← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2

تقديم الحمد لله والصلاة والسّلام على رسوله ﷺ ، وبعد: فقد بدأنا هذه السلسلة من تحقيق هذا التراث البلاغى المطمور من شروح" التلخيص" بإخراج كتاب" عروس الأفراح" للسبكي، ثم ثنينا بهذا الكتاب إنجازا لما وعدنا به من محاولة إخراج هذا التراث فى ثوب قشيب جديد، يساعد الباحث على استجلاء خير ما فيه، والوقوف على بغيته من قضايا البلاغة ومسائلها. والحقيقة أن معين البلاغة لا ينضب، وأن كتب التراث مهما تباعد زمانها فلا يزال الباحثون المعاصرون يجدون فيها كثيرا مما يوافق أحدث النظريات والبحوث العلمية، وهذا يجعلنا نعكف على قراءة هذا التراث بشيء من التأنى والتؤدة؛ بغية تأصيل كثير من القضايا المعاصرة. والحق الذى لا مرية فيه- وهو ما أكده كثير من الدارسين العقلاء- أننا إذا أردنا نهضة علمية صحيحة تمثل هويتنا وذاتنا العربية الإسلامية، فلا بد لهذه النهضة أن تقوم على أمرين: ١ - العكوف على دراسة التراث وهضمه وتمثله. ٢ - إعادة النظر فى ذلك التراث فى ضوء أطروحات العصر، ومحاولة الانطلاق من روح ذلك التراث ومفاهيمه دون التقيد الحرفى بتطبيقاته؛ للوصول إلى رؤية حديثة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. وبغير هذا الصنيع فلن نكون جديرين باحترام الآخرين لنا؛ ذلك لأن الآخر لن ينظر إلينا بعين التقدير والاحترام إذا نظر فيما نقدمه فقال: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وإنما سوف نكون جديرين باحترام الناس جميعا إذا وجدوا لدينا ما نتميز به، وما يعبر عن ذواتنا وهوياتنا المغايرة لذواتهم وآرائهم وما هم عليه، فحينئذ سيكون أدبنا وبلاغتنا ونقدنا وسائر علومنا جديرة بأن يقرأها الآخرون؛ لأنهم سوف يجدون فيها ما ليس عندهم. أما وهم لا يجدون فى كتاباتنا إلا صورة مشوهة لآداب الغرب وعلومه، فليس فى ذلك إلا ما يدعو للسخرية والنفور! المحقق

стр. 3

ترجمة جلال الدين القزوينى صاحب" التلخيص " اسمه ونسبه: هو محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن الحسن بن على بن إبراهيم بن على بن أحمد بن دلف بن أبى دلف، العجلى القزوينى، جلال الدين أبو المعالى بن سعد الدين بن أبى القاسم بن إمام الدين، الشافعى العلامة. ولادته ونشأته: ولد سنة ٦٦٦ هـ، وسكن الروم مع والده وأخيه، واشتغل وتفقه حتى ولى قضاء ناحية بالروم وله دون العشرين، ثم قدم هو وأخوه أيام التتر من بلادهم إلى دمشق. صفته: كان فهما ذكيّا مفوها حسن الإيراد جميل الذات والهيئة والمكارم، وكان جميل المحاضرة حسن الملتقى حلو العبارة حاد الذهن جيد البحث منصفا، فيه مع الذكاء والذوق فى الأدب حسن الخط. وكان جوادا صرف مال الأوقاف على الفقراء والمحتاجين. وكان مليح الصورة، فصيح العبارة، موطأ الأكناف، جم الفضيلة، يحب الأدب ويحاضر به ويستحضر نكته. طلبه للعلم ومشايخه: سمع من العز الفاروتى (١) وطائفة وأخذ عن الأيكى وغيره، وخرج له البرزالى جزءا من حديثه وحدث به، وتفقه واشتغل فى الفنون وأتقن الأصول والعربية والمعانى والبيان.

стр. 4

وكان يرغّب الناس فى الاشتغال بأصول الفقه وفى المعانى والبيان. ولى القضاء فى ناحية الروم ثم دمشق ثم مصر ثم دمشق، وخطب بجامع القلعة لما أتى مصر بأمر من السلطان. قال عنه صاحب" كشف الظنون": " المعروف بخطيب دمشق"، ولعل هذا سبب شهرته بالخطيب القزوينى، وكان يفتى كثيرا. مصنفاته: قال ابن كثير: " له مصنفات فى المعانى، مصنف مشهور اسمه" التلخيص" اختصر فيه" المفتاح" للسكاكى". وهو من أجل المختصرات فيه كما قال السيوطى. وله: إيضاح التلخيص، والسور المرجانى من شعر الأرجانى. وفاته: قال ابن حجر: " قال الذهبى: مات فى منتصف جمادى الأولى سنة ٧٣٩ هـ، وشيعه عالم عظيم وكثر التأسف عليه، وسيرته تحتمل كراريس وما كل ما يعلم يقال. هذا كلام الذهبى على عادته فى الرمز إلى الحط على من يخشى غائلة التصريح فيه". اه كلام ابن حجر. وقال الحافظ ابن كثير: " دفن بالصوفية ... وكان عمره قريبا من السبعين أو جاوزها" (١).

стр. 5

ترجمة سعد الدين التفتازاني صاحب" مختصر السعد شرح التلخيص " هو مسعود بن عمر بن عبد الله، سعد الدين التفتازانى، الإمام العالم بالعلوم العربية والكلام والأصول والمنطق، وكان فى لسانه حبسة. مولده: ولد بتفتازان- وهى بلدة بخراسان- فى صفر سنة ٧١٢ هـ، هذا ما ذكره الإمام ابن حجر فى" الدرر الكامنة" على ما وجد بخط ابن الجزري. منزلته وشهرته: اشتهر ذكره وطار صيته فى الآفاق، وكان من محاسن الزمان، وأحد الأعلام والأعيان، وقد خلد التاريخ ذكره فى بطون الأوراق، وانتفع الناس بتصانيفه فى أنواع العلوم التي تنافس الأئمة فى تحصيلها والاعتناء بها، وكان قد انتهت إليه معرفة علوم البلاغة والمعقول بالمشرق، بل بسائر الأمصار لم يكن له نظير فى معرفة هذه العلوم. مصنفاته: له التآليف التى تدل على عظيم قدرته، ومزيد فطنته وذكائه، منها: (١) الشرحان الكبير والصغير على تلخيص «المفتاح»، أتم الأول بهراة سنة ٧٤٨ هـ، والثانى سنة ٧٥٦ هـ. (٢) شرح الرسالة الشمسية المعروف بالسعدية (فى المنطق)، أتمه فى جمادى الآخرة سنة ٧٥٧ هـ بمزار جام. (٣) حاشية التلويح على التوضيح فى الأصول (فقه حنفي)، أتمها فى ذى القعدة سنة ٧٦٨ هـ.

стр. 6

(٤) تهذيب المنطق والكلام، أتمه فى رجب سنة ٧٨٩ هـ. (٥) المقاصد وشرحها فى علم الكلام، أتمها فى رجب سنة ٧٨٩ هـ. (٦) مفتاح الفقه، أتمه سنة ٧٧٢ هـ. (٧) حواشى الكشاف، أتمها فى الثامن من شهر ربيع الأول سنة ٧٨٩ هـ. (٨) شرح الزنجانى فى الصرف، عمله حين بلغ عمره ست عشرة سنة فى شهر شعبان سنة ٧٣٨ هـ. (٩) شرح تلخيص الجامع الكبير سنة ٧٨٦ هـ بسرخس. (١٠) رسالة الإرشاد، أتمها فى سنة ٧٧٤ هـ. (١١) شرح عقائد النسفي، أتمه فى شعبان سنة ٧٦٨ هـ. (١٢) حاشية شرح مختصر ابن الحاجب للعضد، أتمها فى سنة ٧٧٠ هـ. (١٣) شرح المفتاح، أتمه فى شوال سنة ٧٨٩ هـ بسمرقند. (١٤) شرع فى تأليف الفتاوى الحنفية يوم الأحد التاسع من ذى القعدة سنة ٧٦٩ هـ. مذهبه الفقهي: اختلف الناس فى مذهبه الذى كان يتعبد عليه: أ- طائفة جعلوه حنفيّا؛ من جراء تصانيفه فى فقه أبى حنيفة، ومن هؤلاء ابن نجيم المصرى صاحب" البحر الرائق" فى فقه الحنفية، قال: إليه انتهت رياسة الحنفية فى زمانه حتى ولى قضاء الحنفية، وله تكملة شرح الهداية للسروجي، وفتاوى الحنفية، وشرح تلخيص الجامع الكبير. ب- طائفة جعلوه شافعيّا، منهم: صاحب كشف الظنون، وحسن جلبى فى حواشيه على المطول، والكفوي قال: كان التفتازانى من علماء الشافعية وله آثار جليلة فى أصول الحنفية. وكذا السيوطى فى بغية الوعاة (١).

стр. 7

عبقرية التفتازاني: يقول الشيخ المراغى فى" تاريخ علوم البلاغة": " إن السيد الشريف وإن فاقه ذكاء وغلبه فى البحث والجدل، فإنه لا يصل إلى منزلته فى دقة الفكر والغوص على المعاني، وقد كان فى بدء التأليف وأثناء التصنيف يغوص فى بحار تحقيقاته، ويلتقط الدر من تدقيقاته، ويعترف برفعة شأنه، وجلالة قدره وعلوّ مقامه، إلا أنه وقعت بينهما منافرة بسبب المناظرة التى كانت فى مجلس تيمورلنك، وحل الخلاف محل الوفاق، والتزم كل منهما تزييف ما قال الآخر". وقال مؤرخ المغرب القاضى عبد الرحمن بن محمد الحضرمى المالكى الشهير بابن خلدون فى" مقدمة" تاريخه: وقفت بمصر على تآليف متعددة لرجل من عظماء هراة من بلاد خراسان اشتهر بسعد الدين التفتازاني، تشهد بأن له ملكة راسخة فى علم الكلام وأصول الفقه والبيان، وفى أثنائها ما يدل على أن له اطلاعا على العلوم الحكمية، وقدما عالية فى سائر الفنون. ذكر وفاته- رحمه الله تعالى -: قال السيوطى فى" بغية الوعاة": " مات بسمرقند سنة إحدى وتسعين وسبعمائة هجرية" وقال ابن حجر فى" الدرر": " مات فى صفر سنة ٧٩٢ هـ، ولم يخلف بعده مثله، وكان مولده سنة ٧١٢ هـ على ما وجد بخط ابن الجزري، وذكر لى شهاب الدين بن عربشاه الدمشقى الحنفى أن الشيخ علاء الدين كان يذكر أن الشيخ سعد الدين توفى سنة ٧٩١ هـ عن نحو ثمانين سنة". كتاب" مختصر السعد ": أما كتابه هذا فهو من جملة شروح" التلخيص" الدائرة فى فلك" المفتاح" والتى صبغتها الصبغة السكاكية، وغلبت عليها الحدود المنطقية. غير أن القارئ لكتابه لا يعدم فائدة أو لطيفة يبز بها التفتازانى أقرانه، ويتميز بها عليهم، وقد حاولنا إبراز بعض ذلك فى مواضعه.

стр. 8

ترجمة محمد بن عرفة الدسوقى صاحب" حاشية الدسوقى " اسمه وكنيته (١): هو محمد بن أحمد بن عرفة المصرى المالكى الشهير بالدسوقى. مولده وحياته: لم تحدد كتب التراجم تاريخ نشأته، ولم تحدد عمره، هل عمّر طويلا أم لم يعمر. ولكنه ولد بدسوق- إحدى قرى الدلتا بمصر- ورحل إلى القاهرة، وحفظ القرآن، وتعلم بالأزهر الشريف حتى صار شيخا له رواده من طلبة العلم. صفاته: هو الجامع لأشتات الفضائل والمعارف، المنفرد بتسهيل المعانى، وتبيين المبانى، اشتهر فى عصره بحل المشكلات، وفتح باب المعضلات، بأسلوب عذب وتحرير بديع. شيوخه: تلقى العلم على عليّ الصعيدى، والدردير، وحسن الجبرتى المتوفى سنة ١١٨٨ هـ صاحب الشروح والحواشى فى العلوم المختلفة من فقه وهندسة، وقد أخذ عن الأخير علم الفلك والهندسة والتوقيت والحكمة برواق الجبرتى بالأزهر. تلاميذه: لم تذكر كتب التراجم أسماء تلامذته، إلا الشيخ حسن العطار المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ، وقد كان تلميذا نجيبا حيث كان الدسوقي شيخ الجامع الأزهر، وقد رثاه

стр. 9

عند وفاته بقصيدة سوف نذكر جزءا منها عند ذكر وفاته، وقد كان درسه مجتمع أذكياء الطلاب النابغين من ذوى الألباب. مؤلفاته: له التآليف السهلة العبارة، الواضحة الأسلوب، وقد كان مكثرا فى عمل الحواشى على الكتب المختلفة من نحو وبلاغة وشعر وفقه ... إلخ، مثل: حاشيته على مختصر السعد على تلخيص المفتاح، وحاشيته على شرح المغنى لابن هشام، وحاشيته على شرح المحلى للبردة، وحاشيته على شرح الدردير لمتن خليل فى فقه المالكية. وفاته: لم يزل معنيّا بالجمع والكتابة والإفادة والإفتاء إلى أن اعتلت صحته، وتوفى يوم الأربعاء الحادى والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ١٢٣٢ هـ، وصلّى عليه بالجامع الأزهر فى جمع حافل، ودفن بقرافة المجاورين، ورثاه تلميذه حسن العطار بقصيدة منها: أحاديث دهر قد ألّم فأوجعا ... وحلّ بنادى جمعنا فتصدّعا ومنها: وأبقى بتأليفاته بيننا هدى ... بها يسلك الطّلّاب للحقّ مهيعا وحلّ بتحريراته كلّ مشكل ... فلم يبق للإشكال فى ذاك مطمعا ومنها: فقدناه لكن نفعه الدّهر دائم ... وما مات من أبقى علوما لمن وعى

стр. 10

منهج التحقيق ١ - اعتمدنا فى تحقيق هذا الكتاب على النسخة المصورة عن طبعته القديمة المتداولة، مع الاستعانة فى تصحيحها بمخطوطات الكتاب فى دار الكتب المصرية. ٢ - أضفنا تعليقات توضيحية أفدناها من شروح" التلخيص" الأخرى. ٣ - تخريج الشواهد القرآنية. ٤ - تخريج الشواهد الحديثية فى كتب الحديث المشهورة مع الحكم على الحديث. ٥ - تخريج الشواهد الشعرية فى دواوينها ومصادرها فى كتب الأدب وكتب التراث البلاغى. ٦ - شرح معانى الألفاظ الغريبة. ٧ - الترجمة لبعض أعلام البلاغة المذكورين فى الكتاب. ٨ - الترجمة الوافية لكل من الخطيب القزوينى صاحب الأصل (التلخيص) والتفتازانى صاحب الشرح (مختصر السعد)، والدسوقى صاحب الحاشية (حاشية الدسوقى على مختصر السعد). ٩ - جعلنا شرح السعد كمتن فى أعلى الصفحة وحاشية الدسوقى شرحا عليه. ١٠ - زيادة بعض العناوين الفرعية للموضوعات، مع تمييزها بمعكوفين. ١١ - وضع الفهارس العلمية الشاملة للقرآن والحديث والشواهد الشعرية والموضوعات.

стр. 11

حاشية الدسوقي على مختصر السّعد

стр. 12

مقدمة مختصر السعد بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم كلمة الافتتاح للدسوقي === الحمد لله العلى الأعلى، موجد الأشياء بعد فنائها، فله المجد الأسنى، أحمده على ما ألهمناه من معانى البيان، وعلمنا من لوامع التبيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك المنان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد ولد عدنان- صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين أعجزوا ببلاغتهم فرسان البلغاء فى كل ميدان؛ وبعد: فيقول العبد الفقير المضطر لإحسان ربه القدير، محمد بن عرفة الدسوقى، نظر الله بعين لطفه إليه، وغفر له ولوالديه: هذه فوائد شريفة، وتقييدات لطيفة، على شرح العلامة الثانى سعد الملة والدين التفتازانى لتلخيص" المفتاح"، اقتطعتها من تقارير مشايخنا المحققين، ومن زبد أرباب الحواشى والشارحين، وإن لم أكن من فرسان هذا الميدان، لكن رجوت العفو بدعوة صالح من الإخوان، وبالله أستعين، وعليه التكلان، فى سلوك سبيل الرشاد فى كل شان. [القول فى البسملة]: قال- نفعنا الله به (١) -: (بسم الله الرحمن الرحيم)، ينبغى التكلم على هذه الجملة بما يتعلق بها من الفنون الثلاثة التى صنّف فيها هذا الكتاب كما هو اللائق بالشارع فى كل فن؛ لما قيل: إن ترك التكلم عليها إما تقصير أو قصور، فنقول: يتعلق بها من فن المعاني- وهو الباحث عن مقتضيات الأحوال- مبحثان: الأول: أن مقتضى الحال تقدير المتعلّق مؤخّرا؛ لإفادة الاهتمام باسمه تعالى؛ لأن المقام مقام استعانة بالله، ولإفادة القصر. والقصر: إما قصر إفراد، وهو يخاطب به من يعتقد الشركة، وقصر قلب، ويخاطب به من يعتقد العكس، وقصر تعيين، ويخاطب به الشاك.

стр. 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فالقصر هنا ينظر فيه لأحوال المخاطبين: فهو قصر قلب إن كانوا يعتقدون أن البركة تحصل بالابتداء بغير اسم الله . وقصر إفراد إن اعتقدوا أنها تحصل بالابتداء باسم الله واسم غيره. وقصر تعيين: إن شكوا فى حصول البركة بأىّ. لكن هذا الثالث بعيد. المبحث الثانى: أن مقتضى الحال قطع الصفات، أعنى الرحمن الرحيم؛ لأن المقام مقام ثناء، وقد نصوا على أن النعوت إذا كان المقصود منها المدح فالأولى قطعها؛ لأن فى قطعها دلالة على أن المنعوت متعيّن بدونها، وإنما أتى بها لمجرد المدح، لكن لا يخفاك أن الوارد فى القرآن والسنة الإتباع، وحينئذ فتكون مخالفة مقتضى الحال؛ لما فى الإتباع من الجرى على الأصل؛ إذ الأصل عدم القطع، ثم إذا قطعت تلك الصفات على تقدير (هو)، أو (أعنى) كانت الجملة مفصولة، فيقال: ما سبب الفصل دون الوصل؟ فيقال: سببه أنه لم يقصد التشريك بين الجملتين فى حكم من الأحكام المقتضى ذلك للوصل، أو يقال: سببه أن بين الجملتين كمال الانقطاع؛ وذلك لأن جملة" أؤلف باسم الله" خبرية بالنظر لصدرها، وجملة" هو الرحمن" مثلا لإنشاء المدح، ومتى كان بين الجملتين كمال انقطاع تعين الفصل، كما يأتى إن شاء الله تعالى. وأما ما يتعلق بها من علم البيان- الباحث عن حال اللفظ من حيث الحقيقة والمجاز والكناية- فخمسة مباحث: الأول: " الباء" حقيقتها الإلصاق، وهو حقيقى ك" أمسكت بزيد" إذا قبضت على شيء من جسمه أو على ما يحبسه من يد أو نحوه، ومجازى نحو" مررت بزيد" أى ألصقت مرورى بمكان يقرب من زيد، وهى هنا للاستعانة، وحيث كانت هنا كذلك فتكون استعارة تبعية، وتقريرها أن يقال: شبه الارتباط على وجه الاستعانة بالارتباط على وجه الإلصاق بجامع مطلق الارتباط فى كلّ، فسرى التشبيه للجزئيات، فاستعيرت الباء الموضوعة للإلصاق الجزئى للاستعانة الجزئية على طريق الاستعارة التبعية، ولك أن تجعلها من قبيل المجاز المرسل علاقته الإطلاق، والتقييد، وذلك أن الباء

стр. 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === موضوعة للارتباط المقيد بالإلصاق فأطلقت عن ذلك، واستعملت فى الارتباط على وجه الاستعانة، فهو مجاز مرسل بمرتبتين علاقته ما ذكر. هذا إذا كان استعمال الباء فى الاستعانة من حيث خصوصها، وأما إن كان الاستعمال فيها من حيث إنها جزئى من جزئيات مطلق ارتباط كان المجاز بمرتبة وهى الإطلاق على ما فيه من الخلاف، ثم حيث نقلت الباء من معناه الأصلى، وهو الإلصاق للاستعانة، فحق الاستعانة أن تكون بالذات لا بالاسم، وهنا قد جعلها بالاسم فيكون ذلك مجازا على مجاز، أما المجاز المبنى عليه فقد علمته، وأما المبنى فتقريره أن يقال: شبه الارتباط الواقع بين مطلق مستعان فيه واسم المستعان به، بالارتباط الواقع بين مطلق مستعان فيه وذات المستعان به، فسرى التشبيه للجزئيات، فاستعيرت الباء الموضوعة للارتباط بين المستعان فيه ونفس المستعان به الخاصين للارتباط بين المستعان فيه واسم المستعان به الخاصين، على طريق الاستعارة التبعية. هذا وقد وقع خلاف فى بناء المجاز على المجاز: فقال بعضهم بمنعه؛ لأن فيه أخذ الشىء من غير مالكه؛ لأن الحق فى اللفظ إنما هو للمعنى الحقيقىّ والمجازىّ أخذه تطفلا، وقال بعضهم بالجواز؛ لأن اللفظ لما نقل للمعنى المجازى بالعلاقة صار كأنه موضوع له خصوصا، وقد قالوا: إن المجاز موضوع بالوضع النوعى، وجعل من ذلك قوله تعالى: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا (١)، فإن السر ضد الجهر، ثم أطلق على الوطء مجازا؛ لأنه لا يكون غالبا إلا سرّا، ثم استعمل اللفظ فى سببه وهو العقد، وحينئذ فاستعمال السر فى العقد مجاز مبنى على مجاز. ثم اعلم أنه على القول بالجواز تعتبر علاقة المجاز الثانى بينه وبين المجاز الأول، لا بينه وبين المعنى الحقيقى. المبحث الثانى: الجار والمجرور فى البسملة متعلّق بمحذوف، وحينئذ ففيها مجاز بالحذف بناء على قول من يقول: إن الحذف مجاز مطلقا، وأما على قول من يقول: ليس بمجاز مطلقا، وكذا على قول من يقول: إنه مجاز إذا تغير بسببه إعراب الباقى

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === كما فى قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١) - فليس فيها مجاز. وسيأتى أن المجاز بالحذف ليس من قسم المجاز المعرّف بأنه: الكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له ... إلخ، بل قسم آخر. المبحث الثالث: إضافة" اسم" إلى" الله" حقيقية إن أريد من لفظ الجلالة الذات، وعليه يأتى ما مر من بناء المجاز على المجاز، وأما إن أريد منه اللفظ فهى بيانية، والإضافة البيانية مجاز بالاستعارة عندهم؛ لأن الإضافة البيانية مقابلة للحقيقيّة، والإضافة نسبة جزئية بمنزلة معنى الحرف، والاستعارة فى معنى الحرف تبعية، فكذا ما كان بمنزلته. وتقريرها أن تقول: إن هيئة الإضافة موضوعة لتخصيص الأول بالثانى أو تعريفه به، فاستعملت هنا فى تبيين الثانى للأول بأن شبه مطلق نسبة شيء لشيء على أن الثانى مبين للأول بمطلق نسبة شيء لشيء، على أن الثانى مخصص أو معرف للأول بجامع مطلق التعلق فى كلّ، فسرى التشبيه للجزئيات، فاستعير صورة الإضافة الموضوعة للنسبة الجزئية المفيدة للتعريف والتخصيص، للنسبة الجزئية المفيدة للبيان على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. المبحث الرابع: لفظ الجلالة علم على الذات العلية علم شخصى لا جنسى، وقد اختلف فى الأعلام الشخصية: فقيل: إنها حقيقة؛ لأنها استعملت فيما وضعت له، وقيل: إنها واسطة بين الحقيقة والمجاز؛ لأنهما من خواص الأمور الكلية، والأعلام الشخصية موضوعة لمعان جزئية، فعلى القول الأول لفظ الجلالة حقيقة، وعلى الثانى لا حقيقة ولا مجاز، بل واسطة بينهما. المبحث الخامس: حقيقة الرحمة رقة فى القلب وانعطاف تقتضى التفضل والإحسان، وهى مستحيلة عليه ، فيراد منها لازمها، وهو التفضل والإحسان، واشتق منها بهذا المعنى رحمان ورحيم بمعنى: متفضل ومحسن، فهو مجاز

стр. 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مرسل تبعى؛ لأن التجوز فيهما تابع للتجوز فى أصلهما. وذكر بعضهم أنه يصح أن يكون فى الكلام استعارة تمثيلية بأن يقال: شبه حال الله مع عباده فى إيصاله لهم بجلائل النعم ودقائقها، بحال ملك رق قلبه على رعيته فأوصلهم إنعامه، بجامع أن كلّا حالة عظيم مستول على ضعفى ممدّ لهم بإحسانه، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه. وأورد عليه أن اللفظ المستعار فى التمثيلية لا بد أن يكون مركّبا كما فى" إنى أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى" وما هنا مفرد، وأجيب: بأنه يجوز أن يقتصر على بعض المفردات، ويرمز به إلى المركب على أن المشترط فى اللفظ منها إنما هو مطلق تركيب، وهو حاصل ب" الرحمن الرحيم" وليس بلازم أن يكون تركيب جملة. واعترض بأن المشبه به شأنه أن يكون أقوى من المشبه، وجعل حال الملك أقوى من حال الله لا يتم، وأجيب بأنه ليس المراد القوة بحسب الحقيقة ونفس الأمر فقط، بل القوة ولو بالاعتبار كما هنا، فحال الملك باعتبار مشاهدتها للقاصرين أقوى، واعترض أيضا بأن استعارة اللفظ من شيء لشيء تقتضى استعمال اللفظ فى المستعار منه، وقد نصوا على أن" الرحمن الرحيم" مختصان بالله ولم يستعملا فى غيره، وأجيب بأن الاستعمال فى المستعار منه ليس بلازم، بل يكفى الوضع للمستعار منه الذى هو المعنى الحقيقى، ولذا قال الشارح بجواز وجود مجازات لا حقائق لها. وأما ما يتعلق بها من البديع: فاعلم أن فيها التورية، وهى أن يطلق لفظ له معنيان: قريب وبعيد، ويراد البعيد اعتمادا على قرينة خفية، فقد أطلقت الرحمة وأريد بها التفضل والإحسان- الذى هو معنى بعيد لها؛ لأنه مجازى- اعتمادا على قرينة خفية، وهو استحالة المعنى القريب الذى هو الرقة. وفيها أيضا القول بالموجب، ويقال له: المذهب الكلامى، وهو أن يساق المعنى بدليله، كما فى قوله (١):

стр. 17

نحمدك ... === لو لم تكن نيّة الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق وكما فى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (١). وبيانه هنا: أن قوله: " بسم الله الرحمن الرحيم" فى قوة قولنا: لا أبتدئ إلا باسم الله؛ لأنه الرحمن الرحيم. وفيها أيضا الاستخدام بناء على أن المراد من اسم الجلالة اللفظ، وفى الرحمن ضمير يعود على الله باعتبار الذات، وفيها التفات على مذهب السكاكى؛ لأن مقتضى الظاهر فى التوجه له تعالى الخطاب، بأن يقال: باسمك اللهم، فعدل عن مقتضى الظاهر وقيل" بسم الله الرحمن الرحيم". وفيها أيضا الإدماج وهو أن يضمّن الكلام المسوق لغرض غرضا آخر، كما فى قوله: أقلّب فيه أجفانى كأنّى ... أعدّ بها (٢) على الدّهر الذّنوبا (٣) وبيان ذلك هنا: أن الغرض الأصلى من البسملة التبرك والاستعانة باسمه تعالى، فبعد أن ذكر هذا الغرض منها أدمج فيها الثناء على الله بكونه رحمانا رحيما. (قوله: نحمدك) أى: نصفك بالجميل الذى أنت أهله؛ لأن الحمد: الثناء بالجميل، ومن المعلوم أن كل أوصافه جميلة، فكأنه قال: نصفك بكل صفة جميلة، ثم إن ذكر نعمتى شرح الصدور وتنوير القلوب، وإن احتمل أن يكون لمجرد تعيين المحمود، أو لمجرد براعة الاستهلال المتبادر منه أنه لأجل كونهما المحمود عليه، والمعنى: نحمدك يا من ... إلخ لأجل هذين الوصفين؛ لأن الموصول مع صلته فى معنى المشتق، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية المشتق منه، وحينئذ فيرد ما يقال: إن هذا الحمد حمد وشكر، فلم اختار التعبير بالحمد على التعبير بالشكر؟ وأجيب: بأنه إنما اختار مادة الحمد على مادة الشكر لأمور ثلاثة: الأول: الاقتداء بالقرآن الأعظم. الثانى: العمل بحديث: " كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه ب (الحمد لله) فهو أجذم" (٤) على رواية ضم الدال. الثالث: أن الحمد اللغوى

стр. 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أظهر من الشكر بغير اللسان فى أداء المقصود؛ لخفاء الاعتقاد، واحتمال عمل الجوارح لغير الحمد، فهو أظهر أنواعه؛ ولذلك روى: " ما شكر الله عبد لم يحمده" (١) أى: ما أظهر نعمته كل الإظهار وكشف عنها عبد لم يثن عليه باللفظ، وإن اعتقد وعمل، فالمراد بالشكر فى الحديث إظهار النعمة، ولا يرد أن زيادة النعم مترتبة على الشكر لقوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (٢)؛ لأنه ليس المراد بالشكر المقتضى لزيادة النعم فى الآية خصوص الشكر اللفظى، أعنى الشكر بخصوص لفظه، بل الشكر العرفى الشامل للثناء بغير لفظه، وخدمة الأركان، واعتقاد الجنان فى مقابلة النعمة، واختارها على مادة المدح للأمرين الأولين، وتنبيها على أنه تعالى فاعل مختار. واختار الجملة الفعلية المضارعية على الاسمية والماضوية؛ لإفادتها؛ لتجدد مضمونها على سبيل الدوام والاستمرار؛ ليناسب الحمد المحمود عليه هنا، وهو نعمة شرح الصدور للتخليص المذكور، وتنوير القلوب، المتجدد ذلك وقتا بعد وقت، بخلاف الماضوية؛ فإنها إنما تدل على الحدوث فقط، والاسمية تدل على الدوام فقط، فلا يناسبان المحمود عليه هنا، وأيضا المضارعية تدل على الأمرين معا، أعنى الحدوث الذى تدل عليه الماضوية، وعلى الاستمرار الدالة عليه الاسمية، وحينئذ فهى أشرف منهما، كذا قيل. ولكن اعترض بأن الاستمرار من وظائف الاسمية فقط- كما يأتى- إلا أن يقال: إن الذى تدل عليه الاسمية الاستمرار مجردا عن التجدد، والذى تدل عليه الجملة المضارعية الاستمرار مع التجدد. ولما رأى بعض الأشياخ هذا الإشكال، قرر أن الجملة الفعلية المضارعية تدل على الاستمرار من حيث القرائن، وفيه أن الماضى كذلك يدل عليه بواسطة القرينة، اللهم إلا أن يقال: قوة دلالة الماضى على الانقطاع تعارض القرينة، فلم يعتبر فيه ذلك. بقى شىء آخر، وهو أن الاستمرار التجددى لمضمون الجملة هنا محال؛ لأن

стр. 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الحمد ثناء، وهو عرض يزول بمجرد حصوله، وأجيب بأن هذا دوام واستمرار تخييلى لا تحقيقي، وأما جواب بعضهم بأن الدوام باعتبار الثواب، ففيه نظر؛ لأن الدوام المدلول للجملة متعلق بمضمونها لا بالثواب، فهو غير منظور له. والنون فى قوله: (نحمدك) يحتمل أن تكون للمعظّم نفسه، وأتى بها مع أنها تدل على العظمة المنافية لمقام التأليف، وهو الذل والانكسار؛ إظهارا لملزومها، وهو تعظيم الله له، فهو من باب التحدث بالنعمة الذى هو أولى من سلوك التواضع عند الفقهاء والمحدّثين، ويحتمل أنها للمتكلم ومعه غيره، والمراد بالغير إخوانه الحامدون أو العلماء وأدخلهم معه فى الحمد؛ إما لكون أمر الحمد عظيما لا يقوم به الشخص الواحد، فاستعان بهم عليه، ومع ذلك لم يقوموا بحقه، وإما لتعود بركة الحمد عليهم؛ شفقة منه عليهم، كما تقرأ شيئا وتهدى ثوابه إلى والديك، فإنه يحصل لك ولهم الثواب. غاية الأمر أنه نزل الشركة فى الحمد منزلة الشركة فى الثواب إقامة للسبب مقام المسبّب. ويحتمل أن المراد بالغير أجزاء ذاته، فكأنه جعل كلّ جارحة بمنزلة شخص مستقل ادعاء، لكن لا يخفى أن من جملة كل جزء موارد الحمد الثلاثة: اللسان، والجنان، والأركان، ومن المعلوم أن إسناد الفعل لآلته مجاز، ولفاعله حقيقة، فيكون إسناد الحمد للمتكلم حقيقة، وإلى الموارد الثلاثة المذكورة مجازا، فيلزم على ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز، كما يقال باعتبار ذلك: يقطع، باعتبار إسناد القطع إلى القاطع وإلى آلته، ولا بعد فيه على مذهب من جوز الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهذا ظاهر على جعل الجملة خبرية، فإن جعلت إنشائية فى المعنى تعين أن تكون النون للعظمة؛ لأن إنشاء الحمد بهذه الجملة لم يقع إلا من المصنف، فلا يتأتى أن تكون لإنشاء الحمد منه ومن غيره إلا على سبيل التنزيل. واعلم أنه إذا جعلت الجملة خبرية لفظا ومعنى، حصل بها الحمد ضمنا فى ابتداء التأليف؛ لأن الإخبار عن حمد يقع منه يستلزم أنّ ذلك المحمود أهل لأن يحمد، وهذا ليس تلزم اتصافه بالجميل الذى هو حقيقة الحمد، أو يقال: هو إخبار عن حمد واقع

стр. 20

يا من شرح صدورنا ... === بذلك الإخبار كما قيل فى نحو (أتكلم): إنه إخبار عن تكلم حصل به، وإنما عدل عن اسم الجلالة الذى ورد التعبير به فى الكتاب والسنة فى مقام الحمد إلى ضمير الخطاب؛ لأن اللائق بحال الحامد أن يلاحظ المحمود فى حال حمده حاضرا مشاهدا؛ ليكون حمده على وجه الإحسان المفسّر فى حديث الإحسان: " أن تعبد الله كأنك تراه" (١)، ففى التعبير بالضمير المذكور إشارة إلى أن الحامد بلغ مقام المشاهدة للمحمود، بحيث حمده على وجه المخاطبة والمشافهة، وإنما آثر تأخير المفعول مع أن تقديمه يفيد الاختصاص؛ لأن تأخيره هو الأصل، وللإشارة إلى استغناء هذا الاختصاص عن البيان لوضوحه. (قوله: يا من) أتى ب" يا" الموضوعة لنداء البعيد مع أنه تعالى أقرب إلينا من حبل الوريد؛ إشارة إلى علوّ مرتبة الحضرة العلية عن الحامد الملوّث بالمكدرات البشرية من الذنوب والآثام؛ ولذا قال بعض الأفاضل: العبد عبد وإن تسامى ... والمولى مولى وإن تنزّل ولا يناقض هذا ما مر فى نكتة التعبير بكاف الخطاب؛ لأن البعد الرتبى بين الحق والخلق يصاحبه قوة الإقبال والتوجه إليه تعالى، واستعمل" من" فى الذات العلية مع أنها من المبهمات؛ لورود الإذن فى إطلاقها عليه كتابا وسنة، نحو: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى (٢) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ (٣)، وفى الحديث: " يا من إحسانه فوق كل إحسان، يا من لا يعجزه شىء"، فمنع إطلاقها (٤) عليه تعالى فيه نظر. (قوله: شرح) الشرح فى الأصل: الفتح، والمراد به هنا التهيئة، وقوله: (صدورنا) جمع صدر بمعنى القلب، من إطلاق المحل وإرادة الحالّ، وفى الحقيقة المهيأ للعلوم إنما هو النفس بمعنى الروح لا القلب بمعنى المضغة الحالة فى الصدر، فيراد بالقلب النفس، والمعنى:

стр. 21

لتلخيص البيان فى إيضاح المعانى، ... === يا من هيأ أرواحنا القائمة بقلوبنا التى محلها منا الصدور، ففيه مجاز بمرتبتين من إطلاق المحل على الحال فيهما. (وتلخيص الكلام): تنقيحه أى: الإتيان به خالصا من الحشو والتطويل، (والبيان) هو الكلام الفصيح المعرب عما فى الضمير، ثم إنه لا بد من حذف فى الكلام، والمعنى يا من هيأ أرواحنا لعلم كيفية تلخيص الكلام الفصيح وتنقيحه وتخليصه من الحشو والتطويل والقصور عن فهم مراده حينما احتجنا لذلك؛ لأن الذى تهيأ النفس لقبوله العلوم والمعارف، وقوله: (فى إيضاح المعاني) يحتمل أن تكون" فى" بمعنى" مع" على حد قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ (١)، أى: نحمدك يا من هيأ قلوبنا للعلم بكيفية الإتيان لكلام الفصيح منقحا مصاحبا لإيضاح المعاني، أى معانى ذلك البيان؛ وعلى هذا فالإتيان بلفظ" في" التى بمعنى" مع" إشارة إلى أن المقصود بالذات إيضاح المعاني، وأما الإتيان بالكلام الفصيح منقحا فهو بالتبع؛ لأن" مع" تدخل على المتبوع، ويحتمل أن تكون بمعنى" لام التعليل" متعلقة بتلخيص على حد قوله تعالى: لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ (٢) أى: لأجل ما أفضتم فيه، أو باقية على حالها متعلقة بمحذوف صفة لتلخيص أو للبيان، وفى الكلام حذف، والمعنى: التلخيص الكائن أو البيان الكائن فى وقت إيضاح المعاني وحالته، أو أنها بمعنى" عند"، والمعنى: يا من علمنا كيفية تلخيص البيان عند قصدنا إيضاح المعانى بذلك البيان، ولا يخفى ما فى كلام الشارح من الاحتراس؛ إذ ربما يتوهم من تلخيص البيان عدم إيضاح معانيه، فدفع ذلك التوهم بقوله: فى إيضاح المعانى، على حدّ قوله (٣): فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى

стр. 22

ونوّر قلوبنا بلوامع التبيان ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ويحتمل أن يراد بالبيان والمعانى خصوص العلمين، وحينئذ ف" فى" بمعنى" مع"، ولا يخفى ما فى كلام الشارح من المحسّنات البديعية، ففى التعبير بشرح الصدور حسن الافتتاح؛ لأن شرح الصدور أصل لكل خير، ففى افتتاح الكلام به إدخال السرور على السامع، وفيه أيضا براعة استهلال؛ لأنه يشير إلى أن الكلام الآتى شرح، وقوّى البراعة بما ذكره بعد بقوله: لتلخيص البيان، وإيضاح المعاني، وفى ذكر التلخيص، والإيضاح، والبيان، ودلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة- التى هى أسماء كتب فى هذا الفن، الأولان للمصنف، والثالث للطيبي، والأخيران للشيخ عبد القاهر- التوجيه، وهو أن يوجه الكلام إلى أسماء متلائمة ولو اصطلاحا، كما فى قول علاء الدين الكندى: من أمّ بابك لم تبرح جوارحه ... تروى أحاديث ما أوليت من منن فالعين عن قرّة والكفّ عن صلة ... والقلب عن جابر والسّمع عن حسن (قوله: ونورّ قلوبنا) التنوير: إدخال النور فى القلب، والمراد بالقلوب النفوس، واللوامع: جمع لامعة، وهى الذات المضيئة كالشمس والقمر والنجوم، والتبيان هو الكلام الفصيح المقترن بدليل أو برهان، فهو أخص من البيان، وإضافة اللوامع للتبيان إما من قبيل إضافة المشبه به للمشبه أى: بالتبيان الذى هو كالأنجم اللوامع فى الاهتداء بكل، وعلى هذا ف (أل) فى التبيان للاستغراق، فيكون جمعا فى المعنى، فالملاءمة بين المشّبه والمشبه به فى الجمعية حاصلة، وحينئذ فلا يقال: إنّ فيه تشبيه المفرد بالجمع وهو ممنوع، أو يقال: إنه قصد المبالغة فى تشبيهه بجميع اللوامع حيث جعله مقاوما لجميعها، وقولهم بالمنع محله ما لم يقصد المبالغة، فهما جوابان: الأول: بالمنع، والثاني: بالتسليم. ويحتمل أن تكون الإضافة على حقيقتها، والمراد باللوامع المعانى المفهومة بالتبيان على طريق الاستعارة التصريحية؛ وعلى هذا فهو من إضافة المدلول للدالّ، أو من إضافة الموصوف لصفته، أى: اللوامع المبيّنة، من إطلاق المصدر على اسم المفعول؛ لأن التّبيان فى الأصل مصدر (بيّن)، وهو بكسر التاء على غير قياس، ونظيره فى الكسر شذوذا: التّلقاء، وغيرهما بالفتح على القياس كالتّذكار والتّكرار، وإنما عبر الشارح بالبيان فى جانب شرح

стр. 23

من مطالع المثانى، ... === الصدور، والتبيان فى جانب تنوير القلوب؛ لأن التبيان أبلغ من البيان؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى غالبا، فهو بيان مع برهان، وقيل: مع كد خاطر وإعمال قلب، وتنوير القلب أقوى من شرح الصدر؛ لأن تنوير القلب إدخال النور فيه، وشرحه فتحه، والأبلغ أولى بالأقوى، وإنما قدم شرح الصدور على تنويرها؛ لأنه وسيلة له، والوسيلة مقدّمة على المقصد، وهذا كله بحسب الأصل، وإلا فالمراد بشرح الصدور، وتنوير القلوب واحد، ويدل له ما قالوه فى قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ (١) أى: قذف فى قلبه نورا ينتفع به، فإنّ هذا يدل لما قلنا من أن شرح الصدر عبارة عن تنويره، وحينئذ ففى العبارة تفنن، أى: ارتكاب فنين ونوعين من التعبير، كذا قال بعضهم. (قوله: من مطالع المثانى) حال من التبيان، أو صفة له؛ لأن الجار والمجرور الواقع بعد المعرف ب (أل) الجنسية يجوز فيه الأمران، و" من" للسببية، وهذا ترشيح للتشبيه على الاحتمال الأول، والمعنى: ونور قلوبنا بالتبيان الشبيه باللوامع كائنا ذلك التبيان أو الكائن بسبب تدبر مطالع المثاني، وعلى الاحتمال الثانى يكون الجار والمجرور حالا أو صفة للوامع ترشيحا للاستعارة، والمعنى: ونور قلوبنا بمعانى التبيان حالة كونها ناشئة من مطالع المثاني، ف" من" للابتداء، وعلى هذا فمعانى التبيان معان أخر غير معانى القرآن استفيدت من ممارسته. والمثانى- بالثاء المثلثة، كما بالنسخة التى صححها الشارح-: القرآن؛ لأن الأحكام والقصص فيه ثنّيت أى كرّرت، أو لتكرر نزوله، وهو جمع مثنى كمفعل اسم مكان، أو مثنّى بالتشديد من التثنية على غير قياس، (والمطالع) جمع مطلع وهو فى الأصل اسم لمحل طلوع الكواكب والمراد به هنا ألفاظ القرآن، فشبهت ألفاظ القرآن بمحلّ طلوع الكواكب بجامع أن كلّا محل لطلوع ما يهتدى به، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية، وإضافة مطالع للمثانى على هذا من إضافة الأجزاء للكل أو بيانية، ويحتمل أن إضافة مطالع للمثان ى من إضافة المشبه به للمشبه

стр. 24

ونصلى على نبيك محمد المؤيد دلائل إعجازه ... === كلجين الماء، وليس فى الكلام استعارة. وبين المثانى والمعانى من المحسنات البديعية الجناس اللاحق؛ لاختلافهما بحرفين متباعدين فى المخرج. (قوله: ونصلى .. إلخ) (١) لعله لم يأت بالسلام خطّا اكتفاء بإثباته له لفظا، فلا يقال إنّ إفراد الصلاة عن السّلام مكروه، أو إنه ترجح عنده القول بعدم كراهة الإفراد. (قوله: على نبيك) بالهمز مأخوذ من" النبأ"، وهو الخبر؛ لأنه مخبر عن الله بما بلغه الملك من الأحكام، أو لإخباره الناس بأنه نبى فيحترم. وبدون همز من" النبوة" وهى الرفعة؛ لارتفاع رتبته. وإنما لم يقل: على رسولك، مع أن الرسالة أشرف؛ لأن الوصف بالنبوة أشهر استعمالا. (قوله: محمد) بدل أو عطف بيان من" نبيك". (قوله: المؤيد) من التأييد، وهو التقوية، وهو نعت لمحمد لا لنبي؛ لئلا يلزم تقديم غير النعت من التوابع عليه. (قوله: دلائل) جمع دليل على غير قياس كوصيد ووصائد؛ لأن شرط جمع فعيل على فعائل أن يكون مؤنثا كسعيد اسم امرأة، والأولى أن تكون جمع دلالة بمعنى دليل ولا شذوذ ولا شىء، قال فى" الخلاصة" (٢): وبفعائل اجمعن فعاله ... وشبهه ذا تاء أو مزاله ثم إن دليل الشيء ما يؤدى إلى معرفته، وحينئذ فدلائل إعجازه- ﵊ المعجزات التى يعرف بها إعجازه- ﵇ لمعارضيه عن المعارضة بالإتيان بمثل ما أتى به، واعترض بأن المعجزات (٣) إنما يعرف بها صدقه- ﵊ لأنه المقصود من الإتيان بها لا الإعجاز الذى هو إثبات عجز الغير، وحينئذ فالأولى للشارح أن يقول: المؤيد دلائل صدقه إلخ، وأجيب بأن الإعجاز فى الأصل إثبات

стр. 25

بأسرار البلاغة، وعلى آله وأصحابه المحرزين قصب السبق ... === العجز فى الغير ثم نقل لإظهار العجز فيه، ثم نقل لأظهار صدق النبى- ﵊ فى دعواه الرسالة، فهو مجاز مبنى على مجاز، وحينئذ فالمعنى: المؤيد دلائل صدقه، وبأن الإضافة لأدنى ملابسة، وبيان ذلك: أن الدلائل لما كانت ملابسة لإعجاز الخلق أى إثبات عجزهم عن الإتيان بمثلها، ودلت على الصدق بواسطته أضيفت إليه. وفى كلامه من المحسنات البديعية جناس الطباق حيث جمع بين المؤيد والإعجاز، وهما معنيان متقابلان. (قوله: بأسرار البلاغة) أى الأسرار المعتبرة فى البلاغة، وهى مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، وأسرارها: الأمور التى يقتضيها الحال، كالتأكيد عند الإنكار، وتركه عند عدمه، وغير ذلك مما سيأتي، وسميت أسرارا؛ لأنها لا يعرفها إلا أربابها، فشبهت بالسر الذى بين اثنين لا يعرفه إلا هما، واستعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة المصرّحة، فإن قلت: من جملة دلائل إعجازه انشقاق القمر، وسعى الحجر، وغيرهما، وأسرار البلاغة ليست موجودة فيهما، فما معنى كونهما مؤيدين بتلك الأسرار؟ وأجيب بأن المعجزات يؤيد بعضها بعضا، فالتأييد ثابت لهما بالأسرار بهذا الاعتبار، وتوضيح ذلك أن القرآن مؤيّد بأسرار البلاغة، وهو مؤيّد لبقية المعجزات؛ لثبوته بالتواتر وبقائه على الدوام، فتكون الأسرار مؤيّدة لبقية المعجزات؛ لأن مؤيّد المؤيّد لشيء مؤيد لذلك الشيء، هذا إن جعلنا إضافة" دلائل" إلى" إعجاز" للاستغراق، فإن جعلناها للجنس لم يرد السؤال، وكذا إن جعلناها للعهد وأردنا بدلائل إعجازه: السور القرآنية، وكل جملة من القرآن قدر سورة، ومعنى تأييد القرآن بأسرار البلاغة أن أمارات الإعجاز فيه وإن كانت كثيرة من الإخبار بالغيوب، والأساليب العجيبة، وغيرهما، لكن أقوى تلك الأمارات كمال البلاغة الحاصل بتلك الأسرار. (قوله: المحرزين) صفة للآل والأصحاب، مأخوذ من الإحراز، وهو الحوز والضم، أى: الذين حازوا وضمّوا. (وقوله: قصب السبق) القصب: جمع قصبة، وهى سهم صغير تغرسه الفرسان فى آخر الميدان يأخذه من سبق إليه أولا، وإضافة قصب

стр. 26

فى مضمار الفصاحة والبراعة ... === السبق من إضافة الدال للمدلول، أى القصب الدال على السبق، أى الدال حوزه عليه. (وقوله: فى مضمار) صفة القصب أى المغروز فى مضمار الفصاحة، والمضمار محل تسابق الفرسان بالخيل ويقال له أيضا: ميدان، وإنما سمّى مضمارا لتسابق الفرسان فيه بالخيل المضمرة. ثم إن الفصاحة سيأتى تعريفها، وأما البراعة فمصدر (برع) الرجل إذا فاق أقرانه، فالبراعة: فوقان الأقران، والمراد بها هنا ما به الفوقان من الكمال والشرف. ثم لا يخفى أن كلا من الفصاحة والبراعة بالمعنى المراد هنا لا مضمار لهما، وحينئذ ففى الكلام استعارة تمثيلية، حيث شبّه هيئة الآل والأصحاب فى حوزهم أعلى مراتب الفصاحة والبراعة عند المحاورة والتخاطب، بهيئة الفرسان فى حوزهم قصب السبق عند التسابق بالخيل فى الميدان، واستعير اللفظ الموضوع للهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة على طريق الاستعارة التمثيلية، أو استعارة مفردة مصرّحة فى قصب السبق، بأن شبه ما اختصوا به من بديع العبارات الدال على علو مرتبتهم فى الفصاحة والبراعة بقصب السبق، واستعير اسم المشبه به للمشبه، والمضمار ترشيح، أو مكنيّة فى الآل والأصحاب بأن شبههم بفرسان، أو فى الفصاحة والبراعة بأن شبههما بالخيل الجيدة الموصلة للمراد، وإثبات المضمار على كل من الوجهين تخييل، وإحراز قصب السبق ترشيح، والفصاحة والبراعة على الأول من الوجهين تجريد، وأقرب من ذلك أن نقول: الإحراز فى الأصل هو الضم، والمراد به هنا التحصيل، والقصب فى الأصل هى السهام الصغيرة التى تغرز فى آخر الميدان بحيث يعد من أخذها أولا سابقا، والمراد بها هنا النكات الدقيقة، أى: المحصلين للمعانى الدقيقة الدالة على سبقهم على غيرهم. (وقوله: فى مضمار) حال من الآل والأصحاب أى حال كون الآل والأصحاب تتسابق أذهانهم فى مضمار، والمراد به هنا الكلام البليغ من كلام الله ورسوله، فكما أن المضمار الأصلى تركض وتتسابق فيه الفرسان، كذلك الكلام البليغ تركض فيه أذهان الآل والأصحاب، وإضافة المضمار بمعنى الكلام البليغ للفصاحة والبراعة؛ من حيث إنه يفيد أن الراكض فيه ذو فصاحة وبراعة،

стр. 27

وبعد: فيقول الفقير إلى الله ... === كذا قرر شيخنا العلامة العدوى، ولا يخفى ما فى كلام الشارح من التلميح، وهو الإشارة لشيء من كلام الله أو كلام رسوله أو قصة أو مثل، فذكر السبق إشارة لقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١)، وذكر البراعة إشارة لقوله ﵊: " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما ساوى مدّ أحدهم ولا نصفيه" (٢). (قوله: وبعد ... إلخ) هو ظرف زمان مبنى على الضمّ لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، أى: بعد البسملة والحمدلة والصلاة، ودخول الفاء على توهّم" أمّا" فى الكلام، والواو عاطفة قصة على قصة أو للاستئناف: إما النحوى وهو ظاهر، أو البيانى فتكون الجملة واقعة فى جواب سؤال مقدّر، أى: ماذا تقول بعد البسملة والحمدلة والصلاة؟ فأجاب بقوله: وبعد فيقول ... إلخ، وعلى هذا الاحتمال- أعنى كون" أما" متوهمة والواو عاطفة أو استثنائية- فالظرف معمول ل" يقول"، ويحتمل أن تكون" أما" مقدّرة فى نظم الكلام والواو عوض عنها، وعلى هذا الاحتمال فعامل" بعد" أما المحذوفة لنيابتها عن فعل الشرط أو فعل الشرط المقدر بمهما يكن من شيء أو جوابه، وهو يقول. (قوله: فيقول) مقتضى الظاهر أن يعبّر ب" أقول" لكنه التفت من المتكلم فى" نحمدك" إلى الغيبة؛ توصلا للوصف بالعبودية التى هى أشرف الأوصاف، ولو عبر بما يقتضيه الظاهر وأتى بذلك الوصف لكانت جملته فضلة، واللائق بذلك الوصف أن تكون جملته عمدة. (قوله: الفقير) فعيل بمعنى مفتقر، وصيغة فعيل تأتى للمبالغة وصفة مشبهة، وهى هنا للمعنيين؛ بناء على جواز استعمال المشترك فى معنييه، وحينئذ فالمعنى: كثير الفقر ودائمه، وهذا الوصف لازم لكل أحد لا ينفك عنه، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ (٣) وهذا معنى البطلان فى قول لبيد (٤):

стр. 28

الغنى، مسعود بن عمر المدعو بسعد ... === ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل ... ... (قوله: الغني) بالجر صفة لله، أى: المستغنى عن كلّ شيء، فهو سبحانه منزه عن الاحتياج، وبين الفقر والغنى من المحسنات البديعية جناس الطباق، وفى كلامه إشارة إلى أن ما عليه الحادث نقيض ما عليه القديم. ويصح قراءته بالرفع صفة ثانية للعبد، أى: المستغنى به تعالى عن كل ما سواه تعالى؛ وعلى هذا ففيه إيهام التضاد. (قوله: مسعود بن عمر) بدون تنوين؛ لأن العلم الموصوف بابن يحذف تنوينه سواء كان العلم اسما أو كنية أو لقبا، وهو بدل من العبد الفقير أو عطف بيان؛ لأن نعت المعرفة إذا قدم عليها أعرب بحسب العوامل، وأعربت بدلا منه أو عطف بيان وانعكس الأمر فصار التابع متبوعا، بخلاف نعت النكرة إذا قدم عليها فإنه ينصب على الحال غالبا، وتبقى النكرة على ما هى عليه من الإعراب، كما فى قوله: (١): لمية موحشا طلل ... ... ومن غير الغالب قد يعامل نعت النكرة معاملة نعت المعرفة كما فى قولك: ما مررت بمثلك أحد. (قوله: المدعو بسعد) أى المسمى بسعد، وكما أن التسمية تتعدى للمفعول الثانى بالباء كما تتعدىّ بنفسها، كذلك الدعاء الذى بمعناها تارة يتعدى للمفعول الثانى بالباء قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها (٢) أى: سموه، وتارة يتعدى له بنفسه قال تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٣)، وعلى فرض عدم تعديته بالباء يكون ضمّن الدعاء معنى الاشتهار تضمينا نحويّا أو بيانيّا فعداه بالباء، أو ضمنه معنى التسمية تضمينا بيانيّا لا نحويّا؛ لأنّ الدعاء بمعناها وضعا فلا معنى لإشرابه معناها. وعلى

стр. 29

التفتازانى- هداه الله سواء الطريق، ... === فرض عدم التضمين تجعل الباء زائدة للتأكيد لا للتقوية؛ لأن الباء تزاد فى مواضع، منها المفعول كما فى قوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (١)؛ فاندفع ما نقل عن الشارح من أن الأولى المدعو لسعد باللام؛ لأن الدعاء بمعنى التسمية إنما يتعدى لمفعوليه بنفسه، والشائع زيادته للتقوية اللام لا الباء ١٠ هـ. وقد يقال فى ردّه- زيادة على ما مر-: إن زيادة اللام للتقوية إنما ثبتت فى المفعول الأول لا الثانى، فلا يقال: زيد معط عمرا للدراهم (*)، تأمل. ثم إنّ قوله: (المدعو بسعد) أصله بسعد الدين فحذف جزء العلم اختصارا؛ للعلم به بواسطة الشهرة، وتأدبا فى كون الدين سعد به، والتصرف فى العلم شائع على التحقيق. (قوله: التفتازاني) بالجر صفة لسعد، أو بالرفع صفة لمسعود، نسبة لتفتازان قرية من أعمال خراسان، - ولد رحمه الله تعالى- سنة اثنتى عشرة وسبعمائة بتقديم السين، وتوفّى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، أخذ عن القطب الرازى، وعن العضد بسمرقند. (قوله: هداه الله سواء الطريق) عدى الهداية للمفعول الثانى بنفسها دون" إلى" أو اللام؛ ملاحظة لما قيل: إن الهداية إذا تعدّت للمفعول الثانى بنفسها يراد بها معنى الإيصال، وإن تعدت باللام أو" إلى" أريد بها معنى الدلالة، قال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٢)، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣)، كذا فى الخطابي، ويعكر عليه ما فى" المصباح" من أن لغة الحجازيين تعديتها إلى المفعول الثانى بنفسها، ولغة غيرهم تعديتها إليه ب" إلى" أو اللام، ودعوى أنها عند الحجازيين دائما بمعنى الإيصال وعند غيرهم دائما بمعنى الدلالة بعيدة. وإضافة" سواء" إلى" الطريق" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أى: إلى الطريق السواء أى السوىّ بمعنى المستقيم، أو الإضافة على معنى" من" أى السواء بمعنى السوى من الطريق، والطريق يحتمل أن يراد بها هنا الموصلة للمقصود دنيويّا كان أو أخرويّا، ويحتمل أن يراد بها الدليل القطعى على طريق الاستعارة المصرحة، ومن المعلوم أن من هدى للدلائل القطعية صار عالما محققا.

стр. 30

وأذاقه حلاوة التحقيق-: قد كنت شرحت فيما مضى" تلخيص المفتاح"، وأغنيته بالإصباح ... === (قوله: وأذاقه حلاوة التحقيق) التحقيق: ذكر الشيء على الوجه الحق، أو إثبات المسألة بالدليل، وحينئذ فإضافة الحلاوة إليه من إضافة المشبه به للمشبه، والإذاقة ترشيح للتشبيه، أو أنه شبه التحقيق بشيء حلو كعسل النحل استعارة بالكناية، وإثبات الحلاوة تخييل باق على معناه أو مستعار للذة، أى: وأذاقه لذة التحقيق، وهى لذة معنوية، وأما لذة الجماع والشيء الحلو كالعسل فهي حسية، والمعتبر اللذة المعنوية، وأما الحسية فهى دفع آلام؛ ولذا حصر بعضهم اللذة فى المعارف والعلوم، وإثبات الإذاقة ترشيح إما باق على معناه أو أنها مستعارة للإعطاء، وفى التعبير بالإذاقة إشارة إلى أن التحقيق أمر صعب المراد لا ينال جميعه، وإنما يصل الإنسان إلى طرف منه كما يصل الذائق إلى طرف مما يذوقه، ثم إن هذه الجملة وما قبلها معترضتان بين القول ومقوله، أعنى: قد كنت ... إلخ، قصد بهما الدعاء؛ لأنهما خبريتان لفظا إنشائيتان معنى. (قوله: فيما مضى) أتى به وإن كان المضىّ مستفادا من" شرحت"- إذ هو فعل- ماض تأكيدا لدفع توهم التجوز فى" شرحت"، وأنه بمعنى" أشرح" أو" أن شرح"، وإن كان للمضىّ محتمل للقرب والبعد بخلاف لفظة" فيما مضى"، فإنها تشعر بالبعد، فأتى بها لإفهام بعد زمن تأليف المطول (١)، ويؤيد هذا التوجيه التعبير ب (ثم) فى قوله: (ثم رأيت ... إلخ) المفيدة للتراخى بين الفعلين. (قوله: تلخيص المفتاح) للعلامة محمد بن عبد الرحمن القزوينى خطيب جامع دمشق. (قوله: أغنيته) أى: صيّرته غنيّا، والضمير فى أغنيته وفى معانيه وأستاره لتلخيص المفتاح، وباقى الضمائر الآتية راجعة للشرح، وهذا وإن كان فيه تشتيت فى مرجع الضمير، لكن اتكل الشارح فى ذلك على ظهور المعنى. (قوله: بالإصباح) هو الدخول فى وقت الصباح، أريد به لازمه وهو الصبح، ثم استعير لشرح الشارح، بجامع إظهار ما كان خفيّا فى كلّ، والمصباح هو السراج أى: الفتيلة،

стр. 31

عن المصباح، وأودعته غرائب نكت سمحت بها الأنظار، ... === استعارة لشراح هذا المتن التى لغير الشارح، بجامع إظهار ما كان خفيّا فى كل، والمعنى حينئذ: وصيرت ذلك المتن غنيّا بالمطول الشبيه بالإصباح عن غيره من الشروح الشبيهة بالمصباح. وإنما آثر لفظ" الإصباح" على لفظ" الصبح"؛ لمزاوجة لفظ المصباح، وفى ذلك إيماء إلى أنه ينبغى أن يسمى شرحه بالإصباح، لكن لم يشتهر بذلك، وإنما غلبت عليه التسمية بالمطوّل. (قوله: وأودعته) أى: وضعت فيه، فشبه شرحه بأمين تودع عنده النفائس، على طريق الاستعارة المكنية، واختار التعبير ب" أودعته" دون" وضعت فيه"؛ للإشارة إلى عزة تلك النكات؛ لأنه يفهم منه أنه ملتفت إليها وملاحظ لها كما هو شأن من يودع، وللإشارة إلى أن تلك النكات من مستنبطاته؛ لأن الشخص إنما يودع ما كان ملكا له. (قوله: غرائب نكت) من إضافة الصفة للموصوف، أى: نكتا غريبة مستبدعة مستظرفة الشأن أى تلتفت إليها النفوس؛ لأن شأن النفس التفاتها للشىء الغريب بخلاف غير الغريب فإنه مبتذل عند النفس، والنكت جمع نكتة وهى فى الأصل البحث فى الأرض بعود ونحوه، ومن لازم ذلك ظهور لون فى ذلك المكان المبحوث فيه مخالف للون ما أحاط به ثم استعملت النكتة فى كل لون مخالف لما أحاط به، على طريق المجاز المرسل، والعلاقة الملزومية، ثم استعيرت للطائف المعانى لمخالفتها لغيرها عند الذهن فى الحسن، فإطلاقها على لطائف المعانى مجاز مبنى على مجاز، ولك أن تقول: إن إطلاق النكتة على المعنى الدقيق مجاز مرسل علاقته المجاورة؛ لأنّ الإنسان إذا استعمل فكره فى المعنى الغامض ينكت فى الأرض بعود أو بإصبعه بحسب العادة. (قوله: سمحت) بفتح السين المهملة والميم مأخوذ من السماحة وهى الجود، أى: جادت بها الأنظار، وفى تعبيره بسمحت إشارة لعزة تلك النكات؛ لأن الجود إنما يقال فى مقابلة البخل، والشأن أن الإنسان إنما يبخل بالعزيز، وحينئذ فالمعنى: جادت بها الأنظار مع أنها لعزتها مما يبخل بها، وإسناد السماحة للأنظار مجاز عقلى؛ إذ الحقيقة إسناد السماحة لأصحاب الأنظار، أو أن فى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه الأنظار

стр. 32

ووشحته بلطائف فقر سبكتها يد الأفكار، ... === بقوم جادوا بمبخول به، بجامع أن كلّا ملتبس بإيجاد ما يستحسن على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات السماحة تخييل، و" أل" في الأنظار عوض عن المضاف إليه أى: أنظارى، والنظر هو الفكر المؤدى لعلم أو ظن، والفكر حركة النفس فى المعقولات. (قوله: ووشحته) مأخوذ من التوشيح، وهو إلباس الوشاح، والوشاح شيء يتخذ من الجلد يرصع بالجواهر تلبسه المرأة ما بين عاتقها وكشحها، ويلزم من ذلك التوشيح التزيين فأطلق التوشيح هنا، وأريد لازمه أى وزينته، ويحتمل أنه شبه الشرح بعروس على طريق الاستعارة المكنية، والتوشيح تخييل. (قوله: بلطائف فقر) إما بالإضافة من إضافة الصفة للموصوف فلطائف مجرور بالكسرة، وإما بترك الإضافة فلطائف مجرور بالفتحة وفقر بدل أو عطف بيان، والفقر جمع فقرة بكسر الفاء، وهى فى الأصل أحد فقار الظهر أى: عظمه المتصل المسمّى بسلسلته، ثم استعير لحلى يصاغ على هيئته يسمّى بالحياصة (١)، ثم استعير هنا للكلام المسجّع المقفى على سبيل الاستعارة المصرّحة، فهو مجاز مبنى على مجاز، ويصح أن يراد بالفقر هنا الحلى المسمّى بذلك، فعلى الإضافة يكون من إضافة المشبه إلى المشبه به وإن كانت قليلة بخلاف عكسها، والمعنى: لطائف كالفقر، وعلى ترك الإضافة تكون فقر صفة للطائف على تقدير حرف التشبيه أى: لطائف كالفقر، وعلى الوجهين فالمراد باللطائف: الكلام المسجع المقفى. فظهر لك مما قلناه أن هذه السجعة تضمنت مدح الشرح باعتبار ما اشتمل عليه من العبارات الرائقة والجمل الفائقة، والسجعة التى قبل هذه تضمنت مدحه باشتماله على المعانى اللطيفة الحسنة، فمفاد كل منهما غير مفاد الأخرى. (قوله: سبكتها يد الأفكار) أى صاغتها وصفّتها، وإضافة" يد" ل" الأفكار" من إضافة المشبه به للمشبه أى الأفكار الشبيهة بالأيدى، بجامع ترتب المنفعة على كلّ، (وقوله:

стр. 33

ثم رأيت الكثير من الفضلاء، والجم الغفير من الأذكياء، سألونى ... === سبكتها) ترشيح للتشبيه إما باق على معناه أو مستعار لأخرجتها، ويصح أن يكون فى الكلام استعارة بالكناية بأن شبه الفكر فى النفس بصائغ على طريق الاستعارة المكنية، وإثبات اليد تخييل، وذكر السبك ترشيح؛ لأن اليد من لوازم المشبه به، والسبك من ملائماته، و" أل" فى" الأفكار" عوض عن المضاف إليه أى أفكارى. (قوله: ثم رأيت) عطف على قوله: " شرحت"، وعبر ب" ثم"- التى للترتيب- للتراخى بين الفعلين، ورأى يحتمل أنها علميّة فتكون جملة" سألونى" فى محل نصب مفعولا ثانيا، ويحتمل أن تكون بصريّة فتكون الجملة المذكورة فى محل نصب على الحال. (قوله: من الفضلاء) جمع فضيل بمعنى فاضل ككريم وكرماء، والفاضل من اتصف بفضيلة، ذكاء كانت أو صلاحا أو علما، والمراد به هنا من كثر علمه، والجار والمجرور حال من الكثير أو صفة له. (قوله: والجم) مأخوذ من الجموم وهو الكثرة، والغفير من الغفر وهو الستر أى والجمع العظيم الساتر لكثرته وجه الأرض وما وراءه، والأذكياء جمع ذكى، قيل: كامل العقل، وقيل: سريع الفهم، والقولان متقاربان؛ لأن كمال العقل يستلزم سرعة الفهم وغيره، ولا يقال: إن هذه السجعة عين ما قبلها؛ لأنّ الجم الغفير أبلغ فى الكثرة من لفظ الكثير، والأذكياء أعم من الفضلاء؛ بناء على أن المراد بالفضلاء من اتصف بكثرة العلم. (قوله: سألوني) أى: طلبوا مني، وفى هذا إشارة لقوله- ﵊: " ليس منّا من لم يتعاظم بالعلم (*) " أى: يعتقد أن الله عظمه بإعطائه نعمة العلم، والسؤال إن كان بمعنى الطلب كما هنا تعدى للمفعولين بنفسه، وإن كان بمعنى الاستفهام تعدى للثانى بعن أو ما بمعناها نحو فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (١)، ونحو: فإن تسألونى بالنّساء فإنّنى ... خبير بأدواء النساء طبيب (٢)

стр. 34

صرف الهمّة نحو اختصاره، والاقتصار على بيان معانيه وكشف أستاره؛ === ولا يعكر على هذا قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ (١)؛ لأن المراد: ويسألونك عن جواب هذا الاستفهام. (قوله: صرف الهمة) هى لغة: الإرادة، وعرفا: حالة للنفس يتبعها غلبة انبعاث إلى نيل مقصود ما، فإن كان عليّا فهى علية، وإلا فهى دنيئة، والمراد هنا المعنى اللغوى أى: سألونى أن أصرف إرادتي، وفى الكلام استعارة بالكناية حيث شبّه الهمة بناقة بيد صاحبها زمامها يصرفها به إلى أى جهة يريد، والصرف تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار للتوجيه. (قوله: نحو اختصاره) (٢) أى إلى جهة اختصاره، فشبه الاختصار بمكان ذى جهة، بجامع ارتياح النفس فى كلّ، وإثبات النحو تخييل إما باق على حقيقته أو مستعار للاشتغال بالاختصار، ويصح أن تكون إضافة النحو للاختصار بيانية ولا استعارة ولا شيء. (قوله: والاقتصار على بيان معانيه) هذا الضمير والذى بعده يرجعان للتلخيص بخلاف الضمائر الآتية بعد فإنها راجعة للشرح، و" الاقتصار" عطف على" اختصاره" أو على مفعول" سألونى" الثاني، وعلى كل حال فهو تفسير للاختصار المسئول فالمراد أخذ بعض الشرح على وجه بليغ يفهم به المتن، وليس المراد به أن يأتى بمعانى المطول كلها فى ألفاظ قليلة؛ إذ هذا محال عادة، (وقوله: على بيان معانيه) أى: تبيين مدلولات ألفاظه المطابقية والتضمنية والالتزامية. (قوله: وكشف أستاره) أى: توضيح معانيه الصعبة، وإزالة الخفاء عنها، فشبه تلك المعانى بعروس على سبيل المكنية، وإثبات الستر تخييل، والكشف ترشيح، أو شبه الغموض والخفاء بالأستار، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة المصرحة، وعطف كشف الأستار على ما قبله من عطف الخاص على العام؛ لأن كشف الأستار قاصر على تبيين المعانى الصعبة الخفية، ثم لا يخفى ما فى ذكر الرؤية

стр. 35

لما شاهدوا من أن المحصّلين قد تقاصرت هممهم عن استطلاع طوالع أنواره، === ووصف السائلين بالكثرة والفضل والذكاء من تأكيد موجب الامتثال؛ حيث كان السؤال ممن هو بهذا الوصف، ووصولهم للمسئول، ولم يكن بالمراسلة. (قوله: لما شاهدوا) متعلّق ب" سألونى": لما علموا علما فاشيّا كالمشاهدة، ثم يحتمل أن يقرأ بالتخفيف تعليلا ل" سألوني"، وما موصول اسمى أو نكرة موصوفة فالعائد محذوف، و" من" بيانية أو مصدرية فلا حذف، و" من" زائدة على مذهب من يجوّز زيادتها فى الإثبات، ويحتمل أن يقرأ بالتشديد فتكون ظرفا لسألوني، و" من" و" أن" زائدتان، وإنما كان التقاصر والتقاعد عما ذكر، والتقليب والمد المذكوران، علة لطلب الاختصار؛ لأن فى اختصاره نفع المتقاصرين بإعطائهم مقدورهم، وقمع المنتحلين باستغناء الناس بذلك المختصر عن مصنوعهم، فيتركون الانتهاب والمسخ؛ لبطلان مرجوّهم من ملاحظة الناس لهم واعتنائهم بما ينتهبونه. (قوله: المحصلين) أى: المريدين للتحصيل، أو الذين شأنهم تحصيل هذا الكتاب، أو المحصلين بالفعل لغير هذا الكتاب من فن المعاني، وليس المراد المحصلين لهذا الكتاب؛ فاندفع ما يقال: إن وصفهم بالتحصيل وتقاصر الهمم فيه تناف. (قوله: قد تقاصرت ... إلخ) ما تفيد صيغة التفاعل من التعنى والتكلف غير مراد، أى فليس المراد أن هممهم توجهت ثم أخذت فى الرجوع والكسل، وإنما المراد قصرت من أول الأمر، ومثله يقال فى قوله الآتى: و" تقاعدت"، وقرر شيخنا العدوى أن" تفاعل" يأتى للمبالغة كما هنا، وحينئذ فالمعنى: قصرت قصورا تامّا؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، والهمم: جمع همّة، وهى والعزيمة شيء واحد، وهى الإرادة على وجه التصميم، وحينئذ ففى كلامه تفنن حيث عبر أولا بالهمم، وثانيا بالعزائم، وإسناد القصور- الذى هو العجز- إلى الهمم، والقعود إلى العزائم، مجاز عقلى، إذ المتصف بهما حقيقة الأشخاص. (قوله: عن استطلاع طوالع أنواره) السين والتاء إما للطلب أى: عن طلب طلوع، أو زائدتان لتحسين اللفظ، والمعنى: عن طلوع، أى إدراك وفهم، على طريق الاستعارة المصرحة، وجعلهما للطلب أبلغ من جعلهما زائدتين؛ لإفادته أنهم عجزوا عن طلب

стр. 36

وتقاعدت عزائمهم عن اكتشاف (*) خبيئات أسراره، === الطلوع أى الإدراك، فضلا عن طلوعهم وإدراكهم بالفعل، والإضافة فى" طوالع أنواره" من إضافة الصفة للموصوف، أى: أنواره الطالعة بمعنى الظاهرة، والمراد بأنوار الشرح معانيه، استعار لها لفظ الأنوار استعارة مصرحة، والطوالع ترشيح، ويصح أن تكون الطوالع استعارة لمعانى الشرح، والأنوار استعارة لألفاظه، أى: عن إدراك معانى ألفاظه؛ وحينئذ فالإضافة من إضافة المدلول للدال، ثم إن كون معانيه طالعة وظاهرة بالنسبة لما عند الشارح أو بالنسبة لما فى الواقع، فلا ينافى أنها بالنسبة لهم فى غاية الدقة فتحتاج إلى استطلاع. (قوله: وتقاعدت) يقال فيه ما قيل فى" تقاصرت"، ويقال فى السين والتاء فى" استكشاف" ما مر فيهما فى" استطلاع"، والكشف هو الإظهار. (قوله: خبيئات أسراره) الإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف، أى أسراره المخبّآت، أى التى شأنها أن تخبأ لعاقبة الدهر؛ لعظمها ولشرفها، والأسرار جمع سر وهو ضد الجهر، والمراد بها هنا النكات، فشبه نكات المطول ومعانيه الشديدة الصعوبة بالأسرار، والجامع الاحتياج لزيادة الاهتمام فى كل، واستعيرت الأسرار للنكات المذكورة استعارة تصريحية. ويحتمل أن تكون الإضافة حقيقية بأن أريد بالأسرار مطلق الأسرار، وأراد بالخبيئات أشرف الأسرار أى: أدقها، والمعنى: عن إظهار أدق الأسرار أى أدق الدقائق. ثم إن هذه السجعة متعلقة بالمعانى الشديدة الصعوبة والدقة، وما قبلها بالدقة الصعبة فقط، فلا يقال: إن هذه عين ما قبلها، لكن قد يقال: إن الأولى الاقتصار على السجعة الأولى وحذف الثانية؛ لأنه إذا تقاصرت هممهم وعجزت عن المعانى الصعبة فقصورها عن الشديدة الصعوبة بالطريق الأولى، إلا أن يقال: أتى بهذه الثانية؛ دفعا لما يتوهم أن هممهم وإن تقاصرت عن درك المعانى الصعبة لم تتقاصر عن إدراك شديدة الصعوبة؛ لكون هممهم عليّة. ثم لا يخفى حسن التعبير هنا ب" تقاعدت"، وفيما مر ب" تقاصرت"؛ وذلك لأنّ طوالع الأنوار شأنها العلو فيناسبها التعبير بالتقاصر، وشأن خبيئات الأسرار الانخفاض فيناسبها التعبير بالتقاعد.

стр. 37

وأن المنتحلين قد قلبوا أحداق الأخذ والانتهاب، ومدّوا أعناق المسخ === (قوله: وأن المنتحلين) جمع منتحل وهو الآخذ لكلام الغير وينسبه لنفسه تصريحا أو تلويحا، أى: وأن الآخذين لكلام غيرهم مظهرين أنه لهم. (قوله: قلبوا أحداق (١) الأخذ) الإضافة لأدنى ملابسة، أى: قلبوا أحداقهم الملابس تقلّبها للأخذ والانتهاب؛ لأنّ الشأن أن الإنسان وقت أخذ كلام غيره يقلب أحداقه، أو شبه الأخذ والانتهاب بشخص ظالم، بجامع القبح فى كلّ، على طريق الاستعارة المكنية، وإثبات الأحداق تخييل، والتقليب ترشيح، وهذا كناية عن شدة عنايتهم باختصار المطول ونسبته لأنفسهم، والانتهاب هو الأخذ قهرا، فهو من عطف الخاص على العام، لكن الشارح قصد به التفسير فهو تفسير مراد. (قوله: ومدوا أعناق المسخ) مدّ العنق: تطويله، أي: وطولوا أعناقهم الملابس مدّها للمسخ، فالإضافة لأدنى ملابسة، وهذا كناية عن كمال الميل لاختصارهم له. أو فى الكلام استعارة وتقريرها أن يقال: شبه أخذ معانى المطول مع التعبير عنها بعبارة أخرى بالمسخ الذى هو تبديل صورة بصورة أدنى من الأولى، ثم استعمل اسم المشبه به وهو لفظ المسخ فى المشبه على طريق الاستعارة المصرحة، ثم بعد ذلك شبه الأخذ المذكور أيضا بإنسان مفسد تشبيها مضمرا فى النفس على طريق الاستعارة بالكناية، وإثبات الأعناق تخييل، والمد ترشيح، فقد اجتمعت المصرحة والمكنية والتخييلية، على حد ما قيل فى قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (٢)، ولا يخفى ما فى التعبير بالمسخ من الإشارة إلى أنهم لو عبروا عن معانى المطول بعبارات أخرى، لكان تعبيرهم بعبارة متسفلة جدّا، لما علمت أن المسخ تبديل صورة بصورة أدنى من الأولى.

стр. 38

على ذلك الكتاب. وكنت أضرب عن هذا الخطب صفحا، وأطوى دون مرامهم كشحا؛ علما منى ... === (قوله: على ذلك الكتاب) متعلق بمدوا و" على" بمعنى" إلى" وأتى بإشارة البعيد إشارة لبعد مرتبة ذلك الكتاب عنهم، وإنما عبر ب" على" دون" إلى" للطيفة وهى أن" على" تستعمل فعلا ماضيا بمعنى ارتفع، ففى التعبير بها إشارة إلى أنهم حين مدوا الأعناق ارتفع عنهم فلم يصلوا إليه، ويصح الوقف على قوله: (مدوا أعناق المسخ، والابتداء بقوله: (علا ذلك الكتاب) أى: ارتفع ذلك الكتاب عن مد أعناقهم لأجل مسخهم، فهو تحصين لكتابه. (قوله: وكنت أضرب) الواو للحال، والضرب يطلق بمعنى الصرف والإمساك، أى: كنت أمسك نفسي، وأصرفها عن هذا الخطب العظيم، وهو اختصار الشرح، وبمعنى الإعراض أى: أعرض عن هذا الأمر العظيم، فالفعل على الأول متعدّ حذف مفعوله، وعلى الثانى لازم، وعلى كل ف" صفحا" مفعول مطلق، وقيل مفعول لأجله. فإن قلت: إن الصفح بمعنى الإعراض، وهو عين الضرب بمعنى الصرف؛ فيلزم تعليل الشىء بنفسه، وهو لا يصح؟ والجواب: أن العلة أثر الصفح ولازمه، وهو جلب الراحة من القيل والقال اللذين لا يخلو منهما مؤلّف ولو أبدع فى المقال، فيكون من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. (قوله: وأطوى دون مرامهم كشحا) الطىّ ضد النشر، ودون مرامهم بمعنى: قدام مطلوبهم أى: قبل وصولهم إليه، والكشح: ما بين أسفل الخاصرة إلى آخر عظم الجنب، فالكشح هو الوسط، وطى الكشح عبارة عن لىّ الجنب، ومن لوازمه عدم تبليغ السائل مقصوده، فأطلق هنا وأريد لازمه، والمعنى: ولا أبلغهم مقصودهم من اختصار ذلك الشرح، ويحتمل أن يكون الكلام تمثيلا حيث شبه حاله من الامتناع من الشيء المطلوب بحال من طوى كشحه معرضا عن شخص مثلا، واستعار اللفظ الدال على المشبه به للمشبه. (قوله: علما منى) علة لقوله: (أضرب وأطوى) على التنازع، واعترض هذا التعليل بأنهم لم يسألوه أن يكون ما يأتى به من اختصار المطول تستحسنه كل الطباع،

стр. 39

بأن مستحسن الطباع بأسرها، ومقبول الأسماع عن آخرها، أمر لا تسعه ... === فكيف يجعل عدم القدرة على ذلك علة للامتناع؟ ويجاب بأن فى الكلام حذفا، والأصل: علما منى بأن الاختصار الذى طلبوه إذا فعلته لا يسلم من طعن الناس فيه، ولا يخلص من اعتراضهم عليه؛ لأن الإتيان بالأمر الذى تستحسنه كل الطباع أمر لا تسعه قدرتى؛ فلذا آثرت الراحة. (قوله: بأن مستحسن) أى بأن الإتيان بالأمر الذى تستحسنه ذوو الطباع. (قوله: بأسرها) أى: بجميعها، والأسر فى الأصل: القيد الذى يشدّ به الأسير، يقال: ذهب الأسير بأسره أى: بقيده، ومن لوازم ذلك ذهابه بجميعه، وذلك اللازم مراد هنا، فقد أطلق اسم الملزوم وهو الأسر، وأريد اللازم وهو الجميع، وهذا تأكيد لما استفيد من (أل) الاستغراقية. (قوله: ومقبول الأسماع) أى: ولعلمى بأن الإتيان بالأمر الذى تقبله الأسماع، أى: ذوو الأسماع. (قوله: عن آخرها) أى: إلى آخرها أى من أولها إلى آخرها ف" عن" بمعنى" إلى" الغائية، وفى الكلام حذف المبتدأ وهو تأكيد؛ لأن" أل" الاستغراقية فى" الأسماع" تفيد ذلك الشمول، ويصح جعل" عن" باقية على حالها، وهى متعلقة بمحذوف أى: قبولا ناشئا عن آخرها، وإذا نشأ ذلك القبول عن الآخر كان ناشئا عن غيره بالأولى، فاندفع ما يقال: إن نشأة القبول عن آخر الأسماع لا تشمل جميع الأسماع، إذ قد بقى الأول، وما بين الأول والآخر وهو الوسط، فلا يصح قوله بعد ذلك: (أمر لا تسعه ... ) إلخ، وأجاب عنه بعضهم بجوابين غير ما مر: الأول منهما: أن ذلك التعبير يستلزم عرفا نشأة القبول عن الجميع، باعتبار أنه أسند القبول أولا إلى" الأسماع" المحلى ب (أل) الاستغراقية، ثم قيده بالصدور عن الآخر على سبيل التوكيد؛ دفعا لتوهم عدم الوصول إليه. والثانى منهما: أن فى العبارة حذفا، والمعنى: عن آخرها إلى أولها. وفى هذا الجواب الثانى نظر من وجهين: الأول: أن" إلى" للانتهاء؛ فالمناسب دخولها على" آخر" لا على" الأول". الثانى: أن" إلى" إنما تقابل ب" من" لا ب" عن"، وأجيب عن الأول: بأن فى الكلام قلبا، والأصل: عن أولها إلى آخرها، وعن الثانى: بأن" عن" تأتى بمعنى" من"، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي

стр. 40

مقدرة البشر، وإنما هو شأن خالق القوى والقدر، وأن هذا الفن قد نضب اليوم ماؤه فصار جدالا ... === يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ (١) أى: منهم. (قوله: مقدرة البشر) بضم الدال وفتحها مصدر ميمى بمعنى قدرتهم، وأما المقدرة بمعنى اليسار فبالضم لا غير. (قوله: القوى) جمع قوة، والقدر جمع قدرة، وعطف القدر على القوى عطف خاص على عام؛ لصدق القوى بقوة السمع والبصر، ومعلوم أن خالق ما ذكر من القوى والقدر هو الله تعالى. (قوله: وأن هذا الفن) عطف على قوله: (بأن مستحسن)، أى: ولعلمى بأن هذا الفن ... إلخ، أى: وحينئذ فالتعب فيه والاختصار ليس له كبير فائدة؛ لاضمحلاله وقلة المشتغلين به. (قوله: قد نضب اليوم ماؤه) يقال: نضب الماء ينضب كقعد يقعد، إذا غار، شبّه ذهاب هذا الفن بنضوب الماء وغوره، بجامع عدم الانتفاع، واستعير النضوب للذهاب واشتق من النضوب نضب بمعنى ذهب، والماء ترشيح إما باق على حقيقته أو مستعار لمسائل هذا الفن، أو شبه مسائل الفن النفيسة بالماء بجامع أن كلّا سبب فى الحياة، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة المصرحة، ونضب ترشيح إما باق على حقيقته أو مستعار ل" ذهب" على طريق التبعية، أو شبّه الفن بنهر تشبيها مضمرا فى النفس على طريق المكنية، والماء تخييل، والنضوب ترشيح، وهما إما باقيان على حقيقتهما لم يقصد بهما إلا تقوية الاستعارة، أو الماء مستعار للمسائل والنضوب للذهاب، ومعنى التركيب: وأن هذا العلم قد ذهب مسائله الحسان، وذهابها بذهاب أهل هذا الفن، ومراده ب" اليوم": زمان الشرح وما قرب منه مما قبله. (قوله: فصار) أى ذلك الفن جدالا أى: خصومة، أى: صار التكلم فيه جدالا، أو صار الفن محل جدال، فلا بد من تقدير فى الكلام، وإلا فالفن ليس جدالا اللهم إلا أن يكون جعله جدالا قصدا للمبالغة،
следующие страницы →