← Тараджим

Тараджим · id 147072

إضافات للنعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل

محمد مطيع الحافظ

Полный текст (106 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الإضافات وتحتوي تراجم من وقعت وفياتهم من سنة ١٢١٤ هـ - إلى سنة ١٤٠٠ هـ

стр. 2

الإضافات (*) وتحتوي تراجم من وقعت وفياتهم من سنة ١٢١٤ هـ - إلى سنة ١٤٠٠ هـ أحمد بن محمد الشيباني (١) هو الشيخ أحمد بن محمد هلال بن أسعد الشيباني الدمشقي فرد السادة الحنابلة في دمشق وإمامهم أحد العلماء العظام الإمام المحقق المدقق النادرة المتضلع في العلوم صاحب الذكاء والحفظ أحد فضلاء دمشق وإمام الحديث بها، ولد في دمشق سنة ١١٦٤ هـ وأخذ الفقه الحنبلي عن العلامة الفاضل الشيخ مصطفى الأسيوطي الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق ومتولي جامع بني أمية (٢)، توفي في ربيع الأول سنة ١٢١٤ هـ رحمه لله. ابن فيروز (٣) محمد بن عبد الله بن محمد بن فيروز التميمي الأحسائي: فقيه حنبلي من أهل الأحساء ولد فيها وكف بصره في الثالثة من عمره وكثر تلاميذه ومريدوه

стр. 3

وانتقد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فلما عظم أمرها رحل إلى البصرة فتوفي فيها. له أراجيز وتصانيف ليست على قدر علمه. مولده سنة ١١٤٢ هـ، وتوفي سنة ١٢١٦ هـ. عبد الله الميقاتي (٤) عبد الله بن عبد الرحمن الميقاتي، موفق الدين: من فضلاء الحنابلة من أهل حلب له كتب منها (تحفة المطامع) مخطوط، شرح منظومة له في الفرائض و (النغمة المعطارة في بيان الحقيقة والمجاز والاستعارة) مخطوط. ولد سنة ١١٦٢، وتوفي سنة ١٢٢٣ هجرية. حمد بن ناصر بن معمر (٥) هو العلامة المحقق الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر النجدي التميمي من آل معمر أهل العينية. نزح منها واستوطن الدرعية وقرأ على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى الشيخ أبي بكر حسين بن غنام نزيل الدرعية وغيرهما ثم تصدر للتدريس بالدرعية فأخذ عنه خلق كثيرون. وفي سنة ١٢١١ هـ طلب غالب بن مساعد شريف مكة من الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود أن يرسل إليه عالمًا ليناظر علماء الحرم الشريف في

стр. 4

شيء من أمور الدين فبعث إليه صاحب الترجمة على رأس ثلة من العلماء فجمع الشريف غالب علماء الحرم ما عدا الحنابلة ووقعت مناظرة عظيمة بينهم وبين الشيخ حمد بن ناصر وظهر عليهم بالحجة فأذعوا له وسلموا فكانت الرسالة المسماة (الفواكة العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب) وألف رسالة (حقيقة التوحيد والعبادة والفرق بين دعاء العادة والعبادة) في ٦٨ صفحة وله رسائل كثيرة تبلغ مجلدًا ضخمًا وهي إجابات على أسئلة. تولى الشيخ حمد قضاء الدرعية للإمام سعود بن عبد العزيز ثم بعثه إلى مكة سنة ١٢٢١ مشرفًا على أحكام قضاتها فأقام بها أربع سنوات ثم توفي ﵀ سنة ١٢٢٥ هـ في ذي الحجة وصلى عليه الناس تحت الكعبة المشرفة ثم دفن بمقبرة البياضية. حسين بن غنّام (٦) حسين بن أبي بكر بن غنام الأحسائي الحنبلي مفتي الأحساء ومن تلاميذ محمد بن عبد الوهاب والمؤيدين لدعوته السلفية. توفي بالأحساء سنة ١٢٢٥ هجرية. من تصانيفه (تاريخ نجد) (العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين)، (روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام)، (تعدد غزوات ذوي الإسلام) محمد هاشم الجعفري (٧) محمد بن محمد زيتون بن حسن بن هاشم الجعفري النابلسي، العلامة

стр. 5

الفاضل الفقيه الفرضي الأديب الشاعر. ولد بنابلس سنة ١١٥٦ ونشأ بها، وتفقه على والده الشريف زيتون المقدم ذكره، وعلى العلامة الشيخ محمد السفاريني، وأخذ الحديث عن السيد محمد مرتضى الزبيدي، ورحل إلى دمشق فأخذ عن الشهاب أحمد العطار وغيره، ثم عاد إلى نابلس وأقام بها يدرس ويفيد وكان مقبول الشفاعة عند حكامها مسموع الكلمة بين أهلها. ولما كانت حوادث سنة ١٢١٢ في الديار الحجازية وصُدُّ الحاج الشامي عن دخول مكة. أوفده أسعد باشا العظم والي الشام وقتئذ هو والشيخ اسماعيل القدومي إلى الأمير ابن مسعود، فردّا عليهم في قصة طويلة كان فيها ما كان، ثم صنف صاحب الترجمة رسالة في ذلك، وحج في تلك السنة وعاد إلى وطنه. وما زال على حالته الرضية إلى أن توفي، وكانت وفاته سنة ١٢٢٨ هـ. وبنو هاشم أو الجعفري في نابلس بيت علم ومجد ونسبتهم إلى جعفر بن أبي طالب ﵁ وللمترجم في ذلك رسالة سماها (الروض المعطار في نسب السادة آل جعفر الطيار). سليمان ابن الشيخ عبد الله (٨) هو الشيخ سليمان ابن الشيخ عبد الله ابن الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب. فقيه محدث أصولي. ولد سنة ١٢٠٠ هـ في الدرعية يوم كانت زاخرة بالعلماء الكبار فحفظ القرآن وقرأ على أبيه وعلى الشيخ محمد بن ناصر بن عثمان وعلى الشيخ عبد الله بن فاضل وعلى الشيخ محمد بن علي بن غريب وأخذ الفرائض عن الشيخ عبد الرحمن بن حميس.

стр. 6

كان نادرة في العلم والحفظ والذكاء عارفًا بالحديث ورجاله وبالتفسير والفقه والأصول والنحو والخطّ تصدى للتدريس بالدرعية مع وجود والده وأعمامه. له (تيسير العزيز الحميد) شرح كتاب التوحيد لجده الشيخ محمد بن عبد الوهاب و (الدلائل في عدم موالاة أهل الإشراك) و (رسالة في بيان عدد الجمعة) (خ) و (حاشية على المقنع في الفقه) في ثلاثة مجلدات ضخام و (التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق) ردّ به على عبد الله الراوي خطيب مسجد سليمان باشا ورسائل كثيرة، وله قصائد ومنظومات. كان شديد الغيرة على حرمات الاسلام والدين آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر ومات شهيدًا برصاص إبراهيم بن محمد علي باشا سنة ١٢٣٣. عبد العزيز الحُصَيِّن (٩) هو الشيخ العالم الورع التقي الزاهد عبد العزيز بن عبد الله بن محمد الحُصَيِّن الناصري التميمي النجدي الحنبلي. ولد سنة ١١٥٤ هـ في بلدة الوقف من قرى الوشم وحفظ القرآن ثم قرأ الفقه صغيرًا على الشيخ ابراهيم بن محمد قاضي بلد القرائن في ناحية الوشم ثم تفقه وقرأ على الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنين وكان يكرمه ويعظمه ونصبه قاضيًا في ناحية الوشم للإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود. وفي سنة ١١٨٥ أرسله الإمام المذكور صحبة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى والي مكة آنذاك الشريف أحمد بن سعيد لمناظرة علماء مكة وكان أن انصرف عنهم الشيخ عبد العزيز مبجلًا وكذلك وفد صاحب الترجمة إلى مكة المكرمة سنة ١٢٠٤ بطلب من شريفها غالب بن مساعد إلى الإمام عبد العزيز يرغب إليه اشخاص رجل

стр. 7

عارف من أهل الدين يعرفه حقيقة الأمر ولما أراد دعوة علماء مكة تهربوا منه وقالوا للشريف (هؤلاء يريدون أن يقطعوا جوائزك التي من أجدادك ويملكون بلادك) فارعش قلبه ورجع الشيخ عبد العزيز إلى نجد. كان صاحب الترجمة زاهدًا لا يركن للدنيا أمضى عمره وقطع وقته في نسخ الكتب النافعة وطلب العلم وبذله. وبلغ من ورعه أنه إذا دخل عليه وقت حصاد الزرع وجذاذ النخل وكان عنده شيء من قوت السنة الماضية وثمرتها أعاده لبيت المال لا يترك عنده منه شيئًا. وكان يحب طلاب العلم وكانت كلمته مسموعة وقوله نافذًا عند الرؤساء ومن دونهم. قرأ عليه كثير من الطلاب وله رسالة (الدرر السنية). توفي ﵀ في الثاني عشر من رجب سنة ١٢٣٧ هـ وليس له ذرية. غنام النجدي (١٠) هو الشيخ غنام بن محمد بن غنام الزبيري أصلًا النجدي مولدًا الدمشقي سكنًا، العالم المتضلع الفاضل الكامل المحدث الفقيه الفرضي الحيسوبي، أخذ الفقه عن العلامة الشيخ أحمد البعلي، والحديث عن الشهاب أحمد العطار، وكتب له اجازة بخطه على ظهر ثبته، وأخذ بقية العلوم عن علماء عصره، وكان له وللشيخ مصطفى السيوطي الآتية ترجمته، المنتهى في معرفة الفقه والفرائض والاطلاع على غوامضهما، له تقارير وأبحاث كثيرة على هوامش (شرح المنتهى) بحثًا مع الأصحاب وحلًا لمشكل كلامهم وقد أخذ عنه الفقه الشيخ محمد بن حسن الشطي والشيخ سعيد السفاريني وغيرهما، وانتفع به الطلبة انتفاعًا كثيرًا.

стр. 8

توفي يوم السبت ثامن ذي القعدة سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف، ودفن بالمقبرة الذهبية من مرج الدحداح. عبد العزيز بن حمد (١١) هو الشيخ العالم القاضي عبد العزيز بن الشيخ حمد بن ابراهيم بن حمد بن عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الوهاب بن موسى بن عبد القادر بن راشد ابن بُريد بن محمد بن بُريد بن مشرف الوهبي التميمي. سبط الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كان أبوه قاضيًا. ولد قبل سنة ١١٩٠ وقرأ على الشيخ عبد الله بن علي بن غريب وعلى الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهما من علماء الدرعية وتولى القضاء في الدرعية زمن الإمام سعود وابنه الإمام عبد الله بن سعود وأرسله الإمام سعود في سفارة إلى إمام صنعاء وكان مع الوفد الذي بعثه الإمام عبد الله إلى محمد علي باشا في مصر. ولما خربت الدرعية انتقل الشيخ عبد العزيز إلى مدينة عنيزة وتولى القضاء فيها. ثم تحول إلى سوق الشيوخ (١٢) بالعراق فولي قضاءها إلا أن توفي فيما بعد سنة ١٢٤١ ﵀. له الأجوبة المعروفة بـ (المسائل الشرعية إلى علماء الدرعية). عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١٣) هو الإمام الثقة الثبت التقي الورع المجاهد المحتسب ذو الهمة العالية

стр. 9

والشجاعة المتناهية. خلف والده في مؤازرة الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود عالم نجد ومفتيها بعد أبيه. ولد في الدرعية سنت ١١٦٥ ونشأ في كنف والده نشأة دينية صالحة وحفظ القرآن الكريم وقرأ على والده وغيره فتفقه في علمي الفروع والأصول والتفسير والعقائد والحديث والنحو واللغة والعلوم والفنون أوقف حياته على تحصيل العلم ونشره وتعليمه فأخذ عنه خلق كثير من علماء نجد وجهابذتهم. وكان مرجع قضاة الملكة العربية السعودية في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد وابنه الإمام سعود وابنه الإمام عبد الله فكان بمثابة رئيس قضاة ومفتٍ. له مؤلفات كثيرة منها (مختصر السيرة النبوية) في مجلد ضخم و (الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة) وكتب ورسائل وفتاوى كثيرة. ومن أخلاقه الشجاعة والإقدام وعرف عنه ذلك في حربه مع ابراهيم باشا الذي نقله إلى مصر وبها توفي سنة ١٢٤٢ هـ. مصطفى السيوطي مفتي الحنابلة بدمشق (١٤) هو الشيخ مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة الرحيباني مولدًا الدمشقي، الشيخ الإمام العلامة الفقيه الفرضي المحقق الكامل مفتي الحنابلة بدمشق بعد السيد اسماعيل الجراعي. ولد سنة خمس وستين ومائة وألف في قرية الرحيبة (١٥) من أعمال دمشق، ثم رحل منها إلى دمشق فأخذ بها الفقه عن

стр. 10

بقية السلف الشيخ أحمد البعلي، وبه تخرج وانتفع؛ وعن الشيخ محمد بن مصطفى اللبدي النابلسي، وقرأ على العلامة علي أفندي الطاغستاني مدرس قبّة النسر (١٦) والشيخ محمد بن علي السليمي والشيخ محمد الكاملي وغيرهم، وكان إمام الحنابلة في عصره أعجوبة في استحضار كلام الأصحاب، انتهت إليه رئاسة الفقه وشدّت الرحال للأخذ عنه، وكان حافظًا للسانه مقبلًا على شأنه لين العريكة حلو المفاكهة له مكارم وبشاشة، ولي نظارة الجامع الأموي في دمشق والجامع المظفري في صالحيتها مدة طويلة، فحمدت سيرته ولم يذكر عنه ما يشينه. ومن مؤلفاته الكتاب العظيم المسمى (مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى) ثلاث مجلدات ضخام، وله كتاب سماه (تحفة العباد فيما في اليوم والليلة من الأوراد) جمعه من الأصول الستة وله تحريرات وفتاوى لو جمعت لبلغت مجلدًا، وقد روى عنه وانتفع به أناس كثيرون من النجديين والنابلسيين وغيرهم. وقد أخذ عنه الفقه الشيخ محمد بن حسن الشطي وانتفع به، توفي ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الثاني سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف، وصلي عليه بجامع بني أمية، وكانت جنازته حافلة ودفن بتربة الذهبية حذاء آل أبي المواهب الحنبلي ورثاه تلميذه الشيخ سعيد السفاريني بقصيدة مطلعها: سهم الحمام على الخليقة منتضى ... صبرًا وتسليمًا لما حَكَم القضا وكتاب (غاية المنتهى) قد صنفه الشيخ مرعي الكرمي جمعًا بين (الإقناع) و (المنتهى) وصاحب الترجمة شرحه بشرحه المذكور، ولما وقع الاعتراض من بعض علماء نجد على مواضع في المتن والشرح المذكورين، انتصر المرحوم الشيخ محمد بن حسن الشطي فجرد ما زاد منهما على الأصلين

стр. 11

المذكورين وبحث وحقق فأيّد منها ما شهدت له النقول والروايات، ورد منها ما لم يقم عليه دليل كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه الذي سماه (منحة مولى الفتح في تجريد زوائد الغاية والشرح)، وقد تأدب مع شيخه غاية الأدب رحمهما الله تعالى وجميع المسلمين آمين. عبد العزيز بن حمد بن معمر (١٧) هو الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز ابن الشيخ الإمام حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر. ولد في الدرعية سنة ١٢٠٣ هـ ونشأ في وسط العلماء العاملين في نجد والدرعية فكان من شيوخه والده والشيخ حسين بن غنام والشيخ أحمد بن حسن بن رشيد بن عفالق الحنبلي نزيل الدرعية وغيرهم فمهر في جميع العلوم والفنون فصار عالمًا محققًا وفقيهًا متبحرًا له اليد الطولى والباع الواسع في التصنيف والتأليف ونشر العلم. من مصنفاته (منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب) ألفه في البحرين ردًا على شبهات صنعها أحد القسيسين الانكليز. و (اختصار نظم ابن عبد القوي للقنع). فر المترجم من الدرعية إلى البحرين وقت مجيء ابراهيم باشا فأقام بها ولم تنقطع صلته بآل الشيخ الذين نقلوا إلى مصر بل كان يكاتبهم. وتوفي بالبحرين سنة ١٢٤٤ هـ.

стр. 12

فاطمة الزبيرية (١٨) فاطمة بنت حمد الفضيلي الحنبلي الزبيرية وتعرف بالشيخة الفضيلية بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة واسكان الياء التحتية وبعدها لام مكسورة فياء تحتية مشددة الشيخة الصالحة العالمة العابدة الزاهدة ولدت في بلدة سيدنا الزبير ﵁ قبيل المائتين والألف ونشأت بها وقرأت على شيوخها وأكثرت عن الشيخ ابراهيم بن جديد فأخذت عنه التفسير والحديث والأصلين والفقه والتصوف وقرأت على غيره كثيرًا وتوجهت إلى العلم توجهًا تامًا وتعلمت الخطّ من صغرها فأتقنته وكتبت كتبًا كثيرةً في فنون شتى وخطها حسن وصار لها همة في جمع الكتب فجمعت كتبًا جليلة في سائر الفنون ولها محبة في الحديث وأهله فسمعت كثيرًا من المسلسلات وقرأت شيئًا كثيرًا من كتب الحديث وأجازها جمع من العلماء واشتهرت في مصرها بل وفي عصرها وكاتبها الأفاضل من الآفاق وكاتبتهم بأبلغ عبارات وأعظم مدح ثم حجت وزارت ورجعت إلى مكة المشرفة وأقامت بها في باب الزيادة في بيت ملاصق للمسجد الحرام ترى منه الكعبة المشرفة وعزمت على الإقامةِ فيها إلى الممات. فتردد إليها غالب علماء مكة المشرفة وسمعوا منها وأسمعوها وأجازتهم وأجازوها، فصار للشيخة المذكورة شهرة عظيمة وصيت بالغ وأسندت كثيرًا من المسلسلات وأخذت الطريقة النقشبندية والقادرية وكان لها أوراد وأحزاب ومشرب روي في التصوف وأرشدت خلقًا من الناس ولاسيما النساء فقد لازمنها ملازمة كلية وانتفعن بها انتفاعًا ظاهرًا وصلحت أحوال كثير منهن وصار من يتردد إليها منهن يعرف من بين النساء بالدين والتقوى والورع والمواظبة على فرائض الدين والقناعة والصبر وحسن السلوك وكان لها شهرة عظيمة ولم نسمع في هذا

стр. 13

العصر ولا فيما قبله بأعصارٍ بمثلها ولا من يدانيها في علمها وصلاحها وزهدها وورعها وجمعها للفضائل. وقفت كتبها جميعها على طلبة العلم من الحنابلة ولكنها ذهبت شذر مذر إلا أقلها. وتوفيت رحمها الله سنة ١٢٤٧ هـ، ودفنت بالمعّلاة في شعبة النور في حوطة المرحوم العلامة الشيخ محمد صالح الريس لصيقة بقبره بوصية منها رحمهم الله تعالى كما في السحب الوابلة. صالح السيوطي الدمشقي الحنبلي (١٩) هو مفتي الحنابلة في دمشق وابن مفتيها. ولد بدمشق ونشأ بها، وأخذ عن علمائها إلى أن صار من الأعلام والفضلاء الكرام، وتولى نظارة جامع بني أمية، وكان ذا هيبة ووقار محترمًا مبجلًا معظمًا بين الأخيار. مات ﵀ في جمادى الأولى سنة سبع وأربعين ومائتين وألف، ودفن في مرج الدحداح عند أسلافه. عثمان بن سند (٢٠) هو عثمان بن سند النجدي ثم البصري الوائلي نسبة إلى وائل بن قاسط بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، الإمام العلامة والرحلة الفهامة صاحب البلاغة، رحل إلى العراق وأخذ عن علمائها كالصدر السيد محمد أسعد

стр. 14

الحيدري مفتي الحنفية والشافعية ببغداد والسيد محمد أمين مفتي الحلة والسيد أحمد الحياتي قاضي بغداد، وعلامة العراق والشام الملا علي ابن الملا سعيد السويدي، والسيد زين العابدين جمل الليل المدني حين وروده إلى بغداد والبصرة، وحرر إجازة فيها هذا البيت: أنا الدخيل إذا عدّت أصولُ علا ... فكيف أذكر إسنادي لدى ابن سندْ وغيرهم من علماء الحجاز والعراق، ومن كلامه في مدح مولانا خالد النقشبندي قوله في مطلع قصيدة غراء: أيها اللائم دع عنك الملاما ... وأدر لي من سلاف القوم جاما وهي طويلة بديعة اشتمل عليها كتابه (أصفى الموارد من سلسال أحوال الإمام خالد) وهو كتاب جليل يحتوي على فوائد تاريخية وفوائد أدبية، ومن اطلع عليه علم ما للمترجم من اليد الطولى في فنون الأدب نظمًا ونثرًا (٢١) ومن مؤلفاته (نظم الكافي في العروض والقوافي) و (نظم عوامل الجرجاني) وشرحهما و (نظم الشافعية في علم التصريف) و (نظم مغنى اللبيب) ينوف على خمسة آلاف بيت و (نظم الورقات) لإمام الحرمين وشرحه و (نظم النخبة) في الحساب وشرحه، وله (نظم القواعد) وهو مشتمل على غزل بديع و (نظم في الاستعارة) وله رد على دعبل الخزاعي في عدة قصائد منها قصيدة ميمية ضمنها أنواع البديع مدح بها النبي ﷺ والصحابة سماها (القرضاب في نحر من سب أكارم الأصحاب) ألفها سنة ١٢١٨، وله كتاب منظوم مدح به الإمام أحمد ﵁ وله تاريخ سماه (مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود) استدعاه من أجله الوزير العالم داود باشا والي بغداد المنوه به فأكرمه وأجله

стр. 15

ورفع مقامه ومحله وولاه مدرسة المغامسية بالبصرة وهو كتاب في نحو أربعين كراسًا جمع من وقائع القرن الثاني عشر والثالث عشر غرائب وفوائد أخنت عليها يد الزمان، ولولاه لكانت هذه الوقائع في المنسيات ابتدأ فيه من سنة ١١٨٨ وانتهى إلى سنة ١٢٤٢، وقد اختصره الفاضل الشيخ أمين الحلواني المدني في ثلاث كراريس (٢٢)، وله تاريخ على نحو سلافة العصر سماه (الغرر في وجوه القرن الثالث عشر) لم يتم وقد ذكر صاحب الترجمة وأثنى عليه جمع من الأئمة الأفاضل حتى أن الشيخ خالد كان يقول عنه حريريّ الزمان، وممن أثنى عليه الفاضل أحمد الشرواني اليمني في (حديقة الأفراح لإزالة الأتراح) قال: "القول فيه أنه طرفة الراغب وبغية المستفيد الطالب وجامع سور البيان ومفسر آياتها بألطف تبيان أفضل من أعرب عن فنون لسان العرب، وهو إذا نظم أعجب، وإذا نثر أطرب فوالعصر إنه لإمام هذا العصر. أخبرني بديع الزمان شيخنا الشيخ عبد الله بن عثمان أنّ هذا الفاضل الأديب أبدع في نظمه معني اللبيب وأبرز أسرار البدائع بتصانيفه المشتملة على اللطائف والروائع ومن شعره: قد زارني والليل يحكي فرعه ... ظبي الشذا أنا في النحول كخصره فجنيت من وجناته ما أشتهي ... ورشفت من حبب بحمرة ثغره وسكرت حتى مست مثل قوامه ... طربًا ولم أشعر عواقب وزرِه ويطربني قوله لافض فوه: قلت لما قال لي خشف الغلا ... صف عذاري وقوامي واعجلا

стр. 16

يا عديمَ المِثْل قد كلّفتني ... غيرَ ما أقدرُ حتى قلتُ: لا أي لا أقدر من الاكتفاء ولا هي جوابه فاللام عذاره والألف قوامه" وكانت وفاته سنة ١٢٥٠) (٢٣). مصطفى البرقاوي قاضي الحنابلة بدمشق (٢٤) هو مصطفى بن سليمان بن سلمان بن محمد مزهر النابلسي البرقاوي مولدًا وشهرة الدمشقي، الشيخ الفاضل العالم الكاتب، قدم دمشق وأخذ من علمائها وأدرك الشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار ولازمهما، ثم بعد وفاتهما لزم ولديهما العّلامتين الشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار، وتفقه على الشيخ مصطفى السيوطي المقدمة ترجمته (٢٥) وكان ذا هيبة ووقار ولي قضاء الحنابلة بدمشق سنة ١٢٢٠ وتصدر القضاء في المحاكم الشرعية. ولم يزل على حالته إلى أن توفي. وكانت وفاته في سابع عشر ذي القعدة سنة ١٢٥٠، ودفن بمقبرة الباب الصغير قريبًا من قبور بني الكزبري رحمه الله تعالى. عبد اللطيف الشطي (٢٦) عبد اللطيف بن خضر بن معروف بن عبد الله بن مصطفى بن شطي المعروف بالشطي، البغدادي مولدًا الدمشقي موطنًا ووفاة.

стр. 17

كان من الأفاضل الصالحين، خطاطًا متفننًا كاتبًا منمقًا مخترعًا مدهشًا ذا فكر ثاقب، كتب بخطه البديع من القطع وصنع من التحف ما لم يزل باقيًا حتى الآن منشورًا في البيوت مذكورًا في الألسن، وأقدم ذلك قطعة مؤرخة في سنة ١٢٠٣. أخذ الخط وفنونه عن العالم الصوفي الكاتب الشيخ مصطفى بن عبد الله بن محمود الكردي المتوفى بدمشق سنة ١٢٠٢. ومن لطائف صاحب الترجمة ما حدث به الشيخ عبد الله الحموي وكان أدركه قال: طلب من المترجم قطعة تعلق فوق ضريح سيّدنا يحيى في الجامع الأموي فكتب لهم قطعة فيها قوله تعالى: (ليس لها من دون الله كاشفة) (٢٧) فوضعوها على الضريح المنوّه به، فلمّا رآها الشيخ العلامة حامد العطار قال لمن معه: ما كتب هذه القطعة إلا حنبلي. قالوا له: نعم كتبها الحاج عبد اللطيف الشطي. ومن نوادره المشهورة ما حدث به الشيخ أحمد الشطي قال: كان طرق أحد اللصوص داره في محلة العمارة، وتكررَ نزوله عليه فتفكر في أمره واصطنع له فخًا يقبض على رجله إذا نزل وجعله بصورة الكرسي، ثم وضعه في الوضع الذي ينزل اللص منه، فلما كان الليل نزل اللص ووضع رجله على الكرسي المذكور فقبض على رجله، وآثر اللص على نفسه فتخلص من الفخ وفر هاربًا والدم يقطر من رجله، فلما خرج صاحب الترجمة إلى السطح عرف تفلت اللص من الفخ وانجراحه به فتعقب في الصباح أثر الدم حتى عرف دار اللص، فذهب إليه وتهدّده بالبطش والإهانة فشكى له حاله وتاب على يديه، ثم أكرمه صاحب الترجمة وعفا عنه.

стр. 18

وكان المترجم موهوبًا بالفنون من ذلك أنه كان اتخذ قنينة بللور لها فوهة ضيقة لا تدخل الإصبع وبداخلها كتابة بالحبر الأسود وفيها أدوات كبيرة خشبية إذا رآها الناس تعجبوا منها. وصنع كرة أرضية مركوزة على طاولة لطيفة وعليها رسوم الأفلاك والمنازل بصورة تروق للناظر. توفي صاحب الترجمة سنة ١٢٥٢ ودفن في مقبرة آل الشطي من السفح القاسيوني. سعيد بن أسعد السفاريني (٢٨) كان إمامًا عالمًا عاملًا وهمامًا كاملًا فاضلًا معتمدًا عليه في مذهب الإمام الأوحد، العالم العامل المجتهد الإمام أحمد قدس الله سره ورفع في الدارين قدره، وكان له صلاح ظاهر ودأب على السنة باهر. مات ﵀ في غرة رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف ودفن في تربة الذهبية قرب قبر السيد عبد الباقي الحنبلي الأزهري. محمد سعدي السيوطي (٢٩) هو سعدي بن مصطفى بن سعد السيوطي الرحيباني الدمشقي مفتي الحنابلة بدمشق وابن مفتيها، تولى الإفتاء بعد وفاة والده سنة ١٢٤٣، وكان صالحًا دينًا عفيفًا زاهدًا محمود السيرة، فقيهًا في الذهب، وكان ضعيفًا في

стр. 19

العربية بحيث يصحح له الفتوى الشيخ حسن الشطي، وقد تفقه على والده وعلى الشيخ إبراهيم الكفيري. توفي في خامس عشر من شوال سنة ست وخمسين ومائتين وألف رحمه الله تعالى. أحمد بن رشيد (٣٠) هو الشيخ الفاضل أحمد بن حسن بن رشيد بن عفالق النجدي أصلًا الأحسائي مولدًا ومنشأ الحنبلي مذهبًا. ولد بالأحساء سنة ١١٨٠ هـ تقريبًا ونشأ بها وقرأ على علمائها ثم نزح إلى المدينة المنورة وجاور بها وأخذ يدرس الطلاب بالمسجد النبوي وتزوج بالمدينة ابنة مصطفى الرحمتي الأنصاري ولما دخل الإمام سعود بن عبد العزيز المدينة المنورة عام ١٢٢١ هـ قابله المترجم فرآه الإمام سعود عالمًا جيد الاعتقاد سلفيًا فأقره على التدريس بالمسجد النبوي وولاه مع ذلك قضاء المدينة المنورة بالاشتراك مع قاضيها أحمد الياس الإسطنبولي الحنفي. ولما ظهر طوسون بن محمد علي باشا هرب المترجم من المدينة إلى الدرعية ومكث عند الإمام سعود بن عبد العزيز، وجلس للتدريس فأخذ عنه خلق كثير علم التجويد والقراءات. ولما حوصرت الدرعية كلفه الإمام عبد الله بن سعود بمقابلة إبراهيم باشا والتفاهم معه بشأن الصلح وفك الحصار ووضع الحرب، فلم يتم شيء من ذلك واستولى إبراهيم باشا على الدرعية وعذب المترجم أنواع العذاب فخلع أسنانه وأشخصه إلى مصر وتوفي هناك سنة ١٢٥٧ هـ ﵀.

стр. 20

إبراهيم بن عبد الله الحنبلي الدمشقي (٣١) كان عالمًا بارعًا وزاهدًا عابدًا ورعًا فقيهًا في مذهب سيدنا الإمام أحمد بن حنبل ولا ريب أنه ذو مقام كامل أكل، ولم أطلع له على شيء من الشعر ولا من السجع والنثر. توفي ﵀ سنة اثنتين وستين ومائتين وألف، ودفن في مقبرة العارف بالله الشيخ رسلان قدس الله سره وجعل الفردوس مقره. ابراهيم الكفيري (٣٢) هو العالم الفاضل الفقيه الفرضي، تفقه على الشيخ مصطفى السيوطي والشيخ غنّام النجدي، وقرأ على غيرهما، وكان يحفظ (المنتهى) عن ظهر قلب، ويقرره للطلبة مع شرحه وكان الطلاب يصححون نسخ المنتهى من حفظه، وكان صالحًا ورعًا ناسكًا زاهدًا ملازمًا داره بمحلة القيمرية (٣٣) وكانت الطلبة تأتيه إلى داره المذكورة، وكان العلامة الجد يعظمه وإذا أتاه بعض الطلبة لقراءة الفقه أرسله إليه، ولم ينصب نفسه لإقراء الفقه إلا بعد وفاته. وممن أخذ عنه الشيخ محمد خطيب دوما والشيخ عبيد القدومي النابلسي والشيخ أحمد القدومي الدمشقي وولده الشيخ صالح الكفيري المتوفى سنة ١٢٨٢ رحمه الله تعالى. توفي سنة ١٢٦٣ هـ تقريبًا. الشيخ مصطفى الشطي (٣٤) مصطفى بن محمود بن معروف بن عبد الله بن مصطفى الشطي البغدادي

стр. 21

الأصل الدمشقي الكرخي نسبة إلى الولي المشهور الشيخ معروف الكرخي، وهذه النسبة مستفيضة في بغداد معروفة لبني الشطي حتى الآن ولهم فيها آثار ومآثر منها جامع القزازة الحاوي على مقبرة عظيمة قديمة وأغلب آل شطي مدفونون بها، وهو الآن بيد بني البرزنجي من أسباطهم هناك، وقد انقرض الذكور منهم بالطاعون سنة ١٢٢٧، وكان آخرهم الحاج إسماعيل شطي المتوفى سنة ١٢٢٩ وكان قيل ذلك في حدود سنة ١١٨٠، ورد منهم إلى دمشق تجارًا كل من والد صاحب الترجمة الحاج محمود جلبي والحاج عمر جلبي والحاج خضر جلبي أولاد الحاج معروف جلبي وابن عمهم الحاج عبد الفتاح، فنزلوا في ديارهم المعروفة بهم قرب المدرسة البدرائية بدمشق وتجارتهم في خان اسعد باشا العظم بسوق البزورية، ثم نشأ صاحب الترجمة في صيانة وورع، وكان من العلماء العاملين والأولياء الكاملين عابدًا ناسكًا مجتنبًا للشبهات مشتغلًا بأنواع القربات، مشهورًا بالصلاح والتقوى بحيث كان مثال الورع في دمشق، مولده بدمشق سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف، ونشأ في حجر والده المتوفي سنة ١٢٠١ ثم بعد ذلك بقي المترجم عند والدته مع أخويه الأكبرين الحاج أحمد والحاج محمد إلى أن بلغ من العمر ثلاثا وعشرين سنة، وكان إذا ذاك قد حفظ القرآن الكريم وبرع في العلوم، وقد قرأ في الفقه على العلامة الشيخ مصطفى الرحيباني الشهير بالسيوطي، ومن مقروآته عليه شرحه الذي صنفه على كتاب (غاية المنتهى)، وأخذ التفسير والحديث عن الشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار والنحو والصرف وغيرهما من الآلات عن الشيخ عبد القادر الميداني، وأخذ عن غيرهم من شيوخ دمشق. ثم أكب على العبادة والتلاوة مشتغلًا بالتجارة مع أخويه مع الورع والتقوى، وقد اشتهر أمرهم وامتدحوا بقصائد غراء، منها قصيدة بديعة مذيلة بنثر لطيف من إنشاء العلامة الشيخ

стр. 22

محمد المسيري المقدسي في مدح المترجم وأخيه الحاج محمد المتوفى سنة ١٢٤٢، مطلعها سقى الله وادي الشام ذا الرفع والهبطِ ... بواكرَ غيثٍ بين عال ومنحطّ وحيى ربوعًا قد برزن كواكبًا ... تميس كما ماس الخرائد بالمرطِ بلادٌ بها ينسى الغريب بلاده ... ويسلو أهاليه مع الصحب والرهط بلادٌ بها روض المسرة فائحٌ ... وبدر علاها لا يميل إلى حطّ يضوع بها ضوع المسرة عابقًا ... وتنهال مزنُ البشر فيها بلا قنطِ تكنفها الجنات من كل جانبٍ ... فأربى الشذا فيها على المِسْك والقسطِ وكم نَهَرٍ فيها يجوس خلالها ... وكم جدولٍ ينساب في الدر كالرقطِ وكم من مزاراتٍ بها ومشاهدٍ ... يلوح سناها للمصيب وللمخطي وكم ماجدٍ فيها وكم عالمٍ بها ... تجرّ به ذيلًا على ربة القرطِ وكم صالحٍ قد حل في فيحِ سوحها ... به يستقي غيثَ السماءِ إذا يبطي أخا الحزم يمم نحوها واثو عندها ... وجز لجّها واهبط ببحبوحة الشطّ تجد مستناخًا آهلًا ومبوّأ ... رحيبا وقومًا فضلهم جلّ عن ضبطِ بهم سارت الرُّكبان في كل وجهةٍ ... وطيب ثناهم قد دعا الناس للغبطِ أناس تراهم لا تتوق نفوسهم ... لغير العلى من غير شوب ولا خلطِ وهمتهم غرس المكارم في الورى ... وكسب المعالي والتقصّي عن الرمطِ وكم أسسوا آثار فضلٍ ومهّدوا ... قواعدَ برٍّ بدرها غير منحطِّ ولم تلف فيهم غير برٍّ وماجدٍ ... وذلكَ دأبّ للشباب وللشُّمْطِ تنبّه كلٌ لمرادِ من الدنا ... فسارع في مرضاة خالقه المعطي ولم يثنهم عن منهج الرشد صارفٌ ... ولا غرت الدنيا بشيلٍ ولا حطِّ ولا نظروا شذرًا ولا آثروا بها ... ولا اشتغلوا بالثلب والطعن والغمطِ

стр. 23

نواديهمُ بالعلم والذكرِ حية ... وأرقابهم عن منتمى الخير لا تخطي وسيرتهم بين الأنام حميدةٌ ... ومنهجهم جارٍ على منهج القسطِ ومنزلهم مأوى الكرامة دائمًا ... وشأنهم يرضي الإلهَ بلا سخطِ وما الشام إلا مقلةً هم سوادُها ... وسمط لآلٍ هم فرائدُ في السمطِ وما الشامُ في البلدانِ إلا قصيدةٌ ... وهم بيتها أكرمْ بالاباء والسبطِ أدام إلهي فضلهم متضاعفا ... ورشحهم بالايد والفضل والبسط وصانهمُ من كل كربٍ وآفة ... ومن شرِّ ذي شرٍ ومن كيد ذي ضغط ولا زال عون الله يرعى ديارهم ... ومزن عطاياطم تسح ولا تبطي ويحكى عن المترجم مناقب في الورع عظيمة ولم يزل على وتيرة العبادة والنسك وحسن السيرة إلى أن توفاه الله تعالى. وكانت وفاته ليلة الجمعة سلخ جمادى الثانية سنة تسع وستين ومائتين والف، ودفن في سفح قاسيون في تربة آل شطي قرب المغارة الجوعية (٣٥) رحمه الله تعالى. محمد بن ظَهِيره (٣٦) محمد بن يحيى بن ظهيره المكي القرشي الحنفي مفتي الحنابلة العالم الفقيه الفاضل المعمر البركة ذكر الشيخ محمد بن حميد المفتي في كتابه السحب الوابلة: (أنه مكث في الافتاء فوق الثمانين سنة وكان يكتب له الفتوى الشيخ يوشع سنبل المكي ثم من بعده شيخنا الهديبي ثم من بعده الحقير ولم أر أحدًا مكث في الفتوى مثله وحين توفي له من المعمر مائة وبضع عشرة سنة) انتهى ونقل

стр. 24

بعض الفضلاء عن الشيخ علي الحنبلي ابن أخت المترجم بأن عمره إذ ذاك أربع وعشرون ومائة وأنه توفي سنة واحد وسبعين ومائتين وألف أقول وهو آخر بيت ظهيره مفاتي مكة وقضاتها. وظهيره بفتح الظاء المعجمة المشالة وكسر الهاء المهملة كما رأيته مضبوطًا عن بعض الثقات. وأخبرني بعض من أثق به أيضًا بأنه اطلع على رسالة البدور المنيرة في ذكر بني ظهيره فوجده مضبوطًا بما ذكر. توفي ﵀ سنة ١٢٧١ هـ. عبد الرحمن بن عبد الله (٣٧) هو الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ عبد الله ابن الشيخ العلامه محمد بن عبد الوهاب. ولد بالدرعية سنة ١٢١٩ هـ وقرأ القرآن ومبادئ العلوم بها ثم نقل مع والده إلى مصر بعد سقوط الدرعية سنة ١٢٣٣ هـ ودرس بالجامع الأزهر ولما تخرج تولى مشيخة رواق الحنابلة في الأزهر. درس عليه كثيرون وكان عالمًا فقيهًا ذا سمت حسن يظهر عليه التقى والصلاح. توفي بمصر سنة ١٢٧٤ هجرية. حسن الشطي (٣٨) حسن بن عمر بن معروف الشطي الدمشقي مولدًا ووفاة، البغدادي أصلًا لشيخ الإمام العلّامة المحدث الفقيه النحوي الفرضي الحيسوبي الثبت الثقة

стр. 25

الورع التقي شيخ الحنابلة ومرجعهم وإمام الفرضيين ومسندهم، ولد بدمشق في صفر سنة حمس ومائتين وألف، ونشأ في حجر والده في صيانة ورفاهية، وتوفي والده في سنة ١٢١٨ فأخذ في طلب العلم، وأدرك الشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار فأخذ عنهما، وتفقه على الشيخ مصطفى السيوطي والشيخ غنّام النجدي، وحضر في الفرائض والنحو على الشيخ عبد الله الكردي، وقرأ على الشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار والشيخ عبد الرحمن الطيبي والشيخ يحيى المصالحي وملا علي أفندي السويدي والشيخ خليل الخشة، وأخذ حديث الأولية عن الشيخ عمر المجتهد، وأخذ عن غيرهم بدمشق، ورحل إلى بغداد سنة ١٢٢٦ فأخذ عن مشايخ أجلهم الشيخ محمد البكيري، وأخذ عن مشايخ الحجاز سنة ١٢٣٢ من أجلهم الشيخ محمد طاهر الكوراني. وألّف صاحب الترجمة المؤلفات النافعة منها (منحة مولى الفتح في تجريد زوائد الغاية والشرح) أي غاية الشيخ مرعي الكرمي وشرح شيخه السيوطي مجلد كبير، و (النثار على الإظهار) مجلد و (مختصر شرح العقيدة) للسفاريني مجلد، و (بسط الراحة لتناول المساحة)، و (شرح على رساله في أنْ المصدرية)، و (شرح على الكافي في العروض والقوافي)، و (شرح على حزب النواوي)، ومنسك كبير ومعراج، ومولد وعقيدة، وثبت، و (رسالة في البسملة)، و (رسالة في فسخ النكاح)، وكان صاحب الترجمة متبحرًا في العلوم متخليًا بحلي المنطوق والمفهوم خدم مذهب الإمام أحمد بن حنبل الخدمة التامة فكان حامل لوائه، وانتهى إليه علم الفرائض فكان محيي رمته. وكان شأنه العلم والعبادة وكسبه كأسلافه الصالحين من التجارة الخالصة، ولمزيد ورعه لم يعهد له مداخلة في أمور الحكومة حتى تولّت مريدوه المناصب العلمية وهم خاضعون لفضله، ولا اشتغالٌ بأعمال الفرضيين مع انفراده بها في عصره حتى ندب لذلك جماعة من تلامذته، فأخذوا

стр. 26

عنه فنون الفرائض والحساب والمساحة واشتغلوا بها حال حياته، وبعد وفاته انتشرت هذه العلوم بدمشق وغيرها، وكان له الفضل والخير في الفقه الحنبلي، فإنه انفرد به في عصره حتى رحل إليه الطالبون من بلاد نجد ونابلس ودوما ورحيبة وضمير وغيرها، فأخذوا عنه الفقه رواية ودراية وتلقوه خلفًا بعد سلف، وكانت دروسه في داره وفي محراب الحنابلة من الجامع الأموي، وكان عليه تولية وتدريس المدرسة الباذرائية وهي من أعمر المدارس وأزهرها بدمشق، وكان له في الدين والورع أمور كثيرة شهيرة، ومن نوابغ تلامذته الذين أخذوا عنه وانتفعوا به مفتي دمشق السيد محمود حمزة وأخوه أسعد وقاضي دمشق سعيد الأسطواني ورضا الغزي وأخوه حسين والشيخ بكري والشيخ عمر والشيخ إبراهيم أحفاد الشهاب العطار والشيخ أحمد مسلم الكزبري والقاضي الشافعي الشيخ سليم سبط الطبي والمفتي الشافعي محمد الغزي ودرويش العجلاني والقاضي الحنبلي الشيخ محمد البرقاوي والمفتي الحنبلي الشيخ سعيد السيوطي والشيخ محمد الطيبي مفتي حوران والشيخ عبد الله القدومي شيخ الديار النابلسية والشيخ يوسف البرقاوي شيخ رواق الحنابلة في الأزهر والشيخ محد خطيب دوما وغيرهم من دمشقيين وآفاقيين. وكان له نظم قليل فمنه قوله: يا عاذلي في حبها دع عنك ذا ... إن لم تدع غارت لها شجعانها وفّى بأنواع البديع نظامها ... وبمدح طه زينت تيجانها فخليلنا أسدى لنا معروفه ... مذ صاغها فتقاصرت أقرانها لا زال يرتع في ميادين العلى ... ما جددا أيامنا ملوانها وقوله: أيًا خلا حوى لطفًا وأولى ... من المعروف خدْنا ثم أولى

стр. 27

لئن تنصف فقد صوبت رأيًا ... وإن تسمح وتعذر فهو أولى ففي الأيام ما يدهي ويلهي ... وهل يجديك قولي: دعه أولا ولم يزل صاحب الترجمة على طريقته المثلى وحالته إلى أن توفي، وكانت وفاته بعيد الغروب ليلة السبت رابع عشر جمادى الثانية سنة أربع وسبعين ومائتين وألف، ودفن بمحفل عظيم في السفح القاسيوني في مقبرة بني الشطي المعروفة بتربة البغادة. عبد الرحمن بن محمد بن عبد الوهاب النجدي (٣٩) العالم المشهور ذو الفضل المعروف، ولد في بلاد نجد. ثم إن محمد علي باشا لما أمره السلطان محمود بمقاتلة الوهابيين، أرسل ولده إبراهيم باشا ومعه معسكر عظيم من الأكراد والأرناؤوط وعرب مصر الهوّارة لمحاربة عبد الله بن سعود أمير نجد فقاتلهم وقتل ونهب وحرق وخرب وأسر عبد الله بن سعود وأرسله إلى مصر، فبعثه والي مصر إلى السلطان محمود فصلبه. وأما باقي عائلة أمراء الوهابيين المعروفين بآل المقرن، وباقي بيت الشيخ محمد بن عبد الوهاب المشهورين ببيت الشيخ، فإنه نقلهم جميعًا إلى مصر وأسكنهم هناك ورتب لهم المعاشات، وكان من جملتهم المترجم المرقوم فالتفت إلى الطلب والتعلم والتعليم والاستفادة والإفادة إلى أن صار في الأزهر شيخ رواق الحنابلة، وكان ظاهر التقوى والصلاح والعبادة. ولم يزل على حالته المرضية وطاعته وعبادته وإفادته إلى أن احتضرته المنية سنة أربع وسبعين ومائتين وألف رحمه الله تعالى.

стр. 28

الشيخ أبا بطين (٤٠) هو العلاقة الفقيه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز الملقب كأسلافه أبا بطين العائذي نسبًا الحنبلي مذهبًا النجدي بلدًا. ولد في بلدة الروضة من بلدان سدير لعشر بقين من ذي القعدة سنة أربع وتسعين ومائة وألف من الهجرة ونشأ بها وقرأ على عالمها محمد بن الحاج عبد الله بن طراد الدوسري الحنبلي فمهر في الفقه. رحل إلى شقراء عاصمة الوشم بنجد واستوطنها وقرأ على قاضيها الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله الحصين تلميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب التفسير والحديث والفقه وأصول الدين وبرع في ذلك كله وأخذ عن العلامة أحمد بن حسن بن رشيد العفالقي الأحسائي ثم المدني الحنبلي وعن الشيخ العلامة محمد بن ناصر بن عثمان بن معمر التميمي. ولما تولى الإمام سعود بن عبد العزيز على الحرمين الشريفين سنة ١٢٢٠ هـ ولاه قضاء الطائف، ثم صار قاضيًا على شقراء وعلى جميع بلدان الوشم. وبعدما قتل الإمام تري شهيدًا وتولى بعده ابنه الإمام فيصل أقره على قضاء القصيم سنين عديدة. كان جلدًا على التعليم كريمًا ساكنًا وقورًا كثير التهجد والعبادة قليل المجيء إلى الناس وقرأ عليه خلق كثيرون، كتب بخطه كتبًا عديدة قيمة؛ اختصر (بدائع الفوائد) لابن القيم، وكتب (حاشية على شرح المنتهى) في مجلد ضخم واختصر كتاب (إغاثة اللهفان) وتعليقات على (الروض المربع شرح زاد المستقنع) و (تعليقات على شرح الدرة المضيئة شرح

стр. 29

عقيدة السفاريني) و (تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن سليمان بن جرجيس) وفتاوى كثيرة طبعت ضمن رسائل علماء دعوة التوحيد المسماة بـ (الرسائل والمسائل النجدية). ورجع إلى شقراء بسبب الحاح أهلها فأقام بها حتى توفي في السابع من جمادى الأولى سنة ١٢٨٢ هـ. الشيخ أحمد قاضي قصبة الزبير (٤١) الشيخ أحمد بن الشيخ عثمان بن جامع، الحنبلي المذهب الأنصاري النسب ولد رحمه لله في أواخر السنة الرابعة والتسعين ومائة وألف من هجرة سيد الثقلين في الزيارة من أعمال البحرين وقرأ العلوم في الأحساء على من كان فيها حتى حصل له الكفاية وصار على جانب عظيم من الدراية ثم انتقل إلى البصرة واتخذ في قصبة سيدنا الزبير مثواه ومستقره ونصب من قبل قضاة البصرة قاضيًا فيها إذ كان نافذ الحكم بين أهاليها فسار على أحسن مسيرة. وكان تولى قضاء البحرين ثم الزبير وبقي فيها قاضيًا إلى أن مات في سنة ١٢٨٥. ثم تولى القضاء بعده ولده السيد محمد سنة ١٢٨٧ هـ. الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٤٢) هو العلامة الشهير عبد الرحمن بن حسن حفيد الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب. ولد في الدرعية سنة ١١٩٣ فحفظ القرآن في التاسعة ولازم دروس

стр. 30

العلم وقرأ على جدّه كتاب التوحيد حتى أبواب السحر وجملة من كتاب آداب المشي إلى الصلاة وحضر عليه قراءات كثيرة في كتب التفسير. والحديث والأحكام ثم لازم علماء الدرعية بعد وفاة جده فقرأ على الشيخ حمد بن ناصر بن معمر كتاب المقنع ومختصر الشرح الكبير وغيرهما .. وقرأ على الشيخ عبد الله بن فاضل وقرأ على عمه الشيخ عبد الله وقرأ على الشيخ عبد الرحمن ابن خميس في الفرائض وقرأ على الشيخ حسين بن غنام صاحب التاريخ المشهور في النحو. ثم جلس لطلاب العلم ثم ولي قضاء الدرعية زمن الإمام سعود بن عبد العزيز وابنه الإمام عبد الله بن سعود. ولما خرج طوسون بن محمد علي باشا لقتال السلفيين جنّد الشيخ عبد الرحمن نفسه للقتال وحضر وقعة وادي الصفراء بالقرب من المدينة التي هزم فيها طوسون، واستمر الشيخ في القتال حتى سقوط الدرعية فنقله إبراهيم باشا مع عائلته إلى مصر وبقي هناك ثماني سنوات قرأ فيها على عدة علماء منهم الشيخ حسن القويسني الذي حضر عليه (شرح جمع الجوامع للمحلي) و (مختصر السعد) في المعاني والبيان وأجازه بجميع مروياته، وقرأ بمصر على مفتي الجزائر محمد بن محمود الجزائري الحنفي (الأحكام الكبرى) للأشبيلي وأجازه بجميع مروياته عن شيخه الشيخ محمود الجوائري والشيخ علي بن الأمير. وقرأ القرآن على الشيخ إبراهيم العبيدي المقري شيخ مصر في زمنه في القراءات، وقرأ الشاطبية وشرح الجوزية على الشيخ أحمد بن سلمونة وقرأ على الشيخ يوسف الصاوي شرح الخلاصة لابن عقيل وقرأ على الشيخ إبراهيم الباجوري شرح الخلاصة للأشموني، وحضر على محمد الدمنهوري في الاستعارات والكافي في علمي العروض والقوافي. ولما استعاد الإمام تركي بن عبد الله بن محمد ابن سعود نجدًا سنة ١٢٤٠ هـ عاد صاحب الترجمة معززًا مكرمًا وأعان

стр. 31

الإمام تركي على تأسيس ونشر الدعوة السلفية. وانتهت إليه رئاسة علماء نجد وتخرج به خلائق كثيرون وقام يبث العلم وينشر الدعوة. له (القول الفصل النفيس في الرد على داود بن جرجيس) و (المقامات) ردّ فيه على عثمان بن عبد العزيز بن منصور الناصري و (المحجة) ردّ فيه على صاحب السحب الوابلة و (بيان كلمة التوحيد) ردّ فيه على عبد الحميد الكشميري و (فتح المجيد) شرح فيه كتاب جده الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب وله حاشية أيضًا على كتاب الجد المذكور، و (الرد والردع) رد فيه على داود بن جرجيس (خ) ورسائل كثيرة. وكان صاحب الترجمة متنبهًا فطنًا عاصر ستة ملوك من آل سعود وكانت وفاته بالرياض عشية السبت حادي عشر ذي القعدة سنة ١٢٨٥ هـ ودفن في مقبرة العود. ابن مانع (٤٣) عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مانع الوهيبي التميمي؛ قاض من علماء الحنابلة من أهل (شقراء) بنجد، جمع مكتبة حافلة منها ما نقله بخطّه وجرّد "حاشية" جدّه لأمه عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) على (المنتهى) من هوامش نسخته فجاءت في مجلّد ضخم وتولى قضاء القطيف. مات بالأحساء سنة ١٢٨٧ هجرية. سعيد السيوطي (٤٤) سعيد بن مصطفى بن سعد السيوطي الرحيباني الأصل الدمشقي، الشيخ

стр. 32

الفقيه الفاضل النبيل مفتي الحنابلة بدمشق بعد أخيه الشيخ محمد سعدي المتوفى سنة ١٢٥٦. ولد بدمشق سنة أربع وثلاثين ومائتين وألف، ونشأ بها حجر والده وأخيه المقدم ذكرهما، ثم أخذ في طلب العلم فتفقه على أخيه المذكور وعلى الشيخ حسن الشطي، وحضر في علوم الآلات على العلامة الشيخ سعيد الحلبي، وأقيم في مكانه رضا الغزي، وولي أيضًا نيابة قضاء السّلط، وكان عليه من أسلافه جملة وظائف دينية، منها تولية الجامع المظفري المعروف بجامع الحنابلة في صالحية دمشق، فاستمر بها وبالفتوى إلى أن توفي وكانت وفاته في ثامن عشري المحرم سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف رحمه الله تعالى آمين. عبد اللطيف بن عبد الرحمن (٤٥) هو الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب ولد سنة ١٢٢٥ هـ في الدرعية وقرأ بها القرآن ولما سقطت على يد إبراهيم باشا نقل إلى مصر وعمره ثمان سنوات بمعية والده سنة ١٢٣٣ فنشأ بها وتزوج فيها وأقام بها إحدى وثلاثين سنة درس خلالها العلم على علماء نجديين ومصريين منهم والده وابن عمه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب والشيخ محمد بن محمود الجزائري الحنفي والشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الجامع الأزهر في زمنه والشيخ مصطفى الأزهري والشيخ أحمد الصعيدي وغيرهم. ثم رجع إلى نجد سنة ١٢٦٤ واستقر بالرياض أشهرًا جلس فيها لطلاب

стр. 33

العلم حيث عرف فضله وعلمه فأرسل إلى الأحساء لنشر الدعوة ومناظرة العلماء فأقام بها سنتين. ورجع بعد ذلك إلى الرياض فعمل هو ووالده على مؤازرة الإمام فيصل ابن الإمام تركي. كان قوي الشخصية جم العلم صادق اللهجة مخلصًا آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر مهابًا محترمًا عند الولاة. أخذ عنه العلم خلائق من نجد كثيرون. له مؤلفات كثيرة منها (تأسيس التقديس في الرد على داود بن جرجيس) و (مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام) رد فيه على عثمان بن عبد العزيز بن منصور و (تحفة الطالب والجليس في الرد على ابن جرجيس) ورسائل كثيرة وغير ذلك اتصف فيه ببلاغة الأسلوب والجزالة وله قصائد ومطولات. توفي في الرابع عشر من ذي القعدة سنة ١٢٩٣ هـ عن ثمانية وستين عامًا. عبد السلام الشطي (٤٦) عبد السلام بن عبد الرحمن بن مصطفى بن محمود الشطي الدمشقي، العالم الفاضل العابد الناسك الأديب الشاعر اللوذعي اللطيف، كان من ظرفاء أهل دمشق حسن العشرة لطيف المذاكرة مفننًا بالأدب يغلب عليه الصلاح. ولد بدمشق سنة ست وخمسين ومائتين وألف، قرأ ألقرآن وتعلم الخط وهو صغير جدًا، وأخذ عن مشايخ كثيرين منهم الشيخ عبد الله الحلبي والشيخ محمد الجوخدار والشيخ عبد الرحمن بيازيد وأحمد أفندي الاستانبولي والشيخ أحمد

стр. 34

مسلم الكزبري والشيخ مصطفى المغربي نزيل دمشق والشيخ صالح جعفر والشيخ عمر العطار، وحضر في الفقه وغيره دروس الشيخ حسن الشطي ثم ولده الشيخ أحمد الشطي، ولازم الشيخ سليم العطار الملازمة التامة في التفسير والحديث وغيرهما، وحج مرتين سنة ١٢٧٤ وسنة ١٢٨٤، ودخل مصر وغيرها فاستجاز أجلة الشيوخ كالشيخ ابراهيم الباجوري والشيخ إبراهيم السقا والشيخ مصطفى المبلط والشيخ محمد البنا مفتي اسكتدرية والشيخ داود البغدادي النقشبندي والشيخ جمال المكي رئيس المدرسين في المسجد الحرام والسيد أحمد محيى الدين الحسيني مفتي غزة، وأخذ الطريقة القادرية عن السيد محمد نوري القادري ورحل إلى قسطنطينية سنة ١٢٩٣ ووجه عليه تدريس أدرنه وخصص له راتب من الصر السلطاني، وأمّ في محراب الحنابلة من الجامع الأموي احتسابا، وكان مشهورًا بالذكاء واللطف والورع الزائد لا سيما فيما يتعلق بالطهارة. وكان له مزاح ودعابة بحيث لا يمل جليسه منه ولا يعدل صاحبه عنه، وله شعر في غاية السلاسة وربما عمل القصيدة الموزونة ولم يعلم من أي بحر هي. ولم يزل في أرغد عيش وأحسن حال حتى وقعت مسألة كسر البسيط التي عمل فيها قصيدته: كسر البسيط برأيه المعكوس ... وأتى لدرس العم بعد دروس فانتصر الأمير عبد القادر الجزائري للشيخ الطنطاوي الذي انكسر البسيط على يده (٤٧) فأرسل إلى المترجم فأهانه في داره بحضور جماعة من العلماء، فبعد

стр. 35

ذلك اغبرّ عيش صاحب الترجمة وتكدر صفاؤه، وأخيرًا تنبه الأمير لغلطه فأرسل إليه صرة فيها خمسون ليرة فردها وارسل يقول: أنا لا ابيع مصيبتي (وعند الله تجتمع الخصوم)، ثم جاء الأمير بنفسه إلى دار المترجم فأخذ بيده واستسمح منه. وله ديوان شعر منه: إليك رسول الله أشكو نوائبا ... لقد أنحلت جسمي وأعمت بصيرتي وقد زاد بي سقمي وطال تمرضي ... وقد ضاق بي صدري وصرت بحيرةِ وحالي لا يخفاك تفصيلُ شرحه ... فجدْ لي بكشف الضرّ واقبل عريضتي فيا خير خلق الله يا أشرف الورى ... على بابك العالي أنخت مطيتي وفيك لقد أملت نيل مقاصدي ... وأرجوك يا مختار إبراء علتي عليكَ صلاةُ الله ثم سلامه ... وآلك والأصحاب في كل طَرْفة وقال مضمنا مصراع بيت للعارف ابن الفارض: أجريت من شوقي إليك مدامعي ... وازداد من عشقي عليك تلهفي ومذ حيّى غدا كالبدر يزهو ... بياض في بياض في بياض وقال فيه العالم الشيخ صالح المنير: بدا عبد السلام ففاح منه ... شذًا يسمو على زهر الرياض ومذ حيّى غدا كالبدر يزهو ... بياض في بياض في بياض وقد ألف رسائل لطيفة واجتمع عنده من الكتب ما لم يجتمع عند غيره فأوقف البعض منها على ذريته وبيع أغلبها في تركته.

стр. 36

وكانت وفاته فجأة ليلة إحدى عشري محرم سنة خمس وتسعين ومائتين وألف عن ٣٩ عامًا، ودفن في التربة الذهبية (٤٨) بمشهد حافل ولم يعقب ذكرًا رحمه الله تعالى. محمد بن حميد مفتي الحنابلة (٤٩) محمد بن عبد الله بن عثمان بن حميد العامري نسبة إلى عامر بن صعصعه النجدي مفتي الحنابلة بمكة المكرمة وخطيب المسجد الحرام وإمامه، الإمام العلامة الفقيه المحدث النسابة المتقن التقي مرجع أهل العلم والفتوى نادرة العصر ذو الفضائل ولد في بلدة عنيزة مركز القصيم بنجد سنة ١٢٣٦ هـ وقرأ على شيخه الشيخ عبد الله بطين أولًا في المختصرات ثم المطولات منها (شرح المنتهى) في الفقه وصحيح البخاري وصحيح مسلم و (المنتقى) و (مختصر التحرير) في أصول الفقه و (شرح عقيدة السفاريني الكبير) مع رسائل كالواسطية والحموية والتدمرية. وأخذ عن جملة من المشايخ الأجلاء منهم السيد محمد السنوسي وروى عنه حديث الأولية ولازمه سنين عديدة وأجازه بثبته وروى بالاجازة العامة عن المحدثين الشيخ عابد السندي والشيخ محمد الأهدل. وأخذ علوم الآلات عن العلامة محمود الآلوسي مفتي بغداد والشيخ إبراهيم السقا الأزهري وتفقه في مذهب الحنابلة على الشيخ محمد الهديبي نزيل المدينة المنورة المتوفى بها سنة ١٢٦١ وهو تفقه على العلامة الشيخ محمد بن فيروز الاحسائي نزيل البصرة

стр. 37

المتوفى سنة ١٢١٦ ويروي صاحب الترجمة الفقه أيضًا عن الشيخ عبد الجبار البصري نزيل المدينة المنورة عن الشيخ مصطفى السيوطي مفتي الحنابلة بدمشق وغيرهم. وكان الشيخ محمد بن حميد محبًا لابن تيمية وتلامذته معتنيًا بهم وبمؤلفاتهم. سافر إلى مكة واليمن والعراق ومصر ودمشق فنزل فيها في دار آل الشطي وصارت بينه وبينهم مودة واجتمع بجملة من أعيان دمشق ثم استقر في مكة المكرمة مفتيًا للحنابلة. من مؤلفاته (السحب الوابلة على اضرحة الحنابلة) و (النعت الأكمل بتراجم أصحاب الإمام أحمد ابن حنبل) و (حاشية على شرح المنتهى) في الفقه و (ملخص بغية الوعاة) وغير ذلك. كانت وفاته ﵀ بمدينة الطائف سنة ١٢٩٥ هـ محمد البرقاوي (٥٠) محمد بن مصطفى بن سليمان البرقاوي أصلًا وشهرة الدمشقي، الشيخ الجليل الفاضل النبيل المعمر، قاضي الحنابلة وابن قاضيها. ولد بدمشق في حدود سنة عشرين ومائتين وألف ونشأ في حجر والده المقدمة ترجمته (٥١)، وأخذ الفقه عنه وعن الشيخ حسن الشطي، وحضر في بعض العلوم على العلامة الكبير الشيخ سعيد الحلبي والعلامة المحدث الشيخ عبد الرحمن الكزبري، ثم لازم ولديهما الشيخ عبد الله الحلبي والشيخ أحمد مسلم الكزبري، وصار رئيس الكتاب في محكمة السنانية ثم في البزورية ثم في

стр. 38

العونية، وتولى القضاء بعد وفاة والده سنة ١٢٥٠ فاستمر به في العونية إلى أن توفي. وكانت وفاته يوم الإثنين تاسع عشر صفر سنة سبع وتسعين ومائتين وألف. ويحكى أنه كان لصاحب الترجمة إقدام في مسائل الطلاق والفسخ، حتى وقعت حادثة فسخ في المحكمة الشرعية سنة ١٢٥٩ اجتمع لها عند القاضي جمع من المشايخ، فتصدى للفسح كل من المترجم وسعيد السيوطي المفتي الحنبلي ففسخا عقد الزوجة التي غاب زوجها ولم يقنع القاضي العام إذ ذاك السيد محمد نظيف، فأرسل إلى الشيخ حسن الشطي يسأله عنها لما سمع من أنه هو شيخ الحنابلة وإمامهم في العلم والعمل، فأفتى بفساده لعدم استيفاء شروطه، ثم صححه المذكوران لدى القاضي المذكور في غيبة الشيخ حسن الشطي، فعندها بادر الشيخ الشطي ﵀ فحضر إلى مجلس القاضي وأرعد وأبرق وتلا عليهم النص، حتى أبطل القاضي الحكم المذكور، وعزل المترجم وولي مكانه الشيخ عبد الحفيظ النابلسي مدة، ومن غريب الاتفاق أنه لم يمض على هذه الحادثة بضعة أيام حتى حضر الزوج الأول من غيبته وقبض على زمام زوجته؛ وقد تولى القضاء بعد صاحب الترجمة الشيخ أحمد الشطي فصار بعده يحكم ويقضي ويكتب ويمضي، ولم تطل مدته فيه؛ ففي سنة ١٢٩٨ وقعت حادثة حكم فيها بقواعد المذهب، فلما علم بذلك القاضي العام وقتئذٍ موسى كاظم قال: كيف لا ترفع إلي مثل هذه المهمة وأنا القاضي العام ثم أصدر أمره بإلغاء القضائين الحنبلي والشافعي من أصلهما، فتعطلت الأوقاف على أربابها أشهرًا ثم ألحّ على القاضي المذكور بعض أعيان دمشق بأن يعيد الحالة إلى ما كانت عليه، فأعاد القاضي الشافعي وأبي أن يعيد القاضي الحنبلي الشيخ أحمد الشطي، فطلب

стр. 39

الوظيفة حينئذ توفيق السيوطي سليل الإفتاء الحنبلي، وكان من الكتاب بمحكمة الباب فولاه إياها على أنه هو والشافعي نائبان من قبله، ولم يزل توفيق نائبًا حنبليًا في المحاكم الشرعية إلى سنة ٣٢٧، وفيها تولى الشيخ محمد جميل الشطي النيابة الحنبلية في محكمة السنانية ثم في محكمة العونية بمرسوم من قبل السيد محمد رفعت قاضي دمشق وما زال بها إلى أن ألغيت محاكم الأطراف بمقتضى التنسيقات العمومية، فبقي السيوطي في محكمة الباب إلى ختام ربيع الثاني سنة ١٣٣٩، وفيه صدر الأمر السامي بتوجيه القضاء على الشيخ محمد جميل الشطي فباشر في المحكمة الشرعية بدمشق حسب العوائد القديمة (٥٢). عبد العزيز بن حسن (٥٣) هو الشيخ الفاضل عبد العزيز بن حسن بن عبد الله بن محمد بن يحيى من بني لام. ولد في مدينة ملهم ونشأ بها وقرأ القرآن ثم اشتغل بطلب العم فقرأ على الشيخ محمد بن مقرن بن سند ثم رحل إلى الرياض فقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الفقه والتفسير والتجويد والنحو وقرأ على ابنه الشيخ عبد اللطيف. تولى قضاء بلدان المحمل بنجد للإمام فيصل بن تركي فعرف بين أهلها بسرعة البت في القضايا وعدم التأني في الأحكام. أخذ عنه عديدون توفي الشيخ عبد العزيز سنة ١٢٩٨ هـ.

стр. 40

عبيد القدومي (٥٤) عبيد بن عبيد الله القدومي موطنًا وشهرة، عالم كبير وفاضل شهير، كان غرة في جبهة الديار النابلسية وعلمًا في الطائفة الحنبلية، فقيهًا محدثًا تاريخيًا صالحًا تقيًا. ولد سنة اثنتي عشرة ومائتين وألف بقرية كفر قدوم من قرى نابلس، ونشأ منشأ حسنًا، ثم رحل إلى دمشق لطلب العلم فلازم الأستاذين الشيخ سعيد الحلبي والشيخ إبراهيم الكفيري وغيرهما من الأعلام حتى فاق وبرع، ثم رجع إلى وطنه المذكور فما زال يفيد ويستفيد مع الجاه والقبول عند الخاص والعام حتى أدركته الوفاة سنة ثمان وتسعين ومائتين وألف وقبره معروف في بلده ومن شعره ﵀ قوله مخمسًا: لقد قدّ ميلُ الغصن قلبي وساءني ... وأججّ نارًا في قرار مساكني وفي شهر نيسانٍ تحرّك ساكني ... تقنع وردُ الحسن في خدّ فاتني فلم أستطع قطفا فذبت من الوجدِ لقد طفت حولَ البيت أرنو خياله ... ودومًا أجوب الليل حتى أناله ومذ رمت أرجو وصْله ونوالَه ... وحاولت منه خلسة فبنى له سياجًا من الريحان خوفا على الورد محمد الشطي (٥٥) محمد بن حسن بن عمر بن معروف الشطي الدمشقي العالم الفاضل الفقيه الفرضي الحيسوبي.
следующие страницы →