← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لأهل المحشر إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا يختص بها رؤية راء دون راء، وإذا كان كذلك (فلا يختص به) أى: بهذا الخطاب (مخاطب) دون مخاطب، بل كل من يتأنى منه الرؤية فله مدخل فى هذا الخطاب، وفى بعض النسخ: فلا يختص بها؛ أى: برؤية حالهم مخاطب، أو بحالهم رؤية مخاطب على حذف المضاف. (وبالعلمية) أى: تعريف المسند إليه بإيراده علما- وهو ما وضع لشىء مع جميع مشخصاته؛ ... === لأجل الخوف والخجل من أهوال القيامة من رثاثة الهيئة واسوداد الوجه وغبرته وصفرته، وغير ذلك مما هو فى غاية الشناعة (قوله: لأهل المحشر) بكسر الشين موضع حشر الناس أى: اجتماعها كما فى المختار (قوله: إلى حيث) متعلق بتناهت أى: إلى حالة يمتنع خفاؤها بسبب الإتضاح (قوله: فلا يختص بها) أى بتلك الحالة (قوله وإذا كان) أى: حالهم كذلك لا يختص به رؤية راء (قوله: فله مدخل) أى: حظ ونصيب (قوله: على حذف المضاف) أى: أنه على نسخة بها فالضمير لحالتهم، ولا بد على هذه النسخة من تقدير مضاف، إما قبل ضمير بها، أو قبل مخاطب، وإنما احتيج لتقدير هذا المضاف؛ لأن حالتهم ليست وصفا قائما بالمخاطب حتى يصح أن يختص بها بخلاف الرؤية، فإنها وصف قائم به فيصح اختصاصه بها. [تعريفه بالعلمية]: (قوله: بإيراده علما) أشار بذلك إلى أن العلمية مصدر المتعدى، ومعناه جعله علما والجعل بالإيراد- قاله عبد الحكيم، وحاصله أن الفعل اللازم علم بالضم معناه صار علما والمتعدى علّمه بالتشديد معناه جعله علما، والعلمية مصدر المتعدى فمعناها الجعل علما، وحينئذ فقول المصنف: وبالعلمية معناه وتعريفه بجعله علما، والمراد بجعله علما إيراده علما؛ لأنه هو الذى يصنعه البليغ لا وضعه علما؛ لأن هذا من وظيفة الواضع فقول الشارح بإيراده علما الباء للتصوير أى: إنه تصوير للعلمية أى: إنها مصورة بما ذكر لا بوضعه علما (قوله: من جميع مشخصاته) أى: إن العلم وضع للشىء وهو الذات مثلا، ولمشخصاته فهى جزء من الموضوع له، لا أنها أمر زائد على الموضع

стр. 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === له بحيث يكون الموضوع له الشىء، والمشخصات حاصلة بطريق التبع، واعترض هذا التعريف بأنه يقتضى أن يكون استعمال العلم مجازا عند تبدل المشخصات؛ لأن صفات الطفولة الحاصلة عند الوضع تزول عند الشبوبية والشيخوخة، كصغر الأعضاء وعدم النطق وعدم التمييز، فإن هذه كلها تزول عند الشبوبية والشيخوخة مع أن استعمال العلم بعد زوالها حقيقة اجماعا، وأجيب بأن المراد المشخصات المشتركة بين جميع أحواله التى يتحقق بها جزئيته وتمنع من وقوع الشركة فيه: كالوجود الخارجى والحياة واللون المخصوص، ولا شك أنها أحوال لازمة له فى سائر الأحوال مشخصة له فهى المعتبرة فى الوضع دون غيرها مما يتبدل، والحاصل أن المراد بالمشخصات المعتبرة جزءا من الموضوع له العوارض اللازمة للذات من حيث هى ذات وهى التى لا تقوم للذات بدونها وعبارة عبد الحكيم المراد بالمشخصات: أمارات الشخص لا موجباته؛ لأن الشخص هو الموجود على النحو الخاص أو على حالة تقارنه أو تتبعه، والأعراض والصفات: كالكم والكيف أمارات يعرف بها الشخص كما تقرر فى محله فتبدل المشخصات لا يوجب تبدل الشخص، واعترض أيضا بأنه لا يتأتى فيمن يسمى ولده الذى لم يره، فإنه لم يطلع على جميع مشخصاته، والذى يتعقله حين التسمية من أوصافه وأحواله أمور كلية لا تفيد تشخصه؛ لأن ضم كلى وهو ما تعقله من الأوصاف إلى كلى آخر وهو الذات لا يفيد تشخصه، وأجيب بأنه لا يتعين فى الوضع لشىء مع مشخصاته ملاحظة المشخصات بالوجه الجزئى، بل يكفى ملاحظتها بوجه كلى ينحصر فى ذلك الجزئى، وحاصله أن معرفة المشخصات ولو إجمالا بوجه عام تكفى فى وضع العلم، واعترض أيضا بأن هذا التعريف غير صادق على علم الجنس؛ لأنه موضوع للماهية ولا مشخصات لها، إذ لا وجود لها فى الخارج حتى يكون لها مشخصات، وحينئذ فلا يصدق عليه أنه وضع لشىء مع جميع مشخصاته، وأجاب العلامة السيد فى حواشى المطول بأن هذا تعريف لما علميته حقيقية وهو علم الشخص بخلاف علم الجنس، فإن علميته حكمية حتى صرح النحاة بأن علمية الجنس إنما تعتبر

стр. 493

(لإحضاره) أى: المسند إليه (بعينه) أى: بشخصه ... === عند الضرورة، ولك أن تجعل التعريف شاملا له بأن يراد بالمشخصات المشخصات الخارجية بالنسبة لعلم الشخص، والذهنية بالنسبة لعلم الجنس، ولا نقصرها على الذهنية ولا على الخارجية ولا نريد بها جميع المشخصات (قوله: لإحضاره أى المسند إليه) أنت خبير بأن المسند والمسند إليه قد سبق أنهما من أوصاف اللفظ، فقوله: وتعريفه بالعلمية الضمير للمسند إليه بمعنى اللفظ، ولا شك أن المحضر فى ذهن السامع هو المعنى؛ لأنه هو المحكوم عليه فقوله لإحضاره محمول على الاستخدام لذكر المسند إليه أولا بمعنى اللفظ وإعادة الضمير عليه بمعنى المدلول، أو على حذف المضاف أى: لإحضار مدلوله (قوله: بعينه) الجار والمجرور حال من مفعول المصدر أى حال كون المسند إليه ملتبسا بعينه أى: تعينه وتشخصه، وأورد على هذا التعليل الذى قاله المصنف أنه لا يظهر فيما إذا كان المخاطب لا يحيط بالمسمى كما فى المثال الآتى، فإن المعنى الذى وضع له لفظ الجلالة لا يتأتى حضوره عند السامع بعينه لعدم العلم بذاته والإحاطة بجميع صفاته، وأجيب بأن المراد بالإحضار بالعين ما يتناول إحضار الموضوع له بوجه جزئى كإحضاره بذاته ومشخصاته أو بوجه كلى ينحصر فيه، فالأول: كزيد، والثاني: كلفظ الجلالة، فإن مدلوله يستحضر بوجه عام منحصر فيه فى الواقع ككونه واجب الوجود خالقا للعالم، وقد أشار الشارح لذلك الجواب بقوله بحيث يكون متميزا، فالمدار فى حضوره فى النفس بعينه على صيرورته متميزا عند السامع عن جميع ما عداه، ولو بملاحظة خاصة مساوية له بحيث يمتنع اشتراكه بين كثيرين فى الذهن، وبهذا ظهر أنه يمكن إحضاره تعالى بعينه فى الذهن، ثم إن المراد باحضاره فى ذهن السامع التفات نفسه إليه وتوجهها إليه، ولا شك أن النفس إذا سمعت تلتفت إلى المعنى وإن كان حاضرا فيها فلا يرد أنه إذا قيل: جاء زيد حال حضور المسند إليه فى ذهن السامع لم يوجد إحضار، وأورد على التعليل المذكور أيضا أنه لا يصدق على علم الجنس، إذ لا تعين ولا تشخص فيه، وأجيب بأن المراد بتعينه وتشخصه ولو كان ذهنيا على ما سلف أو يقال الكلام فيما علمت علميته حقيقة فلا يرد العلم الجنسى، أو أنه

стр. 494

بحيث يكون متميزا عن جميع ما عداه، واحترز بهذا عن إحضاره باسم جنسه؛ نحو: رجل عالم جاءنى (فى ذهن السامع ابتداء) ... === لا يلزم من قولنا يؤتى بالعلم لكذا أن كل علم يفيد ذلك (قوله: بحيث يكون إلخ) تفسير لإحضار المسند إليه بعينه وبيان للمراد منه وتوضيح ما قاله الشارح أنك لو عبرت عن زيد بالشيخ الفاضل أو برجل عالم لم يتميز عن جميع ما عداه، إذ لا يفهم من الشيخ الفاضل أو من رجل عالم إلا رجل متصف بالعلم أو الفضل ومحتمل؛ لأن يكون هو زيدا أو غيره نعم هو مميز له بعض تمييز لإفادته أن الجائى رجل متصف بالفضل أو العلم بخلاف ما إذا قلت: زيد جاءنى، فإنه حينئذ يميزه عن جميع ما عداه، (قوله: واحترز بهذا) أى: القيد وهو قوله بعينه (قوله باسم جنسه) اعترض بأن المقابل للعين الجنس لا اسم الجنس، فالأولى أن يقال عن إحضاره بجنسه فى ذهن السامع ابتداء، وأجيب بأن لفظ اسم مقحم على حد قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ (١) واعترض بأن الإحضار فى ذهن السامع ابتداء يحصل باسم الجنس، فلا خصوصية للعلم بذلك كما في: رجل حاكم فى البلد جاءنى، ولم يكن فى البلد إلا حاكم واحد، وأجيب بأنه ليس فى كلامه ما يفيد حصر الإحضار المذكور فى العلم، بل المفهوم منه أن الإحضار المذكور يكون بالعلم فلا ينافى أنه يحصل بغيره؛ لأنه لا يشترط فى النكتة أن تختص بذلك الطريق ولا أن تكون أولى به، بل يكفى وجود المناسبة بينهما وحصولها به وإن أمكن حصولها بغيره، أو يقال المراد بالإحضار فى كلام المصنف الإحضار من حيث الوضع، والإحضار فى المثال المذكور عارض من حيث انحصار الوصف المذكور لا من حيث الوضع (قوله: نحو رجل عالم جاءنى) الشاهد فى قوله رجل، وإنما أتى بعالم لأجل صحة الابتداء بالنكرة، فالتعبير عن ذات المسند إليه برجل وإن تعين بالقرينة أنه زيد- لا يفيد حضوره فى ذهن السامع إلا من جهة الجنسية المنافية من حيث هى للشخصية.

стр. 495

أى: أول مرة، واحترز به عن نحو: جاءنى زيد وهو راكب (باسم مختص به) أى: بالمسند إليه بحيث لا يطلق باعتبار هذا الوضع على غيره، واحترز به ... === (قوله: أى أول مرة) فيه إشعار بأن نصب ابتداء على الظرفية، ويجوز أن يكون منصوبا على المصدرية أى إحضار ابتداء وأورد على كلام المصنف أنه منقوض بمثل: جاء زيد وزيد حقيق بالإكرام، فإن العلم الثانى يفيد الإحضار ثانيا لا ابتداء فيكون مساويا للضمير، وأجيب بأن كلامه لا يقتضى أن العلم لا يفيد إلا الإحضار المذكور، بل معناه أنه إذا أريد الإحضار ابتداء لا يؤتى إلا بالعلم، وهذا لا ينافى أنه يؤتى به للإحضار ثانيا، ولا يرد ما ذكر إلا لو قال التعريف بالعلمية لا يكون إلا للإحضار المذكور (قوله: عن نحو جاءني إلخ) أى: مما فيه الإحضار بضمير غائب عائد إلى العلم، وانظر لم لم يقل عن إحضاره بضمير الغائب نحو: جاءني إلخ، كما صنع فى سابقه ولاحقه فتأمل. (قوله: وهو راكب) أى: فالضمير أحضر الذات ملتبسة بالتعيين فى ذهن السامع، ولكن هذا الإحضار ثانوى؛ لأن الضمير متوقف على المرجع، فالمرجع مفيد للتعيين أولا والضمير مفيد له ثانيا، فإن قلت ما معنى إحضار الذات ثانيا مع أنها أحضرت أولا والحاضر لا يحضر لأنه تحصيل الحاصل وهو محال؟ وأجيب بأن المراد بالإحضار الالتفات والتوجه وحضوره أولا لا ينافى حضوره ثانيا بمعنى التوجه إليه، أو المراد أنه إحضار ثانوى على تقدير ذهاب الحضور الأول أو يقال: إن الإحضار بقيد كونه مدلول زيد مغاير لكونه مدلولا للضمير فلم يلزم تحصيل الحاصل- تأمل. (قوله: مختص به) أى باسم مقصور على المسند إليه لا يتجاوزه إلى غيره بمعنى أنه لا يطلق على غيره فقول الشارح بحيث إلخ القصد من الحيثية التفسير (قوله: بحيث لا يطلق باعتبار هذا الوضع) أى: وضعه لهذه الذات المخصوصة، وإن أطلق على غيرها باعتبار وضع آخر كما فى الأعلام المشتركة كزيد المسمى به جماعة، وبهذه الحيثية اندفع ما أورد على المصنف من أن الأعلام المشتركة يصدق عليها أنها أعلام، ولا تعين شخص مدلولها، وحاصل الجواب أنها تعين شخص مدلولها باعتبار كل وضع بخصوصه،

стр. 496

عن إحضاره بضمير المتكلم، أو المخاطب، واسم الإشارة، والموصول، والمعرف بلام العهد ... === واعترض بأن الوضع العام قد يدخل الأعلام الشخصية كما فى أسماء الكتب بناء على المختار من أنها أعلام أشخاص لا أعلام أجناس، وذلك أنه لو كان الواضع شخصيا لزم أن لا يطلق ذلك العلم على غير نسخة المصنف حقيقة، بل مجازا وهو بعيد، وحينئذ فاسم كل كتاب: كالبخارى علم شخص، مع أن الاسم غير مختص بواحد بحيث لا يطلق باعتبار هذا الوضع على غيره، بل يطلق باعتبار هذا الوضع على غيره من تلك الأفراد؛ لأن الوضع واحد إلا أنه وضع عام لا خاص بأن تعقل الواضع المعنى العام ووضع اللفظ لكل واحد بخصوصه، اللهم إلا أن يجعل مسمى الكتاب الألفاظ لا النقوش فيندفع الإيراد؛ لأن الموضوع له، وإن كان لفظ المصنف إلا أن لفظ غيره لا يعد فى العرف غير لفظه، بل يقال فى العرف فى تلك الألفاظ الصادرة من المصنف ومن غيره إنها ألفاظه؛ لأن الشىء لا يتعدد بتعدد محله على القول الحق أما على القول بأنه يتعدد محله فالإشكال باق. اهـ. سم. (قوله: عن إحضاره بضمير المتكلم أو المخاطب) نحو: أنا ضربت زيدا، وأنت ضربت عمرا، فإن إحضار المسند إليه فى ذهن السامع بأنا أنت، وإن كان ابتداء إلا أنه ليس باسم مختص به؛ لأن أنا موضوعة لكل متكلم، وأنت موضوعة لكل مخاطب (قوله: واسم الإشارة) نحو: هذا ضرب زيدا، فإن هذا وإن أحضر المسند إليه فى ذهن السامع ابتداء إلا أنه ليس باسم مختص به؛ لأن ذا موضوعة لكل مشار إليه. (قوله: والموصول) نحو الذى يكرم العلماء حاضر فإن الذي، وإن أحضر المسند إليه فى ذهن السامع ابتداء إلا أنه ليس باسم مختص به؛ لأن الذى موضوع لكل مفرد مذكر (قوله: والمعرف بلام العهد) أى: الخارجى نحو وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى (١) فإن الذكر وإن أحضر المسند إليه فى ذهن السامع ابتداء إلا أنه ليس باسم مختص به؛ لأن

стр. 497

والإضافة؛ وهذه القيود لتحقيق مقام العلمية، وإلا فالقيد الأخير مغن عما سبق، ... === المعرف بلام العهد موضوع لكل فرد وخرج المعرف بلام الحقيقة، والمعرف بلام العهد الذهنى فإنهما فى حكم النكرة (قوله: والإضافة) أى: العهدية الخارجية نحو: جاء غلامى إذا لم يكن له إلا غلام؛ لأن المعرف بالإضافة صالح لكل فرد، واعترض على الشارح بأن المعرف بلام العهد الخارجى، والمعرف بالإضافة يحتاج إلى العلم بالمعهود، وكذا الموصول يحتاج للعلم بالصلة، وحينئذ فالإحضار فى هذه الثلاثة يكون ثانيا لا ابتداء كما زعمه الشارح، وإذا كان كذلك فتكون هذه الثلاثة خارجة بقوله ابتداء لا بقوله مختص به، وأجيب بأن المراد الاختصار باللفظ، والإحضار الأول الذى فى العهد الخارجى والموصول ليس باللفظ، بل بالعلم بالمعهود وبالصلة، وحينئذ فالإحضار باللفظ لا يكون إلا أولا وفيه أن المعهود الخارجى قد يكون إحضاره أولا باللفظ بأن يذكر اسم الجنس أولا، ثم يعرف بلام العهد نحو: جاءنى رجل فأكرمت الرجل، إلا أن يقال لما لم يكن المعتبر فيه تقدم الإحضار باللفظ، بل تقدم الإحضار مطلقا ولو بلا لفظ كان جنس المعتبر فيه ليس من شرطه أن يكون باللفظ فحسن أن يقال إحضاره أولا ليس باللفظ بهذا الاعتبار وهذا بخلاف ضمير الغائب، فإن جنس إحضاره أولا باللفظ؛ لأنه اعتبر فيه تقدم ذكره غاية الأمر أنه عمم فى الذكر فأريد الذكر مطلقا ولو حكما. اهـ. سم. (قوله: وهذه القيود) أى: الثلاثة وهى إحضاره بعينه وكونه ابتداء وكونه باسم مختص به وقصد الشارح بهذا دفع ما يقال: إن القيد الأخير يغنى عن القيدين قبله؛ لأنه متى أحضر باسم مختص به كان ذلك الإحضار له بعينه ابتداء (قوله: لتحقيق) أى: إيضاح مقام العلمية والمراد بمقامها الأمر الذى يقتضى إيراد المسند إليه عاما كإحضاره فى ذهن السامع ابتداء، وقوله لتحقيق مقام إلخ أى: لا للاحتراز أى: إن المقصود منها إيضاح المقام لا للاحتراز فلا ينافى أن الاحتراز حاصل، لكن ليس مقصودا (قوله: وإلا فالقيد إلخ) أى: وإلا نقل إنها لتحقيق مقام العلمية، بل قلنا إنها للإخراج فلا يصح؛ لأن القيد الأخير يغنى عن القيدين السابقين قبله فى الإخراج، فما خرج بهما يخرج به؛ لأن

стр. 498

وقيل: احترز بقوله: ابتداء عن الإحضار بشرط كما فى الضمير الغائب، والمعرف بلام العهد فإنه يشترط تقدم ذكره، والموصول فإنه يشترط تقدم العلم بالصلة؛ وفيه نظر؛ لأن جميع طرق التعريف كذلك، حتى العلم فإنه مشروط بتقدم العلم بالوضع (نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)) فالله أصله: الإله؛ ... === إحضار الشىء باسمه المختص به إحضار له بعينه أول مرة فلا يكون إلا عاما، فإن قلت: لا نسلم أنه يغنى عنهما فى الإخراج، ألا ترى أن الرحمن مختص به ، ولا يفيد إحضار الذات العلية ابتداء قلت: هذا الاختصاص عارض لا بحسب الوضع؛ لأنه ليس بعلم، بل صفة (قوله: وقيل احترز إلخ) هذا مقابل لقوله أى: أول مرة فى تفسير قول المصنف ابتداء، وليس جوابا عن قوله، وإلا فالقيد الأخير مغن عما سبق، وحينئذ فكان المناسب فى المقابلة أن يقول وقيل معنى قوله ابتداء، أى: بلا شرط وهو احتراز عن الإحضار إلخ. (قوله: كما فى الضمير الغائب إلخ) أى: وكاسم الإشارة، فإنه يشترط الإشارة الحسية معه، والمعرف بالإضافة العهدية فإنه يشترط تقدم العهد فتأمل (قوله: لأن جميع طرق التعريف كذلك) أى: مشروطة بتقدم شىء (قوله: حتى العلم) أى: فلو كان ما قاله هذا القائل مراد المصنف لخرج العلم أيضا مع أنه المقصود، وهذا الرد ظاهر إن أريد بالشرط أى: شرط كان ليشمل العلم بالوضع، فلو أريد ما عدا العلم بالوضع بأن يكون معنى قوله ابتداء أى: من غير توقف بعد العلم بالوضع على شىء آخر كان الرد على هذا القائل أن يقال: هذا بعينه معنى قوله باسم مختص به فيلزم استدراك قوله باسم مختص به؛ لأنه ما خرج به من بقية المعارف خرج بقوله ابتداء على أن معناه ما ذكر، ولصاحب هذا القيل أن يجيب بنظير قول الشارح وهذه القيود إلخ: بأن يقول: إن القيد المذكور وهو قوله باسم مختص به ذكر لتحقيق مقام العلمية لا للاحتراز، وإلا فما قبله يغنى عنه. (قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يحتمل أن يكون هو مبتدأ والله خبرا أوّل (٢) وأحد خبرا ثانيا أو بدلا من الله، بناء على حسن إبدال النكرة الغير الموصوفة من المعرفة إذا

стр. 499

حذفت الهمزة وعوض عنها حرف التعريف ... === استفيد منها ما لم يستفد من المبدل منه- كما ذكره الرضى، ويحتمل أن يكون هو ضمير الشأن مبتدأ أول والله مبتدأ ثانيا والجملة خبره، وتعتبر الأحدية بحسب الوصف بمعنى أنه أحد فى وصفه كالوجوب واستحقاق العبادة أو بحسب الذات أى: أنه لا تركيب فيه أصلا وعلى الوجهين تظهر فائدة حمل الأحد عليه تعالى، ولا يكون مثل: زيد أحد، والشاهد إنما هو على الإعراب الثانى فى إيراد المسند إليه علما لأجل إحضاره فى ذهن السامع ابتداء بجميع شخصياته التى قام عليها الدليل: كالقدرة ونحوها باسم خاص به تعالى، ووجه كونه علما أنه وضع من أول الأمر للذات كما عليه أئمة الدين، وأما على الإعراب الأول فلا شاهد فيه؛ لأن لفظ الجلالة لم يقع مسندا إليه، بل مسندا (قوله: حذفت الهمزة) (١) أى: تخفيفا، لكن إن كان الحذف بعد إلقاء حركتها على اللام كان الحذف قياسيا؛ لأنها قبل ذلك متعاصية بالحركة ويكون الإدغام غير قياسى لتحرك أول المثلين مع وجود حاجز بينهما وهو الهمزة؛ لأن المحذوف قياسا فى قوة المذكور، وإن كان حذفها مع حركتها كان الحذف غير قياسى ويكون الإدغام حينئذ قياسا لسكون أول المثلين، وعدم الحاجز بينهما أصلا (قوله: وعوض عنها حرف التعريف) فيه نظر من وجهين. الأول: أن معنى التعويض الإتيان بالشىء عوضا، فيقتضى أنه غير موجود فى الكلمة، وإلا لزم تحصيل الحاصل مع أن حرف التعريف موجود قبل التعويض. الثاني: أنه يلزم الجمع بين العوض والمعوض قبل حذف الهمزة فى قولنا: الإله، واللازم باطل فيهما، والجواب: أن المراد بالتعويض فى قوله وعوض عنها إلخ: قصد

стр. 500

ثم جعل علما ... === العوضية أى: ثم بعد حذف الهمزة قصد واعتبر جعل حرف التعريف عوضا عنها أى: ثم أدغم ثم فخم وعظم، ثم جعل علما ففى الكلام حذف. ثم اعلم أن هذا الترتيب إنما هو بالنظر للاعتبار لا باعتبار الحقيقة والوجود الخارجى، وبعضهم أجاب بجواب آخر وهو: أن أل فى قوله أصله إلاله من الحكاية لا من المحكى، فمراده أن أصله إله منكر وإنما أدخل حرف التعريف فى خبر المبتدأ لإفادة الحصر كما في: زيد الأمير ردا على من يقول: أصله لاه (قوله: ثم جعل علما) أى: شخصيا ثم لا يخلو إما أن يريد أنه علم بالوضع، أو بالغلبة التحقيقية، أو التقديرية، فإن أراد الأول صح على القول بأن الواضع هو الله، وأشكل على القول بأن الواضع البشر؛ لأن الوضع يستلزم العلم بالموضوع له وذاته تعالى غير معلومة بالكنه لغيره، وأجيب بأن الوضع إنما يتوقف على العلم بالموضوع له ولو من بعض الوجوه، وذلك حاصل هنا ولا يتوقف على العلم بالكنه والحقيقة، وإن أراد أنه علم بالغلبة التحقيقية أشكل من جهة أن العلم بالغلبة التحقيقية لا بد أن يسبق له استعمال فى غير ما غلب عليه ولفظ الجلالة لم يستعمل فى غيره تعالى فلا يصح فيه دعوى غلبة الاستعمال، وأجيب بأن الحكم عليه بالغلبة بالنظر لأصله وهو إله، والشىء مع أصله بمنزلة لفظ واحد يصح أن يحكم على أحدهما بحكم الآخر وإله فى الأصل اسم لكل معبود ثم غلب منكرا، أو بعد إدخال أل عليه على الخلاف فى ذلك على الذات العلية، وإن أراد أنه علم بالغلبة التقديرية فلا إشكال والحاصل أنه اختلف فى لفظ الجلالة، فقيل: علم بالوضع، وقيل: بالغلبة التحقيقية، وقيل: بالغلبة التقديرية، والأول مشكل على القول بأن الواضع البشر، وتقدم الجواب عنه، والثانى مشكل أيضا، وتقدم الجواب عنه، والثالث: ظاهر لا غبار عليه، ثم إن ما ذكره الشارح من أن أصله كذا وتصرف فيه بما ذكر، ثم جعل علما إلخ- خلاف ما عليه الأئمة الأربعة من أن لفظ الله وضع للذات العلية من أول الأمر من غير سبق تصرف فيه، ومن غير اشتقاق له من شىء كما نقل عن سيبويه.

стр. 501

للذات الواجب الوجود الخالق للعالم، وزعم بعضهم أنه اسم لمفهوم الواجب لذاته أو المستحق للعبودية له؛ وكل منهما كلى انحصر فى فرد فلا يكون علما؛ لأن مفهوم العلم جزئى؛ وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أنه اسم لهذا المفهوم الكلى، كيف وقد أجمعوا على أن قولنا: لا إله إلا الله- كلمة توحيد، ولو كان الله اسما لمفهوم كلى لما أفادت التوحيد؛ لأن الكلى من حيث هو كلى يحتمل الكثرة. === (قوله: للذات) أى: المعلومة لكل أحد المعينة بكونها واجبة الوجود إلخ، فقوله الواجب إلخ: بيان للذات المسماة، وليس معتبرا فى المسمى وإلا كان المسمى مجموع الذات والصفة، وأنه ليس كذلك؛ لأنه يقتضى أن يكون لفظ الجلالة كليا وسيأتى رده، بل المسمى الذات وحدها قاله سم. إن قلت: هذا يعارض ما مر من أن العلم ما وضع للشىء مع جميع مشخصاته. قلت: قد سبق أن المراد بالمشخصات ما كان لازما للذات من حيث هى ذات المقتضى لجزئيتها وتعينها بقطع النظر عن كونها قديمة أو حادثة، وحينئذ فلفظ الجلالة اسم للذات وما كان لازما لها من حيث إنها ذات كالوجود، وأما وجوب الوجود والخلق للعالم وغير ذلك من الصفات فأمور زائدة على الذات غير لازمة لها من حيث إنها ذات، وحينئذ فلا تكون من جملة الموضوع له (قوله: الواجب الوجود) أى: التى وجودها واجب لا يقبل الانتفاء لا أزلا ولا أبدا. (قوله: وزعم بعضهم) هو الشارح الخلخالى (قوله: اسم) أى: وليس بعلم؛ لأن مفهوم العلم جزئى وهذا مفهومه كلى كما قال. (قوله: لمفهوم الواجب لذاته) الإضافة بيانية، والواجب لذاته هو الذى لا يحتاج لغيره فى وجوده. وقوله: للعبودية له أى: لكون الغير يعبده (قوله: وكل منهما) أى: من هذين الأمرين اللذين وضع لهما اللفظ كلى (قوله: فلا يكون) أى: لفظ الجلالة علما أى بالوضع فلا ينافى أنه على هذا القول قد يجعل علما بالغلبة (قوله: أنه) أى: لفظ الجلالة (قوله: كيف) أى: كيف يكون اسما للمفهوم الكلى، والحال أنهم قد أجمعوا إلخ أى أنه لا يصح ذلك فهو استفهام تعجبى بمعنى النفى (قوله: كلمة توحيد) أى: كلمة تفيد التوحيد وتدل عليه (قوله: لما أفادت التوحيد) أى: لكن التالى وهو عدم إفادتها للتوحيد باطل فبطل المقدم

стр. 502

(أو تعظيم أو إهانة) كما فى الألقاب ... === وهو كون لفظ الجلالة اسما للمفهوم الكلى، وقوله لأن الكلى إلخ هذا دليل للشرطية، وقوله من حيث هو كلى أى: لا من حيث انحصاره فى الخارج فى جزئى معين، وقوله يحتمل الكثرة أى وهى تنافى التوحيد، والمراد باحتماله الكثرة قبوله لها فى الخارج وليس المراد به ما قابل الجزم، فاندفع ما يقال كان الأولى أن يقول يفيد الكثرة؛ لأن الكلى من حيث هو كلى يفيد الكثرة قطعا لا احتمالا، ثم إن قوله: لو كان لفظ الجلالة اسما للمفهوم الكلى لما أفاد التوحيد- فيه نظر؛ لأنه على تقدير وضعه للمفهوم الكلى يفيد التوحيد بواسطة القرينة المعينة الدالة على انحصار ذلك المفهوم فى الفرد المخصوص، وحينئذ فالملازمة ممنوعة. وأجيب بأن المراد لما أفاد التوحيد بذاته أى: باعتبار معناه لغة بدون القرينة المعينة واللازم باطل؛ لأنه يفيد التوحيد بذاته بدليل أن أهل اللغة يفرقون بين: " لا إله إلا الله"، " ولا إله إلا الرحمن"- من حيث إفادة التوحيد، فيجعلون الأول مفيدا للتوحيد دون الثاني، فدل ذلك الفرق على أن الأول يفيد التوحيد بذاته، وإلا فالقرائن توجد مع كل منهما، وبهذا يتبين لك فساد ما قيل إن إفادة" لا إله إلا الله" التوحيد إنما هى بحسب الشرع- لا بحسب اللغة. (قوله: أو تعظيم أو إهانة) لم يقل تعظيمه أو إهانته؛ لأنه قد يقصد بإيراده علما تعظيم غير المسند إليه، أو إهانته ك: أبو الفضل صديقك، وأبو جهل رفيقك، فإن فى إيراده علما تعظيم المضاف للمسند فى الأول، وإهانة المضاف للمسند فى الثانى (قوله: كما فى الألقاب) أى: كالتعظيم والإهانة التى فى الألقاب أى: وكالأسماء الصالحة لذلك كما في: على ومعاوية إذا اعتبرناهما اسمين، وكما فى الكنى الصالحة لذلك أيضا نحو: أبو الخير وأبو الشر، وإنما نص على الألقاب؛ لأنها الواضحة فى ذلك؛ لأن الغرض من وضعها الإشعار بالمدح أو الذم، وقد يتضمنهما الأسماء وإن لم يقصد بالوضع إلا تميز الذات لكونها منقولة عن معان شريفة أو خسيسة: كمحمد وكلب، أو

стр. 503

الصالحة لذلك، مثل: ركب علىّ، وهرب معاوية. (أو كناية) عن معنى يصلح العلم له، نحو: أبو لهب فعل كذا كناية عن كونه جهنميا؛ ... === لاشتهار مسماها بصفة محمودة أو مذمومة: كحاتم ومادر، وبعد الألقاب فى ذلك الكنى: كأبى الفضل، وأبى الجهل. (قوله: الصالحة لذلك) أى: للتعظيم أو الإهانة أى المشعرة بذلك من حيث إنها موضوعة لذلك المعنى فى الأصل وهذا وصف كاشف للتوضيح لا للاحتراز عن غير الصالحة لعدم وجودها؛ لأن اللقب ما أشعر بمدح أو ذم فلا يكون إلا صالحا للتعظيم أو الإهانة (قوله: مثل ركب علىّ إلخ) أى: فالإتيان بالمسند إليه علما لأجل الدلالة على تعظيم مسماه، فالتعظيم مأخوذ من لفظ على لأخذه من العلو والإهانة مأخوذة من لفظ معاوية؛ لأنه مأخوذ من العو وهو صريخ الذئب فذكر الركوب والانهزام ليس لتوقف الإشعار عليه وإلا لم يكن العلم مفيدا للتعظيم أو الإهانة، بل الإفادة من غيره، ثم إن التمثيل بعلى ومعاوية على اعتبار أنهما لقبان فإنهما كما يصح اعتبارهما اسمين يصح اعتبارهما لقبين. (قوله: أو كناية) أى: إنه يؤتى بالمسند إليه علما لأجل كونه كناية عن معنى يصلح العلم له أى: لذلك المعنى بحسب معناه الأصلى قبل العلمية (قوله: نحو أبو لهب فعل كذا كناية إلخ) أى: فقولك أبو لهب فعل كذا فى معنى قولك جهنمى فعل كذا، وتوجيه الكناية فى ذلك المثال: أن أبا لهب بحسب الأصل مركب إضافى فى معناه ملابس اللهب أى: النار ملابسة شديدة، كما أن معنى أبو الخير، وأبو الشر، وأبو الفضل، وأخو الحرب- ملابس ذلك ومن لوازم كون الشخص ملابسا للهب كونه جهنميا أى: من أهل جهنم، فإن اللهب الحقيقى لهب نار جهنم، فأطلق أبو لهب وأريد لازمه وهو كونه جهنميا، فإذا قلت فى شأن كافر مسمى: بأبى لهب، أبو لهب فعل كذا مريدا بذلك جهنميا فعل كذا- كان كناية من إطلاق اسم الملزوم وهو الذات الملازمة للهب، وإرادة اللازم وهو الجهنمى والحاصل أنك إذا قلت فى شأن كافر اسمه أبو لهب-

стр. 504

بالنظر إلى الوضع الأول؛ أعنى الإضافى؛ لأن معناه ملازم النار وملابسها، ويلزمه أنه جهنمى فيكون انتقالا من الملزوم إلى اللازم باعتبار الوضع الأول؛ وهذا القدر كاف فى الكناية، ... === أبو لهب فعل كذا- فالنكتة فى إيراد المسند إليه علما الكناية عن كونه جهنميا، ووجه الكناية أن معنى أبو لهب بالنظر للوضع الأول ذات ملازمة للنار، ويلزم من ملازمته للنار كونه جهنميا، فقد أطلقت اسم الملزوم وهو أبو لهب وأردت اللازم وهو كونه جهنميا فإفادة عذابه بالنار وغيرهما مما فى جهنم (قوله: بالنظر إلخ) أى: والكناية فى هذا العلم إنما تكون بالنظر إلى الوضع الأول أى: بالنظر إلى معناه بحسب الوضع الأول وهو الإضافى، لا بالنظر إلى معناه بحسب الوضع الثانى وهو العلمى. (قوله: أعنى الإضافى) عبر بأعنى إشارة لدفع ما يتوهم من أن المراد بالوضع الأول الوضع العلمى فى قولهم: ما وضع أولا هو العلم، وما وضع ثانيا، إن أشعر بمدح أو ذم فلقب، وإن صدر بأب أو أم فكنية (قوله: لأن معناه) أى: لفظ أبو لهب بالنظر للوضع الأول (قوله: ملازم النار) أى: الكاملة وهى جهنم؛ لأن الشىء إذا أطلق ينصرف للفرد الكامل منه، فاندفع ما يقال: إن الفران ملابس للنار مع أنه ليس جهنميا، والأولى كما قال العصام أن يقال: إن معناه بالوضع الأول من تتولد منه النار؛ لأنه وقود لها، إذ لا شك فى لزوم كونه جهنميا لذلك المعنى بخلاف ما قال الشارح فإنه يحتاج إلى ادعاء أن المراد باللهب الحقيقى أعنى نار جهنم لأجل أن يستلزم الكون جهنميا (قوله: ويلزمه) أى: يلزم الشخص الملابس للنار الكاملة أنه جهنمى أى: لزوما عرفيا؛ لأنه يكفى عند علماء المعانى لأنهم يكتفون بالملازمة فى الجملة وهو أن يكون أحد الأمرين بحيث يصلح للانتقال منه للآخر، وإن لم يكن هناك لزوم عقلى، واندفع ما يقال لا نسلم أنه يلزم من ملابسة الشخص للنار الحقيقية أن يكون جهنميا لم لا يجوز أن يكون ملابسا لها وهو غير جهنمى- ألا ترى للملائكة الزبانية فإنهم ملازمون لها ومع ذلك هم غير جهنمية. (قوله: فيكون) أى الانتقال إلى كونه جهنميا انتقالا من الملزوم أعنى الذات الملازمة للنار الحقيقية، وقوله إلى اللازم أعنى: كونه جهنميا (قوله: وهذا القدر) أى:

стр. 505

وقيل فى هذا المقام: إن الكناية ... === الانتقال من المعنى الموضوع له أولا، وإن لم يكن هو المستعمل فيه اللفظ إلى لازمه كاف فى الكناية ولا تتوقف على إرادة لازم ما استعمل فيه اللفظ وهو الذات المعينة، وهذا جواب عما يقال إن الكناية يجب فيها أن يكون المراد من اللفظ لازم معناه كما فى كثير الرماد، فإنه استعمل فى كثرة الرماد مرادا منه لازم معناه وهو الكرم وهنا ليس كذلك؛ لأن المعنى الذى استعمل فيه اللفظ الذات والكون جهنميا ليس من لوازمها، وحاصل الجواب أن قولهم يجب فى الكناية أن يكون اللفظ مستعملا فى لازم معناه يعنى إذا كانت الكناية باعتبار المسمى بهذا الاسم، وأما إذا كانت الكناية باعتبار المعنى الأصلى، كما هنا، فلا يجب فيها أن يكون المراد من اللفظ لازم معناه المستعمل فيه، بل يكفى فيها الانتقال من المعنى الأصلى الموضوع له أولا، وإن لم يكن اللفظ مستعملا فيه إلى لازمه، وبهذا الجواب سقط قول الشيخ يس. بقى شىء وهو أن الكناية الانتقال من المعنى المستعمل فيه اللفظ للازمه بواسطة أو بوسائط، فإن كان المعنى الإضافى لازما للمعنى العلمى فلا تكلف فى معنى الكناية حتى يقال وهذا القدر كاف، وإن لم يكن لازما ولا انتقال فلا كناية أصلا، والظاهر أنه غير لازم، فإن الملابس للنار ليس لازما للشخص المعين من حيث هو شخص معين الذى هو مدلول العلم إلا أن يقال: إنه يفهم عند استعمال اللفظ فى المعنى العلمى المعنى الإضافى؛ لأنه يلتفت إلى المعانى الأصلية عند الاستعمال فى المعانى الحالية، ثم ينتقل عن المعنى الإضافى إلى لازمه، وهذا القدر كاف (قوله: وقيل إلخ) حاصله أن الكناية على هذا القول فى قولك: أبو لهب فعل كذا بالنظر للوضع الثانوى وهو المعنى العلمى أن الكناية فيه مثل الكناية فى جاء حاتم، وبيان ذلك أن حاتما موضوع للذات المعينة الموصوفة بالكرم ويلزمها كونها جوادا، فإذا قلت فى شأن شخص كريم غير الشخص المسمى بحاتم: جاء حاتم، وأردت جاء جواد فقد استعملت اللفظ فى نفس لازم المعنى العلمى وهو جواد، وكذا أبو لهب معناه العلمى الذات المعينة الكافرة، ويلزمها أن تكون جهنمية، فإذا قلت فى شأن كافر غير أبى لهب جاء أبو لهب وأردت

стр. 506

كما يقال: جاء حاتم؛ ويراد به لازمه؛ أى: جواد، لا الشخص المسمى بحاتم، ويقال: رأيت أبا لهب؛ أى: جهنميا؛ وفيه نظر؛ لأنه حينئذ يكون استعارة، ... === جاء جهنمى فقد استعملت اللفظ فى نفس اللازم للمعنى العلمى، وأما على القول الأول فالعلم مستعمل فى معناه الأصلى لينتقل منه إلى لازمه، والحاصل أنه على الأول اللفظ مستعمل فى معناه الأصلى لينتقل منه للازم معناه، وأما على القول الثانى فاللفظ لم يستعمل فى المعنى الأصلى ولا فى المعنى الثانوى وهو الذات المعينة أصلا، وإنما استعمل فى لازمها ابتداء فحاتم مستعمل ابتداء فى الجواد اللازم للذات المخصوصة المسماة بحاتم لا فى الشخص المعروف وهو الطائى لينتقل منه إلى كونه جوادا، وكذا أبو لهب استعمل ابتداء فى الجهنمى اللازم للذات المخصوصة المسماة بأبى لهب، ولم يستعمل فى الشخص المعروف، وهو عبد العزى لينتقل منه إلى كونه جهنميا (قوله: كما يقال إلخ) أى: مثل الكناية فى القول الذى يقال لأى كريم غير حاتم الطائى: جاء حاتم (قوله: ويراد به لازمه) أى لازم معناه بأن يستعمل اللفظ ابتداء فى ذلك اللازم الذى اشتهر اتصاف معناه به (قوله: لا الشخص) أى ولا يراد به الشخص المعين المسمى بحاتم وهو الطائى لينتقل منه إلى لازمه أعنى كونه جوادا (قوله: ويقال) عطف على قوله يقال سابقا. (قوله: أى جهنميا) أى: لا الشخص المسمى بأبى لهب ففى كلامه اكتفاء، وحاصله أن يطلق أبو لهب مرادا به جهنمى على أى كافر كان غير مسمى بأبى لهب بأن كان اسمه زيدا مثلا لا مرادا به الشخص المسمى بأبى لهب لينتقل منه إلى لازمه (قوله: وفيه نظر) قد رد الشارح هذا القول بثلاثة أمور ذكر الأول بقوله؛ لأنه إلخ، والثانى بقوله ولو كان إلخ، والثالث بقوله ومما يدل إلخ (قوله: لأنه حينئذ يكون استعارة) أى: لأنه قد استعمل لفظ حاتم فى غير ما وضع له وهو رجل آخر جواد لعلاقة المشابهة فى الجود، وكذا أبو لهب مستعمل فى غير ما وضع له وهو رجل آخر جهنمى لعلاقة المشابهة فى الكفر والجهنمية، والقرينة هنا مانعة من إرادة المعنى الأصلى لاستحالة أن يكون حاتم الطائى أو عبد العزى جاءك للعلم بموتهما وذلك معنى الاستعارة،

стр. 507

لا كناية على ما سيجىء، ولو كان المراد ما ذكره لكان قولنا: فعل هذا الرجل كذا، مشيرا إلى كافر، وقولنا: أبو جهل فعل كذا، كناية عن الجهنمى، ... === ثم لا ينبغى أن يكون المراد على هذا القبيل أن لفظ حاتم مستعمل فى الشخص المسمى بحاتم لينتقل منه إلى لازمه وهو الجواد؛ لأنه خلاف المتبادر من قول الشارح، ويراد به لازمه أى جواد لا الشخص المسمى بحاتم ومن قوله الآتى، ولا شك أن المراد به الشخص المسمى بأبى لهب لا كافر آخر؛ ولأن هذا معنى الكناية على مذهب المصنف فلا يصح قوله: لأنه حينئذ استعارة لا كناية، وكذا لا ينبغى أن يكون المراد على هذا القيل أن حاتما استعمل فى الجواد لينتقل إلى ملزومه وهو الشخص المعلوم، وأن أبا لهب استعمل فى الجهنمى لينتقل إلى ملزومه وهو الكافر المعلوم؛ لأنه خلاف كلام الشارح؛ ولأن هذا معنى الكناية على مذهب السكاكى فلا يصح قول الشارح: إنه حينئذ يكون استعارة لا كناية- فليتأمل. كذا ينبغى تقرير هذا المقام خلافا لما فى حواشى سم. اهـ. يس. (قوله: يكون استعارة) أى: إن اعتبر أن العلاقة المشابهة، وإن اعتبر أن العلاقة غيرها: كالإطلاق والتقييد كان مجازا مرسلا، وذلك أنه يصح أن يكون من قبيل إطلاق اسم المقيد وهو: أبو لهب، فإنه اسم للكافر المخصوص الذى نزلت فيه الآية على المطلق وهو مطلق الكافر، ثم أريد به الكافر المخصوص المسمى بزيد مثلا فيكون مجازا مرسلا بمرتبتين علاقته الإطلاق والتقييد كإطلاق المشفر الذى هو اسم لشفة البعير على مطلق الشفة، ثم أريد منها شفة الإنسان (قوله: على ما سيجىء) أى: فى مبحث الكناية من أن: الكناية استعمال اللفظ فى معناه ابتداء لينتقل منه للازمه على مذهب المصنف، وعلى مذهب السكاكى استعمال اللفظ فى لازم معناه ابتداء لينتقل منه إلى الملزوم وهو معنى اللفظ الموضوع له، وهنا قد استعمل اللفظ ابتداء فى اللازم لينتقل منه إلى غير ما وضع له اللفظ على ما مر (قوله: ولو كان المراد ما ذكره) أى: لو كان المراد فى تقرير الكناية ما ذكره هذا القائل من أن اللفظ مستعمل فى لازم الذات للزم عليه أنك إذا أشرت لكافر، وقلت فعل كذا هذا الرجل، والقصد أن الفعل صدر من

стр. 508

ولم يقل به أحد، ومما يدل على فساد ذلك أنه مثل صاحب المفتاح، وغيره فى هذه الكناية بقوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ (١)، ... === غير هذا الرجل المشار إليه، أو قلت فى شأن كافر لا يسمى بأبى جهل أبو جهل فعل كذا يكون كناية عن الجهنمى؛ لأنك أطلقت اسم الملزوم وهو أبو جهل، والإشارة للكافر وأردت اللازم وهو الجهنمى، وجعل هذا من الكناية لم يقل به أحد ووجه الاستلزام أن هذا القائل جعل منشأ الانتقال للجهنمى كون الذات الكافرة مستلزمة له، وهذا الإلزام لا يتوجه على القول الأول من أن اللفظ مستعمل فى معناه الأصلى وهو الإضافى لينتقل منه إلى لازمه الذى هو الجهنمى؛ لأن المعنى الإضافى فى أبى جهل ليس من لوازمه الجهنمى (قوله: ولم يقل به أحد) أى: لم يقل بأنه كناية أحد، وقد يجاب بأنه لا يلزم من فهم الجهنمى من أبى لهب فهمه من أبى جهل، ولا من قولك هذا لعدم اشتهار المعنى الذى وضع له اللفظ بذلك اللازم وهو الجهنمى. والحاصل أن المعنى الذى وضع له اللفظ تارة يشتهر بصفة، وتارة لا يشتهر بها، وإن كانت تلك الصفة ثابتة له، فإن كان مشتهرا كما فى أبى لهب فإنه اشتهر بأنه جهنمى فيصح استعمال اللفظ فى تلك الصفة اللازمة على طريق الاستعارة أو الكناية، وإن كان غير مشتهر: كزيد وعمرو الكافرين لم يقل أحد لصحة استعمال اللفظ فى ذلك الوصف كناية أو استعارة فأبو لهب اشتهر بأنه جهنمى دون أبى جهل فقياس هذا على هذا قياس مع الفارق (قوله: فى هذه الكناية) أى: لهذه الكناية ففى بمعنى اللام (قوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) إن قلت الكلام فى العلم المسند إليه وأبو لهب فى الآية مضاف إليه لا مسند إليه، فكيف يمثل صاحب المفتاح بهذه الآية؟ أجيب بأن اليد فى الآية مقحمة؛ لأن غالب الأعمال بها، فإذا هلكت فقد هلك صاحبها، وحينئذ فأبو لهب مسند إليه فى الحقيقة، وقيل: إنها غير زائدة لما روى أن سبب النزول أنه أخذ حجرا بيده فرمى به النبى ﷺ وعليه فيكون ذكره الآية فى باب المسند إليه تتميما للفائدة كما هو دأب السكاكى.

стр. 509

ولا شك أن المراد به الشخص المسمى بأبى لهب، لا كافر آخر. (أو إيهام استلذاذه) أى: وجدان العلم لذيذا، نحو قوله: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر (١) (أو التبرك به) ... === (قوله: ولا شك أن المراد إلخ) أى: وحيث كان المراد الشخص المسمى بأبى لهب لا كافرا آخر لم يكن كناية عن الجهنمى إلا على القول الأول، إذ على القول الثانى لا يكون أبو لهب كناية عن الجهنمى إلا إذا كان المراد شخصا غير المسمى بأبى لهب كما مر (قوله: أو إيهام استلذاذه) أى: استلذاذ المتكلم بالمسند إليه أن يوهم المتكلم المخاطب أنه وجد المسند إليه لذيذا، وفى ذكر الإيهام نظر؛ لأن اللفظ الدال على المحبوب للنفس لذيذ عندها فالاستلذاذ حاصل تحقيقا لا على سبيل الإيهام، فالأولى أن يقول أو الإعلام بالاستلذاذ به، وأجيب بأمرين الأول أن المراد اللذة الحسية باعتبار الدلالة على المعنى، ولا شك أنها متوهمة لا محققة، الثانى أن المراد اللذة بذكر العلم من غير اعتبار الدلالة على المعنى، ولا شك أن حصول اللذة المعنوية بذكر العلم من غير اعتبار الدلالة على المعنى أمر متوهم. هذا كله إن فسرنا الإيهام بالتوهم، أما لو أريد به الإيقاع فى وهم السامع أى: ذهنه ولو على سبيل التحقق فلا اعتراض أصلا (قوله: ليلاى إلخ) أضاف ليلى إلى نفسه حين كونها من الظبيات ولم يضفها إلى نفسه حين كونها من البشر لكمال حسده وغيرته- ذكره شيخنا الحفنى، والشاهد فى قوله: أم ليلى، إذ مقتضى الظاهر أن يقول: أم هى لتقدم المرجع، لكنه أورد المسند إليه علما لإيهام استلذاذه. (قوله: أو التبرك) يصح أن يراد التبرك به باعتبار دلالة العلم على المعنى، وأن يراد التبرك به بمجرد ذكر العلم من غير اعتبارات تلك الدلالة فعلى التوجيه الأول يتعين عطفه على الإيهام؛ لأن التبرك حاصل تحقيقا، لا أنه متوهم وعلى الثانى يكون معطوفا على الاستلذاذ؛ لأن التبرك حينئذ متوهم لا محقق.

стр. 510

نحو: الله الهادى ومحمد الشفيع. (أو نحو ذلك) كالتفاؤل، والتطير، والتسجيل على السامع، وغيره مما يناسب اعتباره فى الأعلام. (وبالموصولية) أى: تعريف المسند إليه بإيراده اسم موصول (لعدم علم المخاطب بالأحوال المختصة به سوى الصلة كقولك: ... === (قوله: نحو: الله الهادى) أى: عند ذكر الله تعالى، وقوله: ومحمد الشفيع أى: عند ذكر المصطفى- ﷺ (قوله: كالتفاؤل) هو بالهمزة، وذلك نحو: سعد فى دارك (قوله: والتطير) أى: التشاؤم كالسفاح فى دار صديقك (قوله: والتسجيل) أى: ضبط الحكم وكتابته عليه، كما لو قال الحاكم لعمرو: وهل أقر زيد بكذا؟ فيقول عمرو: زيد أقر بكذا، فلم يقل هو أقر بكذا لأجل تسجيل الحكم عليه وضبطه بحيث لا يقدر على إنكار الشهادة عليه بعد (قوله: وغيره مما يناسب اعتباره إلخ) كالتنبيه على غباوة السامع كما لو قال لك عمرو: هل زيد فعل كذا؟ فتقول له: زيد فعل كذا بإيراد المسند إليه علما مع كون المحل للضمير للتنبيه على بلادة المخاطب وأنه لا يفهم إلا باسم المظهر ولا يفهم مع اختصار الكلام، وكالحث على الترحم نحو: أبو الفقر يسألك. [تعريفه بالموصولية]: (قوله: لعدم علم المخاطب) أى: فقط بدليل قول الشارح بعد ولم يتعرض المصنف لما لا يكون للمتكلم (قوله: بالأحوال المختصة به) الأولى أن يقول بالأمور المختصة به ليشمل عدم العلم بالاسم، ثم إن المراد باختصاصها به عدم عمومها لغالب الناس لا عدم وجودها فى غيره (قوله: سوى الصلة) فيه أن عدم العلم بسوى الصلة لا يستدعى إتيان المسند إليه موصولا؛ لأنه إذا علم بالصلة أمكن أن يعبر عنه بطريق غير الموصولية كالإضافة نحو: مصاحبنا بالأمس كذا وكذا، وأجيب بأن النكتة لا يشترط فيها أن تكون مختصة بتلك الطريق ولا أن تكون أولى بها بل يكفى وجود مناسبة بينهما، وحصولها بها وإن أمكن حصولها بغيرها أيضا، فليس المراد بالاقتضاء هنا إلا

стр. 511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مجرد المناسبة من غير اطراد وانعكاس، فالعلم بالحال المختصة كما يحصل بالموصولية يحصل بالإضافة، وبهذا يجاب أيضا عما أورد على قوله أو استهجان إلخ من أن مجرد استهجان التصريح بالاسم لا يفيد اختيار الموصولية؛ لجواز أن يعبر عنه بطريق آخر من طرق التعريف لا استهجان فيه، فلا بد من انضمام شىء إلى الاستهجان ليترجح اختيار الموصولية على ما سواها من الطرق. واعلم أن ما ذكرناه من أن النكتة لا يشترط فيها الاختصاص بتلك الطريق، بل يكفى كونها مناسبة للمقتضى كانت موجبة أو مرجحة، أو لم تكن كذلك والترجيح من قصد المتكلم هذه طريقة المفتاح ومذهب الشارح أن النكتة لا بد أن تكون موجبة أو مرجحة، ولذا قال العلامة عبد الحكيم: إن عدم علم المخاطب سوى الصلة نكتة موجبة لإيراده موصولا؛ لأنه إذا لم يكن معلوما للمخاطب شىء من الأحوال المختصة إلا الصلة لا يمكن إيراده بشىء من طرق التعريف سوى الموصولية، وإيراده نكرة خروج عما نحن فيه، إذ كلامنا فى إيراده معرفة ولا ينقض بقولنا: مصاحبنا أمس رجل فاضل، أو: الرجل الذى كان معنا بالأمس فاضل؛ لأن طريق الإضافة إحضار للمعهود بعنوان المضاف إليه وطريق أداة التعريف إحضار للمعهود بعنوان أل وطريق الموصولية إحضار له بعنوان النسبة الخبرية المفيدة لاتصاف الموصولية بها، وهذه الطرق متغايرة. اهـ .. وأما ما أورده بعضهم على المصنف من أن عدم العلم بسوى الصلة لا يستدعى إتيان المسند إليه موصولا للاستغناء عن الموصول بجعل تلك الحالة المختصة المعلومة للمخاطب صفة للنكرة، وأجاب عنه بأن تعيين الموصول وضعى بخلاف تعيين النكرة، فإنه بحسب الخارج دون الوضع؛ لأن الموصول موضوع لكل معين وضعا واحدا باعتبار أمر عام أو موضوعة للمفهوم الكلى مستعملة فيه، وإن كانت منحصرة فى معين بحسب الخارج، وما كان تعيينه بحسب الوضع أقوى مما كان تعيينه بحسب الخارج فهو فى حيز السقوط؛ لأن الكلام فى ترجح تعريف على تعريف بعد كون المقام

стр. 512

(الذى كان معنا أمس رجل عالم) ولم يتعرض المصنف لما لا يكون للمتكلم أو لو لكليهما علم بغير الصلة، نحو: الذين فى بلاد المشرق لا أعرفهم، أو لا نعرفهم؛ لقلة جدوى مثل هذا الكلام. === للتعريف والنكرة الموصوفة بمعزل عنه، نعم يرد على المصنف شىء آخر وهو أن قوله: سوى الصلة يقتضى أن الخبر غير معلوم للمخاطب؛ لأنه من الأحوال المختصة بالمسند إليه ولم يستثن منها إلا الصلة مع أنه قد يكون معلوما للمخاطب، وذلك فيما إذا كان المقصود من الخبر لازم الفائدة، فكان الأولى أن يقول سوى الصلة والخبر، وأجيب بأن الخبر لا يجب أن يكون من الأحوال المختصة بالمسند إليه، بل تارة يكون من الأحوال العامة كما فى مثال الشارح، وتارة يكون من الأحوال الخاصة كما فى: بقرة تكلمت فلم يدخل الخبر حينئذ فى المستثنى منه فلا وجه لإخراجه، وأما الصلة فيجب أن تكون مختصة بالمسند إليه؛ لأنها معينة له بدليل أنه صار معرفة بواسطة إتصافه بها (قوله: الذى كان معنا أمس إلخ) أى: فالمخاطب لم يعلم شيئا من أحوال المسند إليه إلا كونه كان معنا بالأمس ولم يعلم كونه عالما أو لا (قوله: لما لا يكون للمتكلم إلخ) ما مصدرية أى: لم يتعرض لعدم كون المتكلم له علم بسوى الصلة ولا لعدم كون كل من المتكلم والمخاطب له علم بسوى الصلة أو موصولة والعائد محذوف أى: لما لا يكون فيه للمتكلم إلخ. (قوله: نحو الذين فى بلاد المشرق إلخ) أى: فالمتكلم وحده، أو مع المخاطب ليس له علم إلا بالصلة وهى الكون فى بلاد المشرق (قوله: الذين إلخ) فيه مع ما قبله لف ونشر مرتب، والأولى أن يمثل لعدم علم المتكلم بقوله: الذين كانوا معك أمس لا أعرفهم؛ لأنه أدل على معرفة المخاطب من مثال الشارح (قوله: لقلة جدوى مثل هذا الكلام) أى: لقلة الفائدة فى هذا الكلام، وإنما لم يقل لعدم فائدة هذا الكلام؛ لأنه لا يخلو عن فائدة وهى إفادة المخاطب عدم معرفة المتكلم لهم وإنما كانت تلك الفائدة قليلة النفع بحيث لا يلتفت إليها البليغ؟ لأن المفروض أن المتكلم لا يعلم بشىء من الأحوال المختصة سوى الصلة فلا يمكن الحكم عليه من المتكلم إلا بالأحوال العامة،

стр. 513

(أو لاستهجان التصريح بالاسم، أو زيادة التقرير) أى: تقرير الغرض المسوق له الكلام، وقيل: تقرير المسند، وقيل: تقرير المسند إليه (نحو: وَراوَدَتْهُ) أى: يوسف، والمراودة: مفاعلة من راد يرود: جاء وذهب، ... === والحكم بالأحوال العامة قليل الجدوى؛ لأن الأغلب العلم بها بخلاف ما إذا لم يكن للمخاطب علم بما سوى الصلة، فإن المتكلم يجوز أن يكون عالما بالأحوال المختصة به فيحكم بها عليه ويكون الكلام كثير الجدوى، ثم إن قوله لقلة جدوى إلخ يقتضى أنه لا يكون فى الكلام فائدة عظيمة عند انتفاء علم المتكلم بغير الصلة وليس كذلك، بل قد يكون فيه ذلك كقول: الذى ملك الروم يعظم العلماء فإن معرفة أنه يعظم العلماء فائدة معتد بها، وكذلك قولك: الذين فى بلاد المشرق زهاد، فإن معرفة أنهم زهاد فائدة يعتد بها، وأجيب بأن ما ذكره الشارح هو الغالب فلا يرد المثال السابق؛ لأنه من غير الغالب، وأما ما أجاب به بعضهم من أن الكلام فما إذا لم يكن للمتكلم علم بسوى الصلة، وهذا المثال للمتكلم فيه علم بسوى الصلة وهو أنه يعظم العلماء فمردود بأمرين: الأول إن مثال الشارح كذلك أيضا، فإن المتكلم عالم بسوى الصلة وهو أنه لا يعرفهم. الثانى: أن المراد بسوى الصلة ما هو من الأحوال المختصة، والخبر ليس منها كما تقدم. (قوله: واستهجان) أى: استقباح التصريح بالاسم الدال على ذات المسند إليه، إما لإشعاره بمعنى تقع النفرة منه لاستقذاره عرفا نحو: البول والفساء ناقض للوضوء فتعدل عن ذلك لاستهجانه لقولك: الذى يخرج من أحد السبيلين ناقض، وإما لنفرة فى اجتماع حروفه. (قوله: بالاسم) مراده به العلم بأقسامه الثلاثة فهو من إطلاق الخاص وإرادة العام (قوله: أى تقرير الغرض إلخ) إنما قدم هذا القول؛ لأنه أحسن الأقوال الثلاثة ووجه أحسنيته أن المقصود من الكلام إفادة الغرض المسوق له، وكل من المسندين إنما أتى به لإفادة ذلك الغرض، وحينئذ فحمل التقرير على تقريره أولى (قوله: والمراودة مفاعلة من راد يرود جاء وذهب) هذا معناها فى الأصل أى: أن معناها فى الأصل المجىء والذهاب،

стр. 514

وكأن المعنى: خادعته عن نفسه ... === والمراد بها هنا المخادعة، وهو أن يحتال كل من شخصين على صاحبه فى أخذ ما بيده يريد أن يغلبه ويأخذه منه، وحينئذ فيكون التركيب من قبيل الاستعارة التمثيلية بأن شبه هيئة المخادع بهيئة الذى يجىء ويذهب، واستعيرت المراودة الموضوعة لحال الذى يجىء ويذهب لحال المخادع ووجه الشبه بين المراودة والمخادعة أن كلا منهما هيئة منتزعة من عدة أمور، أو من قبيل التبعية بأن شبهت المخادعة بالمجىء والذهاب بجامع التردد فى كل، واستعيرت المراودة الموضوعة للمجىء والذهاب للمخادعة، واشتق من المراودة راودت بمعنى خادعت، ثم بعد هذا كله فالمخادعة ليست باقية على عمومها، بل المراد المخادعة على خصوص الجماع، والحاصل أن المراودة فى الأصل بمعنى المجىء والذهاب، فأريد منها المخادعة وهى مطلقة، والمراد منها مخادعة خاصة، أو أن المراودة صارت حقيقة عرفية فى المخادعة وإلى هذا أشار الشارح بقوله، وكأن المعنى أى: المراد أو العرفى، وليس المراد وكأن المعنى الحقيقى، ثم إنه ورد سؤال حاصله أنه إذا كان المراد بالمراودة المخادعة فيقتضى وقوع الطلب من كل منهما؛ لأن المفاعلة تقتضى وقوع الطلب من كل منهما، ويوسف- ﵇ معصوم لا يقع منه طلب ذلك الأمر وأجاب عنه الشارح بقوله: وفعلت فعل المخادع أى المحتال، وحاصله أن المفاعلة هنا ليست على بابها بل المراد بها أصل الفعل، وإنما عبر بالمفاعلة للدلالة على المبالغة فى طلبها منه واختلافهما، ويجوز أن تكون المفاعلة على بابها، وأن الطلب حصل من كل منهما، وإن اختلفت جهته فطلبها للوقاع وطلبه للمنع، كما فسر به قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها (١) أى: همت به فعلا وهم بها تركا، ثم إنه ورد سؤال حاصله: حيث كان المراد بالمراودة المخادعة فما حقيقة المخادعة؟ فأجاب الشارح بأنها أن يحتال عليه، هذا حاصل تقرير كلام الشارح- كذا قرر شيخنا العدوى. (قوله: وكأن المعنى إلخ) إنما لم يحزم بذلك؛ لأنه لا قدرة له على القطع بأن هذا مراد الله، فالأدب الإتيان بالعبارة المفيدة للظن، وقوله خادعته عن نفسه عن بمعنى: لام

стр. 515

وفعلت فعل المخادع لصاحبه عن الشىء الذى لا يريد أن يخرجه من يده- يحتال عليه أن يغلبه، ويأخذه منه؛ وهو عبارة عن التمحل لمواقعته إياها، والمسند إليه وهو قوله (الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ (١)) متعلق براودته، فالغرض المسوق له الكلام نزاهة يوسف ﵇ وطهارة ذيله، ... === التعليل أى: لأجل نفسه مثلها فى قوله تعالى: ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ (٢) وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ (٣) أو أن المعنى خادعته خداعا ناشئا عن نفسه وحاصلا بواسطتها وسببها، فيفيد العلية والسببية (قوله: وفعلت إلخ) عطف تفسير وفيه إشارة إلى أنه لم تتحقق المخادعة حقيقة، إذ لم يحصل لها ما أرادته من المواقعة، وفيه إشارة أيضا إلى أن المفاعلة ليست على بابها (قوله: عن الشىء) متعلق بالمخادع لتضمنه معنى المباعد، وضمير لا يريد راجع إلى الصاحب، وجعل عبد الحكيم عن بمعنى: لام التعليل أى: فعلت فعل المخادع لصاحبه لأجل الشىء الذى لا يريد صاحبه أن يخرجه عن يده (قوله: يحتال) ضميره راجع للمخادع، وهذه الجملة مبينة لقوله فعلت فعل المخادع، ولذا ترك العاطف فهى مستأنفة جوابا لسؤال، كأن قائلا قال له فما ذلك الفعل الذى يفعله المخادع لصاحبه؟ فقال يحتال المخادع على صاحبه مريدا أن يغلبه. (قوله: ويؤخذ منه) تفسير لما قبله (قوله: وهى إلخ) لما كانت المخادعة عامة بين المراد منها بقوله، وهى أى المخادعة هنا عبارة عن التمحل أى: الاحتيال على مجامعة يوسف زليخا، فاللام فى قوله لمواقعته بمعنى على (قوله: متعلق براودته) أى: وعن بمعنى لام التعليل أى: راودته لأجل ذاته لما احتوت عليه من الحسن والجمال (قوله: فالغرض إلخ) أى: إذا علمت ما قلناه لك فى معنى المراودة، فالغرض إلخ. (قوله: وطهارة ذيله) شبه عدم ارتفاع الذيل للزنى بعدم تلوثه بالنجاسة على طريق الاستعارة المصرحة، ثم جعل ذلك كناية عن عدم ملابسة صاحبه للمعاصى

стр. 516

والمذكور أدل عليه من: امرأة العزيز، أو زليخا؛ لأنه إذا كان فى بيتها وتمكن من نيل المراد منها، ولم يفعل- كان غاية فى التراهة، وقيل هو تقرير للمراودة لما فيه من فرط الاختلاط والألفة، وقيل: تقرير للمسند إليه؛ لإمكان وقوع الإيهام والاشتراك فى امرأة العزيز أو زليخا، ... === (قوله: والمذكور) أى: هو قوله التى هو فى بيتها، وقوله أدل عليه أى على الغرض المسوق له الكلام وهو نزاهة يوسف عن المعاصى، والحاصل أن الغرض المسوق له الكلام يدل عليه كل من الموصول، واسم الجنس الذى هو امرأة العزيز، والعلم الذى هو زليخا، إلا أن الموصول يدل على ذلك أكثر من غيره؛ لأنه يقتضى أنه تمكن منها ولم يفعل بخلاف غيره، فإنه لا يدل على التمكن (قوله: زليخا) بفتح الزاى وكسر اللام كما فى القاموس، وبضم الزاى وفتح اللام كما فى البيضاوى. (قوله: وتمكن من نيل المراد منها) إن قيل هو نبى معصوم فكيف عبر بالتمكن. قلت: المراد التمكن بحسب الصورة الظاهرية، وإلا فهو نبى معصوم، وقوله من نيل المراد أى: مرادها لا مراده (قوله: تقرير للمراودة) أى: أنها وقعت وثبتت، وقوله تقرير للمراودة أى: التى هى المسند، وقوله لما فيه أى: فى الكون فى بيتها كما يدل عليه قوله قبل؛ لأنه إذا كان فى بيتها إلخ (قوله: من فرط) أى: من شدة الاختلاط والألفة، وحاصل ما ذكره من تقرير المسند إنه إذا كان مملوكا لها على زعمها بحسب الصورة، وعندها فى بيتها صارت متمكنة منه غاية التمكن حتى إذا طلبت منه شيئا لا يمكنه أن يخالفها، فقوله التى هو فى بيتها تقرير للمراودة، وأنها حصلت ولا بد لما فيه من الدلالة على زيادة الاختلاط، فيفيد حينئذ صدور الاحتيال منها على وجه أتم وأعظم من غيره (قوله: فى امرأة العزيز) راجع للإبهام، وقوله أو زليخا راجع للاشتراك، وعبر فى الأول بالإبهام، وفى الثانى بالاشتراك؛ لأن الأول اسم جنس من قبيل المتواطىء ففيه إبهام، والثانى علم يقع فيه الاشتراك اللفظى، ويحتمل أن امرأة العزيز وزليخا راجعان للإبهام وللاشتراك، والاشتراك فى امرأة العزيز معنوى وفى زليخا لفظى، وحاصل ما ذكره فى تقرير المسند إليه أنه لو قال وراودته زليخا لم يعلم أنها التى هو فى بيتها، إذ يمكن أن

стр. 517

والمشهور أن الآية مثال لزيادة التقرير فقط، وظنى أنها مثال لها ولاستهجان التصريح بالاسم؛ وقد بينته فى الشرح. (أو التفخيم) أى: التعظيم، والتهويل (نحو: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (١)) فإن فى هذا الإبهام من التفخيم ما لا يخفى. === يكون هناك امرأة اسمها زليخا غير التى هو فى بيتها؛ لأنه علم مشترك، وكذا لو قيل راودته امرأة العزيز بخلاف وراودته التى هو بيتها؛ فإنه لا احتمال فيه؛ لأنه إشارة إلى معهودة، ويعلم منه نفس تلك المرأة التى هى زليخا امرأة العزيز؛ لأنه معلوم من خارج أن التى هو فى بيتها زليخا امرأة العزيز تأمل (قوله: والمشهور) أى: عند شراح المتن. (قوله: وقد بينته فى الشرح) حاصله أنه لو عبر بزليخا لكان مستقبحا؛ لأنه يقبح التصريح باسم المرأة، أو لكون السمع يمج لفظ زليخا لكونه مركبا من حروف يستقبح السمع اجتماعها، ومن لطيف هذا النوع أعنى العدول عن التصريح للاستهجان، وإن كان فيه طول ما يحكيه الشاعر فى قوله: قالت لترب عندها جالسة ... فى قصرها هذا الذى أراه من قالت فتى يشكو الغرام عاشق ... قالت لمن قالت لمن قالت لمن فعدل عن العلم مع كونه أخصر مما ذكر لاستهجان التصريح باسمها. (قوله: أى التعظيم والتهويل) اقتصر فى القاموس فى معنى التفخيم على التعظيم، والمراد تعظيم المسند إليه (قوله: والتهويل) أى: التخويف (قوله: من اليم) أى: من البحر وهو بيان لما غشيهم، أو أن من للتبعيض وهو على كل من التقديرين حال من الفاعل، أو أنه ظرف لغو متعلق بغشيهم، والمعنى فغشيهم ماء كثير من البحر لا يحصى قدره، وليس محدودا بأربعين قامة مثلا، فأورد المسند إليه اسم موصول إشارة إلى أنه لا يمكن تفصيله أو تعيينه، فكأنه قيل غشيهم من البحر ماء تعجز العقول عن تفصيله وتعيينه (قوله: فإن هذا الإبهام) أى: وترك التعيين حيث لم يقل فغشيهم من اليم ثلاثون قامة مثلا، وقوله من التفخيم أى التعظيم لما غشيهم ما لا يخفى؛ وذلك لأنه يشير إلى أن ما غشيهم بلغ

стр. 518

(أو تنبيه المخاطب على الخطأ، نحو: إن الذين ترونهم) أى: تظنونهم (إخوانكم ... يشفى ... === من العظم غاية لا تدرك ولا تفى العبارة ببيانها، والعظم من حيث الكم لكثرة الماء المجتمع، وتضمنه أنواعا من العذاب، ومن حيث الكيفية لسرعته فى الغشيان؛ لأن الماء المجتمع بالقسر إذا أرسل على طبعه كان فى غاية السرعة ولإحاطته بجميعهم بحيث لا يتخلص واحد منهم، إن قلت: يشترط فى صلة الموصول أن تكون معهودة للمخاطب كما ذكره النحاة لأجل أن يتعرف باعتبارها، وحينئذ فلا يتأتى أن تكون مبهمة؛ لأن الإبهام ينافى ذلك. قلت: ذلك الاشتراط بالنظر لأصل الوضع، وقد يعدل عن ذلك الأصل إلى الإبهام لأجل تلك النكتة أى: تعظيم المسند إليه وتهويله- كذا قيل، وفيه أن الذى ذكره النحاة أن الصلة يشترط فيها أن تكون معهودة إلا فى مقام التعظيم والتهويل، ويمثلون بهذه الآية، وحينئذ فلا اعتراض. (قوله: على الخطأ) فى بعض النسخ على خطأ أى: سواء كان خطأ المخاطب أو خطأ غيره، ومثال الثانى أن الذى يظنه زيد أخاه يفرح لحزنه (قوله: ترونهم) (١) هو بضم التاء رواية ودراية أما الأول فظاهر، وأما الثانى فلما اشتهر عندهم من استعمال الإراءة بمعنى الظن بصورة المبنى للمجهول، وإن كان المعنى على البناء للفاعل فعلى هذا الواو فاعل والهاء مفعول أول، وإخوانكم مفعول ثان، وأما فتحها على أن ترى بمعنى: تبصر- فلا يصح، إذ ليس الإبصار مرادا هنا نعم يصح الفتح نظرا للدراية على جعل الرؤية قلبية بمعنى الاعتقاد، لكن الرواية تخالفه- كذا قرر بعض الأفاضل، وقرر شيخنا العلامة العدوى: أن رأى هنا من الإراءة التى تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل فهو مبنى للمجهول حقيقة، وإن الواو نائب فاعل، والهاء مفعول ثان وإخوانكم مفعول ثالث،

стр. 519

غليل صدورهم أن تصرعوا) أى: تهلكوا، أو تصابوا بالحوادث، ففيه من التنبيه على خطئهم فى هذا الظن ما ليس فى قولك: إن القوم الفلانى. (أو الإيماء) أى: الإشارة (إلى وجه بناء الخبر) ... === وأن المعنى إن الذى يريكم الناس أنهم إخوانكم أى يصيّرونكم رائين لهم وظانين لهم أنهم إخوانكم، وعلى هذا فقول الشارح أى: تظنونهم ليس تفسيرا حقيقيا، بل تفسير لحاصل المعنى، وهذا البيت من كلام عبدة بسكون الباء ابن الطيب من قصيدة يعظ فيها بنيه (قوله: غليل إلخ) الغليل بالغين المعجمة الحقد، ويطلق على حرارة العطش، والمراد هنا الأول (قوله: أى تهلكوا) الصرع هو الإلقاء على الأرض فهو إما كناية عن الهلاك، أو الاصابة بالحوادث (قوله: ففيه من التنبيه إلخ) أى: حيث حكم عليهم بأنه تحقق فيهم ما هو مناف للإخوة، فيعلم أنها منتفية فيكون ظنهم لها خطأ (قوله: ففيه من التنبيه إلخ) أى: ففى الموصول من حيث الصلة أو أن الصلة والموصول كالشىء الواحد، وإلا فالتنبيه من الصلة لا من الموصول- تأمل. (قوله: ما ليس فى قولك إلخ) يتبادر منه أن كلام الشاعر فى قوم مخصوصين وليس كذلك، بل الظاهر أنه تنبيه على خطأ ظن الإخوة بالناس أيا كانوا وفى أى وقت كان، فليس هناك قوم معينون يتأتى التعبير عنهم بالقوم الفلاني- كذا ذكر شيخنا الحفنى. (قوله: إلى وجه) أى نوع وقوله بناء الخبر لفظ بناء مستدرك، والأصل أو الإيماء إلى وجه الخبر؛ وذلك لأن الخبر على وجوه وأنواع مختلفة فيشار بإيراد المسند إليه موصولا لواحد منها، وأما البناء فهو شىء واحد لا تعدد فيه. كذا قيل، وقد يقال إذا كان للخبر وجوه وأنواع كان بناؤه كذلك باعتبارها؛ لأن بناء العقاب غير بناء غيره وحينئذ فليس لفظ البناء مستدركا، ولك أن تجعل البناء بمعنى المبنى وإضافته للخبر من إضافة الصفة لموصوف، وحينئذ فالمعنى أنه يؤتى بالمسند إليه اسم موصول للإشارة إلى نوع الخبر المبنى على الموصول من كونه مدحا أو ذما أو عقابا إلخ، ومعنى كون الخبر مبنيا على الموصول أنه محكوم به عليه، وهذا الوجه يشير له قول الشارح فيما يأتى،

стр. 520

أى: إلى طريقه؛ تقول: عملت هذا العمل على وجه عملك، وعلى جهته؛ أى: على طرزه وطريقته؛ يعنى: تأتى بالموصول والصلة للإشارة إلى أن بناء الخبر عليه من أى وجه، وأى طريق من الثواب والعقاب، والمدح والذم، وغير ذلك (نحو: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي (١)) فإن فيه إيماء إلى أن الخبر المبنى عليه أمر من جنس العقاب والإذلال؛ وهو قوله: (سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ) ومن الخطأ فى هذا المقام تفسير الوجه فى قوله: إلى وجه بناء الخبر بالعلة والسبب، وقد استوفينا ذلك فى الشرح ... === وقول المصنف أو الإيماء إلى وجه بناء الخبر أى، والحال إن ذلك الإيماء مناسب للمقام بأن كان المقام يقتضى التأكيد، وإنما كان الإيماء المذكور مناسبا لذلك المقام؛ لأن فيه شبه البيان بعد الاجمال وهو مفيد للتوكيد، فإن لم يكن ذلك الإيماء مناسبا للمقام كان من المحسنات البديعية؛ لأنه شبيه بالإرصاد من جهة أن فاتحة الكلام تنبه الفطن على خاتمته، والإرصاد عند علماء البديع أن يجعل قبل العجز من الفقرة، أو البيت ما يدل عليه إذا عرف الروى نحو قوله تعالى وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٢). (قوله: أى إلى طريقه) المراد بطريقه نوعه وصفته (قوله: أى: على طرزه وطريقته) أى: على صفته (قوله: يعنى تأتى إلخ) أتى، بالعناية إشارة إلى أن ما أفاده كلام المصنف من أن المسند إليه الموصول هو المشير إلى وجه بناء الخبر غير ظاهر، إذ المشير إلى ذلك إنما هو الصلة، وقد يجاب بأن قول المصنف أو الإيماء إلخ معناه أنه يؤتى بالمسند إله اسما موصولا للإيماء بصلته (قوله: من أى وجه) أى: من أى نوع ومن أى جنس وفى الكلام حذف أى من جواب أى وجه، وكذا يقال فيما بعده (قوله: إلى أن الخبر المبنى عليه) هذا يشير إلى أن البناء بمعنى اسم المفعول، وإضافته للخبر من إضافة الصفة للموصوف، وقوله فإن فيه إيماء إلخ أى: بخلاف ما إذا ذكرت أسماؤهم الأعلام (قوله: داخرين) أى: صاغرين، أى: متلبسين بالذل والصغار (قوله: ومن الخطأ فى هذا المقام تفسير الوجه) أى: فى كلام المصنف، والذى فسره بذلك التفسير هو الشارح

стр. 521

(ثم إنه) - أى: الإيماء إلى وجه بناء الخبر ... === العلامة الخلخالى تبعا للعلامة الشيرازى فى شرح المفتاح، ووجه الخطأ فى ذلك التفسير أن الإشارة للعلة لا تطرد فى جميع الأمثلة، بل هو ظاهر فى الآيتين، فإن الاستكبار عن العبادة علة فى دخول جهنم، وتكذيب شعيب- ﵇ علة فى الخسران ومشكل فى البيتين، فإن السمك للسماء ليس علة لبناء البيت (١)، وضرب البيت ليس علة لزوال المحبة وقد يقال ما ذكره الشارح من خطأ التفسير المذكور إنما يتم لو كان هذا القائل رجع الضمير فى قوله، ثم إنه رجع الضمير فى قوله، ثم إنه ربما إلخ إلى الإيماء كما فعل الشارح وهو إنما رجعه لجعل المسند إليه موصولا، وحينئذ فلا تخطئة فيما ذكره من التفسير؛ لأن البيتين حينئذ ليسا من أمثلة الإيماء إلى وجه الخبر، بل من أمثلة جعل الموصول وسيلة إلى التعظيم أو التحقيق، وحينئذ فلا يتوجه عليه ذلك الاعتراض، وقد يقال جعله الضمير راجعا لجعل المسند إليه موصولا خلاف ما يدل عليه السياق من عود الضمير على الإيماء فهو خطأ، والمبنى على الخطأ خطأ، وإنما كان رجوع الضمير لجعل المسند إليه موصولا خلاف ما يدل عليه السياق؛ لأنه قال: ثم إنه ولو كان الضمير عائدا على الإتيان بالموصول لقال أو جعله ذريعة على قياس ما قبله من قوله أو استهجان التصريح بالاسم، أو التفخيم، أو تنبيه المخاطب إلخ، أو الإيماء إلخ، وبأن المفيد لتعظيم شأن الخبر وغيره إنما هو الإيماء لا نفس الموصول، بدليل أنه لو بنى عليه غير المومئ إليه بأن بنى عليه غير الخسران بالنسبة للآية الثانية لم يفد تعظيم شعيب، فظهر أنه لا مدخل للموصول فى إفادة التعظيم. (قوله: ثم إنه ربما جعل ذريعة إلى التعريض بالتعظيم إلخ). حاصل ما فى المقام أن المبحث الذى فرغ منه كون الموصول يشير إلى جنس الخبر وكون الخبر عظيم الشأن مرتفع الرتبة أو لا فشىء آخر والمبحث الذى شرع فيه الآن كون الموصول يشير إلى جنس

стр. 522

لا مجرد جعل المسند إليه موصولا كما سبق إلى بعض الأوهام- (ربما جعل ذريعة) أى وسيلة (إلى التعريض بالتعظيم لشأنه) أى: لشأن الخبر (نحو: إنّ الذى سمك (١)) أى: رفع (السماء بنى لنا ... بيتا) أراد به الكعبة، ... === الخبر وتلك الإشارة قد تكون ذريعة وطريقا للتعريض بتعظيم شأنه أو شأن غيره، أو ذريعة للتعريض بالإهانة لشأن الخبر أو ذريعة إلى تحقيق الخبر (قوله: لا مجرد إلخ) أى: لأن سياق الكلام ينافيه؛ لأنه لو كان كذلك لقال أو جعله ذريعة على نسق ما قبله؛ ولأنه يفهم أن ما يذكر بعد يوجد من غير الإيماء وهو فاسد كما مر (قوله: إلى بعض الأوهام) أى وهم الشارح الخلخالى. (قوله: بما جعل ذريعة إلخ) أى فيكون المقصود من الإيماء التعريض بالتعظيم مثلا، ونفس الإيماء غير مقصود بالذات كذا فى عبد الحكيم (قوله: إلى التعريض) هو الإشارة من عرض الكلام أى: دلالة الكلام على معنى ليس له فى الكلام ذكر نحو: ما أقبح البخل تريد أنه بخيل، وإنما ذكر التعريض فى هذه الأغراض؛ لأنها ليست مستعملا فيها الكلام بل المستعمل فيه أمر آخر يثبت فى ضمنه هذه الأغراض لاستلزامه إياها عقلا أو عادة. قاله السيرامى. (قوله: أراد به الكعبة) الأولى أن يقول أراد به بيت المجد والشرف، لا الكعبة؛ لأن القصيدة تأبى أن يكون المراد به الكعبة لأن قصد الفرزدق بها افتخاره على جرير بأن أباءه أماجد وأشراف لكونهم من قريش، بخلاف آباء جرير فإنهم من أراذل بنى تميم، ومعنى كونه بنى لهم بيت المجد والشرف جعل المجد والشرف فيهم أى: إن الذى سمك السماء جعل فينا مجدا وشرفا وجعل قبيلتنا من أعظم القبائل بخلافك يا جرير، فإن آباءك ليس فيهم مجد ولا شرف، وحيث كان قصد الفرزدق بذلك الافتخار على

стр. 523

أو بيت الشرف والمجد (دعائمه أعز وأطول) من دعائم كل بيت ففى قوله: إن الذى سمك السماء- إيماء إلى أن الخبر المبنى عليه أمر من جنس الرفعة والبناء عند من له ذوق سليم، ثم فيه تعريض بتعظيم بناء بيته لكونه فعل من رفع السماء التى === جرير فيتعين حمل البيت على بيت المجد؛ لأن جريرا مسلم فلا معنى للافتخار بالكعبة، إذ لكل مؤمن فيها حق، وأجاب بعضهم بأنه يمكن أن بيت الفرزدق كان قريبا من الكعبة والقريب من الشىء له ارتباط وتعلق به أكثر من غيره، أو أن أهله كانوا ممن يتعاطون أمورها بخلاف أقارب جرير (قوله: أو بيت الشرف والمجد) الإضافة بيانية، أو المراد ببيت الشرف نسبه وبدعائمه الرجال الذين فيه (قوله: دعائمه) جمع دعامة بكسر الدال، وهى عماد البيت أى قوائمه وعواميده (قوله: من دعائم كل بيت) أى: أو من دعائم بيتك وقيل من السماء وقيل عزيزة طويلة. (قوله: ففى قوله أن الذى سمك السماء إيماء) أى: بخلاف ما إذا قيل إن الله أو الرحمن أو غير ذلك بنى لنا بيتا (قوله المبنى عليه) أى: المحكوم به عليه (قوله: عند من له ذوق إلخ) متعلق بقوله إيماء، وأفاد بذلك أن الذوق شاهد على ذلك الإيماء، فإنه إذا قيل الذى صنع هذه الصنعة الغريبة فهو منه عرفا أن ما يبنى عليه أمر من جنس الصنعة والإتقان، فإذا قيل صنع لى كذا كان كالتأكيد لما أشار إليه أول الكلام (قوله: ثم فيه) أى: فى ذلك الإيماء بواسطة الصلة بخلاف ما لو قيل: إن الذى بنى بيت زيد بنى لنا بيتا، فإنه لا يكون فيه تعريض بتعظيم بناء بيته، وإن أشار إلى جنس الخبر، وقوله بتعظيم بيته أى: بيت الشاعر، وقوله لكونه فعل من رفع السماء أى وأفعال المؤثر الواحد متشابهة لا تختلف، والحاصل أن شأن الصانع المتقن للصنعة أن تكون صنعته متقنة، فحيث كان البناء لذلك البيت فعل من سمك السماء فلا يكون ذلك البناء إلا عظيما لما علمت أن أفعال المؤثر الواحد متشابهة لا تختلف، لا يقال إن الإيماء المذكور إنما فيه التعريض بتعظيم البيت وهو مفعول لا بتعظيم البناء الذى هو الخبر؛ لأنا نقول تعظيم البيت لتعلق بناء من بنى السماء به، وحينئذ فلا محيد عن اعتبار البناء فى التعظيم وهو الخبر. قاله ابن يعقوب، واعترض العلامة السيد على الشارح: بأنه لا نزاع فى كون هذا الكلام

стр. 524

لا بناء أعظم منها وأرفع (أو) ذريعة إلى تعظيم (شأن غيره) أى: غير الخبر (نحو: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (١)) ففيه إيماء إلى أن الخبر المبنى عليه مما ينبئ عن الخيبة والخسران، وتعظيم لشأن شعيب ﵇، ... === مشتملا على الإيماء لنوع الخبر وعلى التعريض بتعظيم شأن الخبر إلا أن ذلك الإيماء لا مدخل له فى تعظيم الخبر أصلا فكيف يجعل ذريعة إلى التعريض به، وإنما نشأ التعظيم من نفس الصلة بناء على تشابه آثار المؤثر الواحد، ومما يدل على أن الإيماء لا مدخل له فى ذلك وجود التعريض بتعظيم البناء بدون الإيماء لنوع الخبر فى قولك بنى لنا بيتا من سمك السماء بتقديم المسند، فإن هذا مفيد للتعريض بتعظيم شأن الخبر، ولا إيماء فيه لنوع الخبر؛ لأن الإيماء إنما يحصل عند جعل الموصول مقدما، وأجيب بأن الكلام فى التعظيم المستفاد من الموصول وصلته فقط، ولا شك أنه يحتاج إلى التوسل إليه بالإيماء المذكور؛ لأن تعظيم شعيب فى الآية إنما استفيد من الصلة لما فيها من الإيماء إلى جنس الخبر الدال على التعظيم، إذ لو بنى عليه غير المومئ إليه بأن رتب عليه غير الخسران لم يستفد تعظيمه، والتعظيم الحاصل عند تقديم المسند مستفاد من مجموع الكلام، ولا شك أنه لا يحتاج إلى الإيماء المذكور، واستفاد التعظيم من الصلة بواسطة الإيماء لا تنافى فى استفادته من مجموع الكلام؛ لأن ما يفيد النكتة تنسب إليه، وإن أمكنت بغيره (قوله: لا بناء أعظم منها وأرفع) أى: فى مرأى العين (قوله أو ذريعة إلى تعظيم شأن غيره) أى حال غيره، والأولى أن يقول أو ذريعة إلى التعريض بتعظيم شأن غيره. (قوله: ففيه) أى الموصول يعنى مع الصلة (قوله مما ينبئ عن الخيبة) أى: لأن شعيبا نبى فتكذيبه يوجب الخيبة والخسران، وكان الأولى أن يقول إلى أن الخبر المبنى عليه من جنس الخيبة والخسران؛ لأن هذا هو المناسب لما تقدم له وعطف الخسران على ما قبله عطف تفسير. (قوله: وتعظيم لشأن شعيب) ظاهره أن ذلك من الموصول مع أنه من الإيماء بواسطة الصلة؛ لأنهم إذا كانوا يحصل لهم الخيبة بسبب تكذيبه يعلم أنه عظيم، فكان

стр. 525

وربما يجعل ذريعة إلى الإهانة لشأن الخبر، نحو: إن الذى لا يحسن معرفة الفقه قد صنف فيه، أو لشأن غيره، نحو: إن الذى يتبع الشيطان خاسر، وقد يجعل ذريعة إلى تحقيق الخبر؛ أى: جعله محققا ثابتا، نحو: إنّ التى ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودّها غول (١) === الأولى للشارح أن يقول: ثم فى هذا الإيماء تعريض بشأن شعيب الذى هو مفعول به (قوله: وربما يجعل) أى: الإيماء المذكور، وقوله ذريعة إلى الإهانة الأولى أن يقول ذريعة للتعريض بإهانة شأن الخبر (قوله: إن الذى لا يحسن معرفة الفقه إلخ) أى ففى الموصول مع الصلة إيماء إلى أن الخبر من نوع ما يتعلق بالفقه: كالتصنيف، وفى ذلك الإيماء تعريض بأن مصنفه مبتذل مهان؛ لأنه إذا كان لا يحسن ما ذكر كان جاهلا، فتصنيفه حينئذ قبيح لا يعبأ به؛ لأن المبنى على الجهل شىء قبيح (قوله: إن الذى يتبع الشيطان خاسر) أى: فالموصول يشير إلى أن الخبر المبنى عليه من جنس الخيبة والخسران، وفى ذلك الإيماء تعريض بحقارة الشيطان؛ لأنه إذا كان اتباعه يترتب عليه الخسران كان محقرا مهانا، وقد يقال: إن إهانته تفهم من العلم بقباحة اتباعه مع قطع النظر عن جنس الخبر؛ إلا أن يقال: إنه يحصل بواسطة الإيماء لجنس الخبر إهانة أتم مما تحصل به أولا-. اهـ. سم. (قوله: وقد يجعل) أى: الإيماء المذكور ذريعة إلى تحقيق الخبر أى: تقريره وتثبيته أى: جعله مقررا وثابتا فى ذهن السامع حتى كأن الإيماء المذكور برهان عليه، وذلك فيما إذا كانت الصلة تصلح لأن تكون دليلا لوجود الخبر، كما فى البيت المذكور فإنه يصلح؛ لأن يقال: أكل الغول ودها وزالت محبتها لأنها ضربت إلخ، ثم إن ظاهره أن المحقق للخبر نفس الإيماء وليس كذلك إذ المحقق له فى الحقيقة إنما هو الصلة التى حصل بها الإيماء لا نفس الإيماء (قوله: إن التى ضربت إلخ) أى: إن الحبيبة التى ضربت بيتا،

стр. 526

فإن فى ضرب البيت بكوفة الجند، والمهاجرة إليه إيماء إلى أن طريق بناء الخبر مما ينبئ عن زوال المحبة، وانقطاع المودة ثم إنه يحقق زوال المودة، ويقرره حتى كأنه برهان عليه، ... === وضرب البيت فى الأصل شد أطنابه، ويلزمه الإقامة فيه المرادة، فتكون كناية عن الإقامة فيه من باب الانتقال من الملزوم للازم، وقوله مهاجرة: حال من فاعل ضربت أفادت أن الكوفة التى أقامت بها ليست محلها الأصلى وقوله بكوفة متعلق بضربت والباء بمعنى فى، وإضافتها للجند لإقامة جند كسرى بها، وقوله غالت أى: أكلت وودها أى محبتها لى: مفعول مقدم، وغول فاعل مؤخر أى: إنها إنما أقامت بالكوفة بعد الهجرة إليها لكون الغول أكل ودها لى، وأن محبتها زالت ووجه إدخال التاء فى الفعل الغول مؤنث سماعا وإن كان بمعنى المهلك، ثم إن لفظ البيت خبر والمعنى على التأسف كما فى الحفيد على المطول. (قوله: والمهاجرة إليها) عطف على ضرب (قوله: إلى أن طريق بناء الخبر) أى إلى جنس الخبر المبنى عليه، وكان الأولى أن يقول إلى أن طريق بناء الخبر أمر من جنس زوال المحبة وانقطاع المودة ليوافق ما مر، والمراد أنه فرد من أفراد ذلك الجنس، وإنما كان الموصول يومىء للنوع المذكور؛ لأن الشأن أن الإنسان لا يقيم فى محل خلاف محله إلا إذا كان كارها لأهل محله (قوله: ثم إنه) أى الإيماء المذكور بواسطة الصلة، وقرر شيخنا العدوى أن قوله: ثم إنه أى ما ذكر من الضرب والمهاجرة يحقق إلخ أى: من تحقيق المسبب للسبب، وذلك لأن أكل الغول ودها سبب فى الواقع للضرب والمهاجرة ووجود المسبب دليل على وجود سببه، وظهر لك مما قلنا إن قوله ثم إنه يحقق يحتمل رجوع ضميره للإيماء جريا على ما مر من التسامح، ولما ذكر من الضرب والمهاجرة نظرا للحقيقة من أن المومى إنما هو الصلة. (قوله: زوال المودة) أى: منها، وقوله ويقرره أى: فى ذهن السامع (قوله: حتى كأنه) أى: الإيماء بواسطة الضرب، أو ضرب البيت بكوفة الجند والمهاجرة إليها وقوله برهان عليه أى: على زوال المحبة؛ لأنه دليل عليه.

стр. 527

وهذا معنى تحقيق الخبر، وهو مفقود فى مثل: إن الذى سمك السماء؛ إذ ليس فى رفع الله السماء تحقيق وتثبيت لبنائه لهم بيتا؛ فظهر الفرق بين الإيماء، وتحقيق الخبر ... === واعلم أن الاستدلال بالسبب على المسبب يسمى برهانا آنيا، والاستدلال بالمسبب على السبب يسمى برهانا لميا؛ لأن وجود المسبب خارجا علة فى وجود السبب بمعنى إنك إذا رأيت المسبب متحققا فى الخارج استدللت به على وجود السبب، فالمسبب حينئذ يقع فى جواب السؤال بلم عن وجود السبب، وما هنا من قبيل الاستدلال بالمسبب على السبب فهو من قبيل البرهان اللمى إذا علمت هذا تعلم أن قول الشارح كأنه برهان عليه لا وجه للكأنية، إذ هو برهان عليه حقيقة، فالأولى أن يقول؛ لأنه برهان عليه إلا أن يقال إن المعنى حتى كأنه برهان إنى فشبه اللمى بالأنى أو أن كان للتحقيق قرر ذلك شيخنا العدوى، أو يقال أتى بكأن؛ لأنه لم يسق مساق البراهين المعتادة (قوله: وهذا معنى تحقيق الخبر) يعنى أن المراد بتحقيق الخبر تثبيته وتقريره حتى كأن الصلة دليل عليه، وليس المراد بتحقيق الخبر تحصيله وإيجاده بأن تكون الصلة للخبر فى الواقع والإلزام أن ضرب البيت بالكوفة والمهاجرة إليها علة لانقطاع المودة والمحبة فى نفس الأمر، وهو غير صحيح، إذ الأمر بالعكس وهو أن العلة فى ضرب البيت هو زوال المحبة. والحاصل أن الضرب والمهاجرة علة لمية لزوال المحبة، وزوال المحبة علة آنية لهما (قوله: إذ ليس فى رفع الله السماء إلخ) أى: لأن رفع الله السماء ليس علة لبناء البيت لا آنية ولا لمية (قوله: فظهر الفرق إلخ) أى: لأن حاصل الإيماء إلى وجه الخبر أن يستشعر السامع بجنس الخبر، ولا يلزم من ذلك أن يتيقنه بحيث يزول عنه الشك والإنكار له، وأما تحقيق الخبر فهو أن يستشعر السامع بجنس الخبر ويتيقنه، ويتقرر عنده بحيث يزول ما عنده من الشك فيه، والإنكار له ألا ترى إلى قوله: إن التى ضربت إلخ، فإنه يحصل منه فى ذهن السامع جنس انقطاع المودة والمحبة، ويثبت عنده بحيث يزول عنه الشك والإنكار؛ لأنه يلزم عادة من المهاجرة بالكوفة وضرب البيت بها والانقطاع فيها زوال المحبة والمودة بخلاف إن الذى سمك السماء إلخ، إذ لا يلزم عادة ولا عقلا من سمك

стр. 528

[أغراض التعريف بالإشارة]: (وبالإشارة) أى: تعريف المسند إليه بإيراده اسم إشارة (لتمييزه) أى: المسند إليه (أكمل تمييز) ... === السماء بناء البيت المذكور فقد وجد الإيماء فيه بدون التحقيق، وظهر لك من هذا أن الإيماء إلى وجه بناء الخبر أعم من الإيماء إلى تحقيق الخبر بالنظر للمحل، فكلما وجد تحقيق الخبر وجد الإيماء، ولا عكس لحصول الإيماء لوجه الخبر من غير إيماء إلى تحقيقه فى نحو: إن الذى سمك السماء بنى لنا بيتا إلخ، فإن فيه الإيماء لوجه الخبر وليس فيه إيماء إلى تحقيق الخبر، إذ لا دلالة لسمك السماء على بناء بيتهم ولحصول الإيماء إلى التحقيق مع الإيماء لوجه الخبر فى نحو: إن التى ضربت بيتا إلخ، لكون الوجه الذى أشير إليه كالدليل على ذلك الخبر، وإذا قد علمت الفرق بينهما وأن بينهما العموم والخصوص المطلق باعتبار المحل تعلم أن الإيماء لوجه بناء الخبر غير الإيماء إلى تحقيق الخبر، وحينئذ فلا يستغنى بذكر الإيماء لوجه عن الإيماء إلى التحقيق، فسقط اعتراض المصنف فى الإيضاح على القوم بأنه لم يظهر فرق بينهما فكيف يجعل الإيماء لوجه بناء الخبر ذريعة إلى التحقيق مع أنه عينه. [تعريفه بالإشارة]: (قوله: أى تعريف المسند إليه) يعنى: لفظه لأنه الذى يعرف (وقوله: لتمييزه) أى: المسند إليه، أى فى معنى المسند، ففى الكلام استخدام حيث ذكر المسند إليه أولا مرادا به اللفظ، وأعيد عليه الضمير مرادا به المعنى، أو حذف مضاف أى: لتمييز معناه (قوله: لتمييزه أكمل تمييز) أى: لكون المقصود تمييزه تمييزا أكمل فهو من إضافة الصفة للموصوف والتمييز الأكمل هو ما كان بالعين والقلب، فإنه لا تمييز أكمل منه، ولا يحصل ذلك التمييز إلا باسم الإشارة، فإن قلت: إن كلام المصنف يقتضى أن اسم الإشارة أعرف المعارف، وليس كذلك. أجيب بأن المراد أنه أكمل تمييزا بالنسبة لما تحته من المعارف لا بالنسبة لما فوقه أيضا، ويكون الكلام فى مقام لا يمكن فيه التعبير بما فوقه من المعارف، أو يقال إن دلالة اسم الإشارة على أكملية التمييز إنما هو من حيث إن

стр. 529

لغرض من الأغراض (نحو: هذا أبو الصقر فردا) نصب على المدح، أو على الحال ... === معه إشارة حسية، ولا يتأتى معها اشتباه أصلا بخلاف العلم فإن مدلوله وإن كان جزئيا مانعا من الشركة، لكن ربما يكون مشتركا اشتراكا لفظيا أو يكون مسماه غير معلوم للسامع، فلا يحصل التمييز فضلا عن كماله وهذا لا ينافى أن غير اسم الإشارة أعرف منه من جهة أخرى؛ وذلك لأن من المضمرات ضمير المتكلم الذى لا يتصور فيه اشتباه أصلا من حيث ذاته ومدلول العلم متعين مشخص بحسب الوضع والاستعمال معا بخلاف اسم الإشارة، فإن مدلوله متعين بحسب الاستعمال لا غير وبالجملة فدلالة اسم الإشارة على أكملية التمييز لا تقتضى أعرفيته فلا يكون كلام المصنف مخالفا للقول الصحيح وهو قول سيبويه من أن أعرف المعارف المضمرات، ثم الأعلام، ثم المبهمات- كذا قرر شيخنا العدوى. وعبارة اليعقوبى: كون المعارف فيها ما هو أعرف من اسم الإشارة لا ينافى أن يكون فيه خصوصية يفوق بها ما سواه؛ لأن المراد بكون المعرفة أعرف من غيرها أنها أكثر بعدا من عروض الالتباس وهذا لا ينافى أن يكون ما هو دونه أقوى منه فى هذا المعنى فى بعض الصور، فإن اسم الإشارة إذا كان المشار إليه حاضرا محسوسا للسامع بحاسة البصر، أو نزل تلك المنزلة أقوى من العلم المشترك فى الحالة الراهنة. (قوله: لغرض من الأغراض) علة للعلة أى، وإنما قصد تمييزه تمييزا أكمل لغرض؛ كأن يكون المقام مقام مدح أو مقام إجراء أوصاف الرفعة عليه، فإن تمييزه حينئذ تمييزا كاملا أعون على كمال المدح؛ لأن ذكر الممدوح إذا صاحبه خفاء كان قصورا فى الاعتناء بأمره (قوله: أبو الصقر) خبر عن اسم الإشارة أو بدل منه، أو بيان له وخبر المبتدأ قوله: من نسل شيبان (قوله نصب على المدح) أى: نصب بفعل محذوف لأجل إفادة المدح فعلى للتعليل، تقدير ذلك الفعل أمدح أو أعنى، إذ لا يشترط فى منصوب المدح ما يدل على المدح، فالمحترز عنه تقدير ما يدل على الذم فقط (قوله: أو على الحال) أى: من الخبر، إن قلت: الحال لا تأتى من الخبر كما

стр. 530

(فى محاسنه) (١) من نسل شيبان بين الضال والسلم؛ وهما شجرتان بالبادية؛ ... === لا تأتى من المبتدأ عند الجمهور، قلت: سوغ ذلك هنا كون ذلك الخبر مفعولا فى المعنى لمعنى اسم الإشارة أو ها التنبيه لتضمن كل منهما معنى الفعل وهو أشير أو أنبه أى: أشير إليه فى حال كونه منفردا بالمحاسن أو أنبه عليه فى تلك الحالة، وهذا على حد قوله تعالى هذا بَعْلِي شَيْخاً (٢). (قوله: فى محاسنه) جمع محسن بمعنى حسن أى منفردا بحسن ذاته ومكارم صفاته (قوله: من نسل شيبان) حال ثانية من صاحب الأولى، فيكون من قبيل المترادفة أى: متولدا من نسل شيبان أو خبر ثان ذكر بيانا لنسبه بعد ذكر حسبه، ولا يصح أن يكون حالا من الضمير المستتر فى فردا لما فيه من القصور؛ لأن الحال قيد فى العامل فيصير تمييزه بالانفراد فى المحاسن مقيدا بكونه من نسل شيبان، والمناسب لمقام المدح الإطلاق وعلى تقدير جواز ذلك يكون من قبيل الحال المتداخلة فيكون العامل فيه فردا، وتكون متعلقة بمحذوف، وأما جعله ظرفا لغوا متعلقا بفردا- أى ممتازا منهم فليس بحسن؛ لأن مقام المدح يقتضى أن يثبت للممدوح الفردية فى المحاسن بالنسبة إلى كافة الناس لا بالقياس إلى نسل شيبان فقط، إلا أن يدعى أن نسل شيبان ممتازون بالمحاسن عمن سواهم، والنسل الولد وشيبان بفتح الشين: اسم لأب ى القبيلة المسماة باسمه (قوله: بين الضال) حال من نسل شيبان، وهو الأوجه أى: حال كونهم مقيمين بين الضال والسلم، أو من شيبان، أو من أبو الصقر والضال بتخفيف اللام جمع ضالة بلا همز وهو شجر السدر البرى، والسلم جمع: سلمة وهو شجر ذو شوك من شجر البادية يقال له شجر العضاه. (قوله: وهما شجرتان) الأولى شجران بدون تاء؛ لأنهما نوعان من الشجر لا فردان، إلا أن يقال أن التاء للوحدة النوعية لا الشخصية، ويحتمل أن المراد منهما فى
следующие страницы →