← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

فهى لامتناع الثانى- أعنى الجزاء-؛ لامتناع الأول- أعنى الشرط؛ يعنى أن الجزاء منتف بسبب انتفاء الشرط؛ هذا هو المشهور بين الجمهور، واعترض عليه ابن الحاجب بأن الأول سبب والثانى مسبب، وانتفاء السبب لا يدل على انتفاء المسبب لجواز أن يكون للشىء أسباب متعددة، بل الأمر بالعكس لأن انتفاء المسبب يدل على انتفاء جميع أسبابه؛ فهى لامتناع الأول لامتناع الثانى، ألا ترى أن قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (١) إنما سيق ليستدل بامتناع الفساد على امتناع تعدد الآلهة ... === (قوله: فهى لامتناع) أى: مفيدة لامتناع إلخ فلا ينافى قوله سابقا لتعليق حصول إلخ فصريح معنى لو هو ذلك التعليق ومآله امتناع الثانى لامتناع الأول. (قوله: يعنى أن الجزاء إلخ) هذا يوافق ما يأتى للشارح دون ابن الحاجب وقوله منتف بسبب انتفاء الشرط أى: من حيث ترتبه عليه فلا ينافى أنه يوجد لسبب آخر (قوله: هذا) أى: كونها لامتناع الثانى لامتناع الأول هو المشهور وقوله واعترض عليه أى: على ذلك القول المشهور. (قوله: لجواز إلخ) قال سم: هذا مبنى على جواز تعدد العلل لمعلول واحد، أو أن هذا خاص بلو دون بقية الشروط (قوله: أسباب متعددة) أى: مختلفة تامة كل واحد منها كاف فى وجوده وذلك كالشمس والقمر والسراج، فإن كل واحد منها سبب فى الضوء على البدل كاف فى وجوده (قوله: يدل على انتفاء جميع أسبابه) أى: لأن السبب التام يستحيل وجوده بدون مسببه، إذ المعلول لا يجوز تخلفه عن علته التامة فانتفاؤه يستلزم انتفاء جميع علله التامة. (قوله: فهى لامتناع الأول لامتناع الثانى) أى: فهى مفيدة لذلك وليست مفيدة لامتناع الثانى لامتناع الأول كما قال الجمهور (قوله: إنما سيق ليستدل إلخ) أى: لأن المعلوم هو امتناع الفساد وانتفاؤه لكونه مشاهدا، وإنما يستدل بالمعلوم على المجهول

стр. 842

دون العكس، واستحسن المتأخرون رأى ابن الحاجب حتى كادوا يجتمعون على أنها لامتناع الأول لامتناع الثانى؛ إما لما ذكره، وإما لأن الأول ملزوم والثانى لازم وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم من غير عكس؛ لجواز أن يكون اللازم أعم. وأنا أقول: ... === دون العكس كما هو مقتضى كلام الجمهور (قوله: دون العكس) أى: لأنه لا يلزم من انتفاء تعدد الإله انتفاء الفساد أى: استحالته لصحة وقوعه بإرادة الواحد الأحد لحكمة، والحاصل أن انتفاء الأول إنما جاء من انتفاء الثانى لا بالعكس كما هو قضية كلام الجمهور (قوله: على أنها لامتناع الأول) أى: مفيدة لامتناع الأول (قوله: إما لما ذكره) أى: ابن الحاجب أى وهو أن الأول سبب والثانى مسبب، وانتفاء السبب لا يدل على انتفاء المسبب بخلاف العكس (قوله: وإما لأن الأول ملزوم إلخ) هذا التعليل علل به الرضى وجماعة، وإنما عدلوا عما قاله ابن الحاجب من قوله؛ لأن الأول سبب إلخ إلى ما قالوه؛ لأن ما قاله ابن الحاجب من سببية الأول قاصر وليس كليا، إذ الشرط النحوى عندهم أعم من أن يكون سببا نحو: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، أو شرطا نحو: لو كان لى مال لحججت، فإن وجود المال ليس سببا فى الحج، بل شرط أو غيرهما نحو: لو كان النهار موجودا كانت الشمس طالعة، إذ وجود النهار ليس سببا لطلوع الشمس، بل الأمر بالعكس ولا شرطا فى طلوعها، ولكن كل من وجود النهار ووجود المال ملزوم لطلوع الشمس والحج، فلذا عدلوا إلى التعبير باللازم والملزوم، واعترض عليهم بأن ما قالوه لا يتم أيضا فى نحو: لو كان الماء حارا لكانت النار موجودة، فإن الحرارة ليست ملزومة للنار؛ لأنها قد توجد بالشمس فإن ادعوا أن المراد اللزوم ولو جعليا وادعائيا فلابن الحاجب أن يريد السببية ولو جعلية وادعائية إلا أن يجاب بأنه يعلم من تتبع اللغة أن الشرطية اعتبر فيها اللزوم ولم يعتبر فيها السببية حتى يصح أن يعتبر كونها جعلية وادعائية. اهـ ابن قاسم. (قوله: أن يكون اللازم أعم) أى: كما فى قولك لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودا (قوله: وأنا أقول) أى: فى رد اعتراض ابن الحاجب على الجمهور،

стр. 843

منشأ هذا الاعتراض قلة التأمل لأنه ليس معنى قولهم: لو لامتناع الثانى لامتناع الأول أنه يستدل بامتناع الأول على امتناع الثانى حتى يرد عليه أن انتفاء السبب أو الملزوم لا يوجب انتفاء المسبب أو اللازم؛ بل معناه ... === وحاصل ما ذكره من الرد أن لو لها استعمالان أحدهما أن تكون للاستدلال العقلى وذلك فيما إذا كان انتفاء الجزاء معلوما وانتفاء الشرط غير معلوم فيؤتى بها للاستدلال بالمعلوم على المجهول أى: لأجل تحصيل العلم بالمجهول فهى حينئذ للاستدلال على امتناع الأول بامتناع الثانى لأفادتهما أن العلة فى العلم بانتفاء الأول العلم بانتفاء الثانى ثانيهما أن تكون للترتيب الخارجى وذلك فيما إذا كان كل من انتفاء الطرفين معلوما، لكن العلة فى انتفاء الثانى فى الخارج مجهولة فيؤتى بها لبيان أن علة انتفاء الثانى فى الخارج هو انتفاء الأول فهى حينئذ لامتناع الثانى لامتناع الأول، وتكون القضية حينئذ وإن كانت فى صورة الشرطية فى معنى الحملية المعللة، فإذا قلت: لو جئتنى لأكرمتك كان المعنى على هذا الاحتمال أن الإكرام إنما انتفى فى الخارج بسبب انتفاء المجئ، ويكون هذا كلاما مع من كان عالما بانتفاء الجزاء وهو طالب أو كالطالب لعلة انتفائه فى الخارج وعلمه بذلك حاصل بدليل آخر يسمى علة العلم، والاستعمال الأول اصطلاح المناطقة، والاستعمال الثانى اصطلاح أهل العربية، فابن الحاجب فهم من قول أهل العربية أنها حرف لامتناع الثانى لامتناع الأول اصطلاح المناطقة وهو أنها للاستدلال، وحينئذ فالمعنى أنها حرف يؤتى به للاستدلال على امتناع الثانى لامتناع الأول ولم يهتد لمرادهم من أنها للدلالة على أن العلة فى انتفاء الثانى فى الخارج انتفاء الأول فاعترض عليهم بأنها للاستدلال على امتناع الأول بامتناع الثانى لا للاستدلال على امتناع الثانى بامتناع الأول ولو اطلع ابن الحاجب على حقيقة الحال وفهم معنى عبارتهم الواقعة منهم، وأن المراد أن امتناع الأول سبب لامتناع الثانى لا أنه دليل عليه ما اعترض عليهم (قوله: منشأ هذا الاعتراض) أى: اعتراض ابن الحاجب على الجمهور (قوله: قلة التأمل) أى: فى عبارتهم الصادرة منهم وهى قولهم لو لامتناع الثانى لامتناع الأول (قوله: أنه يستدل إلخ) أى: كما فهم ابن الحاجب (قوله: أن انتفاء السبب أو الملزوم) المراد به

стр. 844

أنها للدلالة على أن انتفاء الثانى فى الخارج إنما هو بسبب انتفاء الأول فمعنى: وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ (١) أن انتفاء الهداية إنما هو بسبب انتفاء المشيئة؛ يعنى أنها تستعمل للدلالة على أن علة انتفاء مضمون الجزاء فى الخارج هى انتفاء مضمون الشرط من غير التفات إلى أن علة العلم بانتفاء الجزاء ما هى، ... === الأول والتعبير الأول منظور فيه لتعليل ابن الحاجب والثانى منظور فيه لتعليل الرضى والمراد بالمسبب واللازم الثانى، وقوله لا يوجب أى: لجواز كونه أعم كما مر فقولك: لو كان إنسانا كان حيوانا، أو لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودا لا ينتج استثناء نقيض المقدم فيه، بل هو عقيم (قوله: أنها للدلالة) أى: أنها وضعت لأجل الدلالة إلخ فهى لام العلة لا للتعدية؛ لأن المعنى الموضوعة هى له لزوم الثانى للأول (قوله: إنما هو بسبب انتفاء الأول) أى: لكون انتفاء الأول علة فى انتفائه فى الخارج فالنفيان معلومان ولكن العلة فى انتفاء الثانى فى الخارج مجهولة للمخاطب فيؤتى بلو لإفادة تلك العلة. (قوله: فمعنى وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ) فيه تعريض ابن الحاجب بأنه لم يهتد لفهم المراد من عبارتهم (قوله: إنما هو بسبب انتفاء المشيئة) أى: لأن انتفاء المشيئة علة فى انتفاء الهداية فى الخارج (قوله: هى انتفاء مضمون الشرط) نقض هذا بقولنا: لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا، إذ ليس انتفاء الحيوانية فى الواقع علته انتفاء الإنسانية، وبكل صورة يكون الشرط معلولا والجزاء علة نحو: لو أضاء العالم لطلعت الشمس، وكذا فى صورة كون الجزاء علة خاصة يمكن أن يوجد المعلول بأخرى نحو: لو أضاءت الدار لطلعت الشمس، فإن عدم العلة المعينة ليس علة لعدم المعلول اللهم إلا أن يقال: هذه الأمثلة وأمثالها واردة على قاعدة المناطقة الآتية غير صحيحة بحسب اللغة- ا. هـ فنرى. (قوله: من غير التفات إلخ) أى: أن الجمهور لم يلتفتوا لما ذكر فى قولهم لو لامتناع الثانى لامتناع الأول كما زعمه ابن الحاجب حيث فهم أن مرادهم أن انتفاء

стр. 845

ألا ترى أن قولهم: لولا لامتناع الثانى لوجود الأول؛ نحو: لولا علىّ لهلك عمر؛ معناه أن وجود علىّ سبب لعدم هلاك عمر لا أن وجوده دليل على أن عمر لم يهلك؛ ولهذا صح مثل قولنا: لو جئتنى لأكرمتك لكنك لم تجئ؛ أعنى عدم الإكرام بسبب عدم المجىء، قال الحماسى: ولو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنّه لم يطر (١) === الأول علة فى العلم بانتفاء الثانى ودليل عليه، فاعترض عليهم بما مر (قوله: ألا ترى إلخ) هذا تنظير لما قاله فى لو أتى به لتوضيح المقام (قوله: لوجود الأول) أى: لأن لو للنفى فلما زيدت عليها لا النافية نفت النفى ونفى النفى إثبات (قوله: أن وجود على سبب) أى: فى الخارج (قوله: لا أن وجوده إلخ) أى: لأن عدم هلاك عمر معلوم للمخاطب كما أن وجود علىّ كذلك ولا يستدل بمعلوم على معلوم، إذ المعلوم لا يستدل عليه، والحاصل أن وجود علىّ لم يقصد إفادته للعلم بعدم هلاك عمر فإن المراد بيان السبب المانع من هلاكه (قوله: ولهذا صح) أى: لكون معنى لو الدلالة على أن انتفاء الثانى فى الخارج إنما هو بسبب انتفاء الأول لا الاستدلال بامتناع الأول على امتناع الثانى كما فهم ابن الحاجب صح إلخ، إذ لو كانت للاستدلال لما صح ذلك القول لما فيه من استثناء نقيض المقدم وهو لا ينتج شيئا كما نص عليه علماء المنطق لجواز أن يكون اللازم أعم، فتعين أن يكون ذلك الاستثناء إشارة إلى علو انتفاء الجزاء (قوله: قال الحماسى) بكسر السين نسبة للحماسة وهى فى الأصل الشجاعة، ثم سمى بها كتاب أبى تمام الذى جمع فيه أشعار البلغاء المتعلقة بالشجاعة، فإذا قيل بيت حماسى فمعناه: منسوب للحماسة والشجاعة لتعلقه بها، وإذا قيل شاعر حماسى معناه: أن شعره مذكور فى ديوان الحماسة أى: الكتاب المذكور، وأتى بكلام الحماسى دليلا لقوله صح دفعا لتوهم أن هذا القول غير صحيح (قوله: ولو طار إلخ) أى: فعدم طيران الفرس معلوم،

стр. 846

يعنى أن عدم طيران تلك الفرس بسبب أنه لم يطر ذو حافر، وقال المعرى: ولو دامت الدّولات كانوا كغيرهم ... رعايا ولكن ما لهنّ دوام (١) وأما المنطقيون فقد جعلوا إن ولو أداة للزوم وإنما يستعملونها فى القياسات لحصول العلم بالنتائج؛ ... === والغرض بيان السبب فى عدم طيرانها وهو عدم طيران ذى حافر قبلها (قوله: ولو دامت الدولات إلخ) هو بضم الدال جمع دولة بمعنى الملك أى: أهل الدولات يعنى الملوك الماضية، وقوله كانوا أى: أهل دولة زماننا رعايا لهم، قال الحفيد: وهذا البيت قد دخله القلب، والأصل: ولو كانت الدولات رعايا لهذا الممدوح لما ذهبت دولتهم- وفيه نظر، إذ لا داعى لارتكاب القلب، بل معنى البيت ولو دامت الدولات للملوك الماضية واستمرت دولتهم لآخر الزمان لكان أهل زماننا من الأمراء رعايا لهؤلاء الملوك كغيرهم- كذا قال الغنيمى، وفيه أن هذا لا يناسب مقام المدح، فلعل الأولى أن يقال: معنى البيت لو دام أهل الدولات أى: الملوك الماضية إلى آخر الزمان لكانوا رعايا لهذا الممدوح لاستحقاقه الإمارة عليهم لما فيه من الفضائل فنفى دوام الدولات الماضية سبب فى عدم كونهم رعايا كغيرهم للممدوح؛ لأنهم لا يعيشون معه إلا رعايا، ومعلوم أن بانقراضهم انتفى كونهم رعايا له، فليس الغرض الاستدلال على نفى كونهم رعايا له، وإنما المراد بيان سبب ذلك الانتفاء فى الخارج ولهذا صح استثناء نقيض المقدم (قوله: كغيرهم) خبر لكان ورعايا خبر بعد خبر أو أنه خبر لكان وكغيرهم حال مقدمة (قوله: وأما المنطقيون) هذا مقابل لمحذوف أى وهذا أى: ما ذكر من أنها للدلالة على أن انتفاء الثانى فى الخارج بسبب انتفاء الأول قاعدة اللغويين، وأما قاعدة المنطقيين إلخ (قوله: إن ولو) أى: ونحوهما (قوله: للزوم) أى: للدلالة على لزوم التالى للمقدم ليستفاد من نفى التالى نفى المقدم وقد جعلوا هذا الاستدلال اصطلاحا وأخذوه مذهبا- كذا فى عبد الحكيم. (قوله: وإنما يستعملونها) أى: أداة اللزوم سواء كانت إن أو لو أو غيرهما كإذا ومتى وكلما، وفى بعض النسخ يستعملونهما أى إن ولو، وقوله لحصول العلم أى:

стр. 847

فهى عندهم للدلالة على أن العلم بانتفاء الثانى علة العلم بانتفاء الأول؛ ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم من غير التفات إلى أن علة انتفاء الجزاء فى الخارج ما هى، وقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (١) ... === لاكتسابه (قوله: فهى عندهم للدلالة) أى: موضوعة لأجل الدلالة إلخ فلا يقال: إن كلامه يفهم أن معناها نفس الدلالة المذكورة وهو غير مراد، وإنما المراد أن معناها لزوم الثانى للأول مع انتفاء اللازم المعلوم، فيستدل به على انتفاء الملزوم المجهول كما أفاد ذلك السيرامى، ثم إن قوله فهى عندهم إلخ يقتضى أنها إنما تستعمل عندهم فى ذلك كما إذا استثنى نقيض التالى نحو: لو كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لكن النهار ليس بموجود فالشمس ليست بطالعة فهى هنا للدلالة على أن العلم بانتفاء الثانى علة للعلم بانتفاء الأول مع أنها قد تستعمل عندهم للدلالة على أن العلم بوجود الأول علة للعلم بوجود الثانى كما إذا استثنى عين المقدم نحو: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا لكن الشمس طالعة ينتج عين التالى أى: فالنهار موجود فهى هنا للدلالة على أن العلم بوجود الأول علة للعلم بوجود الثانى، إلا أن يقال: اقتصر الشارح على ما ذكره؛ لأنه الأغلب أو أن ما قاله على سبيل التمثيل- تأمل. سم. (قوله: ضرورة انتفاء الملزوم) أى: وهو الأول وقوله بانتفاء اللازم أى: بسبب انتفاء اللازم أى: الذى هو الثانى (قوله: من غير التفات إلخ) أى: كما التفت إلى ذلك علماء اللغة، قال السيرامى: استعمال لو على قاعدة اللغويين أكثر فى القرآن والحديث وأشعار العرب، وعلى قاعدة المناطقة أكثر فى استعمالات أرباب التآليف خصوصا فى كتب المنطق والحكمة؛ لأن المقصود عندهم تحصيل العلوم لا بيان أن سبب الثبوت أو الانتفاء فى الواقع ماذا، وثمرة الخلاف بين الطريقتين تظهر فى استثناء نقيض المقدم فإنه جائز عند أهل العربية دون أهل الميزان وفى استثناء عين المقدم فإنه بالعكس، وأما

стр. 848

وارد على هذه القاعدة لكن الاستعمال على قاعدة اللغة هو الشائع المستفيض؛ وتحقيق هذا المبحث على ما ذكرنا من أسرار هذا الفن، وفى هذا المقام مباحث أخرى شريفة أوردناها فى الشرح وإذا كانت لو للشرط فى الماضى (فيلزم ... === استثناء نقيض التالى فجائز اتفاقا واستثناء عينه باطل اتفاقا (قوله: وارد على هذه القاعدة) من الورود وهو المجئ والإتيان أى: آت على هذه القاعدة من إتيان الجزئى على الكلى لا من الإيراد وهو الاعتراض، وإنما كانت الآية المذكورة واردة على هذه القاعدة؛ لأن القصد بها تعليم الخلق الاستدلال على الوحدانية بأن يستدلوا بالتصديق بانتفاء التعدد وليس القصد بها بيان أن علة انتفاء الفساد فى الخارج انتفاء التعدد، ثم إن ظاهر الشارح أن هذه القاعدة غير لغوية وأن الآية وردت على مقتضاها لا على لغة العرب وفيه أن هذا بعيد جدا كيف والقرآن عربى، وأجيب بأن وروده على هذه اللغة لا ينافى كونه عربيا؛ لأن ذلك إنما هو باعتبار الغالب بدليل اشتمال القرآن على ألفاظ غير عربية كما تقدم وبأن هذه القاعدة عربية أيضا جرى عليها أهل الميزان ولكنها قليلة الاستعمال بالنسبة للقاعدة الأخرى فى استعمال اللغويين، وإنما نسبت للمناطقة لاستعمالهم لها كثيرا وجريانهم عليها؛ وذلك لأن غرضهم تركيب الأدلة من القضايا الشرطية اللزومية والمناسب فى اعتبار الشرط الملازمة بين المقدم والتالى ليستفاد من نفى التالى نفى المقدم، وعلى هذا الجواب فيقال: إن مراد الشارح بأهل اللغة فى قوله على قاعدة أهل اللغة المعربون؛ لأن كلا الاستعمالين لغوى لأن العرب قد يقصدون الاستدلال على الأمور العرفية كما يقال: هل زيد فى البلد فتقول لا لو كان فيها لحضر مجلسنا، فتستدل بعدم الحضور على عدم كونه فى البلد وسمى علماء البيان مثل هذا بالطريق البرهانى، أو يقال: المراد بقاعدة اللغة الكثيرة الاستعمال عندهم وليس المراد أنهم لا يقولون بغيرها (قوله: على ما ذكرنا) أى: تحقيقا آتيا على ما ذكرنا ومراده بالمبحث هنا المسألة، وليس المراد به الاعتراض. (قوله: وإذا كانت لو للشرط فى الماضى إلخ) أشار بذلك إلى أن الفاء فى قول المصنف فيلزم فاء الفصيحة واقعة فى جواب شرط مقدر (وقوله: فيلزم) أى غالبا كما

стр. 849

عدم الثبوت والمضى فى جملتيها) إذ الثبوت ينافى التعليق، والاستقبال ينافى المضى فلا يعدل فى جملتيها عن الفعلية الماضوية إلا لنكتة، ومذهب المبرد أنها تستعمل فى المستقبل استعمال إن وهو مع قلته ثابت نحو قوله ﵊: " اطلبوا العلم ولو بالصين" (١)، ... === يستفاد من قول الشارح بعد وهو مع قلته ثابت (قوله: عدم الثبوت) أى: عدم الحصول فى الخارج والمقصود به نفى اسمية شىء من جملتيها (قوله: والمضى) بالرفع عطف على عدم وقوله فى جملتيها أى: جملة الشرط وجملة الجزاء المنسوبتين إليها تنازعه عدم الثبوت والمضى (قوله: إذ الثبوت) أى: الحصول فى الخارج ينافى التعليق أى: المتقدم الذى هو تعليق حصول مضمون الجزاء بحصول مضمون الشرط فرضا، وإنما كان الثبوت منافيا للتعليق؛ لأن الحصول الفرضى المأخوذ فى تعريف التعليق يلزمه القطع بالانتفاء والقطع بالانتفاء يلزمه عدم الثبوت قاله السيد فى حواشى المطول. (قوله: والاستقبال ينافى المضى) أى: إن كونهما استقباليتين ينافى ما تقرر من كونها التعليق شىء بشىء فى المضى وأشار الشارح بهذا إلى أن التفريع فى المتن على طريق اللف والنشر المرتب، فقوله فيلزم عدم الثبوت فى جملتيها مفرع على قوله ولو للشرط أى: التعليق، وقوله: ويلزم المضى فى جملتيها مفرع على قوله: فى الماضى (قوله: عن الفعلية الماضوية) لفظا ومعنى أى: إلى المضارعية فى اللفظ وإن كان المعنى ماضيا (قوله: ومذهب المبرد أنها تستعمل فى المستقبل استعمال إن) أى: فى المستقبل فلا تحتاج إلى نكتة (قوله: وهو) أى: استعمالها فى المستقبل. (قوله: نحو قوله ﵊ إلخ) قد يقال إن لو هذه لا جواب لها وإنما هى للربط فى الجملة الحالية كما تقدم فى إن وكلامنا فى لو الشرطية، وحينئذ فلا يصح التمثيل بما ذكر وقد يجاب بأن كلامه مبنى على القول بأن لو هذه جوابها مقدر والأصل ولو يكون الطلب بالصين فاطلبوه ولو تكون المباهاة بالسقط فإنى أباهى به

стр. 850

" فإنى أباهى بكم الأمم يوم القيامة" (١) ولو بالسقط ... === فالشرط فى هذين المثالين مستقبل بدليل أنه فى حيز اطلبوا وأباهى بكم الأمم يوم القيامة الذى هو مستقبل ولو مثل الشارح بقول الشاعر: ولو تلتقى أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رمسينا من الأرض سبسب لظلّ صدى صوتى وإن كنت رمّة ... لصوت صدى ليلى يهشّ ويطرب (٢) كان أحسن، فعلم مما تقدمه كله أن للو أربع استعمالات: - أحدها أن تكون للترتيب الخارجى، والثانى: كونها للاستدلال، والثالث: أن تكون وصلة للربط فى الجملة الحالية، والرابع: أن تكون بمعنى إن للشرط فى المستقبل، وقد تكون للدلالة على استمرار شىء بربطه بأبعد النقيضين ومن ذلك" قوله- ﵇ أو قول عمر على ما قيل: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" (٣) فالخوف وعدمه نقيضان وعدمه أبعد لعدم العصيان منه فعلق عدم العصيان على إلا بعد إشارة إلى أن عدم العصيان منه مستمر وأن العصيان لا يقع من صهيب أصلا وقد تكون للتمنى ومصدرية أخذا مما يأتى ومثل لهما بقوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٤) فدخولها على المضارع فى نحو قوله تعالى: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ (٥) (قوله: فإنى أباهى بكم الأمم) هذا ليس من تتمة ما قبله، بل من حديث آخر وهو قوله ﵇: " تناكحوا تناسلوا فإنى" إلخ فمراد الشارح تعداد الأمثلة والحديث الأول" وهو اطلبوا

стр. 851

(فدخولها على المضارع فى نحو: ) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ (١) أى: لوقعتم فى جهد وهلاك، والفعل هو الإطاعة؛ يعنى أن امتناع عنتكم ... === العلم ولو بالصين" قال ابن حبان لا أصل له كما فى الغماز (قوله: فدخولها على المضارع إلخ) هذا مفرع على قوله: فيلزم المضى فى جملتيها أى: وحيث كان ذلك لازما فدخولها على المضارع إلخ (قوله: فى جهد) هو بفتح الجيم المشقة والطاقة والمراد هنا الأول، وأما بالضم فهو بمعنى الطاقة ليس إلا وقوله وهلاك الواو بمعنى أو، إذ لا يجوز إرادة معنيين من لفظ واحد. (قوله: لقصد استمرار الفعل) أى: للإشارة إلى قصد استمرار الفعل، والمراد بالفعل الفعل اللغوى وهو الحدث، والمراد باستمراره الاستمرار التجددى، وحاصله: إن دخول لو على المضارع فى الآية على خلاف الأصل لنكتة اقتضاها المقام، وهى الإشارة إلى أن الفعل الذى دخلت عليه يقصد استمراره فيما مضى وقتا بعد وقت وحصوله مرة بعد أخرى، ولو نفت ذلك الاستمرار، واستمرار الفعل على وجه التجدد إنما يحصل بالمضارع لا بالماضى، الذى شأنه أن تدخل عليه لو فالعدول عن الماضى للمضارع لهذه النكتة التى اقتضاها المقام (قوله: فيما مضى وقتا فوقتا) أشار بقوله فيما مضى إلى أن لو على معناها وأن المضارع الواقع موقع الماضى أفاد الاستمرار فيما مضى، وبقوله وقتا فوقتا، إلى أن الانتفاء ملاحظ بحسب أوقات الوجود فإن الإطاعة توجد فى العرف وقتا فوقتا فيلاحظ انتفاؤها كذلك، فيكون المضارع المنفى كالمثبت فى أن المستفاد منه تجددى لا ثبوتي. اهـ فنرى. (قوله: والفعل) أى: الذى قصد استمراره فى الآية هو الإطاعة وعليه ففى كلام المصنف حذف مضاف أى: لقصد امتناع استمرار إلخ بدليل قوله يعنى أن امتناع عنتكم بسبب إلخ، هذا ويمكن الاستغناء عن تقديره فى كلام المصنف بأن يكون المعنى لقصد

стр. 852

بسبب امتناع استمراره على إطاعتكم فإن المضارع يفيد الاستمرار، ودخول لو عليه يفيد امتناع الاستمرار، ويجوز أن يكون الفعل امتناع الإطاعة؛ يعنى أن امتناع عنتكم بسبب استمرار امتناعه عن إطاعتكم ... === الاستمرار المذكور أى: من يطيعكم بقطع النظر عن لو، ويفهم امتناع الاستمرار من لو، وليس المعنى لقصد الاستمرار من لو يطيعكم المحوج لتقدير المضاف المتقدم، وحاصل ما ذكره الشارح أن الكلام مشتمل على نفى وهو لو وقيد وهو الاستمرار المفاد بالمضارع فيجوز أن يعتبر نفى القيد، وأن يعتبر تقييد النفى فالمعنى على الأول انتفى عنتكم بسبب امتناع الاستمرار على الإطاعة فى الكثير، وعلى الثانى انتفى عنتكم بسبب الامتناع المستمر على إطاعتكم فى الكثير (قوله: بسبب امتناع استمراره إلخ) هذا يفيد ثبوت أصل إطاعته- ﵊ لهم فى بعض الأمور، وهو كذلك فموافقته لهم فى بعض الأمور التى لا تضر لا توجب الهلاك، بل فيها تطييب لخواطرهم، ولذا أمر ﵇ بمشاورتهم وإلا فهو غنى عنها والذى يوجب وقوعهم فى المشقة والهلاك إنما هو استمراره- ﵊ على إطاعتهم فيما يستصوبون حتى كأنه مستتبع فيما بينهم ويستعملونه فيما يعن لهم وفى ذلك من اختلال الرسالة والرياسة ما لا يخفى، وأورد على الوجه الأول أنه إذا كان المنفى استمرار الإطاعة فى كثير من الأمر كان أصل الإطاعة فى الكثير ثابتا مع أن الواقع خلافه؛ لأنه إنما أطاعهم فى القليل، وأجيب بأن المفهوم معطل بالنظر للقيد، أو يقال: يكفى كون ما أطاعهم فيه كثيرا فى نفسه وإن كان قليلا بالنسبة إلى مقابله. واعلم أن هذا الإيراد إنما يتوجه على الوجه الأول فى كلام الشارح لا على الوجه الثانى؛ لأن محصله أن العلة فى انتفاء العنت الامتناع المستمر على إطاعتهم فى الكثير فيكون أصل الفعل وهو الإطاعة فى الكثير منفيا. (قوله: ويجوز أن يكون الفعل) أى: الذى قد قصد استمراره امتناع الإطاعة أى: إن لوحظت لو قبل دخول الفعل المفيد للاستمرار عليها، فلما دخل عليها صارت كأنها جزء منه والاستمرار ملاحظ بعد النفى فهو حينئذ من تقييد النفى بخلافه على

стр. 853

لأنه كما أن المضارع المثبت يفيد استمرار الثبوت يجوز أن يفيد المنفى استمرار النفى والداخل عليه لو يفيد استمرار الامتناع كما أن الجملة الإسمية المثبتة تفيد تأكيد الثبوت ودوامه ... === الوجه الأول، فإن الفعل الدال على الاستمرار ملحوظ قبل النفى فهو من نفى القيد، وفى تأخير هذا الوجه الثانى وتعبيره فى جانبه بالجواز إشارة لرجحان الوجه الأول ولذلك قال فى المطول: إنه الظاهر، ووجه ذلك بأمرين: الأول أن القياس اعتبار الامتناع واردا على الاستمرار حسب ورود كلمة لو المفيدة للامتناع على صيغة المضارع المفيد للاستمرار؛ لأن استفادة المعانى من الألفاظ على وفق ترتيبها، وأما اعتبار الاستمرار واردا على النفى فهو خلاف القياس فلا يصار إليه إلا عند تعذر الجريان على موجب القياس نحو: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (١) أو لم يكن فيه مزية كما فى قوله تعالى وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢) حيث حمل على استمرار نفى الحزن عنهم إذ ليس فى نفى استمرار الحزن مزيد فائدة. الثانى: أن العلة فى نفى عنتهم نفى الاستمرار على إطاعتهم، لا استمرار نفى الإطاعة الذى تضمنه ذلك الوجه الثانى؛ وذلك لأن استمرار نفى الإطاعة يقتضى أن أصل الفعل وهو الإطاعة منفى بخلاف نفى الاستمرار على الإطاعة فإنه يفيد ثبوته ومعلوم أن أصل الإطاعة لا يترتب عليه العنت لما يترتب عليه من مصلحة استجلابهم واستمالة قلوبهم- ا. هـ سم. (قوله: لأنه كما أن إلخ) علة لقوله ويجوز إلخ ودفع بهذا ما يقال معنى قولهم: إن المضارع يفيد الاستمرار أى: استمرار معناه وهذا الاحتمال بخلافه؛ لأنه يلزم عليه أن المضارع إنما أفاد استمرار معنى لو وهذا خلاف القاعدة، وحاصل الدفع أنه لا مانع من كون الفعل المضارع المنفى يفيد استمرار النفى كما أن المثبت يفيد استمرار الثبوت، وذلك إذا لوحظ النفى قبل دخول الفعل المفيد للاستمرار بحيث جعل النفى كأنه جزء من الفعل. (قوله: كما أن الجملة الاسمية إلخ) هذا تنظير للفعلين المثبت والمنفى وهذا

стр. 854

والمنفية تفيد تأكيد النفى ودوامه لا نفى التأكيد والدوام كقوله تعالى: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (١) ردا لقولهم آمَنَّا ... === بالنسبة للوجه الثانى؛ لأن المعتبر فيه تأكيد النفى وكذا هنا المعتبر تأكيد الثبوت (قوله: والمنفية تفيد تأكيد النفى) أى: استمرار الانتفاء ومن هذا يتخرج الجواب عن النفى فى قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢) بأن ترجع المبالغة إلى نفى الظلم، فالمعنى انتفى الظلم عن المولى انتفاء مبالغا فيه، فالجملة مفيدة لتأكيد النفى والمبالغة فيه لا لنفى التأكيد والمبالغة وإلا لاقتضت أن المنفى إنما هو المبالغة فى الظلم فيفيد ثبوت أصل الظلم وهو باطل. (قوله: لا نفى التأكيد) إن قلت قضية قاعدة أن النفى يتوجه إلى القيد فى الكلام أن الجملة المنفية إنما تفيد نفى التأكيد، قلت هذا إذا اعتبر القيد سابقا على النفى، وأما إذا اعتبر سبق النفى كانت مفيدة لتأكيد النفى، والحاصل أنه إذا اعتبر القيد سابقا على النفى أفادت نفى القيد غالبا، وتارة تفيد نفى المقيد، وتارة تفيد نفيهما معا عند الشارح خلافا للشيخ عبد القاهر حيث أوجب نفى القيد، وأما إذا اعتبر تقدم النفى فإنما تفيد تأكيد النفى أو يقال إن هذا- أى: إفادة تأكيد النفى- استعمال آخر للنفى كما قاله سم. (قوله: ردا لقولهم آمَنَّا) بيان ذلك أن قولهم آمنا يفيد حدوث الإيمان منهم وصدوره فى الماضى ولو مرة؛ لأن الماضى يدل على الوقوع والانقطاع فرد المولى سبحانه عليهم بقوله: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ مؤكدا للنفى بالباء الزائدة فى الخبر، فالنفى ملحوظ أولا قبل التأكيد فهى مفيدة لتأكيد النفى، والمعنى حينئذ إيمانهم منفى نفيا مؤكدا وعلى هذا فقوله: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ سالبة كلية مناقضة للموجبة الجزئية حكما، التى هى قولهم: آمَنَّا وليس التأكيد ملحوظا أولا قبل النفى بحيث يكون الكلام من نفى التأكيد وإلا لم يكن ردا لقولهم؛ لأن نفى التأكيد يقتضى ثبوت أصل إيمانهم وهذا عين دعواهم.

стр. 855

على أبلغ وجه وآكده (كما فى قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) (١) حيث لم يقل: الله مستهزئ بهم قصدا إلى استمرار الاستهزاء وتجدده وقتا فوقتا (و) دخولها على المضارع (فى نحو: وَلَوْ تَرى) (٢) الخطاب لمحمد- ﵊ ... === (قوله: على أبلغ وجه) متعلق بقوله ردا (قوله: وآكده) مرادف لما قبله وهو بالمد لا بهمزتين لقول الخلاصة: ومدّا ابدل ثانى الهمزين من ... كلمة إن يسكن كآثر وائتمن (قوله: الله يستهزئ بهم) الاستهزاء هو السخرية والاستخفاف، والمراد به إنزال الحقارة والهوان بهم فهو من باب إطلاق الشىء على غايته لعلاقة السببية؛ لأن غرض المستهزئ من استهزائه إدخال الهوان على المستهزأ به، فيستهزئ مجاز مرسل ويصح أن يكون استعارة تبعية بأن شبه الهوان بالاستهزاء واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق منه يستهزئ بمعنى ينزل الهوان بهم، ويحتمل أن يكون من باب المشاكلة بأن سمى جزاء الاستهزاء باسمه لوقوعه فى صحبته، كما سمى جزاء السيئة سيئة لوقوعه فى صحبتها، وحينئذ فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة أو المصاحبة. (قوله: حيث لم يقل إلخ) أشار بذلك إلى أن التنظير من حيث مطلق العدول إلى المضارع، وإن كان العدول هنا عن اسم الفاعل إلى المضارع وفيما سبق العدول عن الماضى إلى المضارع، وإنما كان الأصل المعدول عنه هنا اسم فاعل لاقتضاء المقام إياه لمشاكلة ما وقع منهم؛ لأنهم قالوا إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (٣). (قوله: وتجدده وقتا فوقتا) هذا تفسير لما قبله وهو محط القصد وإلا فالاستمرار مفاد بالاسمية المعدول عنها أيضا بمعونة المقام، لكن فرق بين الاستمرارين؛ لأن الاستمرار فى الاسمية فى الثبوت والاستمرار فى وضع المضارع موضع الماضى فى التجدد وقتا فوقتا، والثانى أبلغ (قوله: ولو ترى إذ وقفوا على النار إلخ) نزل ترى منزلة

стр. 856

أو لكل من تتأتى منه الرؤية (إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) أى: أروها حتى يعاينوها، أو أطلعوا عليها اطلاعا هى تحتهم، أو أدخلوها فعرفوا مقدار عذابها ... === اللازم مبالغة فى أمرهم الفظيع بحيث إذا اتصف الرائى بالرؤية مطلقا حين وقوفهم على النار رأى أمرا فظيعا- كذا قاله يس وفى عبد الحكيم: أن المفعول محذوف أى: ولو ترى الكفار فى وقت وقوفهم ولا يجوز أن يكون إذ مفعولا؛ لأنه إخراج لإذ والرؤية عن الاستعمال الشائع أعنى الظرفية والإدراك البصرى من غير ضرورة ا. هـ كلامه. (قوله: أو لكل من تتأتى منه الرؤية) أى: بناء على أن الخطاب موجه لغير معين ففى التخصيص تسلية للرسول- ﵇ وفى التعميم تفضيح لهم لظهور بشاعة حالهم لكل أحد. (قوله: حتى يعاينوها) حتى تعليلية (قوله: أو أطلعوا عليها) تفسير ثان لوقفوا وهو أولى من الأول لعدم احتياجه إلى تكلف تضمين أو نيابة حرف عن حرف بخلاف الأول، وكون الوقف بمعنى الاطلاع مما ذكره فى القاموس، وفى بعض النسخ: وأطلعوا بالواو والأولى أولى من الثانية، وعلى الثانية فالعطف للتفسير، ومعنى أطلعوا عليها أنهم وقفوا فوقها وهى تحتهم كما ذكره الشارح (قوله: هى تحتهم) الجملة حال من ضمير عليها أى: حال كونها تحتهم بحيث إنهم كالآيلين للسقوط فيها- كذا قرر شيخنا العدوى. ويؤيده ما فى ابن يعقوب أن المراد بوقوفهم على النار اطلاعهم عليها، والمراد باطلاعهم عليها أن يروها تحتهم وهم بصدد السقوط فيها (قوله: أو أدخلوها) يعنى أن وقوفهم على النار: إما أن يفسر بإراءتها أو بالاطلاع عليها- كما تقدم- أو يفسر بالإدخال فيها (قوله: فعرفوا مقدار عذابها) راجع للتفاسير الثلاثة وهى الإرائة والاطلاع والإدخال، وكان الأحسن أن يقول أو عرفوا إلخ للإشارة إلى أن هذا معنى آخر للوقوف على النار ويوضح لك ذلك قول الزجاج إن قوله تعالى: إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ يحتمل ثلاثة أوجه الأول أن يكونوا قد وقفوا عندها حتى يعاينوها فهم موقوفون إلى أن يدخلوها الثانى أن يكونوا قد وقفوا عليها وهى تحتهم أى: إنهم وقفوا على النار فوق الصراط وعلى هذين الوجهين وقفوا من وقفت الدابة، الثالث أنهم عرفوها من وقفت

стр. 857

وجواب لو محذوف؛ أى: لرأيت أمرا فظيعا (لتنزيله) أى المضارع (منزلة الماضى لصدوره) أى: المضارع أو الكلام ... === على كلام فلان علمت معناه (قوله: وجواب لو محذوف) أتى الشارح بهذا دفعا لما يقال: إن لو للتمنى وهى تدخل على المضارع، وحينئذ فلا يصح الاستشهاد بهذه الآية على دخول لو الشرطية على المضارع، وحاصل الجواب أنا لا نسلم أنها هنا للتمنى، بل هى شرطية وجوابها محذوف (قوله: أى لرأيت أمرا فظيعا) أى: شنيعا تقصر العبارة عن تصويره، قال الفنارى: ولا يخفى أن الأولى أن يقدر الجزاء مستقبلا مناسبا للشرط أى: لترى أمرا فظيعا والنكتة التنزيل والاستحضار المذكوران (قوله: أى المضارع) أى: المعنى المضارع بمعنى المستقبل. (قوله: منزلة الماضى) أى: والماضى تناسبه لو كما تقدم (قوله: لصدوره إلخ) يحتمل أن يكون علة للتنزيل أى: وإنما نزل ذلك المعنى الاستقبالى منزلة الماضى حتى دخلت عليه لو التى هى فى الأصل للماضى لصدوره أى: صدور الإخبار عن ذلك المعنى الاستقبالى بالفعل المضارع عمن لا خلف فى أخباره فكأنه وقع، لكن هذا الاحتمال بعيد من كلام الشارح، والذى يدل عليه قول الشارح لكنه عدل إلى المضارع إلخ أنه علة لمحذوف أى: وإنما يعبر عن ذلك المعنى الاستقبالى بعد تنزيله منزلة الماضى بصيغة الماضى ليكون هناك مناسبة بين الدال والمدلول لصدور ذلك الإخبار بذلك الفعل المضارع عمن لا تخلف فى إخباره والمستقبل والماضى عنده سواء فلا يحتاج إلى التحويل لصيغة الماضى إلا لو كان الإخبار بذلك الفعل صادرا ممن التخلف فى إخباره؛ لأنه إذا كان كذلك يحتاج إلى التعبير بالماضى زيادة فى تأكيد تحقق الوقوع نفيا لذلك الإمكان هذا تحقيق ما فى المقام على ما قرره شيخنا العدوى، فإن قلت: إن تنزيل المضارع منزلة الماضى فى التحقيق ينافى دخول لو الدالة على الامتناع قلت: لا منافاة؛ لأن الامتناع باعتبار الإسناد إلى المخاطب، والتحقق باعتبار أصل الفعل، فالمنزل منزلة الماضى لتحققه هو أصل الرؤية، والذى فرض وقوعه وأدخل عليه لو هو الرؤية بالنسبة للمخاطب فذكر لو يدل على أن الرؤية بمثابة من الفظاعة يمتنع معها رؤية المخاطب- كذا أجاب عبد الحكيم.

стр. 858

(عمن لا خلاف فى إخباره) فهذه الحالة إنما هى فى القيامة لكنها جعلت بمنزلة الماضى المتحقق فاستعمل فيها لو وإذ المختصتان بالماضى لكن عدل عن لفظ الماضى ولم يقل: ولو رأيت إشارة إلى أنه كلام من لا خلاف فى إخباره، والمستقبل عنده بمنزلة الماضى فى تحقق الوقوع؛ فهذا الأمر مستقبل فى التحقق ماض بحسب التأويل كأنه قيل: قد انقضى هذا الأمر لكنك ما رأيته ولو رأيته لرأيت أمرا فظيعا (كما) عدل عن الماضى إلى المضارع (فى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) (١) لتنزله منزلة الماضى لصدوره عمن لا خلاف فى إخباره، وإنما كان الأصل هاهنا هو الماضى ... === (قوله: عمن لا خلاف) أى: لا تخلف فى إخباره وهو الله الذى يعلم غيب السموات والأرض (قوله: فهذه الحالة) أى: رؤيتهم واقفين على النار (قوله: لكنها جعلت بمنزلة الماضى المتحقق) أى: بجامع التحقق فى كل، لأن تلك الحالة الحاصلة فى يوم القيامة لما أخبر بوقوعها المولى صارت محققة (قوله: لكن عدل إلخ) فى الكلام حذف، والأصل وكان المناسب أن يعبر عن ذلك المعنى بالماضى حيث نزل منزلة الماضى ليكون هناك مناسبة بين الدال والمدلول لكن عدل إلخ (قوله: والمستقبل عنده بمنزلة الماضى) أى: فيستوى عنده التعبير بالماضى والمستقبل فالتعبير بأيهما كالتعبير بالآخر وقوله والمستقبل إلخ: عطف لازم على ملزوم وهذا محط العلة والفائدة (قوله: فهذا) أى: ما ذكر من رؤيتهم واقفين على النار (قوله: مستقبل فى التحقق) أى: لأنه يوم القيامة. (قوله: ماض بحسب التأويل) أى: التنزيل (قوله: قد انقضى) أى: قد مضى هذا الأمر وهو رؤيتهم واقفين على النار (قوله: لكنك ما رأيته) إشارة لمعنى لو (قوله: لتنزيله) أى: المعنى المضارع بمعنى المستقبل منزلة الماضى أى: والماضى تناسبه رب المكفوفة بما، وقوله لصدوره يحتمل أن يكون علة للتنزيل أو لمحذوف على ما مر فى

стр. 859

لأنه قد التزم ابن السراج وأبو على فى الإيضاح أن الفعل الواقع بعد رب المكفوفة بما يجب أن يكون ماضيا لأنها للتقليل فى الماضى؛ ومعنى التقليل هاهنا: أنه تدهشهم أهوال القيامة فيبهتون فإن وجدت منهم إفاقة ما تمنوا ذلك، وقيل هى مستعارة للتكثير أو للتحقيق، ... === الآية السابقة (قوله: لأنه قد التزم إلخ) الضمير للحال والشأن وأشار الشارح بهذا إلى أن التمثيل بهذه الآية مبنى على هذا المذهب فقط، وأما الجمهور فأجازوا وقوع الفعل المستقبل بعدها كقوله: ربّما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال والجملة الاسمية كقوله: ربّما الجامل المؤبّل فيهم ... وعناجيج فوقهنّ المهار. (قوله: المكفوفة بما) أى: عن عمل الجر (قوله: لأنها) أى: رب المكفوفة للتقليل فى الماضى أى: أنها للتقليل وهو إنما يظهر فى الماضى؛ لأن التقليل إنما يكون فيما عرف حده والمعروف حده إنما هو الواقع فى الماضى، والمستقبل مجهول لم يعرف حتى يوصف بقلة أو كثرة، وحينئذ فلا تدخل عليه رب. كذا وجه أبو على وابن السراج، وفيه بحث لإمكان العلم بالمستقبل كما فى الآية؛ لأن المتكلم هو الله تعالى الذى يعلم غيب السموات والأرض، وحينئذ فإفادتها للتقليل لا تمنع من دخولها على المستقبل، وحينئذ يكون المعنى قليل من يوجد منه ذلك الفعل فى المستقبل، أو حصول ذلك الفعل فى المستقبل قليل (قوله: ومعنى التقليل إلخ) جواب عما يقال: إن ودادتهم للإسلام وتمنيهم له يحصل منهم كثيرا، وحينئذ فما معنى التقليل (قوله: فيبهتون) أى: يتحيرون (قوله: فإن وجدت منهم إفاقة ما تمنوا ذلك) أى: فقلة التمنى لذلك باعتبار قلة الزمان الذى يقع فيه، وهذا لا ينافى كثرته فى نفسه (قوله: وقيل هى مستعارة) أى: منقولة والمراد بالاستعارة هنا مطلق النقل والتجوز لا المصطلح عليها. والعلاقة فى استعمالها فى التكثير الضدية وفى التحقيق اللازمية؛ لأن التقليل فى الماضى يلزمه التحقيق، وحاصل ذلك القول أن رب مطلقا مكفوفة أو لا موضوعة للتقليل وهى هنا مستعملة فى التكثير أو

стр. 860

ومفعول يَوَدُّ محذوف لدلالة لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ عليه ولَوْ للتمنى حكاية لودادتهم، ... === التحقيق على سبيل الاستعارة لكن الذى فى المغنى أن الكثير فى رب أن تكون للتكثير، وحينئذ فلا حاجة للاستعارة كذا قيل، وقد يقال: إن استعارتها للتكثير بالنسبة لأصل الوضع وإن شاع استعمالها فى التكثير حتى التحق بالحقيقة- كما فى عبد الحكيم، وحينئذ فلا اعتراض، ثم إن عبارة الشارح توهم أنه على القول باستعارتها للتكثير لا تختص بالماضى وحينئذ فلا يكون فى الآية شاهد لتنزيل المضارع منزلة الماضى على ذلك القول- وليس كذلك، بل على أنها للتكثير تختص أيضا بالماضى عند ابن السراج وأبى على؛ لأن التكثير كالتقليل إنما يكون فيما عرف حده والتكثير باعتبار أن الكفار فى حال إفاقتهم دائما يودون كونهم مسلمين، فالتكثير نظرا للتمنى فى نفسه والتقليل نظرا إلى أن أكثر أحوالهم الدهشة، والأوقات التى يفيقون فيها ويتمنون الإسلام قليلة (قوله: ومفعول يود محذوف) أى: على كل من الوجوه السابقة من كون رب للتقليل أو التكثير أو التحقيق، وقوله محذوف أى: تقديره الإسلام أو كونهم مسلمين أو نحو ذلك، ولا يصح أن يكون المفعول لو كانوا مسلمين؛ لأنهم لم يودوا ذلك، إذ لا معنى لودادة التمنى؛ ولأن لو التى للتمنى للإنشاء ولا يعمل ما قبل الإنشاء فيما بعده (قوله: ولو للتمنى) أى: فلا جواب لها (قوله: حكاية لودادتهم) أى: بناء على أن الجملة معمولة لمحذوف حالا أى: قائلين لو كانوا مسلمين، واعترض هذا بأنه كيف يكون هذا حكاية لودادتهم مع أنهم لا يقولون هذا اللفظ أعنى لو كانوا مسلمين، وإنما يقولون: لو كنا مسلمين، وأجيب بأنه لما عبر عنهم بطريق الغيبة فى الودادة حيث قال يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ولم يقل وددتم جاز أن يعبر فى حكاية كلامهم بطريق الغيبة، وحاصل ما فى المقام أن المحكى عنه إذا كان غائبا كما فى الآية فإنه يجوز الحكاية عنه بما وقع منه بذاته ويجوز الحكاية عنه بمعنى ما وقع منه فتقول: حلف زيد بالله لأفعلن وحلف بالله ليفعلن، وإن كان الواقع منه لأفعلن، وكذا يقول تمنى فلان التوبة، وقال لو كنت تائبا، ولو قلت لو كان تائبا لكان حسنا، وكما تقول حكاية لوصف زيد لك بالكرم قال زيد فلان

стр. 861

وأما على رأى من جعل لو التى للتمنى حرفا مصدريا فمفعول يَوَدُّ* هو قوله: لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (١). (أو لاستحضار الصورة) عطف على قوله: لتنزيله؛ يعنى أن العدول إلى المضارع فى نحو: وَلَوْ تَرى * إما لما ذكر، وإما لاستحضار صورة رؤية الكافرين موقوفين على النار؛ ... === كريم مصرحا باسمك ولو قلت قال زيد إنى كريم لكان حسنا، فقول الشارح حكاية لودادتهم أى: بالمعنى. (قوله: وأما على رأى من جعل لو التى للتمنى حرفا مصدريا إلخ) فيه أن من لا يجعلها للتمنى لا يجعلها حرفا مصدريا، بل هو قول آخر يجاب بأن معنى كلام الشارح، وأما من جعل لو التى نجعلها للتمنى وهى الواقعة بعد فعل يفيد التمنى كما هنا حرفا مصدريا (قوله: هو قوله لو كانوا مسلمين) أى: المصدر المنسبك من تلك الجملة أى: كونهم مسلمين. بقى احتمال ثالث فى لو المذكورة فى الآية وهى كونها شرطية جوابها محذوف كما أن مفعول يود كذلك أى: ربما يود الذين كفروا الإيمان لو كانوا مسلمين لنجوا من العذاب، وعلى هذا فلا تكون الجملة حكاية لودادتهم. (قوله: أو لاستحضاره الصورة) السين والتاء زائدتان أى: أو لإحضار المتكلم للسامع الصورة أى: صورة رؤية الكفار موقوفين على النار وصورة ودادة إسلامهم (قوله: يعنى أن العدول إلخ) الحاصل أن المضارع فى هذه الأمثلة على حقيقته؛ لأن مضمونها إنما يتحقق فى المستقبل، لكن نزل ذلك المعنى الاستقبالى منزلة الماضى قضاء لحق ما دخل عليه من لو ورب، وإنما نزل منزلة الماضى لكونه محقق الوقوع مثله وعدل عن التعبير بالماضى للمضارع لصدوره عمن لا تختلف فى إخباره، هذا حاصل ما تقدم، وحاصل ما ذكره هنا بقوله يعنى إلخ أنه نزل أولا ذلك المعنى الاستقبالى منزلة الماضى لتحقق وقوعه فصح استعمال لو ورب فيه لصيرورته ماضيا

стр. 862

لأن المضارع مما يدل على الحال الحاضر الذى من شأنه أن يشاهد كأنه يستحضر بلفظ المضارع ... === بالتأويل، ثم نزل ذلك الماضى تأويلا منزلة الواقع الآن وعدل عن لفظ الماضى للفظ المضارع استحضارا للصورة العجيبة تفخيما لشأنها فهو حكاية للحال الماضية تأويلا، وإنما احتجنا فى حكاية الحال هنا لتنزيل الحالة المستقبلة منزلة الماضى ولم ننزلها منزلة الحاصلة الآن من أول الأمر؛ لأنه لم يثبت فى كلامه حكاية الحال المستقبلة والواقع فى استعمالهم إنما هو حكاية الحال الماضية كما فى قوله تعالى: وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ (١) فظهر لك من هذا أن قوله أو لاستحضار الصورة عطف على لصدوره، وقول الشارح عطف على تنزيله فيه شىء؛ لأنه يلزم على عطفه على النزيل عطف الخاص على العام؛ وذلك لأن التنزيل المذكور سابقا صادق بأن يكون معه استحضار للصورة أولا والعطف المذكور من خواص الواو ولا يجوز بأو، اللهم إلا أن يقال: إنه مشى على القول بالجواز (قوله: لأن المضارع مما يدل على الحال) أى: على الشأن والأمر، وقوله الحاضر أى: الحاصل الذى شأنه أن يشاهد بخلاف الشىء الماضى والمستقبل، هذا وظاهر الشارح أن المعنى الاستقبالى نزل منزلة الحالة الحاصلة الآن لأجل استحضار تلك الصورة العجيبة، وعبر عنها بالمضارع لدلالته على الأمر الحاضر، وفيه نظر؛ لأن هذا يقتضى حكاية الحال المستقبلة وهو غير ثابت، وإنما الثابت حكاية الحال الماضية فلا بد من جعل ذلك من حكاية الحال الماضية تقديرا كما قلنا سابقا، هذا محصل ما فى الحواشى، وقرره شيخنا العلامة العدوى أيضا، وذكر المولى عبد الحكيم: أن استحضار الصورة غير حكاية الحال فإن إحضار الصورة من غير قصد إلى الحكاية والتنزيل وهما إنما يكونان لما وقع بالفعل وإحضار الصورة يكون فيما لم يقع، وحينئذ فلا ينافى هذا ما فى الرضى من أنه لم يثبت حكاية الحال المستقبلة كما ثبت حكاية الحال الماضية ا. هـ كلامه مع بعض زيادة وعليه فما ذكره الشارح من العطف والعناية ظاهر.

стр. 863

تلك الصورة ليشاهدها السامعون ولا يفعل ذلك إلا فى أمر يهتم بمشاهدته لغرابة، أو فظاعة، أو نحو ذلك (كما قال الله تعالى: فَتُثِيرُ سَحاباً (١) بلفظ المضارع بعد قوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة) يعنى: صورة إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض على الكيفيات المخصوصة والانقلابات المتفاوتة. [أغراض التنكير]: (وأما تنكيره: ) أى: تنكير المسند (فلإرادة عدم الحصر والعهد) ... === (قوله: تلك الصورة) أى: صورة رؤية الكافرين موقوفين على النار، وقوله السامعون أى: للفظ المضارع (قوله: لغرابة) أى: ندرة وقوله أو نحو ذلك أى: كلطافة (قوله: فتثير سحابا) (٢) إسناد الإثارة إلى الرياح مجاز عقلى من الإسناد إلى السبب، والشاهد فى قوله فتثير سحابا: حيث عبر بتثير فى موضع أثارت المناسب لقوله أولا أرسل ولقوله بعد فسقناه وأحيينا، قصدا لإحضار تلك الصورة البديعة، وهى إشارة إلى إحضار الأمر العجيب بما أمكن، ويحتمل أن يكون التعبير بالمضارع لكون إثارة الرياح للسحاب مستقبلة بالنسبة إلى زمان إرسال الرياح، وإن كان ماضيا بالنسبة إلى زمان التكلم (قوله: الباهرة) أى: الغالبة لكل قدرة. (قوله: والانقلابات) أى: التبدلات والاختلافات المتفاوتة من كونه متصل الأجزاء أو منقطعها متراكما أو غير متراكم بطيئا أو سريعا بلون السواد أو البياض أو الحمرة. [تنكير المسند]: (قوله: فلإرادة إلخ) أى: فلإرادة إفادة عدم الحصر أى: فلإرادة المتكلم إفادة السامع عدم حصر المسند فى المسند إليه وعدم العهد والتعيين فى المسند حيث يقتضى

стр. 864

الدال عليهما التعريف (كقولك: زيد كاتب وعمرو شاعر، أو للتفخيم ... === المقام ذلك، وإنما لم يقل فلعدم إرادة الحصر إلخ؛ لأن عدم الإرادة ليس مقتضيا لشىء، فإن غير البليغ يورد التنكير لأداء أصل المعنى مع عدم إرادته لشىء منهما، ثم إن المراد إرادة عدمهما فقط فلا يرد أن تلك الإرادة متحققة إذا ورد المسند مضمرا أو اسم إشارة أو علما أو موصولا لأن المراد عند إيراد المسند واحد مما ذكر شىء زائد على إرادة عدمهما وهو الاتحاد والاشتهار فإن قلت إن إرادة إفادة عدم الحصر وعدم العهد فقط ممكن مع تعريف المسند باللام كما فى قوله: رأيت بكاءك الحسن الجميلا (١) وحينئذ فهذه النكتة لا تختص بالتنكير، بل كما تستفاد من التنكير تستفاد بالتعريف باللام قلت: هذا لا يضر؛ لأن النكتة لا يجب انعكاسها بحيث إذا عدم ما كان مسببا لها تنعدم لجواز أن يجعل ما ذكر من إرادة عدم الأمرين مسببا عن التنكير وإن أمكن حصوله بغيره على أن التعريف وإن أفاد ما ذكر من إرادة عدم الحصر والعهد إلا أنه خلاف الأصل (قوله: الدال عليهما التعريف) أى: لأنه إذا أريد العهد عرف بأل العهدية أو الإضافة، وإن أريد الحصر عرف بأل الجنسية لما سيأتى من أن تعريف المسند بأل الجنسية يفيد حصره فى المسند إليه. (قوله: زيد كاتب إلخ) أى: حيث يراد مجرد الإخبار بالكتابة والشعر لا حصر الكتابة فى زيد والشعر فى عمرو، ولا أن أحدهما معهود بحيث يراد الكتابة المعهودة أو الشعر المعهود ومقابلة الكتابة بالشعر تشعر بأن المراد بالكاتب من يلقى الكلام نثرا؛ لأن المراد بالشاعر من يلقى الكلام نظما. (قوله: أو للتفخيم) أى: التعظيم على وجه الخصوص وهو الإشارة إلى أن المسند بلغ من العظمة إلى حيث يجهل ولا يدرك كنهه وإلا فالتفخيم يمكن حصوله بالتعريف

стр. 865

نحو: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (١) بناء على أنه خبر مبتدأ محذوف أو خبر ذلِكَ الْكِتابُ. (أو للتحقير) نحو: ما زيد شيئا. [أغراض التخصيص بالإضافة والوصف وتركه]: (وأما تخصيصه) أى: المسند (بالإضافة) نحو: زيد غلام رجل (أو الوصف) نحو: زيد رجل عالم (فلتكون الفائدة أتم) لما مر من أن زيادة الخصوص توجب أتمية الفائدة. واعلم أن جعل معمولات المسند- كالحال ونحوه- من المقيدات، وجعل الإضافة والوصف من المخصصات- إنما هو مجرد اصطلاح، === بأن يجعل المعهود هو الفرد العظيم على أن حصول التفخيم مع التعريف لا يضر لما تقدم أن النكتة لا يجب انعكاسها قوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أى: فالتنكير فى هدى للدلالة على فخامة هداية الكتاب وكمالها، وقد أكد ذلك التفخيم بكونه مصدرا مخبرا به عن الكتاب المفيد أن الكتاب نفس الهداية مبالغة. (قوله: بناء على أنه خبر) أى: والتمثيل بالآية المذكورة لتنكير المسند للتفخيم بناء إلخ، وأما إن أعرب حالا فهو خارج عن الباب وإن كان التنكير فيه للتعظيم أيضا (قوله: نحو ما زيد شيئا) أى: أنه ملحق بالمعدومات فليس شيئا حقيرا فضلا عن أن يكون شيئا عظيما قال بعضهم: والظاهر أن التحقير فيه لم يستفد من التنكير بل من نفى الشيئية فالأولى التمثيل بقولك الحاصل لى من هذا المال شىء أى: حقير. [تخصيص المسند بالإضافة أو الوصف]: (قوله وأما تخصيصه) أى: وأما الإتيان بالمسند مخصصا بالإضافة أو الوصف (قوله: نحو زيد رجل عالم) كان الأولى التمثيل بقوله زيد كاتب بخيل؛ لأن الوصف فى مثال الشارح محصل لأصل الفائدة لا تمامها إلا أن يقال قد يكون كلاما مع من يتوهم أن زيدا لم يبلغ أوان الرجولية بل صبى أو أنه اسم امرأة (قوله: واعلم إلخ) هذا جواب عما يقال لم قال المصنف فيما تقدم فى الإتيان مع المسند ببعض معمولاته كالحال والمفعول

стр. 866

وقيل لأن التخصيص عبارة عن نقص الشيوع، ولا شيوع للفعل لأنه إنما يدل على مجرد المفهوم والحال تقيده والوصف يجىء فى الاسم الذى فيه الشيوع فيخصصه؛ وفيه نظر. (وأما تركه) أى: ترك تخصيص المسند بالإضافة أو الوصف ... === به والتمييز، وأما تقييده، وقال فى الإتيان مع المسند بالمضاف إليه أو الوصف وأما تخصيصه ومقتضى ذلك تسمية الإتيان الأول تقييدا، والثانى تخصيصا مع أن تسمية مجموع المضاف والمضاف إليه ومجموع الموصوف والصفة مركبا تقييديا يقتضى جعلهما من المقيدات، وحاصل ما أجاب به الشارح أن هذا اصطلاح مجرد عن المناسبة لا لداع ولا لمقتض ولو اصطلح على عكسه بان جعل معمولات الفعل من المخصصات والإضافة والوصف من المقيدات أو جعل كل منهما من المخصصات أو من المقيدات لكان صحيحا. (قوله: وقيل إلخ) أى: وقيل إن ما ارتكبه المصنف اصطلاح مبنى على مناسبة؛ لأن التخصيص إلخ (قوله: عن نقص الشيوع) أى: العموم. (قوله: على مجرد الفهوم) أى: على الماهية المطلقة وهو الحدث والمطلق لا يكون فيه التخصيص، وإنما يكون فيه التقييد بالمعمولات (قوله: وفيه نظر) لأنه إن أراد ذلك القائل بالشيوع فى الاسم الشيوع باعتبار الدلالة على الكثرة والشمول، فظاهر أن النكرة فى سياق الإثبات ليست كذلك، إذ لا عموم لها عموما شموليا، بل بدليا فلا يكون وصفها فى رجل عالم مخصصا وإن أراد به الشيوع باعتبار احتماله الصدق على كل فرد يفرض من غير دلالة على التعيين ففى الفعل أيضا شيوع؛ لأن قولك جاءنى زيد يحتمل أن يكون على حالة الركوب وغيره ويحتمل على حالة السرعة وغيرها، وكذا: طاب زيد يحتمل أن يكون من جهة النفس وغيرها ففى الحال والتمييز وجميع المعمولات تخصيص، والحاصل أنه إن أراد بالشيوع العموم الشمولى فهو منتف فى النكرة الموجبة فلا يكون وصفها مخصصا، وإن أراد به العموم البدلى فهو موجود فى الفعل، وأجيب باختيار الشق الأول، وإن الاسم لما كان يوجد فيه العموم الشمولى فى الجملة- ألا ترى إلى النكرة الواقعة فى سياق النفى- ناسبه التخصيص الذى هو نقص

стр. 867

(فظاهر مما سبق) فى ترك تقييد المسند لمانع من تربية الفائدة. [غرض التعريف]: (وأما تعريفه فلإفادة السامع حكما على أمر معلوم بإحدى طرق التعريف) يعنى أنه يجب عند تعريف المسند تعريف المسند إليه إذ ليس فى كلامهم مسند إليه نكرة ومسند معرفة فى الجملة الخبرية ... === العموم الشمولى بخلاف الفعل فإنه لا يوجد فيه باعتبار ذاته عموم، وإنما يدل على معنى مطلق ناسب فيه التقييد. [ترك تقييد المسند بالحال أو المفعول أو نحو ذلك]: (قوله: فظاهر مما سبق) أى: فظاهر تعليله مما سبق فى بيان السبب فى ترك تقييد المسند بالحال أو المفعول أو نحو ذلك، وهو وجود مانع من تربية الفائدة وعدم العلم بما يتخصص به من وصف أو إضافة وكقصد الإخفاء على السامعين ونحو ذلك فتقول مثلا: هذا غلام عند ظهور أمارة كون المشار إليه غلاما من غير أن تقول: غلام فلان أو غلام بنى فلان لعدم العلم بمن ينسب إليه أو للإخفاء على السامعين لئلا يهان بتلك النسبة أو يكرم مثلا. [وأما تعريفه]: (قوله: معلوم له) أى: للسامع وقوله بإحدى طرق التعريض أى: من علمية وإضمار وموصولية وغير ذلك مما تقدم متعلق بمعلوم له (قوله: يعنى إلخ) وجه أخذ هذا من المتن أنه جعل علة تعريف المسند الإفادة المذكورة، وتعريف المسند إليه مأخوذ منها، فدل ذلك على أنه لا يوجد المسند معرفا إلا إذا عرف المسند إليه وإلا وضح أن يعلل الشارح بذلك، ثم إن الوجوب مأخوذ من اقتصار المصنف على هذه النكتة أعنى الإفادة المذكورة، ومن المعلوم أن الاقتصار فى مقام البيان يقتضى الحصر (قوله: إذ ليس فى كلامهم) أى: العرب وأورد عليه قول القطامى: قفى قبل التّفرّق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا (١)

стр. 868

(بآخر مثله) أى: حكما على أمر معلوم بأمر آخر مثله فى كونه معلوما للسامع بإحدى طرق التعريف سواء اتحد الطريقان نحو: الراكب هو المنطلق، أو اختلفا نحو: زيد هو المنطلق (أو لازم حكم) عطف على حكما (كذلك) أى: على أمر معلوم بآخر مثله؛ ... === وأجيب بأن هذا من باب القلب وكلام الشارح فيما لا قلب فيه، واحترز بالجملة الخبرية عن الإنشائية نحو: من أبوك؟ وكم درهم مالك؟ فإن الاستفهام وهو من وكم مبتدأ عند سيبويه مع كونه نكرة وخبره معرفة ولا بد من تقييد الجملة الخبرية أيضا بالمستقلة بالإفادة ليخرج نحو: مررت برجل أفضل منه أبوه فإن أفضل منه أبوه وإن كان جملة خبرية إلا أنها ليست مستقلة بالإفادة إذ ليست مقصودة لذاتها، بل للوصف بها فلا يضر جعل المبتدأ وهو أفضل نكرة وخبره وهو أبوه معرفة- هذا مذهب سيبويه، وجعل بعضهم أبوه مبتدأ خبره أفضل، وحينئذ فلا إشكال (قوله: بآخر مثله) أشعر قوله بآخر أنه يجب مغايرة المسند والمسند إليه بحسب المفهوم وإن اتحدا فى الماصدق الخارجى ليكون الكلام مفيدا، وأما نحو قوله: أنا أبو النّجم وشعرى شعرى (١) فأوّل بحذف المضاف إليه باعتبار الحالين أى: شعرى الآن مثل شعرى القديم أى: أنه لم يتبدل عن الصفة التى اشتهر بها من الفصاحة والبلاغة (قوله: أى حكما على أمر معلوم إلخ) أعاد ذلك لأجل ربط العبارة بعضها مع بعض لما فيها من الصعوبة (قوله: سواء اتحد إلخ) أشار بذلك إلى أن مراد المصنف المماثلة فى مطلق التعريف. (قوله: أو لازم حكم) المراد به لازم فائدة الخبر، وذلك إذا كان المخاطب عالما بالحكم كأن تقول لمن مدحك أمس فى غيبتك أنت المادح لى أمس، فالقصد بهذا إخباره

стр. 869

وفى هذا تنبيه على أن كون المبتدأ والخبر معلومين لا ينفى إفادة الكلام للسامع فائدة مجهولة؛ لأن العلم بنفس المبتدأ والخبر لا يستلزم العلم بإسناد أحدهما إلى الآخر (نحو: زيد أخوك وعمرو المنطلق) حال كون المنطلق معرفا (باعتبار تعريف العهد ... === بأنك عالم بمدحه لك أمس (قوله: وفى هذا) أى: كلام المصنف أعنى قوله: وأما تعريفه إلخ، ودفع الشارح بهذا شبهة أنه لا فائدة فى الحكم على الشىء بالمعرفة؛ لأنه من قبيل إفادة المعلوم. (قوله: فائدة مجهولة) أى: وهى الحكم أو لازمه (قوله: لا يستلزم العلم بإسناد أحدهما إلى الآخر) أى: لأنك قد تعلم أن الشخص الفلانى يسمى زيدا وأن ثمّ رجلا موصوفا بالانطلاق فقد تحققت مدلول زيد ومدلول المنطلق فى الخارج، ولا تعلم أن الموصوف بذلك الانطلاق هو ذلك الشخص المسمى بزيد إلا بالكلام المعرف الجزأين المفيد لذلك. (قوله: نحو زيد أخوك وعمرو المنطلق) كل منهما صالح لأن يكون مفيدا للحكم وللازمه، فإذا كان المخاطب يعلم أن هذه الذات تسمى بزيد، وأن ثمّ رجلا موصوفا بالانطلاق، ولا يعلم أن الموصوف بالانطلاق هو ذلك الشخص المسمى بزيد، وقلت له زيد المنطلق فقد أفدته الحكم وإن كان يعلم أن الموصوف بالانطلاق هو ذلك الشخص المسمى بزيد، وقلت له هذا اللفظ فقد أفدته أنك عالم بذلك، وهذا هو نفس لازم الفائدة ولازم الحكم، وكذا يقال فى: زيد أخوك (قوله: حال كونه المنطلق، معرفا إلخ) أشار بهذا إلى أن قوله باعتبار متعلق بمحذوف حال من المنطلق وإنما خص الكلام بالمثال الأخير ولم يجعله حالا من أخوك أيضا لما سيذكره من أن تعريف الإضافة إنما يكون باعتبار العهد الخارجى ولا يقال: إن الإضافة تأتى لما تأتى له اللام، من كل من العهد والجنس، وحينئذ فلا وجه للتخصيص؛ لأن الإضافة وإن أتت لما تأتى له اللام لكن الأصل فيها اعتبار العهد الخارجى بخلاف اللام فإن إتيانها لكل من الأمرين أصل فيها، وجوز فى الأطول تعلقه بكل من المثالين وهو أحسن (قوله: باعتبار تعريف العهد) ليس المراد بالعهد هنا العهد الذهنى وهو الإشارة إلى حصة معلومة للمتخاطبين؛ لأنه

стр. 870

أو الجنس) وظاهر لفظ الكتاب أن نحو: زيد أخوك- إنما يقال لمن يعرف أن له أخا، والمذكور فى الإيضاح أنه يقال لمن يعرف زيدا بعينه ... === لا يوافقه التقرير الآتى، بل المراد به العهد الخارجى وهو الإشارة إلى شخص معين فى الخارج، وإن لم يكن معينا عند المخاطب، فالمنطلق من قولك: عمرو المنطلق، إذا أخذ باعتبار العهد الخارجى كانت أل إشارة إلى شخص معين فى الخارج ثابت له الانطلاق وإن لم يكن معلوما عند المخاطب بأن كان يعرف عمرا باسمه وشخصه ويعرف أن شخصا ثابت له الانطلاق ولا يعلم أنه هو عمرو، وكذلك نحو: عمرو أخوك إن أخذ أخوك باعتبار تعريف العهد فيكون إشارة إلى شخص معين فى الخارج متصف بأنه أخوه وإن لم يكن معينا عند المخاطب بأن كان المخاطب يعرف زيدا باسمه وشخصه ويعلم أن له أخا ولا يعلم أن ذلك الأخ هو عمرو (قوله: أو الجنس) المراد به الحقيقة التى يعرفها المخاطب من غير إشارة إلى معين فى الخارج، فإذا قيل عمرو المنطلق لمن يعرف عمرا باسمه وشخصه ويعرف حقيقة المنطلق، ولكن لا يعلم هل تلك الحقيقة ثابتة لعمرو أو لا، كانت أل مشارا بها للحقيقة التى يعرفها السامع، وأن المعنى الشخص المعلوم بتسميته عمرا ثبتت له حقيقة المنطلق المعلومة فى الأذهان، والحاصل أنك تقول: عمرو المنطلق باعتبار تعريف العهد لمن يعلم أن إنسانا يسمى بعمرو ويعلم أن شخصا معينا ثبت له الانطلاق، ولكن لا يعلم أنه عمرو وباعتبار تعريف الجنس لمن يعلم ماهية المنطلق من حيث هى، ولا يعلم هل هى متحققة فى الذات المسماة بزيد أم لا ويقال: زيد أخوك إذا أخذ باعتبار تعريف العهد لمن يعرف زيدا باسمه ويعلم أن شخصا ثبتت له الأخوة ولا يعلم أنه هو زيد. (قوله: وظاهر لفظ الكتاب) أى: المتن أى قوله بآخر مثله ووجهه أنه مثل بالمثالين المذكورين لتعريف المسند لأجل إفادة الحكم بمعلوم على معلوم، لكن الأول باعتبار تعريف العهد فقط، والثانى باعتبار التعريفين فيلزم أن المثال الأول إنما يقال لمن يعرف أن له أخا، وهو مخالف لما ذكره المصنف فى الإيضاح الذى هو كالشرح لهذا المتن (قوله: لمن يعرف أن له أخا) أى: على الإجمال أى: ويعرف زيدا بعينه ولا يعرف

стр. 871

سواء كان يعرف أن له أخا أم لم يعرف؛ ووجه التوفيق ما ذكره بعض المحققين من النحاة أن أصل وضع تعريف الإضافة على اعتبار العهد وإلا لم يبق فرق بين: غلام زيد، وغلام لزيد فلم يكن أحدهما معرفة والآخر نكرة لكن كثيرا ما يقال: جاءنى غلام زيد؛ من غير إشارة إلى معين كالمعرف باللام؛ وهو خلاف وضع الإضافة، ... === أن تلك الذات المسماة بزيد هى المتصفة بالأخوة (قوله: سواء كان يعرف أن له أخا) أى: كما فى المتن وقوله أم لم يعرف هذه الصورة هى محل الخلاف، وعلى هذا فمعنى زيد أخوك: زيد ثبت له جنس الأخوة المنسوبة إليك (قوله: ووجه التوفيق) أى: بين كلام المتن والإيضاح (قوله: ما ذكره بعض المحققين من النحاة) هو العلامة رضى الدين شيخ الشارح (قوله: على اعتبار العهد) أى: الخارجى فأصل وضع أخوك للذات المشخصة المعينة خارجا التى ثبت لها الأخوة (قوله: وإلا لم يبق فرق) أى: وإلا نقل إن أصل وضعها مبنى على اعتبار تعريف العهد، بل على اعتبار الجنس، وأن المعنى زيد ثبت له جنس الأخوة المنسوبة إليك فلا يصح؛ لأنه لم يبق فرق بين غلام زيد وغلام لزيد أى: لم يبق فرق من جهة المعنى؛ وذلك لأن المراد حينئذ من كل منهما غلام ما من غلمان زيد وإلا فالفرق من جهة اللفظ حاصل. (قوله: فلم يكن إلخ) تفريع على النفى أى وإذا انتفى الفرق بينهما ما لم يكن أحدهما معرفة والآخر نكرة مع أن الأول معرفة والثانى نكرة؛ لأن المراد من الأول غلام معين فى الخارج ثبتت له الغلامية لزيد، والمراد من الثانى غلام ما من غلمان زيد (قوله: لكن كثيرا إلخ) هذا استدراك على قوله: إن أصل وضع تعريف الإضافة إلخ دفع به توهم أنها لم تخرج عن أصل وضعها (قوله: من غير إشارة إلى معين) أى: من غلمانه بأن يراد الحقيقة من حيث تحققها فى ضمن فرد مهم بحيث يكون مرادفا لغلام لزيد (قوله: كالمعرف باللام) تشبيه فى الطرفين الأصل وخلافه أى: كما أن المعرف باللام أصل وضعه لواحد معين، وقد يستعمل الواحد غير المعين على خلاف الأصل كما فى: ولقد أمر على اللئيم يسبنى ا. هـ يس.

стр. 872

فما فى الكتاب ناظر إلى أصل الوضع ... === وهو مخالف لما تقدم من أن إتيان أل لكل من الأمرين أصل فيها لكن ما تقدم مبنى على الطريقة التى مشى عليها المصنف عند الكلام على تعريف المسند إليه باللام، وما هنا مبنى على طريقة أخرى ذكرناها هناك. واعلم أن الأقسام الأربعة الجارية فى المعرف باللام تجرى فى المعرف بالإضافة فتارة يكون تعريفه باعتبار العهد الخارجى، كما فى غلام زيد إذا لم يكن له إلا غلام واحد أو له غلمان، لكن كان إذا أطلق غلام زيد ينصرف لواحد منهم معين بسبب أن له مزيد خصوصية بزيد لكونه أعظم غلمانه وأشدهم نسبة إليه، وتارة يكون تعريفه باعتبار الحقيقة من حيث هى نحو: ماء الهندباء أنفع من ماء الورد، وتارة يكون تعريفه باعتبار الحقيقة من حيث وجودها فى ضمن جميع الأفراد سواء كان ذلك المعرف بالإضافة لفظه مفردا أو جمعا نحو: ضربى زيدا قائما وعبيدى أحرار فالإضافة حينئذ للاستغراق، وتارة يكون تعريفه باعتبار الحقيقة من حيث وجودها فى ضمن فرد غير معين كغلام زيد مشيرا إلى واحد غير معين وكقولك: خذ ماء الورد واخلطه بالدواء الفلانى، فإن المراد شخص غير معين وتكون الإضافة حينئذ للعهد الذهنى، وإنما كان المعرف بالإضافة كالمعرف باللام فى صحة اعتبار الأحوال المذكورة فيه؛ لأن الإضافة إلى المعرفة إشارة إلى حضور المضاف فى ذهن السامع، كما أن اللام إشارة إلى حضور ما دخلت عليه فى ذهنه، وهذا المضاف الحاضر فى ذهن السامع تارة يراد به فرد معين فى الخارج وتارة يراد منه الحقيقة من حيث هى أو من حيث تحققها فى ضمن جميع الأفراد، أو فى ضمن فرد غير معين، كما أن مدخول أل الحاضر فى ذهن السامع كذلك، ثم إن المضاف للمعرفة إذا قصد به الجنس فى ضمن فرد غير معين معرفة من حيث إن جنسه معلوم للسامع أشير بإضافته إلى حضوره فى ذهنه ونكرة من حيث إن جنسه تحقق فى ضمن فرد غير معين، كما تحققت الجهتان فى المعرف بلام العهد الذهنى، فإذا قلت: غلام زيد تريد الحقيقة فى ضمن فرد غير معين كان كقولنا: غلام لزيد بلا إضافة فى المعنى وإن اختلفا فى اللفظ (قوله: فما فى الكتاب) وهو أن زيد أخوك إنما يقال لمن سبقت له معرفة بأن له أخا فيشار إليه بعهد الإضافة، وقوله ناظر لأصل الوضع

стр. 873

وما فى الإيضاح إلى خلافه (وعكسهما) أى: نحو عكس المثالين المذكورين؛ وهو: أخوك زيد والمنطلق عمرو، والضابط فى التقديم أنه إذا كان للشىء صفتان من صفات التعريف وعرف السامع اتصافه بأحداهما دون الأخرى فأيهما كان بحيث يعرف السامع اتصاف الذات به وهو كالطالب بحسب ... === أى: من كونه معرفة باعتبار العهد (قوله: وما فى الإيضاح) من أن نحو: زيد أخوك يقال لمن يعرف زيدا ولا يعرف أن له أخا أصلا، وقوله إلى خلافه أى: ناظر إلى خلاف الأصل من التنكير العارض، ثم اعلم أن الكلام مفروض فى المعرف بالإضافة إذا كان مسندا، أما إذا كان مسندا إليه فلا بد أن يكون معلوما، فلا تقول: أخوك زيد لمن لا يعرف أن له أخا لامتناع الحكم بالتعيين على من لا يعرفه المخاطب أصلا (قوله: وما فى الإيضاح إلى خلافه) أى: ما فى الإيضاح من صورة الخلاف ناظر فيها لخلاف الأصل، فاندفع ما يقال كيف يقال ناظر لخلافه مع أن من جملة ما فى الإيضاح صورة المتن وهى مبنية على الأصل لا على خلافه (قوله: والضابط فى التقديم) أى: فى جعل أحدهما مبتدأ والآخر خبرا عند تعريف الجزأين وهذا جواب عما يقال: إذا كان كل من الجزأين معرفة هل يجوز جعل أيهما مبتدأ والآخر خبرا، ومن هذا الضابط يعلم سر قول النحويين إذا كانا معا معرفتين وجب تقديم المبتدأ منهما (قوله: إنه) أى: الحال والشأن وقوله إذا كان أى: إذا كان للشىء فى الواقع، وقوله صفتان من صفات التعريف أى: صفتان تعلم كل منهما بطريق من طريق التعريف لأدنى ملابسة ككون الذات مسماة بزيد وكونها أخا لعمرو وكونها مشارا إليها وأمثال ذلك (قوله: دون الأخرى) أى: دون اتصافه بالأخرى، كأن عرف المخاطب هذه الذات بكونها مسماة بزيد ولا يعرفها بكونها أخا له (قوله: فأيهما) أى: الوصفين ولو راعى لفظ صفتان لقال فأيتهما وأى شرطية وجوابها قوله: يجب أن يقدم إلخ، لكن يصح قراءته بالجزم والرفع كما قال فى الخلاصة: وبعد ماض رفعك الجزا حسن (١)

стр. 874

زعمك أن تحكم عليه بالآخر يجب أن تقدم اللفظ الدال عليه وتجعله مبتدأ، وأيهما كان بحيث يجهل اتصاف الذات به وهو كالطالب أن تحكم بثبوته للذات أو انتفائه عنها يجب أن تؤخر اللفظ الدال عليه وتجعله خبرا؛ فإذا عرف السامع زيدا بعينه واسمه ولا يعرف اتصافه بأنه أخوه وأردت أن تعرفه ذلك- قلت: زيد أخوك، وإذا عرف أخا له ولا يعرفه على التعيين وأردت أن تعينه عنده- قلت: أخوك زيد، ولا يصح: زيد أخوك؛ ... === (وقوله: كان) أى: وجد (وقوله: بحيث) أى: ملتبسا بحالة هى أن يعرف السامع اتصاف الذات به أى: بذلك الوصف أى: أن يعرف ذلك بالفعل أو من شأنه أن يعرف ذلك. واعلم أن حيث فى هذا التركيب وأمثاله خارجة عن أصلها من وجهين الأول استعمالها بمعنى حالة تشبيها لها بالمكان بجامع الإحاطة، والثانى جرها بالباء مع أنها ملازمة للنصب على الظرفية محلا ولا تخرج عنها إلا للجر بمن إلا أن يكون روعى قول من يقول بتصرفها (قوله: زعمك) أى: ظنك أو فهمك (قوله: الدال عليه) أى: على الوصف الذى يعرف السامع اتصاف الذات به (قوله: وأيهما كان بحيث يجهل اتصاف الذات به) أى: بالفعل أو كان من شأنه أن يجهل ذلك الاتصاف وإن كان عارفا بذلك الوصف (قوله: ولا يعرف اتصافه بأنه أخوه) أى: سواء عرف أن له أخا أم لم يعرفه فالضابط جار على ما فى المتن والإيضاح. (قوله: ولا يعرفه على التعيين) أى: من حيث العلم- بفتح العين واللام- المعين لذاته (قوله: وأردت أن تعينه عنده) أى: بالعلم ثم إن مراد الشارح بيان نكتة التأخير على وجه الاستقلال اهتماما به، وإلا فبيان سبب تقديم أحدهما المفاد بقوله فأيهما كان بحيث يعرف إلخ يتضمن بيان سبب تأخير الآخر. (قوله: ولا يصح زيد أخوك) أى: لا يصح بالنظر للبلاغة؛ لأن المستحسن فى نظر البلغاء لا يجوز مخالفته إلا لنكتة فهو واجب بلاغة وإن لم يكن واجبا عقلا، فلا يرد ما يقال ينبغى أن يصح لحصول المقصود عليه من إفادة أن الأخ متصف بأنه مسمى

стр. 875

وظهر ذلك فى نحو قولنا: رأيت أسودا غابها الرماح، ولا يصح رماحها الغاب. (والثانى: ) يعنى: اعتبار تعريف الجنس (قد يفيد قصر الجنس على شىء تحقيقا نحو زيد الأمير) ... === بزيد غاية الأمر أن غيره أولى، وتحصل من كلام الشارح أن السامع على كل تقدير يعلم أن له أخا ويعرف الاسم ويعرف الذات بعينها، لكن تارة يعلم اتصاف تلك الذات بذلك الاسم ويجهل اتصافها بالأخوة وتارة بالعكس، ففى الأول يجب أن يقال: له زيد أخوك، ويجب أن يقال له فى الثانى: أخوك زيد؛ لأنه إنما يقدم ويحكم على ما يتصور أن المخاطب طالب للحكم عليه، وهذا هو المعبر عنه عندهم بدفع الالتباس؛ لأنه لو تقدم الخبر على المبتدأ فيهما لأوهم قلب المعنى المقصود. (قوله: ويظهر ذلك) أى: الضابط فى قولنا: رأيت أسودا غابها الرماح، وذلك لأن المعلوم للأسود هو الغاب؛ لأنه مبيتها دون الرماح فالجزء الذى من شأنه أن يعلم عند ذكر الأسود إنما هو الغاب فيقدم ويجعل مبتدأ، والمراد بالأسود هنا المعنى المجازى وهو الشجعان ففيه استعارة تصريحية، وغابها الرماح قرينة وقوله ولا يصح إلخ أى: لعدم العلم الرماح للأسود (قوله: يعنى اعتبار تعريف الجنس) أى: المحلى بأل سواء كان فى المسند أو المسند إليه، وقوله قد يفيد قصر الجنس أى: جنس معنى الخبر كالانطلاق فى المثال المذكور أو جنس معنى المسند إليه فى عكسه (وقوله: على شىء) أى مسند إليه أو مسند، وبهذا تعلم أن كلام المصنف هنا أعم مما قبله ولا يرد ما ذكره من المثال؛ لأن المثال لا يخصص، ثم إن كلام المصنف يفيد أن الأول وهو اعتبار تعريف العهد لا يفيد الحصر وهو كذلك؛ وذلك لأن الحصر إنما يتصور فيما يكون فيه عموم كالجنس فيحصر فى بعض الأفراد والمعهود الخارجى لا عموم فيه، بل هو مساو للجزء الآخر فلا يصدق أحدهما بدون الآخر، وحينئذ فلا حصر كذا قيل وهو ظاهر فى قصر الأفراد، وأما قصر القلب فيتأتى فى المعهود أيضا، فيقال لمن اعتقد أن ذلك المنطلق المعهود هو عمرو المنطلق زيد أى لا عمرو كما تعتقده (قوله: تحقيقا) بمعنى حقيقة صفة لقصر أى: يفيد التعريف المذكور قصر الجنس قصرا حقيقة أى: حقيقيا أى: على سبيل الحقيقة

стр. 876

إذا لم يكن أمير سواه (أو مبالغة لكماله فيه) أى: لكمال ذلك الشىء فى ذلك الجنس، أو بالعكس (نحو: عمرو الشجاع) أى: الكامل فى الشجاعة؛ كأنه لا اعتداد بشجاعة غيره لقصورها عن رتبة الكمال، وكذا إذا جعل المعرف بلام الجنس مبتدأ نحو: الأمير زيد، والشجاع عمرو؛ ولا تفاوت بينهما وبين ما تقدم فى إفادة قصر الإمارة على زيد والشجاعة على عمرو؛ والحاصل: أن المعرف بلام الجنس إن جعل مبتدأ فهو مقصور على الخبر؛ سواء كان الخبر معرفة أو نكرة، === لعدم وجود معنى الجنس فى غير ذلك المقصور عليه أو مبالغة أى: على سبيل المبالغة لوجود المعنى فى غير المقصور عليه، والمراد بالحقيقة خلاف المبالغة، وهذا أحسن من قول بعضهم أى: قصرا محققا أى: مطابقا للواقع أو مبالغا فيه؛ لأن المبالغة ليست فى القصر بل فى النسبة بواسطة القصر؛ ولأنه لا يلزم فى القصر الحقيقى أن يكون مطابقا للواقع، بل يكفى أن يكون عن اعتقاد ظنا أو جهلا أو يقينا. (قوله: إذا لم يكن إلخ) بيان لكون القصر حقيقة (قوله: لكماله فيه) جواب عما يقال كيف صح قصر الجنس على فرد من أفراده مع وجود معنى الجنس فى غير المقصور عليه (قوله: أو بالعكس) أى: لكمال ذلك الجنس فى المقصور عليه؛ لأن الكمال أمر نسبى فلك أن تعتبره فى كل أى: وإذا كان الجنس كاملا فى ذلك المقصور عليه فيعد وجوده فى غيره كالعدم، لقصور الجنس فى ذلك الغير عن رتبة الكمال، فصح القصر حينئذ (قوله: وكذا إذا جعل المعرف إلخ) أى: فيفيد قصر جنس معنى المبتدأ على الخبر تحقيقا أو مبالغة، وهذا داخل فى كلام المصنف لا زائد عليه لما علمت أن كلام المصنف هنا أعم مما سبق (قوله: ولا تفاوت بينهما) أى: بين المثالين اللذين زدناهما على ما تقدم فى المصنف وما ذكره من عدم التفاوت إنما يصح على مذهبه من أن الجزئى الحقيقى يكون محمولا من غير تأويل، وأما على ما ذهب إليه السيد من أنه لا يكون محمولا، وأن قولنا: المنطلق زيد مؤول بقولنا المنطلق المسمى بزيد فلا بد من التفاوت؛ لأن مفهوم زيد الأمير غير مفهوم الأمير زيد أى: الأمير المسمى بزيد؛ لأن موضوع الأول جزئى حقيقى ولا تأويل فيه؛ لأنه يكون موضوعا

стр. 877

وإن جعل خبرا فهو مقصور على المبتدأ، ... === ومحموله كلى وموضوع الثانى ومحموله كلاهما كلى، ولا شك أن ذلك يوجب التغاير فيلزم التفاوت فالمقصور عليه الإمارة على الأول الذات المشخصة المعبر عنها بزيد، وعلى الثانى هو المفهوم الكلى المسمى بزيد واعلم أن إفادة الحصر بما دل على الجنس إذا أريد به جميع أفراد الجنس ظاهر؛ لأن المعنى حينئذ أن جميع الأفراد محصورة فى ذلك الفرد فلا يوجد منها شىء فى غيره، فإذا قيل الأمير زيد فكأنه قيل جميع أفراد الأمير محصورة فى زيد فقد ظهر الحصر بهذا الاعتبار، وأما إذا أريد الجنس الحقيقة فكأنه قيل حقيقة الجنس متحدة بذلك الفرد فهو كالتعريف مع المعرف، فلا توجد تلك الحقيقة فى غير ذلك الفرد لعدم صحة وجود ذلك المتحد بها فى فرد آخر، فإذا قيل زيد الأمير فكأنه قيل الإمارة وزيد شىء واحد فلا توجد فى غيره كما لا يوجد فى غيرها وهذا المعنى أبلغ وأدق من الأول ولم يعتبره أى: اتحاد الجنس بالواحد الواضع عند الاستعمال إلا فى المعرف دون المنكر ولو كان دالا على الحقيقة على الصحيح، وإنما المعتبر فى المنكر كونه صادقا على ذلك الفرد لا متحدا به، ولذلك لم يفد الحصر. مبتدأ بلام جنس عرفا ... منحصر فى مخبر به وفا وإن خلا عنها وعرّف الخبر ... باللام مطلقا فبالعكس استقر وقوله: مطلقا حال من الضمير فى خلا العائد على المبتدأ أى: سواء كان معرفا بالعلمية أو الإشارة أو الموصولية أو الإضافة نحو: زيد أو هذا أو الذى قام أبوه أو غلام زيد الكريم (قوله: وإن جعل خبرا فهو مقصور على المبتدأ) ظاهره كان المبتدأ معرفا بلام الجنس نحو: الكرم التقوى والقائم هو المتكلم أو بغيرها نحو: زيد أو هذا أو غلام زيد الكريم، وبه صرح الشارح فى المطول، والذى قاله العلامة السيد أنه إذا كان كل منهما معرفا بلام الجنس احتمل أن يكون المبتدأ مقصورا على الخبر وأن يكون الخبر مقصورا على المبتدأ، ولكن الأظهر قصر المبتدأ على الخبر؛ لأن القصر مبنى على قصد الاستغراق وشمول جميع الأفراد وذلك أنسب بالمبتدأ؛ لأن القصد فيه إلى الذات وفى الخبر إلى الصفة، وذكر عبد الحكيم: أنه يقصر الأعم على الأخص سواء قدم الأعم

стр. 878

والجنس قد يبقى على إطلاقه كما مر، وقد يقيد بوصف، أو حال، أو ظرف، أو نحو ذلك نحو: الرجل الكريم، وهو السائر راكبا، وهو الأمير فى البلد، وهو الواهب ألف قنطار؛ وجميع ذلك معلوم بالاستقراء وتصفح تراكيب البلغاء. وقوله: قد يفيد- بلفظ قد- إشارة إلى أنه قد لا يفيد القصر كما فى قول الخنساء === وجعل مبتدأ أو أخر وجعل خبرا نحو: العلماء الناس أو الناس العلماء وإن كان بينهما عموم وخصوص من وجه فيحال إلى القرائن كقولك العلماء الخاشعون، إذ قد يقصد تارة قصر العلماء على الخاشعين، وتارة يقصد عكسه، فإن لم تكن قرينة فالأظهر قصر المبتدأ على الخبر، إن قلت إنه لا يتصور عموم فى القصر تحقيقا، قلت: يجوز أن يكون أحدهما أعم مفهوما وإن تساويا ما صدقا (قوله: والجنس) أى: المقصور سواء وقع مبتدأ أو خبرا، وقوله كما مر أى فى الأمثلة المذكورة نحو: الأمير زيد وعكسه وعمرو الشجاع وعكسه (قوله: وقد يقيد إلخ) أى: فيكون المقصور حينئذ الجنس باعتبار قيده فقولك: زيد الرجل الكريم المحصور فى زيد الرجولية الموصوفة بالكرم فلا توجد فى غيره بخلاف مطلق الرجولية (قوله: ونحو ذلك) أى: كالمفعول به ولأجله ومعه. (قوله: وهو السائر راكبا) أى: انحصر فيه السير حال الركوب دون مطلق السير (قوله: وهو الأمير فى البلد) أى: انحصرت فيه إمارة البلد دون مطلق الإمارة فهى لغيره أيضا (قوله: وهو الواهب ألف قنطار) أى: هو مختص الهبة للألف بخلاف مطلق الهبة فهى لغيره أيضا، وفى تفسير القنطار خلاف، قيل ملء جلد ثور ذهبا، وقيل القنطار المال الكثير، وقيل مائة ألف دينار، وهل هو فعلال أو فنعال خلاف (قوله: وجميع ذلك) أى: ما ذكر فى هذا الحاصل (قوله: إشارة إلخ) أى: لأن قد سور القضية الجزئية، وقوله إلى أنه قد لا يفيد أى: على خلاف الأصل (قوله: كما فى قول الخنساء) أى: فى مرثية أخيها صخر (قوله: إذا قبح البكاء على قتيل) (١) أى: على أى قتيل كان بقرينة المقام وإن كانت النكرة فى سياق الإثبات لا تعم وقبل هذا البيت:

стр. 879

إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا (١) فإنه يعرف بحسب الذوق السليم، والطبع المستقيم، والتدرب فى معانى كلام العرب- أن ليس المعنى هاهنا على القصر وإن أمكن ذلك بحسب النظر الظاهر والتأمل القاصر. (وقيل: ) فى نحو: زيد المنطلق والمنطلق زيد (الاسم متعين ... === ألا يا صخر إن أبكيت عينى ... فقد أضحكتنى دهرا طويلا بكيتك فى نساء معولات ... وكنت أحقّ من أبدى العويلا دفعت بك الجليل وأنت حىّ ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا إذا قبح البكاء البيت (قوله: رأيت بكاءك) أى: بكائى عليك (قوله: أن ليس المعنى هنا على القصر) أى: قصر الجنس على البكاء؛ وذلك لأن هذا الكلام للرد على من يتوهم أن البكاء على هذا المرئى قبيح كغيره، فالرد على ذلك المتوهم بمجرد إخراج بكائه عن القبح إلى كونه حسنا، وليس هذا الكلام واردا فى مقام من يسلم حسن البكاء عليه إلا أنه يدعى أن بكاء غيره حسن أيضا حتى يكون المعنى على الحصر أى: إن بكاءك هو الحسن الجميل فقط دون بكاء غيرك كما توهم، إذ لا يلائمه قوله إذا قبح البكاء إلخ، وإنما الملائم له إذا ادعى حسن البكاء عليك وعلى غيرك، فيقال حينئذ: فإن بكاءك فقط هو الحسن الجميل (قوله: وإن أمكن ذلك) أى: بتكلف (قوله: بحسب النظر الظاهر) وهو أن التعريف فى قول الحسن الجميلا لا يؤتى به بدلا عن التنكير إلا لفائدة وهى هنا القصر، وأنت خبير بأنه غير مناسب للمقام كما تقدم، فالعدول عن التنكير للتعريف إنما هو للإشارة لمعلومية الحسن لذلك البكاء فلا ينكر؛ لأن أل الجنسية يشار بها إلى معهود معلوم وهنا أشير بها إلى معهود ادعاء كما يقال: والدى الحر ووالدك العبد أى: إن حرية أبى وعبودية أبيك معلومتان فليفهم- ا. هـ يعقوبى. (قوله: وقيل إلخ) الجملة معطوفة على ما فهم من قوله فلإفادة السامع حكما على أمر معلوم إلخ، فإنه يفهم منه أن الأمر المعلوم بأحد طرق التعريف سواء كان اسما

стр. 880

للابتداء) تقدم أو تأخر (لدلالته على الذات والصفة) متعينة (للخبرية) تقدمت أو تأخرت (لدلالتها على أمر نسبى) لأن معنى المبتدأ: المنسوب إليه، ومعنى الخبر: المنسوب، والذات هى المنسوب إليها، والصفة هى المنسوب، فسواء قلنا: زيد المنطلق، أو المنطلق زيد- يكون زيد مبتدأ، والمنطلق خبر؛ وهذا رأى الإمام الرازى- ﵀ (ورد بأن المعنى: ... === أو صفة يكون محكوما عليه بآخر مثله اسما كان أو صفة فكأنه قيل هذا أى: صحة كون الاسم والصفة المعرفين محكوما عليه وبه عند الجمهور وقيل الاسم متعين للابتداء إلخ، والمراد بالصفة هنا ما دل على ذات مبهمة باعتبار معنى قائم بها ومقابلها الاسم وهو ما دل على الذات فقط، أو الذات المعينة باعتبار المعنى كاسم الزمان والمكان والآلة قاله عبد الحكيم. (قوله: للابتداء) الأولى للإسناد ليشمل معمولات النواسخ (قوله: لدلالته على الذات) أى: ومن شأنها أن يحكم عليها لابها (قوله: على أمر نسبى) أى: وهو المعنى القائم بالذات. (قوله: لأن معنى إلخ) علة للمعلل مع علته أو علة للعلية (قوله: ورد إلخ) حاصله أن المنطلق إذا قدم وجعل مبتدأ لم يرد مفهومه المشتمل على أمر نسبى أى: ثبوت الانطلاق لشىء، بل يراد منه ذاته أى: ما صدق عليه وزيد إذا أخر وجعل خبرا لم يرد به الذات، بل يراد به مفهوم مسمى بزيد وهو مشتمل على معنى نسبى وهو التسمية به، فيكون الوصف مسندا للذات دون العكس، وهذا الرد جواب بالمنع، فمحصله لا نسلم أن الوصف يلاحظ منه الأمر النسبى دائما، ولا نسلم أن الاسم يلاحظ منه الذات دائما، بل تارة يراعى منه الذات إذا تقدم وتارة يراعى منه المفهوم إذا تأخر، وكذا يقال فى الصفة، ثم إن هذا التأويل ظاهر على مذهب الكوفيين، فإنهم ذهبوا إلى أن الخبر لا يكون إلا مشتقا، فإن وقع جامدا وجب تأويله بمشتق، وذهب البصريون إلى جواز وقوع الخبر جامدا من غير تأويل، فيصح عندهم حمل الجزئى الحقيقى على شىء ولا يحتاج إلى تأويل زيد مثلا إذا أخر بالمفهوم المسمى بزيد، ويكفى تأويله بالذات المشخصة المسماة بزيد، فمعنى قولك: المنطلق زيد الذات التى ثبت لها الانطلاق
следующие страницы →