثم قيده بالصدور عن الآخر على سبيل التوكيد؛ دفعا لتوهم عدم الوصول إليه. والثانى منهما: أن فى العبارة حذفا، والمعنى: عن آخرها إلى أولها. وفى هذا الجواب الثانى نظر من وجهين: الأول: أن" إلى" للانتهاء؛ فالمناسب دخولها على" آخر" لا على" الأول". الثانى: أن" إلى" إنما تقابل ب" من" لا ب" عن"، وأجيب عن الأول: بأن فى الكلام قلبا، والأصل: عن أولها إلى آخرها، وعن الثانى: بأن" عن" تأتى بمعنى" من"، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي

стр. 40

مقدرة البشر، وإنما هو شأن خالق القوى والقدر، وأن هذا الفن قد نضب اليوم ماؤه فصار جدالا ... === يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ (١) أى: منهم. (قوله: مقدرة البشر) بضم الدال وفتحها مصدر ميمى بمعنى قدرتهم، وأما المقدرة بمعنى اليسار فبالضم لا غير. (قوله: القوى) جمع قوة، والقدر جمع قدرة، وعطف القدر على القوى عطف خاص على عام؛ لصدق القوى بقوة السمع والبصر، ومعلوم أن خالق ما ذكر من القوى والقدر هو الله تعالى. (قوله: وأن هذا الفن) عطف على قوله: (بأن مستحسن)، أى: ولعلمى بأن هذا الفن ... إلخ، أى: وحينئذ فالتعب فيه والاختصار ليس له كبير فائدة؛ لاضمحلاله وقلة المشتغلين به. (قوله: قد نضب اليوم ماؤه) يقال: نضب الماء ينضب كقعد يقعد، إذا غار، شبّه ذهاب هذا الفن بنضوب الماء وغوره، بجامع عدم الانتفاع، واستعير النضوب للذهاب واشتق من النضوب نضب بمعنى ذهب، والماء ترشيح إما باق على حقيقته أو مستعار لمسائل هذا الفن، أو شبه مسائل الفن النفيسة بالماء بجامع أن كلّا سبب فى الحياة، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة المصرحة، ونضب ترشيح إما باق على حقيقته أو مستعار ل" ذهب" على طريق التبعية، أو شبّه الفن بنهر تشبيها مضمرا فى النفس على طريق المكنية، والماء تخييل، والنضوب ترشيح، وهما إما باقيان على حقيقتهما لم يقصد بهما إلا تقوية الاستعارة، أو الماء مستعار للمسائل والنضوب للذهاب، ومعنى التركيب: وأن هذا العلم قد ذهب مسائله الحسان، وذهابها بذهاب أهل هذا الفن، ومراده ب" اليوم": زمان الشرح وما قرب منه مما قبله. (قوله: فصار) أى ذلك الفن جدالا أى: خصومة، أى: صار التكلم فيه جدالا، أو صار الفن محل جدال، فلا بد من تقدير فى الكلام، وإلا فالفن ليس جدالا اللهم إلا أن يكون جعله جدالا قصدا للمبالغة،

стр. 41

بلا أثر، وذهب رواؤه فعاد خلافه بلا ثمر، حتى طارت بقية آثار السلف أدراج الرياح، ... === (وقوله: بلا أثر) أى: بلا فائدة؛ وذلك لعدم وقوف متعاطيه على حقائق أسراره فيتكلمون بظواهره. (قوله: وذهب رواؤه) بضم الراء والمد أى منظره الحسن، استعارة للطائفه على طريق المصرّحة، أو شبه الفن بإنسان ذى منظر حسن، بجامع الرغبة فى كل على طريق المكنية، وإثبات الرواء تخييل إما باق على حقيقته لم يقصد به إلا تقوية الاستعارة، أو استعارة لمسائله اللطيفة وأسراره، وذهابها بذهاب من يعرفها لا بنسيانها. (قوله: فعاد) أى: فصار ذلك الفن، أى: صار التكلم فيه خلافا، أو صار ذلك الفن محل خلاف، أو فى الكلام مبالغة. (وقوله: بلا ثمر) أى: فائدة، ويحتمل أن الكلام فيه تشبيه بليغ بحذف الكاف أى: فصار ذلك الفن كخلاف أى: كشجر الخلاف وهو المسمى بالصفصاف، وهو لا ثمر له؛ وعلى هذا فقوله: (بلا ثمر) بيان للواقع، ثم إنّ هذه السجعة بمعنى ما قبلها لكن الخطب محل إطناب. (قوله: حتى طارت ... إلخ) أى واستمر هذا الفن فى الاضمحلال شيئا فشيئا إلى أن طارت، ف" حتى" للانتهاء، ويصح أن تكون تعليلية، والسلف فى الأصل: من تقدّمك من آبائك، والمراد هنا علماء هذا الفن؛ لأنهم آباء فى التعليم، والمراد ببقية آثارهم ما بقى من فوائدهم وعلومهم أو ما بقى من تلامذتهم المقررين لقواعد هذا الفنّ الناشرين لها بالإفادة، وفى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه بقية آثار أهل هذا الفن بطائر، وإثبات الطيران تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار للذهاب. (قوله: أدراج الرياح) الأدراج جمع درج بفتح الدال وسكون الراء، ودرج الكتاب طيّه، يقال: درج الكتاب درجا أى: طواه طيّا، والمراد بها الطرق، أى: ذهبت بقية آثار السلف فى طرق الرياح، ويلزم من ذلك عدم وجودها بالمرة؛ لأن عادة الريح أن تزيل ما مرت به فى طريقها، فعبر بالملزوم وأراد اللازم؛ وعلى هذا فالأدراج منصوبة على الظرفية، ويصح أن يراد بالأدراج الأحوال، وحال الرياح طيرانها وذهابها بسرعة؛ وعلى هذا فأدراج نصب على الحال على حذف مضاف، أى: طارت بقية آثار السلف

стр. 42

وسالت بأعناق مطايا تلك الأحاديث البطاح ... === فى حال كونها مثل طيران الرياح، أو على المفعولية المطلقة على حذف الموصوف والصفة أى طارت طيرانا مثل طيران الرياح، فالحاصل: أن أدراج الرياح يجوز فيه الأوجه الثلاثة: النصب على الظرفية، والحالية، والمفعولية المطلقة، لكن فى الأول شىء وهو أن اسم المكان لا ينصب على الظرفية باطراد إلا إذا كان مبهما، وإلا جرّ ب" فى"، وأما قوله: كما عسل الطّريق الثّعلب (١) أى: اضطرب فى الطريق الثعلب، فضرورة. (قوله: وسالت) أى: سارت، شبه السير بالسيلان، واستعير له اسمه، واشتق من السيلان سالت بمعنى سارت، وإنما عبر ب" سالت" دون سارت إشارة إلى أن السير لقوته بمثابة سيل الماء، و (البطاح) جمع أبطح على غير قياس، والقياس أباطح، والأبطح هو المحل المتسع فيه دقاق الحصى، وهو فاعل لسالت، وإسناد السيل لها مجاز عقلى، وأصل التركيب: وسارت المطايا بتلك الأحاديث فى البطاح؛ لأن السير حقه أن يسند للمطايا، فعدل عن التعبير بالسير إلى التعبير بالسيل لما قلنا من الإشارة، وعدل عن إسناد السير إلى المطايا إلى إسناده للأباطح مجازا عقليّا للمبالغة، كأنه من قوة السير وسرعته سارت أمكنته التى هى الأباطح. و(قوله: بأعناق) أى ملتبسا ذلك السير بالأعناق وإنما جعل سيلانها ملتبسا بالأعناق؛ لأن السرعة والبطء فى سير المطايا يظهران غالبا فيها وسائر الأجزاء تستند إليها فى الحركة، وتتبعها فى النقل والخفة، والمطايا فى الأصل الإبل، استعير لعلماء هذا الفن بجامع الحمل فى كل، فكما أن المطايا تحمل الأثقال كذلك العلماء تحمل العلم، والأعناق ترشيح، والمراد بالأحاديث أسرار هذا الفن، والبطائح هنا متجوز به عن أمكنة العلماء كالمدارس؛ وذلك لأنه فى الأصل اسم للمكان المتسع فيه دقاق الحصى أريد به مطلق موضع ثم أريد به موضع العلماء على طريق المجاز المرسل، وحينئذ فمعنى التركيب: وسارت المدارس ملتبسة بأعناق

стр. 43

وأما الأخذ والانتهاب فأمر يرتاح له اللبيب، فللأرض من كأس الكرام نصيب، ... === العلماء الشبيهين بالمطايا الحاملين لأسرار هذا الفن، والمقصد من هذا التركيب الإخبار بأن أسرار هذا الفن وعلماءه قد ذهبوا، بل ذهبت مواضعهم كذلك. (قوله: وأما الأخذ ... إلخ) أما تفصيلية مقابلها محذوف دلّ عليه مضمون الكلام السابق، أعنى قوله: (علما ... إلخ)، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والأصل: أما ما ذكرتم من تقاصر الهمم فذلك مما يرغب فى الاختصار ويحمل عليه، لولا أنى أعلم أن مستحسن ... إلخ، وأما الأخذ والانتهاب فليس مما يحمل على الاختصار؛ لأنه أمر يرتاح ... إلخ، والحاصل: أنهم عللوا طلب الاختصار منه بأمرين: تقاصر همم المحصلين، والأخذ والانتهاب، فأجابهم بأن ما ذكرتموه من مجموع الأمرين لا يقتضى الاختصار؛ فوقع فى ذهن السامع السؤال من ذلك النفى، فأجاب بقوله: أما التقاصر ... إلخ، وكثيرا ما يحذف المجمل المفصل ب" أما" ومعادلها، ويصح جعل" أما" لمجرد التأكيد والواو للاستئناف حينئذ، وسكت عن المسخ الصادر منهم؛ لأنه غير واقع فى شرحه بل فى عبارتهم؛ فلذا لم يحتج للاعتذار عنه. (قوله: يرتاح) أى: يفرح وينبسط له اللبيب أى كامل العقل الذى وقع الأخذ من كلامه لا الآخذ؛ وذلك لأن العاقل لا يرضى بالأخذ من كلام الغير ويرضى بكون الغير يأخذ من كلامه؛ لما فيه من الرفعة والثواب، وإذا كان أمرا يرتاح له اللبيب فلا يطلب قطعه بالاختصار؛ لأنى لو وضعت مختصرا لالتفت الناس إليه وأعرضوا عن تأليف المنتحلين، وإذا فات المنتحلين مرجوّهم من إقبال الناس على تأليفهم تركوا الانتحال. (قوله: فللأرض ... إلخ) هذا شطر بيت مأخوذ من قول بعضهم شربنا شرابا طيّبا عند طيّب ... كذاك شراب الطّيّبين يطيب شربنا وأهرقنا على الأرض جرعة ... وللأرض من كأس الكرام نصيب لكن الشارح أبدل الواو بالفاء لكونه جعله علة لما قبله، وفى الكلام تشبيه الشارح نفسه بالكرام، ونفس" المطوّل" بالكأس، والمنتحلين بالأرض، فمفردات التركيب

стр. 44

وكيف ينهر عن الأنهار السائلون، ولمثل هذا فليعمل العاملون ... === باقية على حقيقتها، والكلام على التشبيه بحذف المشبه، أو أن الكرام والكأس والأرض مستعارات، فالكرام مستعار للشارح، والكأس للمطول، والأرض للمنتحلين، ويصح أن يكون المركب استعارة تمثيلية حيث شبه الهيئة الحاصلة من رفعته عليهم وهم دونه وأخذهم من كلامه، بالهيئة الحاصلة من الأرض والشاربين من كأس ينزل شيء مما فيه عليها، واستعمل اللفظ الدال على الهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة. (قوله: وكيف ينهر) أى: يطرد عن الأنهار السائلون، أى: فكذلك أنا كيف أنهر هؤلاء المنتحلين الذين هم كالسائلين عن المطول الذى هو كالأنهار؟ ففى الكلام تشبيه ضمنى، أو أنه استعار الأنهار للمطول، واستعار السائلين للمنتحلين استعارة مصرحة، ولما كان المطول محتويا على علوم كثيرة بحيث يقوم مقام كتب عدة، شبهه بالأنهار لا بنهر واحد، ثم إن هذا الاستفهام إنكارى بمعنى النفى فى قوة تعليل ثان، أو إنه تعجبى فيكون ترقيا فيما أفاده من كونه لا ينبغى الالتفات لما طلبوه من الاختصار، واختار التعبير بالأنهار عن الأبحر لعذوبتها، واختار" ينهر" على" يطرد" لمجانسة الاشتقاق بين ينهر والأنهار. (قوله: ولمثل هذا فليعمل العاملون) هذا اقتباس من الآية، لكن الإشارة فى الآية للفوز العظيم من النعمة والأمن من العذاب، وأما هنا فللأخذ والانتهاب، وأفرد اسم الإشارة؛ لأنهما بمعنى واحد أو لتأويلهما بالمذكور، أى: ويعمل العاملون لمثل هذا الأخذ أى لنيل ثواب مثل هذا الأخذ؛ لما فيه من الرفعة الدنيوية والثواب الأخروى، لا للحظوظ النفسانية، وحينئذ فلا ينبغى قطعه بوضع مختصر، والفاء فى قوله: (فليعمل) زائدة لا تمنع من عمل ما بعدها فيما قبلها، أو أنها سببية واقعة فى جواب شرط مقدر، والتقدير: مهما يكن من شىء فليعمل العاملون لمثل هذا، حذف الشرط مع أداته اختصارا اعتمادا على الفاء، وقدم المعمول لإفادة الحصر، واستشكل بأن فاء السببية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأن لها الصدارة، والجواب: أنه لا يثبت لها هذا الحكم- أعنى الصدارة- إلا إذا وقعت فى موضعها من توسطها بين جملتين لفظا، فإن لم تتوسط بين

стр. 45

ثم ما زادتهم مدافعتى إلا شغفا وغراما، وظمأ فى هواجر الطلب وأواما، فانتصبت لشرح الكتاب على وفق مقترحهم ثانيا، ... === الجملتين لم تمنع من العمل المذكور كما هنا، على حد ما ذكروا فى قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (١) من أن الفاء واقعة فى غير محلها لعدم التوسط والمعمول مقدم لإفادة الاختصاص ولم تمنع الفاء من العمل فى ذلك المعمول. (قوله: ثم ما زادتهم مدافعتى ... إلخ) عبر بثم لإفادة تراخى زيادة الشغف والغرام عن ابتداء المدافعة الذى تضمنه قوله: (وكنت أضرب ... إلخ)، وفى التعبير بالمفاعلة إشارة لتكرر السؤال وتكرر الإعراض عنهم، أى: ما زادتهم مدافعتى لهم المرة بعد المرة بتركى إجابتهم إلا شغفا- أى حبّا شديدا- فى مطلوبهم الذى سألوه، يدخل ذلك الحب فى شغاف القلب أى جلدته التى هو فى داخلها، والغرام: الولوع. (قوله: وظمأ) هو العطش، استعير للرغبة استعارة مصرحة، والهواجر جمع هاجرة، وهى نصف النهار عند اشتداد الحر، وإضافتها للطلب من إضافة المشبه به للمشبه، أى: ورغبة فى الطلب الشبيه بالهواجر، بجامع الصعوبة على النفس فى كل، والمراد بالطلب: طلب اختصار المطول، أو أنه شبه الطلب باليوم الطويل الذى فيه هواجر بجامع الاشتمال فى كل ما يطلب دفعه على طريق المكنية، والهواجر تخييل، والأوام- بضم الهمزة- حرارة العطش، فعطفه على الظمأ من عطف اللازم على الملزوم، والمراد بالأوام هنا لازمه، وهو الميل والحب. (قوله: فانتصبت ... إلخ) أى فلما زادت رغبتهم ولم تمكن مدافعتهم تسبب عن ذلك أنى انتصبت، أى: تصدّيت وتعرضت وتفرغت. (قوله: على وفق مقترحهم) الجار والمجرور صفة لمحذوف أى انتصابا أو شرحا كائنا على وفق- أى موافقة- مقترحهم أى مطلوبهم، من كون ذلك الشرح مقتصرا فيه على بيان معانى المتن وكشف أستاره، وفى التعبير بمقترحهم دون مطلوبهم أو مسئولهم إشارة إلى أنهم سألوا ذلك من غير روية وفكر؛ لأن الاقتراح طلب الشيء من غير روية وفكر. (وقوله: ثانيا) صفة للمصدر المقدر بعد نعته بالجار والمجرور أى: انتصابا ثانيا أو شرحا ثانيا، ويحتمل أن يكون ظرفا أى انتصبت لشرح ذلك الكتاب فى زمن ثان.

стр. 46

ولعنان العناية ... === (قوله: ولعنان العناية) كان الأولى حذف الواو فيكون ثانيا الثانى حالا من فاعل" انتصبت"؛ لعدم ظهور ما يصلح لعطفه عليه؛ لأن" ثانيا" الأول إما صفة لمصدر محذوف أو ظرف، وعلى كل لا يصلح لعطف" ثانيا" الثانى عليه؛ لأن عطفه عليه يقتضى مشاركته له فى إعرابه. ولا يصح جعلها واو الحال؛ لأن الواو الحالية لا تدخل إلا على الجملة، ولا تدخل على المفرد، وقد يجاب: بأنه يمكن عطف" ثانيا" الثانى على الأول، وجعل" ثانيا" الثانى صفة للمصدر المحذوف كالأول لكن على سبيل الإسناد المجازى؛ لأن" ثانيا" الثانى بمعنى صارفا ومرجعا، وحق السرف والترجيع أن يسند للشخص فأسند لصفته، وهو الانتصاب، على حد: جدّ جده. ولك أن تجعل" ثانيا" الأول أيضا حالا من فاعل" انتصبت" أى: انتصبت فى حال كونى جاعلا ومصيرا للشرح ثانيا، وقوله: " ثانيا" الثانى فى حال أخرى معطوفة على الأولى مبينة لمجيئها حالا، وأورد على هذا أن الحال وصف مشتق وثان الذى من أسماء العدد ليس بمشتق، وأجيب: بأن" ثانيا" المذكور إذا كان بمعنى التصيير كان اسم فاعل حقيقة له فعل ومصدر، تقول: ثنيته ثنيا أى: صيرته اثنين بانضمامى إليه، لكن فى تعدية" ثان" الأول إلى الشرح على وجه المفعولية مجاز مرسل لعلاقة الإطلاق والتقييد؛ لأنه إنما يقال: ثناه بمعنى جعله بنفسه ثانيا لا جعل له شيئا غيره ثانيا، ويقال: ثنيته بمعنى صرت أنا له ثانيا، فهو موضوع لتصيير مقيد بجعل ذات الفاعل ثانية، ثم أطلق عن ذلك التقييد، ثم نقل إلى تصيير مقيد بجعل ذات المفعول ثانية، أو استعارة تبعية بأن شبه تصيير الشارح غيره ثانيا بتصييره نفسه ثانيا، بجامع ترتب الزوجية على كل، واستعير اللفظ الموضوع للثانى- وهو الثنى بنفسه- للأول، واشتق منه ثانيا على طريق التبع، أو تقدر فى" ثانيا" الأول حالا يعطف عليها" ثانيا" الثانى أى: انتصبت ثانيا مجتهدا ولعنان ... إلخ، أو تجعل فى الكلام فعلا محذوفا معطوفا على" انتصبت" فيكون" ثانيا" الثانى حالا من فاعله أى: واجتهدت أو شرعت ثانيا لعنان العناية. والعناية هى الهمة أى: الإرادة المصاحبة للتصميم، أو المراد بها الاعتناء والاهتمام، شبهها بدابة تشبيها مضمرا فى النفس على سبيل المكنية، وإثبات العنان بمعنى المقود تخييل.

стр. 47

نحو اختصار الأول ثانيا، مع جمود القريحة بصرّ البليات، وخمود الفطنة بصرصر النكبات، ... === (وقوله: نحو) ظرف ل" ثانيا" بعده، معناه: الجهة. (قوله: مع جمود القريحة) حال من فاعل" انتصبت" أو من" شرح"، والجمود بالجيم: عدم السيلان، استعير هنا لضعف القريحة أى عدم انبساطها وعدم توغلها فى المدارك، بجامع قلة الانتفاع إلا بعد تكلف، أو أنه شبه القريحة بماء على طريق المكنية، وإثبات الجمود تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار لضعف الفطنة، والقريحة فى الأصل اسم لأول مستنبط من ماء البئر استعير لأول ما يستنبط من العلم أو لما يستنبط منه مطلقا، بجامع أن كلّا منهما سبب للحياة، فالماء سبب لحياة الجسم، والعلم سبب لحياة الروح، ثم أطلق على العقل؛ لأنه محل العلم أو بعضه- أى بعض ضروريّه، على مذهب إمام الحرمين (١) - مجازا مرسلا علاقته الحالية أو الكلية، أو استعارة ثم صار إطلاقه عليه حقيقة عرفية. (قوله: بصرّ البليات) أى: بسبب البليات التى كالصر، وهو برد شديد يضر بالنبات ويجمد الماء. (قوله: وخمود الفطنة) الخمود- بالخاء المعجمة-: سكون لهب النار، والفطنة فى الأصل: الفهم، والمراد بها هنا الذهن بمعنى العقل، إما مجازا مرسلا علاقته الحالية، أو حقيقة عرفية، ولا يخفى ما فى الكلام من الاستعارة بالكناية حيث شبه فطنته بالنار بجامع الانتشار فى كل؛ لأن الفطنة تنتشر فى المدارك كما أن النار تنتشر فى الحرق، والخمود تخييل. (قوله: بصرصر النكبات) الصرصر: الريح الشديدة العاصفة، وإضافته للنكبات بمعنى المصائب وحوادث الدهر من إضافة المشبه به للمشبه، أى: بالنكبات الشبيهة بالريح

стр. 48

وترامى البلاد بى والأقطار، ونبوّ الأوطان عنى والأوطار، حتى طفقت أجوب كل أغبر قاتم الأرجاء، وأحرر كل سطر منه فى شطر من الغبراء ... === العاصفة المزيلة للهب النار، كما أن النكبات مزيلة لانتشار الفطنة فى المدارك، ولا يخفى ما فى جميع هذه الألفاظ- أى الجمود والصر والخمود والصرصر- من اللطافة؛ لما فيه من مراعاة النظير، وهو الجمع بين الشىء وما يناسبه لا بالتضاد؛ لأن البرد يناسبه الجمود؛ لأن به يحصل جمود الماء، والريح العاصفة تناسب الخمود؛ لأنها لشدتها تذهب النار، وفى إضافة الجمود إلى القريحة والخمود إلى الفطنة، المفضية إلى تشبيه طبيعته العقلية بالماء، إشارة إلى جودتها واعتدالها بأخذها طرفى الحرارة والبرودة، ولا يرد أن المقام للتّشكّى، وهو لا يكون بما يحمد؛ لأن الجودة باعتبار الأصل، والتشكى باعتبار ما عرض من الجمود والخمود. (قوله: وترامى البلدان) أى: ومع ترامى- أى رمى- كل بلدة بى الأخرى، ورمى البلد له: طرده إياه، وهو كناية عن تكدر خاطره فى ضيق المعاش، وعدم استقراره فى محل؛ لتلبسه بالأسفار، فهو لعدم وجود راحته فى تلك البلاد الخارج منها صار كأن كل بلدة تطرده للأخرى، وفى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه البلدان والأقطار بعقلاء على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الترامى تخييل، أو فى الكلام حذف مضاف، أى: ترامى أهل البلدان، والأقطار جمع قطر، وهو مجموع بلاد كثيرة، ولما كان لا يلزم من ترامى البلاد له ترامى الأقطار عطف الأقطار على البلدان. (قوله: ونبو) أى ومع نبو- أى بعد- الأوطان عنى والأوطار، أى ومع نبو الأوطار جمع وطر بمعنى الحاجة، ومن لوازم ذلك القلق وعدم الفهم. وإنما بعدت أوطانه وأوطاره بسبب سفره المانع من نيلهما عادة. (قوله: حتى طفقت) غاية لنبو الأوطان، وطفقت بمعنى: جعلت، أى أنه لما بعدت عنى الأوطان انتهى بى الحال إلى أن جعلت أجوب أى: أقطع، ويحتمل أن" حتى" تفريعية على و" ترامى" ... إلخ. (قوله: كل أغبر) أى: كل مكان أغبر أى: ذى غبرة. (قوله: قاتم الأرجاء) جمع رجا بالقصر بمعنى: الناحية، أى مظلم النواحى بتلك الغبرة. (قوله: وأحرر) أى: أهذب وأخلص. (قوله: كل سطر منه) أى من هذا الشرح المختصر. (قوله: فى شطر من الغبراء) أى: فى قطعة من الأرض، فالتحرير ليس

стр. 49

يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبال ... عذيب يوما ويوما بالخليصاء ولما وفّقت بعون الله للإتمام وقوضت عنه خيام الاختتام، بعد ما كشفت عن وجوه خرائده اللثام، ... === متواليا حتى يكون مستقيما، وبين سطر وشطر الجناس المضارع لاختلافهما بحرفين متقاربى المخرج. (قوله: يوما بحزوى) أى: وصار حالى فى هذه الأسفار- من جهة عدم الانتظار بجامع التنقل- كحال القائل: يوما أكون بحزوى وأكون يوما آخر بالعقيق، وأكون بالعذيب يوما وأكون يوما بالخليصاء، وهذه الأربعة أسماء مواضع بالحجاز، والقصد من تشبيه حاله بحال هذا الشاعر الاعتذار بأنه ألف كتابه هذا فى حالة متعبة، فإن حصل منه هفوة فلا لوم عليه. (قوله: بعون الله) العون اسم مصدر بمعنى الإعانة، والباء للتصوير لا للسببية؛ لئلا يلزم سببية الشيء لنفسه؛ إذ الإعانة جعل الله فيه قوة، وهو عين التوفيق، إلا أن تكون متعلقة بالإتمام، ولا يضر تقدم معمول المصدر عليه إذا كان ظرفا على ما اختاره الشارح. (وقوله: للإتمام) أى: إتمام هذا المختصر، وفيه إشارة إلى أن الخطبة متأخرة عن تأليف هذا الشرح المختصر. (قوله: وقوضت) بالقاف والواو المشددة من التقويض، وهو نقض البناء من غير هدم، استعير للإزالة، ففى" قوضت" استعارة تبعية أو مجاز مرسل تبعى؛ لأن تقويض البناء يلزمه إزالته. (قوله: خيام الاختتام) من إضافة المسبّب إلى السبب، أى: الخيام المضروبة عليه بسبب اختتامه أى انتظار إتمامه، ولا يخفى ما فى الكلام من تشبيه الشرح قبل ختمه بشىء نفيس كعروس مستتر فى الخيام على طريق المكنية، وإثبات الخيام تخييل، والمراد من هذا الكلام: ولما وفقت لإتمامه وأظهرته للناس بعد أن كان مخفيّا قبل ذلك الإتمام، كما هو عادة المؤلفين. واعلم أن هذه النسخة هى المصححة بتصحيح الشارح، ولو قال: " خيام الختام" لكان أولى؛ لأن فيه جناس التصحيف، وفى بعض النسخ: (وقوضت عنه خيامه بالاختتام) أى بسبب حصول الاختتام بالفعل؛ لأن تقويض الخيام وإزالة الخفاء مسبّبة عن الاختتام؛ لأن الشرح قبل الاختتام كان مستورا فلما حصل الاختتام ظهر للطالبين، وفى بعضها: (وفضضت عنه ختامه بالاختتام) على تشبيهه قبل الاختتام بمكتوب ختم بنحو شمع فأزيل بسبب الاختتام ختامه ليطلع عليه الطالبون. (قوله: بعد ما كشفت ... إلخ)

стр. 50

ووضعت كنوز فرائده على طرف الثمام ... === متعلق بقوله: " قوضت"، والخرائد: جمع خريدة وهى الحسناء من النساء، استعارها للدقائق من المسائل بجامع الحسن والاحتجاب فى كلّ على طريق الاستعارة المصرّحة، و" اللثام": وهو ما يجعل على الفم من النقاب وكذلك" الوجوه" ترشيحان للاستعارة، ثم إن اللثام يجوز أن يكون باقيا على حقيقته لم يقصد به إلا تقوية الاستعارة، وكذلك الوجوه، ويجوز أن يكون استعار اللثام للخفاء، أو استعمله فى لازمه وهو الخفاء، واستعار الوجوه لأعظم تلك الدقائق استعارة مصرحة، وحينئذ فالمعنى: وأزلت عن أدق وأشرف مسائله الدقيقة الخفاء وألبستها ثوب الإيضاح. (قوله: ووضعت) أى وبعد ما وضعت كنوز فرائده، الكنوز: جمع كنز بمعنى مكنوز، وإضافته للفرائد من إضافة الصفة للموصوف أى: فرائده المكنوزة، أى التى شأنها أن تكنز وتخبأ لعزتها كما هو الشأن فى الأموال العزيزة، والفرائد: جمع فريدة وهى فى الأصل الدرة الثمينة أى ذات الثمن الكثير التى تحفظ فى ظرف على حدة، ولا تخلط بغيرها من اللآلئ لشرفها، والمراد بها هنا المسائل الدقيقة، شبه المسائل الحسان الدقيقة بالفرائد، واستعار الفرائد لها استعارة مصرحة. (قوله: على طرف الثمام) متعلّق ب" وضعت"، والمراد بطرفه حده الأعلى، والثمام- بضم الثاء وفتحها-: نبت لطيف سهل التناول، وما كان على طرفه يكون سهل التناول، والمراد من هذا الكلام أنه أتى بألفاظ سهلة يفهم منها المعنى بلا مشقة، فشبه الهيئة المنتزعة من بيان المراد بالألفاظ السهلة بالهيئة المنتزعة من حال فرائد موضوعة على طرف الثمام بجامع سهولة التناول، واستعير المركب الدال على الهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة على طريق الاستعارة التمثيلية، أو الكلام كناية عن سهولة أخذها وتحصيلها وتيسر طريق الوصول إليها؛ لأنه يلزم من وضعها على طرف الثمام ما ذكر من سهولة الأخذ والتحصيل، ويجوز أن يكون المراد بطرف الثمام حالته، وحينئذ فيكون الظرف متعلقا بمحذوف حالا، أى: وضعت وألفت فرائده المكنوزة وضعا وتأليفا آتيا على حالة الثمام من سهولة التناول، وعلى هذا الاحتمال فليس فى الكلام تجوّز ولا استعارة.

стр. 51

سعد الزّمان وساعد الإقبال ... ودنا المنى وأجابت الآمال وتبسم فى وجه رجائى المطالب، بأن توجهت تلقاء مدين المآرب، ... === (قوله: سعد الزمان) أى: بظهور الخير فيه، وإسناد السعد للزمان مجاز عقلى أى: سعدت فى زماني، وهو جواب" لما". (قوله: ساعد الإقبال) أى: وساعدنى إقبال الناس على تحصيل أغراضي؛ لأن من أعرض الناس عنه تعسر عليه تحصيل مطلوبه، ومن أقبل الناس عليه يسهل عليه تحصيل مطلوبه، وإسناد المساعدة للإقبال مجاز عقلى؛ لأن حق المساعدة أن تسند للناس لا لإقبالهم. (قوله: ودنا المنى) أى: قرب ما أتمناه بظهور أمارته بعد أن كان بعيدا. (قوله: وأجابت الآمال) جمع أمل، وهو ما يؤمله الشخص ويترجاه أى أن آماله أجابته وحصلت له بعد أن كانت ممتنعة، وإسناد الإجابة للآمال مجاز عقلى إذ الحقيقة أجابنى الله فى آمالى بأن حصل لى ما أؤمله أو أنه شبه الآمال بشخص يجيب بعد الطلب بجامع النفع فى كل، وأجاب تخييل. (قوله: وتبسم) عطف على" سعد"، و" المطالب" فاعله، وشبّه المطالب بإنسان مرغوب فيه العطاء، لا يقابل سائله إلا بالبشر والتبسم، وشبه الرجاء بإنسان طالب استعارة بالكناية فيهما، وإضافة الوجوه إلى الرجاء، والتبسم إلى المطالب تخييل، وتبسم المطالب فى وجه الرجاء كناية عن إقبال المطالب بعد اليأس منها. (قوله: بأن توجهت) سبب للأفعال الخمسة قبله، والمسبب مع سببه مرتبان على الشرط، وهو التوفيق أى إنى لما وفقت للإتمام سعد الزمان وساعد الإقبال ودنا المنى ... إلخ؛ بسبب توجهى فاندفع ما يقال: إنه قد جعل السبب فى الأفعال الخمسة التوفيق المتقدم لتعلقها به حيث قال: " ولما وفقت ... إلخ سعد الزمان ... إلخ، وهنا قد جعل السبب فيها التوجه المذكور أو يجاب بأن" لما" هنا ليست للتعليق بل لمجرد الزمان بمعنى حين لدخولها على الماضى أو يقال ... إنها للتعلق وجوابها" سعد" وما بعده وأما قوله: " بأن توجهت" فهو سبب لقوله: " وتبسم ... إلخ" وحده، ولا يخفى عليك ما فى كلام الشارح من حسن التخلص. (قوله: تلقاء مدين المآرب) أى: جهة مدين التى هى موضع لاجتماع المآرب أى: المقاصد ثم إن مدين فى الأصل اسم لقرية شعيب- على نبينا وعليه أفضل- الصلاة والسّلام-

стр. 52

حضرة من أنام الأنام فى ظل الأمان، وأفاض عليهم سجال العدل والإحسان، ... === استعيرت هنا للملك الموصوف بالأوصاف الآتية بجامع أن كلا منهما مكان لحصول المآرب، فالمعنى تلقاء ملك شبيه بمدين بجامع أن كلّا منهما مكان لحصول المقاصد، واعترض بأن مدين علم، والأعلام لا تصح استعارتها. قلنا: استعارتها للملك بعد تأويلها بكل وهو موضع اجتماع المطالب كما قالوه فى حاتم ولا يخفى ما فى قوله" بأن توجهت ... إلخ" من التلميح لقصة موسى مع شعيب حيث توجه له موسى ناحية مدين وحصل له المقصود فيها. (قوله: حضرة) بدل من مدين والحضرة فى الأصل مكان الحضور أطلقت على الملك نفسه مجازا من باب إطلاق المحل على الحال، ولا شك أن ذات الملك مكان لحصول المآرب وصدورها. (قوله: من أنام الأنام) أى: الخلق أى جعلهم نائمين. (قوله: فى ظل الأمان) أى: فى الأمان الشبيه بالظل فى الارتياح بكل أو أنه شبّه الأمان ببستان ذى ظل على طريق المكنية وإثبات الظل تخييل، و" أنام" ترشيح أو أنه أطلق الظل وأراد به لازمه وهو الراحة؛ لأنه يقتضيها عادة أى: من صير الخلق نائمين فى راحة الأمان. (قوله: وأفاض) أى: أنزل بكثرة من أفاض الماء فى الحوض أنزله فيه حتى فاض ونزل من جوانبه استعارة ل" أظهر"، والسجال: جمع سجل اسم للدلو الممتلىء ماء، فإن كان الدلو خاليا عن الماء قيل له: غرب، وإضافة السجال لما بعده من إضافة المشبه به للمشبه أى: وأظهر فيهم العدل والإحسان الشبيهين بالدلاء الممتلئة بالماء بجامع أن كلّا منهما به حياة النفس؛ لأن الدلو المذكور به حياة النفس من حيث الماء الذى فيه، وكذا العدل والإحسان بهما حياة النفس الكاملة؛ لأن الناس عند كثرة الظلم يكونون فى حكم الأموات، وإن كانوا أحياء، و" أفاض" ترشيح للتشبيه مستعار ل" أظهر" كما علمت، أو أنه شبه العدل والإحسان بماء بجامع الإحياء تشبيها مضمرا فى النفس على طريق الاستعارة بالكناية، و" السجال" تخييل أو أنه شبه حال الملك مع رعيته فى كثرة عدله وإحسانه إليهم بحال السجل المفاض ماء ليرتوى به، واستعمل المركب الدال على الثانى

стр. 53

وردّ بسياسته الغرار إلى الأجفان، وسدّ بهيبته دون يأجوج الفتنة طرق العدوان، وأعاد رميم الفضائل والكمالات منشورا، ... === فى الأول على طريق الاستعارة التمثيلية. (قوله: بسياسته) السياسة: التدبير وحسن التصرف فى أمور الرعية، و" الغرار"- بكسر الغين المعجمة وبالراء المهملة- بمعنى النوم، والأجفان: جمع جفن وهو ما يحيط بالعين من أعلى وأسفل وهذا كناية عن كثرة الأمن والرفاهية فى زمنه التى يكون معها النوم وعدم المقاتلة بين الرعية الذى كان مفقودا قبل زمانه، والحاصل أن الأجفان قبل وجوده كانت خالية عن النوم، ومن لوازم ذلك حصول المشقة، ولما وجد هذا السلطان رد النوم للعين، ومن لوازم ذلك حصول الراحة، ويطلق الغرار أيضا على حد السيف، والجفن على غمده، ويصح إرادة ذلك هنا أى: أنه أرجع السيوف إلى أغمادها بعد ما كانت مسلولة زمن الفتنة بإطفائه نارها بحسن سياسته، ففى الغرار والجفن على هذا إيهام، وما أحسن قول بعضهم: بين السّيوف وعينيه مشاكلة ... من أجلها قيل للأغماد أجفان (قوله: وسد بهيبته) أى: بسبب هيبته، والهيبة: حال يقوم بالشخص يوجب خوف الناس منه، والمراد به هنا لازمه، وهو الخوف منه، وقوله: " دون" ظرف بمعنى أمام. (قوله: يأجوج الفتنة) من إضافة المشبه به للمشبه أى: الفتنة التى هى فى فسادها وكثرتها شبيهة ب" يأجوج". (وقوله: طرق العدوان) مفعول" سدّ"، والعدوان: التعدى والظلم، وطرقه أسبابه، والمراد بالعدوان الفتنة؛ فهو إظهار فى محل الإضمار أى: وسدّ بهيبته أمام الفتنة الشبيهة ب" يأجوج" طرقها، وحاصله: أن الفتنة كانت قادمة ومتوجهة على الرعية فسدّ هذا السلطان طرق التعدى قدامها فلم تصل للرعية. (قوله: وأعاد رميم الفضائل) الرميم هو العظم البالى، والفضائل: جمع فضيلة، وهى ما يمدح به الإنسان من الأخلاق، والكمالات: جمع كمال، فهو أعم من ذلك؛ فهو ما يمدح به الإنسان من الأخلاق أو غيرها كالعلم، فشبه" الفضائل" و" الكمالات" بالموتى فى ذهابها واضمحلالها منذ أزمان على طريق الاستعارة بالكناية، وأضاف إليها العظام الرميمة أى: البوالى تخييلا، ونسب إلى الممدوح أنه أعادها منشورة أى: مبعوثة بعد موتها

стр. 54

ووقع بأقلام الحظيات على صحائف الصفائح لنصرة الإسلام منثورا، وهو السلطان الأعظم، مالك رقاب الأمم، ... === ترشيحا، ويصح أن تكون الإضافة بمعنى من أى الرميم من الفضائل والكمالات، وعلى هذا فيكون" الرميم" استعارة للمضمحل من الفضائل، والكمالات من الميت المتجوز إليه بالرميم عن العظم البالى، فهو مجاز على مجاز، وهذا أوفق بقوله: " منشورا"؛ فإن النشر للميت جميعه لا لعظمه فقط، ويصح أن يكون من إضافة الصفة للموصوف، فالرميم استعارة كما مر أو من إضافة المشبه به للمشبه، وعلى هذا فالرميم حقيقة. (قوله: ووقع) التوقيع فى الأصل الكتابة أريد بها لازمها وهو التأثير، وإضافة" أقلام" إلى" الحظيات" من إضافة المشبه به للمشبه أى: الحظيات التى كالأقلام فى التأثير بها، و" الحظيات"- بضم الحاء بعدها ظاء مشالة ثم ياء مشددة- جمع حظية بالتصغير سهم صغير قدر ذراع ليس فيه نصل، فإن كان فيه نصل قيل له: حظوة بفتح الحاء، وقد تضم، و" الصفائح" جمع صفيحة- بتقديم الفاء- سيوف أعدائه العراض، وإضافة" الصحائف" جمع صحيفة- بتقديم الحاء- بمعنى الورقة إلى" الصفائح" من إضافة المشبه به للمشبه أى: الصفائح التى كالصحائف بجامع أن كلّا يؤثر فيه غيره، وقوله: " لنصرة الإسلام" متعلق ب" وقع"، والمنثور فى الأصل الكلام المكتوب أريد به لازمه وهو التأثير، والمعنى: أن هذا الممدوح أثّر بالسهام الصغيرة الشبيهة بالأقلام فى سيوف أعدائه العريضة الشبيهة بالأوراق تأثيرات وتكسيرات ككتابة كلام منثور، واختار الشارح التعبير بالحظيات دون الحظوات ودون السهام؛ إشارة لقوة ذلك الملك حيث يقمع الأعداء بالسهام الصغيرة التى لا نصل لها، وتخصيص المنثور بالذكر؛ لأنه أغلب من النظم، وهذا الكلام كناية عن إبطال آلات أعدائه وإضعاف قواهم وعزمهم، وفيه من المبالغة فى مدحه وذم أعدائه ما لا يخفى حيث جعل لأضعف آلاته التأثير فى أقوى آلات أعدائه فما بالك بأقوى آلاته وأضعف آلاتهم، وبين" الصحائف" و" الصفائح" الجناس المقلوب. (قوله: السلطان) من السلاطة، وهى القهر. (قوله: الأعظم) أى: لا وزيره. (قوله: مالك رقاب الأمم) أى: ذواتهم، وإنما عبّر ب" الرقاب"؛ لأن أثر الملك يظهر غالبا فيها

стр. 55

ملاذ سلاطين العرب والعجم، ملجأ صناديد ملوك العالم، ظل الله على بريته وخليفته في خليقته، حافظ البلاد، وناصر العباد، ما حى ظلم الظلم ... === لأن العبد غالبا يخضع لسيده بعنقه، والمراد بكونه مالكا لهم أنه أمالهم إليه بالإحسان إليهم، والقهر لهم وإلا فهم أحرار، و" الأمم" جمع أمة تطلق على الجماعة وعلى المفرد. (قوله: ملاذ) أى: مفزع سلاطين العرب والعجم فى دفع ما لا يطيقون، وبين" العرب" و" العجم" التضاد؛ فالجمع بينهما جناس الطباق. (قوله: ملجأ صناديد ... إلخ) أى: مهرب الشجعان من الملوك الكائنين فى العالم، فهو لزيادة شجاعته على شجاعتهم يهربون إليه عند اشتداد الأمر عليهم. (قوله: ظل الله) تسميته ظلّا؛ لأنه يلجأ إليه كما يلجأ إلى الظلّ من الحرّ، ففيه استعارة مصرحة حيث شبه السلطان ب" ظل"؛ لأن كلا منهما يلجأ إليه لدفع الضرر؛ فالسلطان يلجأ إليه في دفع حوادث الدهر، والظل يلجأ إليه لدفع حر الشمس، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة المصرحة، وإضافة" الظل" إلى" الله"؛ لأنه البارئ له. واعلم أن الظلّ ظلمة تنشأ بخلق الله عند حجب الجرم الكثيف للنور عن الأرض، والظلمة كالنور عرضان قائمان بكرة الهواء. (قوله: وخليفته فى خليقته) الخليفة فى الأصل كل من خلف غيره فى أمر من الأمور ثم جعل اسما لمن خلف غيره فى الملك أى: أنه أعطاه الله قوة وعدلا يحكم به فى العباد فقد خلف المولى بحسب الظاهر. (قوله: حافظ البلاد) أى أهل البلاد من الشرور، ويحتمل أنه حامى نفس البلاد، وأنه لولا هو لخربت. (قوله: وناصر العباد) ممن يتعدى عليهم بالظلم، والمراد: العباد المؤمنين والداخلين تحت ذمته من الكفار. (قوله: ما حى ظلم الظلم) الكلمة الأولى جمع ظلمة، والثانية مفرد بمعنى التصرف فى ملك الغير بغير حقّ، والإضافة من قبيل إضافة المشبه به للمشبه أى ما حى الظلم الذى كالظلم فى القبح وعدم الاهتداء، وفى تشبيه الظلم ب" الظلم" إشارة إلى أن ذلك الظلم الذى محاه وأزاله كان كثيرا، ويحتمل أنه شبه الظلم بالليل تشبيها مضمرا فى النفس،

стр. 56

والعناد، رافع منار الشريعة النبوية، ناصب رايات العلوم الدينية، خافض جناح الرحمة لأهل الحق واليقين، ... === و" الظلم" تخييل، وبين" الظلم" و" الظلم" الجناس المصحف شكلا، وأما بين" خليفته" وخليقته فالجناس المصحف لفظا أو المضارع (قوله: والعناد) قيل: هو الميل عن الحق، وعدم الانقياد إليه، وقيل: هو المكابرة أى إنكار الحق بعد العلم به. (قوله: رافع منار الشريعة إلخ) " الشريعة" هى الأحكام الشرعية شبهت بمسجد على طريق المكنية، و" المنار" تخييل أو أن رفع منار الشيء يستلزم إظهار الشيء، فأطلق اسم الملزوم وأريد اللازم، والمعنى: أن الشريعة بعد أن كانت مهملة تقريرا أو عملا رفع شأنها وأظهرها بكثرة تقريرها، وحمل الناس على العمل بها أو أنه شبّه أدلة الشريعة ب" منار"، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق المصرحة، وحينئذ فالمراد أن أدلة الشريعة انخفضت، وهذا الملك رفعها بالتفات الناس إليها. (قوله: ناصب رايات ... إلخ) المراد بنصبها رفعها، و" الرايات" جمع راية؛ بمعنى العلم، وإضافة" رايات" للعلوم من إضافة المشبه به للمشبه أى: أنه رافع للعلوم الدينية التى هى كالرايات بجامع أن كلّا بهجة لأهله، أو شبّه العلوم الدينية بجيش عظيم بجامع حصول المقصود بكل استعارة مكنية، و" الرايات" تخييل. (قوله: خافض جناح ... إلخ) فى ضمير" خافض" استعارة بالكناية شبّه الملك بطائر يخفض جناحه على أفراخه بجامع الشفقة والحنو تشبيها مضمرا فى النفس، و" الجناح" تخييل، و" الخفض" ترشيح، والأول مستعار للجانب، والثانى للين، وإضافة" جناح" إلى" الرحمة" لمجرد الملابسة إذ الرحمة التى هى سبب لخفض ملابسة للجناح، والمعنى: خافض جناحه الملابس للرحمة لأهل الحق أى: لأجلهم أو عليهم، و" الحق" على أنه مصدر مطابقة الواقع للكلام، وعلى أنه صفة مشبهة الكلام الذى طابقه الواقع، واليقين هو الاعتقاد الجازم عن دليل، والمعنى: أنه خافض جناحه الملابس للرحمة لأجل العلماء الذين كلامهم مطابق للواقع، ومعتقدين ما يقولون اعتقادا جازما عن دليل، وأما أهل الكبر والمعاصى فيتكبر عليهم بمعنى أنه يعرض عنهم وينكر عليهم حالهم، وليس المراد أنه يعظم نفسه عليهم.

стр. 57

مادّ سراد (١) الأمن بالنصر العزيز والفتح المبين: كهف الأنام ملاذ الخلق قاطبة ... ظلّ الإله جلال الحقّ والدّين أبو المظفر السلطان محمود جانى بك خان، خلد الله سرادق عظمته ... === (قوله: سرادقات) جمع سرادق، وهو الخيمة التى تمد فوق صحن الدار لأجل دفع حر الشمس مثلا، وإضافة" السرادق" للأمن من إضافة المشبه به للمشبه، والجامع اندفاع الضرر مع كل، " والمدّ" ترشيح أو شبّه" الأمن" بدار بجامع الحفظ، واندفاع الضرر فى كل تشبيها مضمرا فى النفس على طريق المكنية، و" السرادق" تخييل، و" ماد" ترشيح مستعار ل" مجدد". (قوله: بالنصر) أى: الحاصل ذلك الأمن بالنصر على الأعداء. (قوله: العزيز) الذى لم يحصل نظيره لأحد من السلاطين. (قوله: المبين) أى: البين الواضح لكل أحد، وهو من أبان بمعنى بان بمعنى ظهر واتضح، والمراد ب" الفتح": فتح بلاد العدو. (قوله: كهف الأنام) أى: ملجؤهم، و" الكهف" فى الأصل هو غار الوحش فى الجبل؛ شبّه السلطان بكهف بجامع الالتجاء إلى كل، فالسلطان يلجأ إليه أهل مملكته، والكهف يلجأ إليه الوحش، واستعير اسم المشبه به للمشبه. (قوله: ملاذ) أى: ملجأ، وقوله: " قاطبة" بمعنى جميعا. (قوله: جلال الحق) أى عظمة الحق، وقد مرّ معناه، وقوله: " والدين" أى: وجلال الدين وعظمة الأحكام الشرعية مبالغة على حد زيد عدل، والمراد: أن الحق والدين يعظمان بسببه فى صدور الخلق، وهما بدون ذلك الملك حقيران. (قوله: أبو المظفر) كنيته، (وقوله: " محمود") اسمه، وأعاد لفظ السلطان مع تقدمه فى قوله: " وهو" السلطان الأعظم" تأدبا؛ لأنه يستقبح عادة أن يؤتى باسم السلطان من غير أن يلصق بجانبه وصفه بالسلطنة. (قوله: جانى بك خان) لقبه، ومعناه بالفارسية: روح كبراء السلاطين؛ لأن" جانى" معناه: روح، " وبك"- بفتح الباء وسكون الكاف- معناه: كبير، و" خان" معناه: السلطان، ويراد من" بك" و" خان" الجمع كما قلنا (قوله: سرادق عظمته) أى: خيمة عظمته، فشبّه" العظمة" ب" ملك" تشبيها مضمرا فى النفس على طريق المكنية، وإثبات" السرادق" بمعنى الخيمة تخييل أو أن إضافة" السرادق" للعظمة من إضافة المشبه به للمشبه أى:

стр. 58

وجلاله، وأدام روى نعيم الآمال من سجال إفضاله، فحاولت بهذا الكتاب التشبث بأذيال الإقبال، والاستظلال بظلال الرأفة والإفضال؛ ... === أدام الله عظمته وجلاله اللذين هما كالسرادق فى الارتياح والالتجاء لكل، و" الجلال" مرادف للعظمة. (قوله: وأدام روى (١) ... إلخ) الروى- بالكسر والقصر- بمعنى الارتواء، وقوله: " نعيم" بمعنى: تنعم، وفيه استعارة بالكناية حيث شبهه بزرع أو إنسان يرتوى، وإثبات الروى تخييل، و" سجال" ترشيح، وقوله: " الآمال" على حذف مضاف أى: نعيم أهل الآمال أو أن إسناد" التنعم" للآمال مجاز عقلى إذ المتنعم أهلها، وقوله: " من سجال" متعلق ب" روى"، وفى إفضاله استعارة بالكناية حيث شبهه ب" ماء" بجامع الإحياء، و" سجال" تخييل، ويصح أن تكون إضافة" الروى" للنعيم من إضافة المشبه به للمشبه، وكذلك إضافة" السجال" للإفضال أى: أدام الله تنعم أهل الآمال الشبيه بالارتواء من إفضاله الشبيه ب" السجال" أى: دلو الماء بجامع الفيضان فى كل، ويصح أن تكون إضافة" نعيم" ل" أهل" الآمال" من إضافة الصفة للموصوف أى: أدام: الله ارتواء أهل الآمال المنعمة من سجال الإفضال، هذا كله على كسر الراء من" روى"، وقصره، ويصح فتح الراء مع المد، ومعناه: الماء العذب، وضم الراء مع المد أيضا، ومعناه: المنظر الحسن وعليهما تكون إضافة رواء ل" نعيم" بمعنى التنعم من إضافة المشبه به للمشبه أى: أدام الله تنعم أهل الآمال الشبيه بالماء العذب أو المنظر الحسن بجامع الاشتياق لكل، من إفضاله الشبيه بالسجال، والوجه الأول- أعنى: كسر الراء مع القصر- أقرب للتعبير ب" السجال". (قوله: فحاولت) هذا مفرع على محذوف أى: توجهت تلقاء مدين فلما وجدته بتلك الصفات المذكورة حاولت أى: رمت، وقصدت بسبب هذا الكتاب التشبث أى: التعلق بأذيال إقباله، شبّه إقبال السلطان عليه بثوب إنسان، من استمسك بأذياله: بلغ المراد على طريق المكنية، و" الأذيال" تخييل و" التشبث" ترشيح. (قوله: والاستظلال) أى: وحاولت الاستظلال بظلال الرأفة، وهى شدة الرحمة، و" الإفضال" الإحسان، وإضافة" الظلال" للرأفة من إضافة المشبه به للمشبه أى: الاستظلال برأفته ورحمته الشبيهين بالظلال بجامع الالتجاء، و" الاستظلال" ترشيح للتشبيه أو أنه شبّه الرأفة والإفضال ببستان على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات" الظلال" تخييل.

стр. 59

فجعلته خدمة لسدته التى هى ملتثم شفاه الأقيال، ومعول رجاء الآمال، ومبوأ العظمة والجلال؛ لا زالت محط رحال الأفاضل، وملاذ أرباب الفضائل، وعون الإسلام، وغوث الأنام، ... === (قوله: فجعلته) الفاء للسببية أى: فبسبب هذا القصد جعلته أى: هذا الشرح المختصر، وقوله: " خدمة" أى: ذا خدمة أو خادما إذ الخدمة السعاية فى مراد المخدوم. (قوله: لسدته) هى العتبة فى الأصل، والمراد بها هنا الذات فلا حاجة لتقدير صاحب فيما يأتي، وأما إن بقيت على معناها الأصلى فنحتاج إلى تقدير صاحبها فيما يأتي، وقوله: " ملتثم" أى: محل التثام، و" الشفاه" جمع شفة، و" الإقيال" جمع قيل- بفتح القاف وسكون الياء- وهو فى الأصل ملك حمير- قبيلة باليمن- والمراد به هنا مطلق ملك، وإذا كانت تلك السدة أى: العتبة ملتثما للملوك، فهى ملتثم لغيرهم بالأولى أى: أن هذه العتبة شأنها أن يقبلها الملوك وغيرهم لعظم صاحبها. و(قوله: معول) أى: والتى هى معول أى معتمد رجاء الآمال؛ شبّه الآمال بأشخاص طالبين استعارة بالكناية، و" الرجاء" تخييل أى: أن ما ترجوه الآمال وتطلبه لا يعول فى تحصيله على أحد إلا على هذه السدة، أو الكلام على حذف مضاف أى: معول رجاء أهل الآمال، وحينئذ فلا استعارة. (قوله: ومبوأ العظمة) أى: والتى هى منزل العظمة والجلال ومحلهما، والعظمة والجلال إما بمعنى التعظيم والإجلال أو باقيان على حالهما، والمعنى: أن تلك السدة محل أقام فيه العظمة والجلال. (قوله: لا زالت) أى تلك السدة بمعنى ذات الملك أو المراد لا زال صاحبها بناء على أن المراد بالسدة معناها الأصلى، وهو العتبة. (قوله: محط رحال الأفاضل) أى: محالا لانحطاط رحال الأفاضل عند انتهاء أسفارهم لكونها مقصودهم فى ارتحالهم لطلب أفضالها. (قوله: وملاذ) أى: ولا زالت ملاذا وملجأ لأصحاب الفضائل أى: الأخلاق الحميدة التى يتمدح بها. (قوله وعون الإسلام) أى: ولا زالت معينة لأهل الإسلام بأن تجلب لهم كل نفع. (قوله وغوث الأنام) أى: ولا زالت مغيثة للأنام من حوادث الدهر، وفى دفع الضرر.

стр. 60

بالنبىّ وآله عليه وعليهم أفضل الصلاة والسّلام. فجاء بحمد الله كما يروق النواظر، ويجلو صدأ الأذهان، ويرهف البصائر، ويضىء ألباب أرباب البيان. ومن الله التوفيق والهداية، وعليه التوكل فى البداية والنهاية، وهو حسبى ونعم الوكيل. (بسم الله الرحمن الرحيم) === (قوله: بالنبيّ) متعلق بمحذوف أى: وأطلب ما ذكر حال كونى متوسلا بالنبيّ، ومن توسل به لم يخب. (قوله: فجاء بحمد الله) عطف على قوله سابقا فانتصبت لشرح هذا الكتاب أى: فجاء هذا الشرح حال كونه ملتبسا بحمد الله. (قوله: كما يروق) بضم الياء وسكون الراء وكسر الواو أى: يعجب أى: جاء حال كونه مشابها لشيء يروق، وإذا كان مثل الشيء الموصوف بهذه الصفات كان متصفا بها فكأنه قال: فجاء على حالة تعجب النواظر. (قوله: صدأ الأذهان) شبّه" الأذهان" بشيء نفيس كذهب عليه صدأ تشبيها مضمرا فى النفس على طريق المكنية، وإثبات" الصدأ" تخييل (قوله: ويرهف) أى: يحد البصائر، وهو جمع بصيرة، وهى عين فى القلب، وشبّه" البصائر" بسيف غير حاد لا يقطع شيئا على طريق المكنية، وإثبات" يرهف" بمعنى يحد تخييل. (قوله: ويضيء) أى: ينور عقول أرباب البيان بمعنى أنه يذهب ما فيها من الاسوداد، و" البيان" هنا يحتمل أن يراد به العلم الآتي، ويحتمل أن المراد به المنطق الفصيح المعرب به عما فى الضمير. (قوله: ومن الله التوفيق) أى: والتوفيق والهداية أطلبهما من الله لا من غيره. (قوله فى البداية) أى: فى ابتداء هذا التأليف وفى انتهائه. (قوله: بسم الله الرحمن الرحيم) هذه الجملة يصح أن تكون خبرية باعتبار صدرها وهو أؤلف؛ لأن التأليف لا يتوقف تحققه فى الخارج على النطق بها بل يجوز حصوله خارجا ويكون ذلك اللفظ حكاية عما تحقق فى الخارج كما هو شأن الخبر

стр. 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الصادق، فإن قلت: إن كلا من مصاحبة الاسم والاستعانة به من تتمة الخبر؛ لأنه قيد ملاحظ فيه، والقيد محط القصد نفيا وإثباتا، وحينئذ فمقتضى الظاهر أن يلتفت للقيد وهو مستعينا، ولا شك أن الاستعانة يتوقف حصولها على النطق به، وحينئذ تكون الجملة إنشائية، وأجيب بأنهما وإن كانا من تتمة الخبر لكنهما ليسا بجزءين منه بل من متعلقاته الخارجة عن حقيقته وقيد فيه، وإن توقف مضمون الخبر المطلوب شرعا عليهما إلا أن ذلك التوقف لا يقتضى الجزئية كتوقفه على الحال فى نحو قامُوا كُسالى (١)، وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٢) والحاصل أن القيود وإن كانت محلا للقصد، لكنها لا تخرج عن كونها فضلات والذى يوصف بالخبر والإنشاء إنما هو العمد لأنها ركنا الإسناد، والمقصود بالذات إنما هو المسند والمسند إليه لكن يرد على هذا" متى ضربت" فإنها جملة إنشائية مع أن أداة الاستفهام فضلة، وحينئذ فلا يصح أن يقال: إن الذى يوصف بالخبر والإنشاء هو العمد، وأجيب بأن محل كون الفضلات لا ينظر إليها ما لم يكن لها تأثير، ومتى أثرت فى الجملة الإنشاء لكونها عريقة فى الاستفهام المنافى للخبر بخلاف الاستعانة مثلا فإنها لا تنافى الإخبار بالتأليف، وأجيب عن أصل الإشكال بجواب ثان، وهو أن المأخوذ من كلام المحققين أن المعتبر فى إنشائية الكلام وخبريته إنما هو صدره لا عجزه، وإن كان عمدة كما فى" زيد اضربه" فقالوا: إن هذه جملة خبرية نظرا إلى الصدر مع أن" اضربه" إنشاء وعمدة، فكيف بالعجز هنا مع كونه غير عمدة، ويحتمل أن تكون جملة البسملة إنشائية نظرا للعجز وهو الاستعانة؛ لأنه لا يتوقف حصولها على النطق بها، إن قلت: إن هذا العجز فضلة، والمنظور له فى الإنشائية والخبرية إنما هو العمدة قلت: قد نظروا هنا إلى أن القيود محط القصد ثم اعلم أن جعلها إنشائية باعتبار العجز متوقف على جعل إضافة اسم الله بيانية، ويقال: إن كل حكم ورد على اسم فهو وارد على مدلوله، وأما إن جعلناها حقيقية، وأن المراد بالاسم المسمى ومن الجلالة اللفظ، فلا يصح أن تكون إنشائية؛ لأن الاستعانة بالذات لا تتوقف

стр. 62

(الحمد) ... === على المنطق بل تحصل بمجرد توجه القلب، وحينئذ فتكون خبرية باعتبار العجز أيضا، وقد يقال: يمكن أن يتوجه الإنسان بقلبه لأسماء الله تعالى ويستعين بها فتكون خبرية حتى على جعل الإضافة بيانية، والأظهر أن يقال: إنه إن أريد الاستعانة القلبية كانت خبرية باعتبار العجز كانت الإضافة بيانية أو حقيقية، وإن أريد الاستعانة اللفظية كانت إنشائية لا فرق بين أن تكون حقيقية أو بيانية؛ هذا ويمكن جعلها خبرية باعتبار العجز على أن الإضافة بيانية بناء على أنه مخبر عن استعانة حاصلة بهذا اللفظ كما فى قولك: " أتكلم" فإنه إخبار عن كلام حاصل بهذا اللفظ، ولا يقال: إن الخبر ما تحقق مدلوله بدون اللفظ به، وأجيب بأنه ليس المراد من ذلك أن الخبر دائما مدلوله متحقق بدون اللفظ به بل المراد أن مدلوله لا يتوقف على النطق به دائما، وهذا لا ينافى أنه قد يتحقق مدلوله به. [القول فى الحمد]: (قوله: الحمد) ترك العطف على كون جملة البسملة إنشائية وجملة الحمد خبرية أو العكس ظاهر؛ لأن بينهما حينئذ كمال الانقطاع، وأما على أنهما متفقان فى الخبرية أو الإنشائية فترك العطف إشارة إلى أن كلا من الجملتين مقصود بالذات وليست إحداهما تابعة للأخرى ثم إن كون هذه الجملة صيغة حمد ظاهر إن قلنا إنها إنشائية أى لإنشاء الثناء على الله بأنه مالك لجميع المحامد الكائنة من الخلق، وأما إن قلنا: إنها خبرية أى إنها للإخبار بأن الله مالك لذلك فجعلها صيغة حمد مشكل؛ لأن الإخبار بثبوت شيء للغير لا يستلزم حصول ذلك الشيء من المخبر، فقولك القيام لزيد لا يلزم من ذلك أن يكون قائما، وحينئذ فلا يلزم من الإخبار بثبوت الحمد أن يكون المصنف حامدا مع أن المطلوب منه أن يحمد الله فى الابتداء، وأجيب بأجوبة، منها: أن هذه الجملة خبرية فى الأصل ثم نقلت شرعا للإنشاء بمضمونها كما فى صيغ العقود نحو" بعت" و" آجرت"؛ فإنها أخبار فى الأصل ثم نقلت شرعا لإنشاء مضمونها فهو حمد شرعى يترتب عليه ما يترتب على الحمد اللغوى من الثواب والخروج عن عهدة الطلب، ولا يقال: هذا ظاهر إذا لم تجعل" أل" للاستغراق، إذ لا يتأتى إنشاء جميع المحامد؛ لأنا نقول المستحيل إنما هو إنشاء جميع المحامد لغة بصيغ متعددة

стр. 63

هو الثناء باللسان، ... === بعدد المحمود عليه، وأما إنشاء الجميع بصيغة واحدة شرعا فلا استحالة فيه؛ لأنها لإنشاء الثناء بمضمونها لا لإنشاء مضمونها، ومنها أن ذلك الإخبار مفيد للحمد؛ لأن الإخبار بأن الله مالك لجميع المحامد وصف له بجميل فيكون حمدا، وعلى هذا فمحل كون المخبر بالشيء ليس آنيا بذلك الشيء ما لم يكن الإخبار فردا من أفراد المخبر عنه كما هنا، وهذا ظاهر إن قلنا: إنها للإخبار بأن الله مالك لجميع المحامد، وأما إن قلنا: إنها موضوعة للإخبار بوقوع الحمد لله من الغير فبقول ذلك الإخبار يستلزم اتصافه تعالى بالكمال فيكون إخبارا باتصافه تعالى بالكمال بواسطة فيكون حمدا بهذا الاعتبار. (قوله: هو الثناء) أى: الحمد فى اللغة واقتصر الشارح على تفسير الحمد اللغوى إشارة إلى أن الحمد الذى طلبت البداءة به الحمد اللغوى لا الاصطلاحى، ووجه ذلك كما قال بعض العلماء: أن الحمد العرفى طارئ بعد النبيّ ﷺ ، وإذا كان كذلك فيحمل الحمد الذى طلب البداءة به على ما كان موجودا فى زمنه وهو الحمد اللغوى، وقد يقال: إن هذا التوجيه لا يصح إلا لو كان المراد اصطلاح طائفة مخصوصة مع أن المراد العرف العام فهو أمر قديم، فالأولى أن يقال: إنما حمل على المعنى اللغوى؛ لأن خبر ما فسرته بالوارد، والوارد فى الحديث بالحمد لله بالرفع على الحكاية، وهو يقتضى أن المراد هذا اللفظ، ولو كان المراد العرفى لم يكن للاقتصار على هذا اللفظ وجه. (قوله: الثناء ... إلخ) أى: الذكر بخير، مأخوذ من أثنيت إذا ذكرت بخير ولو مرة لا من ثنيت إذا كررت، وإلا لزم أن الثناء مرة واحدة لا يقال له حمد، وليس كذلك، وضده النثاء بتقديم النون وهو الذكر بشرّ، هذا ما عليه الجمهور، وقال العز بن عبد السّلام (١):

стр. 64

على قصد التعظيم ... === الثناء حقيقة فى الذكر بالخير والشر وتمسك بحديث" مر بجنازة فأثنوا عليها خيرا ومر بأخرى فأثنوا عليها شرّا" (١) وأجيب بأن هذا من قبيل المشاكلة، واعترض بأن الثناء بالمعنى المذكور لا يكون إلا باللسان، وحينئذ فذكره مستدرك، وأجيب بأن اللسان وإن كان معلوما من الثناء لكنه صرح به للتنصيص على اختصاص الحمد باللسان المفيد لمقابلته للشكر نصّا المقتضية لظهور التفريع لبيان النسبة بينهما أو يجاب بأنه لما كان يحتمل التجوز فى الثناء بإطلاقه على ما ليس باللسان كالجنان والأركان ذكره لإخراج الثناء بغير اللسان، وعلى هذا الجواب فقيد اللسان محتاج لذكره ولا بد، وأما على الجواب الأول؛ فهو غير محتاج لذكره لفهمه من الثناء، وإنما ذكر لما مر، ثم إن تفسير الثناء بما ذكر مبنى على أنه مختص باللسان، وهو خلاف الراجح، والراجح أنه يشمل اعتقاد القلب وعمل الجوارح، وحينئذ فيفسر بأنه الإتيان بما يدل على اتصاف المحمود بالصفة الجميلة، وعلى هذا فقوله: " باللسان" قيد لا بد منه لإخراج الثناء بغيره كالجنان والأركان، واعترض هذا التعريف بأنه غير جامع لعدم شموله لثناء الله القديم على نفسه أو على خواص خلقه إذ المولى منزه عن الجارحة، وأجيب بأن هذا تعريف لنوع من الحمد، وهو الحمد الحادث أو يقال: المراد باللسان الكلام مجازا مرسلا من إطلاق السبب وإرادة المسبب، والعلاقة يكفى تحققها فى بعض الأفراد، فلا يقال: إن كون اللسان سببا فى الكلام ظاهر فى الحمد الحادث دون القديم، وأورد على الجواب الثانى أن المجاز لا يدخل التعاريف؛ قلنا: ما لم يكن مشهورا، وهذا قد اشتهر إن قلت: إن حقيقة القديم مباينة لحقيقة الحادث، وحينئذ فلا يجوز جمعهما فى تعريف واحد؛ قلنا: محل ذلك إذا أريد بيان حقيقة كل على التفصيل، وأما إذا كان المراد بيانهما إجما لا فلا مانع من ذلك. (قوله: على قصد التعظيم) " على" بمعنى" مع" أى: الثناء باللسان حال كونه مصاحبا لقصد التعظيم، واعلم أنك إذا تلفظت بقولك: " زيد عالم" مثلا تارة

стр. 65

سواء تعلق بالنعمة أو بغيرها، ... === تكون قاصدا بذلك التعظيم، وتارة تكون مكذبا لذلك وقاصدا به الهزء والسخرية، وتارة لا تقصد شيئا فلو لم تقصد شيئا أو قصدت الاستهزاء فظاهره أنه لا يكون حمدا لغة مع أنه إذا لم نقصد شيئا يكون حمدا لغة، والجواب أن الشارح أراد أن يبين الحمد اللغوى الأكمل المعتدّ به، ولا يعتد بالحمد إلا إذا وجد قصد التعظيم، وإلا كان غير أكمل. (قوله: سواء تعلق بالنعمة) أى: سواء وقع فى مقابلة نعمة أو فى مقابلة غيرها، وهذا تعميم فى المحمود عليه. واعلم أن الحمد له أركان خمسة: حامد محمود ومحمود عليه ومحمود به وصيغة؛ فالحامد من صدر منه الثناء، والمحمود هو من أثنى عليه، والمحمود عليه هو ما وقع الحمد فى مقابلته أى ما كان باعثا على الحمد، والمحمود به هو مدلول الصيغة وهى اللفظ، ثم إن المحمود عليه وبه تارة يختلفان ذاتا واعتبارا كما إذا قلت: زيد عالم فى مقابلة إكرامه لك، وتارة يتحدان ذاتا ويختلفان اعتبارا كقولك: زيد كريم فى مقابلة إكرامه لك، فالكرم من حيث إنه باعث على الحمد محمود عليه، ومن حيث إنه مدلول للصيغة محمود به، ثم إن المحمود عليه يشترط أن يكون اختياريا، وإن لم يكن نعمة بخلاف المحمود به، فلا يشترط أن يكون اختياريا إذا علمت هذا فيعترض على التعريف بأن فيه قصورا من حيث إنه لم يعتبر فيه أن يكون المحمود عليه جميلا؛ لأن غير النعمة صادق بما إذا كان غير جميل مع أنه لا بد منه، وأجيب بجوابين: الأول: أن هذا تعريف بالأعم، وهو جائز عند الأدباء بل جوزه قدماء المناطقة فى التعريف الناقص. الثاني: أن اعتبار قصد التعظيم يستلزم أن يكون المحمود عليه جميلا؛ لأن المراد بالجميل فى زعم الحامد أو فى نظر المحمود بزعم الحامد لا الجميل فى الواقع إذ ليس بشرط، وفى هذا الجواب نظر؛ إذ دلالة الالتزام مهجورة فى التعاريف، واعترض بأن فيه قصورا من وجه آخر، وهو أن الجميل المحمود عليه يجب أن يكون اختياريا؛ ولم يذكر ذلك فى التعريف، ولم يكن فيه ما يستلزمه، والجواب: ما مر من أنه تعريف

стр. 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بالأعم، وهو جائز؛ فإن قلت: إن الثناء على ذاته وعلى صفاته تعالى حمد، ولا مجال لاعتبار الاختيار فيها قلت: المراد بالاختيارى ما يشمل الاختيارى حقيقة أو حكما فذاته تعالى لما كانت منشأ للأفعال الاختيارية عدّت اختيارية حكما بلا واسطة، وأما صفاته لما كانت لا تنفك عن الذات وليست غيرا عدت اختيارية حكما بواسطة ملازمتها للذات أو يقال: المراد بالاختيارى ما ليس باضطرارى فتدخل ذات الله وصفاته أو المراد بالاختيارى ما كان منسوبا للفاعل المختار سواء كان مختارا فيه أى: موثرا فيه بالاختيار أم لا كذا ذكر عبد الحكيم (١). (قوله: سواء تعلق) أى: الثناء، وليس الضمير للحمد وتعلق الثناء بالنعمة من تعلق الشيء بسببه الباعث عليه، و(قوله: " بالنعمة") أى: الإنعام كما لو قلت: زيد عالم فى مقابلة إكرامه لك، وهذا هو المعبر عنه بالفواضل فى قول بعضهم سواء تعلق بالفواضل، و(قوله: " أو بغيرها") كما لو قلت: إنه فاضل فى مقابلة حسن الخط أو حسن الصلاة، وهذا هو المعبر عنه بالفضائل وكالحمد على مجرد الذات العلية ثم إن قوله: " سواء ... إلخ" جملة مستأنفة مصرحة بمتعلق الحمد لا من جملة التعريف، وذلك؛ لأن التعريف تصوير لماهية المحدود لا بيان لعمومه؛ لأن التعميم إنما هو للإفراد وتعلق فى تأويل المصدر وإن لم يكن هناك سابك؛ لأن السّبك بدون حرف مصدرى مطرد فى باب التسوية شاذ فى غيرها، والفعل المقدر فى المعطوف فى تأويل المصدر أيضا، وسواء بمعنى مستو خبر مقدم، والمصدر المأخوذ من الفعل مبتدأ مؤخر أى: تعلقه بالنعمة أو تعلقه بغيرها مستو، واعترض هذا الإعراب بأن" أو" لأحد المتعدد، والتسوية إنما تكون بين المتعدد لا بين أحده، وأجيب بأن" أو" بمعنى الواو لأجل ما يقتضيه معنى الاستواء

стр. 67

والشكر ... === من التعدد، وفى هذا الجواب نظر؛ لأنه ينافى جعل" سواء" بمعنى مستو؛ لأن مستو إنما يخبر به عن الواحد، تقول: زيد مستو مع عمرو، ولا يخبر به عن متعدد، فلا تقول: زيد وعمرو مستو، بل مستويان، وأجيب بأن الإخبار بحسب الظاهر؛ لأن سواء فى الأصل مصدر بمعنى الاستواء فيصح الإخبار به عن الاثنين؛ لأن المصدر يقع على القليل والكثير، وإن أريد به هنا اسم الفاعل، ويصح بقاء" أو" على بابها، وصح الإخبار نظرا للمعنى المراد أى: أحد التعلّقين مستو مع الآخر، وإنما جعلنا" سواء" خبرا، والمصدر بعده مبتدأ دون العكس؛ لأن" سواء" نكرة من غير مسوغ، والمقصود الإخبار عن التعليقين بالاستواء لا العكس، ويجوز جعل" سواء" خبرا لمبتدأ محذوف أى: الأمران سواء والجملة دليل الجواب، والجملة بعدها شرطية على جعل همزة الاستفهام المحذوفة مضمنة معنى" إن" الشرطية لاشتراكهما فى الدلالة على عدم الجزم، والتقدير: إن تعلق بالنعمة أو بغيرها فالأمران سواء، ويجوز أن تكون" سواء" بمعنى مستو مبتدأ، والمصدر المأخوذ من الفعل فاعل سدّ مسد الخبر على مذهب من لم يشترط الاعتماد، والمسوغ للابتداء العمل، فالأوجه فى هذا التركيب ثلاثة، ويجوز وجه رابع، وهو جعل سواء بمعنى مستو خبرا مقدما والفعل بعده مبتدأ مؤخرا؛ لأنه مجرد عن النسبة أو الزمان، فحكمه حكم المصدر، والهمزة مقدرة بعد" سواء"، وهى مجردة عن الاستفهام لمجرد التسوية، وكأنه قيل: تعلقه بالنعمة أو بغيرها مستو، ويقال على هذا سؤالا وجوابا مثل ما قيل على الأول. [الكلام فى الشكر]: (قوله: والشكر) أى: لغة وأما اصطلاحا؛ فهو صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه به من سمع وبصر وغيرهما إلى ما خلق لأجله، أى: صرفها بحسب الطاقة البشرية لا مطلق صرف، ولذا قال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١) وإنما عرف الشكر مع أنه لم يذكر فى المتن؛ لأنه أخو الحمد، ولم يعرف المدح كأنه مراعاة لما قال

стр. 68

فعل ينبئ عن تعظيم المنعم ... === الزمخشري (١): إن المدح والحمد شيء واحد. (قوله: فعل) اعترض بأن الفعل ما قابل القول والاعتقاد كما هو المتعارف، وحينئذ فيكون الفعل من كلامه غير شامل للشكر اللسانى والجنانى؛ لأن الذى باللسان قول والذى بالجنان كيفية نفسانية، وحينئذ فلا يصح تعميمه فى الفعل بعد ذلك بقوله: " سواء ... إلخ"، فكان الأولى أن يعبر بأمر يشمل الموارد الثلاث، ويجاب بأنه أراد بالفعل الأمر والشأن على اصطلاح أهل اللغة لا ما قابل القول، والاعتقاد كما هو المتعارف أو المراد بالفعل ما قابل الانفعال، ولا شك أن كلا من القول والاعتقاد ليس انفعالا. (قوله: ينبئ) فيه أن الشكر الجنانى وهو الاعتقاد لا يصح إنباؤه عن التعظيم إذ لا معنى لإنبائه بالنسبة للشاكر لما فيه من تحصيل الحاصل ولا بالنسبة لغيره لعدم اطلاعه عليه لكونه خفيا، وعلى فرض أن يطلعه عليه الشاكر بقول أو فعل فالمنبىء حقيقة هو ذلك القول أو الفعل المطلع لا الاعتقاد، وحينئذ فيكون تعريف الشكر غير جامع لخروج اعتقاد الجنان لعدم الإنباء فيه مع أنه من أفراده ويكون قوله الآتى: " أو بالجنان" فاسدا لعدم إنبائه. قلت: المراد بالإنباء الدلالة لا الإخبار، ولا شك أن الشكر الجنانى وهو اعتقاد الشاكر أن المنعم متصف بصفات الكمال دال على تعظيم المنعم بالنسبة للشاكر وغيره، ولا يقدح فى كون الاعتقاد دالا على تعظيم المنعم بالنسبة لغير الشاكر جهله به وعدم اطلاعه عليه؛ لأنه لو زال المانع وعلم به لعلم مدلوله وهو تعظيم المنعم؛ لأن الدليل ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر لا ما يلزم من وجوده العلم بشيء آخر ألا ترى أن الدخان دال على النار بالنسبة للأعمى؛ لأنه لو علم به لعلم بالنار بغير واسطة

стр. 69

لكونه منعما، سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان، ... === فتحصل من هذا أن اعتقاد الشاكر اتصاف المنعم بصفات الكمال يدل على الشاكر وغير الشاكر ممن له اطلاع عليه بإلهام أو بزوال المانع، واطلاع على السرائر أو بقول أو بفعل من الشاكر على تعظيم المنعم، ولا يقال: إن الاطلاع على ذلك الاعتقاد إذا كان بقول أو فعل من الشاكر، فالمنبىء عن التعظيم حينئذ إنما هو ذلك القول أو الفعل لا الاعتقاد؛ لأنا نقول الموجود من الشاكر حينئذ شكران: أحدهما بالجنان والآخر باللسان أو بالأركان، والذى بالأركان أو اللسان دال على الجنان، وكل من الجنان وغيره دال على تعظيم المنعم الأول بواسطة، والثانى بدونها، فظهر لك أن حصر المعترض الإنباء فى القول الذى هو الشكر اللساني، والفعل الذى هو الشكر الأركانى ممنوع؛ بقى شىء آخر، وهو أن الشكر الجنانى هو اعتقاد عظمة المنعم، وهو لا يصح إنباؤه عن تعظيم المنعم؛ لأن المراد بالتعظيم المذكور التعظيم عند الشاكر لا بحسب نفس الأمر، وهو اعتقاد العظمة أيضا، والشيء لا ينبئ عن نفسه، وأجيب بأن الشكر الجنانى اعتقاد اتصاف المنعم بصفات الكمال، وهو مغاير لاعتقاد العظمة؛ لأنه أعم منه والعام ينبىء عن الخاص أى يدل عليه. (قوله: بسبب كونه منعما) متعلق ب" تعظيم"، وفيه أن هذا معلوم من قوله قبل عن تعظيم المنعم؛ لأن تعليق الحكم بمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، وأجيب بأن هذا تصريح بما علم التزاما لكون دلالة الالتزام مهجورة فى التعاريف، وقوله: " بسبب كونه منعما" أى: على الشاكر أو غيره. (قوله: سواء كان) أى: الفعل، وقوله: " باللسان" أى: صادرا من اللسان. (قوله: أو بالجنان) أى: أو كان ذلك الفعل صادرا من الجنان أى: القلب، والفعل الصادر منه هو اعتقاد اتصاف المنعم بصفات الكمال كما علمت، واعلم أن المعتقد لا يقال له شاكر إلا إذا انقاد وأذعن، وإلا فلا يعد اعتقاده شكرا كما في الإيمان أفاده شيخنا العلامة العدوى. (قوله: أو بالأركان) أى الجوارح، و (أل) للجنس فيصدق بجارحة واحدة كما لو أكرمتنى فقبلت يدك أو وضعت يدى على صدرى لك أو قمت لك إجلالا، واعلم أن عمل الجوارح لا يقال له: شكر إلا إذا كان خدمة لا إن كان بطريق الإعانة والترحم

стр. 70

فمورد الحمد لا يكون إلا باللسان، ومتعلقه يكون النعمة وغيرها، ومتعلق الشكر لا يكون إلا النعمة، ومورده يكون اللسان وغيره، ... === والأجرة. (قوله: فمورد ... إلخ) " الفاء" واقعة فى جواب شرط مقدر أى إذا علمت تعريف كل من الحمد والشكر، وأردت معرفة مورد كل منهما ومتعلقه فمورد ... إلخ، واعترض التعبير بالمورد لاقتضائه صدور الحمد من شيء قبل ثم ورد على اللسان بعد، إذ مورد الشيء ما يرد عليه ألا ترى أن الحيوان إذا أخرجته من بيتك للحوض مثلا فالحوض يقال له: مورد، والبيت مصدر مع أن الحمد إنما صدر من اللسان فالأولى أن يقول: فمصدر الحمد، وأجيب بأن مراده بالمورد المصدر أى ما ورد منه الحمد لا ما ورد عليه، واختار التعبير عن المصدر بالمورد؛ لأن الثناء لما كان لا يعتد به فى كونه حمدا إلا إذا كان مصاحبا لقصد التعظيم، صار كأنه صادر من القلب ووارد على اللسان ففى التعبير بالمورد إشارة إلى أنه لا يعتد بالحمد إلا إذا كان صادرا من القلب بأن يكون قصد به التعظيم وواردا على اللسان لا إن قصد به الهزء والسخرية أو لم يقصد به شيء (قوله: ومتعلقه) وهو ما يكون فى مقابلته ويجعل بإزائه وهو المحمود عليه. (قوله: وغيرها) لكن لا بد أن يكون ذلك الغير فعلا جميلا اختياريا كحسن الخط، وإلا كان مدحا كالثناء فى مقابلة اعتدال القامة وجمال الذات، ومن قول الشارح يكون" النعمة وغيرها" يعلم جواب سؤال، وهو أن الحمد ينقسم إلى مطلق ومقيد؛ فاعترض بأنه كيف يكون مطلقا ليس فى مقابلة شىء مع أن المحمود عليه ركن من أركان الحمد، والماهية تنعدم بانعدام جزئها، وحاصل الجواب أن المراد بالحمد المطلق ما ليس فى مقابلة نعمة، وكونه ليس فى مقابلة نعمة لا ينافى وقوعه فى مقابلة فعل جميل اختيارى غير نعمة، فالحاصل أن الحمد إن وقع فى مقابلة نعمة فهو المقيد، وإن وقع فى مقابلة فعل جميل اختيارى غير نعمة فالمطلق، فالمحمود عليه متحقق فى كل منهما. (قوله: ومتعلق الشكر ... إلخ) لم يقدم المورد كما قدمه فى الحمد بل قدّم المتعلق لأجل أن يكون بين المتعلقين قرب، ولأجل المناسبة بين متعلق الشكر ومورد الحمد من حيث الخصوص فى كل منهما، فلما بدأ بمورد الحمد ناسب أن يبدأ بمتعلق الشكر؛ لأنه نظيره فى الخصوص. (قوله: فالحمد ... إلخ) اعترض بأنه لا حاجة لذكر ذلك بعد ما تقدّم

стр. 71

فالحمد أعم من الشكر باعتبار المتعلق، وأخص باعتبار المورد، والشكر بالعكس. (لله) هو اسم ... === من قوله: " فمورد ... إلخ"، وأجيب بأن الكلام السابق مسوق لبيان موردهما ومتعلقهما، وهذا الكلام مفرع على السابق لبيان النسبة بين مفهوميهما وهى العموم والخصوص الوجهى. (قوله: فالحمد أعم) أى: مطلقا، وقوله: " باعتبار" الباء سببية ثم إن أفعل إما على غير بابه أو على بابه؛ نظرا إلى أن متعلق الشكر فيه عموم، ومثل هذا يقال فى قوله: " أخص" قرره شيخنا العدوى. (قوله: أخص) أى: مطلقا. (قوله: بالعكس) أى: مخالف للحمد باعتبار أنه أعم منه نظرا للمورد، وأخص منه نظرا للمتعلق؛ فالمراد بالعكس العكس العرفي، وهو المخالفة، ولا يصح أن يراد به المعنى المنطقى ولا اللغوى؛ لأن الأول: قلب جزأى القضية مع بقاء الصدق والكيفية والكم فى غير الموجبة الكلية، والثانى: قلب الجزأين مع بقاء ما ذكر مطلقا فعكس" كل إنسان حيوان" على الأول" بعض الحيوان إنسان"، وعلى الثانى" كل حيوان إنسان"؛ لأن التعريفين لا قلب فيهما على أن التعريف من قبيل التصور، فلا قضية أصلا حتى يقلب جزأيها. (قوله: هو) أى: لفظ الله من لله اسم ... إلخ، والاسم يطلق على ما قابل الفعل والحرف وعلى ما قابل الكنية واللقب وعلى ما قابل الصفة، ويصح إرادة ما عدا الأول إذ لا توهم فيه وإرادة الثالث أنسب؛ لأن جعله مقابلا للصفة فيه رد على من قال- كالبيضاوى (١): إنه صفة فى الأصل لا علم؛ لأن العلم ما وضع لمعين، وذاته تعالى لا طريق للعلم بحقيقتها فكيف يوضع لها العلم، وإنما كان صفة مع أنه جامد؛ لأنه مؤول بمشتق أى معبود بحق ثم صار علما بالغلبة التقديرية، وما ذكره الشارح لا يصح أن يكون تعريفا حقيقيا للفظ الجلالة؛ لأنه يجب أن يكون مانعا من دخول الغير فيه، وهذا ليس كذلك؛ لأنه يدخل فيه غير لفظ الجلالة من الألفاظ المرادفة له من اللغات الفارسية وغيرها بل هو تعريف رسمى المقصود منه بيان المعنى الموضوع له، فلا يختص ذلك المعنى بلفظ ولا لغة بل كل ما رادفه

стр. 72

للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، والعدول إلى الجملة الاسمية ... === صح أن يعبر به عن ذلك المعنى لحصول الغرض منه، وذات الشيء تقال على حقيقته الكلية وعلى هويته الخارجية، والمراد هنا الثاني، وتستعمل الذات استعمال النفس واستعمال الشيء فلذا يجوز فيها التذكير والتأنيث. (قوله: للذات) أورد المعرف باللام إشارة إلى أنه اسم للذات المعينة بالشخص فيكون علما شخصيا. (قوله: الواجب الوجود ... إلخ) اعترض ذكر هذين الوصفين بأنه إن كان لكونهما من جملة الموضوع له لزم عليه أن لفظ الجلالة كلى انحصر فى جزئي، وهو باطل؛ لأنه يلزم عليه عدم إفادة لا إله إلا الله للتوحيد، والعقلاء مجمعون على إفادتها لذلك، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم. وإن كان ذكرهما لتمييز الموضوع له عن غيره، فلا وجه لتخصيصهما بالذكر من بين الأوصاف المميزة، وأجيب باختيار الثاني، وإنما خصّا بالذكر لاشتهاره بهما واختصاصه بهما لفظا ومعنى، فلا يستعمل واحد منهما فى غيره، وليس أحد فى الواقع متصفا بواحد منهما غيره تعالى، وقدّم الأول على الثاني؛ لأن الأول أصل لغيره من صفات الكمال؛ لأن كل كمال يتفرع على وجوب الوجود بالذات؛ لأنه المفهوم عند الإطلاق، فواجب الوجود من حيث هو كذلك أكمل الموجودات وأشرفها، فيجب اتصافه بأشرف طرفى النقيضين من أى وصف اعتبر، وأخر الوصف الثانى عن الأول؛ لأن استحقاقه لجميع المحامد فرع وجوب وجوده، والمحامد جمع محمدة بمعنى الحمد أى المستحق لكل فرد من أفراد الحمد. (قوله: والعدول إلى الجملة الاسمية ... إلخ) هذا يفيد أن أصل هذه الجملة الاسمية الجملة الفعلية المعدول عنها، وهو كذلك لأمرين: أولهما: أن الحمد من المصادر الدالة على الأحداث المتعلقة بمحالها من الذوات والشائع الكثير فى بيان الأحداث المنسوبة لمحالها المتعلقة بها هو الأفعال لدلالتها على وقوع تلك الأحداث فى أزمنة مخصوصة. ثانيهما: أن ذلك المصدر، وهو الحمد فى أكثر استعماله منصوب على المفعولية المطلقة بأفعال محذوفة بأن يقال: حمدا لله، والأصل: حمدت حمدا الله؛ فحذف الفعل مع الفاعل، وأقيم المصدر مقامه.

стр. 73

للدلالة على الدوام والثبات، وتقديم الحمد باعتبار أنه أهم نظرا إلى كون المقام مقام الحمد كما ذهب إليه صاحب الكشاف ... === (قوله: للدلالة على الدوام والثبات) أى: لمضمونها، والثبات هو الحصول المستمر، وحينئذ فعطفه على الدوام للتفسير بخلاف الثبوت؛ فإنه أعم من الدوام؛ لأنه مطلق الحصول فيوجد مع التجدد ومع الدوام ثم إن ما ذكره الشارح من دلالة الجملة الاسمية على دوام مضمونها وثباته بخلاف الفعلية؛ فإنها تدل على تجدد مضمونها وحدوثه أى: حصوله بعد أن لم يكن. هو ما ذكره صاحب الكشاف، وصاحب المفتاح، وكلام الشيخ عبد القاهر فى دلائل الإعجاز يقتضى أن الجملة الاسمية إنما تدل على مجرد الثبوت، ولا دلالة لها على الدوام حيث قال: " لا دلالة لقولنا زيد منطلق على أكثر من ثبوت الانطلاق لزيد" (١)، وجمع شارحنا بين الكلامين فى شرح المفتاح كلام الشيخ عبد القاهر بالنظر لأصل الوضع، وكلام صاحب الكشاف وصاحب المفتاح بالنظر للقرائن كرعاية المقام، والعدول عن الفعلية. (وقوله: وتقديم الحمد) أى: على لفظ الجلالة، وقوله: " باعتبار" أى: بسبب اعتبار وملاحظة أنه- أى: الحمد- هنا أهم أى: من اسم الله؛ فحذف المفضل عليه للعلم به، واعترض على الشارح بأن الأصل تقديم المبتدأ، فتقديم الحمد على لفظ الجلالة آت على الأصل، وما كان كذلك لا يحتاج لنكتة التقديم وأجيب بأنه لما كان أصل" الحمد لله"" حمدت الله حمدا" فحذف الفعل اكتفاء بدلالة مصدره عليه فصار" الله حمدا"، ثم أدخلت لام الجر على المفعول فصار" لله حمدا"، ثم أدخلت" أل" على الحمد لإفادة الاستغراق أو لتعريف الجنس أو العهد، ثم رفع لما ذكره الشارح من الدلالة على الدوام والثبات صار أصل" الحمد" التأخير عن لفظ الجلالة، فلا بد من نكتة لتقديمه سلمنا أن أصله التقديم لكن قد عارض هذا الأصل عارض، وهو أهمية اسم الله فقد تعارضت أصالة التقديم وأهمية الله، فلا بد من نكتة مرجحة لذلك التقديم. (قوله: نظرا إلى كون المقام ... إلخ) هذا علة لكون الحمد أهم من اسم الله أى: وإنما كان الحمد هنا أهم من اسمه تعالى نظرا إلى كون المقام وهو مفتتح التأليف مقام الحمد لا مقام ذكر لاسمه تعالى، فإن قلت: الحمد الذى يقتضيه المقام عبارة عن الثناء على الله،

стр. 74

فى تقديم الفعل فى قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (١) على ما سيجىء، وإن كان ذكر الله أهم نظرا إلى ذاته. === والثناء على الله لا يحصل إلا بمجموع المبتدأ والخبر، وحينئذ فالمقام إنما يقتضى تقديم مجموع الجملة على ما سواه لا تقديم لفظ الحمد على لفظ الجلالة، وحينئذ فتعليل أهمية الحمد على اسمه تعالى المقتضية لتقديم الحمد بكون المقام مقام حمد لا يصح، وحاصل الجواب أنا نسلم أن الحمد الذى يقتضيه المقام هو الثناء وأن الثناء لا يحصل إلا بمجموع الجملة إلا أن لفظ الحمد لما كان موضوعا للثناء كان تقديمه على لفظ الآخر أهم لإشعاره بما يقتضيه المقام، وعلم من كلامه أن الأهم العرضى إذا اقتضاه الحال يكون أولى بالرعاية من الأهم الذاتي. (قوله: فى تقديم الفعل فى قوله تعالى: اقْرَأْ ... إلخ) حيث قال: قدم الفعل؛ لأنه أهم من اسم الله؛ لأن المقام مقام قراءة، وهذا مبنى على أن قوله: " باسم ربك" متعلق ب" اقرأ" الأول، وأما إن علق بالثانى ونزل الأول منزلة اللازم، فلا يرد البحث من أصله. (قوله: وإن كان ذكر الله) الواو للحال، " وإن" زائدة أى: والحال أن ذكر الله أى ذكر هذا اللفظ أهم من كل شيء نظرا إلى ذاته لكونه دالا على الذات العلية المقدمة على غيرها وجودا ورتبة، فإن قلت الاهتمام ب" اسم الله" ذاتى لما علمت والاهتمام ب" الحمد" عرضى أى عارض بالنظر لخصوص المقام، والأول مقدم فى الاعتبار على الثاني، وعلى تقدير عدم تقديمه عليه فى الاعتبار، وأنهما متساويان فيه؛ فهما متعارضان، فإما أن يتساقطا ويعدل إلى أمر آخر أو يرجح اعتبار أحدهما بمرجح؛ قلت: المرجح لاعتبار الاهتمام العرضى الحاصل بتقديم الحمد قصد المتكلم؛ لأن الحاكم بالترجيح فى التقديم فى باب البلاغة قصد البليغ أو كون تقديم الحمد هو الأصل؛ لأنه مبتدأ وساد مسد العامل بحسب الأصل أو أن أهمية الله الذاتية كفت شهرتها مؤنة ما يدل عليها بخلاف الاهتمام بالحمد فإنه عارض، فاللائق الإتيان بما يدل عليه كالتقديم لخفائه.

стр. 75

(على ما أنعم) أى: على إنعامه، ... === (قوله: على ما أنعم) ليس متعلقا بالحمد على أن" لله" خبر لئلا يلزم الإخبار عن المصدر قبل تمام عمله بل هو إما متعلق بمحذوف خبر بعد خبر أى: كائن على إنعامه فيكون مشيرا إلى استحقاقه تعالى الحمد على صفاته كما يستحقه لذاته، أو متعلق بمحذوف خبر و" لله" صلة الحمد أو متعلق بمحذوف مستأنف أى أحمده على ما أنعم، و" على" بمعنى لام التعليل علة لإنشاء الحمد أو أنهما صلتان للحمد، والخبر محذوف أى: واجب. (قوله: أى: على إنعامه) أشار بذلك إلى أن" ما" موصول حرفى لا اسمى واختار ذلك لأمرين: الأول: أن الحمد على الإنعام أمكن وأقوى من الحمد على النعمة؛ لأن الحمد على الإنعام حمد بلا واسطة، وعلى النعمة حمد بواسطة أنها أثر الإنعام؛ لأنه لا يصح الحمد على المنعم به إلا باعتبار الإنعام. الأمر الثاني: إن جعلها موصولا اسميّا يحوج إلى تقدير عائد، والعائد المجرور لا يحذف اطرادا إلا إذا جر بمثل ما جرّ به الموصول، وهنا الموصول مجرور ب" على"، والعائد مجرور بالباء، فالحذف حينئذ قليل على أنه لا يظهر بالنسبة للمعطوف؛ لأن" علم" أخذ مفعوله فلا يمكن أن يقدر العائد فيه، ولا يجوز عطف الجملة على الصلة إذا خلت عن العائد إلا إذا كان العطف بالفاء، وأما قول بعضهم: إنه يمكن تقدير عائد فى المعطوف بأن يقال: وعلمه، ويجعل قوله: " ما لم نعلم" بدلا من الضمير أو خبرا لمبتدأ محذوف، أو مفعولا لفعل محذوف تقديره: أعنى؛ فتعسف وخروج عن الطريق المستقيم. أما الأول فلاستلزامه الا بدال من المحذوف، وحذف المبدل منه غير جائز عند الجمهور فى غير الإنشاء، وعند ابن الحاجب (١) مطلقا، وأما فى الأخيرين فلاستلزامهما الحذف بلا
следующие страницы →