(ولا: ما أنا رأيت أحدا) لأنه يقتضى أن يكون إنسان غير المتكلم قد رأى كل أحد من الناس؛ لأنه قد نفى عن المتكلم الرؤية على وجه العموم فى المفعول فيجب أن يثبت لغيره على وجه العموم فى المفعول ليتحقق تخصيص المتكلم بهذا النفى ...
===
الإخبار بمجرد عموم النفى صح ذلك، وكان قوله ولا غيرى قرينة على ذلك
(قوله: ولا ما أنا رأيت أحدا) أى: لا يصح هذا المثال أيضا بناء على ما يتبادر منه وهو الاستغراق الحقيقى، وإن أمكن تخصيصه بحمل النكرة الواقعة فى سياق النفى على الاستغراق العرفى بأن يحمل الأحد على الأحد الذى يمكن رؤيته
(قوله: قد رأى كل أحد من الناس) أى: وهو باطل، وقوله: لأنه أى المتكلم، وقوله قد نفى عن المتكلم إظهار فى محل الإضمار أى: قد نفى عن نفسه.
(قوله: على وجه العموم) متعلق بنفى لا بالرؤية كما يدل عليه قول الشارح سابقا، فالتقديم يفيد نفى الفعل عن المذكور وثبوته لغيره على الوجه الذى نفى عنه من العموم أو الخصوص، وقوله فى المفعول صفة للعموم أى: لأن الرؤية نفاها المتكلم عن نفسه على جهة العموم الكائن فى المفعول؛ لأن النكرة فى سياق النفى تعم
(قوله: ليتحقق إلخ) علة لقوله فيجب أن يثبت لغيره على وجه العموم، واعترض على هذا التعليل بأن تحقق تخصيص المتكلم بهذا النفى لا يتوقف على الثبوت لغيره على وجه العموم بل يوجد مع ثبوت رؤية غيره، ولو كان ذلك الغير واحدا فقط؛ وذلك لأن قولك ما أنا رأيت أحدا سلب كلى معناه نفى الرؤية الواقعة لكل فرد من أفراد الناس فيفيد عموم النفى، وتخصيصه بالمتكلم يقتضى أن يكون غيره ليس ملتبسا بهذه الصفة أى: انتفاء الرؤية لكل فرد، وهذا لا يقتضى أن يكون قد رأى كل أحد بل يكفى فيه أن يكون رأى واحدا؛ لأن السلب الكلى يرتفع بالإيجاب الجزئى، وحينئذ فيصح هذا المثال أعنى: ما أنا رأيت أحدا، فالتعليل المذكور يقتضى صحته مع أن المراد عدم صحته، فالحاصل أن التعليل المذكور منتج لخلاف المطلوب، وأجيب بأن التركيب المفيد لتخصيص المتكلم بالنفى، إنما يقال فى اصطلاح البلغاء لمن اعتقد وقوع الفعل على الوجه
стр. 632
(ولا: ما أنا ضربت إلا زيدا) لأنه يقتضى أن يكون إنسان غيرك قد ضرب كل أحد سوى زيد؛ لأن المستثنى منه مقدر عام وكل ما نفيته عن المذكور على وجه الحصر يجب ثبوته لغيره تحقيقا لمعنى الحصر؛ إن عاما فعام، وإن خاصا فخاص، وفى هذا المقام مباحث نفيسة وشحنا بها الشرح (وإلا) أى: وإن لم يل المسند إليه حرف النفى بأن لا يكون فى الكلام حرف نفى، أو يكون حرف النفى متأخرا عن المسند إليه ...
===
الذى وقع عليه النفى من العموم أو الخصوص، وأخطأ فى تعيين الفاعل كما يشهد بذلك الذوق والسليقة السليمة، فمنع ذلك بأن يقال: يمكن أن يقال لمن اعتقد رؤية غير المتكلم لبعض الآحاد لكفاية ذلك فى تحقق اختصاص المتكلم بهذا النفى غير ناهض، وتحصل أن هذا المثال وهو: ما أنا رأيت أحدا إن قيل جوابا لشخص اعتقد وقوع رؤيتك لكل أحد غير صحيح باعتبار استعمال البلغاء؛ لأن التركيب المفيد لتخصيص المتكلم بالنفى إنما يقال فى عرفهم لمن اعتقد وقوع الفعل على الوجه الذى وقع عليه النفى من العموم أو الخصوص، وأخطأ فى تعيين فاعله، وإن قيل جوابا لمن اعتقد رؤيتك لبعض الآحاد مخطئا فى وقوع هذه الرؤية منك فهو صحيح
(قوله: ولا ما أنا ضربت إلا زيدا) أى: لأن هذا يفيد بمنطوقه أن نفى الضرب لكل أحد غير زيد مقصور على المتكلم ويفيد بمفهومه أن يكون إنسان غيره ضرب كل أحد غير زيد، وهو باطل لعدم تأتى ذلك
(قوله: لأن المستثنى منه) أى: فى هذا المثال
(قوله: مقدر عام إلخ) أى:
فلو كان المستثنى منه يقدر خاصا صح الكلام كما فى نحو: ما أنا قرأت إلا الفاتحة، فإنه يفيد أن إنسانا غيره قرأ كل سورة إلا الفاتحة وهذا صحيح
(قوله: على وجه الحصر) أى: كما هنا؛ لأن ما وإلا يفيدان الحصر
(قوله: بأن لا يكون إلخ) بقى ما إذا كان حرف النفى مقدما إلا أنه مفصول من المسند إليه وهو داخل تحت قوله: وإلا بالنظر لقوله أولا أى: وقع بعدها بلا فصل فكان على الشارح زيادة ذلك، وقد يجاب بأن مراد الشارح- فيما تقدم بالتقييد بعدم الفصل- تفسير مفهوم الولى فى الاصطلاح لا تفسير المراد، إذ المراد بقوله سابقا إن ولى المسند إليه حرف النفى وقع بعدها كان بينهما
стр. 633
(فقد يأتى) التقديم (للتخصيص ردا على من زعم انفراد غيره) أى: غير المسند إليه المذكور (به) أى: بالخبر الفعلى (أو) زعم (مشاركته) أى مشاركة الغير (فيه) أى: فى الخبر الفعلى (نحو: أنا سعيت فى حاجتك) لمن زعم انفراد الغير بالسعى فيكون قصر قلب، أو زعم مشاركته لك فى السعى فيكون قصر إفراد (ويؤكد على الأول) أى: على تقدير كونه ردا على من زعم انفراد الغير (بنحو: لا غيرى) مثل: لا زيد ولا عمرو ولا من سواى؛ لأنه الدال صريحا على نفى شبهة أن الفعل صدر عن الغير (و) يؤكد (على الثانى) أى: على تقدير كونه ردا على من زعم المشاركة (بنحو: وحدى) مثل: منفردا، ومتوحدا، وغير مشارك؛ لأنه الدال صريحا ...
===
فاصل أو لا، ولذا أسقط هذا القسم هنا، وقد تقدم ذلك، وقوله وإلا شرط جزاؤه قوله: فقد يأتى إلخ، ومجموع الشرط والجزاء معطوف على مجموع قوله، وقد يقدم ليفيد تخصيصه بالخير الفعلى إن ولى حرف النفى
(قوله: فقد يأتى للتخصيص) أى:
ويلزمه التقوى وإن كان غير مقصود وغير ملحوظ
(قوله: ردا) مفعولا لأجله عاملة يأتى أو التخصيص
(قوله: فيكون) أى: التخصيص قصر قلب.
(قوله: ويؤكد) أى: المسند إليه
(قوله: على تقدير كونه) أى: كون التخصيص
(قوله: بنحو لا غيرى) أى: بلا غيرى، ونحو: وليس المراد بمثل لا غيرى ولا يؤكد بلا غيرى، أو يقال بنحو: لا غيرى كل لفظ دل صراحة على نفى صدور الفعل عن الغير فيجرد النحو عن المماثلة فيكون من قبيل المجاز المرسل ولعاقته الإطلاق، فيصير متنا، ولا لغيرى، ولا سواى، ولا زيد ولا عمرو،
(قوله: مثل لا زيد إلخ) بيان لنحو لا غيرى
(قوله: لأنه) أى: نحو لا غيرى، وهذا علة لقوله ويؤكد وقوله الدال صريحا أى:
وإن كان وحدى يدل عليه التزاما، وقوله على نفى شبهة إلخ: والشبهة تدفع بالصريح
(قوله: شبهة أن الفعل إلخ) الإضافة بيانية أى على نفى شبهة هى أن الفعل صدر عن الغير كما يظنه المخاطب أو المراد بالشبهة الظن، وعلى هذا فالمراد بالنفى الانتفاء
(قوله: لأنه) أى: لأن وحدى، وقوله الدال صريحا أى، وإن كان لا غيرى يدل عليه التزاما
стр. 634
على إزالة شبهة اشتراك الغير فى الفعل والتأكيد إنما يكون لدفع شبهة خالجت قلب السامع.
(وقد يأتى لتقوى الحكم) وتقريره فى ذهن السامع دون التخصيص (نحو:
هو يعطى الجزيل) قصدا إلى تحقيق أنه يفعل إعطاء الجزيل، وسيرد عليك تحقيق معنى التقوى (وكذا إذا كان الفعل منفيا) ...
===
(قوله: على إزالة) أى: على نفى
(قوله: والتأكيد إنما يكون لدفع شبهة خالجت) أى:
خالطت قلب السامع أى: والغرض دفعها وما هو دفعها أصرح أولى بأن يكون تأكيدا بخلاف ما لو قيل فى الأول وحدى وفى الثانى لا غيرى، فإنه وإن كان يفيد ما ذكر باللزوم، لكنه ليس كما ذكر فى الصراحة.
(قوله: والتأكيد إنما يكون إلخ) هذا من تتمة التعليل، وهو راجع لهذا التعليل، والذى قبله أعنى قوله: لأنه الدال صراحة على نفى شبهة أن الفعل صدر عن الغير، ويحتمل أنه حذفه من الأول لدلالة هذا الثانى عليه
(قوله: وقد يأتى لتقوى الحكم) أى: ولا يلزمه التخصيص، وأشار بقوله وتقريره أى: تثبيته إلى أن المراد بالتقوى التقوية.
(قوله: نحو هو يعطى الجزيل) إنما كان التقديم فى هذا المثال ونحوه من كل مثال تقدم فيه المسند إليه على فعل مسند إلى ضميره إسنادا تاما مفيدا للتقوى؛ لأن المبتدأ طالب للخبر، فإذا كان الفعل بعده صرفه لنفسه فيثبت له، ثم ينصرف ذلك الفعل للضمير الذى قد تضمنه وهو عائد على المبتدأ فيثبت له مرة أخرى، فصار الكلام بمثابة أن يقال: يعطى زيد الجزيل يعطى زيد الجزيل، هذا حاصل ما يأتى للشارح
(قوله: قصدا) أى: يقال ذلك للقصد إلى تحقيق إلخ لا لقصد أن غيره لم يفعل ذلك
(قوله: أنه يفعل إعطاء) فيه أن الإعطاء فعل فكيف يفعل الفعل، وأجيب بأن الفعل الأول: عام، والثانى: خاص، ويصح تعلق العام بالخاص، أو أن الفعل الأول بالمعنى المصدرى، والثانى بمعنى الحاصل بالمصدر
(قوله: وسيرد عليك) أى: فى مبحث كون المسند جملة خبرية
(قوله: وكذا إذا كان الفعل منفيا) أى: بحرف نفى مؤخر عن المسند إليه كما هو فرض
стр. 635
فقد يأتى التقديم للتخصيص، وقد يأتى للتقوى، فالأول نحو: أنت ما سعيت فى حاجتى؛ قصدا إلى تخصيصه بعدم السعى، والثانى (نحو: أنت لا تكذب) وهو لتقوية الحكم المنفى وتقريره (فإنه أشد لنفى الكذب من: لا تكذب) لما فيه من تكرر الإسناد المفقود فى: لا تكذب، ...
===
المسألة وهو عطف على محذوف أى: فقد يأتى لكذا وكذا إذا كان الفعل مثبتا، والمشار إليه بكذا لبيان المذكور فى: أنا سعيت وفى: هو يعطى الجزيل، والمعنى وكهذا التمثيل الذى فيه مثبت التمثيل إذا كان الفعل منفيا
(قوله: فقد يأتى التقديم إلخ) هذا تفسير لمعنى التشبيه فى قول المصنف: وكذا إن كان الفعل منفيا، لكن قول المصنف:
وكذا إذا كان منفيا، مستفاد من قوله السابق: وإلا إلخ، لشموله له، فكان يكفيه هنا ذكر الأمثلة فقط لما إذا كان الفعل منفيا، ولعله إنما ذكره لزيادة التوضيح ا. هـ سم.
(قوله: نحو أنت ما سعيت إلخ) مثله أنا ما قلت هذا، فالتقديم فيه مفيد للتخصيص فهو مثل أنا ما قلت هذا، كما مرّ. نعم يفترقان من جهة أن ما أنا قلته إنما يلقى لمن اعتقد ثبوت القول، وأصاب فى ذلك، ولكنه أخطأ فى نسبته للمتكلم إما انفرادا أو على سبيل المشاركة، وأما أنا ما قلته فإنه يلقى لمن اعتقد عدم القول، وأصاب فى ذلك، ونسبه لغير المتكلم، ولكنه أخطأ فى ذلك
(قوله: قصدا إلى تخصيصه بعدم السعى) أى: وإثبات السعى لغيره
(قوله: لتقوية الحكم المنفى) الأولى حذف المنفى؛ لأن الحكم المنفى هو الكذب، وليس المراد تقوية الكذب المنفى، وإنما المراد تقوية نفى الكذب، يدل لذلك قول المصنف: فإنه أشد لنفى الكذب، ولم يقل أشد للكذب المنفى، فلو قال: لتقوية الحكم وحذف المنفى كان صحيحا؛ لأن المراد بالحكم حينئذ نفى الكذب وكذا لو قال تقوية نفى الحكم؛ لأن المراد بالحكم حينئذ المحكوم به وهو الكذب إلا، أن يجاب بأن مراد الشارح المنفى من حيث نفيه، فالملحوظ حينئذ نفيه لا ذاته
(قوله: فإنه أشد) هذا تعليل لكون أنت لا تكذب مقيدا للتقوى، وقوله أشد أى أقوى، ثم إن أفعل ليس على بابه؛ لأن لا تكذب ليس فيه شدة لنفى الكذب، بل مفيد لنفى الكذب
(قوله: لما فيه من تكرر الإسناد) أى: لأن الفعل فى أنت لا تكذب
стр. 636
واقتصر المصنف على مثال التقوى ليفرع عليه التفرقة بينه وبين تأكيد المسند إليه كما أشار إليه بقوله (وكذا من: لا تكذب أنت) يعنى: أنه أشد لنفى الكذب من:
لا تكذب أنت مع أن فيه تأكيدا (لأنه) أى: لأن لفظ أنت ...
===
مسند مرتين مرة إلى المبتدأ ومرة إلى الضمير المستتر فهو بمثابة أن يقال: أنت لا تكذب- أنت لا تكذب.
قال العلامة اليعقوبى: وقد فهم من بيان علة التقوى أن التخصيص لا يخلو عن التقوى؛ لأنه مشتمل على الإسناد مرتين، لكن فرق بين أن يكون الشىء مقصودا بالذات وأن يكون حاصلا بالتبع.
(قوله: واقتصر المصنف على مثال التقوى) أى: ولم يذكر مثال التخصيص أيضا مع أن الفعل المنفى يحتاج لمثالين
(قوله: ليفرع إلخ) قد يقال إن التفريع المذكور متأت مع ذكر مثال التخصيص أيضا بأن يذكر مثال التخصيص، ثم مثال التقوى، ثم يفرع عليه ذلك إلا أن يقال قصد المصنف الاقتصار على أحد المثالين اختصارا؛ لأنه معلوم من أول الكلام أن النفى يأتى لهما، فلما دار الأمر بين ذكر أحدهما اقتصر على مثال التقوى ليفرع عليه، وحينئذ فقول الشارح، واقتصر إلخ معناه: واقتصر على مثال التقوى أى: ولم يقتصر على مثال التخصيص، وليس معناه: ولم يذكرهما جميعا، بقى شىء آخر: وهو أنه قد يقال: إن هذا المثال الذى ذكره المصنف مثال للأمرين لصلاحيته لذلك، لكن المصنف اقتصر فيه على بيان التقوى حيث قال: فإنه أشد، لأجل أن يفرع عليه الفرق بين التقوى وتأكيد المسند إليه؛ لأنه محل اشتباه باعتبار أن كلا فيه دلالة على عدم الكذب، ومحتو على ضمير المخاطب مرتين، وترك بيان حال الآخر وهو التخصيص لظهوره، إذا علمت ذلك فقول الشارح واقتصر إلخ، أى: أنه لم يبين التمثيل إلا بالتقوى باعتبار قوله: فإنه أشد إلخ، وليس المراد أنه لم يورد مثال التخصيص لما علمت أن المثال المذكور صالح لهما. قرره شيخنا العدوى.
(قوله: وكذا من لا تكذب أنت) أى: وكذا هو أى: أنت لا تكذب أشد فى نفى الكذب من لا تكذب أنت
(قوله: مع أن فيه) أى فى لا تكذب أنت تأكيدا أى:
стр. 637
أو لأن لفظ: لا تكذب أنت (لتأكيد المحكوم عليه) بأنه ضمير المخاطب تحقيقا وليس الإسناد إليه على سبيل السهو أو التجوز أو النسيان (لا) لتأكيد (الحكم) لعدم تكرر الإسناد هذا الذى ذكر من أن التقديم للتخصيص تارة وللتقوى أخرى إن بنى الفعل على معرف (وإن بنى) الفعل (على منكر أفاد) التقديم (تخصيص الجنس أو الواحد به) أى: بالفعل ...
===
للمسند إليه
(قوله: أو لأن لفظ لا تكذب أنت لتأكيد إلخ) أى: باعتبار اشتماله على أنت، وحينئذ فالاحتمال الأول أولى
(قوله: بأنه ضمير المخاطب) متعلق بتأكيد وضمير أنه للمحكوم عليه أى: بسبب أن المحكوم عليه ضمير المخاطب
(قوله: لعدم تكرر الإسناد) أى: الموجب لتأكيد الحكم وتأكيد الحكم أقوى من تأكيد المحكوم عليه، والفرق بين الأمرين أن تأكيد الحكم المفيد للتقوى أن يكون الإسناد مكررا بخلاف تأكيد المحكوم عليه، فإن الإسناد فيه واحد، وفائدته دفع توهم تجوز أو غلط أو نسيان، فلو قيل لا تكذب، لربما توهم أنه تجوز فى الإسناد لضمير المخاطب، وأن المعنى الحقيقى لا يكذب أى: فلان الغائب، فأتى بقوله أنت أى لا غيرك
(قوله: هذا إلخ) إشارة إلى تعيين ما عطف عليه قوله: وإن بنى
(قوله: الذى ذكر) أى: فى قوله: وقد يقدم إلخ.
(قوله: من أن التقديم للتخصيص) أى: نصا أو احتمالا ليوافق إرجاع اسم الإشارة إلى ما قبل قوله، وإلا أيضا كما يدل عليه عبارته فى الإيضاح- أفاده عبد الحكيم. فاندفع ما قيل كان الأولى للشارح أن يقول من أن التقديم للتخصيص جزما، وللتخصيص تارة، وللتقوى أخرى
(قوله: إن بنى الفعل على معرف) أى: إن كان المسند إليه معرفة سواء كان اسما ظاهرا أو ضميرا
(قوله: وإن بنى على منكر أفاد إلخ) أى:
سواء ولى المنكر حرف النفى أو لا
(قوله: تخصيص الجنس) أراد به الجنس اللغوى، وهو ما دل على متعدد فيشمل النوع والصنف
(قوله: أو الواحد) أو مانعة خلو فتجوز الجمع كما إذا كان المخاطب جازما بحصول المجىء، ولم يعلم هل الجائى من جنس الرجال أو النساء، وعلى تقدير كونه من جنس الرجال هل هو واحد أو أكثر فيقال:
رجل جاءنى أى لا امرأة ولا رجلان أى: أن المجىء مقصور على الواحد من ذلك الجنس،
стр. 638
(نحو: رجل جاءنى؛ أى: لا امرأة) فيكون تخصيص جنس (أو لا رجلان) فيكون تخصيص واحد وذلك أن اسم الجنس حامل لمعنيين: الجنسية والعدد المعين؛ ...
===
ثم إن قول المصنف أو الواحد، مراده به العدد المعين من إطلاق الخاص وإرادة العام، أو هو من باب الاكتفاء، والأصل أو الواحد أو الاثنين أو الأكثر، واقتصر على الواحد؛ لأنه أقل ما توجد فيه الحقيقة ويفهم غيره بطريق المقايسة، فاندفع قول بعضهم: انظر لم سكت عن الاثنين والجمع.
(قوله: نحو رجل جاءنى) المجوز لوقوع النكرة مبتدأ كونها فاعلا فى المعنى؛ لأن المعنى ما جاءنى إلا رجل، وكان على المصنف أن يزيد: ما رجل جاءنى ورجل ما جاءنى، على ما تقدم فى المعرفة.
(قوله: نحو رجل جاءنى أى لا امرأة) أى: أن المجىء مقصور على هذا الجنس دون هذا الجنس الآخر، وكون الذى جاء واحدا أو أكثر ليس منظورا له
(قوله: فيكون تخصيص جنس) أراد به الصنف فلا يقال إن الرجل والمرأة كل منهما ليس جنسا، بل صنفا من النوع، أو المراد الجنس اللغوى وهو ما دل على كثيرين
(قوله: وذلك) أى:
وبيان ذلك الاختصاص
(قوله: حامل لمعنيين) أى: محتمل لهما ومشعر بهما عند استعماله فى الماصدقات، سواء قلنا إنه موضوع للحقيقة أو لفرد منها مبهم، فإذا كان اسم الجنس مفردا كان فيه الجنسية والوحدة أو مثنى ففيه الاثنينية والجنس أو جمعا ففيه الجمعية والجنس، وحيث كان حاملا لهما وحكم عليه بفعل على وجه تخصيصه به، فيجوز أن ينصرف التخصيص إلى الجنسية فيكون ما انتفى عنه الفعل هو الجنس المقابل للمحكوم عليه، فيقال فى المفرد: رجل جاءنى أى: لا امرأة، وفى المثنى رجلان جاءانى أى: لا امرأتان، وفى الجمع: رجال جاءونى أى: لا نساء، إذا كان اعتقاد المخاطب أن الجائى من جنس المرأة فقط فيكون التخصيص قصر قلب، أو هو من جنس الرجل والمرأة فيكون قصر أفراد، ويجوز أن ينصرف إلى العدد فيقال فى المفرد رجل جاءنى أى لا اثنان ولا جمع أو رجلان جاءانى أى: لا واحد ولا جماعة، أو رجال جاءونى أى: لا واحد ولا اثنان إذا كان اعتقاد المخاطب عددية مخصوصة دون غيرها، والواقع بخلافه ويجرى فيه قصر القلب والإفراد على حسب الاعتقاد كما مر، وإنما قيدنا بقولنا عند
стр. 639
أعنى: الواحد إن كان مفردا والاثنين إن كان مثنى والزائد عليه إن كان جمعا، فأصل النكرة المفردة أن تكون لواحد من الجنس، وقد يقصد به الجنس فقط، وقد يقصد به الواحد فقط ...
===
استعماله فى الماصدقات؛ لأن إفادة المنكر للعدد إنما هى عند ذلك الاستعمال، وأما عند استعماله فى الحقيقة بناء على وضع المنكر لها فلا يتأتى تخصيص العدد، فإن قلت: إنه متى استعمل فى الماصدقات لم يخل عن إفادة العدد، وحينئذ فالحصران الجنسى والعددى لا يفترقان، وظاهر المصنف افتراقهما قلت: فرق بين أن يكون الشىء مقصودا وبين أن يكون موجودا من غير قصد، فالقصر الجنسى وإن كان لا يخلو عن العدد بهذا الاعتبار، لكن المقصود بالذات الإشعار بالتخصيص الجنسى للرد على المخاطب، والتخصيص العددى موجود غير مقصود بالذات، وكذا العكس
(قوله: أعنى) أى: بالعدد المعين الواحد من الجنس أى: من إفراده وجعله عددا باعتبار العرف، وإن كان لا يقال له عدد عند الحساب
(قوله: إن كان) أى: اسم الجنس مفردا
(قوله: والاثنين) أى: فإنه عدد معين كما أن الواحد كذلك، وأما الجمع فإنه معين باعتبار أنه لا يتناول الواحد والاثنين فتعينه إضافى، وإلا فالجمع لا يدل على عدد معين؛ لأنه لا نهاية له
(قوله: والزائد عليه) أى: على الاثنين، وإفراد الضمير لتأويلهما بالعدد.
(قوله: فأصل النكرة إلخ) الفاء فاء الفصيحة أى: إذا أردت تحقيق المقام، فنقول لك أصل النكرة إلخ، وليست تفريعية، إذ لم يتقدم ما يتفرع عليه؛ هذا لأن غاية ما يفيده الأول أن اسم الجنس متحمل لمعينين يصح أن يراد منه هذا وأن يراد منه هذا، وكون أحدهما الأصل لم يعلم- كذا قرره شيخنا العدوى.
وقوله: فأصل النكرة أى: اسم الجنس المنكر المفرد، وقوله: أن تكون لواحد من الجنس أى: أن تستعمل فى واحد ملحوظ فيه الجنس بحيث تكون دالة على الأمرين الواحد والجنس، وإن كانت موضوعة للمفهوم
(قوله: وقد يقصد به) أى: بالنكرة المفردة وذكر باعتبار أنها اسم جنس، وقوله: الجنس فقط أى: ولا يقصد الواحد للعلم به كقولك رجل جاءنى لمن كان عالما بأن الجائى واحد، ولم يعلم هل هو من جنس الرجال أو النساء
(قوله: وقد يقصد به الواحد) أى: من غير أن يقصد به الجنس للعلم
стр. 640
والذى يشعر به كلام الشيخ فى دلائل الإعجاز أنه لا فرق بين المعرفة والنكرة فى أن البناء عليه قد يكون للتخصيص وقد يكون للتقوى ...
===
به كقولك: رجل جاءنى لمن كان عالما بأن الجائى من جنس الرجال وشك هل هو واحد أو أكثر وقد يقصد به الجنس والواحد كما لو كان المخاطب عالما بحصول المجىء، لكن لا يعلم هل الجائى من جنس الرجال أو النساء وهل هو واحد أو أكثر، فإذا قيل له رجل جاءنى كان المعنى الجائى واحد. من هذا الجنس لا امرأة ولا رجلان
(قوله: والذى يشعر إلخ) هذا اعتراض على المصنف حيث اقتضى صنيعه أن الفعل متى بنى على منكر تعين فيه التخصيص ولا يجرى فيه التقوى مع أن الذى يشعر به كلام الشيخ صحة جريان التقوى فيه كالمعرفة، فإذا قيل رجل جاءنى، فالمعنى أنه جاء ولا بد وهذا لا ينافى أن المرأة جاءت أيضا، إذ ليس القصد التخصيص، فالمصنف قد نسب للشيخ عبد القاهر شيئا لم يقل به صراحة ولم يشعر به كلامه، لكن محل إفادة تقديم المنكر للتخصيص أو التقوى أن يقصد بالمنكر الجنس أو الواحد أما إن لم يقصد شىء منهما، بأن حمل التنوين على التعظيم والتهويل وغير ذلك، لم يفد التقوى ولا التخصيص بالوصف المستفاد من التنكير المصحح للابتداء أى: لأنك إذا جعلت التنوين فى رجل للتعظيم فهو المقصود لا الجنس ولا الواحد
(قوله: فى أن البناء عليه) أى: فى أن بناء الفعل على المسند إليه معرفا أو منكرا قد يكون للتخصيص، وقد يكون للتقوى، وحاصل مذهبه التعويل على حرف النفى، وأنه إن تقدم على المسند إليه أفاد التقديم التخصيص سواء كان المسند إليه نكرة نحو: ما رجل قال هذا، أو معرفة ظاهرة نحو:
ما زيد قال هذا، أو ضميرا نحو: ما أنا قلت هذا، وإن لم يتقدم حرف النفى بأن لم يكن أصلا أو كان وتأخر، فتارة يفيد التقديم التخصيص، وتارة يفيد التقوى من غير فرق بين نكرة ومعرفة ظاهرة أو مضمرة، فصور الاحتمال عنده ست، وصور تعين التخصيص ثلاث، فالجملة تسعة، فقول الشارح فى أن البناء عليه قد يكون للتخصيص إلخ لا ينافى ما قلناه؛ لأن قد وقد صادق مع تعين بعض الأقسام للتخصيص.
стр. 641
(ووافقه) أى: عبد القاهر (١) (السكاكى على ذلك) أى: على أن التقديم يفيد التخصيص لكن خالفه فى شرائط وتفاصيل فإن مذهب الشيخ أنه إن ولى حرف النفى فهو للتخصيص قطعا، وإلا فقد يكون للتخصيص، وقد يكون للتقوى؛ مضمرا كان الاسم أو مظهرا، معرفا أو منكرا، مثبتا كان الفعل أو منفيا. ومذهب السكاكى أنه ...
[موافقة السكاكى لرأى عبد القاهر]:
===
(قوله: أى على أن التقديم يفيد التخصيص) إنما لم يقل والتقوى؛ لأن التخصيص محل النزاع بينهما، وأما التقوى فموجود فى جميع صور التقديم، وإن كان غير ملحوظ فى بعضها.
(قوله: فى شرائط) هى ثلاثة الأول: جواز تأخير المسند إليه على أنه فاعل فى المعنى فقط، والثانى: تقدير كونه كان مؤخرا فى الأصل، فقدم لإفادة الاختصاص، والثالث: أن لا يمنع من التخصيص مانع، فهذه الشروط لا يقول بها عبد القاهر، إذا المدار عنده على تقدم حرف النفى. فمتى تقدم حرف النفى على المسند إليه كان التقديم للتخصيص
(قوله: وتفاصيل) هى ترجع إلى ثلاثة ما يكون للتقوى فقط، وما يكون للتخصيص فقط وما يحتملهما، وقد أشار إليها الشارح بقوله ومذهب السكاكى إلخ، وفيه أن عبد القاهر يقول بالتفصيل الثانى والثالث، فلعل المراد أنه خالفه فى مجموعها أو فى بعضها أى أن السكاكى قال بتفاصيل لم يقل بها كلها عبد القاهر
(قوله: فإن مذهب الشيخ إلخ) حاصل مذهبه على ما ذكره الشارح أن المسند إليه إما نكرة وإما معرفة ظاهرة، أو ضمير، فهذه ثلاث وفى كل منها إما أن يتقدم على المسند إليه حرف النفى أو لا بأن لم يكن حرف نفى أصلا أو تأخر، فالجملة تسعة، فمتى تقدم حرف النفى على المسند إليه كان التقديم مفيدا للتخصيص، كان المسند إليه نكرة أو معرفة ظاهرة أو مضمرة، وإن لم يكن نفى أصلا أو كان، ولكن تأخر عن المسند إليه كان نكرة أو معرفة ظاهرة أو مضمرة، فتارة يكون للتخصيص، وتارة يكون للتقوى،
стр. 642
إن كان نكرة فهو للتخصيص إن لم يمنع منه مانع، وإن كان معرفة فإن كان مظهرا فليس إلا للتقوى، وإن كان مضمرا ...
===
فصور الاحتمال ست، هذا حاصل مذهبه. إذا علمت هذا تعلم أن قول الشارح مضمرا كان الاسم أو مظهرا معرفا أو منكرا: راجع لما قبل إلا، ولما بعدها على ما ذكره الشارح سابقا فى قوله: والذى يشعر به كلام الشيخ، وقوله: مثبتا كان الفعل أو منفيا، راجع لما بعد إلا فقط
(قوله: وإن كان نكرة فهو) أى: التقديم للتخصيص جزما أى: سواء تقدم حرف النفى أو تأخر أو لم يكن نفى أصلا فوافق السكاكى عبد القاهر فى صورة من هذه الثلاثة وهى ما إذا تقدم حرف النفى وخالفه فيما إذا تأخر أو لم يكن نفى؛ لأنهما عند عبد القاهر من صور الاحتمال، وإنما كان تقديم المنكر يفيد التخصيص عند السكاكى فى الأحوال الثلاثة لوجود الشرطين الآتيين فى كلام المصنف فى كل منكر
(قوله: فإن كان مظهرا) أى سواء تقدم حرف النفى أو تأخر أو لم يكن نفى وهو مخالف لعبد القاهر فى هذه الصور الثلاثة؛ لأن الأولى عنده من صور التخصيص جزما، والأخيرتين عنده من صور الاحتمال، وإنما كان تقديم المعرفة الظاهرة عند السكاكى للتقوى فقط لانتفاء أحد الشرطين الآتيين بعد وهو جواز تقدير كونه مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط
(قوله: وإن كان مضمرا) أى: سواء تقدم حرف النفى أو تأخر، أو لم يكن نفى، فقد وافق عبد القاهر فيما إذا تأخر حرف النفى أو لم يكن، وخالفه فيما إذا تقدم؛ لأنه عنده للتخصيص من غير احتمال، فصار الحاصل أن صور موافقة الشيخين ثلاثة: الأولى: ما رجل قال هذا فإنه يفيد التخصيص جزما عند الشيخ لتقدم حرف النفى وعند السكاكى لتنكير المسند إليه، وثانيتها وثالثتها: أنا ما قلت هذا، وأنا قلت هذا، فإنه محتمل للتخصيص والتقوى عندهما لوقوع المسند إليه ضميرا ولم يسبق بنفى وصور اختلافهما الستة الباقية: إحداها: الضمير الواقع بعد النفى نحو ما أنا قلت هذا، فالتقديم فيه متعين للتخصيص عند الشيخ لتقدم النفى محتمل عند السكاكى لكون المسند إليه ضميرا. ثانيتها: الاسم الظاهر المعرفة الواقع بعد النفى نحو:
ما زيد قال هذا، فهو متعين للتخصيص عند الشيخ ومتعين للتقوى عند السكاكى.
стр. 643
فقد يكون للتقوى وقد يكون للتخصيص من غير تفرقة بين ما يلى حرف النفى وغيره، وإلى هذا أشار بقوله: (إلا أنه) أى السكاكى (قال: التقديم يفيد الاختصاص إن جاز تقدير كونه) أى: المسند إليه (فى الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط) ...
===
ثالثتها: النكرة الواقعة قبل النفى نحو: رجل ما قال هذا، فهو متعين للتخصيص عند السكاكى محتمل عند الشيخ. رابعتها: الاسم الظاهر الواقع قبل النفى نحو: زيد ما قال هذا فهو محتمل عند الشيخ متعين للتقوى عند السكاكى. خامستها: النكرة الواقعة فى الإثبات نحو: رجل قال هذا، فهو متعين للتخصيص عند السكاكى ومحتمل عند الشيخ.
سادستها: المعرفة المظهرة الواقعة فى الإثبات نحو: زيد قال هذا، متعين للتقوى عند السكاكى ومحتمل عند الشيخ.
وعلم من هذا أنه ليس عند الشيخ قسم يتعين فيه التقوى، بل حاصل مذهبه التفصيل إلى ما يجب فيه التخصيص وإلى ما يجوز فيه التقوى والتخصيص، وشرطه فى الأول تقدم النفى فقط، وحاصل مذهب السكاكى التفصيل إلى ما يجب فيه التخصيص وإلى ما يجب فيه التقوى، وإلى ما يجوز فيه الأمران، وشرط فى الأول جواز تأخير المسند إليه على أنه فاعل فى المعنى فقط مقدر التقديم عن تأخير مع كون النكرة خالية من المانع الذى يمنع من التخصيص.
(قوله: فقد يكون للتقوى إلخ) نحو: أنا عرفت فإنه يجوز أن يقدر ذلك الضمير مؤخرا على أنه توكيد وهو فاعل فى المعنى، ثم إن قدر كون أنا مؤخرا فى الأصل، ثم قدم كان التقديم مفيدا للتخصيص، وإن لم يقدر فيه ذلك بالفعل كان التقديم مفيدا لتقوى الإسناد لتكرره، فالحاصل أن التقديم فى: أنا عرفت مفيد للتقوى عند انتفاء الشرط الثانى ومفيد للتخصيص عند وجوده مع الشرط الأول اللازم له
(قوله: من غير تفرقة إلخ) راجع للتفاصيل الثلاثة قبله
(قوله: وإلى هذا أشار بقوله إلخ) أى: فأشار إلى أنه إن كان المسند إليه نكرة كان التقديم مفيدا للتخصيص إن لم يمنع من التخصيص مانع بقوله، واستثنى المنكر، وبقوله وشرطه إذا لم يمنع منه مانع، وأشار إلى أنه إن كان
стр. 644
لا لفظا (نحو: أنا قمت) فإنه يجوز أن يقدر أن أصله: قمت أنا فيكون أنا فاعلا معنى، تأكيدا لفظا (وقدر) عطف على جاز يعنى إن إفادة التخصيص مشروطة بشرطين؛ أحدهما: جواز التقدير، والآخر أن يعتبر ذلك؛ أى: يقدر أنه كان فى الأصل مؤخرا (وإلا) أى: وإن لم يوجد الشرطان (فلا يفيد) التقديم (إلا تقوى الحكم) سواء (جاز) تقدير التأخير (كما مر) فى نحو: أنا قمت (ولم يقدر أو لم يجز) تقدير التأخير أصلا (نحو: زيد قام) فإنه لا يجوز أن يقدر أن أصله: قام زيد، فقدم لما سنذكره، ولما كان مقتضى هذا الكلام ...
===
معرفة مظهرة فتقديمها ليس إلا للتقوى بقوله: بخلاف المعرفة؛ لأنها إذا تأخرت كانت فاعلا لفظا وأشار إلى أنه إذا كان مضمرا فقد يكون للتقوى بقوله: وإلا فلا يفيد إلا التقوى، وأشار إلى أنه إن كان مضمرا قد يكون تقديمه للتخصيص بقوله: إن جاز تقدير كونه فى الأصل إلخ
(قوله: لا لفظا) وذلك بأن يكون توكيدا للفاعل الاصطلاحى أو بدلا منه، فإنه إذا كان كذلك كان فاعلا فى المعنى لا فى اللفظ
(قوله: فيكون أنا فاعلا معنى) أى: لأنه مرادف للفاعل الاصطلاحى
(قوله: وقدر) أى: وقدر أنه كان مؤخرا فى الأصل، ثم قدم لأجل إفادة الاختصاص، ويعلم السامع أن المتكلم قدر ذلك بالقرائن، ثم إنه لا يستغنى بهذا الشرط عما قبله، ولا العكس؛ لأنه لا يلزم من جواز التأخير تقديره بالفعل ولا من التقدير بالفعل أن يكون جائز التأخير؛ لأن المحال يقدر
(قوله: أحدهما جواز التقدير) أى: تقديره مؤخرا.
(قوله: أى يقدر أنه كان فى الأصل مؤخرا) لم يقل على أنه فاعل معنى فقط لعلمه مما مر
(قوله: سواء جاز تقدير التأخير) أى: على أنه فاعل معنى فقط وهذا مفهوم الشرط الثانى، وقوله: ولم يقدر أى: ولم يلاحظ التقدير
(قوله: أو لم يجز تقدير التأخير) أى: وإن قدر مؤخرا بالفعل جهلا بالقواعد، وهذا مفهوم الشرط الأول فهو لف ونشر مشوش
(قوله: لما سنذكره) أى: عند قوله بخلاف المعرف من أنه يكون إذا أخر فاعلا لفظا لا معنى، فيلزم على كون أصل زيد قام: قام زيد، تقديم الفاعل اللفظى وهو لا يجوز
(قوله: ولما كان مقتضى هذا الكلام) أعنى: قوله وإلا فلا يفيد إلا تقوى
стр. 645
أن لا يكون نحو: رجل جاءنى مفيدا للتخصيص لأنه إذا أخر فهو فاعل لفظا لا معنى؛ استثناه السكاكى وأخرجه من هذا الحكم بأن جعله فى الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى لا لفظا بأن يكون بدلا من الضمير الذى هو فاعل لفظا، وهذا معنى قوله: (واستثنى) السكاكى (المنكر ...
===
الحكم، فإنه يدل على أن ما لا يجوز تقديره مؤخرا على أنه فاعل فى المعنى إنما يفيد تقديمه التقوى، وهذا صادق بالمنكر مثل رجل جاءنى، إذ لا يمكن تقديره مؤخرا على أنه فاعل معنى؛ لأنك إذا قلت جاءنى رجل كان رجل فاعلا لفظا مثل: قام زيد، وحينئذ فمقتضاه أن يكون تقديمه للتقوى فقط لا للتخصيص، فأخرجه من ذلك الحكم
(قوله: أن لا يكون نحو رجل جاءنى) أى: أن لا يكون التقديم فى نحو: رجل جاءنى مفيدا للتخصيص، ففى الكلام حذف، والمراد بنحو رجل جاءنى كل منكر إذا أخر كان فاعلا لفظا لا معنى
(قوله: فهو فاعل لفظا) أى: ومعنى وقوله لا معنى أى فقط، فاندفع ما يقال إنه يلزم من كونه فاعلا فى اللفظ أن يكون فاعلا فى المعنى فلا وجه لذلك النفى
(قوله: وأخرجه من هذا الحكم) عطف تفسير على قوله استثناه إشارة إلى أن المراد بالاستثناء المعنى اللغوى، والمراد بالحكم القاعدة من إطلاق الجزء على الكل وهى كل ما لا يجوز تأخيره على أنه فاعل معنى لم يفد تقديمه التخصيص- كذا قرر، ويصح أن يراد بالحكم امتناع التخصيص حيث لم يجز تقدير كونه فى الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط ويقدر ذلك. ا. هـ سم.
وإذا خرج المنكر من هذا الحكم كان تقديمه مفيدا للتخصيص
(قوله: بأن جعله) أى: بسبب أن جعله وهو متعلق بأخرجه
(قوله: على أنه فاعل معنى) أى: فقط
(قوله: بأن يكون بدلا إلخ) أى: ولا شك أن البدل من الفاعل فاعل فى المعنى فقط، فإن قلت على جعل المنكر بدلا من الضمير الواقع فاعلا يلزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة وذلك ممنوع، قلت: أجازوا ذلك فى مواضع منها البدل ك: زره خالدا.
(قوله: واستثنى السكاكى المنكر) أى: استثناه من قوله: إن لم يوجد الشرطان فلا يفيد التقديم إلا التقوى، وأورد عليه أن الاستثناء فرع الدخول وهذا المستثنى غير داخل فى المستثنى
стр. 646
فجعله من باب: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (١)) أى: على القول (بالإبدال من الضمير) يعنى: قدر أن أصل: رجل جاءنى: جاءنى رجل على أن رجل ليس بفاعل، بل هو بدل من الضمير فى جاءنى؛ كما ذكر فى قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أن الواو فاعل، والَّذِينَ ظَلَمُوا بدل منه، وإنما جعله من هذا الباب (لئلا ينتفى التخصيص؛ إذ لا سبب له) أى: للتخصيص (سواه) أى: سوى تقدير كونه مؤخرا فى الأصل على أنه فاعل معنى، ...
===
منه أعنى قوله: وإلا فلا يفيد إلا التقوى؛ لأن المستثنى منه المذكور لم يوجد فيه الشرطان بخلاف هذا فقد وجدوا فيه على ما قرره السكاكى؛ لأنه إذا أخر كان فاعلا معنى عنده؛ لأنه بدل من الضمير، وحينئذ فلا وجه للتعبير بالاستثناء، وأجيب بأن التعبير بالاستثناء نظرا للظاهر من أن الفعل عند التأخير للنكرة يكون مسندا للظاهر لا للضمير، وإن كان فى الحقيقة ليس استثناء أصلا إذ النكرة موجود فيها الشرطان غاية الأمر أنه تأويل، ثم إن المراد بالمنكر الذى استثناه السكاكى المنكر الذى لا يفيد الحكم عليه حال تنكيره وهو الخالى عن مسوغ للابتداء به؛ لأنه المحتاج إلى اعتبار التخصيص، وأما المنكر الذى يصح الحكم عليه بدون اعتبار التقديم والتأخير نحو: بقرة تكلمت، وكوكب انقض الساعة، ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢) فلا حاجة لاعتبار التخصيص فيه بالتقديم والتأخير ولا بغيره
(قوله: تجعله من باب وأسروا النجوى إلخ) أى: فجعله من باب الذين ظلموا فى قوله تعالى وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أى: أنه جعله مثله فى أنه بدل من الضمير
(قوله: على القول بالإبدال إلخ) أى أنه جعله مثله على أحد الأقوال فى إعراب الآية، وهو أن الذين بدل من الواو، وأما على القول بأن الذين ظلموا مبتدأ، وأسروا خبر مقدم، وكذا على جعل الذين فاعلا، والواو فى أسروا:
حرف زيد ليؤذن من أول وهلة أن الفاعل جمع، وكذا على جعل الذين خبر مبتدأ محذوف أى: هم أو نصبا على الذم فلا يكون المنكر مثل: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
(قوله: وإنما جعله) أى: المنكر، من هذا الباب أى: باب وأسروا النجوى بتقدير كونه مؤخرا فى الأصل على أنه بدل، فقدم لإفادة الاختصاص
(قوله: لئلا ينتفى التخصيص)
стр. 647
ولولا أنه مخصص لما صح وقوعه مبتدأ (بخلاف المعرف) فإنه يجوز وقوعه مبتدأ من غير اعتبار التخصيص فلزم ارتكاب هذا الوجه البعيد فى المنكر دون المعرف، ...
===
المراد به ما به يصح وقوع النكرة مبتدأ، بدليل ما سينقله الشارح عن السكاكى أنه قال إنما يرتكب ذلك الوجه البعيد عن المنكر لفوات شرط الابتداء بالنكرة، وبدليل رد المصنف فيما يأتى انتفاء التخصيص على تقدير عدم الجعل من الباب المذكور لحصول التخصيص بعد هذا التقدير كالتعظيم والتحقير والتقليل والتنكير- فتأمل.
(قوله: ولولا أنه) أى: رجل جاءنى مخصص لما صح وقوعه مبتدأ أى:
فالسكاكى مضطر إلى التخصيص فى المنكر لأجل صحة الابتداء به، ولا يتأتى له التخصيص إلا بجعله من باب وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا لأن بجعله من ذلك الباب يحصل الشرطان المحصلان للتخصيص، هذا حاصله. وقد يقال: المراد بالتخصيص المسوغ للابتداء بالنكرة تقليل الأفراد والشيوع لا بمعنى إثبات الحكم للمذكور ونفيه عن غيره الذى كلامنا فيه فقد التبس عليه الحال. اهـ تقرير شيخنا العدوى.
(قوله: بخلاف المعرف) ظاهر المصنف أن له سببا سواه ولا محصل لهذا الكلام إذ لا شيوع فيه حتى يخصص، ولهذا حاول الشارح تصليح عبارة المصنف بجعل قوله بخلاف المعرف مخرجا من محذوف معلوم من الكلام السابق.
(قوله: من غير اعتبار التخصيص) أى: لأنه لا شيوع فى المعرف حتى يخصص، بل هو معين معلوم
(قوله: فلزم ارتكاب هذا الوجه البعيد) أى: وهو جعل الضمير فاعل الفعل، ثم إبدال الظاهر منه فإنه قليل فى كلامهم، قال عبد الحكيم: وأورد على الشارح أن إبدال الظاهر من الضمير الواقع فاعلا واقع فى القرآن بلا ضرورة كما فى وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (١) فكيف يكون بعيدا؟ والجواب: أن هذا الوجه غير متعين فى كلام الله لجواز وجوه أخر لا شبهة فيها قد علمتها- كذا قال سم.
стр. 648
فإن قيل فيلزمه إبراز الضمير فى مثل: جاءانى رجلان، وجاءونى رجال، والاستعمال بخلافه- قلنا: ليس مراده أن المرفوع فى قولنا: جاءنى رجل بدل لا فاعل فإنه مما لا يقول به عاقل فضلا عن فاضل، بل المراد أن فى مثل قولنا: رجل جاءنى يقدر أن الأصل جاءنى رجل على أن رجلا ...
===
وأيضا الضمير فى الآية بارز لا التباس معه على أنه لا ضرر فى هذا الإلباس؛ لأنه فى أمر غير محقق، إذ البدلية مقدرة
(قوله: فإن قيل إلخ) هذا السؤال مع جوابه يوجد فى بعض النسخ، وحاصله: أن مقتضى كون النكرة يقدر تأخيرها على أنها بدل من الضمير أنها إذا أخرت بالفعل وكانت مثناة أو جمعا يجب إبراز ذلك الضمير فى الفعل؛ لأن ضميرى التثنية والجمع يجب إبرازهما مع أن الاستعمال بخلافه، إذ قولك: جاءنى رجلان، أو رجال أفصح من جاءانى رجلان، وجاءونى رجال، والحاصل: أن مقتضى كون رجلان جاءانى يقدر أن أصله التأخير على أنه بدل أن يجب الإبراز فى حالة التأخير كما برز فى حالة التقديم باتفاق مع أن الإبراز فى حالة التأخير مخالف للاستعمال فى الفصيح، سواء جعلت الألف فاعلا أو حرفا دالا على التثنية، وحاصل الجواب: أنه ليس مراد السكاكى أن المرفوع فى قولك: جاءنى رجل بدل لا فاعل حتى يلزمه وجوب الإبراز فى جاءانى رجلان وجاءونى رجال، وجعل رجلان ورجال بدلين، بل مراده أنه يقدر فى قولك:
رجل جاءنى أن الأصل: جاءنى رجل على أن رجلا بدل لا فاعل، ولا يلزم من تقديره ذلك فى: رجل جاءنى القول بالبدلية بالفعل فى: جاءنى رجل الذى أخر فيه المنكر لفظا ومعنى، حتى يلزم القول بالبدلية بالفعل ووجوب الإبراز فى: جاءانى رجلان، وجاءونى رجال أيضا، والحاصل: أن الذى قاله السكاكى أنه فى صورة تقديم المنكر يقدر أن المنكر مؤخر فى الأصل، وأنه فاعل معنى فقط بدل لفظا ففى مثل: رجل جاءنى، يقدر الأصل:
جاءنى رجل، على أن رجلا بدل لا فاعل وفى رجلان جاءانى رجلان كذلك، وفى رجال جاءونى، جاءونى رجال كذلك، كل ذلك على سبيل الاعتبار والتقدير، ولا يلزم من ذلك القول بالبدلية بالفعل فيما أخر فيه المنكر لفظا ومعنى، بل هو عند التأخير بالفعل فاعل حقيقة، وحينئذ فلا يلزم إبراز ضمير التثنية والجمع عند التأخير
(قوله: فيلزمه) أى:
стр. 649
بدل لا فاعل، ففى مثل: رجال جاءونى يقدر أن الأصل: جاءونى رجال؛ فليتأمل.
(ثم قال) السكاكى (وشرطه) أى: وشرط كون المنكر من هذا الباب، واعتبار التقديم والتأخير فيه (ألا يمنع من التخصيص مانع ...
===
السكاكى أو الوجه البعيد والمفرع عليه محذوف أى: حيث جعل النكرة بدلا من الضمير على تقدير تأخيرها فيلزمه إبراز الضمير أى: استمرار إبرازه عند التأخير بالفعل فى مثل إلخ
(قوله: بدل) أى: حقيقة
(قوله: لا فاعل) أى: بل هو فاعل؛ لأن نفى النفى إثبات
(قوله: فإنه) أى: القول بالبدلية بالفعل عند التأخير
(قوله: فضلا عن فاضل) أى:
انتفى قول العاقل به زيادة عن نفى قول الفاضل
(قوله: يقدر أن الأصل إلخ) أى: فهذه الأصالة تقديرية كما يقدر المحال، وحينئذ فلا يلزم منها وقوع تأخره على أنه فاعل معنى فقط، بل بدل لفظا
(قوله: يقدر أن الأصل جاءونى رجال) أى: ولا يلزم من كونه يقدر أن الأصل ذلك عند التقديم أنه يقال ذلك عند التأخير، بل يقال جاءنى رجال على أن رجال فاعل
(قوله: فليتأمل) إنما قال ذلك؛ لأنه مجرد اعتبار لا أنه بالفعل. اه نوبى.
(قوله: ثم قال السكاكى إلخ) ثم هنا للترتيب فى الذكر والإخبار أى: ثم بعد ما تقدم عن السكاكى أخبرك بأن السكاكى قال إلخ، وليست للترتيب الزمانى، وأن القول الثانى بعد الأول فى الزمان؛ لأن قول السكاكى إذا لم يمنع مانع متصل ببيان التخصيص والاستثناء. اه عبد الحكيم.
(قوله: من هذا الباب) أى: باب وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (١) وقوله: واعتبار التقديم إلخ من عطف السبب على المسبب
(قوله: ألا يمنع إلخ) هذا توطئة لبيان انتفاء التخصيص فى قولهم: " شرّ أهرّ ذا ناب"، وبيان وجه التوفيق، وإلا فكون التخصيص مشروطا بعدم المانع منه أمر جلى لا يحتاج لبيان
(قوله: مانع) هو انتفاء فائدة القصر من رد اعتقاد المخاطب فى قيد الحكم مع تسليم أصله. اهـ الأطول.
стр. 650
كقولك: رجل جاءنى على ما مر) أن معناه: رجل جاءنى لا امرأة، أو لا رجلان (دون قولهم شرّ أهر ذا ناب) (١) فإن فيه مانعا من التخصيص (أما على التقدير الأول) يعنى: تخصيص الجنس (فلامتناع أن يراد: المهرّ شر لا خير) لأن المهر لا يكون إلا شرا (وأما على) التقدير (الثانى) يعنى: تخصيص الواحد (فلنبوه عن مظان استعماله) أى: لنبو تخصيص الواحد عن مواضع استعمال هذا الكلام؛ ...
===
(قوله: كقولك رجل جاءنى) أى: فإنه ليس فيه مانع من التخصيص فهو مثال للنفى
(قوله: شر أهر ذا ناب) الهرير صوت الكلب عند عجزه عن دفع ما يؤذيه أى:
شر جعل الكلب ذا الناب مهرا أى: مصوتا ومفزعا
(قوله: لأن المهر) أى: الأمر المفزع للكلب والموجب لتصويته لا يكون إلا شرا؛ لأن حصول الخير للكلب لا يهره ولا يفزعه، وإذا كان كذلك فلا يتوهم أحد أن الإهرار يكون بالخير حتى يرد عليه بالحصر؛ لأن نفى الشىء عن الشىء فرع عن إمكان ثبوته له، هذا حاصل كلامه. وفيه نظر؛ لأن التخصيص قد يكون فى المنزل منزلة المجهول، وقد يكون لمجرد التوكيد، فاختصاص الشر بالهرير- وإن كان معلوما لكل أحد- فيجوز أن ينزل منزلة المجهول ويستعمل فيه القصر، أو أنه استعمل فيه على سبيل التأكيد أو لغفلة المخاطب عن كون المهر لا يكون إلا شرا، بل يحتمل عنده أن يكون خيرا أيضا، وقد يجاب بأن الأصل فى التخصيص أن يكون فيما يمكن فيه الإنكار واستعماله فيما ذكر خلاف الأصل فيه. تأمل.
إن قلت كون المهر لا يكون إلا شرا إنما يقتضى عدم الاحتياج للتخصيص، لا امتناعه كما ادعاه المصنف قلت: اللازم وإن كان عدم الاحتياج فقط إلا أن ما لا يحتاج له ممتنع عند البلغاء الذين كلامهم موضوع الفن.
(قوله: فلنبوّه) أى: هذا التقدير عن مظان أى: موارد استعماله.
стр. 651
لأنه لا يقصد به أن المهر شر، لا شران، وهذا ظاهر (وإذ قد صرح الأئمة بتخصيصه حيث تأولوه بما أهر ذا ناب إلا شر فالوجه) أى: وجه الجمع بين قولهم بتخصيصه وقولنا بالمانع من التخصيص (تفظيع شأن الشر بتنكيره) أى:
جعل التنكير للتعظيم والتهويل ...
===
(قوله: لأنه لا يقصد إلخ) وذلك لأن هذا الكلام إنما يقال فى مقام الحث على شدة الحزم لدفع هذا الشر، والتحريض على قوة الاعتناء بدفعه لعظمه، وكون المهر شرا لا شرين مما يوجب تساهل المخاطب فى دفعه وقلة الاعتناء، وحينئذ فلا يصلح قصده من ذلك الكلام
(قوله: وإذ قد صرح الأئمة إلخ) الظرف متعلق بمحذوف أى ولزم طلب وجه للتخصيص وقت تصريح الإئمة إلخ حيث تأولوه أى: لأنهم تأولوه أى: شر أهر ذا ناب أى: فسروه
(قوله: بما أهر ذا ناب إلا شر) أى: ولا شك أن ما وإلا يفيدان الاختصاص
(قوله: فالوجه) يجوز أن تكون الفاء للتفريع على متعلق الظرف الذى قدرناه أو أنه أجرى إذ مجرى إن لمرافقته إياه فى الحركة والسكون وعدد الحروف، فأدخل الفاء فى جوابه كما قالوا فى قوله تعالى فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١) ومحصل ما فى المقام أن السكاكى ذكر أن فى:
" شر أهر ذا ناب" مانعا من التخصيص، والنحويون تأولوا هذا الكلام بما أهر ذا ناب إلا شر، ولا شك أن ما وإلا يفيدان الاختصاص، فبين الكلامين تناقض، فأشار المصنف إلى الجمع بين الكلامين بأن التخصيص الذى نفاه السكاكى تخصيص الجنس أو الفرد وما قاله النحاة تخصيص النوع، فلا منافاة لعدم توارد النفى والإيجاب على شىء واحد
(قوله: أى وجه الجمع إلخ) فى الحقيقة الوجه المطلوب إنما هو لإفادة المثال التخصيص، وإن كان يلزم ذلك الجمع بين الكلامين- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: وقولنا بالمانع من التخصيص) أى: قول السكاكى ذلك؛ لأن قوله: وإذ قد صرح إلخ: من كلامه
(قوله: بتنكيره) أى: بسبب تنكيره أى: إن تفظيع شأن الشر
стр. 652
ليكون المعنى: شر عظيم فظيع أهر ذا ناب لا شر حقير فيكون تخصيصا نوعيا، والمانع إنما كان من تخصيص الجنس أو الواحد (وفيه) أى: فيما ذهب إليه السكاكى (نظر؛ إذ الفاعل اللفظى والمعنوى) كالتأكيد والبدل ...
===
وتعظيمه جاء من تنكيره أى: من جعل تنكيره للتعظيم
(قوله: ليكون المعنى شر عظيم إلخ) أى: فيصح قولهم: ما أهر ذا ناب إلا شر، أى: إلا شر فظيع أى: عظيم لا شر حقير؛ لأن التقييد بالوصف نفى للحكم عما عداه، كما هو طريقة بعض الأصوليين
(قوله: فيكون تخصيصا نوعيا) أى: لكون المخصص نوعا من الشر لا الجنس ولا الواحد.
(قوله: والمانع إنما كان من تخصيص إلخ) أى: إنما كان يمنع من تخصيص الجنس أو الواحد، وحينئذ فلا منافاة بين قول السكاكى: إن فيه مانعا من التخصيص، وبين كلام القوم المفيد أن فيه تخصيصا؛ لأن كل واحد ناظر لجهة، فالقوم ناظرون للتخصيص النوعى وهو المصحح للابتداء وهو غير متوقف على تقدير التقديم من تأخير والسكاكى ناظر لتخصيص الجنس والفرد اللذين لا سبيل لهما إلا تقدير كون المسند إليه مؤخرا فى الأصل ثم قدم، قال العلامة اليعقوبى، ولا يخفى ما فى هذا الكلام من التحكم حيث التزم تقدير التأخير فى الأصل فى تخصيص الجنس والفرد دون النوع، فإن اعتبار تقدير الوصف ليتحقق جواز الابتداء مع التخصيص النوعى هو المغنى عن تقدير التقديم فيه وتجويز الابتداء فيهما يمكن بتقدير الوصف أو الموصوف بأن يكون المعنى فى الأفراد مثلا: رجل واحد جاءنى، وفى الجنس مثلا: واحد من جنس الرجال جاءنى
(قوله: أى فيما ذهب إليه السكاكى) أى: من دعواه أن التقديم لا يفيد التخصيص إلا إذا كان ذلك المقدم يجوز تقديره مؤخرا فى الأصل على أنه فاعل معنى فقط، وقدر بالفعل كونه فى الأصل مؤخرا، ومن أن رجل جاءنى لا سبب للتخصيص فيه سوى تقدير كونه مؤخرا فى الأصل، ومن انتفاء تخصيص الجنس فى: شر أهر ذا ناب
(قوله: إذ الفاعل اللفظى) أى: كما فى: زيد قام، وهذا رد لقوله التقديم يفيد الاختصاص (إن جاز إلخ) فإنه يفهم منه أنه يجوز تقديم الفاعل المعنوى دون اللفظى
(قوله: كالتأكيد والبدل)
стр. 653
(سواء فى امتناع التقديم ما بقيا على حالهما) أى: ما دام الفاعل فاعلا، والتابع تابعا، بل امتناع تقديم التابع أولى (فتجويز تقديم المعنوى دون اللفظى تحكم) وكذا تجويز الفسخ فى التابع دون الفعل تحكم؛ لأن امتناع تقديم الفعل إنما هو عند كونه فاعلا ...
===
مثال للمعنوى فالتأكيد كما فى أنا قمت والبدل كما فى: رجل جاءنى
(قوله: سواء فى امتناع التقديم) أى: على العامل
(قوله: أولى) أى: من امتناع تقديم الفاعل ووجه الأولوية أنه إذا قدم التابع بدون المتبوع- الذى هو الفاعل- فقد تقديم على متبوعه وعلى ما يمتنع تقديم متبوعه، عليه وهو الفعل فلامتناعه جهتان بخلاف ما إذا قدم الفاعل فله جهة واحدة وهو تقديمه على عامله، ولأن التابع لا يجوز تقديمه اتفاقا ما دام تابعا بخلاف الفاعل، فقد أجاز بعض الكوفيين تقديمه؛ ولأن الفاعل إذا فسخ عن الفاعلية وقدم يخلفه ضميره بخلاف التابع إذا قدم فإنه لا يخلفه شىء واحترز المصنف بقوله: (ما بقيا على حالهما عما إذا فسخا ولم يبقيا على حالهما) فإنه لا امتناع فى تقديمها.
(قوله: فتجويز تقديم إلخ) أى: فتجويز السكاكى تقديم المعنوى مع بقائه على التابعية دون اللفظى مع بقائه على الفاعلية تحكم هذا ما يقتضيه التفريع، وكان الأولى للمصنف أن يقول: فامتناع تقديم الفاعل اللفظى دون المعنوى تحكم ليناسب قوله:
سواء فى امتناع التقديم، إذ المدعى استواؤهما فى الامتناع. ولو قال: سواء فى تجويز الفسخ فتجويز إلخ لكان مناسبا أيضا، وتوضيح ذلك أنه يؤخذ من قول السكاكى: إن جاز تأخيره فى الأصل على أنه فاعل معنى فقط جواز تقديم الفاعل المعنوى وهو التابع، ويؤخذ من قول المصنف على لسان السكاكى: أو لم يجز كما فى: زيد قام امتناع تقديم الفاعل اللفظى، فيقال له الفاعل المعنوى واللفظى سيان فى امتناع التقديم ما بقيا على حالهما، وسيان فى جوازه إن فسخا ولم يبقيا على حالهما، فالحكم بجواز تقديم المعنوى، وبامتناع تقديم اللفظى هذا تحكم
(قوله: تحكم) أى: بل فيه ترجيح المرجوح على ما أفاده الشارح بقوله: فلا امتناع إلخ
(قوله: وكذا تجويز الفسخ فى التابع) أى: عن التابعية
стр. 654
وإلا فلا امتناع فى أن يقال فى نحو: زيد قام: أنه كان فى الأصل: قام زيد فقدم زيد، وجعل مبتدأ، كما يقال فى جرد قطيفة: إن جردا كان فى الأصل صفة فقدم وجعل مضافا. وامتناع تقديم التابع حال كونه تابعا مما أجمع عليه النحاة ...
===
وقوله: دون الفاعل أى: عن الفاعلية، وهذا رد لما يقال جوابا عن السكاكى، وحاصله:
أنه إنما جاز تقديم الفاعل المعنوى؛ لأن المعنوى لو أخر كان تابعا بدلا أو تأكيدا والتابع يجوز فسخه عن التبعية، فلذا قدم كما فى: جرد قطيفة، وأخلاق ثياب، والمؤمن العائذات الطير، فإن الأصل: قطيفة جرداء أى: مجرودة بمعنى بالية أو سلخاء لا وبر فيها؛ وثياب أخلاق، والمؤمن الطير العائذات، فقدمت الصفة على موصوفها، وأضيفت إليه بخلاف الفاعل اللفظى فإنه لا يجوز فسخه عن الفاعلية، فلم يقدم، وحاصل الرد أن تجويز الفسخ فى التابع دون الفاعل اللفظى تحكم، بل كل منهما يجوز فيه الفسخ والتقديم؛ لأن الفاعلية غير لازمة لذات الفاعل كالتبعية
(قوله: وإلا فلا امتناع) أى:
وإلا نقل أن امتناع تقديم الفاعل إنما هو عند كونه فاعلا، بل قلنا بالمنع مطلقا فلا يصح؛ لأنه لا امتناع فى أن يقال إلخ
(قوله: وجعل مبتدأ) أى: وجعل ضميره فاعلا بدله، وهذا مثال لتقديم الفاعل بعد انسلاخه عن الفاعلية، (وقوله كما يقال إلخ) مثال لما إذا قدم التابع بعد انسلاخه عن التبعية
(قوله: وامتناع تقديم إلخ) هذا رد لما يقال جوابا عن السكاكى، وحاصل ذلك الجواب قولكم: إن تجويز التقديم فى المعنوى دون الفاعل اللفظى تحكم ممنوع؛ لأن التابع يجوز تقديمه باقيا على تبعيته بل هو واقع كما فى قوله (١):
ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السّلام
فإن قوله (ورحمة الله): عطف على السّلام فقد قدم التابع على المتبوع باقيا على تبعيته فى العطف، فيقاس عليه التوكيد والبدل، إذ لا فرق، بخلاف الفاعل اللفظى، فلا يجوز تقديمه على أنه فاعل فالقول بالتحكم مردود، وحاصل ما أشار له الشارح من رد هذا الجواب: أن النحاة أجمعوا على امتناع تقديم التابع ما دام تابعا فى الاختيار، وما
стр. 655
إلا فى العطف فى ضرورة الشعر فمنع هذا مكابرة، ...
===
وقع فى هذا البيت فهو ضرورة، وحينئذ فمنع امتناع تقديم التابع ما دام تابعا مكابرة أى عناد ودعوى بلا دليل
(قوله: إلا فى العطف فى ضرورة الشعر) أى: كما فى البيت السابق.
بقى أنه قد يقدم التوكيد أيضا للضرورة كقوله (١):
بنيت بها قبل المحاق بليلة ... فكان محاقا كلّه ذلك الشّهر
فإن كله توكيد للشهر وقد قدم عليه، ولعل الشارح أسقط ذلك لاحتمال التأويل فى ذلك البيت بعد ثبوت كونه مما يستشهد به، بجعل كله تأكيدا للضمير المستتر فى كان العائد على الشهر وهو وإن لم يتقدم له ذكر لكن يدل عليه قوله قبل المحاق فقد تقدم مرجعه حكما وقوله: ذلك الشهر بدل من ذلك الضمير وتفسير له، وإنما قلنا بعد ثبوت إلخ؛ لأن هذا البيت من جملة أبيات تنسب للثعالبى هجوا فى امرأة عجوز تزوجها غارة له لما رآها محلاة، ثم انكشفت سوءتها بعد التزوج، وهو غير عربى، وأولها:
عجوز تمنّت أن تكون فتيّة ... وقد يبس الجنبان واحدودب الظّهر
تروح إلى العطّار تبغى شبابها ... وهل يصلح العطّار ما أفسد الدّهر
وما غرّنى إلّا الخضاب بكفّها ... وكحل بعينيها وأثوابها الصّفر
بنيت بها قبل المحاق إلخ، بقى شىء آخر وهو أن أبا حيان ذكر فى الارتشاف أن بدل البعض والاشتمال يتقدمان نحو أكلت ثلثه الرغيف، وأعجبنى حسنه زيد، لكن الأحسن الإضافة نحو أكلت ثلث الرغيف، وأعجبنى حسن زيد، وهذا وارد على الشارح، اللهم إلا أن يكون الشارح لا يسلم ذلك، أو أن الإجماع الذى ذكره الشارح كما فى المطول فى التقديم على المتبوع والعامل جميعا وهو مما لم يقل به أحد فى السعة لا فى التوكيد ولا فى البدل، وأما تقديمها على المتبوع فقد حكى فالحاصل أن قول الشارح
стр. 656
والقول بأنه فى حالة تقديم الفاعل ليجعل مبتدأ يلزم خلو الفعل عن الفاعل وهو محال بخلاف الخلو عن التابع فاسد لأن هذا اعتبار محض (ثم لا نسلم انتفاء التخصيص) فى نحو: رجل جاءنى ...
===
مما أجمع عليه النحاة يجب أن يقيد بما إذا تقدم التابع على كل من المتبوع وعامله، وأما التقديم على المتبوع فقط دون عامله فقد حكى فى البدل والتوكيد وهو غير عربى
(قوله: والقول بأنه إلخ) أى: والقول فى نفى التحكيم بأنه إلخ، وهذا رد الجواب عن التحكم من طرف السكاكى، وحاصل ذلك الجواب أن قولكم تجويز التقديم فى المعنوى دون اللفظى تحكم ممنوع، وذلك لأن المعنوى فى الأصل تابع وتقديم التابع ليجعل مبتدأ لا يلزم عليه محذور إذ غاية ما يلزم عليه خلو المتبوع من تابع، وهذا لا ضرر فيه فلذا قيل بجواز تقديمه بخلاف الفاعل اللفظى، فإن تقديمه ليجعل مبتدأ يلزم عليه خلو الفعل من الفاعل فى اللحظة التى وقع فيها التحويل وهو محال ويلزم عليه أيضا الإخلال بالجملة وخروجها عن كونها جملة، فلذا قيل بامتناع تقديمه ففرق بين الأمرين، وحينئذ فلا تحكم.
(قوله: بخلاف الخلو عن التابع) أى: فليس محالا
(قوله: فاسد) خبر القول أى:
إن هذا القول باعتبار ما تضمنه من الفرق فاسد؛ لأن هذا الخلو غير محال حتى يحسن الفرق. اهـ. سم.
وعلى هذا فقول الشارح؛ لأن هذا أى الفسخ من كونه فاعلا فى الأصل ومبتدأ الآن اللازم عليه الخلو المذكور اعتبار محض أى: اعتبار وهمى محض لا بحسب الواقع، وحينئذ فلا يضر ذلك الخلو؛ لأنه ليس أمرا تحقيقيا، والمضر إنما هو خلو الفعل عن الفاعل فى التركيب اللفظى، ويحتمل وهو المتبادر أن هذا القول فاسد باعتبار ما تضمنه من الفرق؛ وذلك لأن خلو الفعل عن الفاعل حالة التحويل اعتبار محض غير لازم، إذ يمكن اندفاعه باعتبار أن الضمير مقارن لاعتبار الفسخ فلم يخل الفعل عن فاعل فى لحظة من اللحظات، وحينئذ فلا فرق بين التابع وبين الفاعل اللفظى فى جواز الفسخ فيهما
(قوله: ثم لا نسلم إلخ) عطف على مدخول، إذ بحسب المعنى كأنه قيل،
стр. 657
(لولا تقدير التقديم لحصوله) أى: التخصيص (بغيره) أى: بغير تقدير التقديم كما ذكره السكاكى من التهويل وغيره كالتحقير والتكثير والتقليل، والسكاكى وإن لم يصرح بأن لا سبب للتخصيص ...
===
وفيه نظر؛ إذ لا نسلم جواز تقديم الفاعل المعنوى، ثم لا نسلم انتفاء إلخ، كذا فى الفنرى، وهذا منع لقول السكاكى لئلا ينتفى التخصيص، إذ لا سبب له سواه
(قوله: لولا تقدير التقديم) الأولى لولا تقدير التأخير، إذ المقدر التأخير لا التقديم، والجواب أن المراد بالتقديم ما هو متبادر منه وهو ما يكون فى الأصل مؤخرا، ثم قدم ولا شك أن فرض هذا التقديم إنما هو لفرض التأخير، أفاده عبد الحكيم.
(قوله: لولا تقدير التقديم) جواب لولا محذوف دل عليه ما قبله أى: لولا تقدير التقديم لانتفى التخصيص
(قوله: لحصوله بغيره) سند للمنع، ولا يخفى أن سند المنع إنما يؤتى به بنحو لجواز كذا، ولا يجزم فيه بشىء وإلا صار المانع مدعيا ولزم الغصب
(قوله: كما ذكره السكاكى) أى: فى كتابه فى قوله: شر أهر ذا ناب، وقوله:
من التهويل بيان للغير أى: وحيث كان التخصيص يحصل بهذه الأمور كما يحصل بتقدير التقديم، فيجوز أن يقال: إن رجل جاءنى فيه تخصيص باعتبار التهويل أى:
التعظيم أو التحقير لا باعتبار التقديم، وحينئذ فالقول بانتفاء التخصيص فيه لولا اعتبار التقديم لا يسلم، وقد يجاب بأن مراد السكاكى بقوله لولا اعتبار التقديم فيه لانتفى عنه التخصيص تخصيص مخصوص لا يحصل بدون اعتبار التقديم وهو تخصيص الجنس أى:
رجل لا امرأة أو الواحد أى: لا رجلان، والتخصيص بهذا المعنى يتوقف على هذا الاعتبار البعيد، ولا يحصل بغيره كتقدير النوعية أو التعظيم أو التحقير أو غير ذلك، إن قيل: هذا الجواب ينافيه ما تقدم من أن الاحتياج إلى التخصيص إنما هو لصحة الابتداء بالنكرة، فإنه يدل دلالة ظاهرة على أن المراد مطلق التخصيص؛ لأن صحة الابتداء لا تتوقف على تخصيص الجنس أو الواحد، بل على التخصيص بوجه ما ولو بتقدير النوعية أو غيرها، فالجواب أن المراد من قوله فيما تقدم الاحتياج إلى التخصيص إنما هو لصحة الابتداء أى: مع كون الغرض والمطلوب تخصيص الجنس أو الواحد وهو يتوقف على ذلك الاعتبار لعدم حصول المطلوب مع مطلق التخصيص. اهـ. سم.
стр. 658
سواه لكن لزم ذلك من كلامه حيث قال: إنما يرتكب ذلك الوجه البعيد عند المنكر لفوات شرط الابتداء. ومن العجائب أن السكاكى إنما ارتكب فى مثل:
رجل جاءنى ذلك الوجه البعيد لئلا يكون المبتدأ نكرة محضة، وبعضهم يزعم أنه عند السكاكى بدل مقدم لا مبتدأ، وأن الجملة فعلية لا اسمية ...
===
(قوله: سواه) أى: سوى تقدير التقديم
(قوله: لكن لزم ذلك من كلامه) أى:
فقول المصنف فيما سبق نقلا عن السكاكى، إذ لا سبب له سواه باعتبار ما لزم من كلام السكاكى، وليس تقولا عليه بما لم يقل، وهذا إشارة لجواب اعتراض على المصنف يعلم تقريره مما قلناه
(قوله: حيث قال) أى: لأنه قال
(قوله: إنما يرتكب ذلك الوجه البعيد) أى: تقدير كونه مؤخرا فى الأصل على أنه فاعل معنى، ثم قدم.
(قوله: لفوات شرط الابتداء) أى: بالنكرة، وذلك الشرط هو التخصيص أى:
لفواته عند عدم ارتكاب هذا الوجه البعيد، فإن هذا يفهم منه أنه لا سبب للتخصيص فى المنكر سواه، وعلم مما قاله هنا، ومما قاله الشارح عنه سابقا من أن التخصيص بكونه بغيره أنه قد وقع فى كلام السكاكى تناقض، لكن باعتبار الجواب السابق عنه يندفع ذلك التناقض
(قوله: ومن العجائب) من هنا إلى قوله فافهم يوجد فى بعض النسخ دون بعض، ولعله فى الأصل حاشية لا من أصل الشارح. اه يس.
(قوله: ومن العجائب إلخ) لا يخفى أن الذى من العجائب هو زعم بعضهم أنه عند السكاكى بدل إلخ، لا أن السكاكى إنما ارتكب ذلك الوجه البعيد فيما ذكر لما ذكر، فكان حق العبارة أن يقال ومن العجائب زعم بعضهم أن المنكر فى مثل: رجل جاءنى بدل مقدم عند السكاكى لا مبتدأ، وأن الجملة فعلية لا اسمية، مع أن السكاكى مصرح بأنه مبتدأ حيث قال: إنما ارتكبت ذلك الوجه البعيد لئلا يكون المبتدأ نكرة محضة، وقد يجاب بأن قوله: وبعضهم يقرأ بالنصب عطفا على السكاكى، ويجعل الذى من العجائب هو المجموع، والحاصل أن ذلك البعض يقول إن المنكر فى مثل: رجل جاءنى بدل مقدم عند السكاكى لا مبتدأ والجملة فعلية مع أنه عند السكاكى مبتدأ والجملة اسمية؛ لأن السكاكى نفسه قال: إنما ارتكبت هذا الوجه البعيد لئلا يكون المبتدأ نكرة، فقد نسب هذا القائل للسكاكى شيئا لم يقل به.
(قوله: نكرة محضة) أى: خالية
стр. 659
ويتمسك فى ذلك بتلويحات بعيدة من كلام السكاكى وبما وقع من السهو للشارح العلامة فى مثل: زيد قام وعمرو قعد أن المرفوع يحتمل أن يكون فاعلا مقدما أو بدلا مقدما، ولا يلتفت إلى تصريحاتهم بامتناع تقديم التوابع حتى قال الشارح العلامة فى هذا المقام: أن الفاعل هو الذى لا يتقدم بوجه، وأما التوابع فتحتمل التقديم على طريق الفسخ؛ وهو أن يفسخ كونه تابعا ويقدم، وأما لا على طريق الفسخ فيمتنع تقديمها أيضا لاستحالة تقديم التابع على المتبوع من حيث هو تابع؛ فافهم ...
===
عن المسوغ
(قوله: ويتمسك فى ذلك) أى: ويستدل على ذلك القول
(قوله: من كلام السكاكى) صفة لتلويحات أى: يتمسك بإشارات من كلام السكاكى بعيدة من جملتها قوله: إن جاز تقدير كونه مؤخرا فى الأصل على أنه فاعل معنى فقط وقدر، فقال ذلك البعض فى هذا الكلام إشارة إلى أن المرفوع بدل، وأن الجملة فعلية، ووجه البعد أن هذا الكلام إنما يفهم أنه أمر تقديرى، لا أنه بدل حقيقة مقدم
(قوله: وبما وقع) أى: ويتمسك بما وقع أى: إن ذلك البعض تمسك بالتلويحات البعيدة وبسهو الشارح العلامة، وترك تصريح السكاكى بقوله لئلا يكون المبتدأ نكرة محضة، فإنه صريح فى كون المقدم مبتدأ، وأن الجملة اسمية، والمراد بالشارح العلامة القطب الشيرازى شارح المفتاح، ومحل التمسك قوله أو بدلا مقدما
(قوله: أن المرفوع) أى: من أن المرفوع وهو بيان لما وقع
(قوله: يحتمل أن يكون فاعلا مقدما) قد وقع هذا الكلام من الشارح العلامة على وجه السهو فلا يعارض قوله الآتى: إن الفاعل هو الذى لا يتقدم بوجه
(قوله: ولا يلتفت) أى: ذلك الزاعم وهذا عطف على قوله يزعم أى: يزعم ويتمسك بما ذكر ولا يلتفت إلخ.
(قوله: حتى قال إلخ) غاية فى السهو، والسهو فى هذا من حيث تفرقته بين الفاعل والتابع وتجويزه الفسخ فى الثانى دون الأول، فهذا أيضا سهو، ويحتمل أن يكون غاية فى تصريحاتهم فيكون محل الاستشهاد قوله: وأما لا على طريقة الفسخ إلخ
(قوله: وأما التوابع إلخ) هو من جملة كلام الشارح العلامة
(قوله: فافهم) من كلام شارحنا أشار به للتناقض الواقع بين كلامى العلامة حيث قال أولا: يحتمل أن يكون فاعلا مقدما،
стр. 660
(ثم لا نسلم امتناع أن يراد المهر شر لا خير) كيف وقد قال الشيخ عبد القاهر:
قدم شر لأن المعنى أن الذى أهره من جنس الشر لا من جنس الخير (ثم قال) السكاكى (ويقرب من) قبيل (هو قام زيد قائم ...
===
وقال ثانيا: إن الفاعل هو الذى لا يتقدم بوجه، وحيث قال أولا: بدلا مقدما، وقال ثانيا: وأما لا على طريقة الفسخ فيمتنع تقديمهما- فتأمل.
ومن المعلوم أن غاية الشىء إما أعظم منه أو أدنى منه وهنا أعظم أى: أنه سها حتى إنه قال هذه المقالة الشنيعة وهى: أن الفاعل لا يتقدم بوجه ما، ولا شك أن هذا الكلام سهو منه ومخالف للصواب، والصواب أن الفاعل مثل التابع- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: ثم لا نسلم إلخ) هذا رد لما ادعاه السكاكى من انتفاء تخصيص الجنس فى: " شرّ أهرّ ذا ناب".
(قوله: كيف وقد قال إلخ) أى: كيف يكون ممنوعا والحال أن الشيخ إلخ
(قوله: لا من جنس الخير) أى: فقد نفى الإهرار عن الخير، فيفيد ثبوت الإهرار له، ولكن الحق مع السكاكى؛ لأن الحصر لا يكون إلا للرد على متوهم؛ لأن الشىء إنما ينفى إذا توهم ثبوته ومعلوم أن الكلب إذا حصل له الخير لا يحصل منه إهرار فلا يتوهم ثبوت الإهرار منه، وحينئذ فيقبح الحصر، وقول بعضهم: إن من عادة الكلب أن يهر دون أهله ويذب عنهم من يقصدهم بسوء، فالهرير حينئذ لأجل الخير أعنى: إيقاظ أهله مردود؛ لأن المتبادر من قولهم: " شر أهر ذا ناب" كون الشر بالنسبة إلى ذلك الكلب فيكون الخير أيضا معتبرا بالنسبة إليه لا إلى غيره- كذا قرر شيخنا العدوى. وفى عبد الحكيم: التحقيق أن صحة القصر وعدمها مبنية على معنى الهرير، فإن كان معناه النباح الغير المعتاد فلا صحة له، إذ من المعلوم عند العرب أنه من أمارات وقوع الشر، وإن كان معناه مطلق الصوت كما فى مقدمة الزمخشرى، فهو قد يكون لخير وقد يكون لشر فيصح القصر
(قوله: ثم قال إلخ) عطف على ما قال الأول أو الثانى، وكلمة ثم: للترتيب فى الذكر والإخبار، والمعنى بعد ما أخبرتك عن قول السكاكى التقديم يفيد
стр. 661
فى التقوى لتضمنه) أى: لتضمن قائم (الضمير) ...
===
الاختصاص بشرطين أخبرك عن قوله ويقرب إلخ، فلا يرد أن حديث القرب فى المفتاح مقدم على حديث الاختصاص، فلا وجه لكلمة، ثم كذا فى يس، وفى عبد الحكيم: إن ثم فى جميع تلك المواضع لمجرد الترتيب فى الذكر والتدرج فى مدارج الارتقاء، ولا يلزم أن يكون الثانى بعد الأول فى الزمان، بل ربما يكون مقدما كما فى قوله:
إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه ... ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه (١)
فلا يرد أن قوله ويقرب إلخ مقدم على بيان التخصيص فى كلام السكاكى، وأما ما قيل: إن ثم للترتيب فى الإخبار فلا يقبله الطبع السليم، إذ لا فائدة فى ذلك.
(قوله: فى التقوّى) إنما اقتصر عليه ولم يقل: والتخصيص لفقد شرطه عنده فى هذا المثال ونحوه وهو جواز تقدير كونه فى الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط؛ لأنه لو أخر تعين كونه مبتدأ عند من يشترط فى رفع الوصف الاسم الظاهر الاعتماد وفاعلا لفظا عند من لم يشترط الاعتماد فهو نظير قوله: زيد قام، ومثله لا يفيد إلا التقوى كما تقدم، وحاصل ما أراده بقوله ويقرب إلخ أن هو قام فيه تقو من غير شبهة وزيد قائم فيه تقو مع شبهة عدمه فيكون قريبا منه فى إفادة التقوى، ولو قال ويقرب من زيد قام زيد قائم لم يحتج إلى قوله فى التقوى لأن زيد قام لا يحتمل إلا التقوى بخلاف هو قام فإنه محتمل للتخصيص إن لوحظ أنه كان مؤخرا فى الأصل على أنه تأكيد للضمير المستتر، ومحتمل للتقوى إن لم يقدر مؤخرا، فإن قلت لم قال من هو قام ولم يقل من زيد قام مع أنه المناسب لفظا وهو ظاهر ومعنى؛ لأنه نص فى التقوى عنده فاعتبار القرب إليه أولى من اعتبار القرب إلى ما هو محتمل للتخصيص أيضا؛ لأنه يوهم إن زيد قائم يحتمل التخصيص، قلت: إنما قال ذلك؛ لأن المذكور فى كلام السكاكى قبل قوله ويقرب بيان التقوى فى المضمر المتقدم- أفاده عبد الحكيم.
стр. 662
مثل: قام فبه يحصل للحكم تقوّ (وشبهه) أى: شبه السكاكى مثل: قائم التضمن للضمير (بالخالى عنه) أى: عن الضمير (من جهة عدم تغيره فى التكلم والخطاب والغيبة) نحو: أنا قائم، وأنت قائم، وهو قائم كما لا يتغير الخالى عن الضمير، نحو: أنا رجل وأنت رجل وهو رجل، وبهذا الاعتبار قال: يقرب، ولم يقل نظيره، وفى بعض النسخ: وشبهه ...
===
(قوله: مثل قام) صفة لمصدر محذوف أى: تضمنا مثل تضمن قام له
(قوله: فبه) أى: فبسبب تضمنه للضمير، وقوله يحصل للحكم تقوّ أى: لتكرر الإسناد؛ لأن القيام مسند مرتين مرة لزيد، ومرة لضميره
(قوله: وشبهه) فى قوة التعليل لأحد الأمرين اللذين تضمنهما قوله، ويقرب وهو انحطاطه فى التقوى عن هو قام كما أن قوله:
لتضمنه تعليل للأمر الآخر، وهو أن فيه شيئا من التقوى هذا على ضبط شبهه بصيغة الماضى كما هو ظاهر الشارح، أما على ضبطه بصيغة الاسم فقوله وشبهه إلخ: تعليل لأحد الأمرين السابق، لا فى قوة التعليل له
(قوله: مثل قائم) أى: قائم وأمثاله (قوة:
بالخالى عنه) أى: بالاسم الجامد الذى لا يتحمل ضميرا البتة
(قوله: من جهة عدم تغيره) الضمير القائم
(قوله: وبهذا الاعتبار) أى: وهو شبهه بالخالى قال: ويقرب، وحاصله أن قائم المتضمن للضمير له جهتان جهة يشبه بها الفعل وهى جهة تحمله للضمير وجهة يشبه بها الاسم الجامد وهى عدم تغيره فى الحالات الثلاثة، فكأنه لا ضمير فيه فبالجهة الأولى قرب من هو قام فى تقوى الحكم، وبالثانية بعد عنه فلم يكن نظيره فلأجل هذا جعله قريبا ولم يجعله نظيرا
(قوله: وفى بعض النسخ وشبهه بلفظ الاسم إلخ) أنت خبير بأن هذا اللفظ لا يختلف حاله الرسمى على التقديرين فلا معنى لنسبة أحدهما لبعض النسخ، والمعروف عند المصنفين فى مثل هذا أن يقال قوله وشبهه يحتمل أن يكون بصيغة الفعل الماضى، وأن يكون بلفظ الاسم. اه يس.
وقد يقال: مراد الشارح وفى بعض النسخ وشبهه مضبوط بالقلم بلفظ الاسم، وحينئذ فلا اعتراض على الشارح- كذا قرر شيخنا العدوى.
стр. 663
بلفظ الاسم مجرورا عطفا على تضمنه يعنى أن قوله: يقرب مشعر بأن فيه شيئا من التقوى وليس مثل التقوى فى: زيد قام؛ فالأول لتضمنه الضمير، والثانى: لشبهه بالخالى عن الضمير (ولهذا) أى: ولشبهه بالخالى عن الضمير (لم يحكم بأنه) أى:
مثل: قائم مع الضمير، وكذا مع فاعله الظاهر أيضا (جملة ...
===
(قوله: بلفظ الاسم) أى: بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة مصدر مضاف لفاعله بمعنى المماثلة، لا بكسر الشين وسكون الباء كما توهمه بعضهم؛ لأنه بهذا الضبط بمعنى مثل وهو لا يتعدى بالباء.
(قوله: مجرورا) أى: لا منصوبا على أنه مفعول معه؛ لأنه مقصور على السماع عند سيبويه وهذا وجه التعسف الذى ذكره فى المطول كما أفاده الفنرى، ورده العلامة عبد الحكيم: بأن ابن مالك ذكر فى التسهيل، وكذا غيره أن الصحيح أن المفعول معه قياسى فلا يظهر أن يكون هذا وجها للتعسف، ووجه التعسف المذكور بأمور كلها قابلة للخدش مذكورة فى حاشية العلامة المذكور
(قوله: وليس مثل التقوى) أى: وليس ذلك الشىء الذى فيه من التقوى مثل إلخ
(قوله: فالأول) أى: فالتقوى الذى فيه لأجل تضمنه الضمير فتضمن الضمير علة الأول
(قوله: والثاني) أى: كون التقوى الذى فيه ليس مثل التقوى فى هو قام لأجل شبهه بالاسم الجامد الخالى عن الضمير: كرجل فالشبه بالجامد علة للثانى.
(قوله: وكذا مع فاعله الظاهر أيضا) أى: نحو زيد قائم أبوه، فقائم أبوه ليس جملة ولا معاملا معاملتها، واعترض على الشارح فى جعله هذا فى حيز التعليل بقوله: ولهذا مع أن هذا التعليل لا يتأتى فيه، بل اسم الفاعل إذا دفع الظاهر كان كالفعل فى أن كلا منهما لا يتفاوت عند الإسناد للظاهر، وإنما وجه الحكم على قائم مع فاعله الظاهر بالإفراد حملا له على المسند للضمير كما أوضح ذلك فى المطول، والحاصل أن قائم إذا رفع الضمير حكموا له مع فاعله بالإفراد لشبهه بالخالى من جهة عدم تغيره فى الخطاب والغيبة، وإذا رفع اسما ظاهرا حكموا عليه بالإفراد حملا له على ما إذا رفع ضميرا ولم ينظروا لكونه: كالفعل لا يتفاوت عند الإسناد للظاهر حتى يكون مع فاعله جملة، ويستثنى من كون الاسم المشتق مع فاعله غير جملة صورتان وهما
стр. 664
ولا عومل) قائم مع الضمير (معاملتها) أى: معاملة الجملة (فى البناء) حيث أعرب فى مثل: رجل قائم ورجلا قائما ورجل قائم (ومما يرى تقديمه) أى: ومن المسند إليه الذى يرى تقديمه على المسند (كاللازم ...
===
ما إذا وقع مبتدأ له فاعل سد مسد الخبر نحو: أقائم الزيدان، أو وقع صلة للموصول نحو: جاء القائم أبوه؛ لأنه يقدر بالفعل- كذا ذكر السيد فى شرح المفتاح، وفى يس:
إن المقرر فى النحو أن صلة أل شبه جملة لا جملة- فتأمل.
(قوله: ولا عومل قائم مع الضمير) أى: وكذا مع فاعله الظاهر ففيه حذف من الثانى لدلالة الأول
(قوله: فى البناء) فيه نظر؛ لأن الجملة من حيث هى لا تستحق إعرابا، ولا بناء، وحاصل الجواب: أنه ليس المراد بالبناء البناء الاصطلاحى، بل عدم ظهور إعراب متبوعها عليها أى إنه لم يعامل معاملة الجملة فى عدم ظهور إعراب المتبوع عليها، بل هذا ثبت له ظهور إعراب المتبوع عليه دون الجملة فلم يثبت لها ذلك، وهذا لا ينافى أن الجملة قد تكون معربة محلا، فنفى الإعراب والبناء عنها إنما هو بالنظر للفظها.
(قوله: فى مثل: رجل قائم، ورجلا قائما، ورجل قائم) أى: فإن الوصف قد أعرب مع تحمله للضمير فى هذه الأحوال أى: للضمير فى هذه الأحوال أى: أجرى عليه إعراب المتبوع لفظا، ولو قيل رجل قام، ورجلا قام، ورجل قام لكانت تلك الجملة الواقعة صفة مبنية بمعنى أنه لم يجر عليها إعراب المتبوع لفظا، بل محلا.
(قوله: ومما يرى) على صيغة المتكلم المبنى للفاعل أو الغائب المبنى للمجهول- كذا فى الأطول، وفيه أيضا أن قوله: ومما يرى تقديمه كاللازم إلخ هذا الحكم لا ينبغى أن يخص بلفظ مثل وغير ولا بالكناية، بل يجرى فى المجاز أيضا فيرى تقديم المسند إليه فى أنت تقدم رجلا وتؤخر أخرى، كاللازم لكونه أعون على المراد وهو إيراد الحكم على وجه أبلغ، إذ المجاز أبلغ من الحقيقة
(قوله: كاللازم) حال من تقديم أى حالة كون ذلك التقديم مماثلا للتقديم اللازم فى القياس كتقديم لازم الصدارة، فتقديم هذا ليس بلازم فى القياس، بل مثله من حيث إنه لازم فى الاستعمال، ولذا لم يقل لازما،
стр. 665
لفظ مثل وغير) إذا استعملا على سبيل الكناية (فى نحو: مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود؛ بمعنى: أنت لا تبخل وأنت تجود من غير إرادة تعريض بغير المخاطب) ...
===
وقال كاللازم، والحاصل إنه إنما لم يقل: ومما يرى تقديمه لازما لفظ مثل وغير إذا استعملا على سبيل الكناية إشارة إلى أن القواعد لا تقتضى وجوب التقديم، ولكن اتفق أنهما لم يستعملا فى الكناية إلا مقدمين فأشبها ما اقتضت القواعد تقديمه، حتى لو استعملا بخلافه عند قصد الكناية بأن قيل لا يبخل مثلك ولا يجود غيرك كان كلاما منبوذا طبعا، ولو اقتضت القواعد جوازه.
(قوله: لفظ مثل وغير) خصهما بالذكر؛ لأنهما المستعملان فى كلامهم، والقياس يقتضى أن يكون ما هو بمعناهما: كالمماثل والمغاير والشبيه والنظير- كذلك قاله عبد الحكيم.
وكذلك الإضافة للكاف ليست قيدا، بل كذلك مثلى أو مثله، وغيرى وغيره- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: على سبيل الكناية) أى: من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم، وبيان ذلك أنك إذا قلت: مثلك لا يبخل فقد نفيت البخل عن كل مماثل للمخاطب أى: عن كل من كان متصفا بصفاته، والمخاطب من هذا العام؛ لأنه متصف بتلك الصفات، فيلزم أنه لا يبخل للزوم حكم الخاص لحكم العام فقد أطلق اسم الملزوم وهو نفى البخل عن المماثل، وأريد اللازم وهو نفيه عن المخاطب، وكذا إذا قيل: غيرك لا يجود؛ لأنه إذا نفى الجود عن الغير على وجه العموم فى الغير انحصر الجود فيه؛ لأن الجود صفة وجودية لا بد لها من محل تقوم به ومحلها إما المخاطب أو غيره، وقد نفى قيامها بكل فرد غير المخاطب، فلزم قيامها به، فقد استعمل اللفظ فى المعنى الموضوع له وهو نفى الجود عن كل مغاير وأريد لازمه، وهو إثبات الجود للمخاطب
(قوله: مثلك لا يبخل إلخ) المجوز لوقوع مثل وغير مبتدأ تخصيصهما بالإضافة، وإن لم يتعرفا بها لتوغلهما فى الإبهام- قاله الفنرى.
(قوله: بمعنى أنت لا تبخل) وأنت تجود لف ونشر مرتب
(قوله: من غير إرادة تعريض بغير المخاطب) أى: من غير إرادة التعريض بغير المخاطب، وهذا حال من نحو
стр. 666
بأن يراد بالمثل والغير إنسان آخر مماثل للمخاطب، أو غير مماثل بل المراد نفى البخل عنه على طريق الكناية؛ ...
===
المضاف إلى المثالين ولفظ من زائد فى الإثبات لتضمنه النفى؛ لأنه فى قوة لا مع إرادة تعريض بغير المخاطب ومفهوم كلامه أنه لو أريد التعريض بأن أريد بالمثل أو للغير إنسان معين لم يكن تقديمه كاللازم؛ وذلك لأن التقديم إنما كان كاللازم عند ارتكاب الكناية لكونه أعون على إثبات الحكم بالطريق الأبلغ وهو طريق الكناية، وإذا أريد التعريض فلا كناية
(قوله: بأن يراد بالمثل) تصوير للمنفى وهو إرادة التعريض، فإذا قلت مثلك لا يبخل مريدا من المثل شخصا معينا جوادا مماثلا للمخاطب، أو قلت غيرك لا يجود مريدا بالغير بخيلا آخر معينا كان الكلام من قبيل التعريض لا من قبيل الكناية؛ لأنه يلزم من نفى بخل شخص معين مماثل للمخاطب نفى بخله ولا يلزم من نفى الجود عن واحد معين ثبوت الجود للمخاطب؛ لأنه يتحقق فى شخص آخر مغاير لذلك المعين وللمخاطب، ثم إن جعل هذا تعريضا فيه نظر، إذ لا تعريض فى الكلام المذكور بذلك الإنسان، بل الكلام موجه نحوه بطريق الاستقامة دون الإمالة إلى عرض وجانب، وإنما يكون التركيب من قبيل التعريض إذا قصد وصف المخاطب بالبخل، وأما على ما ذكره الشارح من إرادة واحد معين بالمثل والغير فالتركيب ليس كناية ولا تعريضا، وأجيب بأنه ليس المراد بالتعريض الاصطلاحى الآتى فى الكناية وهو الإشارة إلى معنى يفهم من عرض الكلام وجانبه، بل المراد التعريض اللغوى وهو الإشارة على وجه الإجمال والإبهام وعدم التصريح ولا شك أنك لم تصرح بالمعرض به، بل أجملته وأبهمته، ولهذا الجواب اندفع أيضا ما يقال التعريض من قبيل الكناية فيلزم أن يكون الكلام كناية وغير كناية- وهو باطل، وأجيب عنه أيضا بأن التعريض لا يلزم أن يكون نوعا من الكناية، بل هو أعم من ذلك، إذ قد يكون كناية ومجازا وحقيقة
(قوله: إنسان آخر) أى: معين، وقوله مماثل للمخاطب: راجع لقوله بالمثل
(قوله: أو غير مماثل) بالإضافة راجع لقوله والغير
(قوله: بل المراد) أى: بقولك مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود، وقوله نفى البخل عنه أى: عن المخاطب وهذا إضراب على قوله من غير إرادة
стр. 667
لأنه إذا نفى عمن كان على صفته من غير قصد إلى مماثل لزم نفيه عنه وإثبات الجود له بنفيه عن غيره مع اقتضائه محلا يقوم به وإنما يرى التقديم فى مثل هذه الصورة كاللازم (لكونه) أى: التقديم ...
===
تعريض إلخ، وقوله على طريق الكناية لم يجعل على طريق المجاز من ذكر الملزوم، وإرادة اللازم لجواز إرادة المعنى الحقيقى أيضا
(قوله: لأنه إذا نفى إلخ) هذا توجيه للكناية فيه، وبيان للزوم المحقق لها وقوله: لأنه أى: البخل وقوله عمن كان على صفته أى: عن كل من كان على صفة المخاطب؛ لأن معنى مثلك لا يبخل من كان على الصفات التى أنت عليها لا يبخل، والمخاطب من هذا العام؛ لأنه متصف بتلك الصفات، فيلزم أنه لا يبخل؛ لأن الحكم على العام ينسحب على كل فرد من أفراده
(قوله: من غير قصد إلى مماثل) أى: بخلاف ما إذا أريد بالمثل معين أى: إنسان آخر غير المخاطب، لا يقال التعليق بالمشتق يؤذن بعلية المشتق منه، والمشتق منه موجود فى المخاطب، فيلزم أنه لا يبخل؛ لأنا نقول الحكم على العموم من غير ملاحظة مماثل معين يفهم منه فى العرف عليه الوصف وهو المماثلة بخلاف ما إذا أريد بالمثل معين أى: إنسان آخر غير المخاطب، ولم يرد العموم فلا يفهم عرفا منه علية الوصف فلا يلزم فيه أن يكون المخاطب لا يبخل؛ لأن الغرض حينئذ مجرد التعبير عن ذلك المعين كما يظهر ذلك لصاحب الذوق السليم. ا. هـ سم.
(قوله: وإثبات الجود) عطف على نفى البخل لا على قوله نفيه عنه أى: والمراد من غيرك لا يجود؛ إثبات الجود للمخاطب بسبب نفيه إلخ وهذا توجيه للكناية فى التركيب الثانى، وبيان للزوم المحقق لها، وقوله من غيره أى عن كل مغاير له بخلاف، ما إذا أريد به معين، فإنه لا يلزم انحصار الجود فى المخاطب؛ لأنه يتحقق فى شخص آخر غير المخاطب، وقوله: مع اقتضائه محلا من جملة الدليل ووجه الاقتضاء أن الجود صفة موجودة فى الخارج وكل ما هو كذلك، فلا بد له من موصوف أى: محل يقوم به، ثم إنه ليس له إلا محلان المخاطب والغير، فإذا انتفى عن الغير تعين أن يقوم بالمخاطب
(قوله: فى مثل هذه الصورة) كان الظاهر أن يقول هاتين الصورتين كما لا يخفى، إذ
стр. 668
(أعون على المراد بهما) أى: بهذين التركيبين؛ لأن الغرض منهما إثبات الحكم بطريق الكناية التى هى أبلغ، والتقديم لإفادة التقوى أعون على ذلك وليس معنى قوله: كاللازم أنه قد يقدم وقد لا يقدم، بل المراد أنه كان مقتضى القياس أن يجوز التأخير لكن لم يرد الاستعمال إلا على التقديم؛ نص عليه فى دلائل الإعجاز
===
المتبادر من كلامه أن قوله مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود تركيب واحد وكلام القوم صريح فى أنهما تركيبان
(قوله: أعون على المراد بهما) الباء بمعنى من إن قلت: إن التأخير لا إعانة فيه على المراد؛ لأن التقوى الذى يحصل به الإعانة على المراد إنما يتأتى بالتقديم، وحينئذ فلا وجه للتعبير بأعون، قلت أفعل ليس على بابه أى: لكونه معينا، وقوله: لأن الغرض علة لكونه معينا
(قوله: إثبات الحكم) أعنى الجود: وانتفاء البخل عن المخاطب وفى هذا إشارة إلى أنهما من الكناية المطلوب بها نسبة لا المطلوب بها صفة ولا المطلوب بها غير صفة ولا نسبة، بل كان المطلوب بها نفس الموصوف ومثال المطلوب بها صفة قولك: طويل النجاد، فإن المطلوب بها: طول القامة، ومثال المطلوب بها صفة وغير نسبة قولك: حتى مستوى القامة عرض الأظفار فى الكناية عن الإنسان، فإنه غير نسبة وغير صفة
(قوله: أبلغ) أى: من التصريح؛ لأنها من باب دعوى الشىء ببينة، إذ وجود الملزوم دليل على وجود اللازم، فقولك: فلان كثير الرماد فى قوة قولك:
فلان كريم؛ لأنه كثير الرماد، وكذلك هنا قولك غيرك لا يجود فى قوة أنت تجود؛ لأن غيرك لا يجود، فالحاصل أن المقصود من التركيبين إثبات الحكم على وجه أبلغ.
(قوله: لإفادته التقوى) علة لقوله أعون مقدمة عليه أى: والتقديم معين على ذلك لإفادته للتقوى، وإنما كان معينا له؛ لأنه من ناحيته؛ لأن الكناية تفيد إثبات الحكم بطريق أبلغ، وكذلك التقرير
(قوله: على ذلك) أى: على إثبات الحكم بالطريق الأبلغ
(قوله: إنه كان مقتضى القياس إلخ) أى: وذلك؛ لأن المطلوب وهو إثبات الجود للمخاطب، وانتفاء البخل عنه يحصل بالكناية، وهى حاصلة مع التأخير كالتقديم، فكان مقتضى القياس أنه يجوز التأخير لحصول المقصود معه
(قوله: إلا على التقديم) أى:
فأشبه ما اقتضت القواعد تقديمه حتى لو استعمل غير مقدم عند قصد الكناية بأن قيل
стр. 669
(قيل وقد يقدم) المسند إليه المسور بكل على المسند المقرون بحرف النفى ...
===
لا يبخل مثلك، ولا يجود غيرك كان كلاما منبوذا طبعا، وإن اقتضت القواعد جوازه
(قوله: قيل وقد يقدم إلخ) قائله ابن مالك وجماعة، وإنما ضعفه المصنف حيث عبر بصيغة التمريض وهو قيل للبحث فى دليله، وإلا، فالحكم مسلم كما يأتى
(قوله: وقد يقدم) الواو من جملة المحكى، وهى إما للعطف على ما قبله فى كلام القائل أو للاستئناف، وما قيل إنه معطوف على مقول قول عبد القاهر عطف تلقين، كما يقال:
سأكرمك، فتقول: وزيدا، أى: قل: وزيدا، فليس بشىء، إذ لا معنى لتلقين القائل للشيخ هذا الكلام، وأيضا لا يطرد فى قول عبد القاهر، وقد يقدم ليفيد تخصيصه فإنه لا يمكن أن يكون فيه لعطف التلقين.
(قوله: المسور بكل) فيه ميل لمذهب المناطقة القائلين الموضوع هو المضاف إليه لفظة كل، وأما هى فهى دالة على كمية الأفراد، وإلا فالنحاة يجعلون كل هى المسند إليه وقوله المسور بكل أى: أو ما يجرى مجراه فى إفادة العموم لجميع الأفراد كأل الاستغراقية، ولفظ جميع، وإنما اشترط أن يكون مقرونا بكل؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم يجب تقديمه نحو:
زيد لم يقم ولم يقم زيد لعدم فوات العموم، إذا لا عموم فيه وكذلك إذا لم يكن المسند مقرونا بحرف النفى لم يجب تقديمه نحو: كل إنسان قام، وقام كل إنسان، لعدم فوات العموم فيه بالتقديم والتأخير لحصوله مطلقا قدم المسند إليه أو أخر، وبقى شرط ثالث: وهو أن يكون المسند إليه بحيث لو أخر كان فاعلا بخلاف قولك: كل إنسان لم يقم أبوه، فإنه لو أخر كل إنسان بأن قيل: لم يقم أبو كل إنسان لم يكن فاعلا لفظيا لأخذ المسند فاعله فلا يجب التقديم فى تلك الحالة لعدم فوات العموم؛ لأن العموم حاصل على كل حال سواء قدم المسند إليه أو أخر، بقى شىء آخر وهو أن الكلام فى بيان أحوال المسند إليه مطلقا، وحينئذ فمن أين أخذ الشارح تقييده بما ذكر، وقد يقال أخذ الشارح ذلك من قرينة السياق وفى كلام بعضهم أن الضمير فى قول المصنف، وقد يقدم إن جعل راجعا للمسند إليه فى الجملة كانت كلمة قد للتقليل؛ لأن هذا التركيب قليل بالنسبة لغيره وأن جعل الضمير راجعا للمسند إليه المقيد بما قاله الشارح بقرينة سياق الكلام كانت للتحقيق.
стр. 670
(لأنه) أى: التقديم (دال على العموم) أى: على نفى الحكم عن كل فرد (نحو:
كل إنسان لم يقم) فإنه يفيد نفى القيام عن كل واحد من أفراد الإنسان (بخلاف ما لو أخر، نحو: لم يقم كل إنسان فإنه يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد
===
(قوله: لأنه دال على العموم) أى: على عموم النفى وشموله يعنى: أن المسند إليه إذا كان مستوفيا للشروط المذكورة، وكان المتكلم قصده فى تلك الحالة إفادة العموم، فإنه يجب عليه أن يقدم المسند إليه لأجل أن يفيد الكلام قصده، إذ لو أخر لم يطابق مقصوده؛ لأنه لم يفد العموم حينئذ، فالغرض من قول المصنف لأنه دال إلخ بيان للحال التى لأجلها ارتكب التقديم لا استدلال عقلى، إذ هذا أمر نقلى والواجب إثباته بالنقل، ولبعض الأفاضل قول المصنف؛ لأنه دال إلخ أى: من دلالة المقتضى بالفتح على المقتضى بالكسر فهى غاية مترتبة على التقديم، وإن أريد الدلالة على قصد العموم كان علة باعثة
(قوله: أى على نفى الحكم) أى: المحكوم به، وقوله عن كل فرد أى من أفراد ما أضيف إليه كل
(قوله: نحو كل إنسان لم يقم) أى: كل فرد اتصف بعدم القيام ومحكوم عليه به، ولا يقال الضمير فى لم يقم عائد على كل إنسان فيكون العموم واقعا فى حيز النفى فيكون هذا التركيب من سلب العموم؛ لأنا نقول مراعاة الاسم الظاهر أولى من مراعاة ضميره، وأيضا يلزم على مراعاة الضمير أنه لم يتحقق عموم السلب أصلا، ولا قائل بذلك.
(قوله: فإنه يفيد نفى القيام عن كل واحد) الجار والمجرور متعلق بنفى لا بالقيام أى: فإنه يفيد أن انتفاء القيام ثابت لكل واحد، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الحكم فى عموم السلب يلاحظ مطلقا، وأن متعلق النفى فيه الأفراد
(قوله: بخلاف ما لو أخر) ما زائدة كما فى قوله تعالى: مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (١) ولو شرطية جزاؤها قوله: فإنه يفيد نفى الحكم إلخ إن جاز وقوع الجملة الاسمية جوابا للو كما فى المغنى ومحذوف إن لم يجز كما فى الرضى أى لم يدل على العموم، وقوله: فإنه تعليل له، وإنما لم يقل بخلاف التأخير تنصيصا على بيان مخالفة التقديم والتأخير
(قوله: فإنه يفيد نفى الحكم) أى: