بأن يراد بالمثل والغير إنسان آخر مماثل للمخاطب، أو غير مماثل بل المراد نفى البخل عنه على طريق الكناية؛ ...
===
المضاف إلى المثالين ولفظ من زائد فى الإثبات لتضمنه النفى؛ لأنه فى قوة لا مع إرادة تعريض بغير المخاطب ومفهوم كلامه أنه لو أريد التعريض بأن أريد بالمثل أو للغير إنسان معين لم يكن تقديمه كاللازم؛ وذلك لأن التقديم إنما كان كاللازم عند ارتكاب الكناية لكونه أعون على إثبات الحكم بالطريق الأبلغ وهو طريق الكناية، وإذا أريد التعريض فلا كناية
(قوله: بأن يراد بالمثل) تصوير للمنفى وهو إرادة التعريض، فإذا قلت مثلك لا يبخل مريدا من المثل شخصا معينا جوادا مماثلا للمخاطب، أو قلت غيرك لا يجود مريدا بالغير بخيلا آخر معينا كان الكلام من قبيل التعريض لا من قبيل الكناية؛ لأنه يلزم من نفى بخل شخص معين مماثل للمخاطب نفى بخله ولا يلزم من نفى الجود عن واحد معين ثبوت الجود للمخاطب؛ لأنه يتحقق فى شخص آخر مغاير لذلك المعين وللمخاطب، ثم إن جعل هذا تعريضا فيه نظر، إذ لا تعريض فى الكلام المذكور بذلك الإنسان، بل الكلام موجه نحوه بطريق الاستقامة دون الإمالة إلى عرض وجانب، وإنما يكون التركيب من قبيل التعريض إذا قصد وصف المخاطب بالبخل، وأما على ما ذكره الشارح من إرادة واحد معين بالمثل والغير فالتركيب ليس كناية ولا تعريضا، وأجيب بأنه ليس المراد بالتعريض الاصطلاحى الآتى فى الكناية وهو الإشارة إلى معنى يفهم من عرض الكلام وجانبه، بل المراد التعريض اللغوى وهو الإشارة على وجه الإجمال والإبهام وعدم التصريح ولا شك أنك لم تصرح بالمعرض به، بل أجملته وأبهمته، ولهذا الجواب اندفع أيضا ما يقال التعريض من قبيل الكناية فيلزم أن يكون الكلام كناية وغير كناية- وهو باطل، وأجيب عنه أيضا بأن التعريض لا يلزم أن يكون نوعا من الكناية، بل هو أعم من ذلك، إذ قد يكون كناية ومجازا وحقيقة
(قوله: إنسان آخر) أى: معين، وقوله مماثل للمخاطب: راجع لقوله بالمثل
(قوله: أو غير مماثل) بالإضافة راجع لقوله والغير
(قوله: بل المراد) أى: بقولك مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود، وقوله نفى البخل عنه أى: عن المخاطب وهذا إضراب على قوله من غير إرادة
стр. 667
لأنه إذا نفى عمن كان على صفته من غير قصد إلى مماثل لزم نفيه عنه وإثبات الجود له بنفيه عن غيره مع اقتضائه محلا يقوم به وإنما يرى التقديم فى مثل هذه الصورة كاللازم (لكونه) أى: التقديم ...
===
تعريض إلخ، وقوله على طريق الكناية لم يجعل على طريق المجاز من ذكر الملزوم، وإرادة اللازم لجواز إرادة المعنى الحقيقى أيضا
(قوله: لأنه إذا نفى إلخ) هذا توجيه للكناية فيه، وبيان للزوم المحقق لها وقوله: لأنه أى: البخل وقوله عمن كان على صفته أى: عن كل من كان على صفة المخاطب؛ لأن معنى مثلك لا يبخل من كان على الصفات التى أنت عليها لا يبخل، والمخاطب من هذا العام؛ لأنه متصف بتلك الصفات، فيلزم أنه لا يبخل؛ لأن الحكم على العام ينسحب على كل فرد من أفراده
(قوله: من غير قصد إلى مماثل) أى: بخلاف ما إذا أريد بالمثل معين أى: إنسان آخر غير المخاطب، لا يقال التعليق بالمشتق يؤذن بعلية المشتق منه، والمشتق منه موجود فى المخاطب، فيلزم أنه لا يبخل؛ لأنا نقول الحكم على العموم من غير ملاحظة مماثل معين يفهم منه فى العرف عليه الوصف وهو المماثلة بخلاف ما إذا أريد بالمثل معين أى: إنسان آخر غير المخاطب، ولم يرد العموم فلا يفهم عرفا منه علية الوصف فلا يلزم فيه أن يكون المخاطب لا يبخل؛ لأن الغرض حينئذ مجرد التعبير عن ذلك المعين كما يظهر ذلك لصاحب الذوق السليم. ا. هـ سم.
(قوله: وإثبات الجود) عطف على نفى البخل لا على قوله نفيه عنه أى: والمراد من غيرك لا يجود؛ إثبات الجود للمخاطب بسبب نفيه إلخ وهذا توجيه للكناية فى التركيب الثانى، وبيان للزوم المحقق لها، وقوله من غيره أى عن كل مغاير له بخلاف، ما إذا أريد به معين، فإنه لا يلزم انحصار الجود فى المخاطب؛ لأنه يتحقق فى شخص آخر غير المخاطب، وقوله: مع اقتضائه محلا من جملة الدليل ووجه الاقتضاء أن الجود صفة موجودة فى الخارج وكل ما هو كذلك، فلا بد له من موصوف أى: محل يقوم به، ثم إنه ليس له إلا محلان المخاطب والغير، فإذا انتفى عن الغير تعين أن يقوم بالمخاطب
(قوله: فى مثل هذه الصورة) كان الظاهر أن يقول هاتين الصورتين كما لا يخفى، إذ
стр. 668
(أعون على المراد بهما) أى: بهذين التركيبين؛ لأن الغرض منهما إثبات الحكم بطريق الكناية التى هى أبلغ، والتقديم لإفادة التقوى أعون على ذلك وليس معنى قوله: كاللازم أنه قد يقدم وقد لا يقدم، بل المراد أنه كان مقتضى القياس أن يجوز التأخير لكن لم يرد الاستعمال إلا على التقديم؛ نص عليه فى دلائل الإعجاز
===
المتبادر من كلامه أن قوله مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود تركيب واحد وكلام القوم صريح فى أنهما تركيبان
(قوله: أعون على المراد بهما) الباء بمعنى من إن قلت: إن التأخير لا إعانة فيه على المراد؛ لأن التقوى الذى يحصل به الإعانة على المراد إنما يتأتى بالتقديم، وحينئذ فلا وجه للتعبير بأعون، قلت أفعل ليس على بابه أى: لكونه معينا، وقوله: لأن الغرض علة لكونه معينا
(قوله: إثبات الحكم) أعنى الجود: وانتفاء البخل عن المخاطب وفى هذا إشارة إلى أنهما من الكناية المطلوب بها نسبة لا المطلوب بها صفة ولا المطلوب بها غير صفة ولا نسبة، بل كان المطلوب بها نفس الموصوف ومثال المطلوب بها صفة قولك: طويل النجاد، فإن المطلوب بها: طول القامة، ومثال المطلوب بها صفة وغير نسبة قولك: حتى مستوى القامة عرض الأظفار فى الكناية عن الإنسان، فإنه غير نسبة وغير صفة
(قوله: أبلغ) أى: من التصريح؛ لأنها من باب دعوى الشىء ببينة، إذ وجود الملزوم دليل على وجود اللازم، فقولك: فلان كثير الرماد فى قوة قولك:
فلان كريم؛ لأنه كثير الرماد، وكذلك هنا قولك غيرك لا يجود فى قوة أنت تجود؛ لأن غيرك لا يجود، فالحاصل أن المقصود من التركيبين إثبات الحكم على وجه أبلغ.
(قوله: لإفادته التقوى) علة لقوله أعون مقدمة عليه أى: والتقديم معين على ذلك لإفادته للتقوى، وإنما كان معينا له؛ لأنه من ناحيته؛ لأن الكناية تفيد إثبات الحكم بطريق أبلغ، وكذلك التقرير
(قوله: على ذلك) أى: على إثبات الحكم بالطريق الأبلغ
(قوله: إنه كان مقتضى القياس إلخ) أى: وذلك؛ لأن المطلوب وهو إثبات الجود للمخاطب، وانتفاء البخل عنه يحصل بالكناية، وهى حاصلة مع التأخير كالتقديم، فكان مقتضى القياس أنه يجوز التأخير لحصول المقصود معه
(قوله: إلا على التقديم) أى:
فأشبه ما اقتضت القواعد تقديمه حتى لو استعمل غير مقدم عند قصد الكناية بأن قيل
стр. 669
(قيل وقد يقدم) المسند إليه المسور بكل على المسند المقرون بحرف النفى ...
===
لا يبخل مثلك، ولا يجود غيرك كان كلاما منبوذا طبعا، وإن اقتضت القواعد جوازه
(قوله: قيل وقد يقدم إلخ) قائله ابن مالك وجماعة، وإنما ضعفه المصنف حيث عبر بصيغة التمريض وهو قيل للبحث فى دليله، وإلا، فالحكم مسلم كما يأتى
(قوله: وقد يقدم) الواو من جملة المحكى، وهى إما للعطف على ما قبله فى كلام القائل أو للاستئناف، وما قيل إنه معطوف على مقول قول عبد القاهر عطف تلقين، كما يقال:
سأكرمك، فتقول: وزيدا، أى: قل: وزيدا، فليس بشىء، إذ لا معنى لتلقين القائل للشيخ هذا الكلام، وأيضا لا يطرد فى قول عبد القاهر، وقد يقدم ليفيد تخصيصه فإنه لا يمكن أن يكون فيه لعطف التلقين.
(قوله: المسور بكل) فيه ميل لمذهب المناطقة القائلين الموضوع هو المضاف إليه لفظة كل، وأما هى فهى دالة على كمية الأفراد، وإلا فالنحاة يجعلون كل هى المسند إليه وقوله المسور بكل أى: أو ما يجرى مجراه فى إفادة العموم لجميع الأفراد كأل الاستغراقية، ولفظ جميع، وإنما اشترط أن يكون مقرونا بكل؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم يجب تقديمه نحو:
زيد لم يقم ولم يقم زيد لعدم فوات العموم، إذا لا عموم فيه وكذلك إذا لم يكن المسند مقرونا بحرف النفى لم يجب تقديمه نحو: كل إنسان قام، وقام كل إنسان، لعدم فوات العموم فيه بالتقديم والتأخير لحصوله مطلقا قدم المسند إليه أو أخر، وبقى شرط ثالث: وهو أن يكون المسند إليه بحيث لو أخر كان فاعلا بخلاف قولك: كل إنسان لم يقم أبوه، فإنه لو أخر كل إنسان بأن قيل: لم يقم أبو كل إنسان لم يكن فاعلا لفظيا لأخذ المسند فاعله فلا يجب التقديم فى تلك الحالة لعدم فوات العموم؛ لأن العموم حاصل على كل حال سواء قدم المسند إليه أو أخر، بقى شىء آخر وهو أن الكلام فى بيان أحوال المسند إليه مطلقا، وحينئذ فمن أين أخذ الشارح تقييده بما ذكر، وقد يقال أخذ الشارح ذلك من قرينة السياق وفى كلام بعضهم أن الضمير فى قول المصنف، وقد يقدم إن جعل راجعا للمسند إليه فى الجملة كانت كلمة قد للتقليل؛ لأن هذا التركيب قليل بالنسبة لغيره وأن جعل الضمير راجعا للمسند إليه المقيد بما قاله الشارح بقرينة سياق الكلام كانت للتحقيق.
стр. 670
(لأنه) أى: التقديم (دال على العموم) أى: على نفى الحكم عن كل فرد (نحو:
كل إنسان لم يقم) فإنه يفيد نفى القيام عن كل واحد من أفراد الإنسان (بخلاف ما لو أخر، نحو: لم يقم كل إنسان فإنه يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد
===
(قوله: لأنه دال على العموم) أى: على عموم النفى وشموله يعنى: أن المسند إليه إذا كان مستوفيا للشروط المذكورة، وكان المتكلم قصده فى تلك الحالة إفادة العموم، فإنه يجب عليه أن يقدم المسند إليه لأجل أن يفيد الكلام قصده، إذ لو أخر لم يطابق مقصوده؛ لأنه لم يفد العموم حينئذ، فالغرض من قول المصنف لأنه دال إلخ بيان للحال التى لأجلها ارتكب التقديم لا استدلال عقلى، إذ هذا أمر نقلى والواجب إثباته بالنقل، ولبعض الأفاضل قول المصنف؛ لأنه دال إلخ أى: من دلالة المقتضى بالفتح على المقتضى بالكسر فهى غاية مترتبة على التقديم، وإن أريد الدلالة على قصد العموم كان علة باعثة
(قوله: أى على نفى الحكم) أى: المحكوم به، وقوله عن كل فرد أى من أفراد ما أضيف إليه كل
(قوله: نحو كل إنسان لم يقم) أى: كل فرد اتصف بعدم القيام ومحكوم عليه به، ولا يقال الضمير فى لم يقم عائد على كل إنسان فيكون العموم واقعا فى حيز النفى فيكون هذا التركيب من سلب العموم؛ لأنا نقول مراعاة الاسم الظاهر أولى من مراعاة ضميره، وأيضا يلزم على مراعاة الضمير أنه لم يتحقق عموم السلب أصلا، ولا قائل بذلك.
(قوله: فإنه يفيد نفى القيام عن كل واحد) الجار والمجرور متعلق بنفى لا بالقيام أى: فإنه يفيد أن انتفاء القيام ثابت لكل واحد، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الحكم فى عموم السلب يلاحظ مطلقا، وأن متعلق النفى فيه الأفراد
(قوله: بخلاف ما لو أخر) ما زائدة كما فى قوله تعالى: مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (١) ولو شرطية جزاؤها قوله: فإنه يفيد نفى الحكم إلخ إن جاز وقوع الجملة الاسمية جوابا للو كما فى المغنى ومحذوف إن لم يجز كما فى الرضى أى لم يدل على العموم، وقوله: فإنه تعليل له، وإنما لم يقل بخلاف التأخير تنصيصا على بيان مخالفة التقديم والتأخير
(قوله: فإنه يفيد نفى الحكم) أى:
стр. 671
لا عن كل فرد) فالتقديم يفيد عموم السلب وشمول النفى، والتأخير لا يفيد إلا سلب العموم ونفى الشمول ...
===
المحكوم به كالقيام فى المثال، وقوله عن جملة الأفراد أى: عن الأفراد المجملة أى: التى لم تفصل ولم تعين بكونها كلا أو بعضا، بل أبقيت على شمولها للأمرين
(قوله: لا عن كل فرد) أى: فقط فلا ينافى أن رفع الإيجاب الكلى يصدق بالنفى عن كل فرد كما سيأتى، وإيضاح المقام أن تقول: إن عموم السلب وسلب العموم النظر فيهما إنما هو للأفراد لا للجملة أعنى: الهيئة الاجتماعية، وإنما الفرق بينهما من جهة كون فرد متعلقا للنفى أو متعلقا للمنفى، فإن كان الأول فهو عموم السلب، وإن كان الثانى فهو سلب العموم، فإذا قلت: كل إنسان لم يقم فمعناه القيام انتفى عن كل فرد من أفراد الإنسان، فالقيام ملحوظ على وجه الإجمال والنفى تعلق بالأفراد بعد تعلقه بالقيام وارتباطه به، وإذا قلت: لم يقم كل إنسان انتفى، فالقيام ليس ملحوظا على وجه الإجمال، بل ملحوظ تعلقه بكل فرد، ثم إن انتفاء قيام الكل يتحقق بعدم حصوله من بعض دون بعض، وبعدم حصوله من كل واحد؛ لأنه رفع للإيجاب الكلى ورفعه يتحقق بكل من السلب الكلى والجزئى وأيّا ما كان يتحقق السلب الجزئى، ولذا تراهم يقولون إن سلب العموم من قبيل السلب الجزئى؛ لأنه هو المحقق إذا علمت ما ذكرناه ظهر لك أن قول المصنف: فإنه يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد، عن فيه بمعنى على أى: يفيد أن الحكم على جميع الأفراد انتفى، والمراد بالجملة الأفراد المجملة التى لم تعين بكونها كلا، أو بعضا لا الهيئة الاجتماعية- فتأمل.
(قوله: يفيد عموم السلب) أى: نفى الحكم عن كل فرد
(قوله: وشمول النفى) تفسير لما قبله؛ لأن العموم معناه الشمول والسلب معناه النفى
(قوله: لا يفيد إلا سلب العموم) إنما أتى بأداة الحصر فى الثانى دون الأول؛ لأن عموم السلب يستلزم سلب العموم؛ لأن عموم السلب من قبيل السلب الكلى وسلب العموم من قبيل السلب الجزئى، والسلب الكلى مستلزم للسلب الجزئى؛ لأن انتفاء الحكم عن كل فرد يستلزم انتفاءه عن بعض الأفراد، فلذا لم يأت فيه بأداة الحصر لئلا يقتضى أن التقديم إنما يفيد
стр. 672
(وذلك) أى: كون التقديم مفيدا للعموم دون التأخير (لئلا يلزم ترجيح التأكيد) وهو أن يكون لفظ كل لتقرير المعنى الحاصل قبله (على التأسيس) وهو أن يكون لإفادة معنى جديد مع أن التأسيس راجح ...
===
عموم السلب دون سلب العموم، مع أنه لازم له بخلاف سلب العموم، فإنه لا يستلزم عموم السلب لاحتمال الثبوت لبعض الأفراد؛ فلذا أتى فيه بأداة الحصر، وما قلناه من أن سلب العموم لا يستلزم عموم السلب لا ينافى ما مر، من أن سلب العموم يتحقق عند عدم حصول المحكوم به من بعض، وعند عدم حصوله من كل فرد كما هو ظاهر- فتأمل.
(قوله: وذلك) أى: وإنما كان ذلك أى تقديم المسند إليه المسور بكل على المسند المقرون بحرف النفى مفيدا لعموم السلب وتأخيره عنه مفيد السلب العموم، ولم يعكس الأمر لأجل أن ينتفى لزوم ترجيح التأكيد على التأسيس الحاصل عند انعكاس المفاد، وحاصل ما ذكره المصنف من الدليل أن تقول: لو لم يكن التقديم مفيدا لعموم النفى والتأخير مفيدا لنفى العموم، بل كان الأمر بالعكس للزم ترجيح التأكيد على التأسيس، لكن اللازم باطل؛ لأن التأسيس خير من التأكيد؛ لأن حمل الكلام على الإفادة خير من حمله على الإعادة فالملزوم مثله فقول الشارح مع أن التأسيس إلخ إشارة للاستثنائية وقوله وبيان لزوم إلخ: بيان للملازمة والشرطية، وحاصله أن تقديم المسند إليه المنكر بدون كل نحو: إنسان لم يقم لسلب العموم ونفى الشمول، وتأخير نحو: لم يقم إنسان لعموم السلب وشمول النفى فبعد دخول كل يجب أن يعكس هذا لتكون كل للتأسيس الراجح لا للتأكيد المرجوح، فإن قلت: إفادة التقديم لعموم النفى وإفادة التأخير لسلب العموم أمر لغوى، والأمور اللغوية إنما تثبت بالسماع لا بالاستدلال، فقول ذلك القائل لئلا يلزم إلخ: دليل باطل لا يفيد شيئا أجيب بأن ذلك القائل متمسك فى أصل دعواه أن المسند إليه المسور بكل تقديمه يفيد عموم السلب، وتأخيره يفيد سلب العموم باستعمال البلغاء لذلك، والاستعمال دليل اللغة، وأما قوله لئلا يلزم ترجيح التأكيد إلخ فهو بيان للسبب الباعث على هذه الطريق، وللمناسبة بين التقديم والعموم وبين التأخير وسلب العموم
(قوله: لإفادة معنى جديد) أى: لم يكن حاصلا قبله
стр. 673
لأن الإفادة خير من الإعادة وبيان لزوم ترجيح التأكيد على التأسيس.
أما فى صورة التقديم فلأن قولنا: إنسان لم يقم- موجبة مهملة؛ أما الإيجاب فلأنه حكم فيها بثبوت عدم القيام لإنسان لا بنفى القيام عنه لأنه حرف السلب وقع جزءا من المحمول، وأما الإهمال فلأنه لم يذكر فيها ما يدل على كمية أفراد الموضوع ...
===
(قوله: لأن الإفادة خير من الإعادة) فيه نظر؛ لأن الإعادة قد تكون متعينة فيما إذا اقتضى الحال التأكيد كما إذا كان المخاطب منكرا، وليس معه ما يزيل إنكاره، فإنه يجب التأكيد والإعادة له، وأجيب بأن كون الإفادة خيرا من الإعادة بالنظر للغالب أو بالنظر لنفس الأمر وقطع النظر عن المقامات والعوارض، إذ الأصل عدم الاعتداد بالعارض، فإن قلت ما ذكره من أن الإفادة خير من الإعادة معارض بأن استعمال كل فى التأكد أكثر، فالحمل عليه راجح، قلت: كثرة استعمالها فى التوكيد ممنوع؛ لأن استعمالها فيه مشروط بإضافتها للضمير وعدم تجردها عن العوامل اللفظية. ا. هـ عبد الحكيم.
(قوله: وبيان لزوم ترجيح إلخ) أى: وانعكس المفاد بالتقديم والتأخير بأن كان مفاد التقديم نفى العموم والشمول، ومفاد التأخير شمول النفى، وبيان مبتدأ خبره محذوف أى: نذكره لك أو ظاهر
(قوله: أما فى صورة التقديم إلخ) أى: أما لزوم الترجيح المذكور فى صورة التقديم لو انعكس المفاد بالتقديم والتأخير
(قوله: فلأن قولنا إنسان لم يقم) أى: فى المثال الأول قبل دخول كل.
(قوله: موجبة مهملة) كلامه يقتضى أنه يتعين فيها ذلك، ولا يصح أن تكون سالبة وليس كذلك، بل يصح فيها ذلك إن قدرت الرابطة بعد حرف السلب على حد قولهم فى الإنسان: ليس بكاتب إنها موجبة معدولة إن قدرت الرابطة قبل حرف السلب، وجعلت حرف السلب جزءا من المحمول وسالبة إن قدرت الرابطة. بعد حرف السلب فتكون مفيدة لسلب الربط، وأجيب بأن الرابطة لا يصح تقديرها هنا بعد حرف السلب؛ لأن لم شديدة الاتصال بالفعل فلا يجوز الفصل بينهما فتعين أن تكون موجبة معدولة
(قوله: لأن حرف السلب وقع جزءا من المحمول) أى: فهى موجبة معدولة
стр. 674
مع أن الحكم فيها ما صدق عليه الإنسان وإذا كان إنسان لم يقم موجبة مهملة يجب أن يكون معناه نفى القيام عن جملة الأفراد لا عن كل فرد ...
===
المحمول وهذا الذى ذكره الشارح وجه لفظى للفرق بين المعدولة والسالبة، لكنه جار فى لم يقم إنسان أيضا مع أنه سالبة على ما سيأتى، والتحقيق أن الحكم إن كان بسلب الربط فهى سالبة، وإن كان بربط السلب فهى معدولة فالمحكوم به فى إنسان لم يقم ثبوت عدم القيام إلى الفاعل فهى معدولة، وفى لم يقم إنسان سلب ثبوت القيام عن الإنسان فهى سالبة- انظر عبد الحكيم.
(قوله: مع أن الحكم إلخ) هذا تتمة الدليل على أنها مهملة ولو لم يذكره لوردت الطبيعية: كالإنسان نوع فإنه لم يذكر فيها ما يدل على كمية الأفراد، لكن ليس الحكم فيها على ما صدق عليه الإنسان من الأفراد، بل الحكم فيها على الطبيعة ومحصل الفرق بينهما أن المهملة يذكر فيها ما يدل على كمية الأفراد مع كون الحكم فيها على الماصدق أى: الأفراد، وأما الطبيعية فهى وإن كان لم يذكر فيها ما يدل على كمية الأفراد، لكن ليس الحكم فيها على الماصدق، بل على الطبيعة
(قوله: وإذا كان إنسان لم يقم إلخ) مرتبط بقوله فلأن قولنا إنسان لم يقم موجبة مهملة
(قوله: يجب أن يكون معناه نفى القيام عن جملة الأفراد) أى: عن الأفراد مجملة، وانتفاء قيام الجملة يصدق بعدم حصوله من بعض وبعدم حصوله من كل واحد، وأيّا ما كان يصدق انتفاء القيام عن البعض فهو المحقق فقول الشارح لا عن كل فرد أى فقط فلا ينافى قوله الآتى أعم من أن يكون جميع الأفراد أو بعضها، ثم إن الأولى أن يقول يجب أن يكون معناها ثبوت نفى القيام عن جملة الأفراد ليوافق ما تقدم له سابقا حيث قال حكم: فيها بثبوت عدم القيام، وإلا فنفى القيام عن جملة الأفراد ليس معنى الموجبة المهملة المعدولة المحمول، نعم هو لازم لمعناها الذى هو ثبوت عدم القيام لجملة الأفراد؛ لأنه يلزم من ثبوت عدم القيام انتفاؤه، وأجيب بأن فى الكلام حذف مضاف أى يجب أن يكون محصل معناها، أو المراد يجب أن يكون معناها أى: اللازمى لا المطابقى واختار التعبير بذلك لظهور لزوم ترجيح التأكيد على التأسيس على هذا البيان- أفاده عبد الحكيم.
стр. 675
(لأن الموجبة المهملة المعدولة المحمول فى قوة السالبة الجزئية) عند وجود الموضوع، نحو: لم يقم بعض الإنسان؛ بمعنى: أنهما متلازمان فى الصدق لأنه قد حكم فى المهملة بنفى القيام عما صدق عليه الإنسان أعم من أن يكون جميع الأفراد أو بعضها، وأيا ما كان يصدق نفى القيام عن البعض وكلما صدق نفى القيام عن البعض صدق نفيه ...
===
(قوله: لأن الموجبة إلخ) علة للزوم ترجيح التأكيد على التأسيس لانعكاس المفاد بالتقديم، لكن بالوسائط التى ذكرها الشارح
(قوله: لأن الموجبة المهملة) أى:
وهى التى تشتمل على ما يفيد كون المحكوم عليه بعض الأفراد أو كلها وقوله المعدولة المحمول أى: التى جعل حرف النفى جزءا من محمولها كقولنا: إنسان لم يقم.
(قوله: فى قوة السالبة الجزئية) أى: وهى التى ذكر فيها ما يدل على أن السلب عن البعض نحو: لم يقم بعض الإنسان
(قوله: عند وجود: الموضوع) دفع بهذا ما يقال:
إن السالبة الجزئية أعم من الموجبة المعدولة والمهملة؛ لأنها تصدق عند وجود موضوعها فى الخارج وعند عدمه بخلاف الموجبة المهملة، فإنها لا تصدق إلا عند وجوده، وحينئذ فكيف تكون فى قوتها، وحاصل الدفع أن المراد أنها فى قوة السالبة عند وجود موضوع السالبة كما فى هذه التى مثل بها المصنف وهذا لا ينافى أنها عند عدمه لا تكون فى قوتها، بل أعم
(قوله: بمعنى أنهما متلازمان) أى: أن معنى كون الموجبة المهملة المعدولة المحمول فى قوة السالبة الجزئية أنهما متلازمان فى الصدق أى: التحقق فكلما تحقق معنى إحداهما تحقق معنى الأخرى، ثم إن ما ذكره الشارح من تلازمهما فى الصدق بيان للواقع وإلا فيكفى فى ثبوت المدعى استلزام الموجبة المعدولة للسالبة الجزئية فقط
(قوله: نحو لم يقم بعض الإنسان) مثال للسالبة الجزئية فمعناها سلب القيام عن بعض أفراد الإنسان، وهذا المعنى يصدق عند انتفاء القيام عن بعض الأفراد دون بعض، وعند انتفائه عن كل فرد
(قوله: لأنه قد حكم فى المهملة بنفى القيام) الأولى أن يقول بثبوت عدم القيام لما تقدم من أن الحكم فيها بثبوت نفى القيام لا بنفى القيام، ويمكن أن يجاب بأن المراد بالنفى الانتفاء أى: حكم فيها بانتفاء القيام على أن النفى مصدر المبنى للمفعول،
стр. 676
عما صدق عليه الإنسان فى الجملة فهى فى قوة السالبة الجزئية (المستلزمة نفى الحكم عن الجملة) ...
===
وانتفاء القيام عبارة عن ثبوت عدمه، أو أن الباء فى قوله بنفى ليست داخلة على المحكوم به، بل المعنى حكم فيها بطريق نفى القيام فالحكم من حيث هو عام للنفى والإثبات أى أنه تحقق فى ضمن هذا النفى الحكم الذى هو ثبوت عدم القيام- أفاد ذلك العلامة الفنارى.
(قوله: عما صدق عليه الإنسان) أى: عن الأفراد التى يصدق أى: يحمل عليها الإنسان حمل مواطأة
(قوله: أعم من أن يكون) أى: ذلك الماصدق
(قوله: وأيّا ما كان إلخ) ما زائدة وكان تامة والتنوين عوض عن المضاف إليه أى: وأى حال ثبت وهو كون الماصدق المنفى عنه القيام جميع الأفراد أو بعضها يصدق إلخ، إلا أنه على التقدير الأول يكون بالتضمن، وعلى الثانى يكون بالمطابقة وقوله يصدق نفى القيام عن البعض أى: وهو مدلول السالبة الجزئية، فظهر من هذا ملازمة السالبة الجزئية للمهملة
(قوله: وكلما صدق إلخ) بيان لملازمة المهملة للسالبة الجزئية، فقوله: نفى القيام عند البعض أى: الذى هو مدلول السالبة الجزئية أى: كلما تحقق ذلك المدلول، وقوله صدق نفيه عما صدق عليه الإنسان أى: الذى هو مدلول الموجبة المهملة المعدولة المحمول، وكأنه قال صدقت أى: تحققت الموجبة المهملة المعدولة المحمول، وقوله فى الجملة أى: مجملا من غير تعرض لكلية أو بعضية
(قوله: فهى فى قوة إلخ) تفريع على الدليل بشقيه أى:
فظهر من هذا البيان أن الموجبة المهملة المعدولة المحمول فى قوة السالبة الجزئية بمعنى أنهما متلازمان فى التحقق
(قوله: المستلزمة) صفة للسالبة الجزئية وقوله عن الجملة عن بمعنى على متعلقة بالحكم، والمراد بالجملة الأفراد مجملة بقطع النظر عن كليتها وبعضيتها أى:
المستلزمة لكون المحكوم به على جملة الأفراد منتفيا، أو أن عن على حالها صلة للنفى أى: المستلزمة لكون المحكوم به منتفيا عن جميع الأفراد فاستلزامها لذلك على طريق رفع الإيجاب الكلى كما يشير له تقرير الشارح، وليس المراد أنها تستلزم نفى الحكم عن الهيئة الاجتماعية؛ لأنها قد تتحقق من غير النفى عن الهيئة الاجتماعية، ألا ترى إلى قولك
стр. 677
لأن صدق السالبة الجزئية الموجودة الموضوع إما بنفى الحكم عن كل فرد أو نفيه عن البعض مع ثبوته للبعض. وأيّا ما كان يلزمها نفى الحكم عن جملة الأفراد (دون كل فرد) لجواز أن يكون منفيا عن البعض ثابتا للبعض، وإذا كان إنسان لم يقم بدون كل معناه نفى القيام عن جملة الأفراد لا عن كل فرد، فلو كان بعد دخول كل أيضا معناه كذلك- كان كل لتأكيد المعنى الأول فيجب أن يحمل على نفى الحكم عن كل فرد ليكون كل لتأسيس معنى آخر ترجيحا للتأسيس على التأكيد.
وأما فى صورة التأخير فلأن قولنا: لم يقم إنسان سالبة مهملة لا سور فيها (والسالبة المهملة فى قوة السالبة الكلية ...
===
بعض الرجال لا يحمل الصخرة العظيمة فإنها سالبة جزئية صادقة، ولا تستلزم نفى الحمل عن الهيئة الاجتماعية- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: لأن صدق إلخ) دليل لقول المصنف المستلزمة نفى الحكم إلخ.
(قوله: عن جملة الأفراد) أى: عن الأفراد المجملة بقطع النظر عن كليتها وبعضيتها
(قوله: دون كل فرد) أى: دون النفى عن كل فرد
(قوله: وإذا كان إنسان لم يقم إلخ) مرتبط بقوله سابقا، وإذا كان إنسان لم يقم موجبة مهملة يجب أن يكون معناه نفى القيام عن جملة الأفراد لا عن كل فرد
(قوله: معناه نفى القيام) الأولى أن يقول ثبوت عدم القيام عن الأفراد مجملة إلا أن يقال فى الكلام حذف مضاف أى: محصل معناه أو المراد معناه اللازمى لا المطابقى، إذا هو ثبوت عدم القيام ويلزمه نفى القيام
(قوله: فيجب أن يحمل إلخ) قد: يقال إن الضمير الراجع إلى النكرة نكرة كما صرح به الرضى، وحينئذ فالضمير الذى فى إنسان لم يقم فى المعنى نكرة واقعة فى سياق النفى فتكون مفيدة لعموم السلب، فلو كان الكلام بعد دخول كل له لزم ترجيح التأكيد على التأسيس، وأجيب بأن عموم الضمير يستلزم مخالفة الراجع للمرجع، وحينئذ فلا يكون ذلك الضمير عاما نحو هذا رجل لم يعلم شيئا، فالضمير فى يعلم عائد على الرجل السابق، وليس الضمير فى يعلم بمعنى كل رجل- أفاده العلامة عبد الحكيم.
(قوله: وأما فى صورة التأخير) أى: وأما بيان لزوم ترجيح التأكيد لو عكس المفاد بالتأخير والتقديم فى صورة التأخير
(قوله: لا سور فيها) تفسير لقوله مهملة
стр. 678
المقتضية للنفى عن كل فرد) نحو: لا شىء من الإنسان بقائم ولما كان هذا مخالفا لما عندهم من أن المهملة فى قوة الجزئية- بينه بقوله: (لورود موضوعها) أى:
موضوع المهملة (فى سياق النفى) حال كونه نكرة غير مصدرة بلفظ كل فإنه يفيد نفى الحكم عن كل فرد وإذا كان لم يقم إنسان بدون كل معناه نفى القيام عن كل فرد، فلو كان بعد دخول كل أيضا كذلك كان كل لتأكيد المعنى الأول فيجب أن يحمل على نفى القيام عن جملة الأفراد لتكون كل لتأسيس معنى آخر
===
(قوله: المقتضية للنفى عن كل فرد) إنما عبر هنا بالمقتضية وفيما مر بالمستلزمة؛ لأن السالبة الجزئية تحتمل نفى الحكم عن كل فرد، وتحتمل نفيه عن بعض وثبوته لبعض، وعلى كل تقديره، وتستلزم نفى الحكم عن جملة الأفراد، فأشار بلفظ الاستلزم إلى هذا بخلاف السالبة الكلية، فإنها تقتضى بصريحها نفى الحكم عن كل فرد، فلذا عبر فى جانبها بالمقتضية المشعر بالصراحة بخلاف الاستلزام
(قوله: ولما كان هذا) أى: الحكم بأن السالبة المهملة فى قوة السالبة الكلية، وقوله مخالفا لما عندهم أى: لما تقرر عندهم، وقوله من أن إلخ: بيان لما عندهم وهذا إشارة إلى وجه تعميم هذا الحكم بقوله لورود موضوعها فى سياق النفى وعدم تعليل كون الموجبة المهملة المعدولة المحمول فى قوة السالبة الجزئية
(قوله: بينه) أى: ذلك الحكم بقوله إلخ أى فيكون هذا مخصصا لقولهم المهملة السالبة فى قوة الجزئية، فما عندهم من أن المهملة السالبة فى قوة الجزئية إنما هو فى غير ما موضعها فى سياق النفى وهو نكرة غير مصدرة بكل، وهذا صادق بصور ثلاث ما إذا كان موضوعها معرفة نحو: الإنسان لم يقم أو نكرة ولم يتقدمه نفى نحو: إنسان لم يقم أو تقدمه نفى، ولكن كانت النكرة مصدرة بكل نحو: لم يقم كل إنسان، فالمهملة السالبة فى هذه الصور فى قوة الجزئية، وأما لو كان موضوعها نكرة غير مصدرة بكل واقعا فى سياق النفى، فإنها تكون فى قوة السالبة الكلية نحو: لم يقم إنسان
(قوله: لورود موضوعها فى سياق النفى حال كونه نكرة غير مصدرة بلفظ كل) أى: وكل نكرة كذلك فهى مفيدة لعموم النفى، وأشار الشارح بقوله حال كونه نكرة إلخ إلى أن حكم المصنف بأن ورود أو الموضوع فى حيز النفى يفيد عموم السلب مقيد بقيدين أن يكون الموضوع نكرة، وأن لا يصدر بلفظ كل، وإلا كان مفيدا لسلب العموم
(قوله: فإنه يفيد)
стр. 679
وذلك لأن لفظ كل فى هذا المقام لا يفيد إلا أحد هذين المعنيين، فعند انتفاء أحدهما يثبت الآخر ضرورة. والحاصل أن التقديم بدون كل لسلب العموم ونفى الشمول والتأخير لعموم السلب وشمول النفى فبعد دخول كل يجب أن يعكس هذا ليكون كل للتأسيس الراجح دون التأكيد المرجوح (وفيه نظر؛ لأن النفى عن الجملة فى الصورة الأولى) يعنى: الموجبة المهملة المعدولة المحمول، نحو: إنسان لم يقم (وعن كل فرد فى) الصورة (الثانية) يعنى: السالبة المهملة، نحو: لم يقم إنسان (إنما أفاده الإسناد ...
===
أى: النكرة فى سياق النفى أو الموضوع النكرة فى سياق النفى
(قوله: وذلك) أى: وجوب الحمل على نفى القيام عن جملة الأفراد ليكون كل للتأسيس ثابت؛ لأن لفظ كل إلخ، ودفع الشارح بهذا ما يقال إنه لا يلزم من نفى أحد هذين المعنيين ثبوت المعنى الآخر، لجواز أن يثبت معنى آخر غيرهما عند دخول كل، وحاصل الدفع أنه لم يوجد فى هذا المقام معنى آخر غير هذين، فحيث انتفى أحدهما بدخول كل ثبت الآخر معها
(قوله: فى هذا المقام) أى: مقام دخولها على المسند إليه المنكر مقدما أو مؤخرا، والحال أن المسند مقرون بحرف النفى، وقوله هذين المعنيين أى: نفى القيام عن كل فرد ونفيه عن جملة الأفراد.
(قوله: إن التقديم) أى: للمسند إليه المنكر نحو: إنسان لم يقم، (وقوله: لسلب العموم) أى: للسلب الجزئى
(قوله: التأخير) أى: للمسند إليه المنكر نحو: لم يقم إنسان، (وقوله: لعموم السلب) أى: للسلب الكلى
(قوله: وفيه نظر) أى: فيما قاله ذلك القائل نظر من حيث الدليل أعنى: قوله لئلا يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس، فالمنصف لم يمنع شيئا من الحكم الذى ادعاه ذلك القائل، وإنما نازع فى صحة دليله، ولذا رجع بعضهم ضمير فيه لقوله: لئلا يلزم إلخ، وحاصل ما ذكره المصنف ثلاثة منوعات:
الأول: مشترك بين الصورة الأولى والثانية، وهذا المنع قد أبطله الشارح، وأما المنعان الآخران فخاصان بالصورة الثانية.
(قوله: يعنى إلخ) عبر بالعناية فى الموضوعين لكون المصنف لم يعبر فيما سبق بعنوان الصورة الأولى والصورة الثانية، فخفى المراد منهما، أو أنه أتى بالعناية هنا؛ لأن
стр. 680
إلى ما أضيف إليه كل) وهو لفظ إنسان (وقد زال ذلك) الإسناد المفيد لهذا المعنى (بالإسناد إليها) أى: إلى كل لأن إنسان صار مضافا إليه فلم يبق مسندا إليه (فيكون) أى: على تقدير أن يكون الإسناد إلى كل أيضا مفيدا للمعنى الحاصل من الإسناد إلى إنسان يكون كل (تأسيسا لا تأكيدا) لأن التأكيد لفظ يفيد تقوية ما يفيده لفظ آخر، وهذا ليس كذلك؛ لأن هذا المعنى حينئذ إنما أفاده الإسناد إلى لفظ كل لا شىء آخر حتى يكون كل تأكيدا له، وحاصل هذا الكلام أنا لا نسلم أنه لو حمل الكلام بعد كل على المعنى الذى حمل عليه قبل كل كان كل للتأكيد، ...
===
الصورة الأولى فى كلام المصنف محتملة لها مع كل وبدونها، والمراد الثانى، فلذا قال يعنى، وكذا يقال فيما بعده.
(قوله: إلى ما أضيف إليه كل) أى: فى التركيب الآخر الذى لم يؤت فيه بكل
(قوله: وقد زال ذلك بالإسناد إليها) الضمير عائد على كل وأنثه لكون المراد اللفظة أو لتأويلها بالكلمة، أو الأداة أى: وشرط التوكيد أن يكون الإسناد واحدا وما هنا إسنادان؛ لأن قولنا: إنسان لم يقم غير كل إنسان لم يقم، واعترض بأن هذا الرد لا يناسب قواعد المنطقيين؛ لأن الموضوع عندهم ما أضيف إليه كل، ولفظ كل سور فقط، وحينئذ فليس هنا إسنادان، وعليه فتكون كل تأكيدا إن حمل الكلام على المعنى الأول قبل دخولها أو تأسيسا إن حمل على خلافه؛ لأن الإسناد واحد، وقد يجاب بأن المصنف بنى كلامه فى النظر على اصطلاح النحويين، لكن أنت خبير بأن المستدل بنى كلامه على اصطلاح المناطقة ألا ترى لما تقدم فى صدر المبحث من قوله قد يقدم المسند إليه المقرون بكل- قرره شيخنا العلامة العدوى.
(قوله: لأن التأكيد) أى: الاصطلاحى فحذف الصفة للعلم بها.
(قوله: لفظ يفيد تقوية ما يفيده لفظ آخر) أى: فى تركيب واحد وإسناد واحد: كجاء القوم كلهم، فلفظ كلهم يفيد تقوية ما يفيده القوم، وما هنا ليس كذلك
(قوله: وهذا) أى: لفظ كل ليس كذلك
(قوله: لأن هذا المعنى) أى: وهو النفى عن كل فرد فى الصورة الثانية، والنفى عن الجملة فى الصورة الأولى، وقوله حينئذ أى: حين حول الإسناد إلى لفظ كل
(قوله: وحاصل هذا الكلام) أى: النظر أنا لا نسلم أنه لو
стр. 681
ولا يخفى أن هذا إنما يصح على تقدير أن يراد التأكيد الاصطلاحى، أما لو أريد بذلك أن يكون كل لإفادة معنى كان حاصلا بدونه فاندفاع المنع ظاهر، وحينئذ يتوجه ما أشار إليه بقوله: (ولأن) الصورة (الثانية) يعنى: السالبة المهملة، نحو:
لم يقم إنسان (إذا أفادت النفى عن كل فرد فقد أفادت النفى عن الجملة، فإذا حملت) كل (على الثانى) أى: على إفادة النفى عن جملة الأفراد حتى يكون معنى: لم يقم كل إنسان- نفى القيام عن الجملة لا عن كل فرد (لا يكون) كل (تأسيسا) بل تأكيدا لأن هذا المعنى كان حاصلا بدونه، وحينئذ فلو جعلنا لم يقم كل إنسان لعموم السلب مثل: لم يقم إنسان- لم يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس إذ لا تأسيس أصلا، بل إنما يلزم ترجيح أحد التأكيدين على الآخر.
===
حمل إلخ: أى: لأنه ليس هناك لفظان فى تركيب واحد أكد أحدهما الآخر، بل الموجود إسنادان: إسناد إلى كل، وإسناد إلى إنسان فلا تأكيد حتى يلزم ترجيحه على التأسيس
(قوله: ولا يخفى أن هذا) أى: المنع المشار له يقول المصنف- وفيه نظر.
(قوله: أما لو أريد بذلك) أى: بالتوكيد
(قوله: كان حاصلا بدونه) أى: سواء كان الاسناد واحدا أو متعددا
(قوله: فاندفاع المنع) أى: الذى هو حاصل تنظير المصنف.
(قوله: وحينئذ) أى: وحين إذ كان المنع المذكور مندفعا
(قوله: يتوجه) أى:
عليه ما أشار إليه بقوله أى: فقط دون البحث السابق فمحط الفائدة ذلك المحذوف وهو قولنا فقط
(قوله: فقد أفادت) أى: لزم إفادتها النفى عن الجملة الصادق بالنفى عن كل فرد، والنفى عن بعض الأفراد، ووجه اللزوم أن الخاص يستلزم العام
(قوله: فإذا حملت كل) أى: بعد دخولها
(قوله: حتى يكون) أى: بحيث يكون فحتى للتفريع
(قوله: بل تأكيدا) أى: للمعنى المفاد بطريق اللزوم
(قوله: لأن هذا المعنى) أى: نفى القيام عن الجملة
(قوله: كان حاصلا بدونه) أى: بدون كل
(قوله: وحينئذ) أى: وحين إذ كان هذا المعنى وهو النفى عن الجملة حاصلا بدون كل
(قوله: لم يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس) أى: كما ادعاه صاحب القيل السابق
(قوله: إذ لا تأسيس أصلا) لأن لفظة كل للتأكيد على كل حال
(قوله: بل إنما يلزم ترجيح أحد التأكيدين) أى وهما تأكيد
стр. 682
وما يقال: إن دلالة لم يقم إنسان على النفى عن الجملة بطريق الالتزام، ودلالة لم يقم كل إنسان عليه بطريق المطابقة فلا يكون تأكيدا- ففيه نظر؛ إذ لو اشترط فى التأكيد اتحاد الدلالتين ...
===
النفى عن كل فرد، وتأكيد النفى عن الجملة، وحاصله أنه إذا كان كل من النفى عن كل فرد والنفى عن الجملة مفادا قبل دخول كل، فبعد دخول كل تكون للتأكيد سواء كانت للنفى عن كل فرد، أو عن جملة الأفراد، فإن جعلناها للنفى عن كل فرد- وهو عموم السلب- لزم ترجيح أحد التأكيدين وهو تأكيد النفى عن كل فرد على التأكيد الآخر وهو النفى عن جملة الأفراد، وإن جعلناها للنفى عن جملة الأفراد- وهو سلب العموم- لزم ترجيح أحد التأكيدين وهو النفى عن جملة الأفراد على التأكيد الآخر وهو النفى عن كل فرد، وحينئذ فلا يصح قول المستدل إنه يجب أن يحمل على النفى عن الجملة؛ لأنه لو حمل على النفى عن كل فرد للزم عليه ترجيح التأكيد على التأسيس، إذ لا تأسيس أصلا
(قوله: وما يقال) أى: من طرف ابن مالك جوابا عن اعتراض المصنف عليه، وحاصل اعتراض المصنف، أنا لا نسلم أنه لو حمل كل على الثانى وهو النفى عن الجملة يكون تأسيسا بل هو تأكيد، وحاصل ذلك الجواب إن لم يقم إنسان مدلوله المطابقى نفى الحكم عن كل فرد، وأما النفى عن الجملة فهو لازم له؛ لأن السلب الكلى يستلزم رفع الإيجاب الكلى فلو قلنا مدلوله بعد كل النفى عن الجملة كان مدلولا مطابقيا، فالنفى عن الجملة بعد كل مدلول مطابقى والتزامى قبلها، وحينئذ فلا يكون حمل لم يقم كل إنسان على نفى الجملة تأكيد العدم اتحاد الدلالتين
(قوله: إذ لو اشترط إلخ) حاصل ذلك الرد أن اشتراط اتحاد الدلالتين فى التأكيد وإن نفع هنا، لكن يعكر عليه ما سبق فلم يكن حاسما لمادة الشبهة بالكلية، وتوضيحه أن ذلك القائل يقول: إن إنسان لم يقم لنفى الحكم عن الجملة، فإذا دخلت كل، يجب أن تكون لنفى الحكم عن كل فرد، ولا تجعل لنفى الحكم عن الجملة مثل: إنسان لم يقم إذ لو جعل مثله للزم ترجيح التأكيد على التأسيس، فلو كان هذا القائل يشترط فى التأكيد اتحاد الدلالتين لورد عليه أن إنسان لم يقم معناه المطابقى ثبوت النفى عن إنسان ما، أى عن
стр. 683
لم يكن كل إنسان لم يقم على تقدير كونه لنفى الحكم عن الجملة تأكيدا لأن دلالة إنسان لم يقم على هذا المعنى التزام (ولأن النكرة المنفية إذا عمت كان قولنا: لم يقم إنسان سالبة كلية لا مهملة) كما ذكره هذا القائل؛ لأنه قد بين فيها أن الحكم مسلوب عن كل واحد من الأفراد، والبيان لا بد له من مبين ولا محالة هاهنا شىء يدل على أن الحكم فيها على كلية أفراد الموضوع، ولا نعنى بالسور سوى هذا ...
===
بعض مبهم، ويلزمه النفى عن الجملة، فدلالة إنسان لم يقم على نفى الحكم عن الجملة بطريق الالتزام فعلى فرض لو جعلنا كل إنسان لم يقم لنفى الحكم عن الجملة لم يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس؛ لأن دلالة كل إنسان لم يقم على هذا المعنى وهو النفى عن الجملة بالمطابقة لا بالتزام فيلزمه أن يكون ليس هذا من باب التوكيد مع أن هذا القائل جعله من باب التوكيد، فدل هذا على أن ذلك القائل لا يشترط فى التأكيد اتحاد الدلالتين
(قوله: لم يكن إلخ) أى: وقد جعل فيما سبق تأكيدا فهذا الجواب، وإن نفعه هنا لا ينفعه فيما تقدم
(قوله: لنفى الحكم) أى: لثبوت نفى الحكم عن الجملة.
(قوله: على هذا المعنى) أى: النفى عن الجملة وقوله التزام أى: لأن مدلوله المطابقى ثبوت النفى عن إنسان ما ويلزمه النفى عن الجملة.
(قوله: ولأن النكرة إلخ) هذه مناقشة لفظية مع صاحب القيل فى التسمية فقط، واعترض عليه بمخالفة اصطلاح القوم والمناقشة واردة على قوله؛ لأن السالبة المهملة فى قوة الكلية لورود موضوعها إلخ، وحاصله أن النكرة المنفية إذا عمت كانت القضية المحتوية عليها سالبة كلية لا مهملة، فتسمية ذلك القائل لها مهملة لا يصح فمحط المنع تسمية الصورة الثانية سالبة مهملة فقوله كما ذكره هذا القائل راجع للنفى
(قوله: لأنه قد بين فيها) أى: فى القضية التى وقع موضوعها نكرة منفية عامة، وقوله: من الأفراد أى: من أفراد الموضوع أى: وكل قضية كذلك فهى سالبة كلية لا مهملة.
(قوله: والبيان) أى: بيان أن الحكم مسلوب عن كل فرد، وقوله لا بد له من مبين بصيغة اسم الفاعل، وقوله ولا محالة أى: وقطعا هاهنا شىء يدل إلخ أى: وهو وقوع النكرة فى حيز
стр. 684
وحينئذ يندفع ما قيل: سماها مهملة باعتبار عدم السور، وقال (عبد القاهر (١): إن كانت) كلمة (كل داخلة فى حيز النفى ...
===
النفى، وقوله سوى هذا أى سوى الشىء الدال على كمية الأفراد لا خصوص لا شىء ولا واحد مثلا فى السلب الكلى، بل المراد بالسور ما يشمل قرينة الحال ووقوع النكرة فى حيز النفى، وقول بعض المناطقة: إن السور هو اللفظ الدال على كمية الأفراد، فهو إما تعريف للسور اللفظى أو مراده اللفظ المذكور وما يقوم مقامه
(قوله: وحينئذ) أى:
وحين إذ أردنا بالسور ما يدل على كمية الأفراد، وإن لم يكن لفظا يندفع ما قيل اعتذارا عن صاحب القيل فى تسميتها مهملة، وحاصله أن قول المعترض وهو المصنف هذه القضية أعنى لم يقم إنسان قد بين فيها أن الحكم مسلوب عن كل واحد من أفراد الموضوع وكل ما هو كذلك فهى سالبة كلية لا مهملة كبراه ممنوعة، إذ لا نسلم أن ما بين فيها أن الحكم مسلوب عن كل فرد من أفراد الموضوع سالبة كلية، بل لا تكون كذلك إلا إذا كان فيها لفظ يدل على ذلك ولم يوجد هنا لفظ دال على ذلك فتسميتها مهملة لعدم السور، وحاصل دفع ذلك الاعتراض أنا لا نسلم أن القضية التى بين فيها أن الحكم مسلوب عن كل واحد من أفراد الموضوع لا تكون سالبة كلية إلا إذا وجد لفظ يدل على ذلك؛ لأن الموجود فى كتب القوم أن المهملة هى التى يكون موضوعها كليا، وقد أهمل فيها بيان كمية أفراد الموضوع أى: لم يبين فيها أن الإيجاب أو السلب لكل أفراد الموضوع أو بعضها والكلية هى التى بين فيها أن الحكم على كل أفراد الموضوع سواء كان البيان بلفظ دال على ذلك أو بغيره كوقوع النكرة فى سياق النفى.
(قوله: وقال عبد القاهر) عطف على قوله قيل، وقد يقدم، إن قلت ما ذكره الشيخ عبد القاهر هو عين ما ذكره صاحب القيل السابق، وحينئذ فما فائدة إعادته؟
قلت: فائدة ذلك الإشارة إلى أن ما ذكره صاحب القيل السابق حق، وأن الباطل دليله، وأنه لا يلزم من بطلان الدليل بطلان المدلول- كذا أجيب، وفى ذلك الجواب نظر؛ لأن
стр. 685
بأن أخرت عن أداته) سواء كانت معمولة لأداة النفى أو لا، وسواء كان الخبر فعلا (نحو:
ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه) ... تجرى الرياح بما لا تشتهى السّفن (١)
أو غير فعل: نحو: قولك: ما كل متمنى المرء ...
===
هذا معلوم من تخصيص الدليل بالاعتراض على أنه يمكن التنبيه على ذلك بعبارة مختصرة بأن يقول وإليه ذهب عبد القاهر، أو وهو صحيح، فالأولى الجواب بأن ما ذكره الشيخ مخالف لما ذكره صاحب القيل؛ لأن تقديم النفى على كل كما فى لم يقم: كل إنسان يفيد النفى عن الجملة عند صاحب القيل وهو صادق بالنفى عن كل فرد وبالنفى عن البعض فقط، ويفيد النفى عن بعض الأفراد والثبوت للبعض الآخر عند الشيخ كما سيأتى فبينهما العموم والخصوص، فلا يرد السؤال من أصله على أن فى كلام الشيخ عبد القاهر تعميمات وتفصيلات، وأمثلة ليست فى كلام صاحب القيل السابق، إذ كلام صاحب القيل السابق فيما إذا كانت كل مسند إليها وكلام الشيخ عبد القاهر أعم من ذلك كما ستقف عليه فلو سلم عدم المخالفة كان فى إعادته هذه الفوائد الآتية
(قوله: بأن أخرت) أى: لفظا أو رتبة وقد مثل المصنف للثانى فيما يأتى بقوله كل الدراهم لم آخذ
(قوله: أو لا) أى: بأن كانت معمولة للإبتداء
(قوله: ما كل إلخ) يحتمل أن تكون ما حجازية وأن تكون تميمية، فعلى الأول تكون كل معمولة لأداة النفى لا على الثاني؛ لأنها عليه معمولة لعاملها وهو الإبتداء وهاتان صورتان أعنى: ما إذا كانت معمولة لأداة النفى أو غيره معمولة وعلى كل حال الخبر فعل
(قوله: تجرى الرياح إلخ) هذا دليل على ما ادعاه فى الشطر الأول؛ وذلك لأن كون أرباب السفن يشتهون جريان الريح لسمتهم (٢) مع السلامة معلوم، وربما جاءت الرياح مخالفة لشهوتهم
стр. 686
حاصلا (أو معمولة للفعل المنفى) الظاهر أنه عطف على داخلة؛ وليس بسديد؛ لأن الدخول فى حيز النفى شامل لذلك وكذا لو عطفتها على أخرت بمعنى: أو جعلت معمولة لأن التأخير عن أداة النفى أيضا ...
===
بالجريان لما فيه عطبهم أو مشقتهم فلم يدركوا ما يشتهون، إلا أن قوله تجرى إلخ: يفيد أن جريانها آت بشىء مخالف لشهوتهم مع أن المراد أن جريانها قد يكون مخالفا لشهواتهم الجريان مع السلامة، وحينئذ فلا معنى لقوله: تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن، قلت: المراد أنها تجرى مع الحالة التى تخالف شهوتهم وهى كونها ذاهبة بهم إلى عكس المراد، فالباء بمعنى:
مع، وما: واقعة على حالة، ثم إن إسناد الشهوة للسفن مجاز عقلى أى: أهل السفن. واعلم أن قوله تجرى إلخ قضية مهملة فى قوة الجزئية، فاندفع ما يقال: إن هذا من باب عموم السلب وهو مخالف لما يفيده قوله ما كل إلخ، فلا يصح أن يكون دليلا له- فتأمل.
(قوله: حاصلا) بالنصب على أن ما حجازية، ويصح الرفع على أنها تميمية والخبر على كل حال اسم، فهاتان صورتان أعنى ما إذا كانت كل معمولة لأداة النفى أو غير معمولة والخبر فيهما اسم
(قوله: أو معمولة للفعل) أى: أو الوصف بدليل ما يأتى
(قوله: الظاهر) أى: المتبادر وإنما كان هذا متبادرا؛ لأنه عطف صفة على مثلها
(قوله: وليس بسديد) أى: لما فيه من عطف الخاص على العام بأو وهو ممنوع
(قوله: لأن الدخول فى حيز النفى شامل لذلك) أى: ولا يضر فى شموله لذلك تفسيره بقوله بأن أخرت عن أداته، والحال أن المعمولة للفعل قد تكون متقدمة على الفعل، وعلى النافى لما تقدم أن المراد بالتأخير ما يشمل التأخير الحكمى أى الرتبى.
(قوله: وكذا لو عطفتها إلخ) أى: ليس بسديد أيضا
(قوله: بمعنى أو جعلت معمولة) يحتمل أن المراد أن معمولة بمعنى جعلت معمولة فهو اسم يشبه الفعل معطوف على فعل، ويحتمل أن جعلت المقدر هو المعطوف حذف وبقى معموله، وهو الذى صرح به فى المطول مقتصرا عليه، لكن يرد على هذا الثانى أن فيه فسادا آخر؛ وذلك لأن حذف العامل المعطوف وإبقاء معموله من خواص الواو كما فى قول الشاعر:
علفتها تبنا وماء باردا
стр. 687
شامل له، اللهم إلا أن يخصص التأخير بما إذا لم تدخل الأداة على فعل عامل فى كل ما يشعر به المثال، والمعمول أعم من أن يكون فاعلا أو مفعولا أو تأكيدا لأحدهما أو غير ذلك (نحو: ما جاء القوم كلهم) فى تأكيد الفاعل (أو ما جاء كل القوم) فى الفاعل. وقدم التأكيد على الفاعل لأن كلا أصل فيه (أو لم آخذ كل الدراهم) فى المفعول المتأخر (أو كل الدراهم لم آخذ) فى المفعول المتقدم
===
كما ذكره فى الخلاصة بقوله، وهى انفردت بعطف عامل إلخ
(قوله: شامل له) أى: لأن تأخيرها عن أداة النفى صادق بأن تكون معمولة للفعل أو لا فالأول نحو ما أخذت كل الدراهم، والثانى نحو: ما كل متمنى المرء حاصل
(قوله: اللهم إلخ) أى:
وعلى هذا يصح عطفه على كل من داخله وأخرت
(قوله: بما إذا لم تدخل الأداة على فعل عامل فى كل) أى: والمعنى بأن أخرت عن أداة النفى الغير الداخلة على الفعل العامل فيها، أو جعلت معمولة للفعل المنفى هذا على تقدير عطف معمولة على أخرت والمعنى على تقدير عطفها على داخلة إن كانت كل داخلة فى حيز النفى بأن أخرت عن أداة النفى الغير الداخلة على الفعل العامل فيها، أو كانت معمولة للفعل المنفى، وإذا خص التأخير فقد خص الدخول؛ لأنه تصوير للدخول
(قوله: أو تأكيدا) أى: لأن العامل فى المتبوع عامل فى التابع إلا فى البدل
(قوله: أو غير ذلك) أى: ككونها مجرورة أو ظرفا نحو ما مررت بكل القوم أو ما سرت كل اليوم
(قوله: وقدم التأكيد) أى: قدم المصنف المثال الذى فيه كل توكيدا على المثال الذى فيه كل فاعلا مع أن المناسب تقديم المثال الذى وقعت فيه كل فاعلا؛ لأن الكلام فى تمثيل كون كل معمولة، والفاعل اللفظى عمل الفعل فيه أظهر من عمله فى التأكيد
(قوله: لأن كلا أصل فيه) أى: فى التأكيد لا فى الفاعل، وهذا لا ينافى أن الفاعل أصل فى نفسه وإن غير كل من أدوات التأكيد أصول فيه أيضا، فاندفع ما يقال إن ظاهره يقتضى أن كلا أصل فى التأكيد وإن غيرها كأجمعين فرع عنها، وليس كذلك.
(قوله: أو كل الدراهم لم آخذ) هذا ونحوه لا ينافى قوله السابق بأن أخرت عن أداته بناء على قول الشارح السابق اللهم إلخ؛ لأنه حينئذ يكون مثالا لقول المصنف
стр. 688
وكذا لم آخذ الدراهم كلها، أو الدراهم كلها لم آخذ ففى جميع هذه الصور (توجه النفى إلى الشمول خاصة) لا إلى أصل الفعل (وأفاد) الكلام (ثبوت الفعل أو الوصف لبعض) مما أضيف إليه كل- إن كانت كل فى المعنى فاعلا للفعل أو الوصف المذكور فى الكلام (أو) أفاد (تعلقه) أى: تعلق الفعل أو الوصف (به) أى: ببعض مما أضيف إليه كل إن كانت فى المعنى مفعولا للفعل أو الوصف؛ وذلك بدليل الخطاب، وشهادة الذوق والاستعمال ...
===
أو معموله، وأما على البناء على غير هذا التوجيه، فالمراد التأخير الرتبى لا اللفظى
(قوله: وكذا لم آخذ إلخ) أشار إلى أن المصنف ترك مثالى التأكيد اعتمادا على فهمها مما سبق.
(قوله: توجه إلخ) جواب الشرط فى قوله إن كانت داخلة إلخ، فقول الشارح ففى جميع إلخ: حل معنى لا حل إعراب
(قوله: وأفاد ثبوت الفعل) أى: ثبوت مدلوله، وكذا قوله، أو الوصف نحو: ما كل الدراهم مأخوذة، ففى الكلام توسع بإقامة الدال مقام المدلول، فاندفع ما يقال إن أراد بالفعل الفعل المصطلح عليه فلا ثبوت له إلا على طريق التجوز، وإن أراد به الحدث فلا حاجة لقوله أو الوصف، ثم إن إفادة ثبوت الفعل بطريق مفهوم المخالفة وهو المعبر عنه بدليل الخطاب فى كلام الشارح الآتى، ولو قال المصنف وأفاد ثبوت الحكم بدل قوله الفعل أو الوصف لكان أولى ليشمل ما إذا كان الخبر اسما جامدا نحو: ما كل سوداء تمرة وما كل بيضاء شحمة؛ لأن تمرة وشحمة يصدق على كل أنه محكوم به ولا يصدق عليه أنه فعل أو وصف
(قوله: فى المعنى فاعلا) أى: سواء كانت فاعلا فى اللفظ أيضا أو لا بأن كانت توكيدا فى اللفظ للفاعل.
(قوله: أو أفاد تعلقه إلخ) إطلاق الثبوت على نسبة الفعل، أو الوصف للفاعل، والتعلق على نسبة أحدهما للمفعول اصطلاح شائع- كما فى ابن يعقوب.
(قوله: إن كانت كل فى المعنى مفعولا إلخ) أى: سواء كانت مفعولا فى اللفظ أيضا أو لا بأن كانت توكيدا للمفعول، وقوله أو الوصف نحو: ما أنا آخذ كل الدراهم
(قوله: وذلك) أى: ثبوت الفعل أو الوصف وتعلقهما بالبعض بدليل الخطاب أى: مفهوم
стр. 689
والحق أن هذا الحكم أكثرى لا كلى بدليل قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ، وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (وإلا) أى: وإن لم تكن داخلة فى حيز النفى بأن قدمت على النفى لفظا، ...
===
المخالفة مثلا: ما جاء القوم كلهم منطوقه نفى المجىء عن الكل فيفهم منه ثبوت مجىء البعض بطريق مفهوم المخالفة
(قوله: والحق أن هذا الحكم) أعنى: توجه النفى للشمول وثبوت الفعل أو الوصف للبعض عند وقوع كل فى حيز النفى
(قوله: لا كلى) أى:
لأنه قد يتوجه النفى عند وقوع كل فى حيزه إلى الفعل ويكون القصد نفيه عن كل فرد بدليل إلخ، وقد يقال إن كلام الشيخ عبد القاهر مبنى على أصل الوضع، وإفادة هذه الآيات لشمول النفى ليس من أصل الوضع، وإنما هو بواسطة القرائن والأدلة الخارجية وهى تحريم الاختيال وتحريم الكفر وتحريم إطاعة الخلاف المهين، فالآيات مصروفة عن الظاهر بهذه الأدلة الخارجية؛ لأن محل العمل بمفهوم المخالفة ما لم يعارضه معارض، حتى إنه لو لم يلاحظ الدليل كان مفادها سلب العموم، على أنه قد يقال: إن هذه الآيات لا دلالة فيها على أن وقوع كل فى حيز النفى قد يفيد نفى الفعل عن كل فرد لجواز أن يعتبر فيها دخول كل بعد النفى لا قبله فيكون قيدا فى النفى لا فى المنفى فيكون من شمول النفى؛ لأن القيد إذا لوحظ بعد المنفى كان قيدا فيه لا فى المنفى فيكون النفى نفيا مقيدا لا نفى قيد- فتأمل. اهـ سم.
(قوله: كل مختال) أى: متكبر معجب، وقوله: فخور أى: كثير الفخر على الناس بغير حق
(قوله: كل كفار) أى: جاحد بتحريم الزنا، وقوله: أثيم أى: كثير الإثم.
كذا فى الفنرى.
(قوله: كل حلاف) أى: كثير الحلف فى الحق والباطل، وقوله: مهين أى: قليل الرأى والتمييز، أو حقير عند الناس لأجل كذبه- كذا فى الفنرى.
وأورد الشارح هذه الآية وإن لم تكن من قبيل النفى الذى الكلام فيه إشارة إلى أن النهى كالنفى فى الحكم السابق
(قوله: بأن قدمت على النفى إلخ) فيه إشارة إلى أن النفى المستفاد من لفظه، وإلا متوجه إلى القيد أعنى: الدخول فى حيز النفى فيفيد
стр. 690
ولم تقع معمولة للفعل المنفى (عم) النفى كل فرد مما أضيف إليه كل وأفاد نفى أصل الفعل عن كل فرد (كقول النبى ﵊ لما قال له ذو اليدين) اسم رجل من الصحابة (أقصرت الصلاة) بالرفع فاعل أقصرت (أم نسيت يا رسول الله- ...
===
وجود النفى فى الكلام مع تقدم كل عليه، ولا يرد أن انتفاء الدخول فى حيز النفى قد يكون بانتفاء النفى من الكلام أصلا، فلا يصح حينئذ بقاء قوله عم النفى على إطلاقه
(قوله: ولم تقع معمولة إلخ) قيد به ليخرج كل الدراهم لم آخذ فإنها مقدمة على النفى، لكنها معمولة للفعل المنفى، ولو زاد ورتبة بعد قوله لفظا لاستغنى عن قوله: ولم تقع إلخ- تأمل.
(قوله: اسم رجل إلخ) المراد بالاسم اللقب أى: أنه لقب لرجل من الصحابة اسمه الخرباق، أو العرباض بن عمرو وهو بكسر الخاء فى الأول، والعين فى الثانى، وإنما لقب بذى اليدين لطول كان فى يديه، وقيل لأنه كان أضبط أى: يعمل بكلتا يديه على السواء
(قوله: أقصرت الصلاة) أى: الظهر أو العصر كما فى رواية مسلم والبخارى، والقول بأنها إحدى العشاءين: وهم نشأ من لفظ الحديث، حيث وقع فيه إحدى صلاتى العشاء، والمراد إحدى صلاتى وقت العشاء وهو من الزوال للغروب، ولفظ الحديث من رواية أبى هريرة: صلى بنا رسول الله- ﷺ إحدى صلاتى العشاء فى الحضر وسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين وقال أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله، فقال كل ذلك لم يكن، فقال ذو اليدين بعض ذلك قد كان فأقبل النبى ﷺ على القوم وفيهم أبو بكر وعمر، فقال: أحق ما يقوله ذو اليدين، فقالا: نعم فقام ﵊ وأتم الصلاة ثم سجد سجدتين للسهو.
(قوله: بالرفع) أى: لا بالنصب بجعل أقصرت: كأكرمت فاعله ضمير النبى
(قوله: فاعل) أى: لا نائب فاعل بجعل أقصرت مبنيا للمجهول، وإنما أتى بهذا الضبط دفعا لما يتوهم أن الصلاة مفعول أقصرت بجعله: كأكرمت لمناسبته لقوله:
أم نسيت، أو نائب فاعل بجعل أقصرت مبنيا للمفعول، إذ هذا لم يثبت عند الشارح رواية
стр. 691
كل ذلك لم يكن) (١) هذا قول النبى ﵊؛ والمعنى: لم يقع واحد من القصر والنسيان على سبيل شمول النفى وعمومه لوجهين؛ أحدهما: أن جواب أم- إما بتعيين أحد الأمرين أو ...
===
(قوله: كل ذلك لم يكن) فيه دليل على أن من قال ناسيا لم أفعل وكان قد فعله أنه غير كاذب؛ لأن كلام الناس ليس بصدق ولا كذب- قاله الكرمانى، إن قيل لا جائز أن يكون المراد كل ذلك لم يكن فى نفس المراد؛ لأنه يلزم الكذب فى حقه- ﵊؛ لأن بعضه قد كان فى نفس الأمر، والكذب عليه لا يجوز، وإن أريد فى ظنى لم يصح رد ذى اليدين عليه بقوله، بل بعض ذلك قد كان؛ وذلك لأنه لا اطلاع له على ما فى ظن النبى حتى يقول له بعض ذلك قد كان فى ظنك، فتعين أن المراد بل بعض ذلك قد كان فى نفس الأمر، وإذا كان المراد ذلك فلا يحسن أن يكون كلام ذى اليدين ردا لقوله كل ذلك لم يكن فى ظنى لعدم اتحاد المحمول؛ لأن المحمول المنفى فى كلام النبى الكون فى ظنه والمحمول المثبت فى كلام ذى اليدين الكون فى نفس الأمر، وإذا لم يتحد المحمول فلا تناقض فلا يصح الرد، وأجيب بأن المراد كل ذلك لم يكن فى نفس الأمر بحسب ظنى، فبين ذو اليدين أن الظن لم يطابق نفس الأمر، واعترض بأن ظن الخطأ نقص ولا يجوز عليه- ﵊ وأجيب بأن ظن الخطأ وكذلك النسيان إنما يكونان نقصا فى حقه إذا كان بسبب اشتغال القلب بأمور الدنيا، وأما إذا كانا من الله لأجل تبين الأحكام للأمة فلا يكونان نقصا وإلى هذا يشير قوله- ﵊ فى الحديث: إنى لا أنسى، ولكن أنسى لأسن أى: ليس من طبعى النسيان كما هو طبع من لا يتحافظ بشغل الفكر بأمور الدنيا، ولكن أنسى بشغل الفكر بالله لأشرع. قرر ذلك شيخنا العلامة العدوى، عليه سحاب الرحمة والرضوان.
(قوله: هذا قول النبى إلخ) هذا إيضاح فإن كونه قوله- ﵊ معلوم من قوله كقول النبى إلخ
(قوله: لوجهين) علة لكون المعنى لم يقع واحد من القصر
стр. 692
بنفيهما جميعا تخطئة للمستفهم لا بنفى الجمع بينهما لأنه عارف بأن الكائن أحدهما، والثانى: ما روى أنه لما قال النبى ﵊: " كل ذلك لم يكن"- قال له ذو اليدين: بعض ذلك قد كان، ومعلوم أن الثبوت للبعض إنما ينافى النفى عن كل فرد، لا النفى عن المجموع (وعليه) أى: على عموم النفى عن كل فرد (قوله) أى: قول أبى النجم:
(قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علىّ ذنبا كلّه لم أصنع) (١)
===
والنسيان، ومما يدل على هذا المعنى أيضا ما ورد فى بعض الطرق لم أنس ولم تقصر، وخير ما فسرته بالوارد
(قوله: ونفيهما جميعا) أى: وليس فى جوابه- ﷺ تعيين لأحد الأمرين، فلزم أن مراده نفى كل منهما
(قوله: تخطئة للمستفهم) أى:
فى اعتقاده الثبوت لأحدهما
(قوله: لا ينفى الجمع بينهما لأنه) أى: المستفهم عارف أى معتقد ثبوت أحدهما، وإذا كان كذلك فلا يصح أن يجاب به؛ لأنه لم يفده فائدة، والحاصل أنه إذا قيل أزيد قام أم عمرو، فإنه يجاب بتعيين أحدهما بأن يقال قام عمرو أو بنفى كل منهما بأن يقال لم يقم واحد منهما، ولا يجاب بنفى الجمع بأن يقال لم يقوما معا، بل القائم أحدهما؛ لأن هذا الجواب لا يفيد السائل شيئا؛ لأنه عالم أن أحدهما قائم ولا يعلم عينه، فكذلك هنا لا يصح أن يكون مراد النبى لم يقعا جميعا أى: بل الواقع أحدهما؛ لأنه لا يصلح جوابا
(قوله: إن الثبوت للبعض) أى: الذى هو موجبة جزئية، وقوله إنما ينافى أى يناقض النفى عن كل فرد أى: الذى هو السالبة الكلية.
(قوله: لا النفى عن المجموع) أى: عن الهيئة الاجتماعية الذى هو سلب جزئى وحينئذ (فذو اليدين) إنما قال للنبى، بل بعض ذلك قد كان لعلمه أن النبى- صلى
стр. 693
برفع كله على معنى: لم أصنع شيئا مما تدعيه على من الذنوب؛ ولإفادة هذا المعنى عدل عن النصب المستغنى عن الإضمار إلى الرفع المفتقر إليه؛ أى:
لم أصنعه.
===
الله عليه وسلم- مراده نفى كل واحد من الأمرين فلو كان ليس مراد النبى نفى كل فرد لم يصح أن يكون قول ذى اليدين، بل بعض ذلك قد كان ردا له، وما يقال إنه يمكن أن مراد النبى النفى عن المجموع، ونفى المجموع صادق بنفى كل واحد وبنفى أحد الأمرين مع ثبوت الآخر وأن ذا اليدين قد أخطأ فى فهمه مراد النبى- ﷺ ففهم أنه أراد نفى كل فرد، فلذا قال: بعض ذلك قد كان الدال عليه أنه- ﵇ أراد نفى كل فرد فهو بعيد غاية البعد.
(قوله: برفع كله) أى: على أنه مبتدأ خبره جملة لم أصنع، والرابط محذوف لا يقال: إن فى الرفع تهيئة العامل للعمل، ثم قطعه، وقد صرح فى المغنى وغيره بمنع زيد ضربت؛ لذلك لأن نقول المسألة ذات خلاف فقد نقل الشارح فى مطوله عن سيبويه أن قول الشاعر: (ثلاث كلهنّ قتلت عمدا) (١) برفع كلهن يدل على جواز التركيب المذكور- أفاده الفنرى.
(قوله: من الذنوب) أشار بذلك إلى أن ذنبا نكرة عامة بقرينة المقام وإن كانت واقعة فى سياق الإثبات، أو أن ذنبا اسم جنس يقع على القليل والكثير، فهو هنا بمعنى ذنوب بقرينة المقام.
(قوله: ولإفادة هذا المعنى إلخ) علة لقوله عدل مقدمة عليه، وقد يرد بأن عدوله إلى الرفع لا يتعين أن يكون لإفادة عموم السلب، بل يجوز أن يكون عدوله إلى الرفع لعدم صحة نصب لفظ كل، إذ لو نصبها لكانت مفعولا وهو ممنوع؛ لأن لفظة كل إذا ضربت أضيفت إلى المضمر لم تستعمل فى كلامهم إلا تأكيدا أو مبتدأ ولا تقع فاعلا ولا مفعولا ولا مجرورة فلا يقال: جاءنى كلكم، ولا ضربت كلكم، ولا مررت بكلكم،
стр. 694
(وأما تأخيره) أى: تأخير المسند إليه (فلاقتضاء المقام تقديم المسند).
[تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر]
[وضع المضمر موضع المظهر]:
وسيجىء بيانه (هذا) ...
===
وقد يجاب بأن ما ذكر من أنها إذا كانت مضافة للضمير لا تقع مفعولا محمول على الأكثر الغالب، وليس بكلى، ففى المغنى جواز وقوعها مفعولا بقلة بدليل قوله:
فيصدر عنها كلّها وهو ناهل
وإذا لم يكن الحكم المذكور كليا بل جاز أن يكون مفعولا كان عدول الشاعر عن النصب إلى الرفع إنما هو لإفادة المعنى المذكور الذى هو عموم السلب؛ لأن النصب لا يفيده، وإنما يفيد سلب العموم.
[تأخير المسند إليه]:
(قوله: وأما تأخيره) أى: عن المسند؛ لأن الكلام فيهما
(قوله: فلاقتضاء المقام تقديم المسند) أى: فلأجل اقتضاء المقام ذلك لوجود نكتة من النكات المقتضية لتقديمه: ككونه عاملا، أو له الصدارة، واللام: لام التعليل، ويصح أن تكون بمعنى عند، ومحصله أن النكات المقتضية لتقديم المسند الآتية فى أحوال المسند هى النكات المقتضية لتأخير المسند إليه بذاتها لا شىء غيرها، إن قلت: قد تقدم ما يؤخذ منه نكتة التأخير، وهو إفادة سلب العموم قلت: إن ما تقدم غير واف، فلذا أحال هنا على يأتى فإن قلت هلا أتى بالنكات هنا، وأحال فيما يأتى على ما هنا، ويكون إحالة على معلوم بخلاف ما سلكه فإنه إحالة على غير معلوم، فالجواب ما أفاده العلامة يس نقلا عن الأطول أن المصنف إنما فعل ذلك إشارة إلى أن التأخير للمسند إليه ليس من مقتضيات أحواله، وإنما هو من ضرورياتها ولوازمها ومقتضى الحال إنما هو التقديم للمسند، وقد يقال هذا مجرد دعوى وهلا جعل التأخير مقتضى الحال، والتقديم للمسند لازما له.
стр. 695
أى: الذى ذكر من الحذف والذكر والإضمار وغير ذلك من المقامات المذكورة (كله مقتضى الظاهر) من الحال.
[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]:
===
(قوله: الذى ذكر إلخ) فيه إشارة إلى أن إفراد اسم الإشارة مع أن المشار إليه متعدد لتأوله بالمذكور، ولقد أعجب المصنف حيث صدر بحث خلاف مقتضى الظاهر بما هو خلاف مقتضى الظاهر حيث وضع اسم الإشارة موضع المضمر، والمفرد موضع الجمع تنبيها على أن جعل الأحوال المتقدمة بحسن البيان، ولطف المزج واحدا ونهاية الإيضاح كالمحسوس وعدل عن صيغة البعد وهى ذاك إلى صيغة القرب إيماء إلى أن مقتضى الظاهر قريب، ولك أن تجعل هذا فصل الخطاب وما بعده كلاما مبتدأ به
(قوله: فى المقامات) متعلق بذكر وفى بمعنى مع أو أنها للظرفية المجازية، إذ المراد بالمقامات الأحوال الباعثة على الذكر وغيره مما ذكره المصنف، ومقابله المقامات بالذكر والحذف والإضمار وغير ذلك من مقابلة الجمع بالجمع، فتقتضى القسمة على الآحاد، فلكل واحد مما ذكر مقام
(قوله: كله مقتضى الظاهر من الحال) نبه بإيراد كله تأكيدا أو مبتدأ على أن المشار إليه متعدد.
واعلم أن المحال هو الأمر الداعى إلى إيراد الكلام مكيفا بكيفية ما، سواء كان ذلك الأمر الداعى ثابتا فى الواقع أو كان ثبوته بالنظر لما عند المتكلم، وظاهر الحال هو الأمر الداعى إلى إيراد الكلام مكيفا بكيفية مخصوصة بشرط أن يكون ذلك الأمر ثابتا فى الواقع فقط، فعلم من هذا أن ظاهر الحال أخص من الحال، وحينئذ فيكون مقتضى ظاهر الحال أخص من مقتضى الحال فكل مقتضى ظاهر حال مقتضى حال، ولا ينعكس إلا جزئيا، واعترض على المصنف فى تأكيده هنا بكل المقتضى كون كل فرد مما تقدم مقتضى لظاهر الحال مع أن من جملة ما تقدم ما ليس مقتضى ظاهر حال كتوجيه الخطاب لغير المعين وكتنزيل غير المنكر منزلة المنكر وعكسه، وأجيب بأن هذا الذى تقدم إنما هو فى الإسنادى الخبرى والكلام فى المسند إليه ولم يتقدم تخريجه على
стр. 696
(وقد يخرج الكلام على خلافه) أى: على خلاف مقتضى الظاهر لاقتضاء الحال إياه (فيوضع المضمر موضع المظهر، كقولهم: نعم رجلا) زيد (مكان: نعم الرجل) فإن مقتضى الظاهر فى هذا المقام هو الإظهار دون الإضمار لعدم تقدم ذكر المسند إليه وعدم قرينة تدل عليه، وهذا الضمير عائد إلى متعقل
===
خلاف مقتضى الظاهر فلا تسامح فى التأكيد- كذا قيل، وفيه أنه تقدم فيه توجيه الخطاب لغير معين وهذا خلاف مقتضى الظاهر
(قوله: وقد يخرج الكلام) أى: وقد يورد الكلام ملتبسا بمخالفة مقتضى ظاهر الحال، وأتى بكلمة قد مع المضارع إشارة لقلة ذلك بالنسبة لمقابله
(قوله: لاقتضاء الحال إياه) أى: لاقتضاء باطن الحال إياه لعروض اعتبار آخر ألطف من ذلك الظاهر
(قوله: كقولهم) أى: العرب ابتداء من غير جرى ذكر المسند إليه لفظا أو تقديرا
(قوله: نعم رجلا مكان نعم الرجل) أى: ونعم رجلين مكان نعم الرجلان، ونعم رجالا مكان نعم الرجال
(قوله: وعدم قرينة تدل عليه) أى: بخصوصه، وفيه إشارة إلى أن الموجب للإضمار أحد أمرين إما تقدم المرجع، أو قرينة تدل عليه، فإذا فقدا كان مقتضى الظاهر الإتيان بالاسم الظاهر لا بالضمير، فمقام نعم الرجل مقام إظهار لعدم وجود الأمرين اللذين يقتضيان الإضمار، فإذا قلت:
نعم رجلا زيد بإضمار المسند إليه كان الكلام مخرجا على خلاف مقتضى الظاهر لعروض اعتبار آخر ألطف من ذلك الظاهر وهو حصول الإبهام، ثم التفسير المناسب لوضع هذا الباب للمدح والذم العامين أى: من غير تعيين خصلة.
(قوله: عائد إلى متعقل معهود فى الذهن) أى: إلى شىء معقول فى الذهن مبهم باعتبار الوجود فهو بمعنى شىء صادق بأن يكون رجلا أو أكثر أو امرأة أو أكثر، فإذا أتى برجل مثلا الذى هو تمييز وتفسير له علم جنس ذلك المتعقل دون شخصه فما زال الإبهام حاصلا فى الجملة، فإذا ذكر المخصوص بعد ذلك تعين شخصه، وإنما اعتبر فى ذلك المتعقل كونه مبهما لأجل أن يحصل الإبهام، ثم التفسير المناسب لوضع هذا الباب أعنى باب نعم، وقوله عائد إلى متعقل إلخ فى كلام غير واحد من النحاة: كالدمامينى أنه عائد على التمييز، وعليه فيكون التمييز مفسرا له بلا واسطة وعلى كلام الشارح يكون
стр. 697
معهود فى الذهن، والتزم تفسيره بنكرة ليعلم جنس المتعقل، وإنما يكون هذا من وضع المضمر موضع المظهر (فى أحد القولين) ...
===
تفسيرا له بواسطة تفسيره لمرجعه
(قوله: معهود فى الذهن) أى: لا فى الخارج وهذا أحد قولين فى الضمير، والقول الثانى أنه للجنس، والقولان مبنيان على القولين فى أل من قولنا: نعم الرجل الواقع فاعلا لنعم الحال محل الضمير فقيل: إنها للعهد، وقيل: إنها للجنس، واعترض القول بأن الضمير للجنس بثلاثة أشياء الأول: أن الجنس لا إبهام فيه فلا يناسب تمييزه، الثانى: أن الجنس لا يثنى ولا يجمع مع أنه يقال: نعم الرجلان الزيدان ونعم الرجال الزيدون، الثالث: أنه يخصص بمعين كزيد مثلا وهو غير الجنس، وأجيب بأن من جعلها للجنس أراد الجنس الادعائى لا حقيقة، وحينئذ فالإبهام موجود كما فى المعهود الذهنى وصح تفسيره بمعين، وأما نعم الرجلان ونعم الرجال فالمراد به جنس التثنية وجنس الجمع فلا إشكال؛ لأنه ثنى أولا أو جمع، ثم عرف بلام الجنس
(قوله: والتزم تفسيره بنكرة) أى: لا بمعرفة، وما فى صحيح مسلم من حديث جابر من أن (١) إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، وساق الحديث إلى أن قال: ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت، فيخرج ذلك الحديث على أن يكون فاعل نعم ضميرا مستترا فيها مميزا بنكرة محذوفة يدل عليها السياق أى: نعم فاتنا أو نعم شيطانا، وأنت هو المخصوص بالمدح
(قوله: ليعلم جنس المتعقل) أى: فقط دون شخصه فيحصل الإبهام فإذا أتى بالمخصوص بعد ذلك تعين شخصه؛ وذلك لأن النكرة إنما تفيد بيان الجنس، ولا تفيد التعيين الشخصى بخلاف المعرفة، فإن بها يعلم شخص المتعقل كما يعلم جنسه فيفوت الإبهام، ثم التعيين- كذا قيل وتأمله.
(قوله: وإنما يكون هذا) أى: نعم رجلا
(قوله: فى أحد القولين) أى: المشهورين فلا ينافى أن هناك قولا آخر وهو جعل المخصوص مبتدأ خبره محذوف
стр. 698
أى: قول من يجعل المخصوص خبره مبتدأ محذوف، وأما من يجعله مبتدأ ونعم رجلا خبره- فيحتمل عنده أن يكون الضمير عائدا إلى المخصوص وهو متقدم تقديرا، ويكون التزام إفراد الضمير حيث لم يقل: نعما، ونعموا: من خواص هذا الباب لكونه من الأفعال الجامدة (وقولهم: هو أو هى زيد عالم ...
===
(قوله: أى قول إلخ) تفسير لأحد القولين لا للقولين
(قوله: أى قول من يجعل إلخ) أى:
وكذا على قول من يجعله مبتدأ خبره محذوف، والتقدير زيد الممدوح ففى المخصوص أقوال ثلاثة فى إعرابه
(قوله: خبر مبتدأ محذوف) أى: لأنه لما تقدم ذكر الفاعل مبهما قدر سؤال عنه بمن هو، فأجيب بقوله: هو زيد.
(قوله: فيحتمل عنده أن يكون إلخ) أى: وعليه فلا يكون نعم رجلا زيد من هذا الباب أعنى: باب وضع المضمر موضع المظهر أى: ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى المتعقل الذهنى، لا على زيد المبتدأ، وعليه فيكون من هذا الباب- كذا قيل، وفيه نظرة: إذ هو على هذا الاحتمال إنما يكون من باب وضع المضمر المبهم العائد على غير معين مكان المضمر العائد على معين، لا من باب وضع المضمر موضع المظهر- كذا قال يس.
وفى الأطول ما يوافقه، فإن قلت: على هذا الاحتمال أين الرابط الذى يربط الجملة الواقعة خبرا بالمبتدأ قلت: الرابط العموم الذى فى الضمير الشامل للمبتدأ كما فى صورة الفاعل المظهر، فكأنه قيل زيد نعم هو أى: مطلق شىء الذى زيد من جملته فزيد ذكر مرتين أولا بخصوصه وثانيا من حيث دخوله فى جملة مرجع الضمير
(قوله: ويكون التزام إلخ) جواب عما يقال إذا كان الضمير عائدا على المخصوص، فيلزم تثنية الضمير وجمعه إذا كان المخصوص مثنى أو مجموعا مع أنه ليس كذلك
(قوله: حيث لم يقل نعما) أى: فى قولك نعم رجلين الزيدان، (وقوله: نعموا) أى فى قولك: نعموا رجالا الزيدون
(قوله: لكونه من الأفعال الجامدة) المشابهة للأسماء الجامدة فهى ضعيفة، وإذا كانت كذلك فلا تتحمل بارزا لئلا يثقلها، ويرد على هذا التعليل: أن ليس من الأفعال الجامدة مع أنه يجب مطابقة الضمير المتصل بها لمرجعه- فتأمل.
стр. 699
مكان الشأن أو القصة) فالإضمار فيه أيضا خلاف مقتضى الظاهر لعدم التقدم.
واعلم أن الاستعمال على أن ضمير الشأن إنما يؤنث إذا كان فى الكلام مؤنث غير فضلة فقوله: هى زيد عالم ...
===
(قوله: مكان الشأن أو القصة) لف ونشر مرتب يعنى كقولهم: هو مكان الشأن وهى مكان القصة فهو راجع إلى الشأن المعقول وهى راجعة للقصة المعقولة يفسرهما الجملة بعد؛ لأن القصة والشأن وهو مضمون الجملة بعدهما فقول المصنف مكان إلخ يشير إلى أن التذكير باعتبار الشأن والتأنيث باعتبار القصة فإن قلت: كيف يصح هو زيد عالم مثلا مع أنه لا رابط فى الجملة الواقعة خبرا قلت الجملة الواقعة خبرا عن ضمير الشأن لا تحتاج لرابط، لأن فائدة الرابط أن يربط الخبر بالمبتدأ، لأن الجملة من حيث هى جملة مستقلة بالإفادة فما لم يوجد فيها رابط لم تربط بالمبتدأ، والجملة المفسرة لضمير الشأن عين المبتدأ فهى فى حكم المفرد، فلا تحتاج لرابط فالمعنى الشأن أى: الحديث هذا اللفظ، وكذا لا يحتاج للرابط فى كل جملة تكون عين المبتدأ نحو قولى: زيد منطلق
(قوله: لعدم التقدم) أى: فعدم التقدم للمسند إليه يقتضى إيراده اسما ظاهرا، فإيراده ضمير مخالف لمقتضى الظاهر، إلا أن الحال يقتضيه لعروض اعتبار الإبهام، ثم التفسير
(قوله: واعلم إلخ) قصد الشارح بهذا الاعتراض على قول المصنف، وقولهم هو أو هى زيد عالم المقتضى استعمال هى زيد عالم
(قوله: على أن إلخ) متعلق بمحذوف أى: جار على أن ضمير الشأن إنما يؤنث إلخ، وفيه إشارة إلى أن ضمير الشأن والقصة واحد فى المعنى وإنما اصطلحوا على أن الجملة المفسرة للضمير إذا كان فيها مؤنث غير فضلة ولا شبيها بالفضلة، فإن الضمير يؤنث، ويقال له ضمير القصة وإلا ذكر، ويقال له ضمير الشأن
(قوله: إذا كان فى الكلام) أى: فى الجملة المفسرة للضمير
(قوله: غير فضلة) أى: ولا شبيها بالفضلة، وذلك كقولك: هى هند مليحة، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ (١)، وإنما أنث الضمير لقصد المطابقة اللفظية، لا لأن مفسره ذلك المؤنث لما عرفت أن مرجعه القصة المعقولة فمفسره الجملة بتمامها، واحترز بالفضلة والشبيه بها من نحو: إنها بنيت غرفة، وإنها كان القرآن معجزة؛ لأن معجزة شبيه بالفضلة
стр. 700
مجرد قياس ثم علل وضع المضمر موضع المظهر فى البابين بقوله: (ليتمكن ما يعقبه) أى: يعقب الضمير؛ أى: يجىء على عقبه (فى ذهن السامع لأنه) أى: السامع (إذا لم يفهم منه) أى: من الضمير (معنى انتظره) أى: انتظر السامع ما يعقب الضمير ليفهم منه معنى فيتمكن بعد وروده فضل تمكن لأن الحصول بعد الطلب
===
لنصبه فلا يؤنث الضمير فيهما، بل يقال إنه فى المثالين وإنما اشترط كون المؤنث غير فضلة ولا شبيها بها؛ لأن الضمير مقصود مهم فلا تراعى مطابقته للفضلات:
(قوله: مجرد قياس) أى: قياس على قولهم هى هند مليحة بجامع عود الضمير فى كل إلى القصة مجرد عن الاستعمال والسماع، وحينئذ فلا يصح قول المصنف وقولهم إلخ:
المقتضى أن ذلك مسموع
(قوله: فى البابين) أى: باب نعم وباب ضمير الشأن
(قوله: ليتمكن ما يعقبه فى ذهن السامع) إن قلت هذا التمكن الحاصل فى ضمير الشأن يحصل بقولك الشأن زيد عالم من غير التزام خلاف الظاهر فلا يختص الإضمار بالتشوق قلت: هذا ممنوع إذ السامع متى سمع الاسم المظهر فهم منه مدلوله ولو إجمالا بخلاف الضمير الغائب، فإنه لا يفهم منه إلا أن له مرجعا فى ذهن المتكلم وأما إن ذلك المرجع ما هو فلا يفهم من نفس ذلك الضمير بحسب الوضع فلم يشتد الإبهام فى الاسم المظهر مثل الضمير، وحينئذ فلم يتحقق فيه التشوق، ثم إن ما عللوا به التمكن من الانتظار والتشوق إنما يتحقق عند وقوع مهلة بين ذكر الضمير ومفسره مثلا ولا قائل بأن مفسر الإضمار قبل الذكر يتوقف على السكوت بعد ذكر الضمير، وبه يعلم أن هذه ملح وظرف تجب مراعاتها، ولو لم تحصل بالفعل، ويؤخذ من هذا أن ما يراعيه البليغ يكفى تخيل وجوده
(قوله: أى يجىء على عقبه) إنما عبر بعلى، ولم يقل أى يجىء عقبه لإشعار على بشدة اللصوق؛ لأنها تشعر بالاستعلاء والتمكن، وبيان ذلك أن عقب حال جرها بعلى ليست ظرفا، بل اسم بمعنى الآخر والطرف فالمعنى على أخره وطرفه فيفيد على اتصال المتعاقبين والتصاقهما، وأنه لا فاصل بينهما، بخلاف لو تركها، فإنه وإن أشعر باللصوق لكن لا يشعر بشدته
(قوله: فضل تمكن) أى: تمكنا فاضلا أى: زائدا
(قوله: لأن الحصول) أى: لأن ذا الحصول أو الحاصل
стр. 701
أعز من المنساق بلا تعب، ولا يخفى أن هذا لا يحسن فى باب: نعم؛ لأن السامع ما لم يسمع المفسر لم يعلم أن فيه ضميرا فلا يتحقق فيه التشوق والانتظار (وقد يعكس) وضع المضمر موضع المظهر؛ أى: يوضع المظهر موضع المضمر (فإن كان) المظهر الذى وضع موضع المضمر (اسم إشارة فلكمال العناية بتمييزه) أى: تمييز المسند إليه (لاختصاصه بحكم بديع، كقوله (١):
===
(قوله: أعز من المنساق بلا تعب) وجه الأعزية أن فيه أمرين لذة العلم، ولذة دفع ألم التشوق، بخلاف المنساق بلا تعب، فإن فيه الأول فقط، ولا شك أن اللذة المشتملة على دفع الألم أحلى من اللذة الموجودة بدونه
(قوله: أن هذا) أى: التعليل (وقوله: فى باب نعم) أى: وكذا فى ضمير الشأن المستتر نحو: كان زيد قائم.
(قوله: ما لم يسمع المفسر) أى: أن السامع مدة عدم سماعه المفسر لم يعلم أن فيه ضميرا لأنه قبل سماعه للمفسر يجوز أن الفاعل اسم ظاهر يأتى به المتكلم بعد ذلك فإذا سمع التمييز علم جنس الضمير فلا يتشوق ولا ينتظر لشىء لأنه حصلت له معرفة جنس الضمير ابتداء
(قوله: فلا يتحقق فيه التشوق إلخ) أى: وحينئذ فتعليل وضع المضمر موضع المظهر فى باب نعم بما ذكره من البيان غير سديد وقد يجاب بأن مراد المصنف ليتمكن فى ذهن السامع ما يعقبه بعد العلم بالضمير والعلم بالضمير لا ينحصر فى سماع المفسر لجواز أن يعلم بالقرينة ولعله لذلك لم يقل الشارح لا يصح فى باب نعم كذا فى عبد الحكيم
(قوله: فلكمال العناية) أى: فلأجل إفادة أن المتكلم اعتنى بتمييز المسند إليه اعتناء كاملا حيث أبرزه فى معرض المحسوس
(قوله: لاختصاصه) أى وإنما يعتنى المتكلم اعتناء كاملا بتمييزه لاختصاصه أى لاختصاص مدلوله أى لكون مدلوله مختصا فى العبارة بحكم أى بأمر محكوم به عليه بديع أى عجيب
(قوله: كقوله) أى:
стр. 702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قول أحمد بن يحيى بن إسحق الراوندى بفتح الواو نسبة إلى راوند بفتح الواو قرية من قرى ساسان قريبة من أصبهان والأكثر على أنه كان زنديقا فقد كان يعلم اليهود الحيل والشبه اتفق أنه أخذ منهم ألف دينار وألف لهم كتابا رد فيه على القرآن وسماه الدامغ للقرآن وقيل إنه كان من الأولياء أهل الدلال على الله وأن ما نقل عنه من تعليم اليهود الشبه وغير ذلك لم يصح كما قال الفنرى وقبل البيت المذكور:
سبحان من وضع الأشياء موضعها ... وفرّق العزّ والإذلال تفريقا
ومن قبيل كلام ابن الراوندى قول بعضهم:
أعطيتنى ورقا لم تعطنى ورقا ... قل لى بلا ورق ما تنفع الحكم
فخذ من العلم شطرا واعطنى ورقا ... ولا تكلنى إلى من جوده عدم
ولما قال هذا القائل ما ذكر سمع هاتفا يقول له
لو كنت ذا حكم لم تعترض حكما ... عدلا خبيرا له فى خلقه قسم
هلّا نظرت بعين الفكر معتبرا ... فى معدم ما له مال ولا حكم
وقد رد العلامة عبد الرحمن عضد الملة والدين على ابن الراوندى بقوله:
كم عاقل عاقل قد كان ذا عسر ... وجاهل جاهل قد كان ذا يسر
تحيّر الناس فى هذا فقلت لهم ... هذا الذى أوجب الإيمان بالقدر
ولبعضهم فى هذا المعنى
كم من قوىّ قوى فى تقلّبه ... مهذّب الرأى عنه الرزق منحرف
كم من ضعيف ضعيف فى تقلبه ... كأنه من خليج البحر يغترف
هذا دليل على أن الإله له ... فى الخلق سرّ خفىّ ليس ينكشف
ولبعضهم
كم عالم يسكن بيتا بالكرا ... وجاهل له قصور وقرى
стр. 703
كم عاقل عاقل) هو وصف عاقل الأول بمعنى: كامل العقل متناه فيه (أعيت) أى:
أعيته وأعجزته أو أعيت عليه وصعبت (مذاهبه) أى: طرق معاشه
(وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا ... هذا الذى ترك الأوهام حائرة
===
لما قرأت قوله سبحانه ... نحن قسمنا بينهم زال المرا
(قوله: كم عاقل إلخ) كم خبرية مبتدأ وعاقل المضاف إليها مميز لها وعاقل الثانى نعت للأول بمعنى كامل العقل لأن تكرار اللفظ لقصد الوصفية يفيد الكمال ولو فى الجوامد كمررت برجل رجل أى كامل فى الرجولية والخبر جملة أعيت.
(قوله: هو وصف) أى وليس تأكيدا لفظيا كما يسبق إلى الوهم إذ لا محل للتأكيد هنا لأنه إنما يكون لدفع توهم سهو أو تجوز ولا يتأتى شىء من ذلك هنا ثم إن مغايرته للموصوف بحمل الإبهام المستفاد من التنكير على الكمال وكأنه قيل كم عاقل كامل العقل
(قوله: أى أعيته) أشار بذلك إلى أنه يستعمل متعديا (وقوله: وأعجزته) تفسير أى أنه لم ينل منها إلا قليلا وقوله أو أعيت عليه أشار بذلك إلى أنه يستعمل أيضا لازما فهو هنا محتمل لأن يكون متعديا أو لازما
(قوله: وصعبت) تفسير لما قبله
(قوله: وجاهل جاهل) أى: وجاهل كامل الجهل وفى إيقاعه جاهل جاهل مقابلا لعاقل عاقل مع أن المقابل للعاقل حقيقة المجنون والمقابل للجاهل العالم إشارة إلى أن العقل بلا علم كالعدم وأن الجهل يلزمه الجنون فالعاقل ينبغى له أن يتحلى بالعلم ويحترز عن الجهل لئلا يتعطل عقله والجاهل مجنون لتباعده عن اكتساب الكمالات فاندفع ما يقال كان الأولى أن يقول فى الأول كم عالم عالم أو يقول فى الثانى ومجنون مجنون
(قوله: هذا) أى: الحكم السابق وهو كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا
(قوله: ترك) أى صير لأن ترك إذا تعدى لمفعولين كان بمعنى صير كما فى التسهيل
(قوله: الأوهام) أى: العقول أى أهل العقول فسمى المحل باسم الحال فيه وحذف المضاف وإنما لم يعبر بالعقول للإشارة إلى أن الحيرة فى ذلك إنما تقع للعقلاء من طريق الوهم أى بسبب غلبة القضايا الوهمية على العقل لا من طريق العقل من حيث هو عقل تأمل. اهـ يس.
стр. 704
وصير العالم النحرير) أى: المتقن، من: نحر الأمور علما: أتقنها (زنديقا) كافرا نافيا للصانع العدل الحكيم، فقوله: هذا إشارة إلى حكم سابق غير محسوس وهو كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا فكان القياس فيه الإضمار فعدل إلى اسم الإشارة ...
===
(قوله: حائرة) أى: متحيرة فى ثبوت الصانع ونفيه؛ لأن مقتضى المناسبة العقلية أن الصانع الحكيم يرزق ذا التدبير والعقل دون العكس إن قلت إذا كان هذا الأمر يصير الأوهام ذوات حيرة فغاية أمر العالم أن يتحير فمن أين يصيره زنديقا أى جازما بنفى الصانع قلت الزندقة لا تتوقف على الجزم بنفى الصانع بل تحصل بالتردد فيه اللازم لذلك التحير غالبا
(قوله: وصير العالم إلخ) قيل أراد بالعالم وزنديقا نفسه وقد أخطأ فى الأول وأصاب فى الثانى أما فى الأول فلأن مقتضى كونه عالما لا يعترض عليه تعالى فإنه العليم بما يخفى على العباد المتصرف فى ملكه بما يريد ولأنه لو كان عالما تحريرا ما اعترض على الله بذلك وغفل عن كون الرزق حسيا ومعنويا وأن الثانى أفضل لأنه رزق العلوم والمعارف والحكم وأما فى الثانى فلأنه زنديق ملحد. اهـ.
وفيه أن هذا يبعده قوله سبحان من وضع الأشياء موضعها إلخ فإنه يقتضى أنه غير زنديق فلعله أراد غيره
(قوله: من نحر الأمور علما) تمييز محول عن المفعول والأصل نحر علم الأمور أى أتقنه ففعل به كما فعل بقوله تعالى وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً (١) ثم إن النحر فى الأصل هو الذكاة على وجه مخصوص فتفسيره بالإتقان مجاز علاقته المشابهة فى إزالة ما به الضرر فإن الذبح يزيل الدماء والرطوبات التى فى الحيوان والإتقان يزيل الشكوك والشبهات
(قوله: نافيا للصانع) قائلا لو كان له وجود لما كان الأمر كذلك وكان على الشارح أن يزيد ومنكرا للآخرة لقول القاموس الزنديق هو من لا يؤمن بالآخرة والربوبية ولعل الشارح اقتصر على ما ذكره وترك إنكار الآخرة لأنه يلزم من نفى الصانع إنكار الآخرة
(قوله: إشارة إلى حكم سابق) أى: إلى أمر محكوم عليه سابق
(قوله: فكان القياس فيه الإضمار) أى: بأن يقال هما مثلا وإنما كان القياس الإضمار
стр. 705
لكمال العناية بتمييزه ليرى السامعين أن هذا الشىء المتميز المتعين هو الذى له الحكم العجيب؛ وهو جعل الأوهام حائرة والعالم النحرير زنديقا، فالحكم البديع هو الذى أثبت للمسند إليه المعبر عنه باسم الإشارة (أو التهكم) عطف على كمال العناية (بالسامع كما إذا كان) السامع (فاقد البصر) ...
===
لتقدم ذكره مع كونه غير محسوس والإشارة حقيقة فى المحسوس
(قوله: لكمال العناية إلخ) أى: لإفادة الاعتناء الكامل بتمييزه حيث أبرزه فى معرض المحسوس
(قوله: إن هذا الشىء) أى: الذى هو كون العالم محروما والجاهل مرزوقا
(قوله: وهو جعل إلخ) الضمير للحكم العجيب وفيه إشارة إلى أن المراد بترك الأوهام حائرة جعلها كذلك
(قوله: فالحكم البديع هو الذى أثبت) أى: وهو جعل الأوهام حائرة وأشار بذلك لرد قول بعضهم إن الحكم البديع هو كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا فمعنى اختصاص المسند إليه بحكم بديع على هذا القول كونه عبارة عنه ومعنى كون هذا الحكم بديعا أنه ضد ما كان ينبغ ى وهذا تعسف لأنه يلزم عليه اختصاص الشىء بنفسه فالحق ما قاله الشارح من اختلاف المسند إليه المعبر عنه باسم الإشارة والحكم البديع المختص به فالمسند إليه هو كون العالم محروما والجاهل مرزوقا والحكم البديع المختص به أى الثابت له جعل الأوهام حائرة والعالم زنديقا
(قوله: عطف على كمال العناية) أى: لا على قوله لاختصاصه لإفادته أن التهكم بمن لا بصر له يقتض ى كمال العناية بتمييز المسند إليه كما أن اختصاصه بحكم بديع يقتض ى ذلك مع أن التهكم بمن لا بصر له إنما يقتض ى إيراد المسند إليه اسم إشارة سواء قصد كمال العناية بالتمييز أو لا. قال عبد الحكيم: وفيه تعريض بصاحب المفتاح حيث جعل التهكم داخلا تحت كمال العناية مقابلا للاختصاص بالحكم البديع فإنه قال إذا كملت العناية بتمييزه إما لأنه اختص بحكم بديع عجيب الشأن وإما لأنه قصد التهكم بالسامع
(قوله: كما إذا كان السامع إلخ) كما لو قال لك الأعمى من ضربنى فقلت له هذا ضربك فكان مقتضى الظاهر أن يقال له هو زيد لتقدم المرجع فى السؤال لكنه عدل عن مقتضى الظاهر وأتى بالاسم الظاهر محل الضمير قصدا للتهكم والاستهزاء به حيث عبرت له بما هو موضوع للمحسوس بحاسة البصير فنزلته منزلة البصير تهكما به.