← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

واحد (و) يستلزم (أن لا تصح الإضافة فى) كل ما أضيف الفاعل المجازى إلى الفاعل الحقيقى (نحو: نهاره صائم؛ لبطلان إضافة الشىء إلى نفسه) اللازمة من مذهبه؛ لأن المراد بالنهار حينئذ فلان نفسه؛ ولا شك فى صحة هذه الإضافة ووقوعها؛ كقوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وهذا أولى فى التمثيل (و) يستلزم (أن لا يكون الأمر بالبناء) فى قوله: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً ... === يكون مفردا أو معناه، وقد رد كل مجاز عقلى إلى الاستعارة فيلزم أن يكون المراد بالعيشة صاحبها قطعا؛ لأن الصفة هنا غير الموصوف، فالاعتراض بحاله. وأجاب بعضهم: بأنه إذا كان الضمير بمعنى الصاحب كان إسناد الوصف مع الضمير إلى العيشة حقيقيّا؛ لأنه وصف سببى وإسناد الوصف السببى لموصوفه حقيقى نحو: مررت برجل قائمة أمه، قال العلامة الغنيمى: وفى هذا الجواب نظر؛ لأن الوصف السببى: هو الرافع للاسم الظاهر المضاف لضمير الموصوف. والوصف هنا رافع للضمير فالأولى أن يجاب بأن الضمير لم يرد به الصاحب الحقيقى، وإنما أريد به الصاحب الادعائى على ما يأتى للشارح وهو العيشة التى ادعى أنها عين الصاحب، وحينئذ فالإلزام من أصله لا يرد (قوله: واحد) أى: وهو صاحب العيشة (قوله: فى كل ما) أى: فى كل تركيب والرابط محذوف أى: فى كل ما أضيف فيه الفاعل إلخ (قوله: فلان نفسه) أى: الذى هو معاد الضمير فى نهاره، وفى ذلك إضافة الشىء إلى نفسه، وحمله على أنه من إضافة المسمى إلى الاسم مما لا يلتفت إليه لبلاغة، مثل هذا الكلام وكثرة وقوعه فى كلام الله وكلام العرب. اهـ. يعقوبى. (قوله: ولا شك فى صحة هذه الإضافة) أى: إضافة الفاعل المجازى للفاعل الحقيقى وهذا فى قوة قوله اللازم باطل (قوله: كقوله تعالى إلخ) هذا استدلال على صحة هذه الإضافة ووقوعها (قوله: وهذا أولى) أى: لأنه نص فى الرد عليه، فهو أدفع للجدال بخلاف مثال المتن، فإنه قد يناقش فيه بأن إضافة الشىء إلى نفسه إنما توجد إذا كان المراد بالنهار وضمير صائم واحدا، وأما إذا ارتكب الاستخدام وجعل الضمير فى صائم راجعا للنهار لا بالمعنى الأول وهو الزمان، بل بمعنى الشخص فلا يلزم إضافة الشىء

стр. 457

(لهامان)؛ لأن المراد به حينئذ هو العملة أنفسهم، واللازم باطل؛ لأن النداء له والخطاب معه (و) يستلزم (أن يتوقف نحو: أنبت الربيع البقل) وشفى الطبيب المريض، وسرتنى رؤيتك مما يكون الفاعل الحقيقى هو الله تعالى (على السمع) من الشارع؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، واللازم باطل؛ لأن مثل هذا التركيب صحيح شائع ذائع عند القائلين بأن أسماء الله تعالى توقيفية وغيرهم، سمع من الشارع أو لم يسمع (واللوازم كلها منتفية) ... === إلى نفسه؛ لأن الاستعارة إنما هى فى الضمير المستتر فى صائم لا فى نهاره (قوله: لهامان) خبر يكون فهو متعلق بالاستقرار المحذوف لا بالأمر. إن هذا الإلزام إنما يتوجه على السكاكى إذا كان المسند مستعملا فى معناه الحقيقى، وله أن يمنع ذلك مدعيا أن معنى ابن اؤمر بالبناء، وأوقد لى يا هامان: اؤمر بالإيقاد، فصح أن النداء له والخطاب معه، وفيه أن هذا خروج عما نحن بصدده، لأنه حينئذ يكون المجاز فى الطرف فيخرج عن المجاز العقلى كما يقول المصنف وغيره وعن الاستعارة بالكناية كما يقول السكاكى. (قوله: لأن المراد به) أى: فى ضمير ابن هو العملة؛ وذلك لأنه شبه الفاعل المجازى وهو هامان بالفاعل الحقيقى الذى هو العملة، ثم أفرد المشبه بالذكر مرادا به المشبه به حقيقة، فصار الكلام: يا هامان ابن يا عملة، فالنداء لشخص والخطاب مع غيره وهذا فاسد، إذ لا يجوز تعدد الخطاب فى كلام واحد من غير تثنية أو جمع أو عطف (قوله: لأن النداء له إلخ) أى: فيكون الأمر له أيضا، إذ لا يجوز تعدد المخاطب فى كلام واحد من غير تثنية أو جمع أو عطف (قوله: أن يتوقف نحو أنبت إلخ) أى: أن ما قاله السكاكى يستلزم أن يتوقف استعمال نحو: أنبت الربيع البقل على السمع أى: على السماع من الشارع. (قوله: لأن أسماء الله إلخ) المراد بها ما أطلق عليه تعالى (قوله: توقيفية) أى: تعليمية أى: فلا يطلق عليه تعالى اسم لا حقيقة ولا مجازا ما لم يرد إذن من الشارع كالرحمن: فإنه مجاز أى: ولم يرد إطلاق الربيع، والطبيب والرؤية على الله تعالى (قوله: صحيح) أى: لغة وشرعا وعرفا (قوله: عند القائلين إلخ) هذا جواب عما يقال، لعل الصحة والشيوع عند من لا يشترط التوقيف فى أسماء الله تعالى (قوله: شائع إلخ)

стр. 458

كما ذكرنا فينتفى كونه من باب الاستعارة بالكناية؛ لأن انتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم، والجواب أن مبنى هذه الاعتراضات على أن مذهبه فى الاستعارة بالكناية أن يذكر المشبه ويراد المشبه به حقيقة؛ وليس كذلك بل المشبه به ادعاء ومبالغة لظهور أن ليس المراد بالمنية فى قولنا: مخالب المنية نشبت بفلان- هو السبع حقيقة، والسكاكى مصرح بذلك فى كتابه، ... === أى: فشيوعه يدل على أن المراد بالربيع غير الله، ولو كان المراد به المولى لتوقف على السماع من الشارع عند القائل بالتوقف على الإذن. (قوله: كما ذكرنا) حيث بين بعد كل ملازمة بطلان لازمهما (قوله: فينتفى كونه) أى: المجاز العقلى من باب الاستعارة بالكناية أى: لأنه ملزوم، وإذا انتفى ذلك الملزوم ثبت المطلوب وهو نقيضه (قوله: ويراد المشبه به حقيقة) أى: كما فهمه المصنف (قوله: بل المشبه به ادعاء) أى: وهو نفس المشبه الذى ادعينا أنه فرد من أفراد المشبه به فهو يقول شبه الربيع بالفاعل المختار، وادعينا أن الربيع فرد من أفراد الفاعل المختار بحيث صار للفاعل المختار فردان: أحدهما متعارف وهو المولى، والآخر غير متعارف، ثم ذكر اسم المشبه مرادا به المشبه به ادعاء، وحينئذ فلا يلزم إطلاق الربيع على الله، وكذا تقول فى قوله فى عيشة راضية: شبه الفاعل المجازى وهو العيشة بالفاعل الحقيقى وهو الصاحب، وادعى أنه فرد من أفراده، ثم ذكر لفظ المشبه مرادا به المشبه به ادعاء وهو العيشة بمعنى التعيش، فلم يلزم ظرفية الشىء فى نفسه، وكذا تقول فى نهاره صائم شبه النهار بالصائم وادعينا أنه فرد من أفراده، ثم ذكر اسم المشبه وهو النهار مرادا به المشبه به ادعاء، وحينئذ فلم يلزم إضافة الشىء إلى نفسه- هذا محصله. وهذا الجواب مردود؛ وذلك لأن المشبه به ادعاء هو نفس المشبه فيكون إسناد ما هو من لوازم المشبه به حقيقة: كالإثبات لذلك المشبه إسناد للشىء لغير ما هو له وهو مجاز عقلى، مثلا الربيع فى قولك: أنبت الربيع البقل، شبه بالفاعل المختار وادعى أنه فرد من أفراده، ثم ذكر لفظ الربيع مرادا منه الفاعل المختار ادعاء، لا شك أن الفاعل المختار ادعاء هو الربيع بمعنى الزمان أو المطر وهو المشبه الذى ادعى له القادرية،

стр. 459

والمصنف لم يطلع عليه (ولأنه) أى: ما ذهب إليه السكاكى (ينتقض بنحو: نهاره صائم) وليله قائم، وما أشبه ذلك ... === ولا شك أن حق الإنبات أن لا يسند إليه؛ لأنه ليس قائما به، وإنما حقه أن يسند للفاعل المختار الحقيقى، وإسناد الشىء لغير ما هو له مجاز عقلى، وكذا تقول فى باقى الأمثلة فقد اضطر السكاكى إلى القول بالمجاز العقلى. والحاصل أنه إن أريد بالمسند إليه فى أمثلة المجاز العقلى الفاعل الحقيقى لزمه ما ذكره المصنف، وإن أريد به الفاعل الادعائى لزمه القول بالمجاز العقلى وهو إشكال صعب لا محيص عنه. ويرد على هذا الجواب بحث آخر وهو أن لفظ المشبه مستعمل فيما وضع له تحقيقا، وحينئذ فلا يندرج فى الاستعارة التى هى مجاز وادعاء السبعية مثلا للمنية لا يجدى نفعا؛ لأن ذلك لا يخرجها عن كون اللفظ وضع لها حقيقة، لكن قد أجاب العلامة السيد فى شرح المفتاح عن هذا بأن ما هو خارج عن الموضوع له إذا اعتبر معه صيره غير الموضوع له، وحينئذ فيكون لفظ المنية مستعملا فى غير ما وضع له، حيث أريد بالمنية الموت مع وصف السبعية، لكن بادعاء السبعية له أى: وجعل لفظ المنية مرادا، فاللفظ السبع ادعاء ومثل ما قيل هنا يقال المراد بالعيشة: صاحبها بادعاء الصاحبية لها، وبالنهار الصائم بادعاء الصائمية له لا بالحقيقة حتى يفسد المعنى وتبطل الإضافة، ويكون الأمر بالبناء لهامان كما أن النداء له، لكن بادعاء أنه بان وجعله من جنس العملة لفرط المباشرة، ولا يكون الربيع مطلقا على الله تعالى حتى يتوقف على السمع، إذا المراد به حقيقة الربيع، لكن بادعاء أنه قادر مختار من أجل المبالغة فى التشبيه. (قوله: والمصنف لم يطلع عليه) هذا فى غاية البعد، بل اطلع عليه ولم يرتضه، وأشار إلى رده بقوله ذاهبا إلى أن ما مر إلخ، فإنه يشير إلى قوله تعالى فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (١). (قوله: ولأنه ينتقض إلخ) الحاصل أن السكاكى أدعى أن كل مجاز عقلى استعارة بالكناية، ودليله على ذلك- كما أشار إليه الشارح بقوله والحاصل إلخ- أن

стр. 460

مما يشتمل على ذكر الفاعل الحقيقى (لاشتماله على ذكر طرفى التشبيه) وهو مانع من حمل الكلام على الاستعارة كما صرح به السكاكى، والجواب أنه إنما يكون مانعا إذا كان ذكرهما على وجه ينبئ عن التشبيه ... === كل مجاز عقلى فقد ذكر فيه المشبه وأريد به المشبه به بواسطة القرينة، وكل ما هذا شأنه فهو استعارة بالكناية فما مر من قول المصنف وفيه نظر؛ لأنه يستلزم إلخ منع لصغرى الدليل وسند المنع استلزام الباطل من ظرفية الشىء فى نفسه، وإضافة الشىء لنفسه إلى آخر ما مر، وما ذكره المصنف هنا نقض للدليل بالتخلف، وذلك لأن دليله هذا يجرى فى المجاز العقلى الذى ذكر فيه الطرفان والاستعارة بالكناية لا يجمع فيها بينهما لاشتراطهم قاطبة عدم ذكر المشبه به فيها. (قوله: مما يشتمل على ذكر الفاعل الحقيقى) أى: وهو الضمير فى نهاره وليله لأن المراد به الشخص والضمير فى صائم وقائم هو الفاعل المجازى وهو المشبه (قوله: لاشتماله على ذكر طرفى التشبيه) أى: وهما المشبه وهو الفاعل المجازى الذى هو مصدوق الضمير فى صائم وقائم والمشبه به الذى هو الفاعل الحقيقى وهو الضمير فى نهاره وليله؛ لأن المراد به الشخص إن قلت: هذا خلاف ما مر للمصنف من لزوم إضافة الشىء لنفسه فى نهاره صائم فإن ما تقدم يفيد أن المراد بالنهار والضمير المضاف إليه شىء واحد، وما هنا يفيد أنهما شيئان وأن الضمير فى صائم راجع بمعنى آخر. أجيب بأن هذا من باب الترديد فى الاعتراض فاللازم للسكاكى أحدهما فما سبق من لزوم إضافة الشىء إلى نفسه مبنى على أن المراد بالنهار الفاعل الحقيقى وأن ضمير صائم راجع له بهذا المعنى، وما هنا مبنى على أن المراد بالنهار حقيقته، وأن ضمير صائم راجع له بهذا المعنى، وما هنا مبنى على أن المراد بالنهار حقيقته، وأن ضمير صائم راجع له بمعنى آخر وهو الصائم فلا مفر له من لزوم واحد من أمرين كل منهما ممنوع. (قوله: والجواب إلخ) هذا منع وسند، وحاصله لا نسلم أن ذكر طرفى التشبيه مانع من الحمل على الاستعارة مطلقا، بل إنما يمنع من الحمل عليها إذا كان ذكرهما ينبىء عن التشبيه وإلا فلا يمنع كما هنا (قوله: ينبئ عن التشبيه) أى: يدل عليه بأن

стр. 461

بدليل أنه جعل قوله: قد زر أزراره على القمر (١) - من باب الاستعارة ... === يكون المعنى لا يصح إلا بملاحظة التشبيه، وذلك إذا وقع المشبه به خبرا عن المشبه حقيقة أو حكما بأن وقع صفة له أو حالا منه نحو: زيد أسدا ورأيت زيدا أسدا ومررت برجل أسد فحمل الأسد الحقيقى على زيد أو الرجل ممنوع لتباينهما، فتعين الحمل على التشبيه بتقدير أداته وأن المعنى أنه كالأسد، وأما إذا كان الجمع بينهما لا ينبئ عن التشبيه فلا يمنع من الحمل على الاستعارة كقولك: سيف زيد فى يد أسد، وإذا لقينى زيد رأيت السيف فى يد أسد، وكما فى قولك: نهاره صائم وليله قائم، فإن الإضافة فيه لامية لتعيين المشبه المستعار؛ لأن المشبه بالشخص نهار مخصوص لا مطلق نهار، وإنما يكون طرفا التشبيه مذكورين على وجه ينبئ عن التشبيه لو كانت الإضافة بيانية، فإنه فى معنى الحمل للمبالغة فى التشبيه كما في: لجين الماء، وبهذا اندفع ما قيل أى فرق بين لجين الماء ونهاره صائم حيث جعل الأول من باب التشبيه دون الثاني، بل جوزتم كونه من باب الاستعارة مع أن فى كل منهما إضافة غاية الأمر أن فى نهاره صائم إضافة المشبه إلى المشبه به وفى لجين الماء إضافة المشبه به إلى المشبه، وهل هذه التفرقة إلا محض تحكم واعلم أن ما ذكره الشارح من الجواب مبنى على تسليم كون المثال المذكور فيه جمع بين الطرفين، ولك أن تمنع ذلك؛ وذلك لأن المراد بالنهار معناه الحقيقى والمشبه به الشخص الصائم مطلقا لا بقيد كونه فلانا وهو غير مذكور، إذ هو غير الضمير المضاف إليه النهار؛ ولأنه عائد على فلان بقطع النظر عن كونه صائما أو غير صائم فتأمل (قوله: بدليل أنه) أى: السكاكى (قوله: قد زر أزراره على القمر) أوله: لا تعجبوا من بلى غلالته البلى بكسر الباء والقصر مصدر بلى الثوب يبلى بلى أى: صار خلقا، وإذا فتحت باء المصدر مددت.

стр. 462

مع ذكر الطرفين، وبعضهم لما لم يقف على مراد السكاكى بالاستعارة بالكناية- أجاب عن هذه الاعتراضات بما هو برىء عنه؛ ورأينا تركه أولى. === قال العجاج: (١) والمرء يبليه بلاء السّربال ... كرّ اللّيالى واختلاف الأحوال والغلالة شعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع أيضا، وزر بضم الزاى كما هو المسموع من الأشياخ بمعنى شد من زررت القميص أزره زرا إذا شددت أزراره عليه والأزرار جمع زر بالفتح كأثواب جمع ثوب، أو جمع زر بالضم كأقراء جمع قرء وزر القميص معروف (قوله: مع ذكر الطرفين) وهما القمر وضمير أزراره الراجع للشخص المشبه بالقمر، ومع ذلك فالقمر مستعار لذات المحبوب استعارة مصرحة، فإن قلت الجمع بين الطرفين إنما يظهر على ما قلنا من أن ضمير أزراره للمحبوب، ويمكن أن يكون راجعا للغلالة وذكر الضمير باعتبار أنها ثوب أو قميص، وحينئذ فلا يكون فيه جمع بين الطرفين. قلت: بل فيه جمع أيضا؛ وذلك لأن ضمير غلالته راجع للمحبوب فذكر الطرفين حاصل باعتباره. (قوله: وبعضهم إلخ) أى: وهو الشارح الخلخالى (قوله: لما لم يقف إلخ) لأنه زعم أن مذهب السكاكى فى الاستعارة بالكناية أن يذكر المشبه، ويراد به المشبه به حقيقة كما اعتقده المصنف على ما قاله الشارح، وكان الظاهر أن يقدم الشارح هذا الكلام قبل قول المصنف؛ ولأنه ينتقض إلخ لكونه أجوبة عن الإلزامات السابقة فى قوله: وفيه نظر؛ لأنه يستلزم إلخ لكن أخره الشارح إشارة إلى عدم الاهتمام بشأنه وأنها أجوبة لا يعتد بها. (قوله: ورأينا تركه أولى) أى رأينا تركه وعدم ذكره فى المختصر أولى وإن أردت الاطلاع عليه فعليك بالمطول.

стр. 463

[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]: أى: الأمور العارضة له من حيث إنه مسند إليه، وقدم المسند إليه على المسند لما سيأتى. [أحوال المسند إليه]: === (قوله: من حيث إنه مسند إليه) هذه حيثية تقييد واحترز بذلك عن الأمور العارضة له لا من هذه الحيثية ككونه حقيقة أو مجازا، فإنهما عارضان له لا من هذه الحيثية، بل من حيث الوضع وككونه كليا أو جزئيا فإنهما عارضان له من حيث كونه لفظا، وككونه جوهرا أو عرضا فإنهما عارضان له من حيث ذاته، وككونه ثلاثيا أو رباعيا مثلا، فإن ذلك عارض له من حيث عدد حروفه فلا تذكر هذه العوارض فى هذا المبحث، وإنما لم تجعل الحيثية للتعليل لصيرورة المعنى الأمور العارضة له من أجل كونه مسندا إليه فيفيد أن الحذف والذكر والتعريف والتنكير وغير ذلك من الأحوال عارضة له من أجل كونه مسندا إليه مع أنه ليس كذلك، بل الحذف إنما عرض له لأجل الاحتراز عن العبث ولتخييل العدول إلى أقوى الدليلين إلى آخر ما قال المتن، وكذا الذكر إنما عرض له لكونه الأصل إلى آخر ما قال المصنف أيضا، وأيضا جعلها للتعليل يرد عليه أن العلة ككونه مسندا إليه لا تقتضى أمرين متنافيين: كالذكر والحذف. إن قلت من جملة الأمور العارضة له من حيث كونه مسندا إليه الرفع؛ فمقتضاه أن يذكر هنا مع أن محله كتب النحو. قلت: إضافة أحوال للمسند إليه للعهد أى الأحوال المعهودة للمسند إليه وهى التى بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، وحينئذ فقول الشارح: أى الأمور العارضة له أى: التى بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، فخرج الرفع في: قام زيد وزيد قائم، فإنه وإن كان عارضا له من حيث إنه مسند إليه، لكن لا يطابق به اللفظ مقتضى الحال، وحينئذ فلا يذكر هنا، كذا ذكر بعضهم قال عبد الحكيم: ولا حاجة لذلك؛ لأن المقصود أن الأمور المذكورة فى هذا الباب عارضة للمسند إليه لذاته لا أن كل ما هو عارض له لذاته فهو مذكور فى هذا الباب (قوله: وقدم المسند إليه) أى: من حيث أحواله، وقوله على المسند أى: من حيث أحواله أيضا (قوله: لما سيأتى) أى: من أنه الركن الأعظم فى قوله تنبيها على أن المسند إليه هو الركن الأعظم.

стр. 464

[حذف المسند اليه] (أما حذفه) قدمه على سائر الأحوال ... === (قوله: أما حذفه إلخ) (١) قاعدة المصنف أن الواقع بعد أما هو مقتضى الحال، والواقع بعد لام التعليل هو الحال، فالاحتراز عن العبث، وكذا ما بعده أحوال تقتضى الحذف، وهذا كالصريح فى أن مقتضى الحال هو الخصوصية، فظهر لك أن أحوال المسند إليه مثلا مقتضيات للأحوال أى: للأمور الداعية لإيراد الكلام مكيفا بكيفية مخصوصة، ثم إن المعلوم أن الحذف فعل الفاعل؛ لأنه مصدر، وحينئذ فهو من أوصاف الشخص لا من أوصاف المسند إليه العارضة له، وأجيب بأن المصنف أطلق الحذف، وأراد به الحاصل بالمصدر وهو الانحذاف، وكذا يقال فيما بعده، أو تجعل هذه الأمور مصدر المبنى للمفعول بناء على مذهب من يجوز مجىء المصدر من المبنى للمفعول، وحينئذ فتكون هذه الأمور أحوالا للمسند إليه، ثم إن المراد حذفه لقرينة معينة من غير إقامة شىء مقامه، وحينئذ يكون لغرض معنوى كما هو اللائق بالفن لا لمجرد أمر لفظى، وبهذا يظهر وجه اقتصار المصنف على حذف المبتدأ من المسند إليه؛ لأن الفاعل إذا حذف إما أن يقوم شىء مقامه كما فى باب النيابة، وباب الاستثناء المفرغ، وباب المصدر- ولا يحتاج الحذف حينئذ لقرينة، بل الحذف للأمر الداعى له، - وإما لغرض لفظى كالتقاء الساكنين فى نحو: اضربن يا قوم، واضربوا الرجل.

стр. 465

لكونه عبارة عن عدم الإتيان به، وعدم الحادث سابق على وجوده، وذكره هاهنا بلفظ الحذف، وفى المسند بلفظ الترك تنبيها على أن المسند إليه هو الركن الأعظم الشديد الحاجة إليه حتى إنه إذا لم يذكر فكأنه أتى به ثم حذف بخلاف المسند فإنه ليس بهذه المثابة فكأنه ترك من أصله ... === (قوله: لكونه عبارة عن عدم الإتيان به) هذا تفسير له بحسب الاصطلاح، وإن كان لفظه من حيث مفهومه اللغوى أعنى: الإسقاط مشعرا بأنه العدم بعد الإتيان، وإنما لم يفسر الحذف بالعدم اللاحق المتأخر عن الذكر مع أن الحذف إسقاط فمناسبته للعدم اللاحق أقوى؛ لأن الواقع هنا فى نفس الأمر هو العدم السابق؛ لأنه لم يؤت بالمسند إليه أصلا، لا أنه أتى به ثم أسقط (قوله: وعدم الحادث سابق على وجوده) أى: وحينئذ فالحذف مقدم على الذكر، واعترض بأن هذه العلة إنما تنتج تقدمه على الذكر خاصة دون سائر الأحوال؛ لأن الحذف مقابل له دون بقية الأحوال: كالتعريف والتنكير، إذ ليس مقابلا لها حتى يقال عدم الحادث سابق على وجوده، وأجيب بأن بقية الأحوال متفرعة على الذكر؛ لأنها تفصيل له والمقدم على الأصل يستحق التقديم على الفرع، واعترض بأن التعريف والتنكير يمكن اعتباره كما فى المحذوف، وأجيب بأنه وإن كان كذلك إلا أنه بالقياس على المذكور. (قوله: وذكره هنا) أى: وذكر عدم الإتيان به، ويجوز أن يرجع الضمير للحذف، ويكون الكلام على حذف مضاف تسامحا أى: معنى الحذف (قوله وفى المسند) أى: فى أحوال المسند (قوله: الشديد الحاجة إليه) بيان لكونه أعظم. واعترض بأن كلا من المسند والمسند إليه يتوقف عليه الإخبار، وحينئذ فلا معنى لاعتبار كون أحدهما ركنا أعظم دون الآخر، وأجيب بأن المسند إليه كما يتوقف عليه الإخبار يتوقف عليه المسند؛ لأنه صفة له؛ لأن المراد من المسند إليه الذات، ومن المسند الصفة، والصفة تتوقف على الموصوف بخلاف المسند، فإنه وإن توقف عليه الإخبار لا يتوقف عليه المسند إليه (قوله: حتى إنه إلخ) حتى للتفريع بمنزلة الفاء أى: فإذا لم يذكر فكأنه أتى إلخ أى: يتخيل إنه أتى به ثم حذف، وإن كان الواقع ليس كذلك، وإذا تخيل كذلك علم أنه ملحوظ فى القصد (قوله: فإنه ليس بهذه المثابة) أى المنزلة أى ليس

стр. 466

(فللاحتراز عن العبث بناء على الظاهر) لدلالة القرينة عليه، وإن كان فى الحقيقة هو ركنا من الكلام ... === بركن أعظم، وقوله فكأنه ترك أى: فإذا لم يذكر تخيل أنه ترك من أصله أى: من أول الأمر واعترض بأن تركه عدم ذكره وهو محقق، وحينئذ فلا يناسب إيراد لفظ كأن، وأجيب بأن المراد بتركه تركه مطلقا أى: حقيقة وحكما بحيث لا يكون مقدرا ومرادا، مع أنه مذكور حكما، ثم إن هذا الكلام يقتضى أن الحذف عبارة عن العدم اللاحق، والنكتة التى ذكرها لتقديم الحذف على غيره تقتضى أن الحذف عبارة عن العدم السابق فيتنافيان، ويدفع التنافى بأن نكتة تقديم الحذف باعتبار الواقع؛ لأن الواقع أن المسند إليه لم يذكر فى الكلام أصلا ونكتة التعبير بالحذف دون الترك باعتبار التخيل والتوهم نظرا إلى شيوع استعمال الحذف فى العدم اللاحق وهو عدم الشىء بعد ذكره (قوله: فللاحتراز عن العبث) اعلم أن الحذف يتوقف على أمرين: أحدهما: وجود ما يدل على المحذوف من القرائن، والثاني: وجود المرجح للحذف على الذكر. أما الأول فهو مذكور فى غير هذا الفن: كالنحو، وأما الثانى فقد شرع المصنف فى تفصيله بقوله فللاحتراز إلخ، وحاصله أن من جملة مرجحات الحذف على الذكر: قصد التحرز والتباعد عن العبث، وذلك أن ما قامت عليه القرينة وظهر عند المخاطب فذكره يعد عبثا أى: خاليا عن الفائدة فيحذفه البليغ لئلا ينسب إلى العبث أى: الإتيان بشىء زائد عن الحاجة لإتيانه بما هو ظاهر معلوم والعابث لا يلتفت إلى كلامه ولا يتلقى منه بالقبول، فقول المصنف فللاحتراز أى: فلقصد التحرز والتباعد عن العبث أى لو ذكر (قوله: بناء على الظاهر) خال من العبث أى: حال كون العبث مبنيا على ما هو الظاهر من إغناء القرينة عنه، وقوله وإن كان فى الحقيقة أى: والحال إنه بالنظر للحقيقة، ونفس الأمر ركن من الكلام، فينبغى الالتفات له والتصريح به فلا يكون ذكره عبثا، وإن قامت القرينة؛ لأن الاكتفاء بالقرينة ليس كالذكر فى التنصيص على ما هو المقصود الأهم. اهـ. عبد الحكيم. وكتب بعضهم ما نصه: واحترز بقوله بناء على الظاهر عن الحقيقة ونفس الأمر، وأورد عليه أن هذا يقتضى أن العبث فى ذكره إنما يكون إذا قطع النظر عن الحقيقة،

стр. 467

(أو تخييل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل واللفظ) فإن الاعتماد عند الذكر على دلالة اللفظ ... === وأما مع النظر إلى الحقيقة من أنه ركن للإسناد فلا عبث فى ذكره وليس كذلك؛ لأنه لا تنافى بين كونه ركنا فى الكلام وكونه عبثا، ألا ترى أن الكلام إذا علم بسائر أجزائه يكون ذكره عبثا فبالأولى جزؤه فالمنافى للعبث إنما هو عدم علمه بالقرينة فحق العبارة بناء على القرينة؛ لأنه إذا قطع النظر عن القرينة انتفى العبث، وأجيب بأن قوله بناء على الظاهر احتراز عن عدم علمه بالقرينة لا عن الحقيقة من كونه ركنا للإسناد، ولا شك أنه بالنظر إلى كونه غير معلوم بالقرينة لا عبث فى ذكره؛ لأنه إتيان بما لا يستغنى عنه، ويدل لذلك قول الشارح لدلالة القرينة عليه، فإنه يفيد أن المحترز عنه عدم علمه بالقرينة، وعبارة سم حاصل المراد من كلام المصنف أن للمسند إليه اعتبارين: أحدهما: كونه ركنا، والثاني: كونه معلوما، فبالاعتبار الأول مع قطع النظر عن الثاني، لا يكون ذكره عبثا، وبالاعتبار الثانى مع قطع النظر عن الاعتبار الأول يكون ذكره عبثا؛ لأنه إتيان بما يستغنى عن الإتيان به، وقد اعترض أصحاب الحواشى بأن كونه ركنا لا ينافى العبثية فلعله يندفع بذلك فتأمل. اهـ .. (قوله: أو تخييل العدول إلخ) عطف على الاحتراز، والتخييل بمعنى: الإيهام، وهو مصدر مضاف لمفعوله الثانى أى: تخييل المتكلم للسامع العدول إلى أقوى الدليلين أى: أن من جملة الأمور التى مراعاتها ترجح الحذف قصد المتكلم أن يخيل للسامع أن يوقع فى خياله وفى وهمه بذلك الحذف أنه عدل إلى أقوى الدليلين اللذين هما العقل واللفظ وأقواهما هو العقل؛ لأن الإدراك به يحصل من اللفظ ومن غيره فعند حذف المسند إليه يتبادر للذهن أن إدراكه بالعقل خاصة، وعند ذكره يتبادر للذهن أن إدراكه باللفظ، وذلك التخييل يوجب نشاط السامع وتوجه عقله نحو: المسند إليه زيادة توجه (قوله: من العقل واللفظ) بيان للدليلين لا لأقواهما وفى الحقيقة العقل ليس بدال فضلا عن كونه أقوى، وإنما الدال اللفظ والعقل آلة للإدراك منه فوصفه بالدلالة على طريق التجوز من حيث إن النفس تدرك بسببه (قوله: فإن الاعتماد) أى فإن اعتماد السامع فى فهم المسند إليه، وهذا علة لتخييل العدول (قوله: عند الذكر) أى: للمسند إليه

стр. 468

من حيث الظاهر، وعند الحذف على دلالة العقل؛ وهو أقوى لافتقار اللفظ إليه. وإنما قال: تخييل- ... === (قوله: من حيث الظاهر) أى: وفى الحقيقة الاعتماد على العقل واللفظ معا، وهذا جواب عما يقال: كيف يعتمد على اللفظ مع أنه لا بد من دلالة العقل بأن يعلم أن هذا اللفظ موضوع لكذا، وحاصل الجواب أن الاعتماد على اللفظ إنما هو بحسب الظاهر، وإن كان فى الحقيقة ونفس الأمر معتمدا على العقل واللفظ معا؛ لأن الألفاظ ليست إلا آلات وضعها الواضع ولا دلالة لها بحسب ذاتها (قوله: وعند الحذف على دلالة العقل) أى: من حيث الظاهر بدليل قوله: وإنما قال تخييل؛ لأن الدال حقيقة إلخ، وإنما لم يذكر هذا القيد أعنى: قوله من حيث الظاهر هنا إشارة إلى كثرة مدخلية العقل فكأنه مستقل هـ فنارى. (قوله: لافتقار اللفظ إليه) أى: لافتقار اللفظ دائما إليه فى الدلالة؛ لأن اللفظ لا يمكن أن يفهم منه شىء بدون واسطة العقل بخلاف العقل، فإنه يمكن أن يدرك بدون توسط لفظ كما فى المعقولات الصرفة، وكما فى دلالة الأثر على المؤثر، والحاصل أن اللفظ لا يمكن أن يفهم منه شىء بدون واسطة العقل بخلاف العقل، فإنه يمكن أن يدرك به بدون توسط لفظ، وإن كان بحسب العادة لا بد من تخييل الألفاظ حتى كأن المفكر يناجى نفسه بألفاظ مخيلة (قوله: وإنما قال إلخ) هذا جواب عما يقال: لم زاد المصنف تخييل، وهلا قال أو للعدول إلى أقوى الدليلين إلخ، وحاصل الجواب أنه إنما زاد لفظ تخييل؛ لأن العدول ليس محققا، بل أمر متخيل متوهم؛ لأن كونه محققا يتوقف على كون كل من العقل واللفظ مستقلا فى الدلالة على المسند إليه عند حذفه وليس كذلك؛ لأن اللفظ المقدر المدلول عليه بالقرائن مدخلا فى الدلالة عليه عند الحذف بناء على أن المدلول عليه القرائن هو اللفظ المقدر دون ذات المسند إليه، وحاصل ما فى المقام أن الدليل لا يكون دليلا إلا إذا كان مستقلا بالدلالة، وقد علمت أن كلا من العقل، واللفظ لا استقلال له بالدلالة على المسند إليه لا عند الذكر ولا عند الحذف، والدليل مجموعهما فى الحالتين، فليس عندنا دليلان فضلا عن وجود أقوى، نعم إذا حذف

стр. 469

لأن الدال حقيقة عند الحذف هو اللفظ المدلول عليه بالقرائن (كقوله: قال لى: كيف أنت، قلت: عليل (١)) لم يقل: أنا عليل؛ ... === المتكلم المسند إليه فقد خيل للسامع أن هناك دليلين، وأنه عدل عن الأضعف منهما إلى الأقوى وهو العقل وجعله أقوى باعتبار ما علمته مما مر. واعلم أن تقرير السؤال والجواب اللذين أشار لهما الشارح على الوجه الذى قلناه هو ما يؤخذ من كلام ابن يعقوب (٢) وعبد الحكيم وغيره من حواشى المطول، فلا نلتفت لما ذكره بعضهم فى تقريرهما، واعترض على الشارح بما هو غير وارد عليه. (قوله: لأن الدال حقيقة عند الحذف هو اللفظ) أى: المقدر المدلول عليه بالقرائن لا ذات المسند إليه، واعترض بأنه إذا كان اللفظ عند الحذف هو الدال حقيقة كان هذا مناقضا لقوله السابق والاعتماد عند الحذف على دلالة العقل وهو أقوى وأيضا لا يتأتى إدراك المسند إليه من التركيب بدون العقل كما لا يتأتى إدراكه بالعقل بدون اللفظ، فلا وجه لحصر الدلالة عند الحذف فى اللفظ المقدر، وقد يجاب بأن الحصر المستفاد من ضمير الفصل إضافى أى: ليس الدال عند الحذف العقل وحده، وهذا لا ينافى أن الدلالة لهما معا، وحينئذ فلا ينافى قوله سابقا والاعتماد عند الحذف على دلالة العقل؛ لأن المراد من حيث الظاهر كما قلنا، فإن قلت الحصر غير صحيح فى نفسه لجواز أن يدل بالقرائن على ذات المسند إليه مع قطع النظر عن الألفاظ. قلت: هذا وإن كان أمرا ممكنا فى نفسه إلا أن ما ذكر بناء على ما استمر فى العادة من أن فهم المعانى قلما ينفك عن تخييل الألفاظ، وقال العلامة عبد الحكيم: ضمير الفصل هنا لمجرد التأكيد لا للقصر، فإنه باطل لمعارضته لما مر من قوله من حيث الظاهر أى: ولقوله: والاعتماد عند الحذف على دلالة العقل. (قوله: كقوله قال لى إلخ) تمامه: سهر دائم وحزن طويل

стр. 470

للاحتراز والتخييل المذكورين (أو اختبار تنبه السامع عند القرينة) هل يتنبه أم لا === أى: حالى سهر دائم قال العباسى (١) فى الشواهد، ولم أعلم قائله (قوله: والتخييل المذكورين) فيه إشارة إلى أن (أو فى) قول المصنف: أو تخييل. مانعة خلو فتجوز الجمع، وقوله للاحتراز إلخ: علة لقوله لم يقل إلخ، وهذا البيت يصلح مثالا لادعاء التعين وضيق المقام بسبب ضجر حاصل من شدائد الزمان ومصائب الهوى، بحيث جعلته لا يقدر على التكلم بأزيد مما يفيد الغرض ويصلح مثالا للمحافظة على الوزن أيضا فيصح التمثيل بذلك البيت للكل (قوله: هل يتنبه أم لا) أى: أم لا يتنبه إلا بالصراحة، وذلك كما لو حضر عندك رجلان أحدهما تقدمت له صحبة دون الآخر، فتقول للمخاطب الذى هو غيرهما: غادر تريد: الصاحب غادر أى: من تقدمت له صحبة غادر فتحذف المسند إليه اختبارا للسامع هل يتنبه أن المسند إليه هو الصاحب بقرينة ذكر الغدر، إذ لا يناسب إلا الصاحب أو لا يتنبه بذلك؟ (قوله: هل يتنبه أم لا) اعترض بأن هل لطلب التصور وأم لطلب التصديق، وحينئذ فلا يصح أن تكون أم معادلة لهل، فالصواب أينتبه أم لا؟ وأجيب بأن فى الكلام حذف همزة الاستفهام، والأصل أهل يتنبه؟ ؛ لأن أم المتصلة لازمة للهمزة فأم إنما عادلت الهمزة ل" أهل"، ولا يقال يلزم على كون الأصل ما ذكر دخول الاستفهام على مثله وهو ممنوع؛ لأن هل هنا بمعنى قد على حد قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (٢) وحينئذ فلم يلزم ما ذكر كذا قال أرباب الحواشى، وعبارة عبد الحكيم: أم هنا منقطعة، وما قيل إن الصواب فى التعبير أيتنبه أم لا؟ ليس بصواب، على أن أم المتصلة قد تجىء معادلة لهل على قلة كما فى الرضى. اهـ. كلامه.

стр. 471

(أو) اختبار (مقدار تنبهه) هل يتنبه بالقرائن الخفية أم لا (أو إيهام صونه) أى: المسند إليه (عن لسانك) تعظيما له ... === وقول الشارح: أم لا. ليس فيه حذف المعطوف وإبقاء العاطف؛ لأن المحذوف جزء المعطوف لا كله؛ لأن لا المذكورة من جملته، والمحكوم عليه بالمنع عند محققى النحاة حذف المعطوف بتمامه مع بقاء العاطف (قوله: واختبار مقدار تنبهه) أى: مبلغ ذكائه هل يتنبه بالقرائن الخفية أم لا؟ وذلك إذا حضر عندك شخصان أحدهما أقدم صحبة من الآخر، فتقول لمخاطبك: والله حقيق بالإحسان. تريد أقدمهما صحبة وهو زيد مثلا حقيق بالإحسان، فتحذف ذلك المسند إليه اختبارا لمبلغ ذكائه هل يتنبه لهذا المحذوف بهذه القرينة التى معها خفاء، وهى أن أهل الإحسان ذو الصداقة القديمة دون حادثها أو لا يتنبه له وقد حكى عن بعض الخلفاء من بنى العباس أنه ركب سفينة مع واحد من ندمائه فسأل الخليفة ذلك الواحد: أى طعام أشهى عندك؟ فقال مح البيض المسلوق، فاتفق عودهما هنالك فى القابل، فقال له الخليفة: مع أى شىء؟ فأجاب النديم: مع الملح. فتعجب من استحضاره وكمال تنبهه ويقظته. ثم اعلم أن القرائن عند الحذف قد تكون فى غاية الوضوح بحيث لا يزيد ذكر اللفظ معها على تركه، وقد تكون خفية. فإذا كانت القرينة فى ذلك لموضوع شأنها الخفاء حذف المسند إليه حينئذ لاختبار مقدار التنبه، بخلاف ما إذا كانت واضحة جدّا فالحذف حينئذ بمنزلة الذكر فلا يناسب حينئذ تلك النكتة، ولذا قيد الشارح القرائن فى هذا الموضع بالخفية، واستشكل بأن المخاطب إن كان عالما بالقرينة فلا معنى للحذف للاختبار، وإن لم يكن عالما فلا يجوز الحذف، والجواب أن القرينة يكفى فيها ظن المتكلم أن المخاطب عالم بالقرينة، فإن قلت حيث كان يكفى فيها ظن المتكلم علم المخاطب بها فما معنى قوله: مقدار؟ أجيب: بأنه إنما أتى به لكون المقصود تيقن التنبه والظن لا يستلزم اليقين كذا فى تجريد نسخة شيخنا الحفنى (قوله: أو إيهام صونه إلخ) نحو: مقرر للشرائع موضح للدلائل فيجب اتباعه تريد رسول الله- ﷺ وعبر هنا بالإيهام، وفيما سبق بالتخييل لمحض التفنن، لا أن الأول من الصور

стр. 472

(أو عكسه) أى: إيهام صون لسانك عنه تحقيرا له (أو تأتى الإنكار) أى: تيسره (لدى الحاجة) نحو: فاجر فاسق عند قيام القرينة على أن المراد: زيد؛ ليتأتى أن تقول: ما أردت زيدا، بل غيره (أو تعينه) والظاهر أن ذكر الاحتراز عن العبث يغنى عن ذلك، لكن ذكره لأمرين: أحدهما: الاحتراز عن سوء الأدب فيما ذكروا له من المثال؛ ... === الخيالية، والثانى من المعانى الوهمية، وقد يقال أراد بقوله أو إيهام إلخ: أن الصون المذكور أمر وهمى محض لا تحقق له أصلا بخلاف العدول إلى أقوى الدليلين، فإن له شائبة ثبوت فى الجملة- قاله الفنارى، واعترض على المصنف بأن حذفه فيه صون له حقيقة عن مخالطة اللسان، وحينئذ فلا وجه لذكر الإيهام، وأجيب بأن المراد صونه عن تنجيسه بواسطة المرور على اللسان، ولا شك أن صونه عن التنجيس أمر موهوم لا محقق أو المراد بالإيهام إيقاع شىء فى وهم السامع أى: فى ذهنه، ولو كان على سبيل التحقق قاله الشارح فى شرح المفتاح، ومما ينبغى أن يعلم أنه كما يجوز أن يعتبر من مقتضيات حذف المسند إليه إيهام صونه عن لسانك أو عكسه. يجوز أن يعتبر إيهام صونه عن سماع المخاطب أو عكسه. (قوله: أو عكسه) نحو: موسوس ساع فى الفساد فتجب مخالفته تريد الشيطان (قوله: أى تيسره) أى: للمتكلم (قوله: لدى الحاجة) متعلق بتأتى (قوله نحو فاجر) أى: نحو قولك عند حضور جماعة فيهم عدو فاجر فاسق وتريد زيد الذى هو العدو ومثلا فتحذفه ليتأتى لك الإنكار عند لومه لك على سبه أو تشكيه منك فتقول ما سميتك ما عنيتك (قوله: عند قيام القرينة) ظرف لمحذوف أى: يقال ذلك عند قيام القرينة (قوله: ليتأتى إلخ) علة للحذف أى: فتحذفه ليتأتى إلخ (قوله: تعينه) أى: إما لأن المسند لا يصلح إلا له أو لكماله فيه، بحيث لا يسبق الذهن إلى غيره أو لكونه متعينا بين المتكلم والمخاطب (قوله: يغنى عن ذلك) أى: عن تعينه لأن العبث بذكره لا يكون إلا بعد تعينه، فالتعين داخل فى الاحتراز المذكور، فمتى تعين المسند إليه كان حذفه احترازا عن العبث، وإذا كان كذلك فلا يصح جعله قسيما له (قوله: فيما ذكروا له) أى: للتعين

стр. 473

وهو خالق لما يشاء فاعل لما يريد؛ أى: الله تعالى، والثانى: التوطئة، والتمهيد لقوله: (أو ادعاء التعين) له، نحو: وهاب الألوف أى: السلطان (أو نحو ذلك) كضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب ضجر، وسآمة، أو فوات فرصة، ... === (قوله: خالق لما يشاء إلخ) أى: فقد مثلوا بهذا الحذف المسند إليه لتعينه لظهور أنه لا خالق سواه، ولا يقال إن الحذف فيه للاحتراز المذكور لما فيه من سوء الأدب، وإن كان صحيحا فى نفسه، وقد يقال هذا البحث ساقط من أصله؛ لأن القصد إلى التعين مغاير للقصد للاحتراز عن العبث، فجاز أن يقصد كل منهما مع الذهول عن الآخر وأن يقصدا معا، وحينئذ فلا يغنى ذكر الاحتراز عن العبث عن ذلك، إذ قد يكون نكتة الحذف المقصودة للبليغ التعين دون الاحتراز، وإن كان ذلك حاصلا من غير قصد وكذا يقال فى سائر النكت التى يمكن اجتماعها، أو يقال: إن الحذف للاحتراز عن العبث ملحوظ فيه العبث بسبب دلالة القرينة على المراد والحذف للتعين ملحوظ فيه العبث من حيث عدم صلاحية المسند لغير المسند إليه المحذوف فتأمل. (قوله: أو ادعاء المتعين) أظهر فى محل الإضمار لئلا يتوهم عود الضمير على الإنكار من قوله: أو تأتى الأنكار كذا قيل، ويبعده الإضمار فى تعينه مع أنه أقرب إلى الإنكار، فلعل الأولى أن يقال إنما أظهره لتوهم رجوع الضمير للمسند إليه كبقية الضمائر المتقدمة (قوله: نحو وهاب الألوف إلخ) أى: فيحذف المسند إليه لادعاء تعينه وأنه لا يتصف بذلك غيره من رعيته، وإنما كان تعينه بذلك ادعائيا؛ لأنه يمكن أن غيره من رعيته يعطى ذلك (قوله: بسبب ضجر وسآمة) هما بمعنى واحد، فالعطف مرادف أو تفسيرى، وذلك كما فى قوله: قلت عليل، فلم يقل: أنا لضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب الضجر الحاصل له من الضنى. (قوله: أو فوات فرصة) عطف على ضجر، وفى الكلام حذف مضاف أى: خوف فوات فرصة؛ لأن المقتضى للحذف خوف الفوات لا نفس الفوات، والفرصة بضم الفاء ما يغتنم تناوله وقرر بعضهم أنها قطعة من الزمان يحصل فيها المقصود- وانظره.

стр. 474

أو محافظة على وزن، أو سجع، أو قافية، ... === (قوله: أو محافظة على وزن) أى كما فى قولك: قلت عليل، فلم يقل: أنا عليل؛ لضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب المحافظة على الوزن؛ لأن ذكر المسند إليه يفسد ذلك الوزن (قوله: أو سجع) أى: فى النثر وهو كالروى فى الشعر أى، كما فى قولهم: من طابت سريرته: حمدت سيرته، لم يقل حمد الناس سيرته لضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب المحافظة على السجع، إذ لو ذكر لكانت الأولى مرفوعة والثانية منصوبة، قال الحفيد محل حذف المسند إليه لضيق المقام عن الإطالة بسبب المحافظة على السجع والقافية إذا كان تقديم المسند الذى يحصل به السجع واجب، كأن كان من أدوات الاستفهام مثل قولك: طلب الحبيب ألفين، فقلت له أين؟ فالمسند إليه محذوف لأجل المحافظة على السجع تقديره أين هما، والخبر واجب التقديم؛ لأنه اسم استفهام، فلو كان المسند جائز التقديم حصلت المحافظة على السجع بتأخيره من غير حاجة لحذف المسند إليه كما إذا قيل طلب الحبيب ألفين فقلت له على العين لصح وحصل السجع ورد ذلك بأنه لا يتم إلا لو شرط فى النكات أن لا يحصل الشىء إلا من هذه الخصوصية وهو ممنوع كما حقق فى محله. اهـ. ابن قاسم. (قوله: أو قافية) أى فى آخر البيت وذلك كما فى قوله (١): وما المرء إلّا كالشّهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع وما المال والأهلون إلّا ودائع ... ولا بد يوما أن تردّ الودائع فلو قيل: أن يرد الناس الودائع لاختلت القافية، لصيرورتها مرفوعة فى الأول منصوبة فى الثاني، وكما فى قوله: قد قال عذول مناك أتى ... فأجبت وقلت كذبت متى فقال حبيبك ذو خفر ... وكبير السن فقلت فتى

стр. 475

أو ما أشبه ذلك؛ كقول الصياد: غزال؛ أى: هذا غزال، وكالإخفاء عن غير السامع من الحاضرين، مثل: جاء، وكاتباع الاستعمال الوارد على تركه، ... === فالمسند محذوف لأجل المحافظة على القافية تقديره متى الإتيان وهو فتى، ثم إن الغرض من الحذف المحافظة على القافية وإن كان فيه أيضا محافظة على الوزن، إلا أنه غير مقصود، وفرق بين الحاصل قصدا والحاصل من غير قصد، فاندفع ما يقال: إن مقابلة المحافظة على الوزن بالمحافظة على القافية تفيد تباينهما وعدم اجتماعهما، وليس الأمر كذلك. (قوله: وما (١) أشبه ذلك) عطف على ضجر (قوله: كقول الصياد) مثال لفوات الفرصة وحينئذ، فالأولى اتصاله به دفعا للإيهام وقوله كقول الصياد أى: مخاطبا للجوارح عند إبصاره للغزال غزال أى: هذا غزال فاصطادوه، فحذف هذا؛ لأن رغبته فى التسارع إليه توهمه أن فى ذكره طولا كثيرا يفيته بحسب زعمه، وفى بعض النسخ: كقولك للصياد وهى ظاهرة (قوله: وكالإخفاء عن غير السامع) قال سم: الظاهر أنه عطف على قوله كضيق المقام، وعلى هذا لم يكن الشارح مبينا لما أشبه ذلك الواقع فى كلامه، وبينه بعضهم بقوله كسرعة التنبيه كأن يقال: خطف المال لمن وضع ماله قريبا منه أى: المختلس خطف المال، وكتعجيل المسرة بالمسند نحو: دينار أى: هذا دينار، وكالخوف منه أو عليه، فكل هذا من جملة أسباب ضيق الكلام عن الطول، وفى ابن يعقوب أن الإخفاء المذكور بيان لذلك المشبه، وعليه فهو عطف على قول الصائد، ويكون من جملة أسباب ضيق المقام عن الطول (قوله: مثل جاء) أى: وتريد زيدا لقيام القرينة عليه عند المخاطب دون غيره، فلو قيل جاء زيد لانتظره كل من كان جالسا لأجل الطلب منه مثلا، ثم إن قوله: كالإخفاء عن غير السامع الأولى أن يقول بدله عن غير المخاطب؛ وذلك لأن الحاضرين إن كانوا سامعين كان الإخفاء عن غيرهم ممن لم يسمع فلا يصح قوله من الحاضرين، وإن كانوا غير سامعين فلا حاجة للإخفاء عنهم، وأجيب بأن المراد بقوله عن غير السامع أى: عن غير من كان مقصودا بسماع ذلك

стр. 476

مثل: رمية من غير رام، أو ترك نظائره، مثل: الرفع على المدح أو الذم أو الترحم ... === الخبر، وحينئذ فهو مساو لقولنا عن غير المخاطب (قوله: مثل: رمية من غير رام) (١) أى: هذه رمية مصيبة من غير رام مصيب، بل من رام مخطىء فحذف المسند إليه ولم يقل هذه اتباعا للاستعمال الوارد على تركه؛ لأن هذا مثل يضرب لمن صدر منه فعل حسن وليس أهلا لصدوره منه، والأمثال لا تغير، وأول من قال هذا المثل: الحكم بن عبد يغوث المصرى حين نذر أن يذبح مهاة أى: بقرة وحش على الغبغب- بغين معجمة فباء موحدة ثم غين معجمة أيضا فباء موحدة- وهو جبل بمنى، وكان من أرمى الناس، فصار كلما يرمى مهاة لا يصيبها رميه ولم يمكنه ذلك أياما حتى كاد أن يقتل نفسه، ثم إن ابنه مطعما خرج معه إلى الصيد فرمى الحكم مهاتين فأخطأهما، فلما عرضت الثالثة رماها مطعم فأصابها، وكان إذ ذاك لا يحسن الرمى، فقال الحكم رمية من غير رام. (قوله: أو ترك نظائره) عطف على تركه أى: وكاتباع الاستعمال الوارد على تركه فى نظائره (قوله: مثل الرفع) أى: مثل ما فيه الرفع على المدح أى: لأجله كقولك: الحمد لله أهل الحمد أى: هو أهل الحمد (قوله: أو الذم) أى: ومثل ما فيه الرفع على الذم أى لأجله نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بالرفع أى هو الرجيم (قوله أو الترحم) أى: ومثل ما فيه الرفع على الترحم أى: لأجل إنشائه كقولك: اللهم ارحم عبدك المسكين بالرفع أى: هو المسكين بالرفع فى هذه الأوجه اتباعا لتركه فى نظائره أعنى: قول العرب: اللهم ارحم عبدك الفقير، ومررت بزيد الخبيث أو الكريم، والحاصل أنه ورد عن العرب: الحمد لله الكريم بالرفع مثلا، فلو قلت: الحمد لله أهل الحمد بالرفع فقد تركت المسند إليه اتباعا للاستعمال الوارد فى نظائره وهو الحمد لله الكريم الذى ترك فيه المسند إليه لإفادة إنشاء المدح، وكذا يقال فى الذم والترحم.

стр. 477

(وأما ذكره: ) أى: ذكر المسند إليه (فلكونه) أى: الذكر (الأصل) ولا مقتضى للعدول عنه ... === واعلم أن الفرق بين اتباع الاستعمال الوارد على تركه واتباع الاستعمال الوارد على تركه فى النظائر أنه فى الأول يكون الكلام فى الاستعمالين واحدا سواء كان الاستعمال قياسيّا أولا وفى الثانى الكلام الثانى غير الأول، ولا بد أن يكون الأول قياسيا. [ذكر المسند إليه]: (قوله: فلكونه الأصل) أى: الكثير أو ما ينبنى عليه غيره، وحينئذ فلا يعدل عنه إلا لمقتض يقتضى الحذف (قوله: ولا مقتضى إلخ) الجملة حالية أتى بها لتقييد كون الأصالة مقتضية للذكر ومرجحة له أى: أن محل ذلك إذا لم يكن هناك نكتة تقتضى الحذف، وأما إذا وجدت فلا تكون الأصالة من المقتضيات للذكر، بل تراعى نكتة الحذف وهذا بخلاف بقية النكات، فإن كلا منها يصلح بمجرد نكتة، حتى إذا وجد معه نكتة للحذف فلا بد من مرجح لأحدهما ولهذا قيد ما هنا بقوله: ولا مقتضى للعدول عنه دون بقية النكات، ثم إن مراد المصنف بقوله: ولا مقتضى أى: فى قصد المتكلم، وحينئذ اندفع ما يقال إن الكلام فيما قامت القرينة المعينة للمحذوف كما يدل عليه سابق كلامه ولاحقه والاحتراز عن العبث، وتخييل العدول متحقق فى جميع صور الذكر ولازم لها، فكيف يقول: ولا مقتضى للعدول عنه مع أن المقتضى للعدول عنه موجود دائما، وحاصل الجواب أن المدار على قصد المتكلم، فالمقتضى للعدول، وإن كان موجودا، لكن قد لا يقصد المتكلم جعله نكتة للحذف. (قوله: للعدول) متعلق بمقتضى وخبر (لا) محذوف تقديره: حاصل هذا هو الظاهر. إن قلت مقتضى هذا الإعراب تنوين الاسم؛ لأنه شبيه بالمضاف على حد: لا مارّا زيد عندنا قلت: تنوين الشبيه بالمضاف مذهب البصريين، وذهب البغداديون إلى جواز ترك تنوينه إلحاقا له فى ذلك بالمضاف كما ألحق به فى الإعراب، وخرج عليه حديث: " اللهم لا مانع لما أعطيت" (١)، ويصح أن تكون اللام زائدة فى المضاف إليه،

стр. 478

(أو للاحتياط لضعف التعويل) أى: الاعتماد (على القرينة أو للتنبيه على غباوة السامع أو زيادة الإيضاح والتقرير) (١) ... === كما جوزه سيبويه (٢) في: لا غلامى لك، ولا إشكال حينئذ فى ترك التنوين، لأنه مضاف أو أن اللام غير زائدة والمجرور معمول لمحذوف أى: لا مقتضى مقتض للعدول عنه، وحينئذ فترك التنوين؛ لأنه مفرد مبنى (قوله: لضعف التعويل على القرينة) أى: إما لخفائها فى نفسها، وإما لاشتباه فيها، وأورد عليه أن هذا يقتضى أن اللفظ أقوى من القرينة العقلية فيخالف ما سبق من أن القرينة العقلية أقوى، حيث قال هناك أو لتخييل العدول إلى أقوى الدليلين إلخ، فإنه صريح فى أن القرينة أقوى من اللفظ، وأجاب الشارح فى شرح المفتاح بأن هذا بالنسبة إلى قوم، وذاك بالنسبة إلى قوم آخرين فقد تكون دلالة اللفظ أقوى بالنسبة إلى قوم، وأجاب السيد عيسى الصفوى: بأن جنس القرينة العقلية أقوى من جنس اللفظ، وعليه ينبنى ما تقدم وهو لا ينافى أن يكون بعض أفراد اللفظ أقوى من القرينة العقلية وعليه ينبنى ما هنا (قوله: أو للتنبيه على غباوة السامع) أى: تنبيه الحاضرين على غباوة السامع أى: المقصود بالسماع، وحاصله أن يذكر المسند إليه مع العلم بأن السامع فاهم له بالقرينة لأجل تنبيه الحاضرين على غباوة السامع إما لقصد إفادة أنها وصفه أو لقصد إهانته، فيقال فى جواب ماذا قال عمرو؟ عمرو قال كذا، ولو كان لا يجوز على ذلك السامع غفلة عن سماع السؤال ولا عدم الفهم منه، تنبيها على أنه غبى لا ينبغى أن يكون الخطاب معه إلا هكذا (قوله: أو زيادة الإيضاح) أى إيضاح المسند إليه بمعنى انكشافه لفهم السامع أى: لذهنه، وقوله والتقرير أى: التثبيت للمسند إليه فى نفس السامع، ثم إن لفظ الزيادة يفهم أن فى القرينة إيضاحا

стр. 479

وعليه قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ... === وتقريرا للمسند إليه وفى ذكره معها زيادتهما، وليس كذلك؛ لأن المسند إليه إذا دل عليه بالقرائن عند الحذف فكأنه ذكر فإذا صرح به فكأنه ذكر ثانيا، فيحصل حينئذ زيادة الانكشاف، وأصل التقرير الذى هو الإثبات مع التكرر لا زيادته، وأجيب بأن قوله: والتقرير عطفا على زيادة، أو أنه عطف على الإيضاح، وما يراد بالتقرير مطلق الإثبات لا الإثبات مع التكرر، فتقريره أى: تثبيته فى ذهن السامع حاصل عند الحذف لوجود القرينة المعينة له وفى الذكر زيادة؛ لأن الدلالة اللفظية اجتمعت مع الدلالة العقلية (قوله: وعليه) أى: على ذكره لزيادة الإيضاح والتقرير جاء قوله تعالى أُولئِكَ عَلى هُدىً (١) إلخ أى: حيث لم يحذف فيه المسند إليه أعنى اسم الإشارة الثاني، ويجعل هم المفلحون خبرا عن اسم الإشارة الأول بطريق العطف لأجل زيادة الإيضاح أى: الانكشاف والتقرير، وللتنبيه على اختصاصهم بالفلاح فى الآجل كما اختصوا بالهدى فى العاجل، فجعل كل من الأمرين فى تميزهم به عن غيرهم بمثابة ما لو انفرد أحدهما على حدة فى كفاية التمييز، والحاصل أن تكرر أولئك أفاد اختصاصهم بكل واحد من الفلاح والهدى مميزا لهم عمن عداهم، ولو لم يكرر وعطف قوله هم المفلحون على قوله على هدى من ربهم لاحتمل ذلك باعتبار تسلط اسم الإشارة على المعطوف، واحتمل اختصاصهم بالمجموع؛ لأن مع الحذف لا يتضح التكرير كمال الإيضاح فيكون المجموع هو المميز لا كل واحد فيفوت المعنى المقصود الذى أفاده التكرير، وإنما لم يقل كقوله تعالى: لأنه ليس من قبيل ما لو لم يذكر لكان المسند إليه محذوفا؛ لأن هم المفلحون إذا لم يذكر المسند إليه يكون معطوفا على الخبر أعنى: على هدى أو على جملة أولئك على هدى من ربهم فيكون من عطف الجمل وعلى الاحتمالين: لا حذف للمسند إليه. فتأمل.

стр. 480

أو إظهار تعظيمه لكون اسمه مما يدل على التعظيم، نحو: أمير المؤمنين حاضر (أو إهانته) أى: إهانة المسند إليه لكون اسمه مما يدل على الإهانة، مثل: السارق اللئيم حاضر (أو التبرك بذكره) (١) مثل: النبى- ﷺ قائل هذا القول (أو استلذاذه) (٢) مثل: الحبيب حاضر (أو بسط الكلام ... === (قوله أو إظهار تعظيمه) أى: تعظيم مدلوله، فإذا قيل أمير المؤمنين حاضر، أو عالم الدنيا يكلمك، أو شريف أهل وقته يخاطبك فذكر المسند إليه يفيد أن تلك الذات المعنون عنها به عظيمة، حيث عبر عنها بأمير المؤمنين، وعالم الدنيا وشريف أهل وقته، وكذا يقال فى إهانته؛ لأنه إذا قيل السارق اللئيم حاضر أفاد أن مدلوله وهى الذات المعنون عنها به مهانة، واعترض على المصنف فى زيادته لفظ الإظهار بأن لفظ المسند إليه إنما يفيد أصل التعظيم أو الإهانة لكونه مما يدل على التعظيم أو الإهانة، وأجيب بأن لفظ المسند إليه يفيد التعظيم فى حالة الحذف من حيث دلالة القرينة عليه فيكون ذكره لإظهار التعظيم (قوله: نحو أمير المؤمنين حاضر) أى: فى جواب من قال هل حضر أمير المؤمنين وكذا ما بعده؛ لأن الكلام فى ذكر المسند إليه مع قيام قرينة تدل عليه لو حذف، وإلا كان ذكره متعينا لا يحتاج إلى نكتة (قوله: أى: إهانة المسند إليه) انظر لم ذكر هذا هنا دون سابقه ولاحقه، ولعله لدفع توهم عود الضمير هنا على تعظيمه- فتأمل. (قوله: مثل السارق إلخ) أى: فى جواب من قال هل حضر زيد أو السارق (قوله: أو التبرك بذكره) أى: لكونه مجمع البركات ثم إن قوله أو التبرك أى إظهاره أو حقيقته، وكذا يقال فى الاستلذاذ بمعنى أنه عند ذكره يجد اللذة المعنوية، أو أنه يذكر لأجل أن يظهر أنه حصل له لذة حسية، فالحامل على ذكر المسند إليه حصول اللذة المعنوية أو الإيقاع فى الوهم بحصول اللذة الحسية (قوله: مثل النبى إلخ) أى: جوابا لمن قال هل قال هذا القول رسول الله (قوله: أو استلذاذه) أى وجد أنه لذيذا- كذا فى الأطول.

стр. 481

حيث الإصغاء مطلوب) أى: فى مقام يكون إصغاء السامع مطلوبا للمتكلم لعظمته، وشرفه؛ ولذا يطال الكلام مع الأحباء؛ وعليه (نحو: ) قوله تعالى ... === (قوله: حيث الإصغاء مطلوب) أى فى زمان أو مكان يكون إصغاء السامع فيه مطلوبا للمتكلم ومحبوبا له لعظمة ذلك السامع، واعترض التعبير بالإصغاء بالنسبة للمثال الذى ذكره؛ لأن الإصغاء محال فى حقه تعالى؛ لأنه إمالة الأذن لسماع الكلام، وأجيب بأن المراد بالإصغاء لازمه وهو السماع مع الالتفات والإقبال على المتكلم فيكون مجازا مرسلا وليس مجازا عن مجرد السماع، إذ لا يكفى؛ فإنه قد يوجد مع كراهية السامع للسماع فلا يكون نكتة، وأورد أن هذا القيد أعنى: قيد الحيثية يمكن أن يعتبر فى غير هذه النكتة من النكات السابقة كالاستلذاذ، فيقال: حيث الاستلذاذ مطلوب، فما وجه التخصيص بذكره فى هذه النكتة دون غيرها؟ وأجيب بأن مجرد بسط الكلام ليس نكتة؛ لأنه قد يكون قبيحا، وإنما يكون نكتة بهذا القيد فلا بد من ذكره لتحقق النكتة بخلاف بقية النكات فلا يتوقف تحققها على ذلك (قوله: أى فى مقام إلخ) أشار بذلك إلى أن حيث ظرف مكان، وقد تقدم أنه يصح جعلها ظرف زمان. (قوله: للمتكلم) متعلق بمطلوبا بمعنى محبوبا، وقوله لعظمته أى: السامع (قوله: ولهذا) أى لأجل أن إصغاء السامع مطلوب للمتكلم لعظمته وشرفه (قوله وعليه) أى: وأتى عليه أى: على ما ذكر من البسط أى: وأتى على طريقته من إتيان الجزئى على الكلى بمعنى تحققه فيه واعترض بأن الإجمال فى آخر الآية فى قوله: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١) ينافى حمل الآية على ما ذكر من البسط؛ لأن المناسب لذلك تفصيل المآرب بالاستقاء من البئر وإنزال الثمار من الشجر ومقاتلة السباع للذب عن غنمه، وأجيب بأن موسى- ﵇ إنما أجمل فى الباقى، وإن كان المقام مقام بسط لترقبه السؤال منه تعالى عن تفصيله فيتلذذ بخطابه تعالى، أو أنه إنما أجمل؛ لأنه لم يكن عالما

стр. 482

حكاية عن موسى- قال (هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها (١)) وقد يكون الذكر للتهويل، ... === بتفصيل تلك المآرب؛ لأن موسى لما سأله المولى عن العصا استشعر أن الله يريه فيها عجائب وخوارق ولم يعلم تفصيلها، أو أنه كان عالما بها، لكن غلب عليه الحياء لمزيد المهابة والجلال. (قوله: حكاية عن موسى) أى: حكاية لقول موسى لما قال الله له وما تلك بيمينك يا موسى، وكان يكفيه فى الجواب أن يقول عصا، لكنه ذكر المسند إليه، لأجل بسط الكلام فى هذا المقام الذى إصغاء السامع فيه مطلوب للمتكلم (قوله: قالَ هِيَ عَصايَ ) (٢) أى: فكان يكفيه لولا ذلك أن يقول عصا؛ لأن السؤال عن الجنس فزاد المبتدأ والإضافة والأوصاف؛ لذلك قال ابن قاسم وفى قوله: هى عصاى إشكال؛ وذلك لأن السؤال بما عن الجنس فكيف أجاب بالشخص؟ والجواب أنه أجاب عن نفس الجنس والماهية، لكن فى ضمن هذا الفرد كأنه قال هى جنس هذا الفرد وفيه أنه إذا كان السؤال عن الجنس فلم عبر بقوله أتوكأ عليها وأهش بها إلخ مع أن هذه صفات، ولا يصح أن يجاب بالصفة عن السؤال عن الجنس؛ لأنها غير مسؤول عنها؟ والجواب أن (ما) عند السكاكى تكون للسؤال عن الجنس كما قد تكون للسؤال عن الصفة، فلعل السيد موسى ﵇ جوز أن يكون السؤال بها عن الجنس، فأجاب بقوله: هى عصاى أى: هى جنس هذا الفرد، ثم جوز ثانيا أن يكون السؤال بها عن الوصف، فأجاب بالصفة بقوله أتوكأ عليها إلخ، فجمع بين الجواب عن السؤال عن الجنس والجواب عن السؤال عن الصفة احتياطا لاحتمال السؤال؛ لأن يكون عن الجنس وعن الصفة. (قوله: للتهويل) أى: التخويف كما فى قول القائل أمير المؤمنين يأمرك بكذا تهويلا للمخاطب بذكر الأمير باسم الإمارة للمؤمنين ليمتثل أمره.

стр. 483

أو التعجب، أو الإشهاد فى قضية، أو التسجيل على السامع حتى لا يكون له سبيل إلى الإنكار. [تعريف المسند اليه] [أغراض التعريف]: (وأما تعريفه: ) أى: إيراد المسند إليه معرفة- وإنما قدم هاهنا التعريف، ... === (قوله: أو التعجب) أى: إظهار العجب من المسند إليه، إذ نفس التعجب لا يتوقف على الذكر، وذلك كما فى قولك: صبى قاوم الأسد، فلا شك أن منشأ التعجب مقاومة الأسد، لكن فى ذكر المسند إليه إظهار للتعجب منه، ثم إن تقدير هذا المضاف وهو إظهار إنما يحتاج له على النسخة التى فيها التعجب، وأما على نسخة، أو التعجيب- بزيادة الياء المثناة- فلا يحتاج له؛ لأن التعجيب من الشىء هو إظهار التعجب منه (قوله: والاستشهاد فى قضية) أى: أو لأجل أن يتعين عند الإشهاد لا بمعنى الاستشهاد كأن يقال لشاهد واقعة عند قصد النقل عنه ما وقع لصاحب الواقعة، هل باع هذا بكذا مثلا فيقول ذلك الشاهد الذى قصد النقل عنه زيد باع كذا بكذا لفلان، لأجل أن يكون زيد متعينا فى قلب الناقل على الشاهد، فلا يقع فيه التباس ولا يجد المشهود عليه سبيلا للإنكار والتغليظ للناقل. (قوله: أو التسجيل على السامع) أى: كتابة الحكم عليه بين يدى الحاكم كما إذا قال الحاكم لشاهد واقعة هل أقر هذا على نفسه بكذا فيقول الشاهد: نعم زيد هذا أقر على نفسه بكذا- فيذكر المسند إليه لئلا يجد المشهود عليه سبيلا للإنكار، بأن يقول للحاكم عند التسجيل إنما فهم الشاهد أنك أشرت إلى غيرى؛ فأجاب ولذلك لم أنكر ولم أطلب الإعذار فيه، واعلم أن المصنف ترك هنا قوله: أو نحو ذلك اكتفاء بذكره فى الحذف. لا لكونه استوعب نكات الذكر؛ لأن المقتضيات للخصوصيات ليست سماعية بل المدار على الذوق السليم فما عده الذوق مقتضيا لخصوصية عمل به، وإن لم يذكره أهل الفن [تعريف المسند إليه]: (قوله: أى إيراد إلخ). أى: وليس المراد بتعريفه جعله معرفة؛ لأن ذلك وظيفة الواضع بخلاف الإيراد معرفة فإنه من وظيفة البليغ المستعمل وذلك هو المراد

стр. 484

وفى المسند التنكير؛ لأن الأصل فى المسند إليه التعريف، وفى المسند التنكير (فبالإضمار؛ ... === (قوله: وفى المسند التنكير) أى فقدم فى كل ما هو الأصل فيه وإنما كان الأصل فى المسند إليه التعريف لأنه محكوم عليه، والحكم على المجهول غير مفيد، وكان الأصل فى المسند التنكير لأنه محكوم به، والحكم بالمعلوم لا يفيد فالقصد إذن إثبات حالة مجهولة لذات معينة واعترض بأن المتوقف عليه الإفادة جهل ثبوته للمحكوم عليه لا جهله فى نفسه، فالقول بأن الحكم بالمعلوم لا يفيد ممنوع. وأجيب بأن المراد لا يفيد إفادة تامة وذلك؛ لأن كمال الإفادة يتوقف على جهله فى نفسه، كما يتوقف على جهل ثبوته للمحكوم عليه، فإذا كان مجهولا فى نفسه أيضا كانت الإفادة أكثر. اهـ. سم. ووجه الشيخ عبد الحكيم: أصالة التعريف فى المسند إليه بأن المقصود الحكم على شىء معين عند السامع، وأصالة التنكير فى المسند بأن المقصود ثبوت مفهومه لشىء، وأما التعريف فأمر زائد على المقصود يحتاج لداع (قوله: لأن الأصل) أى: الراجح فى نظر الواضع أو الغالب الكثير. [تعريفه بالإضمار]: (قوله فبالإضمار لأن إلخ) لم يذكر نكتة ترجيح مطلق التعريف ولا بد منها، ولهذا ذكرها فى المفتاح والإيضاح، وكأن المصنف ظن هنا أن نكتة الخاص تكفى لإيراد العام؛ لأن العام لا يتحقق إلا فى ضمن الخاص وليس كذلك؛ لأن طلب الخاص إنما يكون بعد طلب العام وتحصيله من حيث هو من غير ملاحظة الخاص، وإن كان لا يحصل إلا ضمنه ونكتته كما فى الإيضاح قصد المتكلم إفادة المخاطب إفادة كاملة. اه. يس. واعترض الحفيد على قوله: وأما تعريفه فبالإضمار بأن الفاء بعد أما إنما تدخل على الجواب، وبالإضمار لا يصلح للجواب؛ لأنه مفرد فى محل الحال فالأولى أن تدخل على قوله: لأن المقام؛ لأنه الجواب فى الحقيقة على قياس ما سبق؛ لأن المراد بيان الأسباب المقتضية للتعريف وهى مدخول اللام، وأجيب بأن الفاء مقدمة من تأخير والأصل،

стр. 485

لأن المقام للتكلم) نحو: أنا ضربت (أو الخطاب) نحو: أنت ضربت، أو الغيبة، نحو: هو ضرب؛ لتقدم ذكره؛ إما لفظا، أو تحقيقا، ... === وأما تعريفه بالإضمار فلكون المقام للتكلم أو أن الجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف، والجملة هى الجواب والتقدير، وأما تعريفه فهو حاصل بالإضمار؛ وقوله لأن المقام علة لمحذوف مأخوذ مما قبله تقديره وتعريفه بذلك؛ لأن المقام إلخ- كذا أجاب بعضهم، والأحسن ما ذكره عبد الحكيم من أن الفاء عاطفة على محذوف من عطف المفصل على المجمل والأصل، وأما تعريفه فلإفادة المخاطب أتم فائدة فبالإضمار لكذا وبالعلمية لكذا إلخ، وحينئذ يندفع الاعتراضان. (قوله: لأن المقام للتكلم) فإذا قيل: من أكرم زيدا؟ وكنت أنت المكرم له فتقول: أنا ولا تقول: فلان، وإن كان المكرم له المخاطب قلت أنت وإن كان عمرا الغائب وكان تقدم له ذكر قلت هو؛ وقوله: لأن المقام للتكلم أى: ولا يشعر بخصوص التكلم، وكذا الخطاب والغيبة إلا الضمير، وهذا لا ينافى فى أن الاسم الظاهر يشعر بالتكلم والغيبة والخطاب، إلا أنه ليس نصا فى ذلك فقول الخليفة أمير المؤمنين: فعل كذا يحتمل التكلم، ويحتمل الإخبار عن غيره فليس نصا فى التكلم بخلاف أنا ضربت فإنه نص فى ذلك- كذا قرر شيخنا العدوى، وعبارة عبد الحكيم قوله: لأن المقام للتكلم أى: لكون المقام مقام التعبير عن المتكلم من حيث إنه متكلم، وعن المخاطب من حيث إنه مخاطب، وعن الغائب من حيث إنه غائب، فلا يرد أن مقام التكلم متحقق فى قول الخليفة أمير المؤمنين يأمر بكذا مع عدم الإضمار، وأن الخطاب أعنى توجيه الكلام إلى الحاضر لا يقتضى التعبير بضمير المخاطب كما تقول فى حضرة جماعة كلاما لا تخاطب به واحدا منها، وأن الغيبة وهى كون الشىء غير متكلم، ولا مخاطب لا تستدعى الإضمار، فإن الأسماء الظواهر كلها غيبة (قوله: نحو أنا ضربت) الشاهد فى أنا والتاء وجمع بينهما إشارة إلى أنه لا فرق بين أن يكون الضمير متصلا أو منفصلا، وكذا يقال فيما بعد (قوله لتقدم ذكره) علة لكون المقام مقام غيبة أى: وإنما كان المقام للغيبة لتقدم ذكره أى ذكر مرجعه (قوله: تحقيقا) نحو: زيد يضرب، وجاء زيد وهو

стр. 486

أو تقديرا، وإما معنى؛ لدلالة لفظ عليه أو قرينة حال، وإما حكما (وأصل الخطاب أن يكون لمعين) واحدا كان أو أكثر؛ ... === يضحك (قوله: أو تقديرا) نحو: فى داره زيد، فزيد مبتدأ ورتبته التقدم، وحينئذ فالمرجع متقدم تقديرا، ونحو: ضرب غلامه زيد (قوله: لدلالة لفظ عليه) نحو اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (١) فالضمير راجع للعدل المدلول عليه بلفظ الفعل وهو اعدلوا (قوله: أو قرينة حال) كما فى قوله تعالى فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ (٢) أى: الميت بقرينة أن الكلام فى الإرث. (قوله: وإما حكما) كما في: ربه فتى وهو زيد قائم وضمير الشأن فالمرجع متأخر، لكن فى حكم المتقدم؛ لأن وضع الضمير أن يرجع لمتقدم، فإن أخر لغرض التفصيل بعد الإجمال كان فى حكم المتقدم، واعلم أن الضمير إذا عاد على متقدم: فتارة يعود عليه من كل وجه وهو الغالب، وتارة يعود عليه باعتبار لفظه، لا باعتبار معناه نحو: عندى درهم ونصفه أى: ونصف درهم آخر لا الأول الذى أخبرت أنه عندك، ونحو: باب الاستخدام، والفرق بين الاستخدام وما قبله أن اللفظ المتقدم فى الاستخدام له معنيان فأكثر، بخلاف ذاك، وتارة يعود عليه من أحد وجهيه كقوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ (٣) فالهاء لا تعود على معمر المذكور؛ لأن المعمر غير الذى ينقص من عمره ولا باعتبار لفظه؛ لأنه لا يصح أن يقال: ولا ينقص من عمر معمر آخر؛ لأن الفساد باق، ولكن المعمر يدل على الصفة التى هى التعمير وعلى الذات، فالضمير عائد عليه باعتبار ما يفهمه من الذات والمعنى: ولا ينقص من عمر شخص آخر فهو مثل: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (٤). اهـ. يس. (قوله: وأصل الخطاب) أى: ضمير المخاطب أى: اللائق به والواجب فيه بحكم الوضع أن يكون لشخص معين واحدا كان أو أكثر، فالواجب بحكم الوضع أن

стр. 487

لأن وضع المعارف على أن تستعمل لمعين ... === يكون ضمير المخاطب بصيغة التثنية لاثنين معينين وبصيغة الجمع لجماعة معينة أو للجميع على سبيل الشمول كما فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (١) وفى قوله ﵊: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" (٢) فإن الشمول الاستغراقى من قبيل التعيين، ثم إن قول المصنف وأصل الخطاب إلخ توطئة لقوله: وقد يترك إلخ، وذلك أنه لما ذكر أن من موجبات الإضمار كون المقام مقام الخطاب ومعلوم أن الخطاب توجيه الكلام لحاضر، وأن المعارف فى الجملة الأصل فيها الوضع لتستعمل فى معين خاف أن يتوهم أن ضمير المخاطب لا يعدل به عن المعين إلى غيره فأشار إلى أنه قد يعدل به عن المعين ومعد لذلك ببيان هذا الأصل (قوله: لأن وضع المعارف) أى: لأن المعارف مطلقا وضعت وقوله على أن تستعمل على بمعنى اللام أى: لتستعمل فى معين بالشخص أى: وضمير المخاطب من المعارف وإذ كان كذلك ثبت المدعى وهو قول المصنف وأصل الخطاب أن يكون لمعين وهذا التعليل أعم من المدعى، وأورد عليه المعرف بلام العهد الذهنى فإنه من المعارف مع أنه لا يستعمل فى معين والجواب أنه فى حكم النكرة، والكلام فى معرفة ليست كذلك وهى المعرفة بالنظر للفظ والمعنى، أو يقال أن المعرف بلام العهد الذهنى مستعمل فى الجنس وهو معين فى نفسه وإن كان باعتبار وجوده فى ضمن فرد ما غير معين، ولا يرد على هذا الجواب الثانى النكرة بناء على أنها موضوعة للجنس لا لفرد ما غير معين كما هو القول الآخر؛ لأن تعين الجنس معتبر فى المعرف بلام العهد الذهنى غير معتبر فى النكرة وإن كان الجنس فى كل منهما متحققا فى فرد غير معين، ثم إن هذا التعليل الذى ذكره الشارح يقتضى أن المعارف وضعت لأمر كلى عام، واستعملت فى كل جزئى من جزئيات ذلك العام وهى طريقة

стр. 488

مع أن الخطاب هو توجيه الكلام إلى حاضر (وقد يترك) الخطاب مع معين (إلى غيره) أى: غير معين (١)؛ (ليعم) الخطاب (كل مخاطب) ... === لجماعة منهم الشارح. قال العصام: ويلزمهم كون المعارف مجازات لا حقائق لها ورد بأنه إن كان استعمال اسم الكلى فى ذلك الجزئى من حيث إنه فرد من أفراده فهو حقيقة، وإن كان استعمال اسم الكلى فى ذلك الجزئى من حيث أنه مشابه له فى التعين كان ذلك مجازا، لكن له حقيقة بناء على أنه يكفى فى الحقيقة مجرد الوضع، وإن لم يوجد استعمال على أن المجاز لا يستلزم الحقيقة عند الشارح بناء على اشتراط الاستعمال فى الحقيقة (قوله: مع أن الخطاب) أى: ولأن الخطاب إلخ فهو علة ثانية وهى قاصرة على المدعى (قوله: توجيه الكلام) أى: إلقاؤه (قوله: إلى حاضر) أى: من حيث إنه حاضر بأن يكون فيه إشارة إلى حضوره أى: والحاضر كذلك لا يكون إلا معينا، فتم قول المصنف: وأصل الخطاب أن يكون لمعين، واندفع بقولنا كذلك ما أورده بعضهم بأنه كيف لا يكون الحاضر إلا معينا مع أنه يمكن أن يحضر جماعة ويوجه الخطاب لأحدهم مبهما. (قوله: وقد يترك الخطاب مع معين) الظاهر أن الظرف متعلق بالخطاب- وفيه نظر؛ لأن الخطاب متعد بنفسه، فالأولى أن يقول لمعين بلام التقوية؛ لأنه يقال خاطبه والخطاب له ولا يقال خاطب معه، وأجيب بأن الظرف حال من الخطاب أى: كائنا مع معين، وفى ذلك الجواب نظر، فإن الخطاب فى حال كونه كائنا مع معين لا يتأتى أن يكون لغيره للتنافى بينهما، ويمكن الجواب بأنا نجعل الكائن بمعنى ما من شأنه أن يكون، وحينئذ فلا نظر وجعل الشارح الضمير فى يترك للخطاب دون الأصل مع أنه الظاهر لقرب المرجع. (قوله: إلى غيره) الجار والمجرور متعلق بقوله يترك. وفيه نظر؛ لأن الترك لا يتعدى بإلى وأجيب بأنه ضمن الترك معنى الإمالة والتوجيه والتقدير، وقد يمال أى يوجه

стр. 489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الخطاب الذى من شأنه أن يكون لمعين إلى غيره إن أريد التضمين النحوى، أو قد يترك الخطاب مع معين ممالا إلى غيره إن أريد التضمين البيانى: وهو أن يجعل الوصف المأخوذ من الفعل المتروك حالا من مرفوع الفعل المذكور، وحاصل ما قاله المصنف أن الخطاب الذى شأنه أن يوجه لمعين بالشخص قد يوجه لغير معين بالشخص، ويراد منه مطلق مخاطب على طريق المجاز المرسل والعلاقة الإطلاق؛ وذلك لأن ضمير المخاطب موضوع بالوضع العام لكل معين مانع عن إرادة الغير حين إرادته على ما هو المختار أو موضوع لمعين كلى، لكن بشرط استعماله فى جزئياته المعينة فالخطاب إذا لم يقصد به المعين يكون مجازا على كلا التقديرين، ثم إن قول الشارح أى غير معين يشير إلى أن الضمير هو غيره عائد على المعين وهو غير متعين، إذ يصح أن يعود إلى الخطاب مع معين وغيره هو الخطاب لغير معين، بل ذلك هو الأولى؛ لأن الخطاب هو المحدث عنه؛ ولأنه يلزم تشتيت الضمائر على ما ذكره الشارح؛ لأن الضمير فيما قبله وما بعده عائد على الخطاب- كما ذكره الشارح، وقد يقال: بل ما ذكره الشارح أولى لما فيه من قرب المرجع، بل يقال جعل الضمير فى غيره راجعا للخطاب يوهم أن المعنى قد يترك الخطاب إلى غير الخطاب كالغيبة، مع أن المقصود قد تترك أصالة الخطاب لمعين إلى غير المعين- قيل: إن ترك الخطاب لغير معين من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، بل هو عند التحقيق من وضع المضمر موضع المظهر، فإن قوله: ولو ترى الظاهر فيه ولو يرى كل أحد- إذا علمت هذا- فذكر المصنف ذلك الكلام هنا يخل بقوله فيما بعد هذا كله مقتضى الظاهر، والجواب أنا لا نسلم أن توجيه الخطاب لغير معين من إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأنه ليس هنا شىء داع إلى إيراد الخطاب لمعين فأجرى الكلام على خلاف ذلك الداعى الظاهر وروعى مطابقة الداعى الغير الظاهر، بل ليس هنا إلا مجرد استعمال اللفظ فى غير ما وضع له لداع وهو تعميم الخطاب فهو مقتضى الظاهر ولو كفى هذا القدر الموجود هنا فى كونه خلاف مقتضى الظاهر لزم أن يكون جميع المجازات اللغوية خلاف مقتضى الظاهر، ولا نسلم أن التوجيه

стр. 490

على سبيل البدل (نحو: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) لا يريد بقوله: وَلَوْ تَرى مخاطبا معينا قصدا إلى تفظيع حالهم (أى: تناهت حالتهم فى الظهور) ... === المذكور من وضع المضمر موضع المظهر، إذ ليس وضع المضمر موضع المظهر بمجرد صحة إقامته مقامه إذ كل مضمر يصلح لذلك، بل أن يكون المقام مقام المظهر، فأقيم المظهر مقامه، وليس مقام المظهر بل مقام الخطاب (قوله: على سبيل البدل) أى: على سبيل التناول دفعة، وإنما كان عمومه فى تلك الحالة بدليا لا شموليا إشارة إلى أن ذلك الخطاب لم يخرج عن أصل وضعه من كل وجه حتى يكون كالنكرات فى العموم، بل يصاحبه الإفراد المناسب للتعيين، ثم إن العموم البدلى فى الضمير المفرد والمثنى ظاهر، وأما فى ضمير الجمع نحو: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (١) فالظاهر أنه شمولى لا بدلي، ويمكن اعتبار البدلى فيه بالنظر لكل جمع جمع. قاله ابن يعقوب والفنارى. قال يس أقول: ولا يشكل بأن ذلك يجعل الضمير شائعا؛ لأن هذا أمر عارض فى الاستعمال ليس بحسب الوضع. ونظائره كثيرة مما لا تخفى (قوله: ولو ترى (٢) إلخ) فيه أن (لو) للتعليق فى الماضى وإذ ظرف له مع أن تلك الحالة فى المحشر، وأجيب بأنه نزلت تلك الحالة لتحقق وقوعها منزلة الماضى، فاستعمل فيها: لو- وإذ على سبيل المجاز أى: لو ترى يا من تتأتى منه الرؤية وقت كون المجرمين ناكسى رءوسهم أى: لو ترى ما حل بهم فى ذلك الوقت من الحالة الشنيعة وجواب لو محذوف أى: لرأيت أمرا فظيعا (قوله: لا يريد) الأليق بالأدب ليس المراد أو لا يراد بقوله إلخ، وقوله مخاطبا معينا أى: بل المراد مطلق مخاطب (قوله: قصدا) علة لقوله لا يريد، وقوله: إلى تفظيع حالهم أى: بيان فظاعة حالهم من فظع الأمر بالضم اشتدت شناعته وقبحه (قوله أى: تناهت حالتهم إلخ) هذا بيان لما أفهمه قوله ليعم الخطاب كل مخاطب وهو كون الخطاب عاما لا يختص به واحد، والمراد بحالتهم ما يطرأ عليهم فى وقت تنكيس الرءوس

стр. 491

لأهل المحشر إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا يختص بها رؤية راء دون راء، وإذا كان كذلك (فلا يختص به) أى: بهذا الخطاب (مخاطب) دون مخاطب، بل كل من يتأنى منه الرؤية فله مدخل فى هذا الخطاب، وفى بعض النسخ: فلا يختص بها؛ أى: برؤية حالهم مخاطب، أو بحالهم رؤية مخاطب على حذف المضاف. (وبالعلمية) أى: تعريف المسند إليه بإيراده علما- وهو ما وضع لشىء مع جميع مشخصاته؛ ... === لأجل الخوف والخجل من أهوال القيامة من رثاثة الهيئة واسوداد الوجه وغبرته وصفرته، وغير ذلك مما هو فى غاية الشناعة (قوله: لأهل المحشر) بكسر الشين موضع حشر الناس أى: اجتماعها كما فى المختار (قوله: إلى حيث) متعلق بتناهت أى: إلى حالة يمتنع خفاؤها بسبب الإتضاح (قوله: فلا يختص بها) أى بتلك الحالة (قوله وإذا كان) أى: حالهم كذلك لا يختص به رؤية راء (قوله: فله مدخل) أى: حظ ونصيب (قوله: على حذف المضاف) أى: أنه على نسخة بها فالضمير لحالتهم، ولا بد على هذه النسخة من تقدير مضاف، إما قبل ضمير بها، أو قبل مخاطب، وإنما احتيج لتقدير هذا المضاف؛ لأن حالتهم ليست وصفا قائما بالمخاطب حتى يصح أن يختص بها بخلاف الرؤية، فإنها وصف قائم به فيصح اختصاصه بها. [تعريفه بالعلمية]: (قوله: بإيراده علما) أشار بذلك إلى أن العلمية مصدر المتعدى، ومعناه جعله علما والجعل بالإيراد- قاله عبد الحكيم، وحاصله أن الفعل اللازم علم بالضم معناه صار علما والمتعدى علّمه بالتشديد معناه جعله علما، والعلمية مصدر المتعدى فمعناها الجعل علما، وحينئذ فقول المصنف: وبالعلمية معناه وتعريفه بجعله علما، والمراد بجعله علما إيراده علما؛ لأنه هو الذى يصنعه البليغ لا وضعه علما؛ لأن هذا من وظيفة الواضع فقول الشارح بإيراده علما الباء للتصوير أى: إنه تصوير للعلمية أى: إنها مصورة بما ذكر لا بوضعه علما (قوله: من جميع مشخصاته) أى: إن العلم وضع للشىء وهو الذات مثلا، ولمشخصاته فهى جزء من الموضوع له، لا أنها أمر زائد على الموضع

стр. 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === له بحيث يكون الموضوع له الشىء، والمشخصات حاصلة بطريق التبع، واعترض هذا التعريف بأنه يقتضى أن يكون استعمال العلم مجازا عند تبدل المشخصات؛ لأن صفات الطفولة الحاصلة عند الوضع تزول عند الشبوبية والشيخوخة، كصغر الأعضاء وعدم النطق وعدم التمييز، فإن هذه كلها تزول عند الشبوبية والشيخوخة مع أن استعمال العلم بعد زوالها حقيقة اجماعا، وأجيب بأن المراد المشخصات المشتركة بين جميع أحواله التى يتحقق بها جزئيته وتمنع من وقوع الشركة فيه: كالوجود الخارجى والحياة واللون المخصوص، ولا شك أنها أحوال لازمة له فى سائر الأحوال مشخصة له فهى المعتبرة فى الوضع دون غيرها مما يتبدل، والحاصل أن المراد بالمشخصات المعتبرة جزءا من الموضوع له العوارض اللازمة للذات من حيث هى ذات وهى التى لا تقوم للذات بدونها وعبارة عبد الحكيم المراد بالمشخصات: أمارات الشخص لا موجباته؛ لأن الشخص هو الموجود على النحو الخاص أو على حالة تقارنه أو تتبعه، والأعراض والصفات: كالكم والكيف أمارات يعرف بها الشخص كما تقرر فى محله فتبدل المشخصات لا يوجب تبدل الشخص، واعترض أيضا بأنه لا يتأتى فيمن يسمى ولده الذى لم يره، فإنه لم يطلع على جميع مشخصاته، والذى يتعقله حين التسمية من أوصافه وأحواله أمور كلية لا تفيد تشخصه؛ لأن ضم كلى وهو ما تعقله من الأوصاف إلى كلى آخر وهو الذات لا يفيد تشخصه، وأجيب بأنه لا يتعين فى الوضع لشىء مع مشخصاته ملاحظة المشخصات بالوجه الجزئى، بل يكفى ملاحظتها بوجه كلى ينحصر فى ذلك الجزئى، وحاصله أن معرفة المشخصات ولو إجمالا بوجه عام تكفى فى وضع العلم، واعترض أيضا بأن هذا التعريف غير صادق على علم الجنس؛ لأنه موضوع للماهية ولا مشخصات لها، إذ لا وجود لها فى الخارج حتى يكون لها مشخصات، وحينئذ فلا يصدق عليه أنه وضع لشىء مع جميع مشخصاته، وأجاب العلامة السيد فى حواشى المطول بأن هذا تعريف لما علميته حقيقية وهو علم الشخص بخلاف علم الجنس، فإن علميته حكمية حتى صرح النحاة بأن علمية الجنس إنما تعتبر

стр. 493

(لإحضاره) أى: المسند إليه (بعينه) أى: بشخصه ... === عند الضرورة، ولك أن تجعل التعريف شاملا له بأن يراد بالمشخصات المشخصات الخارجية بالنسبة لعلم الشخص، والذهنية بالنسبة لعلم الجنس، ولا نقصرها على الذهنية ولا على الخارجية ولا نريد بها جميع المشخصات (قوله: لإحضاره أى المسند إليه) أنت خبير بأن المسند والمسند إليه قد سبق أنهما من أوصاف اللفظ، فقوله: وتعريفه بالعلمية الضمير للمسند إليه بمعنى اللفظ، ولا شك أن المحضر فى ذهن السامع هو المعنى؛ لأنه هو المحكوم عليه فقوله لإحضاره محمول على الاستخدام لذكر المسند إليه أولا بمعنى اللفظ وإعادة الضمير عليه بمعنى المدلول، أو على حذف المضاف أى: لإحضار مدلوله (قوله: بعينه) الجار والمجرور حال من مفعول المصدر أى حال كون المسند إليه ملتبسا بعينه أى: تعينه وتشخصه، وأورد على هذا التعليل الذى قاله المصنف أنه لا يظهر فيما إذا كان المخاطب لا يحيط بالمسمى كما فى المثال الآتى، فإن المعنى الذى وضع له لفظ الجلالة لا يتأتى حضوره عند السامع بعينه لعدم العلم بذاته والإحاطة بجميع صفاته، وأجيب بأن المراد بالإحضار بالعين ما يتناول إحضار الموضوع له بوجه جزئى كإحضاره بذاته ومشخصاته أو بوجه كلى ينحصر فيه، فالأول: كزيد، والثاني: كلفظ الجلالة، فإن مدلوله يستحضر بوجه عام منحصر فيه فى الواقع ككونه واجب الوجود خالقا للعالم، وقد أشار الشارح لذلك الجواب بقوله بحيث يكون متميزا، فالمدار فى حضوره فى النفس بعينه على صيرورته متميزا عند السامع عن جميع ما عداه، ولو بملاحظة خاصة مساوية له بحيث يمتنع اشتراكه بين كثيرين فى الذهن، وبهذا ظهر أنه يمكن إحضاره تعالى بعينه فى الذهن، ثم إن المراد باحضاره فى ذهن السامع التفات نفسه إليه وتوجهها إليه، ولا شك أن النفس إذا سمعت تلتفت إلى المعنى وإن كان حاضرا فيها فلا يرد أنه إذا قيل: جاء زيد حال حضور المسند إليه فى ذهن السامع لم يوجد إحضار، وأورد على التعليل المذكور أيضا أنه لا يصدق على علم الجنس، إذ لا تعين ولا تشخص فيه، وأجيب بأن المراد بتعينه وتشخصه ولو كان ذهنيا على ما سلف أو يقال الكلام فيما علمت علميته حقيقة فلا يرد العلم الجنسى، أو أنه

стр. 494

بحيث يكون متميزا عن جميع ما عداه، واحترز بهذا عن إحضاره باسم جنسه؛ نحو: رجل عالم جاءنى (فى ذهن السامع ابتداء) ... === لا يلزم من قولنا يؤتى بالعلم لكذا أن كل علم يفيد ذلك (قوله: بحيث يكون إلخ) تفسير لإحضار المسند إليه بعينه وبيان للمراد منه وتوضيح ما قاله الشارح أنك لو عبرت عن زيد بالشيخ الفاضل أو برجل عالم لم يتميز عن جميع ما عداه، إذ لا يفهم من الشيخ الفاضل أو من رجل عالم إلا رجل متصف بالعلم أو الفضل ومحتمل؛ لأن يكون هو زيدا أو غيره نعم هو مميز له بعض تمييز لإفادته أن الجائى رجل متصف بالفضل أو العلم بخلاف ما إذا قلت: زيد جاءنى، فإنه حينئذ يميزه عن جميع ما عداه، (قوله: واحترز بهذا) أى: القيد وهو قوله بعينه (قوله باسم جنسه) اعترض بأن المقابل للعين الجنس لا اسم الجنس، فالأولى أن يقال عن إحضاره بجنسه فى ذهن السامع ابتداء، وأجيب بأن لفظ اسم مقحم على حد قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ (١) واعترض بأن الإحضار فى ذهن السامع ابتداء يحصل باسم الجنس، فلا خصوصية للعلم بذلك كما في: رجل حاكم فى البلد جاءنى، ولم يكن فى البلد إلا حاكم واحد، وأجيب بأنه ليس فى كلامه ما يفيد حصر الإحضار المذكور فى العلم، بل المفهوم منه أن الإحضار المذكور يكون بالعلم فلا ينافى أنه يحصل بغيره؛ لأنه لا يشترط فى النكتة أن تختص بذلك الطريق ولا أن تكون أولى به، بل يكفى وجود المناسبة بينهما وحصولها به وإن أمكن حصولها بغيره، أو يقال المراد بالإحضار فى كلام المصنف الإحضار من حيث الوضع، والإحضار فى المثال المذكور عارض من حيث انحصار الوصف المذكور لا من حيث الوضع (قوله: نحو رجل عالم جاءنى) الشاهد فى قوله رجل، وإنما أتى بعالم لأجل صحة الابتداء بالنكرة، فالتعبير عن ذات المسند إليه برجل وإن تعين بالقرينة أنه زيد- لا يفيد حضوره فى ذهن السامع إلا من جهة الجنسية المنافية من حيث هى للشخصية.

стр. 495

أى: أول مرة، واحترز به عن نحو: جاءنى زيد وهو راكب (باسم مختص به) أى: بالمسند إليه بحيث لا يطلق باعتبار هذا الوضع على غيره، واحترز به ... === (قوله: أى أول مرة) فيه إشعار بأن نصب ابتداء على الظرفية، ويجوز أن يكون منصوبا على المصدرية أى إحضار ابتداء وأورد على كلام المصنف أنه منقوض بمثل: جاء زيد وزيد حقيق بالإكرام، فإن العلم الثانى يفيد الإحضار ثانيا لا ابتداء فيكون مساويا للضمير، وأجيب بأن كلامه لا يقتضى أن العلم لا يفيد إلا الإحضار المذكور، بل معناه أنه إذا أريد الإحضار ابتداء لا يؤتى إلا بالعلم، وهذا لا ينافى أنه يؤتى به للإحضار ثانيا، ولا يرد ما ذكر إلا لو قال التعريف بالعلمية لا يكون إلا للإحضار المذكور (قوله: عن نحو جاءني إلخ) أى: مما فيه الإحضار بضمير غائب عائد إلى العلم، وانظر لم لم يقل عن إحضاره بضمير الغائب نحو: جاءني إلخ، كما صنع فى سابقه ولاحقه فتأمل. (قوله: وهو راكب) أى: فالضمير أحضر الذات ملتبسة بالتعيين فى ذهن السامع، ولكن هذا الإحضار ثانوى؛ لأن الضمير متوقف على المرجع، فالمرجع مفيد للتعيين أولا والضمير مفيد له ثانيا، فإن قلت ما معنى إحضار الذات ثانيا مع أنها أحضرت أولا والحاضر لا يحضر لأنه تحصيل الحاصل وهو محال؟ وأجيب بأن المراد بالإحضار الالتفات والتوجه وحضوره أولا لا ينافى حضوره ثانيا بمعنى التوجه إليه، أو المراد أنه إحضار ثانوى على تقدير ذهاب الحضور الأول أو يقال: إن الإحضار بقيد كونه مدلول زيد مغاير لكونه مدلولا للضمير فلم يلزم تحصيل الحاصل- تأمل. (قوله: مختص به) أى باسم مقصور على المسند إليه لا يتجاوزه إلى غيره بمعنى أنه لا يطلق على غيره فقول الشارح بحيث إلخ القصد من الحيثية التفسير (قوله: بحيث لا يطلق باعتبار هذا الوضع) أى: وضعه لهذه الذات المخصوصة، وإن أطلق على غيرها باعتبار وضع آخر كما فى الأعلام المشتركة كزيد المسمى به جماعة، وبهذه الحيثية اندفع ما أورد على المصنف من أن الأعلام المشتركة يصدق عليها أنها أعلام، ولا تعين شخص مدلولها، وحاصل الجواب أنها تعين شخص مدلولها باعتبار كل وضع بخصوصه،
следующие страницы →