يعنى: القيد؛ هذا مقول قول الحجاج (- مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب) هذا مقول قول القبعثرى؛ فأبرز وعيد الحجاج فى معرض الوعد وتلقاه بغير ما يترقب بأن حمل الأدهم فى كلامه على الفرس الأدهم؛ أى: الذى غلب سواده حتى ذهب البياض، وضم إليه الأشهب؛ أى: الذى غلب بياضه، ومراد الحجاج إنما هو القيد فنبه على أن الحمل على الفرس الأدهم هو الأولى بأن يقصد الأمير (أى: من كان مثل الأمير فى السلطان) أى: الغلبة (وبسطة اليد) أى: الكرم والمال والنعمة (فجدير بأن يصفد) أى: يعطى ...
===
العكس قلت هذا الاستعمال والتعدية أمر وضعى يقال حمل على الأدهم أى: قيد به ولو سلم فليكن من قبيل القلب كما ستعرفه أو أنه شبه القيد بمركوب بجامع التمكن فى كل على طريقة الاستعارة بالكناية وإثبات الحمل تخييل هذا وقرر شيخنا العلامة العدوى أن معنى قوله لأحملنك إلخ لألجئنك إلى القيد أى: إلى أن تصير مقيدا به فعلى بمعنى إلى ولا قلب ولا شىء وهذا غير الوجه الأول
(قوله: يعنى القيد) أى: يعنى الحجاج فى هذا القول بالأدهم القيد الحديد
(قوله: وعيد الحجاج) أى: بالحمل على الأدهم الذى هو القيد الحديد
(قوله: فى معرض الوعد) أى: فى صورة الوعد بالحمل على الأدهم الذى هو الفرس
(قوله: وتلقاه) أى: وواجهه بغير ما يترقب يجوز أن يفسر ما يترقبه الحجاج بوقوع العقوبة به كما فى سم. والأظهر أن المراد بما يترقبه الكلام الدال على العفو وترك العقوبة به؛ لأن الذى يترقبه الحجاج مراجعته فى الحمل على القيد الحديد والمراد بغيره الكلام الدال على مدح الأمير
(قوله: بأن حمل الأدهم) الباء للسببية
(قوله: الذى غلب سواده إلخ) أى: أنه يولد وفيه شعرات بيض ثم يكثر الشعر الأسود حتى يغلب على الأبيض ويذهب الأبيض بالمرة بأن ينقلب البياض سوادا ولا مانع من ذلك كما أن السواد ينقلب بياضا فى مثل الشعر ويحتمل أن المراد ويذهب البياض فى رأى العين وبادئ الرأى لقلته.
(قوله: وضم إليه الأشهب) أى: قرينة على أن مراده هو بالأدهم الذى يحمله عليه الفرس لا القيد
(قوله: أى الغلبة) أشار إلى أن المراد بالسلطان السلطنة
(قوله: أى الكرم)
стр. 737
من أصفده (لا أن يصفد) أى: يقيد من صفده (أو السائل) عطف على المخاطب؛ أى: تلقى السائل (بغير ما يتطلب؛ بتنزيل سؤاله منزلة غيره) أى: غير ذلك السؤال (تنبيها) للسائل (على أنه) أى ذلك الغير (هو الأولى بحاله، ...
===
تفسير لبسطة اليد فالمراد ببسطة اليد سعتها أى: الكرم، وقوله والمال والنعمة عطف على السلطان لا من بقية التفسير وذكر النعمة بعد المال من ذكر العام بعد الخاص
(قوله: من أصفد) أى: مأخوذ من أصفد وكذا ما بعده فأصفد يدل على الخير لأنه من الصفد بالتحريك وهو الإعطاء بخلاف صفد فإنه يدل على الشر لأنه من الصفاد بالكسر وهو ما يوثق به وهذا عكس وعد وأوعد والنكتة فى ذلك أن صفد للقيد وهو ضيق فناسب أن تقلل حروفه الدالة عليه وأصفد للإعطاء المطلق المطلوب فيه الكثرة فناسب فيه كثرة الحروف ووعد للخير والخير سهل مقبول للأنفس فناسب قلة حروفه وخفة لفظه وأوعد للشر وهو صعب شاق على النفوس فناسب ثقل لفظه بكثرة حروفه
(قوله: أو السائل) الفرق بين تلقى السائل وتلقى المخاطب أن تلقى السائل مبنى على السؤال بخلاف تلقى المخاطب
(قوله: بغير ما يتطلب) فى الصحاح التطلب هو الطلب مرة بعد أخرى فالأولى بغير ما يطلب لأن ذلك التلقى لا يختص بمن يبالغ فى الطلب وكأنه عبر به لأجل حسن الازدواج بين يتطلب ويترقب فرجح رعاية جانب اللفظ على جانب المعنى أو أنه عبر به إشارة لمزيد الشوق الحاصل عند السائل فكأن ذلك السائل لمزيد الشوق الحاصل عنده كالطالب للجواب مرة بعد أخرى بقى شىء آخر وهو أن الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال وإذا أجيب السائل بغير ما يتطلب لم يكن الجواب مطابقا للسؤال وأجيب بأن السؤال ضربان جدلى وتعليمى والأول يجب أن يطابقه جوابه والثانى يبنى المجيب فيه جوابه على الأمر اللائق بحال السائل كالطبيب يبنى علاجه على حال المريض دون سؤاله فتجوز المخالفة فيه والسؤال عن الأهلة والنفقة من هذا القبيل لأنه من المسلمين للنبى
(قوله: تنبيها) أى: من المجيب للسائل
(قوله: أى ذلك الغير) أى: غير سؤاله فالضمير راجع للغير الأول وقوله الأولى بحاله إما
стр. 738
أو المهم له، كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (١))
===
لعدم أهليته لجواب ما يسأله أو لعدم الفائدة فيه بالنسبة إليه
(قوله: أو المهم له) الأولى الأهم له؛ لأن السائل له سؤالان أحدهما ما سأل عنه ولم يجب عنه والآخر ما لم يسأل عنه وأجابه المجيب عنه وكل من السؤالين للسائل اهتمام به لكن اهتمامه بالأول أقوى فإذا أجيب عنه بغير ما يتطلب علم أن الأولى أن يكون الأهم عنده هو الثانى لا الأول الذى سأل عنه وإنما يستفاد هذا المعنى من التعبير بالأهم وعطف المهم على ما قبله من عطف الملزوم على اللازم لأن كونه هو المهم يستلزم كونه أولى أى أنسب بحاله دون العكس لأن الشىء قد يكون أولى بالحال على تقدير التوجه لطلبه أولا ولا يكون فى نفسه من جملة المهمات التى يتأكد طلبها
(قوله: كقوله تعالى (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) مثال للتنبيه على أنه الأولى بدليل قوله فى شرحه للتنبيه على أنه الأولى والأليق إلخ والآية الآتية أى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ (٢) إلخ مثال للتنبيه على أنه الأهم بدليل قوله فى شرحه تنبيها على أن المهم ففى كلامه نشر على ترتيب اللف
(قوله: سألوا عن سبب اختلاف إلخ) المراد بالجمع ما فوق الواحد فقد روى أن معاذ بن جبل وربيعة بن غنم الأنصارى قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوى ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا وهذا بظاهره سؤال عن السبب وقد أجيبوا ببيان الثمرة والحكمة المترتبة على ذلك فى قوله هى مواقيت إلخ وذلك؛ لأن الاختلاف يتحقق به نهاية كل شهر فيتميز به كل شهر عما سواه ويجتمع من ذلك اثنا عشر شهرا هى مجموع العام ويمتاز كل واحد عن الآخر باسمه وخاصته فيتعين به الوقت للحج والصيام ووقت الحرث والآجال وغير ذلك ولم يجابوا بالسبب الذى هو أن القمر جرم أسود مظلم ونوره مستفاد من نور الشمس فإذا سامت القمر الشمس لم يظهر فيه شىء من نورها لحيلولة الأرض بينهما فإذا انحرف القمر عن الشمس قابله شىء منها فيبدو فيه نورها ولذا يرى دقيقا منعطفا كالقوس ثم كلما ازداد البعد من المسامتة ازدادت المقابلة فيعظم النور ثم إذا أخذ القمر فى القرب من الشمس فى سيره
стр. 739
سألوا عن سبب اختلاف القمر فى زيادة النور ونقصانه، فأجيبوا ببيان الغرض من هذا الاختلاف؛ وهو أن الأهلة بحسب ذلك الاختلاف معالم يوقت بها الناس أمورهم من المزارع والمتاجر ومحال الديون والصوم وغير ذلك، ومعالم الحج يعرف بها وقته؛ ...
===
كان الانتقاص بمقدار الزيادة حتى يسامتها فيضمحل جميعا
(قوله: سألوا عن سبب اختلاف القمر) أى: عن السبب الفاعلى فى اختلافه إن قلت لم لم يحمل السؤال الواقع منهم على أن المسئول عنه فيه السبب الفائى ولم يكن الكلام من تلقى السائل بغير ما يتطلب قلت أن تصديرهم السؤال بما بال يدل على أن المسئول عنه السبب الفاعلى لأنها إنما تستعمل فى السؤال عن ذلك لا فى السؤال عن السبب الغائى كذا ذكر بعض أرباب الحواشى وعبارة عبد الحكيم، اعلم أن ما يسال بها عن الجنس فالمسئول عنه هاهنا حقيقة أمر الهلال وشأنه وهو اختلاف تشكلاته النورية ثم عوده لما كان عليه وذلك الأمر المسئول عن حقيقته يحتمل أن يكون غايته وحكمته وأن يكون سببه وعلته فسبب النزول لا اختصاص له بأحدهما وكذا لفظ القرآن إذ يجوز أن يقدر ما سبب اختلاف الأهلة وأن يقدر ما حكمة اختلاف الأهلة فاختار صاحب الكشاف والراغب والقاضى أنه سؤال عن الحكمة كما يدل عليه الجواب إخراجا للكلام على مقتضى الظاهر؛ لأنه الأصل واختار السكاكى أنه سؤال عن السبب لما أن الحكمة ظاهرة لا تستحق السؤال عنها والجواب من الأسلوب الحكيم. اهـ.
ويرد على السكاكى أنه حيث كانت الحكمة ظاهرة لا تستحق السؤال عنها والجواب لم يكن الأولى بحال السائلين السؤال عن الحكمة فكيف علل العدول إلى الجواب بالحكمة بالتنبيه على أن السؤال عنها أولى بحالهم
(قوله: ببيان الغرض) أى:
الغاية والفائدة المآلية والحكمة المترتبة على ذلك فاندفع ما يقال أن كبر القمر وصغره وزيادة نوره ونقصانه من أفعال الله وهى لا تعلل بالأغراض عندنا وحاصل الجواب أن الشارح شبه الحكمة بالغرض باعتبار أن كلا منهما مترتب على طرف الفعل وأطلق عليها اسمه على جهة الاستعارة وقوله ببيان الغرض أى: لا ببيان السبب وإلا قيل مثل ما تقدم
(قوله: معالم) أى: علامات، وقوله يوقت أى: يعين الناس إلخ
(قوله: ومحال الديون)
стр. 740
وذلك للتنبيه على أن الأولى والأليق بحالهم أن يسألوا عن ذلك لأنهم ليسوا ممن يطلعون بسهولة على دقائق علم الهيئة، ولا يتعلق لهم به غرض، (وكقوله تعالى:
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (١)) سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ببيان المصارف تنبيها على أن المهم هو السؤال عنها لأن النفقة لا يعتد بها ...
===
أى: زمن حلولها
(قوله: وغير ذلك) أى: كمدة الحمل والحيض والنفاس والعدة
(قوله: وذلك) أى إجابتهم ببيان الغرض والحكمة لا ببيان السبب الفاعلى للتنبيه إلخ
(قوله: عن ذلك) أى عن الغرض والحكمة المترتبة على ذلك الاختلاف
(قوله: لأنهم ليسوا إلخ) فيه أن السائل بعض الصحابة وهم لذكائهم يطلعون على ذلك ويدفع هذا بقول الشارح بسهولة أى: أنهم ليسوا ممن يطلعون على ذلك بسهولة أى: لعدم تحصيل الآلات لأنها ليست موجودة عندهم لا لنقص فى طبيعتهم أو يقال إن الاطلاع على دقائق علم الهيئة بسهولة إنما يكون بالوحى والوحى إنما يكون للأنبياء
(قوله: وكقوله تعالى (يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ إلخ) محل كون هذه الآية من قبيل تلقى السائل بغير ما يتطلب إذا كان السؤال عن المنفق فقط أما إذا كان السؤال عن المنفق وعن المصرف معا كما قيل إن عمرو بن الجموع جاء إلى النبى ﷺ وهو شيخ كبير له مال عظيم فقال ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية فلا تكون الآية من تلقى السائل بغير ما يتطلب بل من قبيل الجواب عن البعض وهو المصرف صراحة وعن البعض الآخر ضمنا لأن فى ذكر الخبر إشارة إلى أن كل مال نافع ينفق منه
(قوله: عن بيان ما ينفقون) يحتمل أن المراد عن بيان مقداره ويحتمل أن المراد عن جنس ما ينفقون ويحتمل أن المراد عن كليهما
(قوله: فأجيبوا ببيان المصارف) أى: لا بيان المنفق ولو أنهم أجيبوا ببيانه لقيل أنفقوا مقدار كذا وكذا أو أنفقوا من كذا وكذا أو مقدار كذا وكذا
(قوله: لأن النفقة لا يعتد بها إلخ) اعترض بأنه إن كان المراد بالنفقة صدقة الفرض أشكل ذكر الوالدين لأنه تجب نفقتهما ولا يجوز دفعها لمن تجب النفقة
стр. 741
إلا أن تقع موقعها.
[التعبير بالمستقبل بلفظ الماضى]:
(ومنه) أى: من خلاف مقتضى الظاهر (التعبير عن) المعنى (المستقبل بلفظ الماضى تنبيها على تحقق وقوعه، نحو: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ (١)) ...
===
عليه وإن حملا على من لا تجب نفقتهما ففيه بعد لعموم اللفظ وعموم المخاطب وقد يجاب بأن المراد بهما من لا تجب نفقتهما واللفظ وإن كان عاما لكنه مخصص بالقواعد الشرعية وإن كان المراد بالنفقة صدقة النفل أشكل نفى الاعتداد إذ هى معتد بها مطلقا إلا أن تحمل الصدقة على صدقة النفل ويراد نفى كمال الاعتداد.
(قوله: إلا أن تقع موقعها) أى: لا يعتد بها فى جميع الأوقات إلا وقت وقوعها فى موقعها أى فى محلها بأن صرفت مصارفها فهو استثناء مفرغ فى الظرف فإذا وقعت موقعها كانت معتدا بها قليلة كانت أو كثيرة وإذا لم تقع فى موقعها فلا يعتد بها ولو كانت كثيرة بخلاف المتفق فإنه معتد به إذا وقع فى محله سواء كان قليلا أو كثيرا غاية الأمر أنه إذا دفع دون الواجب عليه فى صدقة الفرض لا تبرأ ذمته مطلقا بل مما دفعه ويبقى الباقى فى ذمته مع إجزاء ما دفع قطعا
(قوله: التعبير عن المستقبل) أى: وكذا عكس هذا وهو أن يعبر عن المعنى الماضى بلفظ المضارع إحضارا للصورة العجيبة وإشارة إلى تجدده شيئا فشيئا كقوله تعالى وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً (٢) أى فأثارت وقوله تعالى وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ (٣) أى: ما تلت ثم إن التعبير عن المستقبل بلفظ الماضى وعكسه يحتمل أن يكون من المجاز المرسل والعلاقة بينهما من التضاد؛ لأن الضد أقرب خطورا بالبال عند ذكر ضده فبينهما شبه المجاورة لتقارنهما غالبا فى الخيال لكن هذا الاحتمال لا يفيد المبالغة المقصودة وهى الإشعار بتحقق الوقوع وأن هذا المستقبل كالماضى؛ لأن المجاز المرسل لما كانت الدلالة فيه انتقالية لم يكن فيه
стр. 742
بمعنى: يصعق (ومثله: التعبير عن المستقبل بلفظ اسم الفاعل، ...
===
أبلغية وإنما هو كدعوى الشىء ببينة على ما يأتى ويحتمل أن يكون من مجاز التشبيه ووجه الشبه تحقق الوقوع فى كل منهما بالنسبة للتعبير عن المعنى الاستقبالى بالماضى وأما وجه الشبه فى عكسه فهو كون كل نصب العين مشاهدا وهو فى الماضى أظهر لبروزه إلى الوجود وهذا الاحتمال يفيد المبالغة السابقة فقول المصنف تنبيها إلخ يشير إلى أن التعبير عن المستقبل بالماضى على وجه الاستعارة بسبب تشبيه المستقبل بالماضى فى تحقق الوقوع وهذا وإن كان من وظيفة البيان لكن من حيث إن الداعى إليه التنبيه المذكور من وظيفة علم المعانى ولا يخفى أن الاستعارة فى الفعل بتبعية استعارة المصدر كما هو مشهور إن قلت أن مصدر الماضى والمستقبل واحد فكون الاستعارة تبعية يؤدى إلى تشبيه الشىء بنفسه قلنا يختلف المصدر بالتقيد بالماضى والاستقبال لكن لا يخفى أن هذا استعارة فى المشتق باعتبار الهيئة ولم يذكره القوم فى مباحث الاستعارة لكن قواعدهم لا تأباه.
(قوله: بمعنى يصعق) أى: فالصعق معنى يقع فى المستقبل وعبر عنه بالماضى تنبيها على تحقق وقوعه ثم إن قول الشارح بمعنى إلخ بناء على ما وقع فى نسخ المتن ويوم ينفخ فى الصور فصعق لكن نظم التنزيل ففزع والموضع الذى فيه فصعق نظمه ونفخ فى الصور فصعق والشاهد موجود فى كل من الآيتين وذلك لأن كلا من الفزع والصعق معنى استقبالى عبر عنه بصيغة الماضى على خلاف مقتضى الظاهر تنبيها على تحقق وقوعه لأن الماضى يشعر بتحقق الوقوع فقد ظهر لك أن ما فى المتن مخالف لنظم القرآن قال الفنرى وقد يقال إن مراد المصنف مجرد التمثيل لا على أنه من القرآن ولذا لم يقل نحو قوله تعالى
(قوله: ومثله التعبير إلخ) المثلية من حيث التعبير عن المعنى المستقبل بغيره لا بالماضى وبهذا يعلم حكمة فصلهما عما قبلهما كذا فى عروس الأفراح وفى بعض الحواشى أن فصلهما عما قبلهما لما فيهما من الإشكال الذى ذكره الشارح وإنما فصل الثانى عن الأول بلفظ نحو إشارة إلى اختلاف معنى الوصفين فى الآيتين
стр. 743
كقوله تعالى: وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (١)) مكان يقع (ونحوه: التعبير عن المستقبل بلفظ اسم المفعول، كقوله تعالى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ (٢)) مكان يجمع، وهنا بحث؛ وهو أن كلا من اسمى الفاعل والمفعول قد يكون بمعنى الاستقبال وإن لم يكن ذلك بحسب أصل الوضع فيكون كل منهما هاهنا واقعا فى موقع، واردا على حسب مقتضى الظاهر. والجواب: أن كلا منهما حقيقة فيما تحقق فيه وقوع الوصف وقد استعمل هاهنا فيما يتحقق ...
===
(قوله: وإن الدين لواقع) أى: وإن الجزاء لحاصل فقد عبر باسم الفاعل وهو لفظ واقع مكان يقع، لأن وقوع الدين أى الجزاء استقبالى هذا إن أريد الجزاء الأخروى وهو ما يحصل فى يوم القيامة وأما إن أريد الدنيوى أمكن كون التعبير على أصله قيل إن التمثيل بالآية غير مستقيم لأن فيها التعبير باسم الفاعل المقرون بلام الابتداء عن الحال ولام الابتداء تخلص المضارع المقدر هنا للحال لأن المعنى على تقدير ليقع وأجيب بأن لام الابتداء هنا فى الآية لمجرد التأكيد كما أشار الشارح بقوله مكان يقع فهى هنا كهى فى قوله تعالى وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ (٣) وليست للتأكيد ولتخليص المضارع للحال وإن كانت تفيدهما بحسب أصلها أفاده عبد الحكيم
(قوله: فيكون كل منهما إلخ) تفريع على قوله قد يكون بمعنى الاستقبال أى: وإذا كان يأتى بمعنى الاستقبال يكون إلخ
(قوله: واردا على حسب إلخ) أى: وحينئذ فجعل المصنف التعبير عن المعنى الاستقبالى باسمى الفاعل والمفعول على خلاف مقتضى الظاهر لا يسلم
(قوله: والجواب إلخ) هذا جواب بالمنع لقوله فيكون كل منهما إلخ وحاصله أنا لا نسلم أنه إذا استعمل أحدهما بمعنى الاستقبال على خلاف أصل الوضع يكون واقعا موقعه بل هو واقع على خلاف مقتضى الظاهر.
(قوله: حقيقة فيما) أى: فى زمن تحقق فيه وقوع الوصف وهو الحال اتفاقا والماضى عند بعضهم واعترض هذا الجواب بأنه يفيد أن كلا من اسمي الفاعل والمفعول مدلوله
стр. 744
مجازا تنبيها على تحقق وقوعه (ومنه) أى: من خلاف مقتضى الظاهر (القلب) وهو أن يجعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر والآخر مكانه (نحو: عرضت الناقة على الحوض) ...
===
الزمان ولا قائل بذلك وأجيب بأن فى الكلام حذفا والأصل حقيقة فى ذات متصفة بوصف واقع فى زمان تحقق فيه وقوع ذلك الوصف وهو الحال أو هو والماضى فقوله بعد وقد استعمل هاهنا فيما لم يتحقق إلخ لا بد فيه أيضا من تقدير والأصل وقد استعمل هاهنا فى ذات متصفة بوصف واقع فيما أى: فى زمان لم يتحقق أى: لم يحصل وهو المستقبل والحاصل أن معنى قولهم اسم الفاعل حقيقة فى الحال أى: فى الذات المتصفة بالحدث الحاصل بالفعل فى الحال وقولهم مجاز فى الاستقبال أى: فى الذات المتصفة بالحدث الغير الحاصل بالفعل بل سيحصل بعد ذلك فإذا كان الحدث متحققا حاصلا بالفعل كان الوصف حقيقة لا لأن الزمان حاضر بل لأن الحدث متحقق وإن لزم حضور الزمان وفرق بين الزمن المعتبر فى المفهوم واللازم للمفهوم وإذا لم يكن الحدث حاصلا بالفعل كان الوصف مجازا لا لكون الزمان مستقبلا بل لعدم تحقق الحدث وعدم حصوله بالفعل فى الحال فظهر من هذا أن اسمى الفاعل والمفعول إنما وضعا لما وقع فى الحال والماضى لا أنهما موضوعان له مع الحال والماضى وشتان ما بين الأمرين وحينئذ فلا ينتقص تعريف الاسم والفعل طردا ومنعا
(قوله: مجازا إلخ) أى:
والمجاز خلاف مقتضى الظاهر هذا مراده وفيه أنه يقتضى أن كل مجاز خلاف مقتضى الظاهر وهو لا يسلم بل قد يكون المجاز مقتضى الظاهر إذا اقتضاه المقام كذا بحث أرباب الحواشى وفى عبد الحكيم نقلا عن الشارح فى شرحه على المفتاح أن كل مجاز خلاف مقتضى الظاهر لأن مقتضى الظاهر أن يعبر عن كل معنى بما وضع له
(قوله: مكان الآخر والآخر مكانه) أى: مع إثبات حكم كل للآخر لا مجرد تبديل المكان كما فى عكس القضية وذلك كما فى المثال فإن الناقة والحوض اشتركا فى حكم وهو مطلق العرض إلا أن الحكم الثابت للحوض هو العرض بلا واسطة حرف الجر فيكون معروضا والحكم الثابت للناقة هو العرض بواسطة حرف الجر فتكون معروضا عليها أو
стр. 745
مكان عرضت الحوض على الناقة؛ أى: أظهرته عليها لتشرب (وقبله) أى: القلب (السكاكى مطلقا) وقال: إنه مما يورث الكلام ملاحة ...
===
قد قلب ذلك وأثبت لكل حكم الآخر فصار ما كان حكمه العرض بلا واسطة حكمه العرض بالواسطة وبالعكس وخرج بقولنا مع إثبات حكم كل للآخر بعض أفراد العكس المستوى وقولنا فى الدار زيد وضرب عمرا زيد إلا أنه لم يثبت حكم كل للآخر بل كل منهما باق على حكمه وإنما هذا من باب التقديم والتأخير وخرج أيضا ضرب عمرو بالبناء للمفعول لأنه وإن جعل للمفعول حكم الفاعل وجعل فى مكانه لكن لم يجعل للفاعل حكم المفعول ولم يجعل فى مكانه قال ابن جماعة وانظر هل القلب حقيقة أو مجاز أو كناية وهل هو من مباحث المعانى أو البديع أو يفرق بين اللفظى منه والمعنوى. اهـ.
والظاهر أنه من الحقيقة لأن كل كلمة مستعملة فيما وضعت له ولم يرد من التركيب شىء آخر مغاير لما أريد من الكلمات نعم ربما يدعى أنه من قبيل المجاز العقلى وأنه من مباحث المعانى والبديع باعتبارين مختلفين كما يأتى
(قوله: مكان عرضت إلخ) أى: لأن المعروض عليه يجب أن يكون ذا شعور واختيار لأجل أن يميل للمعروض أو يحجم عنه والسبب فى هذا القلب هو أن المعتاد أن يؤتى بالمعروض للمعروض عليه وهنا لما كانت الناقة يؤتى بها للحوض والحوض باق فى محله نزل كل واحد منهما منزلة الآخر فجعلت الناقة كأنها معروضة والحوض كأنه معروض عليه ومن نظائر هذا قولهم أدخلت الخاتم فى الأصبع والقلنسوة فى الرأس فإنه مكان أدخلت الأصبع فى الخاتم والرأس فى القلنسوة وذلك لأن المدخل هو الأصبع والرأس فالظرف هو المدخول فيه والمظروف هو الداخل والسبب فى ذلك القلب أن العادة أن المظروف ينقل إلى الظرف وهنا نقل الظرف وهو الخاتم والقلنسوة إلى المظروف وهو الرأس والأصبع فنزل أحدهما منزلة الآخر.
(قوله: أظهرته عليها) على بمعنى اللام أى: أظهرته لها بمعنى أريتها إياه
(قوله: مطلقا) أى: سواء تضمن اعتبارا لطيفا أو لا
(قوله: إنه مما يورث الكلام ملاحة) أى:
стр. 746
(ورده غيره) أى: غير السكاكى (مطلقا) لأنه عكس المطلوب ونقيض المقصود (والحق أنه إن تضمن اعتبارا لطيفا) غير الملاحة التى أورثها نفس القلب (- قبل، كقوله: ومهمه (١)) أى: مفازة (مغبرة) أى: مملوءة بالغبرة (أرجاؤه) أى: أطرافه ونواحيه؛ جمع الرجا مقصورا (كأنّ لون أرضه سماؤه) على حذف المضاف (أى:
لونها) يعنى: لون السماء، فالمصراع الأخير من باب القلب، والمعنى: كأن لون سمائه لغبرتها لون أرضه، والاعتبار اللطيف هو المبالغة فى وصف لون السماء بالغبرة حتى كأنه صار بحيث يشبه به لون الأرض فى ذلك مع أن الأرض أصل فيه (وإلا)
===
لأن قلب الكلام مما يحوج إلى التنبه للأصل وذلك مما يورث الكلام ملاحة ثم إنه إن قصد به المطابقة لمقتضى الحال كان من مباحث فن المعانى وإلا صح أن يعد من فن آخر ولذلك يوجد هذا القلب فى التشبيه المعكوس وهو من مبادئ علم البيان وفى علم البديع
(قوله: ورده غيره) أى: وحمل ما ورد من ذلك على التقديم والتأخير
(قوله: كقوله) أى: رؤبة بن العجاج
(قوله: ومهمه) أى: ورب مهمه
(قوله: أى مفازة) هى الأرض التى لا ماء فيها ولا نبت سميت مفازة تفاؤلا بأن السالك فيها يفوز بمقصوده أو بالنجاة من المهالك وإلا فهى مهلكة
(قوله: بالغبرة) بفتح الغين أى: التراب
(قوله: جمع الرجا) المناسب للجمع أن يقول جمع رجا وقوله مقصورا أى: بمعنى الناحية وأما الرجاء بالمد فهو تعلق القلب بمرغوب يحصل فى المستقبل مع الأخذ فى الأسباب
(قوله: على حذف المضاف) أى: لأنه لا مناسبة بين لون الأرض وذات السماء حتى يشبه بها فالمشبه به محذوف هو لون السماء
(قوله: والاعتبار اللطيف) أى: الزائد على لطافة مجرد القلب
(قوله: حتى كأنه) أى لون السماء صار بحيث أى: متلبسا بحالة هى كونه يشبه به لون الأرض فى ذلك أى: فى الغبرة.
(قوله: مع أن الأرض) أى: لون الأرض وقوله أصل فيه أى: فى ذلك التشبيه فحقه أن يجعل مشبها به ولون السماء مشبها بأن يقال كأن لون سمائه لون أرضه واعترض
стр. 747
أى: وإن لم يتضمن اعتبارا لطيفا (رد) لأنه عدول عن مقتضى الظاهر من غير نكتة يعتد بها (كقوله (١) ...
===
بأن هذا لا ينبغى إجراء الخلاف فيه لأن قلب التشبيه متفق عليه كيف وقد ورد فى القرآن إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا (٢) والأصل إنما الربا مثل البيع فقلب مبالغة فالأولى للمصنف أن يمثل بقول الشاعر:
رأين شيخا قد تحنّى صلبه ... يمشى فيقعس أو يكبّ فيعثر
أراد أو يعثر فيكب، والقعس خروج الصدر ودخول الظهر ضد الحدب، والإكباب السقوط على الوجه، والعثرة الذلة، أى رأت الغوانى شيخا منحنيا قد صار أحدب إذا مشى يتكلف مشية الأقعس خوف السقوط أو يعثر فيكب، ففى القلب تخييل أنه من غاية ضعفه يسقط على وجهه قبل عثاره، ومن القلب المتضمن لاعتبار لطيف قوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ* فالأصل: ويوم تعرض النار على الذين كفروا لما مر من أن المعروض عليه لا بد أن يكون له إدراك يميل به إلى المعروض، ووجه الاعتبار اللطيف فى الآية الإشارة إلى أن الكفار مقهورون، فكأنهم لا اختيار لهم، والنار متصرفة فيهم، وهم كالمتاع الذى يتصرف فيه من يعرض عليه. (قوله أى وإن لم يتضمن اعتبارا لطيفا) أى زائدا على مجرد لطافة القلب (قوله يعتد بها) أشار بذلك إلى أن الملاحة التى يوجبها القلب غير معتد بها على هذا القول (قوله كقوله) أى قول القطامى عمرو بن سليم الثعلبى من قصيدة يمدح بها زفر بن حارث الكلابى، وقد كان أسيرا له فأطلقه وأعطاه ماله وزاده مائة من الإبل، ومطلع القصيدة:
قفى قبل التفرّق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا
стр. 748
فلما أن جرى سمن عليها (كما طينت بالفدن) أى: القصر (السياعا) أى: الطين بالتبن؛ والمعنى: كما طينت الفدن بالسياع، ...
===
قفى وافدى أسيرك إنّ قومى ... وقومك لا أرى لهم اجتماعا
أكفرا بعد ردّ الموت عنّي ... وبعد عطائك المائة الرّتاعا
والألف من ضباعا للإطلاق وهو مرخم ضباعة اسم بنت صغيرة للممدوح
(قوله: فلما أن جرى) أن زائدة وجرى بمعنى ظهر وفى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه السمن بالماء الجارى وأثبت له شيئا من خواصه وهو الجرى وقوله سمن بكسر السين وفتح الميم ضد الهزال وما فى قوله كما طينت مصدرية وجواب لما فى البيت الواقع بعده وهو:
أمرت بها الرجال ليأخذوها ... ونحن نظنّ أن لن تستطاعا
وقوله ليأخذوها أى: لحمل الأثقال والضمير فى قوله عليها وفى يأخذوها للناقة فإن بعض أبيات القصيدة صريح فى أنه يصف ناقته وهو قوله:
فلمّا أن مضت ثنتان عنها ... وصارت حقّة تعلو الجذاعا
وقلنا مهلّوا لثنيّتيها ... لكى تزداد للسعر اطّلاعا
عرفنا ما يرى البصراء فيها ... فآلينا عليها أن تباعا
فلمّا أن جرى سمن عليها ... كما طينت بالفدن السّياعا
ومما ذكر تعلم أن قول بعضهم إن قصد الشاعر وصف جفنة مملوءة بالثريد المدهن وأن قوله سمن بفتح السين وسكون الميم غلط فاحش أفاده الفنارى
(قوله: السياعا) بفتح السين وكسرها.
(قوله: أى الطين بالتبن) أى: المخلوط بالتبن وهذا المعنى الذى ذكره الشارح هو ما فى الصحاح وفى الأساس أن السياع بالكسر ما يطين به أعنى الآلة وأما بالفتح فهو الطين
(قوله: والمعنى إلخ) أى: المراد فيكون الغرض تشبيه الناقة فى سمنها بالفدن وهو القصر المطين بالسياع أى: الطين المخلوط بالتبن حتى صار متينا أملس لا حفرة فيه ولا وهن وقد قلب الكلام ولم يتضمن هذا القلب مبالغة كما تضمنها فى قوله كأن
стр. 749
يقال: طينت السطح والبيت. ولقائل أن يقول: إنه يتضمن من المبالغة فى وصف الناقة بالسمن ما لا يتضمنه قوله: طينت الفدن بالسياع لإيهامه أن السياع قد بلغ من العظم والكثرة إلى أن صار بمنزلة الأصل، والفدن بالنسبة إليه كالسياع بالنسبة إلى الفدن.
===
لون أرضه سماؤه
(قوله: يقال طينت السطح والبيت) أى: أصلحته وسويته بالطين
(قوله: إنه) أى القلب فى هذا البيت
(قوله: لإيهامه) أى: القلب أن السياع إلخ لا يقال هذا الاعتبار لا حسن فيه فلا اعتداد به وذلك لأن كثرة تطيين القصر لا لطف فى الوصف به لأنّا نقول هو وإن لم يكن فيه لطف فى نفسه لكن فيه لطف بالنسبة للمقصود المترتب عليه وهو إفادة المبالغة فى وصف الناقة بالسمن كما أشار إلى ذلك الشارح بقوله إنه يتضمن من المبالغة إلخ وبيان ذلك أن القلب يدل على عظم السياع وكثرته حتى صار كأنه الأصل وسمن الناقة مشبه بالسياع فيدل القلب حينئذ على عظم السمن حتى صار الشحم لكثرته بالنسبة للأصل من العظم وغيره كأنه الأصل.
(قوله: بمنزلة الأصل) فيدل على عظم سمنها المشبه بالطين حتى صار الشحم لكثرته بالنسبة للأصل من العظم وغيره كأنه الأصل واعلم أن هذا الإيراد الذى ذكره الشارح لا يرد على المصنف إلا على ما ذكره الشارح تبعا للصحاح من أن السياع هو الطين المخلوط بالتبن وأما على ما ذكره الزمخشرى فى الأساس من أن السياع بالكسر الآلة التى يطين بها فلا يرد ولا يتأتى أن يكون فى القلب المذكور معنى لطيف فيحتمل أن يكون المصنف جرى على ما فى الأساس وحينئذ فلا اعتراض عليه تأمل.
стр. 750
خاتمة
===
قد أهمل المصنف أمورا كثيرة من خلاف مقتضى الظاهر منها الانتقال من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجمع لخطاب الآخر نحو قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ (١) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ (٢) فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٣) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (٤) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٥) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ (٦) إلى قوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧) ووجه حسن هذه الأقسام ما ذكر فى الالتفات لأنها قريبة منه ومنها التعبير بواحد من المفرد والمثنى والمجموع والمراد الآخر وهذا بخلاف الأول؛ لأن الأول فيه استعمال كل فى معناه وفى هذا استعماله فى غير معناه نحو:
إذا ما القارظ العنزىّ آبا
وإنما هما القارظان وقفا نبك وألقيا فى جهنم وحنانيك وأخواته.
стр. 751
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 752
علم المعاني
стр. 753
[أحوال المسند]:
[أغراض الحذف]:
(أما تركه: فلما مر) فى حذف المسند إليه (كقوله: )
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... (فإنى وقيّار بها لغريب) (١)
===
أحوال المسند
أى: الأمور العارضة له من حيث إنه مسند التى بها يطابق الكلام مقتضى الحال
(قوله: أما تركه) قد تقدم وجه التعبير هنا بالترك وهناك بالحذف، وإنما بدأ من أحوال المسند بالترك؛ لأن الترك عبارة عن عدم الإتيان به، والعدم فى الجملة سابق على أحوال الحادث
(قوله: فلما مر فى حذف المسند إليه) أى من الاحتراز عن العبث بناء على الظاهر وتخييل العدول إلى أقوى الدليلين وضيق المقام بسبب التحسر، أو بسبب المحافظة على الوزن واتباع الاستعمال وغير ذلك
(قوله: أمسى بالمدينة رحله) أمسى إما مسندة إلى ضمير من، وجملة بالمدينة رحله خبرها إن كانت ناقصة أو حال إن كانت تامة، وإما مسندة إلى رحله وبالمدينة خبرها أو حال- كذا فى عبد الحكيم
(قوله: فإنى وقيار بها لغريب) علة لمحذوف مع الجواب، والتقدير ومن يكن أمسى بالمدينة رحله فقد حسنت حالته وساءت حالتى، وحالة قيار؛ لأنى إلخ، ولا يصح أن تكون الجملة المقرونة بالفاء جوابا؛ لأن الجواب مسبب عن الشرط ولا مسببية هنا، وبهذا ظهر ما قاله الشارح من أن لفظ البيت خبر ومعناه التحسر، وقوله: بها متعلق بغريب، والباء بمعنى فى
(قوله: فإنى وقيار إلخ) قدم قيار على قوله لغريب للإشارة إلى أن قيارا- ولو لم يكن من جنس العقلاء- بلغه هذا الكرب، واشتدت عليه هذه الغربة حتى صار مساويا للعقلاء فى التشكى منها ومقاساة شدتها بخلاف ما لو أخره فلا يدل الكلام على التساوى؛ لأن فى التقديم أثرا فى الأدلية.
стр. 754
الرحل: هو المنزل والمأوى، وقيار: اسم فرس أو جمل للشاعر؛ وهو ضابئ بن الحارث كما فى الصحاح، ولفظ البيت خبر ومعناه التحسر والتوجع. فالمسند إلى قيار محذوف لقصد الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر مع ضيق المقام بسبب التوجع ومحافظة الوزن، ولا يجوز أن يكون قيار عطفا على محل اسم إن، وغريب خبرا عنهما لامتناع العطف على محل اسم إن قبل مضى الخبر لفظا أو تقديرا،
===
(قوله: والمأوى) مرادف لمقابله
(قوله: اسم فرس أو جمل) فى نسخة اسم فرس، أو جمل، أو غلام للشاعر، ففى قيار أقوال ثلاثة كما فى حاشية السيد على المطول
(قوله: ضابئ) بالهمزة وبإبدالها ياء ساكنة من ضبأ فى الأرض إذا اختفى فيها
(قوله: والتوجع) أى:
من أجل الغربة ومقاساة شدائدها
(قوله: فالمسند إلى قيار محذوف) أى: وغريب خبر إن لا خبر قيار؛ لاقترانه باللام وخبر المبتدأ الغير المنسوخ لا يقترن بها إلا شذوذا
(قوله: بناء على الظاهر) متعلق بالعبث أى: أن العبثية منظور فيها للظاهر، وفى الحقيقة ليس ذكره عبثا؛ لأنه أحد ركنى الإسناد
(قوله: مع ضيق المقام بسبب التوجع) أى: من الغربة إن قلت لم يسبق فى المتن فى حذف المسند إليه ذكر لضيق المقام، فكيف يمثل المصنف للحذف لما مر بهذا؟ قلت:
ضيق المقام مندرج تحت قول المصنف فيما مر أو نحو ذلك، وانظر لم لم يذكر هنا مع النكات تخييل العدول مع تأتيه
(قوله: ومحافظة الوزن) عطف على التوجع بدليل أنه فيما يأتى فسر ضيق المقام بالمحافظة على الشعر
(قوله: عطفا على محل اسم إن) أى على اسم إن باعتبار محله وهو الرفع بالابتداء وهذا بناء على أنه لا يشترط فى العطف باعتبار المحل وجود المحرز أى: الطالب لذلك المحل ومذهب البصريين أنه لا بد منه، وحينئذ فلا يصح العطف على محل اسم إن مطلقا؛ لأن المحرز وهو الابتداء قد زال ويجعلون المعطوف عليه فى مثل هذا محل إن واسمها- كذا فى الفنرى
(قوله: خبرا عنهما) أى: ولا حذف فى الكلام
(قوله: لامتناع العطف) أى: لما يلزم عليه من توجه العاملين المبتدأ وإن إلى معمول واحد هو الخبر، وليس علة عدم الجواز كون غريب مفردا والمبتدأ شيئان؛ لأنه وصف على وزن فعيل يستوى فيه الواحد وغيره، قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (١).
стр. 755
وأما إذا قدرنا له خبرا محذوفا فيجوز أن يكون هو عطفا على محل اسم إن؛ لأن الخبر مقدم تقديرا فلا يكون مثل: إن زيدا وعمرو ذاهبان، بل مثل: إن زيدا وعمرو لذاهب؛ وهو جائز، ...
===
(قوله: وأما إذا قدرنا له) أى: لقيار خبرا محذوفا أى: وجعل لغريب المذكور خبر إن، فيجوز أن يكون هو أى: قيار عطفا على محل اسم إن، وقوله: لأن الخبر أى المذكور الذى هو لغريب مقدم أى: على المعطوف تقديرا أى: وإن كان فى اللفظ متأخرا
(قوله: وأما إذا قدرنا له خبرا إلخ) إن قلت لم لم يجعل الغريب خبرا عن قيار ويكون المحذوف خبر إن قلت: منع من ذلك مانع وهو دخول لام الابتداء على قوله لغريب؛ لأن لام الابتداء إنما تدخل على خبر المبتدأ المنسوخ بإن ولا تدخل على خبر المبتدأ غير المنسوخ بها إلا شذوذا، كما قالوا فى قوله:
أمّ الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللّحم بعظم الرّقبه (١)
اللهم إلا أن يتقدم ذلك الخبر على المبتدأ نحو: لقائم زيد، كما ذكره عبد الحكيم
(قوله: يكون مثل إن زيدا وعمرو ذاهبان) أى: مما فيه العطف على محل اسم إن قبل مضى الخبر الذى هو ممنوع كما مر لما فيه من اجتماع عاملين على معمول واحد وهو إن وعمرو على ذاهبان
(قوله: بل مثل إن زيد إلخ) مما فيه العطف على محل اسم إن بعد مضى الخبر أى تقديرا إذ يقدر لعمرو خبر آخر فيكون خبر الأول المذكور فى نية التقديم على المعطوف، ثم إن العطف على محل اسم إن يستدعى أنه من عطف المفردات وتقدير خبر آخر يستدعى أنه من عطف الجمل. قال سم: قلت: إنه لا يستدعى ذلك فقد قال الأستاذ عيسى الصفوى، بل هو من عطف المفردات؛ لأنه عطف المبتدأ على محل اسم إن وخبره على خبر إن. واعلم أن هذا الإعراب- وإن جوزه الشارح- إلا أنه يلزم عليه محذوران.
الأول: أن فيه تقديم المعطوف على المعطوف عليه.
стр. 756
ويجوز أن يكون مبتدأ والمحذوف خبره والجملة بأسرها عطف على جملة إن مع اسمها وخبرها.
(و) ك
(قوله: ===
الثانى: أن فيه العطف على معمولى عاملين مختلفين؛ وذلك لأن قيار عطف على اسم إن باعتبار محله، والعامل فيه الابتداء وخبره عطف على خبر إن والعامل فيه إن والعطف المذكور غير جائز فى مثل هذه الصورة على الصحيح؛ لأن الواو حرف ضعيف ولا يقوى على عمل عاملين مختلفين.
وقد يجاب عن الأول بأن الخبر عن المعطوف المقدر يعتبر بعد خبر إن المذكور ويقدر بعده، وعن الثانى: بأن ذلك الخبر المقدر مرفوع بالابتداء، وذلك لأنه إذا لم يعتبر عطفه على خبر إن، بل عطف المبتدأ فقط على محل اسم إن فظاهر، وإن اعتبر معطوفا عليه فإنه يكون معطوفا على لفظه؛ لأن إن اعتبرت فى حكم العدم فكان الرافع لاسمها وخبرها هو الابتداء ويكون من عطف المفردين على المفردين، ولا يصح أن يقال: إنه إذا اعتبر عطف الخبر المقدر على خبر أن يكون عطفا على محله دون لفظه لأجل أن يتحد عامل المعطوفين، وعامل المعطوف عليهما وهما اسم إن وخبرها؛ لأن العطف على محل خبر إن لم يوجد فى كلامهم- كذا أفاده عبد الحكيم وتأمله، وإنما كان الرافع لذلك الخبر المقدر الابتداء؛ لأن جواز العطف على المحل بدون محرز قول الكوفيين وهم يقولون الابتداء رافع للجزأين.
(قوله: ويجوز أن يكون إلخ) هذا الوجه نفس ما سبق فى قوله فالمسند إلى قيار لكن أعاده لأجل إفادة أنه من عطف الجمل لا من عطف المفردات كما فى الوجه الذى قبله، والحاصل أن البيت يحتمل احتمالات أربعة اثنان جائزان، واثنان ممنوعان؛ فالجائزان: جعل قيار مبتدأ خبره محذوف، والجملة بأسرها اسم إن وخبرها، أو جعل قيار عطفا على محل اسم إن ويقدر له خبر عطف على خبر إن والممنوعان: جعل قيار مبتدأ خبره لغريب وخبر إن محذوف، أو جعل قيار عطفا على محل اسم إن ولغريب خبر عنهما
(قوله: على جملة إن إلخ) فى الحقيقة لا دخل لأن فى الجملة
(قوله: وكقوله إلخ)
стр. 757
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرّأى مختلف (١)
فقوله: نحن مبتدأ محذوف الخبر لما ذكر؛ أى: نحن بما عندنا راضون؛ فالمحذوف هاهنا هو خبر الأول بقرينة الثانى، وفى البيت السابق بالعكس ...
===
هو من المنسرح
(قوله: نحن بما عندنا) أى: نحن راضون بما عندنا وأنت راض بما عندك من الرأى وآراؤنا مختلفة، فكل إنسان يتبع رأيه؛ لأنه حسن باعتبار حاله، وإن كان قبيحا باعتبار حال آخر، ففيه إشارة إلى أن تفاوت المطالب فى الحسن والقبح باعتبار علو الهمة ودناءتها، فرب شىء حسن عند دنىء الهمة يكون قبيحا عند عاليها
(قوله: لما ذكر) أى: للنكات التى ذكرت فى البيت السابق، أى: لأجل الاحتراز عن العبث بناء على الظاهر مع ضيق المقام بسبب الوزن
(قوله: فالمحذوف هاهنا خبر الأول إلخ) هذا إشارة إلى فائدة تعداد المثال
(قوله: خبر الأول) أى: لأنه لا يجوز أن يكون راض خبرا عن نحن لعدم المطابقة وأما قوله:
والمسجدان وبيت نحن عامره ... لنا وزمزم والأركان والسّير
فأصله عامروه فحذفت الواو لدلالة الضمة عليها، وأما المصير إلى حذف الموصوف، وأن التقدير: نحن قوم راض فتكلف، وبتقديره يصح أن يكون راض خبرا عن نحن وأنت، ولا حذف فى الكلام.
قال فى المغنى: وقد تكلف بعضهم فزعم أن نحن للمعظم نفسه وأن راض خبر عنه وهو مردود؛ لأنه لم يحفظ نحن قائم، بل يجب فى الخبر المطابقة نحو: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (٢) وأما: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٣) فأفرد ثم جمع؛ لأن غير المبتدأ والخبر لا يجب له من التطابق ما يجب لهما انتهى
(قوله: وفى البيت السابق بالعكس) إذ لا يجوز فيه أن يكون المذكور خبر الثانى؛ لأن لام الابتداء لا تدخل على خبر المبتدأ غير المنسوخ كما مر.
стр. 758
(وقولك: زيد منطلق وعمرو) أى: وعمرو منطلق؛ فحذف للاحتراز عن العبث من غير ضيق المقام (وقولك: خرجت فإذا زيد) أى: موجود أو حاضر أو واقف أو بالباب أو ما أشبه ذلك؛ فحذف لما مر مع اتباع الاستعمال؛ لأن (إذا) المفاجأة تدل على مطلق الوجود، وقد ينضم إليها قرائن تدل على نوع خصوصية كلفظ الخروج المشعر بأن المراد: فإذا زيد بالباب، أو حاضر، .....
===
(قوله: زيد منطلق وعمرو) إن جعل الكلام من عطف الجمل كان من قبيل حذف المسند من الجملة الثانية، وإلا فمن حذف المعطوف على المسند، لكن لا يطلق فى الاصطلاح على تابع المسند إليه أو المسند أنه كذلك، ويلزم عليه أيضا العطف على معمولى عاملين مختلفين
(قوله: من غير ضيق المقام) هذا وجه زيادة هذا المثال بعد ما قبله فاندفع ما يقال: إن هذا المثال موافق للأول فى أن الحذف فى كل منهما من الثانى لدلالة الأول، فأى فائدة لذكره وحاصل الجواب أن المقتضى للحذف فيهما مختلف؛ لأن الحذف فى الأول للاحتراز عن العبث مع ضيق المقام، وهنا للاحتراز عن العبث من غير ضيق المقام.
(قوله: لما مر) أى: فى المثال الذى قبله وهو الاحتراز عن العبث من غير ضيق المقام، وقوله مع اتباع الاستعمال أى: الوارد على ترك المسند إذا وقع المسند إليه بعد إذا الفجائية، وهذا نكتة زيادة هذا المثال، إن قلت: إنه لم يتقدم فى المتن فى نكات حذف المسند إليه اتباع الاستعمال المذكور فكيف يمثل المصنف بهذا الحذف المسند لما مر؟
قلت: هو مندرج تحت قوله سابقا أو نحو ذلك، ولو جعل الحذف فى هذا المثال لتخييل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل واللفظ كان أولى، ولا يقال هذا متأت فى جميع الأمثلة السابقة؛ لأنا نقول: نعم إلا أنه فرق بين الحاصل المقصود والحاصل من غير قصد.
(قوله: لأن إذا المفاجأة إلخ) هذا تعليل للعلية أى: إنما كان حذف المسند مع إذا لما مر من الاحتراز عن العبث؛ لأن الحذف لما مر يتضمن وجود القرينة فبينها بهذا التعليل وليس تعليلا لاتباع الاستعمال؛ لأنه لا ينتجه كما هو ظاهر وإضافة إذا للمفاجأة من إضافة الدال للمدلول، ولا يصح نصب المفاجأة صفة لإذا؛ لأن الصفة لا بد أن يكون معناها قائما بالموصوف والمفاجأة ليست قائمة بإذا، بل مفهومة من اللفظ
(قوله: وقد ينضم إليها قرائن إلخ) أى: فإذا صرح حينئذ بالخبر مع وجود تلك
стр. 759
===
القرينة كان ذلك عبثا بالنظر للظاهر، وفى كلام الشارح إشارة إلى أنه إذا كان الخبر مخصوصا لا يجوز أن تكون قرينته الدالة عليه عند الحذف مجرد إذا الفجائية؛ لأنها إنما تدل على مطلق الوجود فلا بد للخصوصية مما يدل عليها.
(قوله: أو نحو ذلك) أى: كواقف أو جالس، واعلم أنه إذا قيل خرجت فإذا زيد مثلا، ففى الفاء قولان، وفى إذا أقوال ثلاثة، ومحصل ذلك أن إذا قيل: إنها ظرف زمان وقيل إنها ظرف مكان، وقيل إنها حرف دال على المفاجأة، وأما الفاء فقيل إنها للسببية المجردة عن العطف مثلها فى قولهم: الذى يطير فيغضب زيد الذباب، وحينئذ يكون العامل فى إذا هو الخبر، سواء قلنا إنها زمانية أو مكانية، والمعنى فزيد موجود فى ذلك الوقت، أو فى ذلك المكان فجأة، أما على القول بأنها حرف فلا عامل لها، والمراد بالسببية هنا التى يراد بها لصوق ما بعدها لما قبلها من غير مهلة لا كون ما بعدها مسببا عما قبلها، وقيل: إن الفاء للعطف على المعنى أى: خرجت ففاجأت وقت أو مكان وجود زيد بالباب، وعلى هذا فالعامل فى إذا هو فاجأت على أنها مفعول به لا ظرف بناء على القول بأنها متصرفة، وأما على الصحيح من أنها ظرف غير متصرف فهى ظرف للخبر المقدر لا مفعول به، والمعنى ففاجأت وجود زيد فى الوقت أو فى الحضرة، ويجوز أن يكون العامل فيها هو الخبر المحذوف كما مر، وحينئذ لا تكون مضافة إلى الجملة بعدها لئلا يلزم إعمال المتأخر لفظا ورتبة فى المقدم فيهما، وإعمال جزء المضاف إليه فى المضاف، ولا يجوز أن تكون خبرا لما بعدها على القول بأنها ظرف زمان؛ لأن ظرف الزمان لا يخبر به عن الجثة إلا بتقدير مضاف أى: ففى ذلك الوقت حصول زيد، وعلى قول المبرد: إنها ظرف مكان فيجوز أن يكون هو خبر المبتدأ أى:
فبالمكان زيد والتزم تقديمه لمشابهتها إذا الشرطية، كما يجوز جعلها مفعولا لفاجأت، أو ظرفا للخبر المقدر كما مر، ولا يقال: إن مفاجأة المكان لا معنى لها؛ لأنا نقول: بل لها معنى باعتبار وجود زيد فيه، فإن قلت جواز جعل إذا خبرا على قول المبرد لا يطرد فى نحو: خرجت فإذا زيد بالباب، إذ لا معنى لقولنا: فبالمكان زيد بالباب، قلت: أجاب
стр. 760
أو نحو ذلك (وقوله:
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا) ... وإنّ فى السّفر إذ مضوا مهلا
===
بعضهم بأنه فى هذا التركيب يجعل قوله بالباب بدلا من إذا بدل كل من كل أو خبرا بعد خبر وفيه نظر، أما الأول فلأن الفصل بين البدل والمبدل منه بالأجنبى- كالمبتدأ هنا- غير جائز ولعدم انسياق الذهن لذلك البدل؛ ولأنه بدل بإعادة الجار ولا جار فى المبدل منه، وأما الثانى فلاقتضائه تعدد الحكم؛ ولأن تعلق معمولين بعامل واحد غير جائز من غير عطف، فالحق أن جواز جعله خبرا على قول المبرد لا يطرد
(قوله: وقوله) (١) هو من المنسرح وأجزاؤه: مستفعلن مفعولات مستفعلن
(قوله: مرتحلا) بفتح التاء والحاء مصدر ميمى بمعنى الارتحال، كما أن محلا كذلك بمعنى الحلول
(قوله: وإن فى السفر) أى: فى المسافرين أى: فى غيبتهم، والسفر بفتح السين وسكون الفاء: اسم جمع سافر بمعنى مسافر، لا جمع له؛ لأن فعلا ليس من أبنية الجمع- كذا فى عبد الحكيم.
فما فى المطول وسم من أن السفر جمع لسافر على حذف مضاف.
(قوله: إذ مضوا) يجوز أن يكون حالا من الضمير فى الظرف أى: وإن مهلا أى: بعدا وطولا كائن فى غيبة المسافرين حال مضيهم، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره: أعنى وقت مضيهم، ويجوز أن يكون تعليلا أى: إن فى غيبتهم مهلا؛ لأنهم مضوا مضيا لا رجوع بعده، ويجوز أن يكون ظرفا مقدما لمهلا يعنى أن فى المسافرين بعدا وطولا فى زمان مضيهم، ولك أن تجعله خبرا بعد خبر- أفاده الفنارى، ويجوز أن يكون بدل اشتمال من" فى السفر" إن جعلت إذا اسما غير ظرف بمعنى الوقت أى: وإن فى المسافرين فى زمان غيبتهم مهلا
(قوله: مهلا) بفتح الميم والهاء مصدر بمعنى الإمهال وطول الغيبة أى بعدا وطولا عن الرجوع والمعنى إن لنا حلولا فى الدنيا، وإن لنا ارتحالا عنها؛ لأن المسافرين للآخرة أى: الموتى الذاهبين لها طالت غيبتهم عنا فلا رجوع
стр. 761
(أى) إن (لنا فى الدنيا) حلولا (وإن) لنا (عنها) إلى الآخرة ارتحالا، والمسافرون قد توغلوا فى المضى لا رجوع لهم ونحن على أثرهم عن قريب؛ فحذف المسند الذى هو ظرف قطعا لقصد الاختصار والعدول إلى أقوى الدليلين- أعنى العقل- ولضيق المقام- أعنى المحافظة على الشعر- ولاتباع الاستعمال لاطراد الحذف فى مثل: إن مالا وإن ولدا، وقد وضع سيبويه فى كتابه لهذا بابا فقال: هذا باب إن مالا وإن ولدا.
===
لهم؛ لأن المفقود بعد طول الغيبة لا رجوع له عادة وما لم تطل غيبته كغيره، إذ السبب فيهما واحد وهو الفقد واللازم لهم لازم لنا، فلا بد لنا من ذهاب كما ذهبوا، فكما أنهم حلوا فى الدنيا وارتحلوا عنها فنحن كذلك.
(قوله: والمسافرون) أى: الموتى وهذا مأخوذ من قوله: وإن فى السفر
(قوله: لا رجوع لهم) أى: إلى مواطنهم، وهذا مستفاد من حمل المهل على الكامل بقرينة الواقع، فإن هذا المهل لا رجوع معه
(قوله: ونحن على أثرهم عن قريب) هذا مأخوذ من قوله:
إن محلا؛ لأن الحلول فى الشىء يدل على عدم الإقامة فيه كثيرا
(قوله: فحذف المسند) الذى هو لنا
(قوله: الذى هو ظرف قطعا) أى: بخلاف ما قبله وهو فإذا زيد فإنه ليس الخبر فيه ظرفا قطعا بل يحتمل أن يقدر ظرفا أى: فإذا زيد بالباب، وأن يقدر غيره كحاضر أو جالس، وقوله: الذى هو ظرف إلخ فيه إشارة لنكتة ذكر هذا المثال بعد الذى قبله
(قوله: أعنى المحافظة إلخ) تفسير للمقام أو تفسير لضيق المقام من حيث سببه؛ لأن المحافظة سبب لضيق المقام
(قوله: ولاتباع الاستعمال) أى: الوارد على ترك نظيره؛ لأنه اطرد حذف الخبر مع تكرار إن وتعدد اسمها سواء كانا نكرتين كما مثل أو معرفتين كقولك: إن زيدا وإن عمرا ولو حذفت إن لم يجز أو لم يحسن كما نص عليه أهل الفن ولوجود الخصوصية فى ذلك ل" إن" وتكرارها بوب له سيبويه فقال: هذا باب: إن مالا وإن ولدا
(قوله: وقد وضع إلخ) هذا تأييد لكون الحذف مطردا.
стр. 762
(وقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ) (١) فقوله: أَنْتُمْ ليس بمبتدأ لأن (لو) إنما تدخل على الفعل؛ بل هو فاعل فعل محذوف، والأصل:
لو تملكون تملكون؛ فحذف الفعل احترازا عن العبث لوجود المفسر ثم أبدل من الضمير المتصل ضميرا منفصلا على ما هو القانون عند حذف العامل؛ ...
===
(قوله: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ) إن قلت: كيف يتسبب عن ذلك بقية الآية، وهى قوله: إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ أى: الفراغ، فإن تلك الخزائن لا تتناهى فكيف يتسبب عن ملكها خوف فراغها كما هو مقتضى الشرطية؟ قلت: أجاب بعضهم بأنهم لعلهم يغفلون عن عدم تناهيها، وإن كانت لا تتناهى فى نفس الأمر فيمسكون مع ملكها خوف فراغها، أو أن الغرض المبالغة فى حرصهم وبخلهم حتى إنهم لو ملكوا مالا يتصور نفاده أمسكوا
(قوله: والأصل لو تملكون تملكون) اعترض بأن فيه جمعا بين المفسر والمفسر وهو غير جائز، فالأولى أن يقال: والأصل لو تملكون، وأجيب بأن الثانى يجعل تأكيدا بالنظر لما قبل الحذف، ثم لما حذف الفعل الأول جعل الثانى تأكيدا فليس فيه جمع بين المفسر والمفسر، وبعد الحذف يكون تفسيرا وليس فيه الجمع المذكور؛ لأن المفسر بالفتح محذوف، ولو قدر الأصل تملكون بدون تكرار لم توجد قرينة تعين ذلك المحذوف فلا بد من التقدير مكررا ليكون الثانى قرينة على حذف الأول لقصد الاختصار مع حصول التأكيد، ولا يقال: إن الضمير يدل على المقدر إذ لولا تدخل على جملة اسمية؛ لأنا نقول إنما يدل على حذف الفعل ولا يدل على عينه، كما أن لو تدل على الفعل المطلق لا على خصوص تملكون فتأمل.
(قوله: فحذف الفعل) أى: وهو تملكون الأول
(قوله: لوجود المفسر) أى:
وهو تملكون الثانى؛ لأنه عند حذف الأول يكون الثانى تفسيرا بعد أن كان مؤكدا قبل الحذف
(قوله: ثم أبدل من الضمير) وهو الواو فى تملكون المحذوف ضمير منفصل وهو أنتم، والمراد بالإبدال هنا التعويض لا الإبدال النحوى، وإلا لكان المحذوف جملة أى: الفعل والفاعل معا، وحذف بعض الجملة أسهل من حذفها بتمامها مع ما فيه من حذف المؤكد وعامله وبناء التأكيد، وذلك غير معهود.
стр. 763
فالمسند المحذوف هنا فعل وفيما سبق اسم أو جملة.
(وقوله تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (١) يحتمل الأمرين) حذف المسند أو المسند إليه ....
===
والحاصل أن الضمير البارز هو نفس المتصل الذى كان فاعلا. غايته أنه تغير من الاتصال إلى الانفصال فهو فاعل، فقوله: لو أنتم تملكون: جملة فعلية
(قوله: على ما هو القانون) أى: القاعدة
(قوله: فالمسند المحذوف هنا فعل) أى: لا غير
(قوله: وفيما سبق) أى: قوله: إن محلا وإن مرتحلا. وقوله: اسم، أى: إن قدر متعلق الجار اسم فاعل، وقوله: أو جملة أى إن قدر متعلق الجار فعلا، وقوله: فالمسند المحذوف: - إشارة لنكتة ذكر هذا المثال. أى أن سبب إيراده هو هذا، ويمكن أن سبب إيراده التنبيه على أن المحذوف فيه مجرد المسند لا المسند والمسند إليه بأن يكون أنتم تأكيدا لفاعل محذوف مع فعله؛ لأنه لم يثبت كثرة الحذف فيما يغنى عنها.
(قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) الصبر الجميل هو الذى لا شكاية معه إلى الخلق، وإن كان معه شكوى إلى الخالق كما قال يعقوب: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ (٢) والهجر الجميل: هو الذى لا أذى معه، والصفح الجميل: هو الذى لا عتاب معه، وبه يعلم الصبر والهجر والصفح غير الجميلات، والصبر: حبس النفس عن الجزع الذى هو إطلاق داعى الهوى فيسترسل برفع الصوت وضرب الخدود وشق الجيوب والمبالغة فى الشكوى وإظهار الكآبة وتغيير العادة فى الملبس والمطعم
(قوله: ويحتمل الأمرين) أى:
بل الثلاثة وثالثها أن يكون من حذفهما معا أى: فلى صبر وهو جميل، والحاصل أن فى المحذوف احتمالات ثلاثة كل منها مناسب للمقام وفى المقام إشكال؛ وذلك لأن كل حذف لا بد له من قرينة دالة عليه فالقرينة إن دلت على المسند لم يمكن أن تدل على المسند إليه وبالعكس ولا يمكن أن تدل عليهما معا عند حذفهما، وأجاب سم: بأنه يجوز أن يكون هناك قرينتان تدل إحداهما على حذف المسند لمناسبة بينها وبينه والأخرى
стр. 764
(أى) فصبر جميل (أجمل، ...
===
على حذف المسند إليه كذلك، غاية الأمر أن إحداهما كاذبة؛ لأنه لا يجوز أن يراد الأمران معا، بل المراد أحدهما فقط فيكون الآخر غير مراد فتكون قرينة كاذبة؛ لأنها دلت على إرادته، مع أنه غير مراد، ولا يضر ذلك؛ لأن القرينة أمر ظنى، والظنى يجوز تخلف مدلوله عنه قال الشيخ يس: وأقول: ما المانع من أن المتكلم يقصد تجويز حذف كل من المسند إليه والمسند، ويجعل لكل واحد قرينة صادقة وهذا يدل عليه قول الشارح بإمكان حمل الكلام على كل من المعنيين عند التأمل الصادق، فقول العلامة القاسمى؛ لأنه لا يجوز أن يراد إلخ: مسلم، لكن ليس المراد أحدهما، فقد نص على الاحتمال، وهذا لا يستدعى كذب قرينة غيره، ويشهد لذلك وإن لم يكن فى خصوص المسند إليه والمسند ما سيأتى فى بحث الإيجاز فى قوله تعالى: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ (١) من أنه يحتمل أن المراد فى مراودته بدليل تراود فتاها أو فى حبه بدليل شغفها حبّا.
(قوله: أى فصبر جميل أجمل) أى فصبر جميل فى هذه الواقعة أجمل من صبر غير جميل، وإذا كان أجمل من الصبر الغير الجميل فهو أجمل من الجزع من باب أولى، وأورد بأن فى هذا التفضيل نظرا؛ لأنه يشترط أن يكون المفضل عليه مشاركا للمفضل فى أصل الفعل فيجب أن يكون المفضل عليه هنا جميلا فى الجملة مع أنه قيد بأنه غير جميل فلا يصح التفضيل، وأجيب بأمرين.
الأول: أن عدم الجمال فى المفضل عليه وهو الصبر المصحوب بالشكاية إنما هو بحسب الآخرة من حيث الثواب، وهذا لا ينافى أن فيه جمالا بحسب الدنيا من حيث تسكين القلب؛ لأن إظهار الشكاية قد يفرج عن النفس ضيقها.
الثانى: أن التفضيل على فرض أن يكون فيه جمال وتفضيل الشىء على ما لا يشاركه فى أصل الفعل واقع فى الكلام لغرض من الأغراض الموجبة لإخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر كدفع ما يتوهم على الفرض والتقدير كما فى قولهم: زيد أفضل من الحمار ا. هـ غنيمى.
стр. 765
أو فأمرى) صبر جميل، ففى الحذف تكثير للفائدة بإمكان حمل الكلام على كل من المعنيين بخلاف ما لو ذكر فإنه يكون نصّا فى أحدهما.
(ولا بد) للحذف (من قرينة) ...
===
(قوله: أو فأمرى صبر) أى: شأنى الذى ينبغى أن أتصف به صبر جميل، وكان الأولى الإتيان بالواو بدل أو؛ لأن مفعول الاحتمال لا يكون مرددا.
(قوله: ففى الحذف تكثير للفائدة بإمكان إلخ) الباء للتصوير أى: إن تكثير الفائدة مصور بما ذكر لا بمعنى كثرة المعنى، وإلا لورد أن المراد أحد الأمرين قطعا لا كلاهما، إذ لا يمكن إرادتهما جميعا، وحينئذ فلا فرق بين حالة الذكر وحالة الحذف؛ لأن حالة الذكر أحدهما متعين وفى حالة الحذف أحدهما مبهم، فأين تكثير المعنى؟
ويصح إيراد تكثير الفائدة من حيث التصور؛ لأنه عند الحذف يتصور المعنيان ويلاحظان من جهة صحة الحمل على كل تأمل.
واعلم أن هذا كله مبنى على ما تقدم من أن القرينة لا تدل على كل من المسند والمسند إليه عند حذفهما معا. أما على أنه لا مانع من أن المتكلم يقصد تجويز حذف كل من المسند إليه والمسند، ويجعل لكل قرينة صادقة فتكثير المعنى عند الحذف على حالة الذكر ظاهر، ولا إشكال.
(قوله: ولا بد للحذف) المتبادر منه ولا بد للحذف المتقدم وهو حذف المسند أى: إنه لا بد الحذف المسند من قرينة؛ لأن الحذف خلاف الأصل فلا يعدل إليه إلا بسبب داع إليه ووجود قرينة دالة عليه: إما حالية، أو مقالية، وإلا لم يعلم ذلك المحذوف أصلا عند السامع فيخل الحذف بالمقصود، وقد يقال: لا بد أيضا لحذف المسند إليه من قرينة، فلم خص حذف المسند بالكلام؟ اللهم إلا أن يقال: إن المسند إليه قد يحذف بلا قرينة كما إذا أقيم المفعول به مقامه أو يقال: إن وجوب القرينة على المحذوف مما يعرفه العاقل. إلا أنه لما عبر عن حذف المسند بالترك الموهم للإعراض عنه بالكلية والاستغناء عن نصب القرينة تداركه بقوله ولا بد للحذف من قرينة بخلاف المسند إليه فإنه عبر فيه بالحذف وهو لا يوهم الإعراض عنه بالكلية، أو يقال: إن قرينة
стр. 766
دالة عليه ليفهم منه المعنى (كوقوع الكلام جوابا لسؤال محقق نحو: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (١) أى: خلقهن الله؛ فحذف المسند لأن هذا الكلام عند تحقق ما فرض من الشرط والجزاء يكون جوابا عن سؤال محقق، ...
===
حذف المسند لما كان فيها من التفصيل ما ليس فى قرينة حذف المسند إليه خصها بالذكر لتفصيل قرينة حذفه السؤالية إلى المحققة والمقدرة
(قوله: دالة عليه) أى: على الحذف بمعنى المحذوف أو على المحذوف المأخوذ من الحذف، ويدل لذلك قول الشارح ليفهم منه المعنى، فإن المفهوم منه المعنى هو المحذوف
(قوله: جوابا) نصب على الحال أو مفعول للوقوع لتضمنه معنى الصيرورة أى: لصيرورته جوابا
(قوله: لأن هذا الكلام إلخ) علة لمحذوف أى: وصح التمثيل بالآية لوقوع الكلام جوابا لسؤال محقق؛ لأن إلخ، وهذا جواب عما يقال التمثيل بهذه الآية لا يصح، إذ السؤال فيها غير محقق بدليل التعبير بأن التى للشك فقوله: إن سألتهم قضية شرطية لا تقتضى الوقوع ولا عدمه، فلا يصح التمثيل بالآية لحذف المسند للقرينة المذكورة إلا لو قيل الله فى جواب من خلق وكان ذلك السؤال وقع بالفعل، وحاصل ما أجاب به الشارح أن المراد بكون الكلام جوابا لسؤال محقق أنه إذا تحقق ما فرض من السؤال يكون الكلام جوابا عنه، ولا شك أن السؤال هنا محقق على تقدير أنهم سئلوا به، فأجابوا بذلك الكلام عنه؛ لأنه لو فرض أنهم سئلوا، وأجابوا بذلك لكان جوابهم هذا جوابا بالسؤال المحقق، فالمراد بكون السؤال محققا تحققه ولو باعتبار الفرض، واعترض بأن هذا ينافى ما يأتى فى قوله: ليبك يزيد إلخ، فإن السؤال فيه محقق بهذا المعنى، فإنهم لو سئلوا وأجابوا بذلك الجواب كان ذلك الجواب جوابا عن سؤال محقق مع أنه جعله مقدرا، فالأولى أن يقال المراد بالمحقق ما وجد فى الكلام صورته ونطق بها بالفعل، والمقدر ما ليس كذلك كما فى البيت.
(قوله: لأن هذا الكلام) أى: قولهم الله
(قوله: ما فرض من الشرط) وهو سألتهم من خلق إلخ، والجزاء هو: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقوله محقق أى: محقق كونه سؤالا
стр. 767
والدليل على أن المرفوع فاعل والمحذوف فعله أنه جاء عند عدم الحذف كذلك كقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (١)، وكقوله تعالى: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ (٢).
(أو مقدر) عطف على محقق (نحو) قول ضرار بن نهشل يرثى يزيد بن نهشل:
===
أى: أنه لو فرض أن النبى قال لهم من خلق السموات والأرض، وقالوا له: الله، كان قولهم: الله الذى هو الجزاء جوابا لذلك السؤال المحقق كونه سؤالا
(قوله: والدليل إلخ) جواب عما يقال هلا جعل لفظ الجلالة فى الآية مبتدأ والخبر محذوف، إن قلت هذا الدليل معارض بالمثل فيقال: والدليل على أنه مبتدأ أنه قد جاء كذلك كقوله تعالى:
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إلى قوله: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها (٣) أجيب بأن وقوع الأول فى القرآن أكثر، وحمل المحتمل على الأكثر أولى، ولا يقال قد يرجح كون المرفوع مبتدأ بأنه إذا دار الأمر بين كون المحذوف فعلا والباقى فاعلا وكونه خبرا، والباقى مبتدأ فالثانى أولى؛ لأن المبتدأ عين الخبر فالمحذوف عين الثابت فيكون حذفا كلا حذف، وأما الفعل فهو غير الفاعل؛ لأنا نقول قد يعارض هذا بأن الصحيح أن الفاعل أصل المرفوعات، فحمل الباقى على أنه فاعل أولى لكونه أقوى العمد، وفى الغنيمى: فإن قلت يلزم على كون المذكور فى هذه الآية فاعلا عدم المطابقة بين السؤال والجواب؛ لأن السؤال جملة اسمية والجواب جملة فعلية والأولى المطابقة؛ والعدول إلى تركها يحتاج إلى نكتة. قلت أجابوا عن ذلك بأن النكتة فى ترك المطابقة أن فى رعاية المطابقة إيهام قصد التقوية وهو لا يليق بالمقام لأن التقوية شأن ما يشك فيه أو ينكر، واعتبار ذلك هنا غير مناسب للمقام؛ لأن المقام مقام تشنيع بالكفار حيث عبدوا غيره تعالى مع اعترافهم بأنه الخالق للسموات والأرض
(قوله: يرثى يزيد) أى: أخاه
стр. 768
(ليبك يزيد) (١) كأنه قيل: من يبكيه؛ فقال: (ضارع) أى: يبكيه ضارع ذليل (الخصومة)
===
أى: يذكر محاسنه بعد موته
(قوله: ليبك يزيد) (٢) بضم حرف المضارعة مبنى للمفعول، ويزيد نائب الفاعل، وليس هو من الحذف والإيصال، والأصل ليبك على يزيد؛ لأن بكى يتعدى بنفسه تارة، وبعلى تارة أخرى.
قال فى الصحاح: بكيته وبكيت عليه بمعنى.
(قوله: كأنه قيل من يبكيه) وذلك أنه لما حذف الفاعل وقع إبهام فى الكلام، فسئل عن بيانه، وقيل من يبكيه بفتح حرف المضارعة
(قوله: أى يبكيه ضارع) فحذف المسند والقرينة على حذفه وقوع الكلام جوابا لسؤال مقدر قيل: يحتمل أن لا يكون فى البيت حذف بالكلية بأن يكون يزيد منادى أى: ليبك يا يزيد لفقدك ضارع ويكون ضارع هو الفاعل إن كانت الرواية بفتح ياء ليبك أو النائب عن الفاعل إن كانت الرواية بضمها وفيه بحث: إذ يحتاج مع فتح الياء من ليبك إلى أن تثبت الرواية بضم يزيد فى هذه الحالة فيكون منادى، والمعروف مع بناء ليبك للفاعل فتح يزيد أنه مفعول، فيكون ذلك مرجحا لكونه فى رواية الرفع نائبا عن الفاعل لا منادى أ. هـ فنارى.
(قوله: دليل) تفسير لما قبله
(قوله: لخصومة) يحتمل أن اللام للتوقيت أى: وقت خصومته مع غيره، أو للتعليل أى: لأجل خصومة نالته ممن لا طاقة له على خصومته وهو متعلق بضارع، وإن لم يعتمد؛ لأن فيه معنى الفعل وليس متعلقا بيبكى المقدر لإفادته أن البكاء يكون للخصومة دون يزيد، ولا يقال: بل قد اعتمد على الموصوف
стр. 769
لأنه كان ملجأ للأذلاء وعونا للضعفاء وتمامه: [ومختبط مما تطيح الطّوائح] والمختبط: هو الذى يأتى إليك للمعروف من غير وسيلة، والإطاحة: الإذهاب والإهلاك، والطوائح: جمع مطيحة على غير القياس كلواقح
===
المقدر أى: شخص ضارع فعلى تقدير اشتراط الاعتماد فى تعلق الجار به لا محذور أيضا؛ لأنا نقول لو كفى فى عمله الاعتماد على موصوف مقدر ما تصور إلغاؤه لعدم الاعتماد؛ لأن ذكر الموصوف مع اسم الفاعل ملتزم لفظا أو تقدير تعيينا للذات التى قام بها المعنى وهو مخالف لتصريحهم، اللهم إلا أن يقال: الاعتماد على موصوف مقدر إنما يكفى فى عمله إذا قوى المقتضى لتقديره كما فى: يا طالعا جبلا؛ لانضمام اقتضاء حرف النداء إلى اقتضاء اسم الفاعل، لكن تأتى اعتبار مثل هذا المقتضى فى كل موضع محل نظر أ. هـ فنارى.
(قوله: لأنه كان ملجأ إلخ) أى: إنما بكى الضارع الذليل عليه؛ لأنه كان يدفع عن الأذلاء والضعفاء ما ينالهم فهو ملجأ لهم فحقهم البكاء عليه
(قوله: ومختبط) أى:
ويبكيه مختبط فهو عطف على ضارع
(قوله: مما تطيح) أى: مما أطاحته فالمضارع بمعنى الماضى؛ لأن السؤال والبكاء إنما يكونان بعد الإطاحة
(قوله: للمعروف) أى: طالبا للمعروف والإحسان، وقوله: من غير وسيلة أى: كهدية يهديها ليعطيه أكثر منها
(قوله: جمع مطيحة) هو اسم فاعل من غير الثلاثى وهو أطاحه
(قوله: على غير القياس) أى: لأن قياس الطوائح أن يكون جمع طائحة بمعنى هلكة لا مطيحة بمعنى: مهلكة؛ لأن فواعل قياسى لفاعلة لا مفعلة قال فى الخلاصة:
فواعل لفوعل وفاعل ... وفاعلاء مع نحو كاهل
وحائض وصاهل وفاعله
وأما مطيحة فقياس جمعها كما قرر شيخنا العدوى مطيحات، والذى ذكره الدنوشرى أن قياس جمعها مطاوح وأما طوائح فخارج عن القياس، ويمكن أن يقال إن مطيحات جمع لها تصحيحا ومطاوح جمع لها تكسيرا، ويدل لهذا ما قالوا: إن كل ما فيه التاء يجمع تصحيحا بالألف والتاء إلا ألفاظا استثنوها ليس منها مطيحة، وحينئذ فلا مخالفة- تأمل.
стр. 770
جمع: ملقحة، ومما: متعلق بمختبط، وما مصدرية؛ أى: سائل من أجل إذهاب الوقائع ماله، أو بيبكى المقدر؛ أى: يبكى لأجل إذهاب المنايا يزيد
===
(قوله: جمع ملقحة) أى: وقياس جمعها ملقحات- كما قرر شيخنا العدوى، والذى ذكره الدنوشرى أن ملقحة قياس جمعها ملاقح فلواقح على كل حال جمع لملقحة شذوذا
(قوله: من أجل إذهاب إلخ) أشار بذلك إلى أن من للتعليل وأن ما مؤولة مع الفعل بعدها بمصدر ويجوز أن تكون من ابتدائية أى: سائل سؤالا ناشئا من إذهاب الوقائع أى: الحوادث ماله
(قوله: أو بيبكى المقدر) عطف على بمختبط أى: أنه متعلق بمختبط أو بيبكى المقدر
(قوله: أى يبكى لأجل إذهاب إلخ) فى هذه إشارة إلى أن الفعل المقدر على الاحتمال الثانى ينبغى أن يجعل كاللازم أى: يوقع البكاء مختبط لأجل إذهاب المنايا يزيد، ويصح أن يكون متعديا أى: يبكيه مختبط من أجل إهلاك المنايا إياه، وربما أشار لهذا قوله: أولا. أى: يبكيه ضارع ففيه إشارة لجواز الأمرين- قرره شيخنا العدوى.
ثم اعلم أن الوجه الأول أحسن؛ لأن تعليقه بيبكى المقدر مما تأباه سليقة الشعر؛ وذلك لأنه لما بين سبب الضراعة ناسب أن يبين سبب الاختباط أيضا؛ أفاده الجامى فى شرح الكافية، وقوله لأجل إذهاب المنايا أى: المعبر عنها بالطوائح يزيد وإضافة إذهاب للوقائع فى الوجه الأول وللمنايا فى الوجه الثانى من إضافة المصدر للفاعل، ومفعوله ماله فى الأول ويزيد فى الثانى، وأشار الشارح بذلك إلى مفعول تطيح فى البيت محذوف تقديره ماله إن فسرت الطوائح بالوقائع أى: الحوادث، أو يزيد إن فسرت بالمنايا، واعترض على الوجه الثانى: بأن الشخص الواحد لا يهلكه ويذهبه الأمنية واحدة، وأجيب بأن أل فى المنايا للجنس، وأل الجنسية إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية فيصدق بالواحد الذى هو المراد، وإنما عبر عنه بالجمع للمبالغة، أو أن المراد بالمنايا أسباب الموت إطلاقا لاسم المسبب على السبب ولا يخفى كثرتها إسناد الفعل إلى الفاعل مرتين إجمالا ثم تفصيلا.
стр. 771
(وفضله) أى: رجحان نحو: ليبك يزيد ضارع- مبنيا للمفعول- (على خلافه) يعنى: ليبك يزيد ضارع- مبنيا للفاعل، ناصبا ليزيد، ورافعا لضارع- (بتكرر الإسناد) بأن أجمل أولا (إجمالا، ثم) فصل ثانيا (تفصيلا)؛ أما التفصيل فظاهر، وأما الإجمال: فلأنه لما قيل: ليبك علم أن هناك باكيا يسند إليه هذا البكاء لأن المسند إلى المفعول لا بد له من فاعل محذوف أقيم المفعول مقامه
===
(قوله: وفضله إلخ) هذا جواب عما يقال لم عدل الشاعر إلى هذا التركيب المقتضى لحذف المسند مع إمكان الأصل وهو البناء للفاعل واستقامة الوزن به وذلك بأن يجعل يزيد مفعولا وضارع فاعل يبكى ولا حذف لا للمسند ولا للمسند إليه، وحاصل الجواب أن ما عدل إليه له فضل عما عدل عنه، قال العلامة يس: وليس مقصود المصنف إفادة ترجيح البناء للمفعول على البناء للفاعل من سائر الوجوه حتى يعترض بأن فى خلافه وهو البناء للفاعل وجوها مرجحة، بل المقصود بيان ترجيحه من حيث الوجوه التى ذكرها المصنف فلا ينافى أن خلافه ترجح عليه من جهة أخرى، وذلك أن فيه الجمع بين متنافيين من حيث إن كون يزيد فضلة يقتضى أن يكون ضارع أهم منه، وتقديمه يقتضى أن يكون ضارع أهم منه، وتقديمه يقتضى أن يكون أهم من الفاعل وهو ضرب من البديع، وفيه أيضا التشويق للفاعل بذكر المفعول أولا مع الإطماع فى ذكره ببناء الفعل له، وحينئذ فيكون فى كل منهما جهات ترجيح، فللبليغ أن يراعى ترجيح هذا دون ذاك وأن يعكس
(قوله: بأن أجمل إلخ) دفع بهذا ما يقال إن ظاهر عبارة المصنف فاسد؛ لأن ظاهره أن قوله إجمالا وتفصيلا معمول لتكرر وهذا يقتضى أنه عند البناء للمفعول يكون الإسناد قد تكرر مجملا ثم تكرر مفصلا، وأقل ما يتحقق به التكرر مرتان فيقتضى أن الإسناد قد وجد أربع مرات عند البناء للمفعول، وليس كذلك، وحاصل الدفع أنهما ليسا معمولين للتكرر، بل معمولان لمحذوف، والتقدير بأن أجمل الإسناد إجمالا إلخ، لكن اعترض على الشارح فيما قدره بأنه يلزم عليه حذف عامل المصدر المؤكد وهو ممنوع، فالأولى أن يقول بأن أسند أولا إجمالا أى: إسناد إجمال، ثم أسند ثانيا تفصيلا أى: إسناد تفصيل.
(قوله: فظاهر) لأنه لما أسند يبك إلى معين وهو ضارع كان الفاعل المستحق للفعل مذكورا بطريق التنصيص وهذا معنى التفصيل
(قوله: وأما الإجمال إلخ) حاصله
стр. 772
ولا شك أن المتكرر أو كد وأقوى، وأن الإجمال ثم التفصيل أوقع فى النفس (وبوقوع نحو يزيد غير فضلة) لكونه مسندا إليه؛ لا مفعولا كما فى خلافه (وبكون معرفة الفاعل كحصول نعمة غير مترقبة لأن أول الكلام ...
===
أن إسناد الفعل للمفعول يشعر بأن له فاعلا يستحق الإسناد إليه، ولم يذكر ذلك الفاعل أولا، وهذا معنى الإسناد إليه، ولم يذكر ذلك الفاعل أولا، وهذا معنى الإسناد الإجمالى
(قوله: فقد أسند إلى مفصل) أى: بعد أن أسند أولا إلى مجمل، إن قلت: إن الواقع فى الكلام إنما هو إسناد واحد إلى ضارع وهو التفصيلى، وأما الإسناد الإجمالى فغير واقع، قلت: نعم- هو وإن كان غير واقع بالفعل- لكن لما أشعر به الكلام صار كالواقع كما أشار إلى ذلك الشارح بقوله: علم أن هناك باكيا يسند إلخ
(قوله: ولا شك أن المتكرر إلخ) أى: ولا شك أن التركيب المشتمل على إسناد متكرر أى: إسنادين أوكد وأقوى مما ليس فيه إلا إسناد واحد وإنما قدرنا ذلك؛ لأن الكلام فى رجحان أحد التركيبين على الآخر
(قوله: أوقع فى النفس) أى: أشد وقوعا ورسوخا فيها؛ لأن فى الإجمال تشويقا، والحاصل بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب، وقوله أوقع فى النفس أى:
والغرض من الكلام تمكن معناه ليقع العمل على مقتضاه
(قوله: لكونه مسندا إليه) أى:
لأنه نائب فاعل، وإنما صح جعل مجىء نحو يزيد غير فضلة مرجحا لمناسبة ذلك المقام؛ وذلك لأن مدلول يزيد هو المقصود بالذات؛ لأن المرثية فى بيان أحواله، فالمناسب أن يكون اسمه عمدة مقصودا بالذات.
(قوله: وبكون معرفة الفاعل) أى: وهو ضارع
(قوله: كحصول نعمة غير مترقبة) أى:
بخلاف ما لو كان مبنيا للفاعل، فإن الفاعل حينئذ معرفته مترقبة، إذ كل فعل لا بد له من فاعل بخلاف المبنى للمفعول، فإنه يتم الكلام بذكر المفعول بدون الفاعل، وقوله غير مترقبة أى: فى الجملة الأولى فهى كرزق من حيث لا يحتسب أى: والرزق الذى كذلك أشد فرحا؛ لأنه غير مشوب بألم الانتظار وتعب الطلب، وهذا لا ينافى قولهم: الحاصل بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب؛ لأن هذا باعتبار الفرح وذاك باعتبار العزة، أو يقال قولهم الحاصل بعد الطلب أعز إلخ فيما إذا تشوقت النفس إليه لا فى غيره كما هنا- أفاده شيخنا العدوى.
стр. 773
غير مطمع فى ذكره) أى: ذكر الفاعل لإسناد الفعل إلى المفعول وتمام الكلام به لخلاف ما إذا بنى للفاعل فإنه مطمع فى ذكر الفاعل إذ لا بد للفعل من شىء يسند هو إليه (وأما ذكره: ) أى: ذكر المسند (فلما مر) فى ذكر المسند إليه من كون الذكر هو الأصل مع عدم المقتضى للعدول عنه، ومن الاحتياط لضعف التعويل على القرينة مثل: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (١) ومن التعريض بغباوة السامع ...
===
(قوله: غير مطمع) أى: بل مؤيس من ذكره؛ لأن ذكر النائب فى جملة يوجب الإياس من ذكر الفاعل فى تلك الجملة لتمام الكلام بدونه، فإذا ذكر الفاعل فى جملة ثانية كانت معرفته كرزق جديد.
[ذكر المسند]:
(قوله: مع عدم المقتضى للعدول عنه) أى: مع عدم النكتة المقتضية للعدول عن الذكر للحذف كالنكات المتقدمة، وذلك كقولك: ابتداء زيد صالح
(قوله: ومن الاحتياط إلخ) أى: كقولك عنترة أشجع، وحاتم أجود فى جواب من قال من أكرم العرب فى الجاهلية وأشجعهم؟ فصرح بالمسند احتياطا لاحتمال الغفلة عن العلم به من السؤال
(قوله: مثل خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) أورد عليه أن وقوع الكلام جوابا لسؤال محقق قرينة على حذف المسند، ومن المعلوم أن هذه الآية مثل قوله تعالى (٢): لَيَقُولُنَّ اللَّهُ* فى أن كلا منهما جواب لسؤال محقق، وإذا كان كذلك فكيف يضعف التعويل على القرينة فى أحدهما دون الآخر مع اتحاد السؤال والمسئول والسائل؛ فالقول بأن الحذف فى قوله ليقولن الله للاحتراز عن العبث نظرا للقرينة والذكر فى قوله خلقهن العزيز العليم؛ لضعف التعويل على القرينة مما لا وجه له فالأولى أن يقال: إن الذكر هنا لزيادة تقرير المسند، وأجيب بأن المسئولين لما كانوا أغبياء الاعتقاد لكفرهم فتارة يتوهمون أن السائل ممن تجوز عليه الغفلة عن السؤال أو تجوز على من معه ممن يقصد إسماعه أو ينزلونه منزلة من تجوز عليه الغفلة، فيأتون بالجواب تاما لقصد التقرير
стр. 774
نحو: محمد نبينا فى جواب من قال: من نبيكم؟ وغير ذلك (أو) لأجل (أن يتعين) بذكر المسند (كونه اسما) فيفيد الثبوت والدوام (أو فعلا) فيفيد التجدد والحدوث.
[أغراض الإفراد]:
(وأما إفراده: ) أى: جعل المسند غير جملة (فلكونه غير سببى مع عدم إفادة تقوى الحكم) ...
===
الذى أصله ضعف التعويل بزعمهم الفاسد وتارة لا يتوهمون ذلك فيحذفونه للتعويل على القرينة، فذكر الجواب عنهم مختلف باعتبار ما عسى أن يخطر لهم عن المحاورة، والسؤال هذا محصل ما قاله العلامة اليعقوبى وغيره، وقال عبد الحكيم: إن وجود القرينة مصحح للحذف لا موجب، فإن عول على دلالتها حذف، وإن لم يعول عليها احتياطا بناء على أن المخاطب لعله يغفل عنها ذكر، وإن كان المخاطب والكلام فى الحالتين أى: حاله التعويل وحالة عدمه واحدا. اهـ.
(قوله: نحو محمد نبينا) أى: فذكر المسند وهو نبينا مع علمه من قرينة السؤال إشارة إلى أن المخاطب غبى لا يفهم بالقرينة وأنه لو كان له ميز لم يسأل عن نبينا؛ لأنه أظهر من أن يتوهم خفاؤه
(قوله: وغير ذلك) أى: كما إذا كان الغرض إسماع غير السائل أيضا، والسؤال أخفاه السائل فخفت أن لا يسمع
(قوله: أو لأجل أن يتعين إلخ) أى: بخلاف ما لو حذف فإنه يحتمل كونه اسما، ويحتمل كونه فعلا
(قوله: كونه اسما) أى: نحو زيد عالم أو منطلق
(قوله: فيفيد الثبوت) أى: من أصل الوضع والمراد بالثبوت حصول المسند للمسند إليه من غير دلالة على تقييده بالزمان، وقوله: والدوام أى:
بالقرينة كالمقام، أو من حيث العدول عن الفعل إليه
(قوله: أو فعلا) نحو: زيد انطلق أو علم
(قوله: فيفيد التجدد) أى: تجدد الحدث أى: وجوده بعد أن لم يكن وإفادة الفعل لذلك بالوضع؛ لأن الفعل متضمن للزمان الموصوف بالتجدد وعدم الاستقرار
(قوله: والحدوث) أى: حدوثه شيئا بعد شىء على وجه الاستمرار وإفادته لذلك بالقرينة، واعلم أنه إنما يقصد معنى كل من الاسم والفعل إذا اقتضاه المقام، وسيأتى تفصيل هذا.
[إفراد المسند]:
(قوله: أى جعل المسند غير جملة) أشار بذلك إلى أن المراد بالمفرد ما ليس بجملة فيشمل المركب والمضاف
(قوله: فلكونه) أى: فلاقتضاء المقام كونه أى المسند
стр. 775
إذ لو كان سببيا نحو: زيد قام أبوه، أو مفيدا للتقوى نحو: زيد قام؛ فهو جملة قطعا، وأما نحو زيد قائم ...
===
غير سببى أى غير منسوب للسبب الذى هو الضمير سمى الضمير سببا تشبيها له بالسبب اللغوى الذى هو الحبل؛ لأن الضمير تربط به الصلات والصفات كما أن الأمتعة تربط بالحبل، ثم إن قوله فكونه إلخ هذا هو العلة فى الإفراد، والإفراد- أى:
الإتيان به مفردا- معلول واعترض على هذه العلة بالجملة الواقعة خبرا عن ضمير الشأن نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (٢) فإنها مسند غير سببى، ولا مفيد لتقوى الحكم فقد وجد علة الإفراد مع كون المسند جملة والعلة والمعلول متلازمان فى الوجود والانتفاء، وأجيب بأن تلك الجملة مفرد معنى لكونها عبارة عن المبتدأ، ولهذا لا تحتاج إلى الضمير وإن كانت جملة فى الصورة على أنه يمكن أن يقال: إن انتفاء الأمرين شرط فى الإفراد لا سبب فيه والشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كما أشار لذلك الشارح فيما يأتى بقوله: ولو سلم إلخ
(قوله: إذ لو كان) أى: المسند سببيا إلخ، وحاصله أن العلة فى إيراده جملة أحد أمرين كونه سببيا وكونه مفيدا للتقوى، والعلة فى إيراده مفردا انتفاؤهما جميعا
(قوله: فهو جملة) جواب لو فهو مرتبط بالأمرين قبله والمعنى فواجب أن يؤتى به جملة، لكن لما كان الواجب حذف الفاء؛ لأن جواب لولا يقترن بها إلا أن يقال: إن هذا بناء على مذهب من يجيز ذلك إجراء للو مجرى إن
(قوله: وأما نحو زيد قائم) هذا جواب عن سؤال وارد على منطوق المصنف، وذلك لأنه جعل العلة فى الإفراد كونه غير سببى مع عدم إفادة التقوى فيرد عليه زيد قائم فإنه مفرد وهو مفيد للتقوى فقد وجد المعلول وهو الإفراد ولم توجد العلة، مع أن العلة والمعلول متلازمان فى الانتفاء والوجود، وحاصل ذلك الجواب: أنا لا نسلم أن" زيد قائم" مفيد للتقوى حتى يقال: إنه مفرد مع انتفاء العلة فيه، وإنما هو قريب مما يفيد التقوى وهو زيد قام؛ وذلك لأنه إن اعتبر تضمنه للضمير الموجب لتكرر والإسناد المفيد للتقوى كان مفيدا له، وإن