أيضًا: حدثني الحسن بن أبي طالب، ثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، ثنا محمد بن علي المقرئ قال: أنشدنا أبو جعفر محمد بن بَديْنا الموصلي قال: أنشدني ابن أعين في الإمام أحمد بن حنبل ﵁:
أضحى ابنُ حنبلَ محنةً مأمونةً … وبحبِّ أحمدَ يُعرف المتنسِّك
وإذا رأيتَ لأحمدٍ متنقِّصًا … فاعلم بأنَّ ستورَة سَتُهَتَّكُ
وروى كلام سفيان بن وكيع وهذين البيتين الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر.
[زهده]
وأما زهد الإمام أحمد وورعه وتقلله من الدنيا فقد سارت بأخباره الركبان، وقد أفرد جماعة من الأئمة التصنيف في مناقبه منهم: البيهقي، وأبو اسماعيل الأنصاري وأبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي كما قدمنا وغيرهم.
[وفاته]
توفي ﵁ سنة إحدى وأربعين ومائتين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من ربيع الأول، وقد غلط ابن قانع وغيره فقالوا: ربيع الآخر. قال المروزي (٣٧): مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول ومرض تسعة أيام، وكان ربما أذِن للناس فيدخلون إليه أفواجًا، يسمون عليه ويرد عليهم، وتسامع الناس وكثروا، وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق، فكان الناس في الشوارع والمساجد حتى تعطل بعض الباعة وحيل بينهم وبين [٦ ب] البيع
стр. 37
والشراء، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل عليه ربما دخل من بعض الدور وطرز الحاكة، وربما تسلق. فلما كانت ليلة الجمعة ثقل وقبض صدر النهار فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع. قال المروزي: أخرجت الجنازة بعد منصرف الناس من الجمعة. قال موسى بن هارون الحافظ: يقال إن أحمد لما مات مسحت الأرض المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها فحصر مقادير الناس بالمساحة [على التقدير] (٣٨) ستمائة ألف وأكثر سوى ما كان في الأطراف والأماكن المتفرقة. وقيل: كان عدد المصلين عليه ألف ألف وثلاثمائة ألف سوى من كان في السفن في الماء. كذا رواه خشنام بن سعيد. وعن الوركاني وهو رجل كان يسكن إلى جوار الإمام أحمد قال: أسلم يوم مات أحمد من اليهود والنصارى والمجوس عشرون ألفًا وفي لفظ: عشرة آلاف.
ذكر الداهية الدهياء، والمصيبة الصماء، وهي محنة علماء الزمان ودعاؤهم إلى القول بخلق القرآن
كان القاضي أحمد بن أبي دؤاد (٣٩) ممن نشأ في العلم، وتضلع بعلم الكلام وصحب فيه هياج بن العلاء السُلَمي صاحب واصل بن عطاء (٤٠) أحد رؤوس
стр. 38
المعتزلة، وكان ابن أبي دؤاد رجلًا فصيحًا. قال أبو العيناء: ما رأيت رئيسًا قط أفصحَ ولا أنطق منه، وكان كريمًا ممدّحًا وفيه يقول بعضهم:
لقد أنْسَتْ مساوئ كلِ دهرٍ … محاسن أحمدَ بن أبي دُؤَاد
وما طوَّفْت في الآفاقِ إلا … ومن جدواكَ راحلتي وزادي
يقيم الظنُّ عندك والأماني … وإن قلقت ركابي في البلاد
وكان مُعظمًا عند المأمون أميرِ المؤمنين يَقبل شفاعاته ويصغي إلى كلامه.
وأخباره في هذا كثيرة، فدس ابن أبي دؤاد له القول بخلق القرآن وحسّنه عنده وصيّره يعتقده حقًا مبينًا إلى أن أجمع رأيه في سنة ثمان عشرة ومائتين على الدعاء إليه فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي (٤١) ابنِ عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابًا يقول فيه: وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاءة بنور العم وبرهانه أهل جهالة بالله وعمىً عنه وضلالةٍ عن حقيقة دينه وقصور أن يَقْدُرُوا الله حق قدره، ويعرفوه كنه صرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه وذلك أخي ساووا بين الله وبين خلقه، وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم [٧ آ] لم يخلقه ويخترعه، وقد قال تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنًا عربيًا﴾ (٤٢) فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال. ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (٤٣) وقال: (نقص عليك من أنباء ما قد سبق﴾ (٤٤) فأخبر أنه قصص لأمور أحدثها بعدها، وقال ﴿أحكمت آياته ثم
стр. 39
فصلت﴾ (٤٥)، والله محكم كتابه ومفصله. فهو خالقه ومبتدعه. ثم انتسبوا إلى السنة وأنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال، حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فنزعوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم، إلى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظًا أوعية الجهالة، وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله، وأحق أن يتهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به، من عمى عن رشده وحظه عن الإيمان بالتوحيد، وكان عما سوى ذلك أعمى وأضلَ سبيلًا، ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه، وتخرص الباطل ولم يعرف الله حقيقة معرفته، فأجمع من بحضرتك من القضاة، فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فما يقولون واكشفهم عما يعتقدون في خلق الله وإحداثه، وأعلمهم أني غيرُ مستعين في عمل ولا واثق بمن بلا يوثق بدينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك من لم يقر أنه مخلوق، واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك.
وكتب المأمون إليه أيضًا في إشخاص سبعة أنفس وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي. فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن، فأجابوه فردهم من الرَّقَّة إلى بغداد. وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولًا ثم أجابوه تقيّة.
стр. 40
وكتب إلى إسحق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة، ففعل ذلك فأجابه طائفة وامتنع آخرون، فكان يحيى بن معين وغيره يقولون: أجبنا خوفًا من السيف.
ثم كتب المأمون كتابًا آخر من جنس الأول إلى إسحق وأمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم: أحمد بن حنبل وبشر بن الوليد الكندي، وأبو حسان الزيادي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعلي بن الجعد [٧ ب] وسجاده، والذبال بن الهيثم، وقتيبة بن سعيد، وكان حينئذ ببغداد، وسعدويه الواسطي، وإسحق بن أبي إسرائيل وابن الهر، وابن علية الأكبر، ومحمد بن نوح العجلي، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وأبو نصر التمار، وأبو معتمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم، وعرض عليهم كتاب المأمون فعرّضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا فقال بشر بن الوليد: ما تقول؟ قال: قد عَرَّفت أمير المؤمنين غير مرة، قال: وإن تعد تجدد من أمير المؤمنين كتاب: قال: أقول: كلام الله. قال: لم أسألك عن هذا، مخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلتُ لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه. ثم قال لعلي بن مقاتل: ما تقول؟: قال: القرآن كلام الله، وإنما أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك. ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول؟ قال: كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله، لا أزيد على هذا. ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم. وقال ابن البكاء الأكبر: أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك، فقال له إسحق بن إبراهيم: والمجعول مخلوق؟ قال: نعم، قال: فالقرآن مخلوق قال: لا أقول: مخلوق. ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون، فورد عليه كتاب المأمون: بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة
стр. 41
وملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل، فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية. ويقول في الكتاب: فأما ما قال بشر فقد كذب، ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك عهد أكثر من إخبار أمير المؤمنين من اعتقاده كمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق، فادع به إليك، فإن تاب فأشهر أمره، وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقًا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه وابعث إلينا برأسه، وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه، فإن أجاب وإلا فاضرب عنقه، وأما علي بن أبي مقاتل فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين: إنك تحلل وتحرم. وأما الذبال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي سرقه من الأنبار ما يشغله. وأما أحمد بن يزيد أبو العوام وقوله: إنه لا يحسن الجواب في القرآن فأعلمه أنه صبي في عقله لا في سنه، جاهل، سيحسن الجواب إذا أُدِّب، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك. وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته، واستدل على جهله وآفته بها. وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة يعني في ولايته القضاء، وأما الزيادي فأعمه أنه كان منتحلًا وِلاءَ دعيٍ فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد بن أبيه، وإنما قيل له الزيادي [٨ آ] لأمر من الأمور قال: وأما أبو نصر التّمار فإن أمير المؤمنين شبّه خساسة عقله بخساسة متجرِه، وأما ابنُ نوح وابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيلُ بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد، وإن أمير المؤمنين لو لم يسجل محاربتهم في الله إلا لآرائهم وما نزل به في كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك فكيف بهم وقد جمعوا مع الأربا شركًا. وصاروا للنصارى شبهًا، وأما ابن شجاع فأعلمه أنه صاحبه بالأمس والمستخرج منه ما استخرجه من المال الذي كان استحل من مال الأمير علي بن هشام. وأما
стр. 42
سعدويه الواسطي فقل له: قبح الله رجلًا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة، وأما المعروف بسجادة وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من العلماء القول: بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله وإعداد النوى وحكمه لإصلاح سجادته وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد. وأما القواريري ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وبسخافة عقله ودينه. وأما يحيى العمري فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف. وأما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم فإنه لو كان مقتديًا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه وأنه بعدُ صبي يحتاج إلى أن يُعَلّم، وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصّه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فحمحم ولجلج فيها، حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميمًا، فانصصه عن إقراره، فإن كان مقيمًا عليه فأشهر ذلك وأظهره، ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدي فاحملهم موثّقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم، فإن لم يرجعوا حملهم على السيف قال: فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل وسجاده ومحمد بن نوح والقواريري فأمر بهم إسحق فقيّدوا، ثم سألهم من الغد وهم في القيود فأجاب سجاده ثم عاودهم ثالثًا فأجاب القواريري، ووجه بأحمد بن حنبل ومحمد بن نوح المضروب إلى طرسوس، ثم لما بلغ أميرَ المؤمنين أنهم إنما أجابوا مكرهين فغضب وأمر بإحضارهم إليه. فلما صاروا إلى الرَّقّةَ بلغتهم وفاة المأمون، وكذا جاء الخبر بموت المأمون إلى أحمد ولطف الله وفرّج. وأما محمد بن نوح فكان عديلًا لأحمد بن حنبل في المحمل فمات فوليه أحمد بالرجعة، وصلى عليه ودفنه رحمه الله تعالى. وأما المأمون فمرض بالروم، فما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه وهو يظن أنه لا يدركه، فأتاه وهو مجهود وقد نفذت الكتب إلى [٨ ب] البلدان فيها:
стр. 43
"من عبد الله المأمون وأخيه أبي إسحق الخليفة من بعده" بهذا النص فقيل: إن ذلك وقع بأمر المأمون، وقيل: بل كتبوا ذلك وقت غشي أصابه فأقام العباس عنده أيامًا حتى مات، وكان المأمون قد كتب وصية تطول حكايتها ضمنها تحريض الخليفة بعده على حمل الخلق على القول بخلق القرآن، ثم توفي في رجب ودفن بطرسوس. واستقل أمير المؤمنين المعتصم بالخلافة فكان من سعادة المأمون موته قبل أن يحضر أحمد بن حنبل إلى بين يديه، فلم يكن ضربُهُ على يديه، وكانت هذه الفتنة عظيمة الموقع. وأول من امتحن فيها من العلماء عفان بن مسلم الحافظ، ولا دعي وعرض عليه القول بخلق القرآن فامتنع قيل: قد رسمنا بقطع عطائك، وكان يعطى ألف درهم في كل شهر فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٤٦)، وكانت عنده عائلة كثيرة قيلَ فدقّ عليه الباب داقٌّ في ذلك اليوم لا يعرف وقال: خذ هذه الألف ولك كل شهر عندي ألفٌ يا أبا عثمان ثبتك الله كما ثبّتَّ الدين. ثم امتحن الناس بعده قال محمد بن إبراهيم البوشَنْجي (٤٧): سمعت أحمد بن حنبل يقول: تبينت الإجابة في دعوتين؛ دعوت الله أن لا يجمع بيني وبين المأمون، ودعوته أن لا أرى المتوكل، فلم أر المأمون؛ مات بالبدندون، وهو نهر الروم، وأحمد محبوس بالرقة حتى بويع المعتصم بالروم ورجع فرد أحمد إلى بغداد، وأما التوكل فإنه لما أَحضرَ أحمد دار الخلافة ليحدث ولده قعد له التوكل في خوخة حتى نظر إلى أحمد ولم يره أحمد. قال صالح بن أحمد بن حنبل (٤٨): لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس ردا في أقيادهما، فلما صارا إلى الرقة حملا في سفينة فلما
стр. 44
وصلا إلى عانات (٤٩) توفي محمد فأطلق عنه قيده وصلى عليه أبي، وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه وقدر عمه أقومَ بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير، قال [محمد بن نوح] لي ذات يوم يا أبا عبد الله: الله الله إنك لست مثلي أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لا يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحوَ هذا. فمات وصليت عليه ودفنته أظنه قال بعانة قال صالح: صار أبي إلى بغداد مقيدًا فمكث بالياسرية (٥٠) أيامًا، ثم حبس بدار اكتريت له عند دار عمارة، ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية فقال: إني كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد، فلما كان في رمضان سنة تسع عشرة حولت إلى دار إسحق بن إبراهيم، وأما حنبل بن إسحق فقال: حبس أبو عبد الله في دار عارة ببغداد في إصطبل لمحمد بن [٩ آ] إبراهيم أخي إسحق بن إبراهيم وكان في حبس ضيق ومرض في رمضان فحبس في ذلك الحبس قليلًا، ثم حول إلى حبس العامة فمكث في السجن نحوًا من ثلاثين شهرًا. وكنا نأتيه. وقرأ علي كتاب الإرجاء وغيره في الحبس، فرأيته يصلي بأهل الحبس وعليه القيد، فكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة والنوم، وكان يوجه إليّ كل يوم برجلين أحدهما يقال له أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيب الحجاولانري لا يناظرانني حتى إذا أرادا الانصراف دعي بقيد فزيد في قيوده، قال: فصار في رجله أربعة أقياد قال أبي: فلما كان في اليوم الثالث دخل علي أحد الرجلين فناظرني فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مخلوق، فقلت له: كفرت. فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحق بن إبراهيم: إن
стр. 45
هذا رسول أمير المؤمنين فقلت له: إنه هذا قد كفر، فلما كان في الليلة الرابعة وجه يعني المعتصم ببغا الذي كان يقال له: الكبير إلى إسحق فأمره بحملي إليه فأدخلت على إسحق فقال: يا أحمد إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يلقيك (٥١) في موضع لا تُرى فيه شمس ولا قمر أليس قد قال الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٥٢). أفيكون مجعولًا إلا مخلوقًا قلت: فقد قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٥٣) أفخلقهم قال: فسكت. فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت [وجيء] بدابة فحملت عليها وعليّ الأقياد ما معي أحد يمسكني، فكدت غير مرة أن أخر على وجهي لثقل القيود، فجيء بي إلى دار المعتصم فأدخلت حجرة، وأدخلت إلى بيت وأقفل الباب علي، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فأردت أن أتمسح للصلاة، فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع فتوضأت وصليت فلما كان من الغد أخرجت تكتي من السراويل وشددت بها الأقياد أحملها وعطفت سراويلي فجاء رسول المعتصم، فقال: أجب، فأخذ بيدي وأدخلني عليه، والتكة في يدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع خلقًا كثيرًا من أصحابه فقال لي يعني المعتصم ادنه، ادنه فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس فجلست وقد أثقلتني الأقياد فمكثت قليلًا ثم قلت: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: تكلم، فقلت: إلامَ دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيئة ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، ثم
стр. 46
قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ سألوه عن الإيمان فقال: (أتدرون ما الإيمان؟) قالوا: الله ورسوله أعلم قال: (شهادة أن [٩ ب] لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وأن تعطوا الخُمس من المغنم) قال أبي: قال يعني المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحق، ألم آمرك برفع المحنة، فقلت: الله أكبر إن في هذا لفرجًا للمسلمين. ثم قال له: ناظروه، كلموه، يا عبد الرحمن كلمه، فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ قلت له: ما تقول في علم الله؟ فسكت، فقال لي بعضهم: أليس قد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (٥٤)﴾ والقرآن أليس هو شيء: فقلت: قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا (٥٥)﴾، فدمرت إلا ما أراد الله فقال بعضهم: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ (٥٦)﴾ أفيكون محدث إلا مخلوقًا؟ فقلت: قال الله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (٥٧)﴾، فالذكر هو القرآن وتلك ليس فيها ألف ولام. وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين [﵁] (إن الله خلق الذكر) فقلت: هذا خطأ، حدثنا غير واحد: (إن الله كتب الذكر). واحتجوا بحديث ابن مسعود: (ما خلق الله من جنة ولا نار، ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي)، فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن. فقال بعضهم: حديث خباب (يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه.) فقلت:
стр. 47
هكذا هو. قال صالح بن أحمد فجعل أحمد بن أبي دؤاد ينظر إلى أبي كالمغضب، قال أبي؛ وكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين هو والله ضالّ مضلّ مبتدع. فيقول: كلموه ناظروه، فيكلمني هذا فأرد عليه ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول لي المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسول الله حتى أقول به، فيقول ابن أبي دؤاد: أنت لا تقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسول الله، فقلت له: تأولت تأويلًا فأنت أعلم، وما تأولتُ ما يحبس عليه وما يقيد عليه. ثم إن المعتصم دعا أحمد مرتين في مجلسين يطول شرحهما، وهو يدعوه إلى البدعة، وأحمد ﵁ يأبي عليه أشد الإباء. قال أحمد (٥٨) ﵁: ولما كانت الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غدًا من أمري شيء، فقلت لبعض من كان معي الموكل بي: أريد لي خيطًا. فجاءني بخيط فشددت به الأقياد، ورددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شي فأتَعَرّى فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجه إلي، فأدخلت فإذا الدار غاصة فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء فلما انتهيت إليه قال اقعد، ثم قال: ناظروه كلموه، فجعلوا يناظرونني، ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئ إلي بيده، فلما طال المجلس نحاني، ثم خلا بهم، ثم نحاهم وردني إلى عنده، وقال: ويحك يا أحمد أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عليه نحوًا مما كنت أرد، فقال لي: عليك وذكر اللعنة، وقال: خذوه واسحبوه
стр. 48
وخَلّعوه، قال فسحبت ثم خُلّعت، قال: وقد كان صار إلي شعر من شعر النبي ﷺ [فصررته] (٥٩) في كم قميصي، فوجه إليّ إسحق بن ابراهيم ما هذا المصرور في كمك؟ قلت: شعر من شعر رسول الله ﷺ . قال: وسعى بعض القوم إلى القميص ليُخرِّقه علي، فقال لهم يعني المعتصم: لا تخرقوه، فنزع القميص عني، قال: فظننت أنه إنما درأ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه قال: وجلس على كرسي يعني المعتصم ثم قال: العقابين والسياط، فجيء بالعقابين فمدت يداي،، فقال بعض من حضر خلفي: خذ بأي الخشبتين بيديك وشدّ عليهما، فلم أفهم ماقال، فتخلعت يداي وقال محمد بن إبراهيم البوسنجي (٦٠)! ذكروا أن المعتصم لان في أمر أحمد لما علق بالعقابين، ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره حتى أغراه ابن أبي دؤاد وقال له: إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، فهاجه ذلك على ضربه. قال صالح (٦١): قال أبي: لما جيء بالسياط نظر إلي المعتصم فقال ايتوني بغيرها ثم قال للجلادين تقدموا فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين وهو يقول في كل ذلك: شد، قطح الله يدك ثم يتنحى ويتقدم الآخر فيضربني سوطين وهو يقول في كل ذلك قطع الله يدك. فلما ضربت تسعة عشر سوطًا قام إلي يعني المعتصم فقال: يا أحمد علام تقتل نفسك؟! إني والله عليك لشفيق قال: فجعل عجيف ينخسني بقائمة سيفه، وقال: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم. وجعل بعضهم يقول: ويلك الخليفة على رأسك قائم. وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اقتله. وجعلوا يقولون: يا أمير
стр. 49
المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم. فقال لي: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أقول به. فرجع وجلس وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك، ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني، فجعلوا يقبلون علي ويقولون: يا أحمد إمامك على رأسك قائم، وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟! وجعل المعتصم يقول: ويحك أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله، [أو سنة رسوله حتى أقول به] (٦٢) فرجع وقال للجلادين: تقدموا، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين. [١٠ ب] ويتنحى، وفي خلال ذلك يقول: شد قطع الله يدك، قال أبي: فذهب عقلي فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عني فقال رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهك وطرحناك على ظهرك ودسناك. قال أبي: فما شعرت بذلك. فأتوني بسويق فقالوا لي اشرب وتقيأ فقلت: لا أفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحق بن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك، فقلت قد صلى عمر وجرحه يثغب دما قال صالح: ثم خلي عنه. فصار إلى منزله وكان مكثه في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرًا. ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه قال: يا بن أخي رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحدًا يشبهه، ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام يا أبا عبد الله أنت صائم وأنت في موضع تقية ولقد عطش فقال لصاحب الشراب ناولني فناوله قدحًا فيه ماء وثلج فأخذه ونظر إليه هنيئة ثم رده ولم يشرب فجعلت
стр. 50
أعجب من صبره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الهول. قال صالح: كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعامًا أو رغيفًا في تلك الأيام فلم أقدر، وأخبرني رجل حضره أنه تفقده في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه فما لحن في كلمة وما ظننت أن أحدًا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه، وروى (٦٣) أنه لما ضرب سوطًا قال: بسم الله، فما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾. فضربه تسعة وعشرين سوطًا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فرمى [أحمد] بطرفه إلى السماء فحرك شفتيه فما كان بأسرع من ثبوت السراويل على حالته لم يتزحزح، قال الراوي: فدخلت على أحمد بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك وقد انحل سراويلك فرفعت طرفك نحو السماء فثبت ما الذي قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك بي سترًا. وفي رواية: لما أقبل الدم من أكتافه انقطع خيط السراويل ونزل رفع طرفه نحو السماء فعاد من لحظه فسئل أحمد فقال: قلت: إلهي وسيدي وقفتني هذا الموقف فلا تهتكني على رؤوس الخلائق. وروي أنه كان كلما ضرب سوطًا أبرأ ذمّة المعتصم فسئل فقال: [١١ آ] كرهت أن آتي يوم القيامة فيقال: هذا غريم ابن عم النبي ﷺ أو رجل من أهل بيت النبي ﷺ .
* * *
فهذا مختصر من حال سيدنا الإمام أحمد في المحنة، ولنقتصر هنا على هذه النبذة من مناقب هذا الإمام وفضائل هذا الهمام، فإن ترجمته أفردها الأئمة
стр. 51
الحفاظ بالتأليف وسلكوا بها صنوفًا من التصنيف. فرضي الله تعالى عنه ونفعنا والمسلمين ببركاته وبركات علومه في الدنيا والآخرة وحشرنا في زمرته تحت لواء سيد المرسلين إلى الجنان العلية الفاخرة آمين.
ولنبدأ بترجمة العلامة العُلَيْمي (٦٤) الذي جعلنا كتابنا ذيلًا لكتابه فنقول:
مطلب في ترجمة الإمام العليمي صاحب كتاب الإنس الجليل بتاريخ القدس والخليل ﵀
[نسبه]
هو الإمام عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن عيسى بن تقي الدين عبد الواحد بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد المجير بن الشيخ تقي الدين بن عبد السلام بن إبراهيم بن أبي الفياض بن الشيخ الرباني القدورة العارف أبي الحسن علي المدفون بشاطئ البحر المالح بساحل أَرْسُوف (٦٥) صاحب المناقب المشهورة والكرامات الظاهرة المأثورة قدس الله روِحه ونور ضريحه ابن الشيخ عليل بن محمد بن يوسف بن يعقوب بن عبد الرحمن بن السيد الجليل الزاهد العابد الصوام القوام الصحابي عبد الله ﵁ ابن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العدوي القرشي ﵁ وعن سائر أصحاب رسول الله [ ﷺ ] أجمعين. هكذا ساق النسب صاحب الترجمة في كتابه الأنس الجليل والطبقات في ترجمة والده، وقال: إن هذا النسب
стр. 52
ثابت لجد (٦٦) القاضي شمس الدين المشار إليه الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف. محكوم به لدى قاضي القضاة شرف الدين بن قاضي الجبل ابن قدامة الحنبلي بالشام المحروسة في شهور سنة سبعين وسبعمائة انتهى.
هو الإمام العلامة المسند المؤرخ الفقيه المتفنن في سائر العلوم المتحلي بقلائد المنطوق والمفهوم مجير الدين أبو عبد الله ابن الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ زين الدين أبي هريرة عبد الرحمن بن الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد العمري العليمي الحنبلي. الخطيب الفقيه المحدث الأثري.
والعليمي نسبة إلى سيدنا ولي الله تعالى علي بن عليل المشهور عند الناس بعلي بن عليم والصحيح أنه عليل باللام كذا في نسبه الثابت كما نقله الحفاظ المؤرخون.
لم أقف له على ترجمة، وإنما التقطت هذه الترجمة من مصنفاته. فأقول: تفقه على والده (٦٧)، وأخذ عنه جملة من العلوم وتوفي [١١ ب] والده سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة بمدينة الرملة، وأخذ ببيت المقدس عن العلامة الكمال بن أبي شريف، ثم رحل صاحب الترجمة بعد وفاة والده بسبع سنوات وذلك سنة ثمانين وثمانمائة إلى القاهرة، وأقام بها عاكفًا على طلب العلوم واقتناص شواردها التي أزرت قلائد الدر المنظوم، ولزم قاضي الحنابلة بالديار المصرية بدر الدين محمد (٦٨) بن محمد بن أبي بكر السعدي، وأقام تحت نظره
стр. 53
وتفقه عليه أيضًا. قال (٦٩) في طبقاته في ترجمة السعدي المزبور: ولقد أكرم مثواي عند تمثلي بين يديه لمّا قدمت إلى القاهرة [سنة ثمانين وثمانمائة] (٧٠)، وأقمت تحت نظره تحت نظره للاشتغال بالعلم الشريف فأحسن إليّ وتفضل عليّ، وأفادني العلم وعاملني بالحلم، ومكثت بالديار المصرية نحو عشر سنين، إلى أن سافرت منها في سنة تسع وثمانين وثمانمائة وأنا مشمول منه بالصلات، ومتصل من فضله بالحسنات، ولما عزمت على السفر حضرت بين يديه، واستأذنته فتألم لذلك وشق عليه وكنت أرجو الاجتماع به والابتهاج بمشاهدة ذاته الحسنة فلم يُقدّر، فإنه عاملني بالجميل، وشكرُ المنعم واجب فجزاه الله عني خيرًا. انتهى.
وهذا الإمام الكبير صاحب العلم الكثير، له اليد الطولى في الفضائل، كيف لا وهو من ذرية هذا السيد الجليل والسند المثيل، فريدة عقد الزمان، وغرة وجه الدهر والأوان بفضل غض، وعقد كمالات غير مرفضّ، معدن الاتقان ومعاد الإيقان، طويل الباع في المعارف التي تسترق الطباع، وناشر لواء الفضائل، على مناكب الأفاضل، ووقفت له من المؤلفات على [الجليل على القرآن العظيم تفسير القاضي البيضاوي] (٧١)، وتاريخ القدس الشريف
стр. 54
الحافل الذي سماه: الانس الجليل بتاريخ القدس والخليل، الحاوي لكل غريبة وفائدة، وبتراجم أعيان البلدين كافل، وله الطبقات المشهورة التي سماها المقصد (٧٢) الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد. التي لم يسمح الزمان بمثالها، ولم ينسج ناسج على منوالها، وله تاريخ جليل ابتدأ فيه من سيدنا آدم إلى سنة ست وتسعين وثمانمائة مرتبًا له على السنين ذاكرًا فيه الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة، على وجه الاختصار في ذلك، وله غير ذلك من التآليف والفوائد، وكلها عليها الرونق والبهجة لحسن إخلاصه ومزيد اختصاصه، وولي القضاء بالقدس الشريف ونظر الأحكام الشرعية بها، ولم أقف على تاريخ وفاته (٧٣) ولعله كان في أوائل هذه الطبقة رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.
стр. 55
الطبقة الأولى فيمن وقعت وفاتهم من سنة إحدى وتسعمائة إلى سنة خمس وعشرين وتسعمائة
القاضي شمس الدين الدروسي (١)
محمد بن عمر بن محمد الدمشقي الشهير بالدروسي: الشيخ الإمام شمس الدين قاضي القضاة الفقيه الهمام. ترجمه النجم في الكواكب، والشيخ عبد الحي العكري في الشذرات، وقالا: إنه ولد في سنة ست عشرة وثمانمائة بدمشق، ونشأ بها، وأخذ في طلب العلم، فقرأ على أفاضلها إذ ذاك، وسمع المسلسل بالأولية (٢) من الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره، وكان نقيبًا لقاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن أكمل الدين بن شرف الدين بن مفلح الراميني، ثم فوض إليه ولده قاضي القضاة نجم الدين بن مفلح نيابة القضاء. قال النعيمي في تاريخه: لقلة النواب فدخل في القضاء مدخلًا لا يليق بأمثاله.
وكانت وفاته بدمشق يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعمائة. رحمه الله تعالى آمين.
стр. 56
أمة الخالق المعمرة (٣)
أمة الخالق المعمرة الشيخة المُسنِدةُ الرحلة أمُّ الخير الدمشقية الصالحية. ذكرها الحافظ النجم الغزي في الكواكب فقال: ولدت سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وحضرت على الجمال الحنبلي، وأجاز لها الشرف بن الكويك وغيره، وهي آخر من يروي البخاري عن أصحاب الحجّار، نزل أهل الأرض درجة في رواية البخاري بموتها.
وكانت وفاتها في سنة اثنتين وتسعمائة، ودفنت بسفح قاسيون رحمها الله تعالى. وذكرها العكري في شذراته [١٢ ب].
الشهاب أحمد الجراعي (٤)
أحمد بن زيد بن أبي بكر بن عمر بن محمود الجراعي بجيم ثم راء مهملة الصّالحي، الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أبي العباس. ذكره المؤرخ الشمس محمد بن طولون في مشائخه فقال: سمعت منه الأبيات التي أنشده إياها العلامة قطب الدين أبو الخير محمد بن عبد القوي المكي المالكي في يوم الاثنين تاسع رجب سنة أربع وأربعين وثمانمائة، يرثي الإمام أبا الفرج عبد الرحمن بن سليمان بن أبي بكر الصالحي الحنبلي الشهير بأبي شعر، وقد بلغه وفاته فقال:
أبو الفرج المرحومُ أودى حِمامُه … به وقضى نحبًا وذا العامُ عامُه
فيا قاسيونَ الشامِ مالكَ لم تَصِحْ … وصنوكُ طودُ العلمِ هُدَّ سنامُه
ويا أيُّها القاموسُ مالك لم تَغُر … وبحرُ علومِ الفقهِ غارَ جِمامُه (٥)
ويا بدرَ هذا الأفقِ مالك لم تُغَل … وبدرُ سماءِ العلمِ غِيل تمامُه
فيا بنَ سليمانَ، الإمامةُ عُطلتْ … لفقدِك والتدريسُ حُلَّ نظامُه
وبعدَك لا الفضلُ المنيرُ ولا الأدا … لعلمٍ ولا الإقراء سِيمَ سَوامُه (٦)
ولا الوعظُ في دارٍ يَقِرُّ قرارُه … ولا مصرُ تأويه ولا الشامُ شامُه
إليكَ انتهى التفسيرُ واللهُ شاهدٌ … بأنَّكَ خاشٍ حين يُتلى كلامُه
زهدتَ، تورعتَ، اعتزلتَ عن الورى … وأنت لهذا الشأنِ طُرًا ختامُه
غدا كلُّنا لما تواريتَ والهًا … فطِبتَ مقيلًا لا يُضاع ذِمامُه
تراني أُعزي من وَراه بزورِه … علا قدرُه عندي وعَزَّ مقامُه
أعزّي به الإسلامَ والدينَ والتقى … كذاك به حقًا يُعزّى إمامُه
стр. 59
ومالكُ والنعمانُ والشافعي الرضى … محمدٌ بن إدريسٍ يحق احترامُه
كذاك البخاريْ وابنُ حجاج مُسلمٌ … بعلمهما -واللهِ- كان اهتمامُه
فيا قبَره حقٌ علينا -وإن رأى … خلافًا لدى- تقبيله واستلامه
ثم سمع منه الأبيات التي أنشده إياها العلامة أبو الفضل محمد بن قاسم القرشي المخزومي في السواك فقال:
الحمد لله ولي النعمة … مُصلِّيًا على نبيِّ الرحمةِ
إخوانَنا تمسكوا بسنةٍ … جميلةٍ نافعةٍ حميدةٍ
فمن أرادَ سنةَ السواكِ … فإنه يكون من أراكِ
وعودِ نخل والبشامِ وكذا … في الطبراني عودُ زيتونٍ غدا
وكلَّما قد عُدَّ في الفضائلِ … خُصَّ به الأراكُ بالدلائلِ
وصحتْ الأخبارُ حيثُ توجدُ … قولًا وفعلًا، إنه مؤكدُ
ولا خلافَ أنه من القُربْ … واختلفوا أواجبٌ أم مستحبْ
وآكد السواكِ للقرآنِ … وعند الاصفرارِ للأسنانِ
وعند الانتباهِ للإنسانِ … كذاكَ للصلاةِ ذي الأركانِ
عندَ دخول البيتِ أيضًا نُدبا … وعند قصدِ نومِه قد طُلبا
عندَ الوضوءِ نَدْبُه قد وردا … وباطنُ الأضراس مرًا قصدا
وقدرُ شبر جعلُه للسنةِ … لا تمسكَنَّه بكلِ القبضةِ
بل فوقَه ثلاثةٌ تَلتامُ … وتحته الخِنصر والإبهامُ
وعَرْضًا اندبُه وباللسانِ … طُولًا كما يُكْرَه بالأسنانِ
بإصبع للغيرِ جازَ واتضحْ … بإصبع له، فلا، على الأصحْ
وخلفَ أُدنٍ خلِّه موضوعا … كما رواه البيهقي مرفوعا
стр. 60
أمَّا أبو داودَ فهو قدْ وقفْ … هذا على زيدِ بن خالدٍ وكَفْ
ومن فوائد السواك ذِكْرا … مزيدُ صفوه لفيك طُهرا
رضىً لربنا مقوي اللثةِ … وإنه مطيبٌ للنكهة
وقاطعُ السوداءِ من كل البدنْ … وجهٌ يصيرُ ذا وَضاءةٍ حَسنْ
للحفر للأسنانِ والصداعِ … يذهبها وسائرَ الأوجاعِ
به يُقوّى الصُّلب من إنسانِ … وأنه مسخطةُ الشيطانِ
ويُذهب العذابَ في القبورِ … ويَصرفُ الفقرَ عن الفقيرِ
وأنه يذكر الشهادهْ … ويُذهبُ العَدُوَ في الحرابه
ملائكُ الله له تصافحْ … حين ترى النور بوجه لائحْ
وبالسواك تفضلُ الصلاةُ … سبعين ثَمَّ إنْ أتت وفاةُ
من قبل فعلها ينال إنْ نوى … تقربًا لله لا يرجو سوى
خذها أخي تبرعًا بلا ثمنْ … أللهَ أرجو برَّها بلا محنْ
محمد الفصيُّ خادم السُننْ … ضيفٌ (٧) غريبٌ في البلاد ممتهنْ
في حبِ مولاه أتى مهاجرًا … بأهله ونجله يرجو القِرا
وفيه عن محمد السَّخاوي … عَصرّينا من نظمه للحاوي
ياربِّ سلم جمعنا من باسِ … ومن مَعاصٍ وشرور الناسِ
أسألُ ربَّ الخلقِ حُبَّ السنةِ … وفعلَها وجمعَها في الجنة
والحمد لله كما بدأتُ … أحمده ولاسمه شكرتُ
ثم على نبيه السلامُ … مع الصلاةِ لي بها ختامُ
وهذا لم يحصر فوائد السواك. ومن أراد استيعابها على حسب ما وقفت
стр. 61
عليه فعليه بكتاب (تحقيق الإدراك لأخبار السواك) لشيخ الإسلام العلامة القاضي رضي الدين الغزي العامري (٨) قدس سره، ومذكور في ذلك قول الجمال بن مكتوم وأجاد:
بالله إن جزتَ بوادي الأراك … وقبلتْ عيدانُه الخضرُ فاك
فاهدِ إلى المملوكِ من بعضها … فإنني والله ما لي سواك
ومثله قوله:
ويحكَ يا عودَ الأراكِ لثمتها … ما خفتَ يا عود الأراك أراكا
لو كان غيرُك يا سواكُ قطعْتُه … ما فازَ مني يا سواك سواكا
وختمه الفقير المسطر لهذا الكتاب بما ألغزه فيه أبو عبد الله محمد بن عبد المجيب الرفاء حيث قال:
ومصحوبٌ به أمرَ الرسولُ … به لوني المغيَّرُ والنحولُ
يُنعَّم في مكانٍ ما لخلقٍ … سواه إلى تقحُّمِه سبيلُ
ومن محفوظ كاتبه أيضًا لبعض السادة الفضلاء:
أراك ترومُ إدراكَ المعاني … وتزعم أنَّ عندكَ منهُ فهما
فما شيءٌ له طعمٌ وريحٌ … وذاكَ الشيءُ في شعري مُسمّى
ومن محفوظي فيه أيضًا جواب عن البيتين:
سألتَ هُديت عما فيه طعمٌ … تظنُ سواكَ ليس يُجيبُ نَظما
стр. 62
فخذْ مني جوابًا ليس يَخفى … على ذي اللب في نظمي مُسمّى
ولبعضهم وقد رأيته مكتوبًا بمحراب مدرسة الشيخ أبي عمر (٩) حكمة أدبية:
دارِ من الناس ملًا لاقِهم … مَنْ لم يدارِ النّاسَ مَلّوهُ
ومكرمُ النَّاسِ حبيبٌ لهمْ … من أكرمَ النَّاسَ أحبُّوه
ولبعضهم:
عرضْنا أنفسًا عَزَّت علينا … لديهم فاستحقَّ لها الهوانُ
ولوْ أَنَّا منعناها لعزَّتْ … ولكنْ كلُّ معروضٍ يُهانُ
ولبعضهم:
وإخوانٍ حسبتُهمُ دُروعًا … فكانوها ولكنْ للأعادي
وخِلتهمُ سِهَامًا صائباتٍ … فكانوها ولكنْ في فؤادي
وقالوا: قد صَفت منا قلوبٌ … لقد صدقوا ولكنْ من وِدادي
ولبعضهم:
رجوتهمُ لكشف الضُرِّ عنِّي … فلمْ أرَ فيهمُ أحدًا كريما
وما لي عندهمْ ذنبٌ قديمٌ … سوى أَنيِّ عرفتُهُمُ قديما
وكان صاحب الترجمة ملازمًا لقراءة القرآن ليلًا ونهارًا، ملازمًا للصلاة مع
стр. 63
الجماعة، لكن كان لسانه طلقًا في أعراض الناس. وجاوز سبعين سنة. وتوفي يوم الجمعة سابع عشرين صفر الخير من شهور سنة أربع وتسعمائة،. وصلي عليه بالجامع الظفري (١٠)، ودفن بمقبرة الشيخ أبي عمر خارج الحواقة عند والده بسفح قاسيون. انتهى بحروفه من التاريخ المرقوم.
الشيخ غرس الدين الفراديسي (١١)
خليل بن يعقوب بن خليل الدمشقي الصالحي الشهير بالفراديسي؛ الشيخ غرس الدين أبو قاسم. ترجمه الشمس بن طولون فقال: حفظ القرآن العظيم، ثم (المحرر) للمجد بن تيمية، وأخذ عن النظام بن مفلح، والشهاب بن زيد، والشيخ صفي الدين ولازم شيخنا القاضي ناصر الدين بن زريق وأكثر من الأخذ عنه، ثم أقبل على الشهادة (١٢) والمباشرة لأوقاف مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر وغيرها. قال ابن طولون: أجاز لنا وكتبتُ عنه فوائد. توفي في حبس كرتباي الأحمر ملك الأمراء بدمشق سنة أربع وتسعمائة. [١٤ ب]
стр. 64
شعبان بن محمد الصورتاني (١٣)
شعبان بن محمد: العالم الفاضل زين الدين الدمشقي الشهير بالصورتاني، أحد عدول دمشق ممن سكن صالحيتها. ولد بدمشق ونشأ بها وأخذ عن النظام بن مفلح، والعلامة ابن زيد، وأكثر في الأخذ عن أبي البقاء بن أبي عمر، وكان لا بأس به ذا همة وحشمة وافرة، تولى قضاء مدينة صفد، ثم عزل عنها، ودرس وأفاد. ترجمه النجم الغزي والمؤرخ عبد الحي العكري وغيرهما وأثنوا عليه.
وكانت وفاته في شوال سنة أربع وتسعمائة من الهجرة النبوية رحمه الله تعالى.
خطاب بن محمد الكوكبي الدمشقي الصالحي (١٤)
خطاب بن محمد بن عبد الله الدمشقي الصالحي؛ الشيخ المفيد النبيه النبيل زين الدين الشهير بالكوكبي، الأوحد البارع الذي لم يجد له في رتب العلى منازع، حفظ القرآن في مدرسة شيخ الإسلام الشيخ أبي عمر بن قدامة بصالحية دمشق، وأخذ الفقه عن الشيخ صفي الدين والنظام بن مفلح، والشهاب بن زيد وغيرهم من الفقهاء، واشتغل في علوم العربية على الشيخ شهاب الدين بن شكم، وحلّ عليه (ألفية الحافظ زين الدين العراقي) في علوم الحديث. قال الشمس ابن طولون في تاريخه: أنشدنا لنفسه في مستهلِّ رجب
стр. 65
سنة سبع وتسعين وثمانمائة وكان الطاعون موجودًا بدمشق يومئذ قوله:
بطشت يا موتُ في دمشقٍ … وفي بنيها أشدَّ بطشِ
وكم بناتٍ بها بُدورًا … كانتْ فصارتْ بناتِ نعشِ
قلت: وهذا الطاعون الذي ذكره هو طاعون عجيب لم يسمع بمثله حتى قيل: إن ربع أهل الأرض ماتوا به. [١٥ آ]
قال ابن طولون: عرض له ضعف في بعض الأحيارت، وكان عند الناس أنه فقير، فأوصى بمبلغ من الذهب له كمية جيدة، ثم برئ من ذلك الضعف فشنق نفسه بخلوته في المدرسة الضيائية (١٥) في سابع عشر جمادى سنة خمس وتسعمائة.
وترجمه الحافظ النجم الغزي في الكواكب، والشيخ عبد الحي العكري في الشذرات رحمه الله تعالى.
علاء الدين علي بن عبد الله الشهير بعُلَّيق (١٦)
علي بن عبد الله بن أبي عمرو الشيخ الإمام الخطيب، علاء الدين الدمشقي الشهير بعُلَّيق بضم العين المهملة وتشديد الَّلام المفتوحة، المؤذن بالجامع الشريف الأموي بدمشق. ولد سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة. قال
стр. 66
النعيمي: وهو آخر من سمع صحيح مسلم كاملًا على الشيخ الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين في سنة ست وثلاثين وثمانمائة.
وكانت وفاته بدمشق سنة ست وتسعمائة رحمه الله تعالى. وذكره الحافظ النجم الغزي العامري في تاريخه الكواكب، والشيخ عبد الحي العكري في الشذرات.
القاضي شهاب الدين أحمد التنوخي (١٧)
أحمد بن أسعد بن علي بن محمد بن منجا [بن عثمان] (١٨) بن أسعد: القاضي شهاب الدين أبو (١٩) العباس ابن القاضي وجيه الدين ابن قاضي القضاة علاء الدين ابن القاضي صلاح الدين ابن القاضي (٢٠) شرف الدين ابن الشيخ زين الدين ابن الشيخ عز الدين ابن القاضي وجيه الدين التنوخي الصالحي الدمشقي. الشيخ الإمام العالم العامل الفاضل النحرير الهمام.
ولد في سابع عشري صفر سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وحفظ القرآن العظيم، واشتغل بالعلم، ثم غلب عليه التصوف ثم عاد فقيها، وولي نيابة الحكم للقاضي برهان الدين بن مفلح وغيره، ثم غلب عليه جانب التصوف، وبنى بمنزله بحارة الفواخير من الصالحية لصيق التربة العادلية (٢١) بسفح قاسيون رواقًا
стр. 67
بمحراب (٢٢) وكان له النظم الحسن الرقيق، وله (كتاب العقيدة) نظمًا في نحو سبعمائة بيت على طريقة السلف، وقد أنكر عليه في بعضها الشيخ عبد النبي المالكي.
وتوفي في يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى سنة ثمان وتسعمائة. وقد ترجمه العلامة الحافظ نجم الدين الغزي العامري في الكواكب السائرة وذكره الشيخ محيى الدين النعيمي في تاريخه رحمهما الله تعالى.
الجمال يوسف بن عبد الهادي الشهير بابن المَبْرد (٢٣)
يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن فتح بن حذيفة بن محمد بن يعقوب بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى [١٥ ب] بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁.
الإمام جمال الدين أبو المحاسن بن القاضي بدر الدين أبي عبد الله ابن المسند شهاب الدين أبي العباس القرشي العدوي المقدسي الأصل الدمشقي الصالحي الشهير بابن المَبْرد بفتح اليم وسكون الباء الموحدة، وهو لقب جده أحمد لقبه بذلك عمه، قيل لقوته، وقيل لخشونة يده.
стр. 68
هو الشيخ الإمام العالم العلامة الهمام، نخبة المحدثين، عمدة الحفاظ المسندين، بقية السلف قدوة الخلف، كان جبلًا من جبال العلم وفردًا من أفراد العالم، عديم النظير في التحرير والتقرير، آية عظمى وحجة من حجج الإسلام كبرى، بحر لا يلحق له قرار، وبر لا يشق له غبار، أعجوبة عصره في الفنون، ونادرة دهره الذي لم تسمح بمثله السنون، أفرده تلميذه المحدث شمس الدين بن طولون بالترجمة في مجلد حافل سماه (الهادي إلى ترجمة يوسف بن عبد الهادي) لم يتيسر لي إلى الآن الوقوف عليه.
مولده في غرة محرم سنة إحدى وأربعين وثمانمائة (٢٤) بدمشق وقرأ القرآن العظيم على الشيخ أحمد المصري الحنبلي وجماعة، ثم على الشيخ محمد والشيخ عمر العسكريين، والشيخ زين الدين الحبال، وصلى بالقرآن ثلاث مرات، وأخذ العلم عن مشايخ كثيرة جدًا، وقد جمعهم في معجمين كبير وصغير، فقرأ (المقنع) على الشيخ تقي الدين الجراعي والشيخ تقي الدين بن قندس والقاضي علاء الدين المرداوي، وحضر دروس خلائق لا يكادون يحصون كثرة منهم القاضي برهان الدين بن مفلح والشيخ برهان الدين الزرعي. وأخذ الحديث عن خلائق من أصحاب ابن حجر العسقلاني، وابن العراقي وابن البالسي، والجمال ابن الحرستاني، والصلاح ابن أبي عمر، وابن ناصر الدين محدث دمشق، وأجاز له من مصر شيخ الإسلام قاضي القضاة أبو الفضل بن حجر العسقلاني المتقدم ذكره، والتقي الشمني. والشهاب الحجازي، والبرهان البعلي، وأبو عبد الله بن فَهْد، والشيخ قاسم بن قطلوبغا المصري، والجمال ابن ناظر الصاحبة وغيرهم.
стр. 69
وكان إمامًا علّامة يغلب عليه علم الحديث والفقه، وله يد في غيرهما كالتفسير والتصوف والنحو والتصريف والمعاني والبيان وغير ذلك من أنواع العلوم، ثم أخذ في قراءة العلوم وإقرائها حتى حظي بالشيء الكثير ودرس وأفتى. [١٦ آ] وأجمعت الأمة على تقدمه وإمامته، وأطبقت الأئمة على فضله وجلالته.
مطلب في أسماء مؤلفات المترجم مولانا يوسف بن عبد الهادي ﵀
وله من التصانيف ما يزيد على أربعمائة مصنف، وغالبها في علم الحديث والسنن، فمنها (كتاب التبيين في طبقات المحدثين المتقدمين والمتأخرين) في سبع مجلدات، و (الرياض اليانعة في أعيان المائة التاسعة)، و (مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام)، وهو كتاب جليل احتوى على مهمات مسائل الدين في المذاهب الأربعة، وقد رأيت بخط مؤلفه صاحب الترجمة على ظهر هذا الكتاب هذين البيتين وهما:
هذا كتابٌ قد سَمَا في حَصْرِهِ … أوراقُهُ من لطفه متعددِّهْ
جمعَ العلومَ بلطفِهِ فبجمعِهِ … يغنيكَ عن عشرينَ ألفِ مُجلَّدهْ
ولابن قاضي أذرعات مقرظًا لهذا الكتاب المزبور:
يا كِتابًا أزرى بكلِّ كتابٍ … هو في الأرض لوحنُا المحفُوظُ
زادَ ربي منشيه عِلْمًا وفضلًا … ثمّ لازالَ سعدُهُ المحظوظُ
و (كتاب الدر النقي في شرح ألفاظ الخِرقيّ)، و (الوقوف على لبس الصوف)، و (غراش الآثار وثمار الأخبار، ورائق الحكايات والأشعار) في
стр. 70
عشرة أجزاء، و (الدر النفيس في أصحاب محمد بن إدريس)، و (المطول في القرن الأول) في عشر مجلدات، و (شرح الخلاصة الألفية)، و (المنيرة في حل مشكل السيرة) في مجلدين، وهو كتاب نفيس على سيرة ابن هشام، و (الفتاوى الأحمدية)، مشتملة على مهمات المسائل، (الأربعين المختارة من حديث ابن أبي عمر)، (جزء فيه عشرة أحاديث مختارة من مرويات والده)، واختصر تخريج أحاديث الهداية للزيلعي وسماه (الرعاية في اختصار تخريج أحاديث الهداية)، و (الصوت المسمع للطالب على تخريج أحاديث المقنع)، و (الثغر الباسم لتخريج أحاديث مختصر أبي القاسم)، و (الأربعين المختارة) من عوالي شيخه النظام، و (جمع العدد لرد قول المنكر بغير مستند)، و (فضل السمر في ترجمة شيخ الإسلام ابن أبي عمر)، و (الغلالة في مشروعية الدلالة)، و (صدق التشوف إلى علم التصوف)، و (العقد التمام فيمن زوجه النبي ﵊، و (عظيم المنه بنزه الجنة)، و (كتاب البلاء بحصول الغلاء)، و (الاقتباس لوصيته ﵊ لابن عباس)، و (كتاب أدب العالم والمتعلم) و (كتاب ذم التعيير وآفة الأضرار)، و (التخريج الصغير)، و (التحبير الكبير)، و (نزهة الرفاق في شرح حال الأسواق)، و (غدق الأفكار في ذكر الأنهار)، و (عدة الملمات في تعداد الحمامات)، (الإعانات على معرفة الخانات)، و (ثمار المقاصد في ذكر المساجد)، و (تهذيب النفس للعلم وبالعلم)، و (الأربعين المسلسلات من حديث سيد السادات)، و (الأربعين المختارة من حديث جابر بن عبد الله)، و (الأربعين المسلسلة بالقول)، و (الأربعين المختارة من صحيح مسلم) (الثلاثين التي عن الإمام أحمد في صحيح مسلم)، (الأربعين المختارة) من عوالي جده، و (الاقناع في أدوية القلاع)، و (الاتقان في أدوية اللثة والأسنان)، و (الفنون من أدوية العيون)، و (الجول على معرفة أدوية
стр. 71
البول)، و (إيضاح القضية بمعرفة الأدوية القلبية)، و (دواء المُكْتَرب بعضة الكلب الكلِبْ)، و (هداية الإخوان بمعرفة أدوية الآذان)، و (الإتقان لأدوية اليرقان)، و (كمال الإصغا إلى معرفة الأمعا)، و (هداية الأشراف لمعرفة ما يقطع الرعاف)، و (الكمال في أدوية الصدر والسعال)، و (العهدة لأدوية المعدة)، و (تمام النوال في أدوية الطحال)، و (الأدوية المفردة لعلل المقعدة)، و (اللثق في أدوية الحلق)، و (إرشاد المعتمد في أدوية الكبد)، و (الأدوية الوافدة إلى الحمى والباردة)، و (بلغة الآمال بأدوية قطع الإسهال)، و (تعريف المجروح بما يدمل القروح)، و (البيان لبديع خلق الإنسان) و (ذم الهوى والذعر من أحوال الزعر) و (الأغراب في أحكام الكلاب)، و (لقط السنبل في أخبار البلبل)، و (الصارم المفُني في الرد على الحصني)، و (النصيحة في تخريج أحاديث النواوية بالأسانيد الصحيحة)، و (جزء فيما عند الرازي من حديث الإمام أحمد)، و (جزء في الرواية عن الجن وحديثهم) و (جزء في فضل لا حول ولا قوة إلا بالله)، و (الأربعين المسلسلة بالخلفاء)، و (كتاب أخبار الأذكياء) و (الرسا للصالحات من النسا)، و (شد الظهر لذكر ما يُحتاج إليه من الزهر)، (الإرشاد إلى حكم موت الأولاد)، و (إخبار الإخوان عن أحوال الجان)، و (المشيخة الوسطى)، و (الهدية لأدلة المسائل الخفية)، و (كتاب المشتبه من الطب)، و (وفاء العهود بأخبار اليهود) في جزأين و (تخريج حديث لا يرد يد لامس)، و (الضبط والتبيين لذوي العلل والعاهات من المحدثين)، و (جزء في تخريج حديث الشفا)، و (السباعيات الواردة عن سيد السادات) و (جزء الخمسة أحاديث من عمان البلقا)، و (النجاة بحمد الله)، و (إرشاد الملا إلى أن من عرف الناس خص بالبلا)، و (إرشاد الفتى
стр. 72
إلى أحاديث الشتا) و (محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب) (٢٥).
محيي الدين عبد القادر الشيباني المزي الصالحي المعروف بابن الرجيحي (٢٦)
عبد القادر بن محمد بن محمد بن عمر بن عيسى (٢٧) بن سابق بن هلال بن يونس بن يوسف بن جابر بن إبراهيم بن مساعد الشيخ الورع الناسك المسلك المربي محيي الدين ابن الشيخ العارف بالله تعالى شمس الدين الشيباني (٢٨) المزي ثم الصالحي، المعروف بابن الرجيحي، وجده الأعلى الشيخ يونس الشيباني: هو الشيخ العارف بالله تعالى شيخ الطائفة اليونسية، ذكر ترجمته ابن خلكان (٢٩) وغيره.
ولد صاحب الترجمة في ثاني عشر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين
стр. 73
وثمانمائة، وحفظ القرآن العظيم و (مختصر الخرقي)، واشتغل بالعلم، ثم تصوف ولبس الخرقة من جماعة منهم والده، والعلامة أبو العزم المقدسي نزيل القاهرة، والشيخ أبو الفتح الإسكندري، ولازمه كثيرًا وانتفع به وأخذ عنه الحديث وقرأ عليه (الترغيب والترهيب) للحافظ المنذري كاملًا، وقرأ عليه غير ذلك، وسمع منه وعليه أشياء كثيرة وناب في الحكم عن قاضي القضاة نجم الدين عمر بن مفلح وكانت سيرته حسنة وسكن آخرًا بالصالحية بالسهم الأعلى (٣٠) وبنى بها زاوية وحمامًا ومسكنًا، وكان من كبار العارفين بالله تعالى، ومن وجوه الصوفية.
وكانت وفاته ليلة الخميس رابع عشر المحرم سنة عشر وتسعمائة، وصلي عليه بالجامع المظفري بجمع حافل بالعلماء والقضاة والرؤساء والعامة وحمل على الأصابع، ودفن بسفح قاسيون عند صُفّة الدعاء. قدس الله روحه، وأعاد علينا من بركاته.
وترجمه الحافظ النجم الغزي العامري، والشيخ عبد الحي العكري، رحمهما الله تعالى، وذكره الشيخ محيى الدين النعيمي في تاريخه.
بهاء الدين محمد بن قدامة المقدسي (٣١)
محمد بن محمد، العلامة قاضي القضاة بهاء الدين بن عز الدين بن قدامة المقدسي الصالحي ثم المصري، الشيخ الجليل العالم الكامل النبيل.
стр. 74
ولد في ربيع الأول سنة ثلاثين وثمانمائة. قال النعيمي: كذا أخبرني به وأنه وجد ذلك بخط جده لأمه قاضي الحنابلة الشهير بابن الحبال. انتهى.
واشتغل صاحب الترجمة بالعلم، فتفوق في الفقه والعربية وغيرهما، ودرس وأفتى، ثم ولي قضاء الحنابلة بالشام في آخر عمره، فباشره ولم تحمد سيرته. وولي قبل ذلك قضاء الحنابلة بمصر مرارًا، وكان القضاء بمصر يتداول بين النجم ابن [مفلح] (٣٢) وصاحب الترجمة قاله [] (٣٣) في ترجمته. لكن كان عنده حشمة زائدة ووقار وافر.
وتوفي يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الآخر سنة عشر وتسعمائة، وصلي عليه بجامع الحنابلة بالسفح القاسيوني، ودفن بالروضة. وترجمه عمنا العارف نجم الدين الغزي العامري في الكواكب والشيخ عبد الحي العكري ومنهما نقلت. [١٧ ب]
بدر الدين حسن المرداوي (٣٤)
حسن بن علي بن عبيد بن أحمد بن عبيد بن إبراهيم المرداوي [السعدي ثم] (٣٥) الصالحي، الشيخ الإمام الفاضل بدر الدين أبو علي، حفظ القرآن وعدة كتب واشتغل قديمًا على جماعات، ترجمه الحافظ الشمس ابن طولون فقال: أخذ عن ابن السليمي ورحل إلى بعلبك مع ابن المبرد وله خط حسن ثم تكسب (٣٦) بالشهادة، أجازني مشافهة غير ما مرّة، واستفدت منه عدة أشياء
стр. 75
منها: أنّ من الاعتراضات أنّ أبا العلاء المعري قال ما صورته:
إذا ما ذكرنا آدمًا وفِعالَهُ … وتزويجه بنتيه لابنيه في الخنا
علمنا بأنَّ الخلقَ من نسلِ فاجرٍ … وأنّ جميعَ النّاسِ من عُنْصرِ الزِّنا
فرد عليه:
لعمركَ أمّا فيكَ فالقولُ صادقٌ … وتكذبُ في الباقينَ من شَطَّ أو دنَا
كذلك إقرارُ الفتى لازمٌ له … وفي غيرهِ لغوٌ كذا جاءَ شرعُنَا
ومن المنسوب إليه يعني أبا العلاء المرقوم:
يد بخمسِ مئينَ عسجدٍ وُدَيتْ … ما بالها قُطعَتْ في ربعِ دينارِ
تناقضٌ مالنا إلّا السكوتُ له … ونستجيرُ بربِّ النّاسِ مِنْ نارِ
[فرد عليه أيضًا بقوله] (٣٧):
وقاية النفسِ أغلاها وأرخصها … وقاية المالِ فافهم حكمة الباري
قال: معناه أنّ الشارع ﷺ لو لم يقطع اليد إلا في خمسمائة دينار لأفسد السُّراقُ أموالَ الناس بأن يسرقوا دون ذلك على الدوام، فلا يجب عليهم القطع لا سيّما والمسروق لا يكون إلا أقل من ذلك، ولو أن الشارع ﷺ لم يوجب في الجناية على اليد إلا ربع دينار لتجرأ الجناة على قطع اليد لسهولة المغرم. فالصيانة هي العلة في الصورتين، وهي الموجبة للحكمين المتناقضين. ومثل هذا يجمع الفرق، وهو أن يكون معنى واحدٌ يوجب أمرين متضادين. كما نقول في الصبي توفير ماله على مصالحه أوجب الحجرَ عليه، ومنَعه من