← Тараджим

Тараджим · id 147073

النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل

كمال الدين الغزي

Полный текст (354 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

النَّعْتُ الأَكْمَلُ لِأصْحَابِ الإِمَامِ أحمد بن حَنْبَل مِن سنةِ ٩٠١ - ١٢٠٧ هجريَّة تَألِيفُ مُحَمَّدٍ كَمَالِ الدِّين بن مُحمَّد الغَزِّي العَامِرِيّ المتَوَفَّى سَنَة ١٢١٤ هـ وَعَلَيهِ زَيادَاتٌ وَاستِدَراكاتٌ حَتّى نِهَاية القَرْنِ الرَّابع عَشرَ الهِجريّ تحقيق وجمع مُحمَّدُ مُطِيع الحَافِظ نِزار أباظة دار الفكر

стр. 2

١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م دار الفكر طبع بطريقة الصف التصويري في دار الفكر بدمشق

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ النَّعْتُ الأكمَلُ لأصْحَابِ الإمَامِ أحْمَدْ بنِ حَنْبَل

стр. 4

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه والتابعين لهم على سننه وهديه وبعد. فلعلّ الحديث عن الطبقات والتراجم يعطي صورة تكمل ما قد تغفله كتب التاريخ بل ولعل هذه التراجم تسكب بعض الحياة في تلك الحوادث التاريخية ممثلة فيمن صنعوا ذاك التاريخ وعاشوه وانفعلوا به سواء أكان تاريخا ثقافيا أم اجتماعيا أم سياسيا .. وما أحداث التاريخ إلّا من صنع أفراد كل جيل. ولئن كانت كتب التاريخ في جملتها تهتم بالحكام والسياسة والفتوح والمغازي وتقلبات الدول وإرث الخلافة فإن كتب الطبقات تهتم بنوع خاص بالتاريخ العلمي الذي يشكل جانبا خاصًا ولونًا معينًا يحتاج إليه الدارسون ويعتمد عليه الباحثون يتعرفون فيه خطًّا متتابعًا لجدول بعينه ينساب مرة ويتلوى مرة أخرى يعرض هنا ويضيق هناك ولكنه هو الجدول نفسه بمياهه التي قد تصفو أو تتكدر. على أَن كتب الطبقات نفسها ذات ألوان عديدة منها ما يؤرخ متتابعًا مع الزمن ومنها ما يعتمد على النهج المتوسع ومنها ما يورد تراجم لأعيان معينين كالأدباء أو الفقهاء أو النحويين .. ومن هنا ذخرت المكتبة العربية بكتب

стр. 5

الطبقات التي لا يزال بعضها مخطوطًا محفوظًا في الزوايا قابعًا ينتظر النور والربيع والحياة. * * * والعلماء أدركوا أهمية التراجم فضوا يؤلفون ويرتبون ويبوبون واجتهدوا ليرسموا لوحة صحيحة واضحة لأولئك الرجال بعلمهم وحياتهم وربما بمشاعرهم وعواطفهم أيضًا .. لوحة مكتملة معبرة نرى من خلالها مثلا كيف كان أصحاب أبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهم، وفي أي زمن ازدهر هذا الذهب أو ذاك ومن كان يهتم بالتأليف أو من كان له رأي من الآراء أو فتوى من الفتاوى .. وربما سيخرج منها الجديد المدهش فيما سيأتي من الزمان. * * * وعلماء المذاهب الأربعة خدموا رجالهم فألف كلّ جيل حلقة واجتمع من الحلقات سلاسل متتابعة تترجم لطبقات كل مذهب وتعين على التأريخ له؛ فإذا استعرضنا ما ألف عنه الحنابلة وجدنا كتبا من لدن عصر إمام الذهب ﵁ إلى اليوم … فما التطورات التي طرأت على الحنابلة؟ وما الصفات العامة التي لونته؟ وكيف كانت تقلبات الأيام خلاله؟ نشأ مذهب الإمام العظيم أحمد بن حنبل في بغداد كما هو معروف ثم انتشر في العراق وبلاد الشام لكنه تقلص خلال القرن الثامن الهجري، ذكر ابن فرحون في الديباج المذهب: (وأما مذهب أحمد بن حنبل ﵀ فظهر في

стр. 6

بغداد ثم انتشر بكثير من بلاد الشام وضعف الآن في القرن الثامن) (١). وإلى مثل هذا يشير ابن خلدون منوها باهتمام الحنابلة بالسنة وعنايتهم بالحديث وروايته فيقول: (وأما أحمد بن حنبل فمقلدوه قليل … وأكثرهم بالشام والعراق في بغداد ونواحيها وهم أكثر الناس حفظًا للسنة ورواية الحديث) (٢) وإذا تساءلنا عن انتشار المذهب في أقطار أخرى غير العراق والشام لم نقع على نصوص تشير إلى ذلك إلا أن السيوطي في حسن المحاضرة (٣) يقول: (وهم بالديار المصرية قليل جدًا ولم أسمع بخبرهم فيها إلا في القرن السابع وما بعده؛ وذلك أنّ الإمام أحمد ﵁ كان في القرن الثالث، ولم يبرز مذهبه خارج العراق إلا في القرن الرابع … وأول إمام من الحنابلة علمت حلوله بمصر هو الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب العمدة) وإذن فالمذهب انتقل إلى مصر من بيت القدس. وفي خطط المقريزي (٤): (أنّه لم يكن له [أي المذهب الحنبلي] وللمذهب الحنفي كبير ذكر بمصر في الدولة الأيوبية ولم يشتهر إلا في آخرها. ثم ازداد انتشاره بعدئذ في زمن القاضي عبد الله بن حمد الحجاوي الذي تولى قضاء قضاة الحنابلة بمصر سنة ٧٣٨ هـ). أما المقدسي (٥) فيذكر أن المذهب كان موجودا في القرن الرابع بالبصرة وبإقليم فور والديلم والرحاب وبالسوس من إقليم خوزستان وأنّ الغلبة كانت له وللشيعة. وفي كتابنا (النعت الأكمل) هذا نتعرف من خلال التراجم على كثير من _________ (١) المذاهب الفقهية الأربعة وانتشارها عند جمهور المسلمين لأحمد تيمور باشا ٨٨ وها بعد. (٢) المرجع السابق ٨٩. (٣) المرجع السابق ٨٩. (٤) المرجع السابق ٩٠. (٥) المرجع السابق ٩٠.

стр. 7

المواطن التي توضع فيها الحنابلة وترددوا إليها ونشروا علومهم فيها، فالقدس عرفتهم وكثيرون منهم ينتسبون إليها وهم المقادسة وكذلك كان لهم مستقر في نابلس وما حولها وفي بعض القرى الفلسطينية كقرية جماعيل ومردا وكفر قدوم وفيهم من ينتسب لهذه القرى … من هؤلاء فئة هاجرت إلى دمشق هروبا من ظلم الفرنج سنة ٥٥١ هـ - ونشروا فيها مذهبهم ومدارسهم. نزلوا أولًا في مسجد أبي صالح قرب الباب الشرقي ثم لما ساءهم المكان نزحوا إلى جبل قاسيون وأسسوا فيه دير الحنابلة وانتشر العمران بسببهم وعمت المدارس فسميت المنطقة بالصالحية نسبة لصلاحهم أو نسبة إلى مسجد أبي صالح الذي نزلوا فيه أولًا (٦). وكان للصالحية دور عظيم في الازدهار -الثقافي والعمراني، ولم تؤثر هجرة- على كثرة الهجرات إلى دمشق- كما أثر هؤلاء الفلسطينيون في نهضة علمية وعمرانية تحدث عنها ابن طولون في كتابه (القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية) فذكر مدارسهم بالجبل كالمدرسة الصاحبة والمدرسة الضيائية والمدرسة الشيخية العمرية التي أنشأها كبير القادسة الشيخ أبو عمر وسميت باسمه وما كان عليها من أوقاف وجرايات يجعلها من كبريات مدارس دمشق والجبل، الأمر الذي يدل على أهمية هؤلاء الوافدين العلماء الذين أعطوا. وأي عطاء خير من العلم! أنتجوا حضارة وألفوا كتبا قيمة في المذهب والحديث، أصبحت تدرس إلى اليوم ويعتمد عليها في الترجيح .. ثم قاموا يؤدون رسالة مذهبهم في دمشق نفسها فكان لهم محراب في جامع بني أمية وإمامة فيه سيرد ذكرها في هذا الكتاب كثيرًا وهي الصلاة الرابعة، ولم تكفهم دمشق بل وصلوا إلى بلدان شتى منها دوما والرحيبة وضمير من قرى _________ (٦) القلائد الجوهرية لابن طولون الصالحي بتصرف.

стр. 8

دمشق، ويمموا شطر بعلبك يفتحونها بعلمهم وأخلاقهم حتى عرف مسجدها بمسجد الحنابلة (٧). وكما تتلألأ النجوم تسطع الأقمار تنير سماء الليل الداجي انتشر المذهب في البلاد النجدية منذ أكثر من مائة وخسين عاما ونما على يد الشيخ المجدد محمد ابن عبد الوهاب وذريته من آل الشيخ وتلامذته، واتخذ المذهب في نجد طابع الجهاد والثورة على الخرافات والجهل والضلالات حتى أزعجوا استانبول فاستنفرت عليهم محمد علي باشا وكانت وقائع حفظها االتاريخ بين الطرفين سنأتي على ذكرها في ملحق هذا الكتاب، ولا ينكر ما لهذه الحركة النجدية من أثر عظيم على العالم الإسلامي فعدّها بعضهم من عوامل النهضة الحديثة ودواعي اليقظة والتحرر والدعوة إلى الدين بلا مواربة ولا مداراة إحقاقا للحق وإبطالا للباطل. * * * ذكرنا أن علماء فطاحل اشتهروا بين الحنابلة في الحديث والرواية، ويؤكد هذا انتشار مدارس للحديث خاصة في دمشق والصالحية، وأدخلوا على هذا العلم اتجاهات جديدة كان لها أثر كبير في تنسيق علوم الحديث وتصنيف أبحاثه المتعددة ومن مشاهيرهم الحافظ ضياء الدين المقدسي الذي أنشأ دارًا للحديث في الصالحية وجعل لها مكتبة من أعظم مكتبات عصره، ومن مؤلفاته (المختارة) التي فضلها العلماء على مستدرك الحاكم (٨)، رووا الحديث علماء وعالمات فأتقنوا وضبطوا وكان لهم قدرهم ومكانتهم وإخلاصهم. * * * _________ (٧) القلائد الجوهرية. (٨) القلائد الجوهرية الطبعة الأولى المقدمة ص- ٥.

стр. 9

واعتقد الحنابلة مذهب الأشاعرة في التوحيد؛ نقل العلامة أحمد تيمور عن طبقات التاج السبكي أن أكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة ولم يخرج عن عقيدة الأشعري إلا من لحق بأهل التجسيم (٩). ولم يكن اهتمامم بالعلم مقصورا على الرجال بل الحق أنهم اهتموا أيضًا بالنساء وأحضروهن مجالس الحديث وحلقات العلم فكان لهم شأن أي شأن وبلغن درجة المشيخة والتخصص بعلم الحديث والرواية والتصدر للإقراء ونشر العلم (١٠) وخير مثال على ذلك نجده عند يوسف بن عبد الهادي الحنبلي في كتبه المحفوظة بدار الكتب الظاهرية والتي ينص في أولها على إجازاته وعلى تلقي أولاده وبناته ونسائه كتبه ورواياته … وهذا يدل على عقل متفتح خصب وأفكار نيرة من جهة وعلى وجود مناخ علمي ينبت ويثمر من جهة أخرى، مع أن الجو الأدبي آنذاك كما يرى المؤرخون متسم بالجمود والتصنع والتقليد. ولما كان العلم والمدارس يستلزمان الكتب فقد كانت مدارس الحنابلة عامرة بالمستنسخات التي تضم دار الكتب الظاهرية بدمشق بعضا من نفائسها فضلًا عما حمل إلى أوروبة وغيرها وكأن الخير يأبى إلّا أن يكون منتثرًا كضوء الشمس الخيّر. وهذا العلم وذاك الانطلاق اللذان كانا في الصالحية يستدعيان تفتحا للحياة واهتماما بالشؤون العامة واتصالًا مع الناس والأعيان بحسن الصلة، _________ (٩) المذاهب الفقهية الأربعة لأحمد تيمور ٩٣. (١٠) يذكر الأستاذ محمد أحمد دهمان في مقدمة القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية أنه "في دار الكتب الظاهرية رقم ٢٤٨ من علم الحديث ورقة رقم ٣٩ من الجزء العاشر من (أسنى المقاصد وأعذب الموارد) من مشيخة الإمام فخر الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن أحمد بن عبد الواحد تخريج علي بن بلبان المقدسي يعدّ فيها خمسًا وعشرين شيخة".

стр. 10

ولهذا فقد تولى الكثيرون من علماء الصالحية الوظائف الكبيرة والمهمة في الدولة كالقضاء وقضاء القضاة في مصر والشام، وتداخلوا في الحكم والسياسة وسافروا لمقابلة السلاطين. * * * وينسب الناس الحنابلة إلى الشدة ويصفون من يتشدد في معاملته بأنه حنبلي، وربما يكون ذلك بسبب أنهم يأخذون أنفسهم بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى مثل هذا أشار ابن الأثير في حوادث سنة ٣٢٣ هـ -: (وفيها عظم أمر الحنابلة وقويت شوكتهم وصاروا يكبسون دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذًا أراقوه وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان فإذا رأوا شيئًا من ذلك سألوا الذي معه ما هو السبب فأخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه بالفاحشة) (١١). ويصفهم بقوله: (هم قوم خشن تقلصت أخلاقهم عن المخالطة وغلظت طباعهم عن المداخلة وغلب عليهم الجد وقلّ عندهم الهزل عزت نفوسهم عن ذل المراياة وفزعوا عن الآراء إلى الروايات وتمسكوا بالظاهر تحرجا عن التأويل وغلبت عليهم الأعمال الصالحة فلم يدققوا في العلوم الغامضة بل دققوا في الورع وأخذوا ما ظهر من العلوم وما وراء ذلك قالوا الله أعلم ولم أحفظ على أحد منهم تشبيها إنما غلب عليهم الشناعة لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار من غير تأويل ولا إنكار والله يعلم أني لا أعتقد في الإسلام بطائفة محقة خالية من البدع سوى من سلك هذا الطريق والسلام) _________ (١١) المذاهب الفقهية الأربعة لأحمد تيمور باشا ٩١.

стр. 11

ألف الحنابلة كتبا كثيرة في الطبقات والتراجم، منها ما هو شامل لعلماء المذهب عامة ككتب الطبقات التي سننوه بذكرها عما قليل، ومنها ما أفرد لعلماء معينين منهم كتلك التي صنفت في ترجمة الإمام أحمد وأصحابه مثلًا. وبما أن كتابنا هذا هو متابعة لأعمال من سبقونا واقتداء بهداهم فقد رأينا أن نورد ما انتهى إلينا معرفته من المصنفات التي ترجمت للحنابلة على اعتبارها تاريخًا لحياتهم كما قلنا وصورة مشرقة لآرائهم الفقهية والعقيدية ونشاطهم الأدبي وبيانًا واضحًا لجهادهم ومحنتهم وصورة للمجتمع الذي عاشوا فيه … لقد أصاب هذه المصنفات ما أصاب أصحاب المذهب من محن وظلم إذ لا يزال الكثير منها بين مخطوط أو مفقود وما نورده الآن هو أهم ما استطعنا التعرف عليه: ١ - طبقات الخلّال: وهو أحد أصحاب الإمام أحمد بن حنبل توفي سنة ٣١١ هـ -. ٢ - طبقات الفراء: وهو القاضي أبو الحسين محمد بن القاضي أَبي يعلى الفراء المتوفى سنة ٥٢٦ هـ - جمع تراجم الحنابلة فيه حتى عصره وهي ست طبقات الأولى والثانية على حروف المعجم وما بعدهما على تقديم العمر والوفاة انتهى فيه إلى سنة ٥١٢ هـ-. طبع الكتاب محمد حامد الفقي سنة ١٣٧١ هـ-/ ١٩٥٢ م في جزأين بمطبعة السنة المحمدية بالقاهرة. واختصره محمد بن عبد القادر بن عثمان المتوفى سنة ٧٩٧ هـ-، فحذف منه الإسناد والمكرر وطبع الكتاب نفسه الأستاذ أحمد عبيد بدمشق سنة ١٣٥٠ هـ-. ٣ - طبقات ابن رجب: وهو زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد

стр. 12

ابن رجب المتوفى سنة ٧٩٥ هـ-. رتبه على الوفيات وتوقف عند وفيات سنة ٧٥١ هـ - أكمل فيه طبقات الفراء وذيّل عليها، وهي تبدأ بأصحاب القاضي أبي يعلى فبدأ بوفيات سنة ٤٦٠ هـ-. طبع الجزء الأول منه بتحقيق الدكتور سامي الدهان وهنري لاووست بدمشق سنة ١٩٥١ هـ- ثم طبع كاملًا بإشراف حمد حامد الفقي سنة ١٩٥٢ - ١٩٥٣. ٤ - طبقات الحنابلة: لمحمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي المرداوي الدمشقي المتوفى سنة ٦٩٩ هـ-. ٥ - طبقات أصحاب الإمام أحمد: لإبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي الدمشقي الصالحي قاضي قضاة الحنابلة بدمشق والمتوفى سنة ٨٠٣ هـ-. قال ابن طولون في كتابه قضاة دمشق صـ ٢٨٨: احترق غالب [طبقاته]. ٦ - المقصد الأرشد في ترجمة أصحاب الإمام أحمد لإبراهيم بن حمد بن عبد الله بن مفلح قاضي الحنابلة بدمشق والمتوفى سنة ٨٨٤ هـ-. وهو مرتب على حروف المعجم، منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٣٩٨١ وتاريخ كتابته سنة ١١٩٢ هـ-. ومخطوطة ثانية في الحرم المكي برقم ١١٤ تراجم دهلوي، ومخطوطة ثالثة برقم ٩ دهلوي. ٧ - العطاء المعجل في طبقات أصحاب الإمام المبجل ليوسف بن حسن بن عبد الهادي الشهير بابن المبرد الصالحي المتوفى سنة ٩٠٩ هـ-. وهو ذيل على ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب. وفي الظاهرية مسودة المؤلف برقم ٤٥٥٠. ٨ - المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد لعبد الرحمن بن محمد العمري العليمي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ- طبع في القاهرة.

стр. 13

٩ - الدر النضيد في ذكر أصحاب أحمد: لعبد الرحمن بن محمد العمري العليمي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ- (لعله المنضد). وهو مختصر ابتدأ به المؤلف. بذكر الإمام أحمد ثم من اشتهر من أعيان أصحابه وهم الطبقة الأولى ثم أسماء فقهاء الحنابلة بعد الطبقة الأولى مرتبة على الطبقات والوفيات. اقتصر فيه على ذكر الاسم والولد والوفاة وذكر ما عرف من مصنفاته. ١٠ - من ولي قضاء الحنابلة استقلالا بدمشق في ولاية ملوك مصر لمحمد ابن إبراهيم أكمل الدين بن مفلح المتوفى سنة ١٠١١. ١١ - الدر المنضد في ذكر أصحاب الإمام أحمد لمحمد بن عيسى بن محمود بن كنان الصالحي الدمشقي المتوفى سنة ١١٥٣. منه نسخة في المكتبة الأحمدية بحلب برقم ٢٤٦ ومنها مصورة بمعهد المخطوطات برقم ٦٥٢ تاريخ. ونحن إذ نتقدم بهذا الكتاب فإننا نتمم في إصداره سلسلة طبقات الحنابلة بعد أن توقفت عند نهاية القرن التاسع الهجري في كتاب (المقصد الأحمد) للإمام الشيخ عبد الرحمن العليمي. ولهذا شرع الشيخ محمد كمال الدين الغزي بتراجم من كانت وفياتهم بين سنة ٩٠١ وسنة ١٢٠٧ هجرية فسدّ فراغا عظيما يحتاج إليه؛ وإلى ذلك أشار مفتي الحنابلة بدمشق المرحوم الشيخ محمد جميل الشطي الذي اعتبر هذا الكتاب -وقد رآه مخطوطا- ذيلا لطبقات العليمي، وتمنى طبع الكتابين فقال: "وحبذا لو صحت الأحلام بطبع طبقات العليمي فذيله المنوّه به غير أنه بالنظر لعظم هذا المشروع الذي يُحتاج فيه إلى التعاون (١٢) … وقلة الحنابلة في دمشق … أرى من الواجب على من عرف _________ (١٢) وقد حقق الله ما تمناه الشيخ الشطي ﵀ فطبع كتاب العليمي في مصر. ووفقنا الله لطبع كتاب النعت الأكمل.

стр. 14

تاريخم ووقف على سيرهم أن يشتركوا بسهام الطبع لأكون أولهم إقداما وأعظمهم سهما وأشكرهم" (١٣). وصف المخطوط: المخطوط الذي اعتمدنا عليه نسخة وحيدة نادرة ضمن مخطوطات مجمع اللغة العربية بدمشق يقع في (٩٩ ورقة) كتبه المؤلف بخطه، وهو بقياس ٢٥ ×١٨ وفي كل صفحة ٢٨ سطرا تقريبا. وقد اهتم بالمخطوط كثير من العلماء وخاصة علماء الحنابلة ومنهم آل الشطي كالشيخ عبد السلام الشطي الذي قرأه وعلق عليه بعبارات أشرنا إليها حين ورودها، ومنه انتقى الشيخ محمد جميل الشطي تراجم ضمنها مختصره وكتب على الورقة الأخيرة من المخطوط. "تشرف بمطالعته ونسخه الحقير محمد جميل بن عمر حقي أفندي وسبط الشيخ عبد السلام الشطيين الحنبليين سائلا الحق تعالى أن يحفظ رفيق أفندي الغزي ويرحم أباه سنة ١٣٢١ هـ - و ١٣٢٢ هـ -". ثم في سنة ١٣٣٤ هـ - تملك المخطوط الشيخ محمد تاج الدين الحسني رئيس الحكومة السورية الأسبق. والنسخة جيّدة خطها نسخي واضح إلا في بعض الكلمات فيحتاج قارئها إلى التمعن فيها، وقد كتبت أسماء المترجمين بالحمرة على جانب الصفحة. ويترك المؤلف أحيانا خلال السطور فراغا يبدو أنه كان يريد أن يملأه فيما بعد، وربما حالت منيته دون ذاك، هذا فضلا عن فراغ في الطبقتين التاسعة والعاشرة. _________ (١٣) مجلة المقتبس الدمشقية ٦/ ١٧٢.

стр. 15

منهج المؤلف في التراجم: وقد قسم الغزي تراجمه إلما طبقات مرتبة حسب الوفيات فجعل كل طبقة خمسا وعشرين سنة، فجاءت عدة طبقاته ثلاث عشرة طبقة ولكنّ الطبقة الأخيرة توقف فيها المؤلف عند سنة ١٢٠٧ وكان المفروض أن تنتهي عند سنة ١٢٢٥. هذا وصدر المخطوط بترجمة الإمام أحمد ﵁ وذكر محنته مع المأمون والمعتصم. مؤلف الكتاب (١٤) هو أبو الفضل كمال الدين محمد بن محمد شريف بن شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن زين العابدين علي بن زكريا بن بدر الدين محمد بن رضي الدين محمد بن رضي الدين محمد أيضا بن شهاب الدِين أحمد بن عبد الله الغزي العامري الحسني الصديقي الدمشقي. وأحمد هذا هو جد بني الغزي الأعلى الذي جاء من غزة هاشم إلى دمشق سنة ٧٧٠ هـ- وتوفي سنة ٨٢٢ هـ-. كان الشيخ كمال الدين عالما فقيهًا فرضيا أديبا متفننا مؤرخا نسابة ناظما ناثرا وهو مفتي الشافعية بدمشق وابن مفاتيها. وهو وإن يكن غير حنبلي لقد أخذ عن الحنابلة وخدمهم- كما يقول الشيخ محمد جميل الشطي مختصر الطبقات- بما لم يخدموا به أنفسهم. _________ (١٤) لترجمته يرجع إلى: فهرس الفهارس للكتاني ١/ ٣٦٠ و ٢/ ٢٥٤ روض البشر ١٩٩ - ٢٠١ منتخبات التواريخ: ٢/ ٦٧٥. معجم المؤلفين ٨/ ١٤٦ و ١١/ ٢٢٤ فهرس المخطوطات المصورة التاريخ ٣/ ٣٣٤ معجم المؤرخين الدمشقيين ٣٧٧ حلية البشر ٣/ ١٣٣٢ فهرس المخطوطات المصورة ٢/ ٣: ٣٣٤ مجلة الشرق سنة ١٩٤٨ ج ٣ ص- ٣٣٤ عقد التهاني فيما ورد من المدح على شيخنا البرهاني مخطوط [٧ - ١٠] ق لمحمد الأيوبي الأعلام ٧/ ٢٩٨ مختصر طبقات الحنابلة للشطي ١٤٥ - ١٤٧ هدية العارفين للبغدادي ٢/ ٣٥٢ فهرس دار الكتب المصرية ٥/ ٤٣٠، ٨/ ٢٧١ إيضاح المكنون ١/ ٢٢٩، ٢٧٦، ٥٢٦.

стр. 16

ولد بدمشق في السابع من جمادى الآخرة سنة ١١٧٣ هـ- ونشأ بها في حجر والده وقرأ القرآن على الشيخ محمد الحجاوي وأخذ العلم عن مشايخ كثيرين منهم الشيخ محمد سعيد السويدي البغدادي وتلقى عنه حديث الأولية والشيخ هبة الله التاجي والسيد كمال الدين البكري والشيخ عمر البغدادي نزيل دمشق وعلي الطاغستاني ومحمد الكزبري وأحمد العطار ومحمد العاني والشيخ أحمد البعلي الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق وتلميذه الشيخ محمد اللبدي وصالح الأزهري ومحمد البخاري وابراهيم بن خطاب البجيرمي الشافعي وعبد العليم المالكي ومصطفى الأيوبي الأنصاري الرحمتي والشيخ التافلاني مفتي القدس ومحب الله الهندي وابن منجا الطرابلسي واسماعيل القاضي واسماعيل أبو الفدا المواهبي ومحمد بن عبد الله ابن محمد بن فيروز الحنبلي وأحمد بن عبد الله السويدي وأخته أم الخير رقية ويوسف الزرقاني ومحمد بن علي الشنواني. واستجاز الشيخ يحيى الجامي المدني لما قدم دمشق سنة ١٢٠٥ هـ- وكثيرين غيره. وفي سنة ١٢٠٣ في المحرم تولى افتاء الشافعية بدمشق بعد وفاة والده. توفي في صفر سنة ١٢١٤ ودفن بتربة الدحداح هكذا أرخ وفاته من ترجمه ولكن العلامة أحمد تيمور (١٥) ذكر أن وفاته كانت في سنة ١٢١٣ كما حسبها على حروف الجمل على صفحة الجزء السابع من التذكرة الكمالية استنادا إلى بيتين كتبا على لوحة قبره من نظم السيّد عبد الحليم اللوجي: أيا سحْبَ الرِّضا والعفو سُحّي … على قبرٍ حوى النَّفْس الزَّكيةْ محمدٌ الفتى الغُزيُّ أرّخْ … كمال الدينِ مفتي الشافعيَّةْ ٩١ + ٩٥+ ٥٣٠ + ٤٩٧= ١٢١٣ _________ (١٥) أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث لأحمد تيمور باشا ٢١٨.

стр. 17

مؤلفاته: ذكر للغزي من المؤلفات: ١ - المورد الأنسي والوارد المقدسي في ترجمة العارف بالله عبد الغني النابلسي. منه نسخة في الجامعة الأمريكية في بيروت رقم ٧٥٢. ونسخة في دار الكتب المصرية رقم ٧١٦١ ح ونسخة ثانية رقم ٨٠٧٢ ح. ونسخة في مكتبة النابلسي بدمشق (نسخة جيدة). ٢ - النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل (في مكتبة مجمع اللغة العربية بدمشق نسخة المؤلف). ٣ - طبقات الشافعية. ٤ - التذكرة الكمالية في عشرين جزءًا واسمها الدر المكنون والجمان المصون من فرائد العلوم وفوائد الفنون وتشتمل على فوائد تاريخية وأدبية وعلوم شتى والموجود منها في الكتبة الظاهرية: - الجزء الأول … رقم ٧٦٠٢ … ١٠ ورقات - الجزء الثاني … ٧٦٠٣ … ٥٢ ورقة - الجزء الخامس … ٧٦٠٤ … ٦٩ ورقة - الجزء السادس … ٧٦٠٥ … ٤٨ ورقة - الجزء الثامن … ٩١٢٥ … ١٣٣ ورقة أكثره فارغ - الجزء التاسع … ٧٦٠٦ … ١٨ ورقة - الجزء العاشر … ٩١٢٦ … ١٢٤ ورقة أكثره فارغ - الجزء الخامس عشر … ٧٦٠٧ … ٧ ورقات

стр. 18

- والجزء السابع في المكتبة التيمورية الملحقة بدار الكتب المصرية برقم ٨٧٥ أدب تيمور. - ومنها جزء اقتنته مؤخرًا مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض. ٥ - العقود الجوهرية في حل الألفاظ الأجرومية في النحو. ٦ - ديوان شعر. ٧ - شرح المواهب اللدنية للقسطلاني. ٨ - دفتر كتبه التي أوقفها على أولاده في الجامع الأموي منه نسخة في الظاهرية برقم ٨٣٤٧ منهج التحقيق: اعتمدنا في تحقيق الكتاب على النسخة الفريدة التي أشرنا إليها قبل فضبطنا النص مخرجين الآيات الكريمة والأماكن شارحين بعض الاصطلاحات المستعملة وأحلنا الترجمات إلى مصادر كان المؤلف اعتمد بعضها وإلى أخرى لم تقع تحت يده. ولما كان الكتاب قد تجاوز الطبقتين التاسعة والعاشرة لأمر لم نستطع تبينه فقد رأينا أن نستكملها ربطًا للسلسلة وإتماما للعمل. ومما يقال هنا إنه من خلال عملنا وقفنا على بعض تراجم قليلة لم يذكرها الغزي لأنها لم تتصل به على ما يبدو فأنزلناها في مكانها ضمن الطبقات ووضعنا التراجم المضافة بين معقوفتين ونوهنا بذلك في الحاشية، ووضعناها ضمن معقوفتين تمييزًا لها عن تراجم المخطوط (*). هذا ونعتقد أن هنالك تراجم لم نقع عليها ونأمل استدراكها في طبعة ثانية إن تمكنا بحول الله ومشيئته. _________ (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ونقلناها في هذه النسخة الإلكترونية للحاشية حتى لا تختلط بكلام المؤلف

стр. 19

ورأينا لزامًا علينا ونحن نودع القرن الرابع عشر الهجري ونستقبل القرن الخامس عشر أن نمضي في تراجم الحنابلة فنبدأ من حيث وقف الغزي مع تراجم سنة ١٢٠٧ معتمدين على المصادر التي وقعت أيدينا عليها، محيلين كل ترجمة إلى مصدرها. واحتراما لنهج الكتاب وطريقته ومؤلفه فقد مشينا على الخطة التي سار عليها ليكون روحا واحدة وكلا منسجمًا. هذا ويعود الفضل إلى فضيلة السيد الأستاذ محمد فخر الدين الحسني حفظه الله؛ في ضم هذا المخطوط مع مجموعة قيمة من مخطوطات مكتبة جده العلامة المحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني ﵀ إلى مكتبة جمع اللغة العربية بدمشق، ولابد لنا هنا من تقديم شكرنا للأخ الأستاذ محمد رياض المالح لما يقدمه من خدمات علمية في نشر تراثنا العلمي وحفظه. وبعد .. فلئن أصبنا في عملنا فبتوفيق الله ومنّه، وإن كنا حدنا عن القصد فبتقصيرنا فرحم الله امرءًا أهدى إلينا عيوبنا ونبهنا إلى ما فاتنا خدمة للعلم وأهله. ولابد لنا هنا من تقديم الشكر لأسرة (دار الفكر) التي تبذل الجهد المشكور في نشر تراث الأمة وفي إخراج هذا الكتاب بهذه الحلة القشيبة كما هو دأبها في إخراج التراث ونشره خدمة للعلم والأمة. والحمد لله أولًا وآخرًا. دمشق ٢٨ رمضان المبارك ١٤٠١ هـ ٢٩ تموز ١٩٨١ م المحققان محمد مطيع الحافظ نزار أباظة

стр. 20

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا رافع السبع الطباق، ومنشئ الكائنات على أحسن نظام واتساق، أحصيت الخلائق وأبدعت المذاهب والطرائق، أحمدك أن أنرْت منار العلما، ونشرت لهم على صفحات الكائنات من الفضل عَلَما، حمدَ معترفٍ بنعمائك، مغترف من حياض آلائك، وأشكرك على ما أجزلت من العطا، وكشفت من الغطا، بحمدك وشكرك اللذين يليقان بجنابك الأعلى، وجانبك الأعز الأرفع الأغلى، وأشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك في ذاتك ولا في أسمائك ولا في سِمَاتك، وأشهد أن سيدنا وسندنا محمدًا عبدك المصطفى، ورسولك المرتضى، الشارع للأحكام السارع لبيان الحلال من الحرام، المُخبِّر بما سلف للأمم، المُحبِّر بُردَ الكمال بطراز كماله المُعْلم، الحائر في بديع قُدسك، الحائز لتجليات أُنسك، أتحفه اللهم من فيض إنعامك السامي، وإفضالك الذي ليس له مسامت ولا مسامي، بأفضل الصلاة والتسليم وأجل الإجلال والإعظام والتكريم، وألحق بذلك من آل إليه من آله أو صحبه وتبعه في أفعاله وأقواله. أما بعد: فيقول العبد كمال الدين محمد بن محمد بن محمد العامري الحسيني سبطُ بني الصديق وأبي أيوب الدمشقي الشهير كأسلافه بابن الغَزّي، أسعده الله تعالى بالعلم والعمل، وغفر له الخطأ والخَطل: إن الإمامَ ركن الملة والإسلام، عمدة الأمة وعماد الأئمة، جامع أشتات الكمال بلا ارتياب، صدر المجتهدين بدون إطراء وإطناب، قامع المبتدعين، دافع شبه الملحدين، أوحد

стр. 21

الموحدين، وأحد العماء الراسخين، الفائق زهدًا وورعًا ودينًا، والسابق حالًا رصيفًا وقالًا رصينًا، شمس سمائه السيادة، سعد إفلال السعادة، جامع مجامع العلوم، الآخذ بحُجَزِ المنطوق والمفهوم، مالك أزمة العِرفان، قائد أعنة الإتقان والإيقان، الناصر للسنة، والصابر في المحنة، الإمام الأعظم والهمام المقدَّم، السّيدُ المبجّل، والسند المفضّل، صاحب الفيض الرباني، والعطاء الرحماني، والإمداد الصمداني، والمقام الإحساني [٢ - آ]، الإمام أحمد بن حنبل الشيبانيّ، إمام علت مناقبه وراقت مشاربه وعمّت مواهبه، وأنارت مذاهبه، وطابت أرومته، وشرفت جرثومته، وعظمت أوقاته، وكملت حالاته، وصفت صفاته، وسمت سِماته، وبزغ بدره، وكرم قدره، وصفا من شراب المحبة كاسه، وضفا مورده وضا نبراسه، فهو كما قال القائل: لا يُدرِكُ الواصفُ المُطري خَصَائِصَهُ … وإنْ غَدا سابقًا في كلِّ ما وَصَفَا كيف لا وهو المحيي معالم السنة النبوية، والحافظُ المحافظ على الآثار المحمدية، والذّابُّ عن مشارع الشرع المطهر، بمعرفة المعروفِ المعروفَ، وإنكار المُنكِرِ المنكَرَ، قد فاق علومًا ومعلومًا، وحاكى في الاقتداء والاهتداء نجومًا، لأهل الضلال رُجومًا، لا زال يمين الرضوان تشكل ضريحه وتصافحه، ويمن الرحمات تغادي جدثه وتصابحه، ولا برحت علاليه في الفراديس مرفوعة، وأنواء أنوار معاليه لا مقطوعة ولا ممنوعة: سقى الله قبرًا ضمَّه وابل الحيا … وحيّاهُ بالرضوان رضوانُ والحسنى وألبسَهُ من كاملِ العفوِ حُلّةً … تفوقُ به ظُرْفًا وتزهو بهِ حُسنًا وأتحفَه في قربهِ ورضائِهِ … بدائعَ نعماءٍ لهُ قد غَدَتْ حُسْنى مدى الدهرِ ما طيرٌ تغنّى بروضةٍ … وما أسعدت سُعْدى وما أحسنَتْ حُسْنى

стр. 22

وأتباعه قوم سعدوا برواته، وفازوا باتباع آرائه، وقد جعل الله تعالى، سما الصلاح عليهم ظاهرة، ببركة أنفاسه الطاهرة، وأجزل لهم الإسعاد والتوفيق، وأقام لهم التقوى رفيقًا رفيق، كيف وإمامم إمام السُّنّة، والمُذهِبُ من البِدَع كل غيهبٍ ودُجُنّة، وحامي حمى الدين، ودافع الشُبَه عن ملّةِ سيد الرسلين، بقمع المبتدعين، وإدحاضِ أدلةِ الزائغين والمفترين كما قلت: همامٌ لأهلِ الزَّيغِ والميْنِ قد غدا … بإبطال ما قالوا هُوَ الفارسُ البطلْ إمامُ جميعَ الزَّاهدين بأسرِهِمْ … ووارثُ خيرِ الخلْقِ في العِلْمِ والعملْ وأنصُرهُمْ للحقِّ بالحقِ جهْرةً … وأبصُرُهُمْ عند ارتباكِ ذوي النِحَلْ رقى في العلا لمَّا ترقّى لِهامِها … وسامى سماءَ العِزِّ سَمْتٌ بِه اتَّصَلْ هو الحَبْرُ في العِرفانِ طالتْ يمينُهُ … هو البَحْرُ حقًا والبرايا هُمُ الوَشَلْ (١) فقلدْ إمامًا في الهُدى نجلَ حنبلٍ … تنل لأَجَلّ القدر في منتهى الأجلْ جزاه إلهُ العرش خيرَ جزائِه … وأتحفَهُ فضلًا بجَنّاتِه اكتمَلْ وقلت أيضًا: إنْ رُمتَ أعلى وأولى … سديدَ رأيٍ وأحمدْ فاملى لملة أحمدْ … واذهبْ لمذهبِ أحمدْ وقد أفرده بالترجمة جماعة من الأئمة، ونشروا من أحاسن محاسن مناقبه ما هو غرة لوجوه الأمة [٢ - ب].

стр. 23

[كتب طبقات الحنابلة] (٢). وقد ترجم هؤلاء الأئمة أصحاب هذا الإمام المقدم جماعةٌ من العلماء، فأول من اطلّعت عليه أنه أفردهم بالترجمة ورتبهم على طبقات: - الإمام أبو الحسين محمد ابن الإمام الكبير السعيد القاضي أبي يعلى رحمهما الله تعالى. ثم جاء بعده: - الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن عبد القادر بن عثمان النابلسي المقدسي. فاختصر الطبقات المتقدم ذكرها بكتاب لطيف، مقدار ثماني كراريس. ثم جاء بعده: - الشيخ الإمام الحافظ المحدث زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الأصل ثم الدمشقي فألف كتابه الطبقات المشهورة وصل فيها إلى سنة [٧٥١ هـ] (٣). ثم جاء بعده: - الشيخ الإمام العلامة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي المقدسي فألف (الطبقات البديعة) وصل فيها إلى سنة تسعمائة من الهجرة وسماها (المقصد الأحمد). ثم من بعده إلى زماننا هذا، لم أجد من تعرّض لأفراد السادة الحنابلة بالترجمة، ونَشَر من مآثرهم وفضائلهم كل منقبة متقنة محكمة، فشرعتُ بعد الاستخارة، حيث ظهرت من مخائل الخيرِ الإشارة، في ترجمة هؤلاء الأئمة الأعلام، ناشرًا من فضائلهم ومزاياهم ما تتعطر بنشره مسامع الأنام، معتمدًا على أركان العناية في البدء والختام، مُعَوِّلًا في تراجمهم على:

стр. 24

[مصادر المؤلف] [١] تاريخ شيخ الإسلام الحافظ النجم الغزي العامري قدس الله تعالى روحه الذي سماه (الكواكب السائرة بمناقب المائة العاشرة). [٢] وتاريخ المرحوم أبي الفلاح العُكري الدمشقي الصالحي الذي سماه شذرات الذهب في أخبار من ذهب وابتدأ فيه من الهجرة إلى سنة ألف مرتبًا له على السنين. [٣] وذيل الكواكب المسمى (بلطف السمر وقطف الثمر) في تراجم الطبقة الأولى من أعيان القرن الحادي عشر لشيخ الإسلام النجم المتقدم ذكره، والفائحِ في خلال هذه الأوراق نشره. [٤] وتاريخ قريبنا المرحوم محمد الأمين المحبي المسمى (بخلاصة الأثر في تراجم أهل القرن الحادي عشر). [٥] والتقطت بقية التراجم من كتب المسانيد والأثبات، وأفواه الثقات الأئمة الأثبات ورتبت هذه الطبقات على ثلاث عشرة طبقة مُرتِّبًا وفياتِهم على السنين في التقديم والتأخير مبتدئًا بترجمة سيدنا الإمام أحمد، صاحب المقام الأرفع الأحمد، منوِّهًا بنشر منشور مناقبه، والتعريف بمنازله ومراتبه، وجعلت كل طبقة خمسًا وعشرين سنة، وسميت هذا الكتاب المستطاب: [النعت الأكمل [٣ - آ] لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل] وعلى الله اعتمادي، فهو عمدتي في كل مقصد وعمادي، والمسؤول ممن سرح بِطرَفِ طَرْفِهِ في رياض هذا الكتاب، وشرح بِظرف ظُرْفه صدرًا مُصدرًا عن عتبة العتاب أن يشمله بِشمول القَبُول، ويسحب ذيل الإغضاء عما أملاه القلم باللسان الملول، فإني -ومَن رفع مقامَ العلماء بين الأنام- لأعجَزُ الناس قالًا وحالًا

стр. 25

خصوصًا في هذه الأيام، وما قصدي بذلك إلا نشر مآثر هذه الطائفة الطاهرة، وطلب المدد منهم في الدنيا والآخرة، وعلى مَن بيده الخير الاتكال مني والتعويل، وهو حسبي ونعم الوكيل. [سند المؤلف في الفقه الحنبلي] وقد سنح لي أن أقدم قبل الشروع في المقصود سندي بالفقه الحنبلي تبركًا بذكر أساتذته، وتيمنًا بسرد أسماء جهابذته فأقول: أخذت ولله الحمد فقه السادة الحنابلة ورويته عن شيخي وأستاذي الشيخ الإمام والعالم العامل الهمام فريد العصر ووحيد الدهر شيخِ الإسلام الإمام الصُّوفي العابد الناسك أبي العباس شهابَ الدين أحمد بن عبد الله بن أحمد البعلي (٤) الأصل والشهرة الدمشقي الحنبلي مفتي السادة الحنابلة بدمشق الشام، وحضرت غالب دروسه الفقهية في حجرته داخل الخانقاه السميساتية (٥)، وأجازني به وبسائر مروياته ومؤلفاته وتحريراته بعد أن أسمعني المسلسل بالأولية والآخرية، وهو آخذه عن جماعة أئمة منهم: والده عبد الله وجده أحمد المذكوران، وشيخ الإسلام محمد أبو المواهب الحنبلي، وأبو التقى عبد القادر التغلبي الدمشقي مفتي الحنابلة بعد شيخه أبي المواهب ومنهم الفاضل محمد بن عبد الجليل المواهبي، والشيخ مصطفى بن عبد الحق اللبدي، والفقيه عواد بن عبيد الكوري الحنبلي نزيلُ دمشق، قال: من الثلاثة الأخيرون والأول وهم المواهي واللبدي والكوري والبعلي أخذنا الفقه وتفقهنا على الشيخ أبي المواهب

стр. 26

والشيخ عبد القادر، زاد الأول فقال: وعن والدي الشهاب أحمد وأخذ الشيخ عبد القادر التغلبي عن أبي المواهب، وتفقه كل من الشيخ أبي المواهب والشيخ عبد القادر التغلبي والشهاب أحمد على الشيخ الإمام عبد الباقي بن عبد الباقي مفتي الحنابلة بدمشق والد أبي المواهب، وعلى قدوة الحنابلة في زمانه علمًا وعملًا أبي عبد الله محمد بن بدر الدين البلباني الدمشقي الصالحي وهما تفقها بالشيخ الإمام شيخ الإسلام الشهاب أحمد بن علي الوفائي المفلحي [٣ - ب]، وهو عن العلامة شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى بن سالم الحجاوي صاحب (الإقناع) والقاضي برهان الدين إبراهيم بن مفلح، وتفقه كل من الحجاوي والبرهان على والد البرهان، هو الإمام نجم الدين بن مفلح، زاد الأول فقال: وعلى الشهاب أحمد بن أحمد بن أحمد الشويكي الصالحي، قال الشويكي: أخذت الفقه عن العلامة شهاب الدين أحمد بن عبد الله العُكري بضم العين المقدسي ثم الصالحي وتفقه العُكري بشيخ الإسلام مصحح المذهب ومقرب المأرب القاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي المقدسي، وهو تفقه بالعلامة تقي الدين أبي بكر بن إبراهيم بن قندس البعلي، وهو تفقه بالشيخ العلامة علي بن محمد بن عباس البعلي المشهور بابن اللحام صاحب القواعد الأصولية، وتفقه ابن اللحام بالشيخ الإمام الحافظ المحقق زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي صاحب الطبقات، وهو تفقه بعلامة الدنيا على الإطلاق شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيّوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية، وهو تفقه بشيخ الإسلام بحر العلوم المحقق المدقق أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية الدمشقي. (ح) وتفقه القاضي نجم الدين بن مفلح بوالده القاضي برهان الدين صاحب الفروع، وهو عن جده شرف الدين عبد الله بن مفلح والشيخ تقي

стр. 27

الدين بن تيمية. زاد الشرف بن مفلح فقال: وعن جدي قاضي القضاة جمال الدين المرداوي عن التقي سليمان بن حمزة، وهو عن الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وهو عن عمه الشيخ موفق الدين بن قدامة. (ح) وتفقه التقي بن تيمية على كل من شيخي الإسلام عبد الحليم وقاضي القضاة شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، وتفقه الأول منهما بوالده شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن تيمية الحراني وهو تفقه بجماعة منهم الفخر اسماعيل البغدادي وأبو بكر بن الحلاوي، وتفقه الثاني بعمه الولي الكامل العارف شيخ الإسلام الشيخ موفق الدين بن قدامة العمري الجَمَّاعيلي جد الفقير مؤلف هذا الكتاب، وتفقه كل من الموفق بن قدامة والفخر إسماعيل وابن الحلاوي بقطب المذهبين عريق النسبين الإمام الرباني والعارف الصمداني سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره العزيز، وبناصح الإسلام أبي النصح ابن المنى الذي قال في حقه الشيخ الإمام ناصح الإسلام ابن المنيل: فقهاء الحنابالة اليوم في سائر البلاد يرجعون إليه وإلى أصحابه، قال العلامة ابن رجب قلت: وإلى يومنا هذا الأمر على ذلك فإن أهل زماننا إنما يرجعون في الفقه من جهة [٤ - آ] الشيوخ والكتب إلى الشيخين موفق الدين المقدسي ومجد الدين بن تيمية الحراني. فأما الموفق فهو تلميذ ابن المنى، وأما ابن تيمية فهو تلميذ الحلاوي. زاد الموفق فقال: وأخذت الفقه عن الإمام الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، وتفقه كل من الأستاذ عبد القادر الكيلاني والحافظ عبد الرحمن بن الجوزي والإمام ناصح الإسلام ابن المنى بكل من الإمام أبي الوفا علي بن عقيل والإمام أبي الخطاب محفوظ الكلوذاني، والإمام أبي بكر بن الدينوري وغيرهم، وتفقه كلٌّ من هؤلاء الثلاثة بشيخ الإسلام القاضي أبي يعلى، وهو تفقه بشيخ الإسلام أبي

стр. 28

عبد الله بن حامد، وهو تفقه بالإمام أبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام الخلّال، وهو تفقه بشيخه أبي بكر الخلّال، وهو تفقه بالإمام أبي بكر المروزي، وهو تفقه بالإمام الأعظم والهمام المقدم العالم الرباني والهيكل الصمداني أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وهو تفقه بجماعة منم: سفيان بن عيينة والإمام الأعظم أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أبي يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة، وتفقه ابن عيينة بجماعة منم: عمرو بن دينار، عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن أبويهما، وهما عن سيد الخلائق أجمعين ورسول رب العالمين، وقائد الغرّ المحجَّلين أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ﷺ ، وهو عن أمين الوحي جبريل وهو عمن ليس كمثله شيء رب العالمين ﵎. * * * * * * ولي في الفقه سند آخر فأقول: أجازني مكتبة من مدينة نابلس الشيخ الإمام العلامة الفهامة محمد بن أحمد السفاريني النابلسي الحنبلي بالفقه الشريف وبسائر ما يجوز له روايته باستدعاء بعض الفضلاء، والسفاريني أخذ الفقه دراية ورواية عن خاتمة الحنابلة بدمشق صدر الإسلام عبد القادر بن عمر التغلبي الشيباني الدمشقي، وهو أخذ الفقه عن العلامة تقي الدين عبد الباقي بن عبد الباقي مفتي السادة الحنابلة بدمشق وهو أخذه عن الإمام أبي اليمن عبد الرحمن البهوتي المصري، وهو عن الإمام تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي، عن والده العلامة الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز الفتوحي الشهير بابن النجار، وهو عن العلامة أبي حامد شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد الشيشيني القاهري قاضي القضاة بالديار المصرية، عن القاضي نصر الله بن أحمد الكناني القاهري، عن المجال عبد الله ابن [٤ - ب]

стр. 29

القاضي علاء الدين علي الكناني، عن العلامة أبي الحسين علي بن محمد الفرضي الدمشقي، عن الفخر علي بن أحمد بن البخاري الدمشقي الصالحي، عن محمد الرصافي الكبر، عن أبي القاسم هبة الله بن الحسين، عن التميمي الواعظ عن الإمام أبي جعفر القطيعي عن الإمام الكبير عبد الله بن سيدنا الامام أحمد بن حنبل الشيباني، عن أبيه ناصر السنة وقامع البدعة أحمد بن حنبل عن الإمام سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سيدنا عبد الله عن عمر وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن والديهما عن سيد الخلائق وجمال المذاهب والطرائق أَوّلِ خلق الله وخاتمِ أنبياء الله، محمدِ بن عبد الله ذي الفضل الكثير الكبير بلا ارتياب ولا اشتباه ﷺ وعلى آله وأصحابه الكرام البررة الثقات، وسيدنا رسول الله ﷺ تلقى ذلك عن أمين الوحي جبريل، وهو عن رب العالين وخالق الخلائق أجمعين جلّت أسماؤه وتباركت صفاته التي ظهرت بها أرضه وسماؤه. هذا ولنا شيوخ آخرون من السادة الحنابلة، لهم أسانيد عالية، وروايات غالية، وفيما ذكرناه كفاية، لأولي الدراية والرواية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وعليه لا على غيره قصد السبيل، ولنشرع في ترجمة الامام الكبير (٦) صاحب المقام الخطير، وذكر بعض مناقبه التي انطوى عليها تبركًا

стр. 30

بذكرها، فإن عند ذكر الأولياء تنزل الرحمة، وتنكشف الغُمّة، فنقول معتمدين في النقل على ما ذكره الأئمة الفحول: [ترجمة الإمام أحمد بن حنبل الشيباني] [نسبه] (٧) هو الإمام الأعظم، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذُهل (بضم الذال) بن ثعلبة بن عُكابة (بضم العين وبالباء التحتية)، بن صعب بن علي بن بكر بن وائل (٨). هكذا نَسَبَهُ ولدُه عبد الله واعتمده (٩) الحافظ أبو بكر الخطيب (١٠) وغيره. وأما قول عباس الدوري، وابي بكر بن أبي داود: إن الامام أحمد كان من بني ذهل بن شيبان، فغلّطهما الخطيب وقال: إنما كان من بين شيبان بن ذهل بن ثعلبة. قال: وذهل بن ثعلبة عم ذهل بن شيبان بن ثعلبة. [مناقبه] هو الإمام الجليل أبو عبد الله الشيباني المروزي ثم البغدادي صاحبُ المذهب، الصابر على المحنة، الناصر للسنة، شيخُ العِصابة، وناهج نهج السلف

стр. 31

من الصحابة، ومن قال فيه الإمام الشافعي (١١) [٥ - آ] فيما رواه حرملة (١٢): خرجت من بغداد وما خلّفت بها أفقَهَ ولا أورعَ ولا أزهدَ ولا أعلمَ من أحمد. وقال المزني (١٣): أبو بكر يوم الردة، وعر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صفين، وأحمد بن حنبل يوم المحنة (١٤). وقال ابنه عبد الله سمعت أبا زُرعه (١٥) يقول: كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقلت: وما يُدريك؟ فقال: ذاكرْتهُ، فأخذت عليه الأبواب (١٦). وعن أبي زرعة (١٧): حُزِرت كتب أحمد يوم مات فبلغت اثني عشر حِمْلًا وعِدْلًا، ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان: ولا في بطنه حدثنا فلان، وكل ذلك كان يُحْفظ من ظهر قلبه. وقال قتيبة بن سعيد (١٨): كان وكيع إذا كانت العتمة ينصرف معه أحمد بن حنبل فيقف على الباب فيذاكره، فأخذ ليلة بعضادتي الباب، ثم قال: يا أبا عبد الله أريد أن ألقيَ عليك حديث سفيان، قال: هات، قال: تحفظ عن سفيان عن سلمة بن كهيل كذا؟ قال: نعم، ثنا يحيى فيقول: سلمة كذا وكذا، فيقول: حدثنا عبد الرحمن فيقول: وعن سلمة كذا وكذا، فيقول: أنت حدثتنا حتى يفرغ من سلمة، ثم يقول أحمد: فتحفظ

стр. 32

عن سلمة كذا وكذا؟ فيقول وكيع: لا. [فلا يزال يلقي عليه ويقول وكيع: لا] (١٩) ثم يأخذ في حديث شيخ شيخ، قال: فلم يزل قائمًا حتى جاءت الجارية، فقالت: قد طلع الكوكب، أو قالت: الزهرة. وقال عبد الله (٢٠): قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك بالكلام. وقال الخلال سمعت أبا القاسم بن الختلي (٢١): -وكفاك به- يقول: أكثر الناس يظنون أن أحمد إذا سئل كان علم الدنيا بين عينيه. وقال إبراهيم الحربي (٢٢) رأيت أحمد كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين، وقال: عبد الرزاق (٢٣) ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما نظرت إلى أحمد بن حنبل إلا تذكرت به سفيان الثوري (٢٤). وقال (٢٥) قتيبة [بن سعيد] (٢٦): خير أهل زماننا ابن المبارك ثم هذا الشاب يعني: أحمد بن حنبل. وقال أيضا: إذا رأيت الرجل يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة. وقال أيضًا: وقد قيل له-: تضم أحمد إلى التابعين فقال: إلى كبار التابعين. وقال أيضًا: لولا الثوري لمات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدين. وقال أيضًا: أحمد إمام الدنيا. وقال أيضًا كما رواه الدارقطني في أسمائه من روى عن الشافعي: مات الثوري ومات الورع،

стр. 33

ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع. وقال أبو مسهر: وقد قيل له هل تعرف أحدًا [٥ ب] يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا أعلمه إلا شابًا في ناحية المشرق يعني أحمد بن حنبل، وعن اسحق: أحمد حجة بين الله وخلقه. وقال أبو ثور -وقد سئل عن مسألة- قال: أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا. فهذا شيء يسير، [وهو] من أكابر الأئمة وأساطين الأمة رضي الله تعالى عنه وعنّا به. [ولادته] ولد ﵁ سنة أربع وستين ومائة ببغداد، جيء به إليها من مرو حملًا. [شيوخه] وتفقه على الشافعي وهو الحاكي عنه أنه جَوّز بيع الباقلاء في قشريه، وأن السيّد يلاعن أمَتَهُ، قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: طلبت الحديث سنة تسع وسبعين [ومئة] (٢٧) ومن شيوخه: هُشيم، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، وجرير بن عبد الحميد ويحيى القطان، والوليد بن مسلم، وإسماعيل بن عليه (٢٨)، وعلي بن هاشم بن اليزيد ومعتمر بن سفيان، وغندر وبشر بن الفضل، وزياد البكائي، ويحيى [بن زكريا] (٢٩) بن أبي زائدة، وأبو يوسف [يعقوب بن ابراهيم] (٣٠) القاضي، وكيع بن نمير،

стр. 34

وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون وعبد الرزاق والشافعي وخلق كثيرون، وممن روى عنه البخاري ومسم وأبو داود وابناه صالح وعبد الله [من روى عنه من مشايخه وأقرانه] وروى عنه من مشايخه عبد الرزاق والشافعي على ما قيل. ومن أقرانه: علي بن المديني، ويحيى بن معين، ودحيم الشامي وغيرهم. قال الخطيب البغدادي (٣١): ولد أبو عبد الله ببغداد ونشأ بها وطلب العلم، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة. [مسنده] قلت: وألف مسنده المشهور وهو أصل من أصول هذه الأمة، قال الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني ﵁: هذا الكتاب: -يعني مسند الإمام أحمد بن حنبل قدس الله روحه- أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجُعل إمامًا ومعتمدًا، وعند التنازع ملجأ ومستندًا، وقال الإمام أحمد (٣٢) ﵁ لابن أخيه حنبل وابنيه صالح وعبد الله: إن هذا الكتاب -يعني مسنده- قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن كان فيه، وإلا فليس بحجة. وقال عبد الله بن أحمد رحمهما الله: كتب أبي عشرة آلاف ألف حديث لم يكتب سوادًا في بياض إلا حفظه، وقال عبد الله أيضًا: قلت لأبي: لم كرهت وضع الكتب وقد عملت المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إمامًا إذا

стр. 35

اختلف الناس في سنة رسول الله ﷺ [٦ آ] رجع إليه. وقال أيضًا: أخرج أبي المسند من سبعمائة ألف حديثا. قال أبو موسى المديني: ولم يُخرّج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طعن في أمانته، ثم ذكر بإسناده إلى عبد الله ابن الإمام أحمد رحمة الله عليهما قال: سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان، فقال: لم أُخَرّج عنه في المسند شيئًا، لمّا حدث بحديث المواقيت تركته. قال أبو موسى: فأما عدد أحاديث المسند فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفًا إلى أن قرأت على أبي منصور بن زريق ببغداد قال: أنبأنا أبو بكر الخطيب (٣٣) قال: وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أروى عن أبيه منه يعني عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل لأنه سمع المسند وهو ثلاثون ألفًا والتفسير وهو مائة ألف وعشرون ألفًا، سمع منها ثلاثين (٣٤) ألفًا والباقي وِجادة (٣٥)، فلا أدري هذا الذي ذكر ابن المنادي أراد به ما لا يكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر، فيصح القولان جميعًا والاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره قال: ولو وجدنا فراغًا لعددناه إن شاء الله، فأما عدد الصحابة ﵃ فيه فنحو من سبعمائة رجل. وذكر الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (٣٦) بسنده إلى سفيان بن وكيع أنه قال: أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد عندنا فهو فاسق، وقال الخطيب

стр. 36

أيضًا: حدثني الحسن بن أبي طالب، ثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، ثنا محمد بن علي المقرئ قال: أنشدنا أبو جعفر محمد بن بَديْنا الموصلي قال: أنشدني ابن أعين في الإمام أحمد بن حنبل ﵁: أضحى ابنُ حنبلَ محنةً مأمونةً … وبحبِّ أحمدَ يُعرف المتنسِّك وإذا رأيتَ لأحمدٍ متنقِّصًا … فاعلم بأنَّ ستورَة سَتُهَتَّكُ وروى كلام سفيان بن وكيع وهذين البيتين الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر. [زهده] وأما زهد الإمام أحمد وورعه وتقلله من الدنيا فقد سارت بأخباره الركبان، وقد أفرد جماعة من الأئمة التصنيف في مناقبه منهم: البيهقي، وأبو اسماعيل الأنصاري وأبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي كما قدمنا وغيرهم. [وفاته] توفي ﵁ سنة إحدى وأربعين ومائتين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من ربيع الأول، وقد غلط ابن قانع وغيره فقالوا: ربيع الآخر. قال المروزي (٣٧): مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول ومرض تسعة أيام، وكان ربما أذِن للناس فيدخلون إليه أفواجًا، يسمون عليه ويرد عليهم، وتسامع الناس وكثروا، وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق، فكان الناس في الشوارع والمساجد حتى تعطل بعض الباعة وحيل بينهم وبين [٦ ب] البيع

стр. 37

والشراء، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل عليه ربما دخل من بعض الدور وطرز الحاكة، وربما تسلق. فلما كانت ليلة الجمعة ثقل وقبض صدر النهار فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع. قال المروزي: أخرجت الجنازة بعد منصرف الناس من الجمعة. قال موسى بن هارون الحافظ: يقال إن أحمد لما مات مسحت الأرض المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها فحصر مقادير الناس بالمساحة [على التقدير] (٣٨) ستمائة ألف وأكثر سوى ما كان في الأطراف والأماكن المتفرقة. وقيل: كان عدد المصلين عليه ألف ألف وثلاثمائة ألف سوى من كان في السفن في الماء. كذا رواه خشنام بن سعيد. وعن الوركاني وهو رجل كان يسكن إلى جوار الإمام أحمد قال: أسلم يوم مات أحمد من اليهود والنصارى والمجوس عشرون ألفًا وفي لفظ: عشرة آلاف. ذكر الداهية الدهياء، والمصيبة الصماء، وهي محنة علماء الزمان ودعاؤهم إلى القول بخلق القرآن كان القاضي أحمد بن أبي دؤاد (٣٩) ممن نشأ في العلم، وتضلع بعلم الكلام وصحب فيه هياج بن العلاء السُلَمي صاحب واصل بن عطاء (٤٠) أحد رؤوس

стр. 38

المعتزلة، وكان ابن أبي دؤاد رجلًا فصيحًا. قال أبو العيناء: ما رأيت رئيسًا قط أفصحَ ولا أنطق منه، وكان كريمًا ممدّحًا وفيه يقول بعضهم: لقد أنْسَتْ مساوئ كلِ دهرٍ … محاسن أحمدَ بن أبي دُؤَاد وما طوَّفْت في الآفاقِ إلا … ومن جدواكَ راحلتي وزادي يقيم الظنُّ عندك والأماني … وإن قلقت ركابي في البلاد وكان مُعظمًا عند المأمون أميرِ المؤمنين يَقبل شفاعاته ويصغي إلى كلامه. وأخباره في هذا كثيرة، فدس ابن أبي دؤاد له القول بخلق القرآن وحسّنه عنده وصيّره يعتقده حقًا مبينًا إلى أن أجمع رأيه في سنة ثمان عشرة ومائتين على الدعاء إليه فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي (٤١) ابنِ عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابًا يقول فيه: وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاءة بنور العم وبرهانه أهل جهالة بالله وعمىً عنه وضلالةٍ عن حقيقة دينه وقصور أن يَقْدُرُوا الله حق قدره، ويعرفوه كنه صرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه وذلك أخي ساووا بين الله وبين خلقه، وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم [٧ آ] لم يخلقه ويخترعه، وقد قال تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنًا عربيًا﴾ (٤٢) فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال. ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (٤٣) وقال: (نقص عليك من أنباء ما قد سبق﴾ (٤٤) فأخبر أنه قصص لأمور أحدثها بعدها، وقال ﴿أحكمت آياته ثم

стр. 39

فصلت﴾ (٤٥)، والله محكم كتابه ومفصله. فهو خالقه ومبتدعه. ثم انتسبوا إلى السنة وأنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال، حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فنزعوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم، إلى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظًا أوعية الجهالة، وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله، وأحق أن يتهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به، من عمى عن رشده وحظه عن الإيمان بالتوحيد، وكان عما سوى ذلك أعمى وأضلَ سبيلًا، ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه، وتخرص الباطل ولم يعرف الله حقيقة معرفته، فأجمع من بحضرتك من القضاة، فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فما يقولون واكشفهم عما يعتقدون في خلق الله وإحداثه، وأعلمهم أني غيرُ مستعين في عمل ولا واثق بمن بلا يوثق بدينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك من لم يقر أنه مخلوق، واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك. وكتب المأمون إليه أيضًا في إشخاص سبعة أنفس وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي. فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن، فأجابوه فردهم من الرَّقَّة إلى بغداد. وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولًا ثم أجابوه تقيّة.

стр. 40

وكتب إلى إسحق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة، ففعل ذلك فأجابه طائفة وامتنع آخرون، فكان يحيى بن معين وغيره يقولون: أجبنا خوفًا من السيف. ثم كتب المأمون كتابًا آخر من جنس الأول إلى إسحق وأمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم: أحمد بن حنبل وبشر بن الوليد الكندي، وأبو حسان الزيادي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعلي بن الجعد [٧ ب] وسجاده، والذبال بن الهيثم، وقتيبة بن سعيد، وكان حينئذ ببغداد، وسعدويه الواسطي، وإسحق بن أبي إسرائيل وابن الهر، وابن علية الأكبر، ومحمد بن نوح العجلي، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وأبو نصر التمار، وأبو معتمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم، وعرض عليهم كتاب المأمون فعرّضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا فقال بشر بن الوليد: ما تقول؟ قال: قد عَرَّفت أمير المؤمنين غير مرة، قال: وإن تعد تجدد من أمير المؤمنين كتاب: قال: أقول: كلام الله. قال: لم أسألك عن هذا، مخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلتُ لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه. ثم قال لعلي بن مقاتل: ما تقول؟: قال: القرآن كلام الله، وإنما أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك. ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول؟ قال: كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله، لا أزيد على هذا. ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم. وقال ابن البكاء الأكبر: أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك، فقال له إسحق بن إبراهيم: والمجعول مخلوق؟ قال: نعم، قال: فالقرآن مخلوق قال: لا أقول: مخلوق. ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون، فورد عليه كتاب المأمون: بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة
следующие страницы →