← Баляга

Баляга · id 147062

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني

محمد بن أحمد الدسوقي

Полный текст (2 334 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

(وقد تستعمل إن فى) مقام (الجزم) بوقوع الشرط (تجاهلا) كما إذا سئل العبد عن سيده: هل هو فى الدار؛ وهو يعلم أنه فيها- فيقول: إن كان فيها أخبرك؛ فيتجاهل خوفا من السيد ... === (قوله: وقد تستعمل إن إلخ) هذا مقابل لقوله سابقا: أصل إن عدم الجزم بوقوع الشرط، وحينئذ فكان عليه أن يذكر أيضا مقابل قوله: وأصل إذا الجزم بوقوعه فيقول، وقد تستعمل إذا فى مقام الشك للإشعار بأن الشك فى ذلك الشرط مما لا ينبغى كقولك لمن قال: لا أدرى هل يتفضل على الأمير بهذا النوال أو لا إذا تفضل عليك كيف يكون شكرك إشعارا بأن الأمير لا ينبغى الشك فى تفضله، ولعله لم يذكره لقلته بالنسبة لخروج إن عن أصلها (قوله: فى مقام الجزم) أى: فى حالته وقدر مقام؛ لأن إن لم تستعمل فى الجزم (قوله: بوقوع الشرط) فى التقييد بوقوع الشرط إشكال؛ لأن إن قد تستعمل أيضا على خلاف الأصل فى مقام الجزم بعدم وقوع الشرط الذى هو خلاف أصلها؛ لأن أصلها أن تستعمل فى الأمور المحتملة كما فى آية: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ (١) وكأن يقال: للخصم: أرأيت إن كان العالم قديما، فإنه يلزم استغناؤه عن الفاعل فلا يكون ممكنا، وأنت تقول إنه ممكن، والحاصل أن كلا من الجزم بالوقوع والجزم باللاوقوع قد يستعمل فيهما إن على خلاف الأصل، وحينئذ فلا وجه لتقييد الشارح بوقوع الشرط، فكان الأولى للشارح أن يقول: وقد تستعمل فى الشرط المجزوم بثبوته أو نفيه، والجواب أنه إنما قيد بذلك نظرا للأمثلة المذكورة (قوله: تجاهلا) أى: لأجل تكلف الجهل أى عند اقتضاء المقام التجاهل (قوله: وهو يعلم أنه فيها) أى: ولكن أوصاه أنه لا يعلم أحدا بوجوده فى الدار إلا بعد مشاورته (قوله: خوفا من السيد) أى: لكونه أوصاه أن لا يعلم أحدا بوجوده فى الدار، وهذا التجاهل يعد من نكات علم المعانى حيث اقتضاه الحال كما فى المثال، فإن كان إيراده لمجرد الظرافة كان من البديع فلا يرد ما قيل إن تجاهل العارف من قبيل سوق المعلوم مساق غيره وهو من أنواع البديع فيكون ذكره هنا تطفلا.

стр. 807

(أو لعدم جزم المخاطب) بوقوع الشرط فيجرى الكلام على سنن اعتقاده (كقولك لمن يكذبك: إن صدقت فماذا تفعل) مع علمك بأنك صادق (أو تنزيله) أى: تنزيل المخاطب ... === (قوله: أو لعدم جزم إلخ) عطف على قوله تجاهلا أى: تستعمل إن فى مقام الجزم للتجاهل أو لعدم جزم المخاطب إلخ، وإنما جر عدم جزم المخاطب باللام لفقد شرط نصب المفعول لأجله؛ لأن العدم ليس مصدرا قلبيا، وليس فعلا لفاعل الفعل المعلل بخلاف التجاهل، فإنه مصدر قلبى موافق لفعله فى الوقت وفى الفاعل، إذ فاعلهما واحد وهو المستعمل فلذا جرد من اللام (قوله: أو لعدم جزم المخاطب بوقوع الشرط) أى: والحال أن المتكلم عالم بوقوعه (قوله: على سنن) أى: على مقتضى اعتقاد المخاطب، واعلم أن هذا وما بعده قد اعتبر فيهما حال المخاطب لكن على سبيل الحقيقة هنا، وعلى سبيل التنزيل فيما بعد لا يقال اعتبار حال المخاطب يخالف ما تقدم من اعتبار حال المتكلم وهو عدم جزمه بوقوع الشرط؛ لأنا نقول اعتبار حال المتكلم إنما هو إذا استعملت إن على سبيل الحقيقة، وإلا اعتبر حال المخاطب على سبيل الحقيقة أو التنزيل كما هنا. (قوله: كقولك لمن يكذبك) اعترض على المصنف بأن المكذب جازم بعدم وقوع الشرط وهو الصدق، وحينئذ فليس التعبير بإن للجرى على سنن ما عند المخاطب؛ لأنها للأمور المشكوكة والذى عند المخاطب الجزم بعدم الوقوع، والجواب أن المراد بقوله من يكذبك أى: من يجوز كذبك فهو متردد والتردد محل إن، وليس المراد بقوله لمن يكذبك من كان جازما بكذبك، أو المراد بمن يكذبك من قال لك كذبت ولا يخفى أنه لا يلزم من قوله لك كذبت أن يكون جازما بأنك كاذب، أو يقال التكذيب كناية عن عدم التصديق؛ لأنه لازم التكذيب فقوله لمن يكذبك أى: لمن لا يعتقد صدقك بأن شك فى صدقك، وتردد فيه ونسب إليك الكذب إن قلت إن الشاك لا اعتقاد عنده، وحينئذ فلا يناسب قوله على سنن اعتقاده أجيب بأن المراد باعتقاده حاله الذى هو عليه وهو الشك قرر ذلك شيخنا العدوى. (قوله؛ فماذا تفعل) الاستفهام للتقرير أى: لا تقدر على ما يدفع خجلتك. اهـ أطول.

стр. 808

العالم بوقوع الشرط (منزلة الجاهل لمخالفته مقتضى العلم) كقولك لمن يؤذى أباه: إن كان أباك فلا تؤذه (أو التوبيخ) أى: تعبير المخاطب على الشرط (وتصوير أن المقام لاشتماله على ما يقلع الشرط عن أصله لا يصلح إلا لفرضه) أى: فرض الشرط (كما يفرض المحال) لغرض من الأغراض (نحو: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ) (١) ... === (قوله: العالم بوقوع الشرط) أى: أو بلا وقوعه، واقتصر على العلم بالوقوع نظرا للمثال. (قوله: كقولك لمن يؤذى أباه إن كان أباك فلا تؤذه) أى: فعلم المخاطب بأنه أبوه محقق ومقتضاه أنه لا يؤذيه، لكنه لما آذاه نزله المتكلم منزلة الجاهل بالأبوة، فعبر بإن لأجل أن يجرى الكلام على سنن اعتقاده تنزيلا قال الفنرى لك أن تعتبر فى هذه الصورة تنزيل المتكلم نفسه منزلة الشاك؛ لأن فعل المخاطب من إيذاء أبيه كأنه أوقعه فى الشك وفى هذا الاعتبار ملاحظة حال المتكلم كما هو الأصل فى إن ا. هـ. (قوله: أى تعبير المخاطب) يمكن أن التقييد بالمخاطب لملاحظة المثال المذكور ونحوه، وإلا فالتعبير قد يكون لغير المخاطب نحو: إن كان هذا أبا زيد فلا يؤذه (قوله: على الشرط) أى: على وقوع الشرط منه أو اعتقاده إياه (قوله: وتصوير) أى: تبيين وهو من عطف السبب على المسبب أى: تصوير المتكلم للمخاطب وقوله: إن المقام أى: الذى أورد فى شأنه الكلام (قوله: لاشتماله) علة لقوله لا يصلح مقدمة على المعلول وقوله على ما يقلع أى على أدلة تحقق زوال الشرط من أصله (قوله: إلا لفرضه) أى: إلا لأن يفرض ويقدر ذلك الشرط كما يفرض المحال وكما أن المحال المحقق استعمال إن فيه كثير تستعمل هنا فى ذلك المحال المقدر- كذا فى عبد الحكيم. (قوله: لغرض) متعلق بيفرض المحال أى: وفرض المحال يكون لغرض من الأغراض: كالتبكيت وإلزام الخصم والمبالغة ونحو ذلك (قوله: أفنضرب عنكم الذكر) أى: أفنضرب عنكم القرآن بترك إنزاله لكم، وترك إنزال ما فيه من الأمر والنهى

стр. 809

أى: أنهملكم فنضرب عنكم القرآن وما فيه من الأمر والنهى والوعد والوعيد صَفْحاً أى: إعراضا أو للإعراض ... === والوعد والوعيد وإنزال ذلك لغيركم (قوله: أى أنهملكم فنضرب إلخ) أشار بذلك إلى أن الفاء عاطفة على جملة مقدرة تناسب الجملة المعطوفة فى المعنى وهمزة الاستفهام باقية فى محلها الأصلى داخلة على تلك الجملة المقدرة، وقيل إن الهمزة مقدمة من تأخير، والأصل فأنضرب بتقديم الفاء على الاستفهام كما فى قوله تعالى فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (١) فأى الفريقين، ثم قدمت الهمزة تنبيها على أصالتها فى الصدارة فلا تحتاج لتقدير جملة على هذا والوجه الأول للزمخشرى، والثانى لسيبويه والجمهور، واختار الشارح الوجه الأول تبعا للكشاف لجزالة المعنى وهذان الوجهان يجريان فى كل جملة مقرونة بالفاء أو الواو أو ثم مسبوقة بهمزة الاستفهام نحو: أفنضرب إلخ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ (٢) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ (٣) واعلم أن الزمخشرى لم يقل بوجوب التقدير فقد جزم بما قاله سيبويه والجماعة فى مواضع فقال فى قوله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى (٤) عطف على فأخذناهم بغتة، وفى قوله تعالى: أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٥) فيمن قرأ بفتح الواو إن آباؤنا عطف على الضمير فى مبعوثون اكتفاء بالفصل بينهما بهمزة الاستفهام (قوله: أى إعراضا) أشار بذلك إلى أن الصفح بمعنى الإعراض وأن صفحا فى الآية مفعول مطلق عامله نضرب؛ لأن معناه وهو صرف القرآن للغير وترك إنزاله لهم يتضمن الإعراض ويستلزمه أو عامله فعل مقدر أى: أفنضرب عنكم الذكر ونعرض عنكم إعراضا (قوله: أو للإعراض) يشير إلى أنه يجوز أن يكون صفحا مفعولا له بناء على عدم اشتراط اتحاده هو وعامله فى الفاعل، إذ فاعل الإعراض المخاطبون أى: لإعراضكم عن الإيمان، وفاعل الضرب هو الله تعالى أو بناء على أن فاعل الإعراض هو الله تعالى أى: لإعراضنا عنكم، وعدم إقبالنا عليكم بالتكاليف،

стр. 810

أو معرضين (أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (١) فيمن قرأ إن بالكسر) فكونهم مسرفين أمر مقطوع به لكن جىء بلفظ إن لقصد التوبيخ وتصوير أن الإسراف من العاقل فى هذا المقام يجب ألا يكون إلا على سبيل الفرض والتقدير كالمحالات لاشتمال المقام على الآيات الدالة على أن الإسراف مما لا ينبغى أن يصدر عن العاقل أصلا فهو بمنزلة المحال، ... === ولا يقال: إن الضرب هو الإعراض والعلة تغاير المعلول؛ لأنا نقول ضرب الذكر عنهم جعله مخاطبا به غيرهم دونهم وعدم إنزاله لهم وهو ملزوم للإعراض الذى هو عدم الإقبال عليهم بالتكاليف وإهمالهم منها لا نفسه كما لا يخفى أو بناء على أن المراد اعتبارا لإعراضكم وفاعل الاعتبار والضرب هو الله (قوله: أو معرضين) يشير إلى جواز كون صفحا حالا، واعلم أن الضرب فى الأصل الذود والدفع، يقال: ضرب الغرائب عن الحوض ذادها ودفعها، وحينئذ فنضرب إما استعارة تصريحية لترك إنزاله لهم أو أنه استعارة تخيلية حيث شبه الذكر بغرائب تذاد وتدفع عن الحوض مثلا واستعير اسم المشبه به للمشبه فى النفس، ثم حذف المشبه به وهو الغرائب وذكر شىء من لوازمه وهو الضرب على طريق المكنية والضرب تخييل للمكنية وهى لفظ الغرائب المطوى، أو لفظ الذكر المذكور، أو التشبيه المضمر على اختلاف المذاهب (قوله: فيمن قرأ) أى: فى قراءة من قرأ بالكسر وهذا متعلق بمحذوف خبر لمحذوف أى: فإن شرط فى قراءة من قرأه بالكسر أى: وأما فى قراءة من قرأ بالفتح فهو فى محل المفعول من أجله، والمعنى لأن كنتم قوما مسرفين أى: مستهزئين بآيات الله وكتابه، ثم إنه على قراءة الفتح يتعين إعراب صفحا حالا أو مفعولا مطلقا، ولا يجوز أن يكون مفعولا له؛ لأنه لا يتعدد وعلى قراءة الكسر بإن الشرطية يكون جواب الشرط محذوفا دل عليه ما قبله، أو أن نفس ما قبلها هو الجواب أو لا يحتاج إلى جواب لوقوع الجملة الشرطية حالا فاستغنت عن الجزاء لتجردها على معنى الشرط والمعنى مفروضا كونكم مسرفين، ونظير الآية فى الوجهين المذكورين زيد وإن كثر ماله بخيل (قوله: وتصوير أن الإسراف)

стр. 811

والمحال وإن كان مقطوعا بعدم وقوعه لكنهم يستعملون فيه إن لتنزيله منزلة ما لا قطع بعدمه على سبيل المساهلة وإرخاء العنان لقصد التبكيت ... === أى: تبيين أن الاستهزاء بآيات الله وكتابه فى هذا المقام الذى أورد فى شأنه هذا الكلام وهو مقام ظهور الآيات ونزول القرآن. (قوله: والمحال وإن كان إلخ) هذا جواب عما يقال إذا كان الإسراف بمنزلة المحال فلا تستعمل فيه إن لما مر أنه يشترط فيها عدم الجزم بوقوع الشرط ولا وقوعه، والمحال مقطوع بعدم وقوعه، وحينئذ فلا تستعمل فيه إن، وحاصل الجواب أن المحال: وإن كان ليس محلا لأن بحسب الأصل لكونه مقطوعا بعدم وقوعه، لكن كثيرا ما ينزل منزلة المشكوك وهو ما لا قطع بعدمه ولا بوجوده لإرخاء العنان لتبكيت الخصم فتدخل عليه إن، وحاصل كلام الشارح أن فى الآية تنزيلين: الأول: تنزيل الإسراف المقطوع به منزلة المحال المقطوع بعدمه. الثانى: تنزيل المحال منزلة المشكوك فيه الذى لا قطع بعدمه ولا بوجوده على سبيل المساهلة وإرخاء العنان لقصد التبكيت، فأدخلت عليه إن، فالتنزيل الأول وسيلة للثانى الذى هو موقع لأن، واعترض بأن اعتبار التنزيلين أمر لا يتعين، إذ يصح أن يكون فيها تنزيل واحد وهو تنزيل الإسراف المقطوع به منزلة ما لا قطع بعدمه ولا بوجوده الذى هو موقع إن، ولا داعى إلى اعتبار التنزيلين فى الآية، وأجيب بجوايين: الأول: أن اعتبار التنزيلين أبلغ فى التوبيخ، إذ لو نزل ابتداء كذلك فات اعتبار محاليته وهى نكتة مطلوبة لاقتضاء المقام لها لإفادتها المبالغة التامة فى التوبيخ. الثانى: أن تنزيل المقطوع به منزلة المشكوك فيه قليل وتنزيل المقطوع بعدمه منزلة المشكوك فيه كثير، فجعل التنزيل الأول واسطة ليجرى على الكثير وظهر مما ذكرناه أن الشرط هنا أعنى قوله: إن كنتم قوما مسرفين مقطوع بوقوعه، لكن أدخلت عليه إن للتوبيخ وتبيين أنه لا يصلح إلا أن يفرض كما يفرض المحال بعد تنزيله منزلته نظرا لوجود ما يزيله (قوله: لقصد التبكيت) أى: إسكات الخصم

стр. 812

كما فى قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (١) (أو تغليب غير المتصف به) أى: بالشرط (على المتصف به) كما إذا كان القيام ... === وإلزامه من حيث إن المتكلم إذا تنزل مع مدعى المحال، وأظهر مدعاه المحال فى صورة المشكوك اطمأن لاستماعه، فحينئذ يرتب عليه لازما مسلم الانتفاء كما فى آية: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا (٢) وكأن يقال لمن يعتقد أن العالم قديم وأنه ممكن بذاته: لو كان العالم قديما للزم استغناؤه عن الفاعل، فلا يكون ممكنا، وأنت تقول بإمكانه أو يرتب عليه لازما قاطعا لرجائه بتمكنه فى ذهنه كما فى آية: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ بناء على أن المراد فأنا أول النافين لذلك الولد العابدين لله فإذا رتب الخصم ذلك اللازم سكت المدعى، وانقطع وسلم والتزم بما كان لا يقول به كذا قيل لكنه بعيد من جهة أن التعليق على وجود ولد فى الواقع؛ لأنه المحال لا فى زعمهم، إذ ليس هذا محالا وكلامنا فى المحال، وقيل المعنى: إن صح وثبت ببرهان يقينى وحجة واضحة أن للرحمن ولدا موجودا خارجا فأنا أول المطيعين لذلك الولد أى: فأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك تعظيما لأبيه، لكنه لم يثبت بالبرهان والحجة الواضحة أن له ولدا فأنا أعبد ربى وحده فكون الرحمن له ولد محال، فنزل ذلك الأمر المقطوع بانتفائه منزلة المشكوك فيه، واستعمل فيه إن تبكيتا للمخاطبين (قوله: أو تغليب) عطف على عدم جزم، وقوله: غير المتصف به أى: غير محقق الاتصاف بالشرط وهو المشكوك فى اتصافه به الذى هو موقع إن، وقوله على المتصف به أى: بالفعل فيما إذا كانت أداة الشرط داخلة على كان أو من تحقق أنه سيتصف به فى المستقبل فيما إذا كانت غير داخلة على كان فيصير الجميع كالمشكوك فيه، وهذا التقرير يدل عليه قول الشارح كما إذا كان القيام إلخ، فإن قلت: حيث صار اتصاف الجميع بالشرط كالمشكوك فيه بسبب تغليب المشكوك فى اتصافه بالشرط على المتصف به تحقيقا كان استعمال إن فى موضعها وهو ما يشك فيه، وحينئذ فلم يكن

стр. 813

قطعى الحصول لزيد غير قطعى لعمرو فتقول: إن قمتما كان كذا ... === هذا الموضع مما نحن فيه وهو استعمال إن فى الجزم بالشرط على خلاف الأصل، قلت: صيرورة الجميع كالمشكوك فيه أمر تقديرى فلا ينافى أن بعضهم ليس مشكوكا فى اتصافه به فى الواقع، بل مجزوم باتصافه به فالإتيان بإن بالنظر لذلك البعض خروج عن الأصل، وبالنظر للمشكوك فى اتصافه به جار على الأصل، واعلم أن هذا التقدير الذى قيل هنا يصح باعتباره فى الآية الآتية بأن يقال غلب غير المرتاب أى: غير محقق الاتصاف بالريب وهو المشكوك فى ريبه على المرتابين جزما فصار الجميع كالمشكوك فى اتصافهم بالريب، فاستعمال إن بالنظر للمشكوك فى ريبه على الأصل، وبالنسبة للمرتاب جزما على خلاف الأصل، وعلى هذا لا يرد بحث أصلا- كذا قيل، وفيه أن هذا لا يتم إلا لو كان المخاطبون بعضهم مرتابا وبعضهم مشكوكا فى ارتيابه، والواقع خلاف ذلك، فقد كان بعضهم مرتابا وبعضهم غير مرتاب يعلم أنه من عند الله، ولكن ينكر ذلك عنادا (قوله: قطعى الحصول لزيد) أى: بالفعل أو فى المستقبل وقوله غير قطعى لعمرو أى: بل مشكوك فى اتصافه به فى المستقبل (قوله: فتقول إن قمتما كان كذا) أى تغليبا لمن لم يقطع له بالقيام على من قطع له بالقيام، فاستعملت إن فى المجزوم وهو من القيام قطعى الحصول له بسبب تغليب من القيام غير قطعى له عليه، فإن قلت كيف يغلب غير المتصف وهو عدمى على المتصف وهو وجودى قلت يجوز ذلك باعتبار كون غير المتصف بالشرط أكثر أفرادا من المتصف به فى الواقع أو باعتبار كون عدم الاتصاف هو الأصل، فإن قلت إن الشرط هو الهيئة المركبة من وقوع القيامين، ولا شك أنه مشكوك فيها بسبب الشك فى أحد جزأيها، وحينئذ فتكون إن هنا مستعملة على الأصل لا فى الأمر المجزوم به على خلاف الأصل، وهذا خروج عما نحن بصدده وتوضيح ذلك أنه إذا كان خمسة رجال متوضئين وخمسة غير متوضئين، ثم خلط الجميع فلا نحكم على الجميع بأنهم متوضئون قطعا ولا بعدم الوضوء قطعا، فكذلك إذا خلط المتصفون بالقيام قطعا وغير المتصفين به قطعا، فالهيئة الاجتماعية لا يقطع بقيامها ولا بعدم قيامها أجيب بأن قوله: إن قمتما إلخ، من باب الكلية أى: إن قام

стр. 814

(وقوله تعالى: ) للمخاطبين المرتابين (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا (١) يحتملهما) أى: يحتمل أن يكون للتوبيخ والتصوير المذكور أن يكون لتغليب غير المرتابين على المرتابين؛ لأنه كان فى المخاطبين من يعرف الحق وإنما ينكر عنادا فجعل الجميع كأنه لا ارتياب لهم؛ ... === كل منكما، ولا شك أن أحدهما مقطوع بقيامه، فاستعمال إن فيه على خلاف الأصل للتغليب المذكور لا من باب الكل حتى يتأتى الاعتراض- قرر ذلك شيخنا العلامة العدوى عليه سحائب الرحمة والرضوان. (قوله للمخاطبين المرتابين) جعله المخاطبين مرتابين ظاهر على الاحتمال الأول لا على الثانى؛ لأنهم عليه بعضهم مرتاب وبعضهم غير مرتاب، إلا أن يقال جعلهم مرتابين وإن كان بعضهم غير مرتاب باعتبار التغليب الذى سيبينه- كذا قيل، وفيه أن التغليب الذى سيذكره إنما يقتضى جعل المخاطبين غير مرتابين- فتأمل. (قوله: يحتمل أن يكون للتوبيخ) أى: يحتمل أن تكون إن هنا مستعملة فى الأمر المجزوم به للتوبيخ بناء على أن الخطاب للمرتابين، لأنهم الموبخون على الريب، وأن الريب نزل منزلة المستحيل لوجود الأدلة الدالة على أن الريب فيما أنزل لا ينبغى صدوره من عاقل، ثم نزل ذلك المستحيل منزلة ما لا قطع بعدمه ولا بوجوده وهو المشكوك فيه، فلذا استعمل فيه إن (قوله: والتصوير المذكور) أى تبيين أن الارتياب مما لا ينبغى أن يثبت لهم إلا على سبيل الفرض لاشتمال المقام على ما يزيله ويقلعه من أصله وهو الآيات على أنه من عند الله (قوله: لتغليب غير المرتابين) أى: من المخاطبين، وقوله على المرتابين يعنى: منهم، وهذا التقرير هو الذى يقتضيه قول المصنف، أو تغليب غير المتصف به (قوله: لأنه كان إلخ) علة لقوله على المرتابين، وأشار بهذا إلى أن المراد بغير المرتابين فى هذا المقام من لم يتصف بالريب أصلا، بل يعرف الحق وينكر عنادا لا من شك فى ريبه لأمرين: الأول: ما علم من أن المخاطبين منهم من يعرف الحق وإنما ينكر عنادا، قال تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٢) ووَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ

стр. 815

وهاهنا بحث وهو أنه إذا جعل الجميع بمنزلة غير المرتابين كان الشرط قطعى اللاوقوع فلا يصح استعمال إن فيه، كما إذا كان قطعى الوقوع لأنها إنما تستعمل فى المعانى المحتملة المشكوكة ... === لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٢) الثانى على ما قيل إن المخاطب بكسر الطاء بهذا الكلام هو الله تعالى: ولا معنى لكون غير المرتاب هو المشكوك فى ريبه بالنسبة إليه تعالى لاستحالة الشك عليه تعالى (قوله: وهاهنا بحث) أى وارد على الاحتمال الثانى (قوله: كان الشرط قطعى اللاوقوع) أى: لأن المغلبين لم يحصل منهم ريب أصلا، فإذا غلبوا على المرتابين صار الجميع لا ارتياب عندهم، وحينئذ فيكون الشرط مقطوعا بانتفائه فلا يصلح لاستعمال إن فيه ولا إذا، والحاصل أن حقيقة التغليب أن يوجد ما للكلمة وما ليس لها ويغلب ما لها على ما ليس لها وهنا ليس كذلك، إذ البعض مرتاب قطعا والبعض غير مرتاب قطعا، فإذا غلب غير المرتاب على المرتاب صار الجميع لا ارتياب عندهم فلم يوجد ما يليق بإن، وحينئذ فلا يتم ما ذكره المصنف من احتمال كون إن فى الآية مستعملة فى الأمر المجزوم به للتغليب، لأن التغليب يؤدى لعدم صحة التعبير بها، وأشار الشارح لجواب ذلك البحث بقوله الآتى: بل لا بد إلخ، وحاصله أنه بعد التغليب وتصيير الجمع غير مرتابين وتصيير الريب منفى الوقوع فرض ذلك الريب كما يفرض المحال لتبكيت الخصم وإلزامه، وذلك بأن نزل ذلك الريب المقطوع بعدمه منزلة المشكوك فيه فصح استعمال إن فيه، لأنها صارت مستعملة فى موضعها الأصلى وهو المشكوك فيه ففيه تصرفان كما فى قوله تعالى: أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ فى قراءة الكسر على ما مر، فإن قلت حيث كانت إن هنا مستعملة فى موضعها وهو ما يشك فيه، فلم تكن الآية مما نحن بصدده وهو استعمال إن فى الجزم بالشرط على خلاف الأصل- قلت: تقدم جوابه، وحاصله أن صيرورة جميع المخاطبين لا ارتياب عندهم بالتغليب أمر تقديرى فلا ينافى أن بعضهم فى نفس الأمر مرتاب قطعا، فالإتيان بإن بالنظر لذلك البعض على خلاف الأصل.

стр. 816

وليس المعنى هاهنا على حدوث الارتياب فى المستقبل ولهذا زعم الكوفيون أن إن هاهنا بمعنى إذ، ونص المبرد والزجاج على أن إن لا تقلب كان إلى معنى الاستقبال لقوة دلالته على المضى ... === (قوله: وليس المعنى إلخ) هذا جواب عما يقال أى: حاجة إلى هذا التغليب المستلزم لإيراد الإشكال المذكور المحتاج فى دفعه إلى التنزيل الآتى مع أن أداة الشرط وهى إن تقلب الماضى الواقع بعدها للاستقبال والأمور المستقبلة من شأنها أن يشك فيها وإن كان الشك بالنسبة إليه تعالى محالا، لكن يجرى الكلام على النسق العربى وعلى الوجه الذى يجرى عليه على تقدير أن ينطق به مخلوق، وحاصل الجواب أن محل كون إن الشرطية تقلب الفعل الماضى الواقع بعدها للاستقبال ما لم يكن الفعل كان وإلا بقى على مضيه، وحينئذ فليس الشرط هنا وقوع الارتياب منهم فى المستقبل، بل فى الماضى، وحينئذ فلا بد من التغليب والفرض المذكور أى: فرض قطعى اللاوقوع كما يفرض المحال بأن ينزل منزلة المشكوك فيه لتبكيت الخصم ليصح كونه موقعا؛ لأن، هذا محصل كلام الشارح (قوله: ولهذا) أى: ولأجل كون المعنى ليس على حدوث الارتياب فى المستقبل (قوله: بمعنى إذ) أى: ومعلوم أن إذ ظرف بمعنى الزمان الماضى وقوله: هاهنا أى: فى هذه الآية وما ماثلها، (قوله: ونص المبرد إلخ) كان الأولى تقديمه على قوله: ولهذا؛ لأن هذا دليل للدعوى وهى قوله: وليس المعنى هاهنا إلخ- تأمل. (قوله: لقوة دلالته إلخ) أى: لأن الحدث المطلق الذى هو مدلولها مستفاد من الخبر فلا يستفاد منها إلا الزمان الماضى- كذا فى المطول، وبيانه أن خبرها كون خاص كالانطلاق، ويلزمه الكون العام فالكون المطلق الذى هو مدلولها صار مستفادا من خبرها فى ضمن استفادة الحدث المخصوص منه، وحينئذ فلا يستفاد منها إلا الزمان الماضى، هذا، والصحيح أن كان الواقعة بعد إن الشرطية بمنزلة غيرها من الأفعال الماضية، كما هو مذهب الجمهور. قال الجزولى: والماضى بالوضع له قرائن تصرف معناه إلى الاستقبال دون لفظه وهى أدوات الشرط كلها إلا لو ولما ولو كانت إن لا تقلب معنى كان إلى الاستقبال لما جاز وقوعها بعدها، والمراد بها الاستقبال فى قوله تعالى:

стр. 817

فمجرد التغليب لا يصحح استعمال إن هاهنا بل لا بد من أن يقال: لما غلب صار الجميع بمنزلة غير المرتابين فصار الشرط قطعى الانتفاء فاستعمل فيه إن على سبيل الفرض والتقدير للتبكيت والإلزام كقوله تعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا (١) وقُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٢). [استطراد إلى التغليب]: (والتغليب) باب واسع يجرى ... === وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (٣) (قوله: فمجرد إلخ) هذا هو البحث السابق أعاده ليرتب عليه الجواب وهو قوله: بل لا بد إلخ، وقوله: بل لا بد إلخ أى: بل يجب الجواب بذلك بناء على تفسير التغليب بما ذكره الشارح هنا فلا ينافى أنه على تفسيره بما قلناه سابقا نقلا عن المطول لا يجب ذلك إذ لا إشكال، (قوله: فاستعمل فيه إن على سبيل الفرض والتقدير) أى: بأن نزل الريب المقطوع بعدمه منزلة المشكوك فيه ففيه تنزيلان. الأول: تنزيل المرتابين منزلة غير المرتابين بسبب تغليبهم عليهم، والثانى: تنزيل الريب المقطوع بعدمه منزلة المشكوك فيه (قوله: للتبكيت) أى: لأجل إسكات الخصم وإلزامه بما لا يقول به؛ وذلك لأن الخصم إذا تنزل مع خصمه إلى إظهار مدعاه المحال فى صورة المشكوك فى وقوعه اطمأن لاستماعه منه، فيرتب له على ذلك لازما مسلم الانتفاء فيسكت الخصم ويسلم ويلتزم بما كان لا يقول به كما تقدم (قوله: فإن آمنوا إلخ) أى: فإن آمن الذين على غير دينكم بمماثل دينكم فى الحقيقة فقد اهتدوا، ولا شك أن وجود دين غيره حقا محال فنزل قطعى الانتفاء منزلة المشكوك فيه، واستعمل فيه إن على سبيل الفرض والتقدير (قوله: قل إن كان للرحمن ولد إلخ) أى: فكون الرحمن له ولد محال، فنزل ذلك الأمر المقطوع بانتفائه منزلة المشكوك فيه، واستعمل فيه إن على سبيل الفرض والتقدير (قوله: والتغليب إلخ) قال صاحب البيان: هو ترجيح أحد المعلومين على الآخر فى إطلاق لفظه عليهما والقيد الأخير لإخراج

стр. 818

ففى فنون كثيرة كقوله تعالى: وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١) غلب الذكر على الأنثى بأن أجرى الصفة المشتركة بينهما على طريقة إجرائها على الذكور خاصة فإن القنوت مما يوصف به الذكور والإناث لكن لفظ قانتين إنما يجرى على الذكور فقط ... === المشاكلة، وفى المطول: جميع باب التغليب من المجاز؛ لأن اللفظ فيه لم يستعمل فيما وضع له ألا ترى أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف، وإطلاقه على الذكور والإناث إطلاق على غير ما وضع له، وفى المغنى: أنهم يغلبون الشىء على غيره لتناسب بينهما أو اختلاط، والقوم وإن لم ينصوا على هذه فى علاقات المجاز المرسل، لكنهم نصوا على ما ترجع إليه وهو المجاورة، ويصح جعل التغليب من قبيل عموم المجاز ا. هـ. وبالجملة فالتغليب إما مجاز مرسل علاقته الجزئية أو المصاحبة، أو من قبيل عموم المجاز- فتأمل. (قوله: فى فنون) أى: فى تراكيب سنده من الكلام باعتبارات أحوال ولا يختص بالنوع السابق وهو إن فى مقام الجزم بوقوع الشرط على خلاف الأصل، وليس المراد بالفنون العلوم (قوله: غلب الذكر إلخ) ويحتمل أن يكون لفظ القانتين صفة لجمع مقدر أى: من جمع قانتين، ولفظ الجمع مذكر فيوصف حقيقة بوصف الذكور، وإن كان واقعا على مؤنث فلا تغليب. حينئذ. اهـ سم. (قوله بأن أجرى الصفة المشتركة بينهما) أى: وهى القنوت (قوله: على طريقة إجرائها على الذكور خاصة) أى: وهى جمعها بالياء والنون أى: بأن ذكرت تلك الصفة المشتركة على الطريقة المذكورة مرادا بها الذكور والإناث على سبيل المجاز المرسل والعلاقة البعضية، أو مرادا بها الذوات المتصفة بالقنوت على سبيل عموم المجاز (قوله: فإن القنوت مما يوصف به الذكور والإناث) أى: فيقال رجل قانت وامرأة قانتة، وهذا علة لكون القنوت صفة مشتركة بين المذكر والمؤنث (قوله: إنما يجرى على الذكور فقط) أى: لأن صيغة

стр. 819

(و) نحو: (قوله تعالى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١) ... === الجمع بالواو والياء والنون خاصة بالذكور، ونكتة هذا التغليب الإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال حتى عدت- أى مريم- من جملتهم وأدخلت فى التعبير عنهم، واعلم أن التغليب فى الآية مبنى على أن من تبعيضية، أما إذا كانت لابتداء الغاية، والمعنى وكانت مريم مبتدأة وناشئة من القوم القانتين؛ لأنها من نسل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ومن ذرية هرون أخى موسى فلا يتعين التغليب، إذ المراد بالقانتين محض الذكور من آبائها والوجه الأول أعنى جعل من تبعيضية وارتكاب التغليب فى الآية أحسن لفوات نكتة التغليب المذكور على الوجه الثانى، وفوات وصفها بجهات الفضل؛ لأن كونها من أعقاب الأنبياء الكرام القانتين لا يستلزم كونها قانتة، والغرض وصفها بالحسب أى: بالفضل والصلاح لا بالنسب. (قوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) اعترض بأن هذا من قبيل الالتفات لا من قبيل التغليب؛ وذلك لأن قوم اسم ظاهر غائب، فلما عدل عنه إلى الخطاب فى تجهلون فقد تحقق الالتفات، وأجيب بأنا لا نسلم أنه من الالتفات؛ وذلك لأن لفظ قوم له جهتان جهة غيبة وجهة خطاب ومراعاة كل منهما جرى على مقتضى الظاهر فلا يكون التفاتا؛ وذلك لأن قوما اسم ظاهر غائب، وقد حمل على أنتم فصار عبارة عن المخاطبين ثم إنه وصف بتجهلون اعتبارا لجهة خطابه الحاصلة بحمله على أنتم وترجيحا لها على جهة غيبته الثابتة له فى نفسه؛ لأن الخطاب أشرف وأدل وجانب المعنى أقوى وأكمل، وهذا فى الحقيقة اعتبار لجانب المعنى وترجيح له على جانب اللفظ وبهذا القدر لا يتغير الأسلوب ولا يتحقق النقل من طريق إلى طريق آخر الذى هو الالتفات، وبهذا يتضح صحة أنه من التغليب على ما فى الشارح. قال ابن جماعة: وفى جعل هذا من التغليب نظر، إذ هذا من ملاحظة المعنى وترجيحه على اللفظ، ومثل هذا لا يعد تغليبا، إذ لا يصدق على هذا ضابطه المتقدم عن صاحب البيان أعنى: ترجيح أحد المعلومين على الآخر فى إطلاق لفظه عليهما- فتأمل.

стр. 820

غلب جانب المعنى على جانب اللفظ لأن القياس: يجهلون- بياء الغيبة- لأن الضمير عائد على قوم ولفظه لفظة الغائب لكونه اسما مظهرا لكنه فى المعنى عبارة عن المخاطبين فغلب جانب الخطاب على جانب الغيبة. (ومنه: ) أى: ومن التغليب (أبوان) للأب والأم (ونحوه) كالعمرين لأبى بكر وعمر، والقمرين للشمس والقمر بأن يغلب أحد المتصاحبين أو المتشابهين على الآخر بأن يجعل الآخر ... === وهذا الاعتراض مبنى على ما مر عن صاحب البيان فى ضابط التغليب، أما على ما قاله غيره من أنه إعطاء أحد المتصاحبين أو المتشابهين حكم الآخر بأن يجعل الآخر موافقا له فى الهيئة أو المادة فلا يرد ذلك (قوله: غلب) أى: رجح جانب المعنى وهو الخطاب على جانب اللفظ وهو الغيبة نظرا لقوم (قوله: لكنه فى المعنى عبارة عن المخاطبين) أى: لأنه محمول على أنتم، فمدلول قوم هنا الذوات المخاطبون؛ لأن الخبر عين المبتدأ فى المعنى (قوله: فغلب جانب الخطاب إلخ) اعلم أن استعمال تجهلون فى ذلك الموضع مجاز وتوضيحه أن صيغة تجهلون موضوع للجماعة المخاطبين غير المذكورين بلفظ الغائب، فاستعمل فى الجماعة المخاطبين المذكورين بلفظ الغائب لعلاقة الصحبة أو الضدية أو المشابهة. (قوله: ومنه إلخ) فصله بمن عن النوعين السابقين تنبيها على أن بينه وبينهما تفاوتا، وذلك لشهرة كثير منه وتداوله فى مقامات عديدة: كالأبوين والعمرين، فكأنه قال: ومنه ما اشتهر من أبوين ونحوه، وهذا التغليب يسمى تغليب التثنية، وظاهر كلامهم أنه سماعى، بل صرح بذلك بعضهم. (قوله: والقمرين للشمس والقمر) وعليه قول المتنبى: (١) واستقبلت قمر السّماء بوجهها ... فأرتنى القمرين فى وقت معا أراد الشمس وهو وجهها وقمر السماء يعنى أن وجهها لشدة صقالته انطبعت فيه صورة القمر لما استقبلته، كما تنطبع الصورة فى المرآة فرأى برؤية وجهها الشمس والقمر فى آن واحد (قوله: وذلك) أى: وكيفية ذلك أى: التغليب، والباء فى قوله بأن

стр. 821

متفقا له فى الاسم ثم يثنى ذلك الاسم ويقصد اللفظ إليهما جميعا، فمثل أبوان ليس من قبيل قوله تعالى: وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١) كما توهمه بعضهم لأن الأبوة ليست صفة مشتركة بينهما كالقنوت. فالحاصل أن مخالفة الظاهر فى مثل القانتين من جهة الهيئة والصيغة، وفى مثل أبوان من جهة المادة وجوهر اللفظ بالكلية ... === يغلب للتصوير أى: وكيفية التغليب مصورة بتغليب أحد المتصاحبين أى: كما فى أبى بكر وعمر، وقوله: أو المتشابهين أى كالشمس والقمر، وقوله: بأن يجعل تفسير لتغليب أحد الأمرين المذكورين (قوله: متفقا له) أى: معه (قوله: ثم يثنى ذلك الاسم) أى: على مذهب ابن الحاجب القائل بأن مجرد التوافق فى الاسم يكفى فى التثنية الحقيقية، وإن لم يحصل اتفاق فى المعنى لا على مذهب الجمهور القائلين: لا بد فيها من الاتفاق فى المعنى أيضا، وإلا لم يكن مثنى حقيقة، بل ملحق به ولذلك تأولوا الزيدين بالمسميين بزيد وجعلوا مثل قرأين للحيض والطهر والعينين للشمس والذهب وباب التغليب ملحقا بالمثنى إلا إذا أول نحو القمرين بالمسميين بذلك. واعلم أن شأنهم أن يغلبوا المذكر أو الأخف أو الأشرف والمذكر يغلب على غيره، وإن كان غيره أخف والأخف يقدم على غيره، وإن كان غيره أشرف، والادعاء فى سبب التغليب كاف (قوله: ويقصد اللفظ) أى: ويطلق اللفظ عليهما جميعا (قوله: من جهة الهيئة) أى: لأن هيئة قانتين غير هيئة قانتات، وقوله من جهة الهيئة أى: لا من جهة المادة؛ لان مادة القنوت تكون للذكر والأنثى، وقوله: والصيغة عطف تفسير (قوله: وفى مثل أبوان من: جهة المادة) أى: لأن مادة الأب غير مادة الأم، وقوله وجوهر اللفظ أى: ذات اللفظ عطف تفسير، والحاصل أن الأبوان نوع من التغليب غير النوع السابق وهو وكانت من القانتين، وقوله بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فلذا فصله بمن تنبيها على التفاوت بينه وبين السابقين،

стр. 822

(ولكونهما) أى: إن وإذا (لتعليق أمر) هو حصول مضمون الجزاء (بغيره) يعنى حصول مضمون الشرط (فى الاستقبال) متعلق بغيره على معنى أنه يجعل حصول الجزاء مترتبا ومتعلقا على حصول الشرط فى الاستقبال ... === فإن السابقين للمفرد المغلوب حق فى اللفظ قبل التغليب، وإنما غلب ما هو زائد على جوهر اللفظ من الهيئة، وهذا ليس للمفرد المغلوب حق فى اللفظ قبل التغليب أصلا هنا، ثم إن قوله وفى مثل أبوان إلخ: يشعر بأنه لا تجوز فى أبوان من جهة الهيئة وليس كذلك؛ لأن هيئة التثنية موضوعة للمشتركين فى المعنى واللفظ كالزيدين على مذهب الجمهور أو بحسب اللفظ فقط كما هو مذهب ابن الحاجب والأبوان هيئتهما ليست كذلك، فيكون التجوز واقعا فى الهيئة كالمادة، وقد يقال: إنما اقتصر على جهة المادة؛ لأنها جهة الافتراق بين مثل أبوان ومثل القانتين، لكن ارتكاب المجاز فى المادة فى مثل أبوين لضرورة الهيئة، إذ هيئة التثنية لا تمكن إلا بعد تغيير مادة أحد الشيئين إلى مادة الآخر (قوله: ولكونهما إلخ) علة قدمت على معلولها وهو كان كل إلخ ليقع فى ذهن السامع الحكم معللا من أول وهلة فيكون أثبت وأوقع فى النفس من الحكم المنتظر علته (قوله: بغيره) الباء بمعنى على (قوله: متعلق بغيره) أى: فمعنى الكلام أن إن وإذا يفيدان أن المتكلم علق فى حال التكلم حصول الجزاء فى الاستقبال على حصول الشرط فى ذلك الاستقبال، وقوله: متعلق بغيره أى: تعلقا اصطلاحيا فيكون ظرفا لغوا- وفيه نظر، فإن الغير اسم جامد لا يصح أن يتعلق به الظرف، وأجيب بأنه إنما صح التعلق به؛ لأن لفظ الغير واقع على الحصول الذى هو مصدر فأعطى ما هو بمعنى المصدر حكم المصدر، وإذا صح عمل الضمير العائد على المصدر فى الظرف فى قوله (١): وما الحرب إلّا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم فأولى اسم الظاهر الذى هو بمعنى المصدر، ولهذا قال الشارح على معنى إلخ فهو يشير إلى ما قلنا، وفيه إشارة إلى أن ترتب الجزاء على الشرط جعلى لا عادى ولا شرعى

стр. 823

ولا يجوز أن يتعلق بتعليق أمر لأن التعليق إنما هو فى زمان التكلم لا فى الاستقبال؛ ألا ترى أنك إذا قلت: إن دخلت الدار فأنت حر- فقد علقت فى هذه الحالة حريته على دخول الدار فى الاستقبال (كان كل من جملتى كل) من إن وإذا يعنى الشرط والجزاء (فعلية استقبالية) أما الشرط: فلأنه مفروض الحصول فى الاستقبال فيمتنع ثبوته ومضيه، وأما الجزاء: فلأن حصوله معلق على حصول الشرط فى الاستقبال ويمتنع تعليق حصول الحاصل الثابت على حصول ما يحصل فى المستقبل === ولا عقلى، فإن قلت: إن دخلت الدار فأنت حر كان ترتب الحرية على الدخول بالتزام المتكلم وجعله، لا باستلزامه إياه عقلا أو شرعا أو عادة (قوله: ولا يجوز أن يتعلق إلخ) نوقش هذا بأن التعليق، وإن لم يكن مستقبلا بحسب ذاته؛ لأنه جعل شىء معلقا على شىء وهو حالى إلا أنه مستقبل من حيث متعلقه أعنى: المعلق والمعلق عليه فما المانع من جواز التعليق به للعلم باستقباليته من حيث متعلقه. (قوله: أى من إن وإذا) بيان لكل الثانية (قوله: يعنى الشرط والجزاء) بيان للجملتين اللتين هما بيان لكل الأولى، وحاصل المعنى: ولأجل إفادة إن وإذا ما تقدم كانت كل جملة من جملتى الشرط والجزاء- المنسوبتين لكل واحد من إن وإذا- فعلية استقبالية بأن تصدر بالمضارع، فيقال فيهما مثلا: إن تجئ أكرمك، وإذا تجئ أكرمك فلا تكون واحدة منهما اسمية ولا ماضوية (قوله: أما الشرط) أى: أما اقتضاء العلة لكون جملة الشرط فعلية استقبالية (قوله: فلأنه مفروض الحصول فى الاستقبال) أى: للأنا أفدنا فى التعليق أنه هو الذى إذا حصل فى الاستقبال حصل غيره (قوله: فيمتنع ثبوته) أى الذى هو مفاد الاسمية، وقوله ومضيه أى: الذى هو مفاد الماضوية، وقد يقال: اقتضاء العلة الاستقبالية جملة الشرط مسلم، وأما اقتضاؤها للفعلية فلا؛ لجواز أن تكون جملة الشرط اسمية استقبالية من حيث خبرها لكونه فعلا نحو: زيد ينطلق، فإنها تفيد الاستمرار التجددى، وأجيب بأن الجملة الاسمية من حيث هى اسمية لا تدل على حدوث ولا تجدد، إذ شأنها أن تدل على مجرد الثبوت والحصول، فلذا اشترط فى الجملة الشرطية كونها فعلية (قوله: وأما الجزاء) أى: وأما اقتضاء العلة لكون جملة الجزاء فعلية استقبالية (قوله: ويمتنع تعليق حصول الحاصل) أى: فيما مضى أو الآن على حصول ما

стр. 824

(ولا يخالف ذلك لفظا إلا لنكتة) لامتناع مخالفة مقتضى الظاهر من غير فائدة، وقوله: لفظا إشارة إلى أن الجملتين وإن جعلت كلتاهما أو إحداهما اسمية أو فعلية ماضوية === يحصل فى المستقبل، هذا وما ذكره من الامتناع ظاهر إن كان معنى تعليق الجزاء على الشرط أن الشرط إذا حصل يحصل الجزاء بعده، لكن لا نسلم أن هذا معنى التعليق، بل معناه جعل الشرط سببا فى حصول الجزاء، وإذا كان كذلك فيقال: إنه لا مانع من كون ما يأتى سببا فيما يحصل الآن كما إذا قلت: إن كان زيد يبرأ غدا فنحن نفرح الآن، وقد يقال نمنع أن يكون الفرح الحاصل الآن مسببا عما يحصل فى المستقبل وهو البرء بالفعل، بل هو مسبب عن شىء حصل الآن وهو إخبار الصادق بأن البرء يحصل فى المستقبل، ولا شك أن هذا سابق على الفرح فمعنى التركيب حينئذ إن ثبت أن زيدا يبرأ فى المستقبل فنحن نفرح الآن (قوله: ولا يخالف ذلك) أى: ما ذكر من كون كل من جملتى الشرط والجزاء فعلية استقبالية بأن تكون الجملتان غير فعليتين، أو غير استقباليتين فى لفظهما، أو من جهة لفظهما، لا يقال يرد عليه قوله الآتى، وقد تستعمل إن فى غير الاستقبال إلخ، فإنه إذا جاز استعمالها قليلا لغير الاستقبال من غير نكتة لم يصح قوله ولا يخالف ذلك إلا لنكتة، ولم يصح التعليل بقوله لامتناع مخالفة إلخ؛ لأنا نقول الكلام هنا حيث أريد الاستقبال بدليل أن هذا مرتب على قوله سابقا ولكونهما لتعليق أمر بغيره فى الاستقبال إلخ، وقوله وقد تستعمل إلخ حيث أريد غير الاستقبال فهو مسألة أخرى ا. هـ سم. (قوله: إلا لنكتة) أى: إلا لفائدة، وذلك لأن ظاهر الحال يقتضى مراعاة الموافقة بين اللفظ والمعنى فلا يعدل عن الموافقة المذكورة إلا لنكتة، والعدول عنها بلا نكتة ممنوع فى باب البلاغة (قوله: اسمية) راجع لقوله: أو إحداهما، وقوله: أو فعلية ماضوية راجع لكل من الأمرين، وأورد عليه أن جملة الشرط لا تكون إلا فعلية، والجواب أن بعض النحويين: كالأخفش جوز كون شرط إذا جملة اسمية كما فى إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) فلعل الشارح بنى كلامه على ذلك، أو أراد بقوله: أو إحداهما

стр. 825

فالمعنى على الاستقبال حتى أن قولنا: إن أكرمتنى الآن فقد أكرمتك أمس- معناه: إن تعتد بإكرامك إياى الآن فأعتد بإكرامى إياك أمس، وقد تستعمل إن فى غير الاستقبال قياسا مطردا مع كان نحو: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ (١) كما مر، ... === أحدا معينا وهو جملة الجزاء (قوله: فالمعنى على الاستقبال) أى: فالمعنى لا تمكن المخالفة فيه بخلاف اللفظ، فإنه قد يخالف لنكتة (قوله: حتى إن قلنا إلخ) مبالغة فى كون المعنى على الاستقبال، فكأنه قال: فالمعنى على الاستقبال حتى فى هذا المثال المتوهم فيه عدم الاستقبال بسبب التقييد بالآن والأمس، ولما كان ظاهر الجملتين أنهما ماضويتان لفظا ومعنى احتيج فيهما لهذا التأويل لئلا تنخرم القاعدة (قوله: إن تعتد) أى: إن تعد إكرامك إياى الآن وتمن به علىّ فأعتد بإكرامى إياك أمس أى: فأعده وأمنّ به فالاعتداد الواقع شرطا وجزاء استقبالى والآن والأمس ظرفان للإكرام لا للاعتداد، قوله: فأعتد إلخ: هو بصيغة المضارع أو الأمر بناء على ما جوزه الشارح من كون الجزاء قد يكون إنشاء بلا تأويل؛ وذلك لأنه لما كان الغرض من الجزاء بيان ما يترتب على الشرط صح كونه أمرا لدلالته على الحدث فى الاستقبال، فيجوز أن يترتب على الشرط بخلاف الشرط، فإنه مفروض الصدق فى الاستقبال فلا يكون إنشاء (قوله: وقد تستعمل إن فى غير الاستقبال) أى: وهو الماضى حقيقة أى: لفظا ومعنى ذلك فيما إذا قصد بها تعليق الجزاء على حصول الشرط فى الماضى، ولا يقال هذا ينافى قوله سابقا، أما الشرط فلأنه مفروض الحصول فى الاستقبال؛ لأنا نقول هذا فيما إذا استعملت للتعليق فى المستقبل كما هو فى الغالب، واعلم أنه كما إن قد تستعمل فى غير الاستقبال قد تستعمل إذا للماضى نحو: حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ (٢) وللاستمرار نحو: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا (٣) (قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) فيه إنه إن كان المعلق عليه حقيقة هذا الفعل فهو مشكل؛ لأن المعلق مستقبل ولا يمكن تعليقه بالماضى، وإن كان التقدير: وإن ثبت فى المستقبل كونكم مرتابين فيما مضى فأتوا بسورة إلخ،

стр. 826

وكذلك إذا جىء بها فى مقام التأكيد بعد واو الحال لمجرد الوصل والربط دون الشرط نحو: زيد وإن كثر ماله بخيل وعمرو وإن أعطى جاها لئيم؛ وفى غير ذلك قليلا ... === كانت إن لم تستعمل حقيقة إلا مع المستقبل، وقد يجاب باختيار الأول إلا أن فى الكلام حذفا أى: وإن كنتم فى ريب فيما مضى واستمر ذلك الريب لوقت الخطاب فأتوا بسورة أى: فأنتم مطالبون بما يزيله وهو المعارضة المفيدة للجزم للعلم بأن المأمور بطلب المعارضة هو المرتاب فى الحين لا الذى سبق منه الريب وهو الآن مؤمن (قوله: وكذا إذا جىء بها) أى: بأن وقوله فى مقام التأكيد أى: تأكيد الحكم (قوله: بعد واو الحال) اعلم أن العامل فى هذه الحال وصف مأخوذ من الكلام أى: زيد متصف بالبخل حال كونه مفروضا كثرة ماله، وقول بعضهم العامل فيها المشتق الذى اشتمل عليه الكلام فيه نظر، إذ لا يطرد ذلك فقد لا يكون فى الكلام مشتق نحو: زيد وإن أساء أخوك (قوله: لمجرد الوصل) أى: وصل ما بعدها وهو الجملة الحالية بما قبلها وهو صاحبها أى: ربطه به، ثم إن المراد أنها للوصل مع الواو لا أنها مفيدة للوصل وحدها (قوله: والربط) عطف تفسير (قوله: دون الشرط) أى: التعليق أى: وحينئذ فلا يكون؛ لأن هذه جواب؛ لأنه لا يكون لها جواب إلا إذا أريد بها التعليق، وهنا قد انسلخت عن التعليق للوصل والربط، وإذ قد علمت أن إن هذه لا تحتاج إلى جواب فهى خارجة عما نحن بصدده وهو إن الشرطية؛ لأن جملة إن هذه حالية لا شرطية (قوله: زيد وإن كثر ماله بخيل) أى: زيد بخيل، والحال أن ماله كثير أى: إنه بخيل فى حال كثرة ماله، ولا شك أن هذا تأكيد للبخل؛ لأنه إذا ثبت له البخل حال كثرة المال دل على ملازمة البخل له وأنه لا ينفك عنه (قوله: وفى غير ذلك) أى: وقد تستعمل إن فى غير الاستقبال مع كونها للشرط فى غير ما ذكر من الأمرين السابقين قليلا (قوله: كقوله) أى: قول أبى العلاء المعرى فيا وطنى إلخ: وهذا البيت من قصيدة مطلعها: مغانى اللّوى من شخصك اليوم أطلال ... وفى النّوم معنى من خيالك محلال وبعد البيت المذكور فى الشرح:

стр. 827

كقوله: فيا وطنى إن فاتنى بك سابق ... من الدّهر فلينعم لساكنك البال ثم أشار إلى تفصيل النكتة الداعية إلى العدول عن لفظ الفعل المستقبل بقوله: (كإبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل ... === فإن أستطع آتيك فى الحشر زائرا ... وهيهات لى يوم القيامة أشغال وقوله: إن فاتنى أى إن فوتنى، وقوله من الدهر: بيان للسابق، والباء فى قوله: بك بمعنى فى أى: إن فوتنى من السكنى فيك دهر سابق على حد قوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ (١)، وقوله: فلينعم بفتح العين على صيغة المبنى للمفعول، لكن بمعنى المبنى للفاعل- كذا ذكر بعضهم، والذى ذكره شيخنا العلامة العدوى: أنه بفتح الياء والعين ناقلا ذلك عن كتب اللغة، والبال بمعنى القلب، والمعنى: فليجعل قلبه متنعما وجواب إن محذوف أى: فلا لوم علىّ: لأنى قد تركتك كرها من غير عيب فيك دل عليه قوله: فلينعم لساكنك البال، ومعنى البيت: إنه إن كان زمن سابق من الدهر فوت علىّ الإقامة والسكنى فى وطنى ولم يتيسر لى الإقامة فيه وتولاه غير فلا لوم علىّ؛ لأنى تركته من غير عيب فيه، وحينئذ فلتطب نفس ذلك الساكن ولينعم بالا والغرض من ذلك إظهار التحسر والتحزن على مفارقة الوطن، والشاهد فى قوله: إن فاتنى، فإنها مستعملة فى الماضى لفظا ومعنى بقلة (قوله: إلى تفصيل النكتة) أى: إلى تفصيل سبب النكتة فهو على حذف مضاف؛ وذلك لأنه لم يذكر إلا نكتة واحدة، وذكر لها أسبابا عدة على ما ذكره الشارح كما سيظهر لك لا على ما ذكره الزاعم. (قوله: كإبراز) أى: إظهار، وقوله غير الحاصل: وهو الأمر المستقبل (قوله: فى معرض الحاصل) معرض: كمسجد اسم لموضع عرض الشىء أى ذكره وظهوره وموضع الذكر والظهور للشىء عبارة عن اللفظ الدال عليه فهو مكان اعتبارى لا حقيقى والمعنى كإظهار المعنى الاستقبالى الغير الحاصل باللفظ الدال على المعنى الحاصل

стр. 828

لقوة الأسباب) المتآخذة فى حصوله نحو: إن اشتريت كان كذا- حال انعقاد أسباب الإشتراء (أو كون ما هو للوقوع كالواقع) هذا عطف على قوة الأسباب وكذا المعطوفات بعد ذلك لأنها كلها علل لإبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل === فى الحال أو فى الماضى، فإن قلت: إن الشرط إنما يفيد التعليق ولا دلالة له على الإظهار المذكور، قلت: إنه يدل عليه على جهة التخيل ولو قال المصنف كإيهام أو تخييل إبراز إلخ لكان أظهر؛ لأن نكتة العدول فى الحقيقة إنما هو التخييل المذكور؛ وذلك لأن إبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل محصله التعبير عن المستقبل الذى لم يحصل بما يشعر بحصوله (قوله: لقوة الأسباب) لما كان إبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل يحتاج إلى سبب أشار المصنف إلى بيان الأسباب والعلل فى ذلك بقوله لقوة إلخ: فهو علة للإبراز المذكور، وأل فى الأسباب للجنس فيشتمل ما له سبب واحد (قوله: المتآخذة) بالمد مع تخفيف الخاء أى: التى أخذ بعضها بعضد بعض، والمراد المجتمعة فى حصوله، ومعلوم أن الشىء إذا قويت أسبابه يعد حاصلا (قوله: حال انعقاد) أى: اجتماع وانتظام أسباب الاشتراء، والحال أنه لم يحصل بالفعل وهو ظرف للقول المقدر أى: نحو قولك إن اشتريت فى حال إلخ: أو نقول ذلك فى حال إلخ، والمراد بأسباب الاشتراء حضور سوق السلعة التى كثرت فيه مع قلة المشترى ووجود الثمن ورغبة البائعين فى البيع، فإذا وجدت هذه الأسباب عد الشراء الذى لم يحصل حاصلا فيعبر عنه بما يبرزه فى صورة الحاصل. (قوله: أو كون ما هو للوقوع) أى: ما هو آئل للوقوع كالواقع فى الماضى يعنى: أنه يعبر بالماضى عن المعنى المستقبل فى جملة الشرط لقصد إبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل؛ لكون ذلك المعنى الاستقبالى شأنه الوقوع، فهو كالواقع فى ترتب ثمرة الوقوع فى الجملة على كل منهما نحو: إن مت كان كذا وكذا (قوله: عطف على قوة الأسباب) أى: فالمعنى أنه يبرز غير الحاصل فى صورة الحاصل لقوة الأسباب، أو لكون المعنى الاستقبالى شأنه الوقوع فهو كالواقع أو للتفاؤل إلخ، فالنكتة التى ذكرها المصنف للعدول عن المضارع إلى الماضى واحدة تعددت أسبابها، واعترض على ما ذكره الشارح

стр. 829

على ما أشار فى إظهار الرغبة؛ ومن زعم أنها كلها عطف على إبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل فقد سها سهوا بيّنا. (أو التفاؤل أو إظهار الرغبة فى وقوعه) (١) أى: وقوع الشرط (نحو: إن ظفرت بحسن العاقبة فهو المرام) هذا ... === من العطف بأنه من عطف العام على الخاص؛ وذلك لأن الآئل للوقوع أيلولته إما لقوة أسبابه المتآخذة فيه، وإما للعلم بوقوعه من جهة أخرى وعطف العام على الخاص وكذا عكسه لا يجوز بأو، إلا أن يجاب بحمل الأول على ما يمكن تخلفه عند اجتماع أسبابه لمانع وحمل الثانى على ما لم يمكن تخلفه كما فى الموت، وحينئذ فهو من عطف المغاير (قوله: على ما أشار إليه) أى: المصنف فى قوله الآتى فإن الطالب إلخ: فإن محصله بيان أن فى إظهار الرغبة تقدير غير الحاصل حاصلا وتخيله كذلك، ولو كان العطف على إبراز لما تأتى هذا البيان، وقوله على ما أشار إليه متعلق بقوله؛ لأنها كلها علل إلخ (قوله: فقد سها سهوا بينا) أى: من وجوه: الأول: إنه خلاف ما أشار له المصنف فى إظهار الرغبة من أنها أى: المعطوفات علل للإبراز. الثانى: أن إبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل يشتمل عليه كل ما بعده، وحينئذ فلا يصح أن يكون قسيما له. الثالث: أن التفاؤل لا يحصل بمجرد المخالفة، بل لا بد من تنزيل غير الحاصل منزلة الحاصل لذلك (قوله: أو التفاؤل) أى: من السامع أى: إنه يبرز غير الحاصل فى معرض الحاصل فى جملة الشرط لما فى ذلك الإبراز من التفاؤل الذى هو ذكر ما يسر به السامع؛ وذلك لأن المخاطب إذا كان يتمنى شيئا فعبر له بما يشعر بحصوله وهو معنى إبرازه فى معرض الحاصل أدخل عليه ذلك الإبراز السرور (قوله أو إظهار الرغبة) أى من المتكلم أى: أنه يبرز غير الحاصل فى معرض الحاصل لأجل إظهار المتكلم الرغبة فى وقوع ذلك الشرط بسبب ذلك الإبراز الحاصل بالتعبير بالماضى عن المستقبل. (قوله: أى وقوع الشرط) يجوز عود الضمير على غير الحاصل والمعنى واحد (قوله: فهو المرام) بوزن مكان وضمير فهو للظفر أى: فالظفر بحسن العاقبة هو المرام

стр. 830

يصلح مثالا للتفاؤل وإظهار الرغبة، ولما كان اقتضاء إظهار الرغبة إبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل يحتاج إلى بيان ما أشار إليه بقوله: (فإن الطالب إذا عظمت رغبته فى حصول أمر يكثر تصوره) أى: الطالب (إياه) أى: ذلك الأمر (فربما يخيل) ذلك الأمر (إليه حاصلا) فيعبر عنه بلفظ الماضى (وعليه) أى: على استعمال الماضى مع إن لإظهار الرغبة فى الوقوع ... === (قوله: يصلح مثالا للتفاؤل) أى: على جعل ضمير ظفرت مفتوحا للمخاطب، وقوله وإظهار الرغبة أى: على جعل الضمير مضموما للمتكلم، كذا ذكر بعضهم، وعبارة النوبى: إن ظفرت على صيغة المتكلم مثال لإظهار الرغبة، وعلى صيغة المخاطب مثال لهما- ا. هـ. (قوله: فإن الطالب إلخ) هذا علة لكون إظهار الرغبة علة لإبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل وهى علة غائبة إن أبقيت على ظاهرها؛ لأن إظهار الرغبة متأخر عن الإبراز وعلة فاعلية إن أريد قصد إظهارها لتقدمه على الإبراز المذكور (قوله: فى حصول أمر) أى: فى المستقبل (قوله: يكثر تصوره) بفتح حرف المضارعة وضم ثالثه وتصوره بالرفع فاعل، كذا ضبطه بعض مشايخنا، وهذا غير متعين، بل يصح ضم حرف المضارعة وكسر ثالثه ونصب تصوره على أنه مفعول أى: يكثر من حصول صورته فى الذهن (قوله: فربما) أى: فبسبب الكثرة المذكورة ربما إلخ، وهى هنا للتكثير (قوله: يخيل إليه) أى: إلى ذلك الطالب الذى عظمت رغبته، وقوله حاصلا أى: فى الماضى وهو حال وقوله فيعبر عنه إلخ أى: وهذا معنى إبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل أى: وقد لا يخيل له ذلك الأمر حاصلا فلا يعبر عنه (قوله: وعليه) إنما قال وعليه للتفاوت بينهما؛ لأن الله منزه عن الرغبة، والمراد بها هنا لازمها وهو كمال الرضا، وأيضا ما ذكره المصنف من بيان اقتضاء إظهار الرغبة للإبراز لا يجرى فى حقه تعالى؛ لأن كثرة التصور وتخيل الحصول محال فى حقه تعالى- ا. هـ أطول. (قوله: لإظهار الرغبة فى الوقوع) معنى إظهار الرغبة فى حقه تعالى إظهار كمال رضاه بإرادة التحصن فهو مجاز فى لازمه، وقيل المراد: إظهار كون الشىء مرغوبا فيه فى

стр. 831

ورد قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً (١) حيث لم يقل: إن يردن، فإن قيل: تعليق النهى عن الإكراه بإرادتهن التحصن يشعر بجواز الإكراه عند انتفائها على ما هو مقتضى التعليق بالشرط- أجيب بأن القائلين بأن التقييد بالشرط ... === نفس الأمر، لا إظهار الرغبة القائمة بالمتكلم- كذا فى الفنرى. وفى ابن يعقوب أن إظهار رغبته تعالى فى وقوع الشىء إظهار إيجابه وطلبه طلبا جازما (قوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ) الفتيات: الإماء، والبغاء: الزنى، كانت الجاهلية تكره الإماء على الزنا ويأتين لهم بالدراهم، فجاء الإسلام بتحريم ذلك. (قوله: إن أردن تحصنا) أى: عفة، فقد جىء بلفظ الماضى، وهو أردن، ولم يقل يردن مع أن النهى عن الإكراه المعلق على ذلك استقبالى حيث قيل ولا تكرهوا إلخ: للدلالة على رغبة المولى سبحانه فى إرادتهن التحصن أى: للدلالة على رضا المولى بذلك أو على أن هذا الأمر طلبه المولى طلبا جازما على ما مر (قوله: تعليق النهى) أى: وهو قوله لا تكرهوا إلخ: والتعليق من حيث إنه الجزاء فى المعنى أو حقيقة على ما مر من الخلاف (قوله: يشعر بجواز الإكراه عند انتفائها) أى: لأن قوله إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً يقتضى بمفهوم المخالفة أنهن إذا لم يردن تحصنا يجوز للموالى إكراههن على البغاء مع أنه لا يجوز أصلا (قوله: أجيب إلخ) وأجيب أيضا بأن التقييد بالشرط لموافقة الواقع؛ لأنه لا يتأتى الإكراه عند انتفاء إرادة التحصن؛ لأنهن إذا أردن عدم التحصن كان أمرهن بالزنا موافقا لغرضهن، والطالب للشىء لا يتصور إكراهه عليه، وإن لم يردن تحصنا ولا عدمه، بل كن غافلات فلا يتأتى الإكراه؛ لأن الإكراه إنما هو للممتنع، غاية الأمر أن فى أمرهن بالزنا تنبيها لهن إن كن غافلات، وأما ما قيل من أن الإكراه يتصور مع إرادة البغاء بأن تريد الأمة البغاء مع شخص أو فى مكان فيكرهها على البغاء مع غير ذلك الشخص، أو فى غير ذلك المحل فغير صحيح؛ لأن الإكراه حينئذ ليس على البغاء، بل على تعيين الفاعل أو المحل (قوله: بأن القائلين إلخ) أى: وهم القائلون باعتبار مفهوم الشرط

стр. 832

يدل على نفى الحكم عند إنتفائه إنما يقولون به إذا لم يظهر للشرط فائدة أخرى؛ ويجوز أن تكون فائدته فى الآية المبالغة فى النهى عن الإكراه؛ يعنى أنهن إذا أردن العفة فالمولى أحق بإرادتها، وأيضا دلالة الشرط على انتفاء الحكم إنما هو بحسب الظاهر، والإجماع القاطع على حرمة الإكراه مطلقا؛ ... === (قوله: على نفى الحكم) أى: كحرمة الإكراه هنا، وقوله عند انتفائه أى: انتفاء الشرط، وحاصل هذا الجواب أن اعتبار مفهوم المخالفة مشروط بأن لا يكون للتقييد بالشرط فائدة أخرى غير إخراج ما لم يكن فيه الشرط عن الحكم، وهنا يجوز أن تكون الفائدة فى التقييد به المبالغة فى نهى الموالى عن الإكراه لما فى ذلك من التوبيخ للموالى بذكر ما يظهر به فضيحتهم، وحيث كان للتقييد بالشرط هنا فائدة أخرى غير الإخراج سقط باعتبارها اعتبار مفهوم الشرط؛ لأن مفهوم المخالفة إنما يعتبر إذا كان القيد للإخراج لا لفائدة أخرى. (قوله: يعنى أنهن) أى: الإماء مع خستهن وشدة ميلهن إلى الزنا، وقوله: فالمولى أى: فالمالك أحق بإرادتها لكماله وقلة ميله بالنسبة لميلهن، وحينئذ فيكون طلب إرادة العفة منه متأكدا، وإذا تأكد طلب إرادة العفة والتحصن منه كان النهى المتعلق به عن الإكراه على الزنا قويا مبالغا فيه، فظهر من هذا أن المقصود من القيد المبالغة فى نهى الموالى وتوبيخهم، وحينئذ فلا مفهوم له؛ لأن مفهوم المخالفة إنما يعتبر إذا كان القيد للإخراج فقط لا لفائدة أخرى، فإن قلت: جعل المقصود من القيد ما ذكر يقتضى أن المبالغة فى النهى إنما هى فى هذه الحالة فقط، وهى إرادتهن التحصن لا مطلقا، والمقصود تأكيد النهى مطلقا. قلت: لما كان الإكراه لا يتحقق إلا فى هذه الحالة تعرض لها، لا لكون تأكيد النهى والمبالغة فيه مختصا بها، وحينئذ فالتعرض لتلك الحالة لا ينافى تأكد النهى عن الإكراه مطلقا حتى عند عدم إرادتهن التحصن على فرض تأتيه فى تلك الحالة فتأمل. (قوله: وأيضا دلالة الشرط) أى: مفهوم الشرط على انتفاء الحكم وهو الحرمة، أو المراد دلالة الشرط من حيث مفهومه، وهذا جواب ثان عن أصل الإشكال فهو

стр. 833

فقد عارضه؛ والظاهر يدفع بالقاطع. قال (السكاكى: أو للتعريض) أى: إبراز غير الحاصل فى معرض الحاصل: إما لما ذكر، وإما للتعريض بأن ينسب الفعل إلى واحد والمراد غيره (نحو) قوله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) (١) ... === عطف على قوله بأن القائلين إلخ، فكأنه قال: وأجيب أيضا بأن دلالة إلخ، وحاصله أن الآية وإن دلت على انتفاء حرمة الإكراه عند انتفاء الشرط فتلك الدلالة بحسب الظاهر نظرا لمفهوم المخالفة، لكن قد عارض ذلك المفهوم الإجماع القاطع ومن المقرر أنه إذا تعارض أمران أحدهما قاطع والآخر ظاهر دفع الظاهر بالقاطع (قوله: فقد عارضه) أى: فقد عارض الإجماع الشرط أى: مفهومه (قوله: والظاهر يدفع بالقاطع) المراد بالظاهر هنا مفهوم الشرط والمراد بالقاطع هنا الإجماع، واعترض هذا الجواب بأن الإجماع لا ينسخ النص حذرا من تقديم الإجماع على النص الذى هو أصل له فى الجملة، وأجيب بأن الإجماع يجوز أن ينسخ النص على الصحيح لاستناده إلى النص، فكأنه الناسخ (قوله: أو التعريض) عطف على قوله لقوة الأسباب، كما يفيده قول الشارح أى: إبراز إلخ (قوله: بأن ينسب الفعل إلى واحد) أى: حقيقة أو مجازا (قوله: والمراد غيره) أى: ولا بد فيه من القرائن المؤدية لفهم الغير، وإلا فقولك: جاءنى زيد مريدا ابنه ليس من التعريض فى شىء (قوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ إلخ) اعترض بأن النبى معصوم من الإشراك فكيف يسند إليه، وأجيب بأن هذه قضية شرطية لا تستلزم الوقوع فالإسناد على سبيل الفرض، وإنما عبر بالفعل الماضى المقتضى لوقوع ذلك تعريضا بالمخاطبين، فالإشراك فى الحقيقة إنما هو منسوب لغيره؛ لأن التعريض أن ينسب الفعل لواحد والمراد غيره، فالإشراك نسب لواحد وهو النبى والمراد غيره ممن وقع منه الإشراك، وحاصل ما فى المقام أن الشرك من النبى مقطوع بعدم حصوله، فنزل منزلة المشكوك فيه، فكان

стр. 834

فالمخاطب هو النبى- ﷺ ، وعدم إشراكه مقطوع به لكن جىء بلفظ الماضى إبرازا للإشراك غير الحاصل فى معرض الحاصل على سبيل الفرض والتقدير ... === المقام مقام إن تشرك، لكن جىء بلفظ الماضى، وإن كان المعنى على الاستقبال إبرازا للإشراك المقطوع بعدم حصوله فى معرض الحاصل فرضا وتقديرا تعريضا بمن حصل منه أنه حبط عمله ولا يضر فى دخول إن كون الفعل معلوم الانتفاء؛ لأن إن تدخل على معلوم الانتفاء إذا نزل منزلة المشكوك فيه لغرض من الأغراض. (قوله: فالمخاطب هو النبى) الحصر إضافى أى: لا أمته، وإلا فغيره من الأنبياء مخاطب أيضا بدليل قوله تعالى: وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ إن قلت وإذا كان كل واحد من الأنبياء خوطب بهذا الخطاب فلم أفرد الضمير، فالجواب أنه إنما أفرد الخطاب باعتبار كل واحد؛ لأن الحكم المذكور مخاطب به كل واحد منهم على حدته- كذا قرره شيخنا العدوى، ويفيد ذلك ما ذكره عبد الحكيم حيث قال: إن المخاطب هو النبى وليس الخطاب عاما له ولجميع الأنبياء بقرينة ما قبله لا على ما وهم؛ لأن الحكم المذكور موحى به إلى كل واحد منهم خطاب على حدة. اهـ. (قوله: مقطوع به) أى: فى جميع الأزمنة؛ لأن الأنبياء معصومون من الشرك قبل البعثة وبعدها (قوله: لكن جئ إلخ) يفهم منه أنه لولا الإبراز المذكور؛ لأجل التعريض لجئ بلفظ الاستقبال وتصح الشرطية، مع أنه إذا كان إشراكه مقطوعا بعدمه فلا تصح إن؛ لأنها للأمور المشكوكة، والجواب أنهم يستعملون فى مثل ذلك إن لتنزيله منزلة ما لا قطع بعدمه على سبيل المساهلة وإرخاء العنان (قوله: بلفظ الماضى) أى: وإن كان المعنى على الاستقبال (قوله: غير الحاصل) أى: من النبي ﷺ لا فى الماضى ولا فى الحال (قوله: على سبيل الفرض والتقدير) متعلق بالحاصل الثانى؛ والحاصل أنه نزل إشراكه الذى هو غير حاصل فى جميع الأزمنة منزلة إشراك فرض وقوعه منه- ﷺ فى الماضى، وإنما احتيج لذلك؛ لأنه لم يحصل منه- ﵊ إشراك فى الماضى أصلا

стр. 835

تعريضا بمن صدر عنهم الإشراك بأنه قد حبطت أعمالهم؛ كما إذا شتمك أحد فتقول: والله إن شتمنى الأمير لأضربنه، ولا يخفى أنه لا معنى للتعريض بمن لم يصدر عنهم الإشراك، وأن ذكر المضارع لا يفيد التعريض لكونه ... === (قوله: تعريضا بمن صدر عنهم الإشراك بأنه قد حبطت أعمالهم) أى: لتحقق سببه منهم، وقوله: تعريضا علة للإبراز ووجه التعريض المذكور أن الفعل إذا رتب عليه وعيد فى حال نسبته فرضا وتقديرا إلى ذى شرف وهو لم يحصل منه فهم منه المخاطبون أن الوعيد واقع بهم إن صدر منهم ذلك الفعل، ولهذا التعريض فائدة وهى توبيخ الكفار بأن أعمالهم كأعمال الحيوانات العجم لا ثمرة فيها؛ لأن إشراك أشرف الخلق إذا كان يحبط عمله، فما بالك بأعمالهم وأنهم لا يستحقون الخطاب لكونهم فى حكم البهائم (قوله: إن شتمنى الأمير إلخ) أى: تعريضا بأن من شتمك يستحق العقوبة وأنك تضربه (قوله: ولا يخفى إلخ) هذا رد لاعتراض الخلخالى على السكاكى، وحاصل ذلك الاعتراض أن التعريض عام لمن صدر منهم الإشراك فى الماضى وغيرهم، وهذا التعريض يحصل بإسناد الفعل إلى من يمتنع منه ذلك الفعل، سواء كان ذلك الفعل بصيغة الماضى أو بصيغة المضارع أعنى لئن تشرك، وحينئذ فما قاله السكاكى من أن العدول عن المستقبل إلى الماضى قد يكون للتعريض لا يتم، وحاصل رد الشارح عليه أن من لم يصدر منهم الإشراك لا يستحقون التعريض بهم؛ لأن القصد من التعريض التوبيخ وهو إنما يكون على ما وقع من القبيح لا على ما سيقع منه، ولا نسلم أن التعريض بهم يحصل هنا بإسناد الفعل إلى من يمتنع منه ذلك الفعل سواء كان ذلك الفعل ماضيا أو مضارعا، بل إنما نشأ من إسناد صيغة الماضى فقط؛ لأنه وإن كان بمعنى المستقبل لكن التعبير به مع إن لإبراز ذلك المعنى فى صورة الحاصل خلاف الأصل، فلا بد من نكتة لارتكابه وهى هنا التعريض بخلاف المضارع، فإنه لو عبر به مع إن لكان على أصله فلا يحتاج لنكتة فلا وجه لإفادته للتعريض. قال العلامة اليعقوبى: وفى هذا الرد بحث وهو أن كون المضارع على أصله ينتفى عنه التعريض إنما ذلك إن نسب لمن يصح صدوره منه ويشك فيه، وأما إن أسند

стр. 836

على أصله؛ ولما كان فى هذا الكلام نوع خفاء وضعف نسبه إلى السكاكى وإلا فهو قد ذكر جميع ما تقدم. ثم قال: (ونظيره) أى: نظير لَئِنْ أَشْرَكْتَ (فى التعريض) لا فى استعمال الماضى مقام المضارع فى الشرط للتعريض- قوله تعالى (وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي (١) ... === لمن علم انتفاؤه عنه قطعا طلب لذلك الإسناد وجه فيصح كونه للتعريض بمن صدر منه كالماضى، بل نقول وبمن لم يصدر منه إن صح الصدور منه ليتحقق تهديده على ما يتوقع منه، وأجاب عنه بعضهم بأن الإسناد الفرضى يكفى فيه الإمكان الذاتى، وحينئذ فلا تعريض من جهة الإسناد- فتأمل. (قوله: على أصله) أى: أصل الشرط المعلوم من المقام أى: وإنما يفهم التعريض مما خالف مقتضى الظاهر (قوله: ولما كان هذا الكلام) أى: وهو قوله أو للتعريض كقوله تعالى إلخ (قوله: نوع خفاء وضعف) أما الخفاء أى: الدقة فظاهر، وأما الضعف فإما لتوهم أن التعريض يحصل من صيغة المضارع كما ذكره الخلخالى، وحينئذ فلا يتم ما ذكره السكاكى من أن العدول للماضى قد يكون للتعريض وقد عرفت اندفاعه عند الشارح، وإما لما ذكره الزوزنى: من أن الإتيان بالشرط فى الآية ماضيا ليس سببه التعريض، بل سببه أن جملة الجواب جواب لقسم مقدر بدليل دخول اللام عليها لتقدمه على أداة الشرط وجواب الشرط محذوف فضعف أمر أداة الشرط لتقدم القسم وجعل الجواب له فلم تستطع أن تعمل فى لفظ المضارع، فأتى لها بفعل شرط ماض حتى لا يظهر لها أثر عمل، وحاصله أن العدول عن المضارع إلى الماضى ليس للتعريض، بل لضعف أداة الشرط، ولا يخفى أن هذا الوجه مدفوع بما تقرر من عدم التنافى بين المقتضيات لجواز تعددها فيمكن أن يكون العدول لضعف الأداة وللتعريض- هذا محصل ما فى الفنارى. (قوله: نسبه للسكاكى) أى: للتبرى منه أو لأجل أن تتثبت النفس، وتتأمل حتى تدرك المقصود ولا تنفر بمجرد الخفاء والضعف لعلمها بأنه مقول هذا الإمام الكبير (قوله: ثم قال)

стр. 837

أى: وما لكم لا تعبدون الذى فطركم بدليل: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١) إذ لولا التعريض لكان المناسب أن يقال: وإليه أرجع ... === أى: السكاكى (قوله: أى وما لكم لا تعبدون) ليس هذا بيانا للمعنى الذى استعمل فيه ومالى إلخ، بل هو بيان للمعرض بهم وهو المراد من الكلام؛ وذلك لأن المراد الإنكار على المخاطبين فى عدم العبادة بطريق التعريض لا إنكار المتكلم على نفسه، وإنما كان المراد ذلك بدليل قوله تعالى بعد: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ إذ لولا الإشارة إلى المخاطبين بهذا الإنكار على وجه التعريض لكان المناسب وإليه أرجع؛ لأنه الموافق للسياق، واعترض على المصنف بأنه قد تقدم التمثيل بهذه الآية للالتفات على مذهب السكاكى، ومقتضى ما تقدم فى الالتفات أن المعبر عنه بالتكلم فى قوله: مالى، هم المخاطبون على وجه المجاز؛ لأن الالتفات على مذهبه هو التعبير عن معنى اقتضاء المقام بطريق آخر غير ما هو الأصل فيه، وإذا كان التعريض هو أن يعبر عن معنى بعبارة هى فيه حقيقة أو مجاز ليفهم غير ذلك المعنى بالقرائن تحقق التنافى بينهما لاقتضاء الأول وهو كونه للالتفات أن المراد نفس المخاطبين، واقتضاء الثانى وهو كونه للتعريض أن المراد المتكلم ولكن لينتقل منه إلى المخاطبين بالقرينة، وقد يجاب بأن المراد فى الالتفات بكون التعبير عن معنى بطريق غير طريقه كون التعبير لإفادة ذلك المعنى ولو بالانتقال إليه بالقرائن ولو لزم التسامح فى إطلاق التعبير على نحو هذا القصد، وعلى هذا فكونه للالتفات لا ينافى كونه للتعريض، بل يصح كونه التفاتا من حيث إن المعنى المنتقل إليه عدل عن طريقه مع اقتضاء المقام إياه وكونه تعريضا من حيث مجرد التلويح له بالقرائن فافهم هذا، فإن فيه دقة- أفاده العلامة اليعقوبى، وأجاب العلامة ابن قاسم: بأن الآية صالحة للالتفات بأن يكون قوله: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي مستعملا فى المخاطبين بأن يكون عبر عنهم بطريق التكلم مجازا على سبيل الالتفات وصالح للتعريض بأن يكون المراد من قوله وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي حقيقة وهو المتكلم المخصوص فيصح أن يجعل التفاتا وأن يجعل

стр. 838

على ما هو الموافق للسياق (ووجه حسنه: ) أى: حسن هذا التعريض (إسماع) المتكلم (المخاطبين) الذين هم أعداؤه (الحق) هو المفعول الثانى للإسماع (على وجه ... === تعريضا فلا منافاة بين ما فى الموضعين، فإن قلت: إن احتمال التعريض قد دل عليه الدليل وهو قوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيكون متعينا- قلت: هذا دليل ظنى فلا يفيد اليقين لجواز أن يكون فيه التفات أيضا، وأن المعنى وإليه أرجع، ثم إن من المعلوم أن الحمل على الحقيقة أولى فيكون التعريض فى الآية أرجح؛ لأن التعريض لا يكون إلا فى المعنى الحقيقى وعلى الالتفات يكون المعنى مجازا. نعم ما ذهب إليه الشارح من أنه يجوز أن يكون التعريض أيضا باعتبار المعنى المجازى، وأن التعريض هنا بناء على استعمال وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي فى المخاطبين مجازا فلا يكون الحمل على التعريض أرجح من الحمل على الالتفات، فإن قيل كيف يمكن التعريض حينئذ مع أن التعريض كما تقدم أن ينسب الفعل إلى واحد والمراد غيره وعلى التجوز لا يكون منسوبا إلى أحد، والمراد غيره، بل يتحد المنسوب إليه والمراد- قلت: أجاب الأستاذ السيد عيسى الصفوى: بأنه يكفى صدق ذلك بحسب اللفظ، فإنه بحسب اللفظ منسوب إلى المتكلم والمراد غيره وهو المخاطب (قوله: على ما هو الموافق للسياق) أى: سياق الآية وهو متعلق بقوله لكان المناسب أن يقال (قوله: ووجه حسنه) هذا مرتبط بمحذوف أى: والتعريض حسن ووجه حسنه إلخ (قوله: أى حسن هذا التعريض) أى: الواقع فى النظير أعنى: قوله تعالى وَما لِيَ لا أَعْبُدُ إلخ، وليس المراد وجه حسن التعريض مطلقا، إذ ما ذكره المصنف من الوجه لا يجرى فى قوله لَئِنْ أَشْرَكْتَ، إذ لا يتأتى فيه قوله: حيث لا يريد المتكلم لهم إلا ما يريد لنفسه. وعبارة عبد الحكيم قوله: هذا التعريض لا مطلق التعريض، إذ لا يجرى ذلك فى قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ؛ لأن المقصود فيه نسبة الحبط إليهم على وجه أبلغ. (قوله: هو المفعول الثانى) أى: والمفعول الأول المخاطبين أى: أن يسمع المتكلم أولئك المخاطبين الذين هم أعداؤه ومن شأنهم أن لا يقبلوا له نصحا بحق، وإنما نبه

стр. 839

لا يزيد) ذلك الوجه (غضبهم وهو) أى: ذلك الوجه (ترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل، ويعين) عطف على لا يزيد؛ وليس هذا فى كلام السكاكى؛ أى: على وجه يعين (على قبوله) أى: قبول الحق (لكونه) أى: كون ذلك الوجه (أدخل فى إمحاض النصح حيث لا يريد) المتكلم (لهم إلا ما يريد لنفسه، ولو للشرط) أى لتعليق حصول مضمون الجزاء بحصول مضمون الشرط فرضا (فى الماضى ... === الشارح على كون الحق مفعولا ثانيا دفعا لما يتوهم من أن الحق صفة لإسماع أى: إسماع المتكلم المخاطبين الإسماع الحق (قوله: لا يزيد ذلك الوجه غضبهم) أى: مع أن من شأن المخاطب إذا كان عدوا للمتكلم تضاعف غضبه عند سماع الحق من المتكلم. (قوله: ترك التصريح إلخ) أى: لأن المتكلم إنما أنكر على نفسه صراحة وإن فهم منه بالقرينة إرادة الغير (قوله: وليس هذا فى كلام السكاكى) أى: صراحة وإن كان من نتائج قوله لا يزيد غضبهم؛ لأن المراد أنه لا يثير غضبهم وما لا يثير الغضب فمن شأنه الإعانة على قبول الحق (قوله: فى إمحاض النصح) أى: فى إخلاص النصح ومن المعلوم أن ما كان أدخل فى إخلاص النصح يكون فى غاية القبول (قوله: حيث لا يريد) أى: حيث أظهر لهم أنه لا يريدهم إلا ما يريد لنفسه، وذلك لأنه نسب ترك العبادة إلى نفسه فبين أنه على تقدير تركه للعبادة يلزمه من الإنكار ما يلزمهم فقد أدخل نفسه معهم فى هذا الأمر فلا يريد لهم فيه إلا ما يريد لنفسه (قوله: ولو للشرط) أى: أصلها أن تكون للشرط، وإنما قدرنا ذلك؛ لأنها قد تأتى لغير ذلك كما يأتى (قوله: بحصول) الباء بمعنى على (قوله: فرضا) متعلق بحصول مضمون الشرط لا بالتعليق؛ لأنه محقق وهو نصب على المصدرية أى: حصول فرض أو على الحالية أى: حال كون ذلك الحصول مفروضا ومقدرا أو على التمييز أى: على حصول مضمون الشرط من جهة الفرض، وإنما قيد الشارح ذلك الحصول بالفرض لئلا يلزم المنافاة بين قول المصنف الآتى مع القطع بانتفاء الشرط وبين كلام الشارح. (قوله: فى الماضى) متعلق بحصول مضمون الشرط الذى تضمنه لفظ الشرط فى كلام المصنف لا بالتعليق ولا بحصول مضمون الجزاء اللذين تضمنهما أيضا لفظ الشرط

стр. 840

مع القطع بانتفاء الشرط) فيلزم انتفاء الجزاء كما تقول: لو جئتنى أكرمتك؛ معلقا الإكرام بالمجىء مع القطع بانتفائه فيلزم انتفاء الإكرام؛ ... === فى كلامه، أما الأول: فلأن التعليق فى الحال لا فى الماضى، وأما الثانى: فلأن حصول الجزاء غير مقيد بالماضى، بل معلق على حصول الشرط وإن لزم تقييده بالماضى؛ لأن المعلق على أمر مقيد بالماضى يلزم تقييده بالماضى- ا. هـ سم. (قوله: مع القطع بانتفاء الشرط) أى: بانتفاء مضمونه أى مع القطع بانتفاء مضمون الشرط فى الواقع فلا ينافى فرض حصوله وقوله مع القطع إلخ حال من الشرط أى حالة كونه مصاحبا للقطع بانتفاء مضمون الشرط، والمراد بالشرط الثانى الجملة الشرطية المعلق عليها بخلاف الشرط الأول، فإنه بمعنى التعليق كما صرح به الشارح ولا يراد أن المعرفة إذا أعيدت كانت عينا لأنه أغلبى (قوله: فيلزم انتفاء الجزاء) فيه بحث؛ لأنه لا يتفرع على القاطع بانتفاء الشرط انتفاء الجزاء لجواز أن يكون للجزاء سبب آخر غير الشرط، وأجيب بأن المراد فيلزم انتفاء الجزاء من حيث ترتبه على ذلك الشرط وهذا لا ينافى وجوده من حيث ترتبه على سبب آخر غير الشرط، ثم إن تعبير الشارح بيلزم لا يلائم قوله الآتى بل معناه إلخ، وإنما يناسب فهم ابن الحاجب من أنها للاستدلال بانتفاء اللازم الذى هو الثانى على انتفاء الملزوم الذى هو الأول؛ لأن تعبيره باللزوم فيه ميل إلى ذلك الفهم، لكن فهم ابن الحاجب هذا سيرده الشارح فكان الأولى للشارح أن يقول بدل ذلك فينفى الجزاء أى إن لو إذا أفادت القطع بانتفاء الشرط أفادت انتفاء الجزاء بحسب متفاهم عرف اللغة؛ لأنها تفيد توقف الثانى على الأول وأنه شرط فيه خارجا وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط- اللهم إلا أن يقال: مراده بقوله فيلزم أى: بالنظر لعرف اللغة أى: فيلزم على إفادتها لغة توقف الثانى على الأول، وأنه شرط فيه انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط- كذا قرر شيخنا العلامة العدوى. (قوله: كما تقول إلخ) حاصله أن ذلك القول يفهم بحسب عرف اللغة أن المجىء شرط فى الإكرام وأنه على تقدير وقوعه يقع الإكرام، ويفهم أن المجىء لم يقع فيلزم حيث كان المجىء شرطا، وانتفى انتفاء المشروط الذى هو الجزاء

стр. 841

فهى لامتناع الثانى- أعنى الجزاء-؛ لامتناع الأول- أعنى الشرط؛ يعنى أن الجزاء منتف بسبب انتفاء الشرط؛ هذا هو المشهور بين الجمهور، واعترض عليه ابن الحاجب بأن الأول سبب والثانى مسبب، وانتفاء السبب لا يدل على انتفاء المسبب لجواز أن يكون للشىء أسباب متعددة، بل الأمر بالعكس لأن انتفاء المسبب يدل على انتفاء جميع أسبابه؛ فهى لامتناع الأول لامتناع الثانى، ألا ترى أن قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (١) إنما سيق ليستدل بامتناع الفساد على امتناع تعدد الآلهة ... === (قوله: فهى لامتناع) أى: مفيدة لامتناع إلخ فلا ينافى قوله سابقا لتعليق حصول إلخ فصريح معنى لو هو ذلك التعليق ومآله امتناع الثانى لامتناع الأول. (قوله: يعنى أن الجزاء إلخ) هذا يوافق ما يأتى للشارح دون ابن الحاجب وقوله منتف بسبب انتفاء الشرط أى: من حيث ترتبه عليه فلا ينافى أنه يوجد لسبب آخر (قوله: هذا) أى: كونها لامتناع الثانى لامتناع الأول هو المشهور وقوله واعترض عليه أى: على ذلك القول المشهور. (قوله: لجواز إلخ) قال سم: هذا مبنى على جواز تعدد العلل لمعلول واحد، أو أن هذا خاص بلو دون بقية الشروط (قوله: أسباب متعددة) أى: مختلفة تامة كل واحد منها كاف فى وجوده وذلك كالشمس والقمر والسراج، فإن كل واحد منها سبب فى الضوء على البدل كاف فى وجوده (قوله: يدل على انتفاء جميع أسبابه) أى: لأن السبب التام يستحيل وجوده بدون مسببه، إذ المعلول لا يجوز تخلفه عن علته التامة فانتفاؤه يستلزم انتفاء جميع علله التامة. (قوله: فهى لامتناع الأول لامتناع الثانى) أى: فهى مفيدة لذلك وليست مفيدة لامتناع الثانى لامتناع الأول كما قال الجمهور (قوله: إنما سيق ليستدل إلخ) أى: لأن المعلوم هو امتناع الفساد وانتفاؤه لكونه مشاهدا، وإنما يستدل بالمعلوم على المجهول

стр. 842

دون العكس، واستحسن المتأخرون رأى ابن الحاجب حتى كادوا يجتمعون على أنها لامتناع الأول لامتناع الثانى؛ إما لما ذكره، وإما لأن الأول ملزوم والثانى لازم وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم من غير عكس؛ لجواز أن يكون اللازم أعم. وأنا أقول: ... === دون العكس كما هو مقتضى كلام الجمهور (قوله: دون العكس) أى: لأنه لا يلزم من انتفاء تعدد الإله انتفاء الفساد أى: استحالته لصحة وقوعه بإرادة الواحد الأحد لحكمة، والحاصل أن انتفاء الأول إنما جاء من انتفاء الثانى لا بالعكس كما هو قضية كلام الجمهور (قوله: على أنها لامتناع الأول) أى: مفيدة لامتناع الأول (قوله: إما لما ذكره) أى: ابن الحاجب أى وهو أن الأول سبب والثانى مسبب، وانتفاء السبب لا يدل على انتفاء المسبب بخلاف العكس (قوله: وإما لأن الأول ملزوم إلخ) هذا التعليل علل به الرضى وجماعة، وإنما عدلوا عما قاله ابن الحاجب من قوله؛ لأن الأول سبب إلخ إلى ما قالوه؛ لأن ما قاله ابن الحاجب من سببية الأول قاصر وليس كليا، إذ الشرط النحوى عندهم أعم من أن يكون سببا نحو: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، أو شرطا نحو: لو كان لى مال لحججت، فإن وجود المال ليس سببا فى الحج، بل شرط أو غيرهما نحو: لو كان النهار موجودا كانت الشمس طالعة، إذ وجود النهار ليس سببا لطلوع الشمس، بل الأمر بالعكس ولا شرطا فى طلوعها، ولكن كل من وجود النهار ووجود المال ملزوم لطلوع الشمس والحج، فلذا عدلوا إلى التعبير باللازم والملزوم، واعترض عليهم بأن ما قالوه لا يتم أيضا فى نحو: لو كان الماء حارا لكانت النار موجودة، فإن الحرارة ليست ملزومة للنار؛ لأنها قد توجد بالشمس فإن ادعوا أن المراد اللزوم ولو جعليا وادعائيا فلابن الحاجب أن يريد السببية ولو جعلية وادعائية إلا أن يجاب بأنه يعلم من تتبع اللغة أن الشرطية اعتبر فيها اللزوم ولم يعتبر فيها السببية حتى يصح أن يعتبر كونها جعلية وادعائية. اهـ ابن قاسم. (قوله: أن يكون اللازم أعم) أى: كما فى قولك لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودا (قوله: وأنا أقول) أى: فى رد اعتراض ابن الحاجب على الجمهور،

стр. 843

منشأ هذا الاعتراض قلة التأمل لأنه ليس معنى قولهم: لو لامتناع الثانى لامتناع الأول أنه يستدل بامتناع الأول على امتناع الثانى حتى يرد عليه أن انتفاء السبب أو الملزوم لا يوجب انتفاء المسبب أو اللازم؛ بل معناه ... === وحاصل ما ذكره من الرد أن لو لها استعمالان أحدهما أن تكون للاستدلال العقلى وذلك فيما إذا كان انتفاء الجزاء معلوما وانتفاء الشرط غير معلوم فيؤتى بها للاستدلال بالمعلوم على المجهول أى: لأجل تحصيل العلم بالمجهول فهى حينئذ للاستدلال على امتناع الأول بامتناع الثانى لأفادتهما أن العلة فى العلم بانتفاء الأول العلم بانتفاء الثانى ثانيهما أن تكون للترتيب الخارجى وذلك فيما إذا كان كل من انتفاء الطرفين معلوما، لكن العلة فى انتفاء الثانى فى الخارج مجهولة فيؤتى بها لبيان أن علة انتفاء الثانى فى الخارج هو انتفاء الأول فهى حينئذ لامتناع الثانى لامتناع الأول، وتكون القضية حينئذ وإن كانت فى صورة الشرطية فى معنى الحملية المعللة، فإذا قلت: لو جئتنى لأكرمتك كان المعنى على هذا الاحتمال أن الإكرام إنما انتفى فى الخارج بسبب انتفاء المجئ، ويكون هذا كلاما مع من كان عالما بانتفاء الجزاء وهو طالب أو كالطالب لعلة انتفائه فى الخارج وعلمه بذلك حاصل بدليل آخر يسمى علة العلم، والاستعمال الأول اصطلاح المناطقة، والاستعمال الثانى اصطلاح أهل العربية، فابن الحاجب فهم من قول أهل العربية أنها حرف لامتناع الثانى لامتناع الأول اصطلاح المناطقة وهو أنها للاستدلال، وحينئذ فالمعنى أنها حرف يؤتى به للاستدلال على امتناع الثانى لامتناع الأول ولم يهتد لمرادهم من أنها للدلالة على أن العلة فى انتفاء الثانى فى الخارج انتفاء الأول فاعترض عليهم بأنها للاستدلال على امتناع الأول بامتناع الثانى لا للاستدلال على امتناع الثانى بامتناع الأول ولو اطلع ابن الحاجب على حقيقة الحال وفهم معنى عبارتهم الواقعة منهم، وأن المراد أن امتناع الأول سبب لامتناع الثانى لا أنه دليل عليه ما اعترض عليهم (قوله: منشأ هذا الاعتراض) أى: اعتراض ابن الحاجب على الجمهور (قوله: قلة التأمل) أى: فى عبارتهم الصادرة منهم وهى قولهم لو لامتناع الثانى لامتناع الأول (قوله: أنه يستدل إلخ) أى: كما فهم ابن الحاجب (قوله: أن انتفاء السبب أو الملزوم) المراد به

стр. 844

أنها للدلالة على أن انتفاء الثانى فى الخارج إنما هو بسبب انتفاء الأول فمعنى: وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ (١) أن انتفاء الهداية إنما هو بسبب انتفاء المشيئة؛ يعنى أنها تستعمل للدلالة على أن علة انتفاء مضمون الجزاء فى الخارج هى انتفاء مضمون الشرط من غير التفات إلى أن علة العلم بانتفاء الجزاء ما هى، ... === الأول والتعبير الأول منظور فيه لتعليل ابن الحاجب والثانى منظور فيه لتعليل الرضى والمراد بالمسبب واللازم الثانى، وقوله لا يوجب أى: لجواز كونه أعم كما مر فقولك: لو كان إنسانا كان حيوانا، أو لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودا لا ينتج استثناء نقيض المقدم فيه، بل هو عقيم (قوله: أنها للدلالة) أى: أنها وضعت لأجل الدلالة إلخ فهى لام العلة لا للتعدية؛ لأن المعنى الموضوعة هى له لزوم الثانى للأول (قوله: إنما هو بسبب انتفاء الأول) أى: لكون انتفاء الأول علة فى انتفائه فى الخارج فالنفيان معلومان ولكن العلة فى انتفاء الثانى فى الخارج مجهولة للمخاطب فيؤتى بلو لإفادة تلك العلة. (قوله: فمعنى وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ) فيه تعريض ابن الحاجب بأنه لم يهتد لفهم المراد من عبارتهم (قوله: إنما هو بسبب انتفاء المشيئة) أى: لأن انتفاء المشيئة علة فى انتفاء الهداية فى الخارج (قوله: هى انتفاء مضمون الشرط) نقض هذا بقولنا: لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا، إذ ليس انتفاء الحيوانية فى الواقع علته انتفاء الإنسانية، وبكل صورة يكون الشرط معلولا والجزاء علة نحو: لو أضاء العالم لطلعت الشمس، وكذا فى صورة كون الجزاء علة خاصة يمكن أن يوجد المعلول بأخرى نحو: لو أضاءت الدار لطلعت الشمس، فإن عدم العلة المعينة ليس علة لعدم المعلول اللهم إلا أن يقال: هذه الأمثلة وأمثالها واردة على قاعدة المناطقة الآتية غير صحيحة بحسب اللغة- ا. هـ فنرى. (قوله: من غير التفات إلخ) أى: أن الجمهور لم يلتفتوا لما ذكر فى قولهم لو لامتناع الثانى لامتناع الأول كما زعمه ابن الحاجب حيث فهم أن مرادهم أن انتفاء

стр. 845

ألا ترى أن قولهم: لولا لامتناع الثانى لوجود الأول؛ نحو: لولا علىّ لهلك عمر؛ معناه أن وجود علىّ سبب لعدم هلاك عمر لا أن وجوده دليل على أن عمر لم يهلك؛ ولهذا صح مثل قولنا: لو جئتنى لأكرمتك لكنك لم تجئ؛ أعنى عدم الإكرام بسبب عدم المجىء، قال الحماسى: ولو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنّه لم يطر (١) === الأول علة فى العلم بانتفاء الثانى ودليل عليه، فاعترض عليهم بما مر (قوله: ألا ترى إلخ) هذا تنظير لما قاله فى لو أتى به لتوضيح المقام (قوله: لوجود الأول) أى: لأن لو للنفى فلما زيدت عليها لا النافية نفت النفى ونفى النفى إثبات (قوله: أن وجود على سبب) أى: فى الخارج (قوله: لا أن وجوده إلخ) أى: لأن عدم هلاك عمر معلوم للمخاطب كما أن وجود علىّ كذلك ولا يستدل بمعلوم على معلوم، إذ المعلوم لا يستدل عليه، والحاصل أن وجود علىّ لم يقصد إفادته للعلم بعدم هلاك عمر فإن المراد بيان السبب المانع من هلاكه (قوله: ولهذا صح) أى: لكون معنى لو الدلالة على أن انتفاء الثانى فى الخارج إنما هو بسبب انتفاء الأول لا الاستدلال بامتناع الأول على امتناع الثانى كما فهم ابن الحاجب صح إلخ، إذ لو كانت للاستدلال لما صح ذلك القول لما فيه من استثناء نقيض المقدم وهو لا ينتج شيئا كما نص عليه علماء المنطق لجواز أن يكون اللازم أعم، فتعين أن يكون ذلك الاستثناء إشارة إلى علو انتفاء الجزاء (قوله: قال الحماسى) بكسر السين نسبة للحماسة وهى فى الأصل الشجاعة، ثم سمى بها كتاب أبى تمام الذى جمع فيه أشعار البلغاء المتعلقة بالشجاعة، فإذا قيل بيت حماسى فمعناه: منسوب للحماسة والشجاعة لتعلقه بها، وإذا قيل شاعر حماسى معناه: أن شعره مذكور فى ديوان الحماسة أى: الكتاب المذكور، وأتى بكلام الحماسى دليلا لقوله صح دفعا لتوهم أن هذا القول غير صحيح (قوله: ولو طار إلخ) أى: فعدم طيران الفرس معلوم،
следующие страницы →