وصلاةُ ربي والسلامُ مضاعف … يُهدى لمن نزلت عليه رسائل
خير الخلائق أحمد المبعوث بالد … دينِ القويم فما يقول القائل
وعلى الصحابةِ والقرابةِ ما بدا … نجمٌ لديهِ لمن نحاه دلائل
وقوله:
الصبر عيلَ من القلا … والنَّفس أمست في بَلا
والجفن جفّ من البكا … والقلب في الشجوى غَلى
وشكا اللسان فقال في … شكواه: لا حول ولا
وقوله معمى:
من لي بأن أنظر إلى … خشف بليلٍ معتكر
وأضمّه من غير شف … ف كالضمير المستتر
وقوله:
ومن العجائب والعجائبُ جمّةٌ … تسطو الظبا فتفرس الآسادا
وتقلب الأحوال في ذا الدهر قد … جعل الحمير الناهقات جيادا
وقوله:
ماذا الذي ظنّ أن الصوف ناقلهُ … يا بن العلاقة يُسْمى في الورى صوفي
فقلت مرتجلًا ولله ما صدقوا: … وإنّما عنديَ الصوفيُّ مَنْ صوفي
وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار.
توفي في مدينة نابلس في شوال سنة ثمان وثمانين ومائة وألف، ودفن من يومه في تربتها الشمالية وقبره ظاهر يزار ويتبرك به ﵀ تعالي [٨١ - أ].
стр. 317
الشيخ برهان الدين المواهبي (١٩)
إبراهيم بن محمد بن عبد الجليل بن محمد أبي المواهب بن عبد الباقي الدمشقي الشهير بالمواهبي، مفتي السادة الحنابلة بدمشق، الشيخ الفاضل النبيل الهمام الكامل الفقيه البارع الصالح أبي الصبر برهان الدين. كان مولده بدمشق سنة حمس وأربعين ومائة وألف ونشأ بها، وتلا القرآن العظيم على شيخنا مقرئ دمشق وبركتها أبي الإرشاد محمد بن عبد الرحمن المكتبي النابلسي، واشتغل بعد ذلك بطلب العلم، وقرأ الفقه والعربية على أمين فتواه في حياته شيخنا الشهاب أحمد بن عبد لله البعلي وعلى غيره، وأخذ إجازةً عن والده وعن شيخ الإسلام والدي أبي [] (٢٠) محمد شريف بن محمد وحضر دروسه الحديثية، وأخذ العربية عن الفاضل الشريف محمد بن سعد الدين العبجي، ولمّا توفي أخوه الشهاب أحمد في التاريخ المقدم ذكره (٢١) جلس مكانه للفتوى ووجهت له بمرسوم من طرف قاضي القضاة بدمشق المولى [] (٢٢) وبقي مفتيًا إلى وفاته. وكانت له عدّة وظائف دينية وجهت له عن والده وأخيه فقام بها أحسن قيام. وكان شهمًا متواضعًا لين الجانب ذا أبهة ووقار نحيف الجسم فقيرًا صابرًا، وامتحن بمحنة فخلصه الله تعالى منها على أحسن حال بحسن إخلاصه وبياض سريرته ولم يزل على أحسن حالة حتى توفي.
وكانت وفاته يوم الأربعاء رابع شوال سنة ثمان وثمانين ومائة وألف، وصلي عليه بالجامع الشريف الأموي ودفن عند أسلافه بتربة الغرباء من مرج
стр. 318
الدحداح، بقرب قبر القطب العارف الشيخ أبي الصبر أيوب بن أحمد الخلوتي من جهة الشمال. وأعقب ولدين ذكرين وفقهما الله تعالى (٢٣).
أحمد البعلي الدمشقي (٢٤)
أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن مصطفى الحلبي المحتد ثم البعلي الشهرة الدمشقي المولد والسكنى والوفاة، مفتي السادة الحنابلة بدمشق بعد تلميذه المقدم ذكره آنفًا الشيخ الإمام العالم العامل الفقيه الفرضي الحيسوب الصوفي الخلوتي الخاشع الناسك العابد الزاهد الصالح الكامل المتقشف الأوحد النحرير شيخنا وأستاذنا أبو العباس شهاب الدين، عالم ضرب من الفضل بنصيب وافر، وأحيى مندرس العلم عالي المآثر بزهد يحكي زهد ابن أدهم وتقشف كان لبرده الطراز العلم وقوة دين كالجبال الرواسي وبديع يقين بحلله الشريفة كاسي [] (٢٥).
كان مولده ﵁ في يوم [] (٢٦) ثامن رمضان العظم قدره سنة ثمان ومائة وألف بدمشق، ونشأ بها في كنف والده وتلا القرآن العظيم. [
стр. 319
] (٢٧) ثم شرع في طلب العلم مشمرًا عن ساق الاجتهاد، فأخذ التفسير والحديث والفقه عن جماعة من أعيان علماء دمشق والمتصدرين بها؛ فأخذ عن والده الجمال عبد الله بن أحمد البعلي، وعن خاتمة المسندين بدمشق محمد أبي المواهب بن عبد الباقي مفتي الحنابلة بدمشق وأبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي وأبي [] (٢٨) عوّاد بن عبيد الله الكوري وأبي [] (٢٨) مصطفى بن عبد الحق اللبدي و [] (٢٨) محمد بن عبد الجليل المواهبي المفتي الحنبلي بدمشق، وأخذ التفسير والحديث أيضًا وباقي العلوم عن جماعة كجدّ والدي لأمّه الأستاذ العارف الكامل أبي اسماعيل عبد الغني بن اسماعيل النابلسي الحنفي الدمشقي قدس سره وكجدي والد والدي شيخ الإسلام ملحق الأحفاد بالأجداد أبي المعالي الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري والعماد اسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي والشمس محمد بن علي الكاملي وولده العز عبد السلام وشيخ الإسلام ابن عمنا الشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري مفتي دمشق والمجد محمد ابن عيسى الكناني الصالحي و [] (٢٨) محمد بن خليل العجلوني الجعفري. ولمّا قدم دمشق محدث الحجاز وعالمه الشمس محمد بن أحمد عقيلة المكي سمع صاحب الترجمة منه حديث الأولية، وأجاز له بما تجوز له روايته. وحجّ سنة خمس وستين ومائة وألف وأخذ بالمدينة المنورة عن الشيخ الإمام جعفر بن حسن بن عبد الكريم البرزنجي وجميع من تقدم ذكرهم كتبوا له إجازات بخطوطهم ووقفت عليها فرأيتها مشحونة [بالثناء عليه] (٢٩) [] (٣٠)
стр. 320
وألف شيخنا المترجم مؤلفات نافعة فمنها: (الروض الندي شرح كافي المبتدي)، (الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير) للتقي محمد الفتوحي، (ومنية الرايض لشرح عمدة كل فارض) [] (٣١).
стр. 321
على حفظ المنون ونقل تقريرات الشيوخ، وقد اشتهر أمره وعلا قدره وألفّ مؤلفات عديدة؛ منها بخطّه: (ضوء النيرين لفهم تفسير الجلالين) في مجلدين و (شرح الكافي) في علمي العروض والقوافي (حاشية على دليل الطالب) في الفقه نحو عشرة كراريس.
ورحل صاحب الترجمة إلى مصر، وولي المشيخة على رواق الحنابلة في الأزهر، ثم رحل إلى القسطنطينية وتوفي بها في خلافة السلطان عبد الحميد الأول. (*) رحمه الله تعالى.]
عبد الرحمن البعلي (٣٣)
عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مصطفى شقيق [أحمد بن عبد الله] الذي [ذكر] قبله رحل إلي حلب من دمشق وتوطنها إلي وفاته، الشيخ الإمام العالم العامل الأديب البارع الفقيه المقرئ المفنن الأوحد أبو الفرج زين الدّين. ولد بدمشق ضحوة يوم الأحد ثاني عشر جمادي الأولي سنة عشر ومائة وألف ونشأ بها وتلا القرآن العظيم على والده في مدّة يسيرة واشتغل بطلب العلم، فقرأ على أبي الفضائل عوّاد بن عبيد الله الكوري في مقدمات العلوم، ولما توفي والده لزم دروس الأستاذ أبي المواهب محمد بن عبد الباقي الحنبلي في الفقه والحديث نحو خمس سنين ودروس الفقيه أبي التقى عبد القادر بن عمر التغلبي في علوم شتى مدة خمس عشرة سنة وأجازه إجازة عامة، ثم لازم الشيخ محمد بن عبد الجليل المواهبي نحو تسع سنين
стр. 322
وأجازه، وأخذ التفسير والتصوف عن جدنا الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره وحضر عليه (الفتوحات المكية) و (شرح الديوان الفارضي)، ولازمه نحو ثمان سنين وأجازه إجازة عامة بخطه، وأخذ عن المجد محمد بن عيسى الكناني الخلوتي فقرأ عليه بعض المقدمات في الأدب، وأخذ عنه الطريقة الخلوتية، ولقنه الذكر ولازمه نحو خمس عشرة سنة، وأجاز له، وأخذ أيضًا عن غير هؤلاء كالشمس محمد بن علي الكاملي وإلياس بن ابراهيم الكوراني والعماد إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي والمحب محمد بن محمود الحبال والشهاب أحمد بن علي المنيني والنور علي بن أحمد الكزبري، وأخذ الفرائض والحساب عن الشيخ مصطفى بن عبد الحق اللبدي، وحفظ القرآن العظيم على البرهان ابراهيم الدمشقي، ثم ارتحل إلى الروم ورجع منها إلى حلب الشهباء وذلك سنة أربع وأربعين ومائة وألف، فأخذ بهما عن جملة من أساطين العلماء كالشمس محمد بن أحمد عقيلة المكي وكان إذ ذاك بها فسمع منه المسلسل بالأولية، وأجازه إجازة عامة، وأخذ جملة من المنطق والأصلين عن الشيخ صالح البصري والشيخ محمد بن [] (٣٤) الزمار والشيخ قاسم البكرجي، وعليه قرأ العروض ومشايخه أكثر من ذلك كما بينه في ثبته. وعظم أمره وارتفع قدره واشتهر ذكره وغلا سعره وكان بحلب مستقيمًا ساكنًا فاضلًا؛ وكان له شعر لطيف جمعه في ديوان فائق محتوٍ على الرقائق فمنه ما قاله مقتبسًا:
اعبد الله وجاهد … فإذا فرغت فانصب
والزم التقوى خلوصا … وإلي ربك فارغب
стр. 323
ومن ذلك قول بعضهم:
أيها السائل قومًا … مالهم في الخير مذهبْ
اترك الناسَ جميعًا … وإلى ربك فارغبْ
وله عاقدًا حديثًا:
حصّل العلم فمن حصّله … نال عزًّا والغنى مع دين
رغّب المختار فيه قائلًا … اطلبوا العلم ولو بالصين
وله:
أطل صمتًا ولا تعجل … بإفتاء تفز فادري
فكلّ العقل في صمتٍ … ونصفُ العلم لا أدري
وله راثيًا العلامة السيد يوسف الحسيني الدمشقي مفتي حلب ونقيبها بقوله:
في الجنّة الفردوس حقًّا أنزلا … يوسف مفتي حلب مفضّلا
طوبى له طاب بها خلوده … لا يبتغي عنها دوامًا حوَلا
وحلّ في روضات جنات علت … نال بها كلَّ مرادٍ أمّلا
يشرب من أنهارها حيث اشتهى … ماءً وخمرًا لبنًا وعسلا
فيهن خيراتٌ حسان قاصرا … تُ الطرف أترابٌ تحلت بالحلا
وحوله الغلمانُ والولدانُ كالـ … لؤلؤ مكنونًا ومنثورًا حلا
قاال برؤيا الوحي قولًا صادقًا … أعطيت من غير حساب أُمّلا
وفزت بالرضوان والغفران لي … فالحمد لله ما خوّلا
стр. 324
وإنما نلت لذا بالذكر مع … ختم حديث الأنبيا خير الملا
يا قومُ قوموا قانتين للعلى … جنح الدياجي ترتقوا أوجَ العلا
وبشّروا صحبي وقولوا يوسف … من بعد ذاك الخوف أمنا أبدلا
وهو بأعلى منزل تاريخه … في الجنة الفردوس حقًا أنزلا
وله غير ذلك من بدائع الأشعار وقلائد النظام والنثار.
وكانت وفاته بحلب [] (٣٥) سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف ودفن بها. [] (٣٦).
بدر الدين محمد الثرمدي
محمد بن أحمد بن سيف النجدي الثرمدي، الشيخ الفاضل الفقيه الفرضي الشاعر الماهر الأوحد أبو العالي بدر الدين ولد في قرية أشيقر من الأعمال النجدية وبها نشأ، ثم رحل منها إلى ثمرده (٣٧) وقرأ بها القرآن العظيم على الشهاب أحمد بن سليمان المقري، وأخذ الفقه عن الجمال عبد الله بن فيروز الأحسائي، وأخذ التفسير والمعقولات عن المحقق صبغة الله بن البغدادي. [] (٣٨) [] (٣٨).
زين الدين مصطفى الدمشقي
مصطفى بن [] (٣٩) الدمشقي الصالحي، الشيخ الفاضل المدقق الفقيه
стр. 325
الصالح المبارك التقي أبو الرضي زين الدين. ولد بصالحية دمشق ونشأ بها وقرأ بعض المقدمات علي شيوخها، ثم رحل إلا مصر لأجل الطلب، وأخذ عن المتصدرين بها من العلماء وبرع وفضل وساد ودرس وأقبلت عليه الطلبة، وتولى مشيخة رواق الحنابلة بمصر في الجامع الأزهر الأنور وعكفت عليه الطلبة وانتفعوا به، ثم رحل إلى دار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية فدخلها، وكان إذ ذاك الطاعون ملمًا بها ففاجأه الحِمامُ فتوفي بها مطعونًا شهيدًا في جمادى الثانية سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف بتقديم التاء في تسعين، ودفن بتربة باب أدرنة ﵀ تعالي ورحم جميع أموات المسلمين.
الشيخ محيى الدين الضميري
مصطفى بن محمد بن يوسف بن بكر الضميري المولد والسكنى والوفاة والشهرة، الشيخ الفاضل الفقيه الفرضي الهمام الصالح الحيسوب أبو الصفا محيى الدين. كان مولده بقرية ضَميْر تصغير ضمير قرية من قرى دمشق قبل العشرين ومائة وألف ونشأ بها، ثم قدم دمشق وأخذ بها عن جملة من الأئمة الأعلام كأبي التقى محيي الدين عبد القادر بن عمر التغلبي الشيباني وشيخه أبي المواهب محمد بن عبد الباقي الحنبلي وأبي العز مصطفى بن عبد الحق اللبدي وطبقتهم، وأخذ الحديث والآلات عن كل من جدّ والدي لأمه العارف الشيخ عبد الغني بن اسماعيل النابلسي الحنفي وابن عمنا شيخ الإسلام الشبهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري مفتي الشافعية بدمشق وجدّ صاحب الترجمة واجتهد وصار له الفضل التام في الفقه والفرائض والحساب، ثم ارتحل لقريته المذكورة من دمشق وجلس بها وانتفع به أهلها وصار يفتي بها على مذهب سيدنا الإمام المبجل أحمد بن حنبل وانتفع به الناس، وكان ملازمًا للديانة والورع في جميع
стр. 326
أموره مشتغلًا بخويصة نفسه حتى توفي بالقرية المزبورة في سنة إحدى وتسعين ومائة وألف ودفن بها ﵀.
الشيخ مصلح الدين اللبدي المفتي الحنبلي (٤٠)
محمد بن مصطفى بن عبد الحق بن [] (٤١) اللبدي الأصل والشهرة، الدمشقي المولد والوفاة، مفتي السادة الحنابلة بدمشق بعد شيخنا الشهاب أحمد ابن عبد الله البعلي المقدّم ذكره، الشيخ العالم الفاضل الكامل المتفوق الفرضي الحيسوب النحرير الفقيه الصالح الناسك الماجد الأوحد الهمام أبو الهدى مصلح الدين أحد أشياخنا الأئمة الأعلام. كان مولده بدمشق سنة أربعين ومائة بعد الألف، ونشأ بها في كنف والده المتقدم ذكره، وتلا القرآن العظيم على شيخنا محمد بن عبد الرحمن المكتبي النابلسي، وشرع في طلب العلم، فأخذ عن جملة من أعيان العلماء، فأخذ الفقه عن كل من الشمس محمد بن عبد الجليل المواهبي وشيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي، وأخذ بقية العلوم النقلية والعقلية عن شيخنا علاء الدين علي بن صادق الطاغستاني، وقرأ (الأربعين النووية) مع شرحها للشهاب أحمد بن حجر الهيتمي المكيّ، وأول (صحيح البخاري) على الإمام عبد الرحمن بن جعفر الأزرملي الشافعي نزيل دمشق، وأجاز له، وأخذ النحو عن الشيخ البركة أسعد بن عبد الرحمن المجلد السليمي الحنفي [] (٤٢).
وكانت وفاة صاحب الترجمة قبيل فجر يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، وصلي عليه عقب صلاة الظهر
стр. 327
بالجامع الشريف الأموي، ودفن بمرج الدحداح قريبًا من قبر شيخ شيوخه العلّامة الكامل عبد القادر بن عمر التغلبي تجاه باب الجبانة الكبرى.
وأعقب ثلاثة أولاد ذكورًا ﵀ تعالي.
برهان الدين النجدي (٤٣)
إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم النجدي الأصل والشهرة المدني، الشيخ الفاضل الفقيه الفرضي العمدة الصالح الديّن المثابر على وظائف العبادات بقية السلف بركة الخلف أبو اسحق برهان الدين، قدم من بلاده إلي دمشق، وأخذ بها الفقه عن شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي وقرأ عليه جملة من كتب الفرائض [] (٤٤).
وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة اثنين وتسعين ومائة وألف، وصلي عليه بالحرم الشريف النّبوي، ودفن ببقيع الغرقد ﵀ تعالي.
стр. 328
القاضي عضد الدين البرادعي (٤٥)
عبد الرحيم بن علي بن أحمد بن عبد الجليل بن إبراهيم الدمشقي الصالحي الشهير بالبرادعي، الشيخ الفاضل الهمام الأوحد الكاتب الماهر النبيل قاضي الحنابلة بدمشق أبو الوفاء عضد الدين. كان مولده بصالحية دمشق سنة سبع عشرة ومائة وألف بتقديم السين، ونشأ في كنف والده وقرأ القرآن العظيم على السيّد ذيب بن أصلان البعلي المكتبي الصالحي، وأخذ في طلب العلم؛ فأخذ الفقه عن والده المقدم ذكره في الطبقة الحادية عشيرة من هذا الكتاب (٤٦) وعن الفقيه محمد بن عبد الجليل المواهبي، وحضر دروس جدنا الإمام العارف عبد الغني بن اسمعيل النابلسي الحنفي، وأخذ العربية عن كل من الجد الشمس محمد ابن عبد الرحمن الغزي العامري المفتي بدمشق والشيخ البركة أسعد بن عبد الرحمن المجلد السليمي. ونبل قدره وعظم مجده وفخره، وولي قضاء الحنابلة بدمشق مدّة تزيد على ثلاثين سنة.
ولم يزل على طريقته المثلى حتى توفي، وكانت وفاته يوم الاثنين خامس شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائة وألف، وصلي عليه بجامع السلطان سليم خان العثماني بصالحية دمشق (٤٧)، ودفن بالروضة من الجبل القاسيوني بجانب والده تجاه شباك الشيخ العارف القطب أبي السعود بن شبل البغدادي رحمه الله تعالى.
الشيخة رحمة البعلية
رحمة بنت عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مصطفى البعلية الحنبلية
стр. 329
شقيقة شيخنا الشهاب المقدم ذكره (٤٨) أم الرجاء الشيخة الفاضلة الصالحة الكاملة المتفوقة، وهي أيضًا والدة شيخنا تقي الدين أبي شعر محمد بن عبد الله بن محمد. كان مولدها بدمشق سنة ست ومائة وألف ونشأت بها، وأخذت الفقه والحديث والعربية عن والدها الجمال عبد الله بن أحمد المار ذكره وعن أمها الشريفة عابدة (٤٩) بنت ذيب بن أصلان البعلي الصالحي، وحفظت عليها القرآن العظيم عن ظهر قلب، وكانت صوّامة قوّامة خيّرة ديّنة تقيّة نقيّة مصونة العرض محفوظة اللسان مشتغلة بالأوراد والأذكار في ليلها ونهارها.
ولم تزل على تلك الحالة المرضية إلى وفاتها، وكانت وفاتها يوم الجمعة ثاني عشر شعبان سنة سبع وتسعين ومائة وألف بتقديم السين، وصلّى عليبها بالجامع الشريف (٥٠) ولدها شيخنا التقي محمد أبي شعر الآتي (٥١) ذكره ودفنت بجبانة الباب الصغير.
الشيخ مصلح الدين الحجاوي
محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن يوسف بن أحمد بن فياض الحجاوي الأصل الدمشقي المولد والسكنى والوفاة، مؤدب الأطفال ومقرئهم، شيخنا وأستاذنا الشيخ الفاضل المقرئ المجوّد المرتّل الصالح الكامل المتفوق البركة أبو الإرشاد مصلح الدين. كان مولده بدمشق سنة أربع وعشرين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده، وتلا القرآن العظيم عليه وعلى الشريف ذيب بن خليل المقرئ بدمشق وشيخ الإقراء بها، وجمع للسبعة عليهما من طريقي
стр. 330
الشاطبية والتيسير، وقرأ القرآن العظيم أيضًا بعدهما على الشيخ البرهان إبراهيم بن عباس الحافظ، وأخذ الفقه عن أبي زوجته نفيسة خاتون الشيخ الإمام مصطفى بن عبد الحق اللّبدي وعن [] (٥٢) محمد بن عبد الجليل المواهبي وشيخهما أبي التقي عبد القادر بن عمر التغلبي ولزمه في ليله ونهاره، وكان يجلس عنده في دكانه المعدّة لتجليد الكتب دائمًا في كل يوم للأخذ عنه والتأدب بآدابه، ولقي الجد العارف المحقق أبا إسمعيل عبد الغني بن إسمعيل النابلسي قدّس سره فلّما دخل عليه وقرأ بين يديه عن ظهر قلب سورة طه أجازه بما تجوز له روايته ودعا له، وأخذ عن غير هؤلاء من الشيوخ، ولما مات والده جلس مكانه لتأديب الاطفال وإقرائهم في دارهم الكائنة بالدخلة بقرب حمام الأمير أسامة (٥٣)، ثم بعد وقوع الزلزلة في سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف انتقل منها للمكتب الكائن بالدخلة قبلي الحمام المزبور، وقرأ عليه الناس طبقة بعد طبقة بحيث إنه كان يقرئ الآباء والأبناء وأبناء الأبناء، وكان له نفس مبارك على المتعلمين بحسن إخلاصه، وكان يؤم بالحنابلة في محراب الرابعة (٥٤) من الجامع الشريف الأموي، ويخطب في جامع بني المرادي بمحلة سويقة صاروجا، وكان مشتغلًا بنفسه لا يخالط أحدًا ولا يعرف المداهنة والمماراة ويتعيش مما يأتيه من أجرة الإقراء للأولاد المسمى بالخميسية (٥٥) عند أهل دمشق. وقد قرأت عليه ولله الحمد ختمات من القرآن العظيم، وأخذت عنه ولزمته مدة ورباني التربية الحسنة، وكان يعاملني بالملاطفة مع شدة بأسه على
стр. 331
المتعلمين. والأطفال عنده في غاية من الضبط والصيانة وأحواله معهم مبنيّة على التشديد بحيث إنهم يخافونه كالخوف من الله .
ولم يزل على طريقته إلي أن تمرض أيامًا قلائل، وتوفي ليلة الثلاثاء ثالث عشري رجب الحرام من شهور سنة تسع وتسعين ومائة وألف بتقديم التاء فيهما، وصُليّ عليه عقب صلاة الظهر في الجامع الشريف الأموي وحمل نعشه بمشهد عظيم حافل بالناس ودفن بمرج الدحداح في التربة الكبرى ﵀ تعالي.
الشريف صلاح الدين البيتماني
حسن بن محمد بن [] (٥٦) الشهير بالبيتماني الدمشقي، الشيخ الصالح الشريف الهمام العابد الناسك الصوام القوام الخيّر الدين صاحبنا أبو الهدى صلاح الدين، كان مولده سنة ستين ومائة وألف بدمشق ونشأ بها، وتلا القرآن العظيم. [] (٥٧) وطلب العلم؛ فقرأ في الفقه والعربية على شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي وحضر دروسه، والحديث عن الشيخ المعمّر بقية السلف شيخنا علاء الدين علي بن محمد السليمي الصالحي وحضر دروسه التفسيرية وعن ابن خال والدنا الضياء عبد الغني بن إسماعيل ابن جد والدي لأمه العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي وغيرهم، وأخذ الطريقة الشاذلية والخلوتية عن شيخنا تقي الدين أبي شعر محمد بن عبد الله الحنبلي الصوفي ولزمه الملازمة الكلية وصار أحد خواصّ أتباعه. وكتب بخطه ما لا يحصى من كتب التصوف، وأوراد شيخه التقي المذكور. وكان طويل القامة نيّر الوجه بشوشًا متواضعًا يظهر سيماء الصلاح في وجهه ويبدو كوكب النور على شمائله. وكان
стр. 332
يأكل من كسب يده في حياكة الأقمشة جريًا على عادة السلف الصالح في تحري الأكل من الحلال، ولم يكن له جهة يدخل له منها شيء من الدنيا سوى حرفته. وكان مثابرًا على القيام بوظائف العبادات وخدمة الصالحين والفقراء، مشتغلًا بخويصة نفسه منجمعًا عن أبناء الدنيا. صحبته مدة سنين، وشاركني في الأخذ والقراءة علي ابن خال والدي المقدم ذكره، وسمع عليه بقراءتي (شرعة الإسلام) تأليف المحقق [محمد بن أبي بكر الجوفي البخاري المعروف إمام زاده]، (وشرحها) للسيد يعقوب ابن السيد علي الرومي، (والجامع الصغير) للجلال عبد الرحمن الأسيوطي (والسيرة النبوية) للنور علي الحلبي القاهري، وكنا نجلس لسماع ذلك كلّ ليلة بين العشائين في الجامع الأموي.
وكانت وفاته يوم الخميس خامس شهر ربيع الأول سنة مائتين وألف مطعونًا شهيدًا، ودفن بتربة الباب الصغير ﵀ تعالي.
شرف الدين بن سعيد
موسى بن محمد بن مصطفى بن محمود بن حسن بن سالم الشهير بابن سعيد العامري الجيتي نسبة إلي جيت بجيم ثم ياء تحتيه ثم تاء. أبو الإقبال شرف الدين. ولد في سنة خس وثلاثين ومائة ألف بجيت المذكورة ونشأ بها، وقرأ القرآن العظيم، ثم ارتحل منها لدمشق لطلب العلم على مَنْ بها مِن العلماء وذلك سنة [] (٥٨) وأقام بها مدّة فقرأ، وأخذ عن الشيوخ كالعماد إسمعيل بن محمد العجلوني والجمال عبد الله بن زين الدين البصروي والشهاب أحمد بن علي المنيني والشرف موسى بن أسعد المحاسني والزين عبد الرحمن بن محمد الصناديقي والشمس محمد بن إبراهيم التدمري، فأخذ عنهم التفسير والحديث وعلوم العربية
стр. 333
والعلوم العقلية ولازم دروسم وعادت عليه بركات أنفاسهم، وأخذ الفقه الشريف وأصوله عن كل من أبي العز مصطفى بن عبد الحق اللبدي وأبي الفضائل عوّاد بن عبيد الله الكوري والعماد إسمعيل بن محمد اللبدي وغيرهم من فضلاء أئمة المذهب، وصارت له الملكة التامة في الفقه والعربية وغيرهما. ثم رجع إلى بلده وأقام بها يفتي ويدرس وانتفع به أهلها الانتفاع التام. وكان رجلًا صالحًا عالمًا عاملًا كاملًا وقورًا ملازمًا لخويصة نفسه مشتغلًا بما يعنيه تاركًا لما لا يعنيه مهتمًا للأحوال النافعة في الدار الآخرة. ثم قدم إلى دمشق بعد ذلك في سنة أربع وتسعين ومائة وألف ورجع إلى بلده. ثم قدم مرة أخرى إليها في جمادى الأولى سنة ست وتسعين ومائة وألف، واجتمع بأعيان علمائها ومفتيها العلامة الأثري شيخ الإسلام أبي الفضل المولى محمد بن خليل أفندي بن المولى علي أفندي المرادي الحسيني. وحصل لصاحب الترجمة منه إكرام وإقبال وترجمه فيمن لقيه من العلماء في معجمه المسمى (بالإعلام بمجمع الفوائد ومجمع الأعلام) بترجمة حسنة وأثنى عليه.
وكانت وفاة المترجم ببلده المذكور أعلاه في [] (٥٩) [] (٦٠)
стр. 334
الطبقة الثالثة عشرة فيمن وقعت وفاته من سنة إحدى ومائتين وألف إلى سنة خمس وعشرين ومائتين وألف من الهجرة (١)
ضياء الدين البلباني
عبد العزيز بن حسن بن [] (٢) الدمشقي الشهير بالبلباني الشيخ الصالح الناسك بقية السلف بهجة الخلف أبو الفلاح ضياء الدين. مولده بدمشق سنة ثلاثين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده وقرأ القرآن العظيم على الشيخ المقرئ أبي [] (٣) عبد الرحمن بن أحمد النابلسي المكتبي المقدم ذكره في الطبقة [الحادية عشرة] (٤) وقرأ في الفقه والعربية على الشيخ البركة أبي الفضائل عواد بن عبيد الله الكوري وصارت فيه البركة التامة، وأخذ الطريقة الخلوتية عن المجد محمد بن عيسى الكناني الخلوتي، وكان ملازمًا لأداء الفرائض والعبادات، مشتغلًا بخويصة نفسه لا يخالط الناس ولا يدخل على الحكام، طويل القامة منوّر الشيبة ذا أبهة ووقار، ولم يزل على الطريقة المثلى حتى توفي.
стр. 335
وكانت وفاته ليلة الأربعاء خامس عشري شهر ربيع الأول سنة إحدى ومائتين وألف، وصلي عليه بكرة النهار المذكور بالجامع الشريف الأموي ودفن بتربة مرج الدحداح اجتمعت به مرارًا كثيرة في مجالس شيخنا الكامل الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي مفتي السادة الحنابلة بدمشق، وسمعت من فوائده وتبركت به، فإنه كان كثير اللازمة لمجالس شيخنا المذكور جدًا رحمه الله تعالى.
إسماعيل الجراعي الحنبلي (٥)
إسماعيل بن عبد الكريم بن محيي الدين بن سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الهادي بن علي بن محمد بن زيد الشهير بالجراعي الدمشقي الشريف لأمه
стр. 336
النابلسي الأصل، مفتي السادة الحنابلة بعد وفاة شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي المارّ ذكره (٦)، الشيخ الفاضل الأديب الفقيه الفرضي المحصل البارع المتفوق. ولد بدمشق في خامس ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائة وألف، ونشأ بها في كنف والده، وتلا القرآن العظيم على عدة من الشيوخ، لكن ختمهُ على الشيخ أبي الفداء إسمعيل بن محمد اللبدي الحنبلي، وحفظ غالبه عن ظهر قلب على الشيخ الشريف سعيد بن محمد الجعفري، وأخذ القراءات علمًا عن شيخ الإقراء بدمشق أبي العباس إبراهيم بن عباس الحافظ، وعن مقرئ الديار المصرية عبد الرحمن بن [] (٧) القاهري حين حين قدم دمشق، وأخذ العقائد المنسوبة للإمام تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني والموفق ابن قدامة الصالحي والشمس محمد البلباني على والده، وأخذ عنه أيضًا الفقه والفرائض والحساب، وأخذ علم النحو وبقية علوم العربية والمنطق والأصلين عن الشيخ البركة أسعد بن عبد الرحمن المجلد السليمي وأبي محمد عبد الرحمن بن محمد الصناديقي والجد شيخ الإسلام الشمس أبي المعالي محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري والعلامة محمد بن [] (٧) الخمسي المغربي و [] (٧) محمد بن عبد الحي الداودي و [] (٧) محمد بن أحمد الديري والشمس محمد بن إبراهيم التدمري الطرابلسي والشهاب أحمد بن علي المنيني والجمال عبد الله بن زين الدين البصروي والشرف موسى بن أسعد المحاسني والعماد إسماعيل بن محمد العجلوني والعلّامة المحقق علي بن صادق الطاغستاني شيخنا والشهاب أحمد بن [] (٧) الشملي والإمام عبد الوهاب بن [] (٧) الأزهري قراءة عليه (شرح السنوسية) لمؤلفها، وأخذ الفقه عن كل من أبي الفضائل عواد بن عبيد الله
стр. 337
الكوري ووالده العز عبد الكريم المقدم ذكره (٨) وعن أبي العزّ مصطفى بن عبد الحق اللبدي وأبي الفداء إسمعيل بن محمد اللبدي وأبي النورين عثمان بن الباقاني، وقرأ (شرح رسالة السمرقندي) للعصام على الشيخ عبد الحليم بن [] (٩) الشويكي مفتي قرية شويكة (١٠)، وأخذ علم الحديث عن جماعة من العلماء كالعلم صالح بن إبراهيم الجنيني والعماد إسمعيل المقدم (١١) ذكره وحضره في مجالس الحديث تحت القبة بالجامع الأموي المعمور بذكر الله تعالى، وحضر مجالس الحديث لجدنا المقدم ذكره (١١) وعن شيخنا [] (٩) مصطفى بن إبراهيم العلواني الحموي نزيل دمشق. ونبل قدره وغزر فضله. وارتحل لدار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية مرارًا، وحظي ببعض الوظائف السلطانية من العثامنة والتداريس بدمشق، واجتمع بأفاضل الروم وصدورها؛ كالمولى عبد الرحمن بن عبد الله الشهير بعرب زاده قاضي العساكر في روم إيلي والإمام للحضرة السلطانية، وكرئيس الكتاب بالدولة العلية مصطفى بن [] (٩) الشهير بالطاوقجي ومحمد قدسي بيلكجي الديوان العالي أحد خواجكان الدولة المشهورين بالفضل والأدب. ورجع إلى دمشق، ثم ارتحل لحلب لمصلحة دنيوية ورجع منها. وفي سنة خمس وتسعين ومائة وألف وجهت له افتاء السادة الحنابلة بدمشقْ وعَزَل عنها ضياءَ الدين محمد بن أحمد البعلي الدمشقي، ثم عزل عنها ووجهت للضياء المرقوم، ولم يزل كل منهما يعزل صاحبه حتى استقرّ أمرها لصاحب الترجمة وبقيت عليه إلى وفاته. ودرس في الجامع الشريف الأموي بعد وفاة الشيخ مصلح الدين اللبدي، وأقبلت عليه
стр. 338
الطلبة من الحنابلة وغيرهم، وتولّى وظيفة التكلم على أوقاف الجامع المظفري بصالحية دمشق. وكان كثير المخالطة لأمور الناس وألف مؤلفات نافعة، فمنها (شرح دليل الطالب) (١٢) في مجلدين، قرظه له العلماء من أهل المذهب وغيره (وشرح غاية المنتهي) (١٣) لم يكمله و (شرح قصيدة بشر بن أبي عوانه) الشاعر الجاهلي التي مطلعها:
أفاطم لو شهدت ببطن خَبْتٍ … وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا (١٤)
وله عدة مقامات أنشأها في وقائع مخصوصة أوقفني على بعضها فرأيته في غاية النفاسة وكان بيني وبينه من المحبة والمودة ما لا مزيد عليه. وكان طويل القامة بشوش متواضعًا، لطيف الحاضرة حلو المذاكرة بديع النكتة والنادرة، ذا همة عليه في قضاء حوايج الناس، مبادرًا إلى رد الحقوق إلى أهلها. وله شعر لطيف، يزري بحسنه عقد الدر المنيف؛ فمنه ما أنشدنيه من لفظه في الزهر المسمى عرف الديك قوله:
قد قام ياقوت القوام مفاخرًا … وردَ الخدودِ بما حكاه على الفمِ
أحوى وألمى درّه في خاتم … يعلوه صهبا عتقت كالعندمِ
стр. 339
فلذا تراه على الزهور متوّجًا … تاجًا من العاج المضرج بالدمِ
وقوله في واقعة حال:
وساسقٍ رمى قلبي بسهم لحاظه … وأعرض عني لا يميل إلي الشكوى
وقاضي الهوى لا تأمل قصتي … أباح له قتلي ولم ينظر الدعوى
فعاد على بعد يشير بلحظه … إشارة ذي عطف فزاد بي البلوى
وقوله مخمسًا:
فما لي لا أرى من يخشى عارًا … ولا حرًا من المكروه جارا
سوي من قال يبدي لي اعتذارًا … صغار زماننا صاروا كبارا
وقد غضب الزمان على الكبار
فصاروا بعد عز في سقوط … وبعد الخزّ أضحوا في مروط
ويضربُ منهم كلٌّ بسوط … كأنّ زماننا من قوم لوط
له ولعٌ بتقديم الصغار
وقوله مشطرًا بيتين للناصح الأرجاني (١٥):
ووعدتني وعدًا حسبتك صادقًا … والوعد عند الحر دينٌ يحسبُ
من أجله أمّلت فيك كواذبًا … فجعلتْ من طمعي أجيء وأذهبُ
حتى اجتمعت أنا وأنت بمجلسٍ … أهلوه فيه مفاكر متعجبُ
فسألتهم شرحًا يكون لحالنا … قالوا مسيلمةٌ وهذا أشعب
стр. 340
وقوله مخمسًا لهما:
إني اتخذتك للشدائد رائقًا … وعهدت عهدك لا يكون عائقًا
لكنني لا أتيتك طارقًا … ووعدتني وعدًا حسبتك صادقًا
فجعلت من طمعي أجيء وأذهب
وتُعلّني رشفًا بطيب الأكؤس … وتظنه حسنًا وليس بكيّس
وتجود جودة بارق متبجس … حتى اجتمعت أنا وأنت بمجلس
قالوا مسيلمةٌ وهذا أشعب
وقوله في الزهر المسمى عند أهل دمشق قف وانظر
هيفاء مقبلة بثوب سندسي … قد أسكرت بلي بقدٍّ مائسِ
والقرِط منها صبغهُ بدماء من … يهوى لطرفٍ ذي احورارٍ ناعسِ
بهويه تهوى قلوبُ ذوي النُّهى … فتروح صرعى كالجذاذ اليابس
أبدا يقبِّل خدَّها ياليته … يحنو على من رام قبلةَ خالسِ
وقوله:
بروحيَ لحظٌ ظلَّ يفعل في الحشا … على ضعفه فعل المدامة في اللبِّ
إذا راش منه الريم سهمًا فلا ترى … له غرضًا يلفى سوى مهجة الصبِّ
عجبتُ له يدمي الفؤاد مجاوزًا … إليه أديما صِيْنَ عن أثر ينبي
فيا منكري ما في حشاتي إليكم … عن الحكم فيما عنكم غابَ في الحجب
ولا تنكروا صدع الفؤاد فإنني … سمعت بأذني رنَّة السهم في قلبي
وقوله مضمنًا بيت يزيد بن سيدنا معاوية:
وأسرعت وأتت تمشي على عجلٍ … فعند رؤيتها لم أستطع جلدي
стр. 341
هم يحسدون على موتي فوا أسفي … حتى على الموت لا أخلو من الحسدِ
وكانت وفاة المترجم بعيد ظهر يوم الاثنين الحادي عشر من جمادي الأولي سنة اثنتين ومائتين وألف بداره بزقاق الشالق (١٦) بمحلة سويقة صاروجا وصلي عليه بجامع التوبة بمحلة العقيبة بعيد العصر، ودفن بتربة مرج الدحداح قرب قبورنا ملاصقًا لمنزل الماء وسقاية الجبانة ﵀ تعالي.
[عبد الوهاب النجدي الأحسائي] (١٧)
عبد الوهاب بن محمد بن عبد الله بن فيروز النجدي الأحسائي، الشيخ الإمام الفقيه النحوي الأصولي البارع المحصّل اللبيب النحرير الشاعر الذكي اللوذعي الأوحد الهمام، أبو النصر تاج الدين [] (١٨).
وكانت وفاة صاحب الترجمة [] (١٩) في سابع شهر رمضان المعظم قدره سنة أربع ومائتين وألف ودفن [] (٢٠).
الشيخ حامد النابلسي (٢١)
حامد بن مصطفى بن عبد الحق، اللبدي الأصل، النابلسي الشهرة، الدمشقي المولد والوفاة، الخلوتي شيخ السجادة الطبّاخية بدمشق بعد
стр. 342
شيخنا البدر حسن بن محمد المرجاني الشهير بالطباخ، الشيخ الصالح البركة الديّن الورع السالك الأوحد أبو الفلاح بهجة الدين، وقد تقدمت ترجمة أبيه واخيه (٢٢).
كان مولده بدمشق سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف كما أخبرني بذلك من لفظه ونشأ بها، وتلا القرآن العظيم على الشيخ الصالح سعيد بن محمد الجعفري، وأخذ الفقه عن شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي وبه انتفع، وتعاطى صنعة تجليد الكتب فكان يأكل من كسب يده، ثم تزوج بابنة شيخنا البدر حسن المرجاني المقدّم ذكره قريبًا، ولازمه وخدم الطريق الخلوتي مدة، ثم لمّا كان يومَ الجمعة [] (٢٣) من جمادى الثاني سنة ثلاث وتسعين بعد المائة والألف دعا البدر المذكور شيخ الإسلام والدي وجماعة من علماء دمشق إلي حجرته الغربية في الخانقاه السميساطية (٢٤) فعمل حلقة الذكر بعد صلاة الجمعة على عادتهم، وبايع صاحب الترجمة وأقامَهُ خليفة عنه وأشهد من حضر على ذلك، وكان ذلك قبل موت البدر بسنة واحدة، فإنه توفي في غرة رجب سنة أربع وتسعين ولم يعقب ذكرًا.
وكان صاحب الترجمة رجلًا صالحًا ذا شيبة نيّرة ووجه وضيء بشوشًا، له تودد للناس، ملازمًا لخويصة نفسه ولم يزل على طريقته المثلى وحاله الحسنة حتى توفاه الله تعالى، وكانت وفاته قبيل ظهر يوم الأحد الرابع والعشرين من جمادى الثانية سنة خمس ومائتين وألف، وصلي عليه وقت صلاة العصر في الجامع الأموي، ودفن بتربة مرج الدحداح.
стр. 343
البرهان إبراهيم النجدي (٢٥)
إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن أبي يوسف النجدي الأصل والشهرة الأشيقري نسبة إلى بلدة من بلاد نجد، نزيل دمشق، الشيخ الفاضل الفقيه المحصل اللبيب الصالح الناسك المتقشف الفرضي بقية السلف الصالح أبو إسحق برهان الدين، ولد في بلدة أشيقر بالتصغير في منتصف جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم على الشمس محمد بن أحمد بن سيف وأحمد بن سليمان النجديين، وأخذ بعد ذلك في طلب العلم؛ فقرأ في مبادئ الفقه كدليل الطالب على خاله الشيخ عثمان بن عبد الله، وحج من بلادهم ثلاث مرار، وفي المرة الأخيرة قدم دمشق صُحبة الركب الشاميّ فدخلها في صفر سنة إحدى وثمانين ومائة وألف واستقام بها لطلب العلم، فأخذ الفقه وأصوله عن شيخينا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي والمصلح محمد بن مصطفى اللبدي، وأخذ العربية عن شيخنا القطب عمر بن عبد الجليل البغدادي نزيل دمشق والشهاب أحمد بن عبيد الله العطار وحضره في الصحيحين بين العشائين، وعن المحيوي عبد القادر بن محيي الدين الكيال، وأخذ الفرائض عن البرهان إبراهيم بن علي الكردي، وحضر دروس المحقق شيخنا علاء الدين علي بن صادق الطاغستاني.
ونبل قدره وعلا ذكره، ودرّس في الجامع المعمور الأموي بعد وفاة شيوخنا، وأقبلت عليه الحنابلة وانتفعوا به، وصار مرجعًا في مسائل المذهب ودقائقه، وتزوج في آخر عمره وصار له عدة أولاد، وكان فقيرًا صابرًا، عليه سيما العلم والعمل والصلاح والتقوى، وكنت كثيرًا ما أراجعه في مسائل تشكل
стр. 344
عليّ من مذهب أحمد، وكان مشتغلًا في غالب أوقاته بتلاوة القرآن العظيم، متقللًا من الدنيا معرضًا عن زخارفها، ليس له تردد إلى أحد من أبنائها، خامل الذكر بين أهلها، مثابرًا على ملازمة الجماعة في الجامع الأموي بحيث إنه في غالب الأوقات يوجد فيه، مصون اللسان عن اللعو والكذب والرفث.
وبالجملة فهو آخر الفقهاء الحنابلة موتًا بدمشق، ولم يزل على هذه الحالة حتى توفي مطعونًا شهيدًا. طعن ليلة الأربعاء سادس عشر شوال (٢٦) وتوفى بعيد عصر اليوم المزبور وهو في غاية من اليقظة، وصلي عليه في مسجد الشيخ عبد الله المنكلاني (٢٧) بمحلة القيمرية، ودفن قبيل الغروب في الجبانة الرسلانية (٢٨) تجاه السور الدمشقي وكثر الأسف عليه رحمه الله تعالى وعوّضنا عنه خيرًا.
مجد الدين بن طراد النجدي
محمد بن عبد الله بن أحمد النجدي الشهير بابن طراد من العينية (٢٩) من قبيلة آل الحسن المنسوبين إلى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، الشيخ الفاضل الفقيه الصالح الناسك المتفوق البارع الأوحد أبو المكارم مجد الدين.
ولد ببلاد نجد سنة ست وأربعين ومائة وألف ونشأ بها، وتلا القرآن العظيم على الجمال عبد الله بن بحر النجدي، وقرأ في مبادئ الفقه على العالم
стр. 345
الشهير محمد بن سيف النجدي، ثم قدم حلب سنة ثمانين ومائة وألف، فأخذ بها عن أبي الفرج عبد الرحمن بن عبد الله البعلي ولازمه، ثم قدم إلى دمشق فقرأ بها على أخي المتقدم الشهاب أحمد بن عبد الله المزبور وعلى أبي الهدى محمد بن مصطفى اللبدي، وأخذ الحديث والعربية عن شيخينا المحيوي محمد بن عبد الرحمن الكزبري والشهاب أحمد بن عبيد الله العطار، ثم أرسل يطلبه من بلدة نابلس عالم الديار النابلسية الشمس محمد بن أحمد السفاريني، فرحل المترجم إلى نابلس وأقام هناك مدة، وقرأ عليه وعلى الشريف زيتون بن [] (٣٠) مفتي نابلس وعلى الجمال عبد الله بن [] (٣٠) الحطاب، بعد وفاة السفاريني في التاريخ الماضي ذكره رجع إلى دمشق. وحجّ المترجم مرتين آخرهما سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف.
стр. 346
أعلامها كالشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي ثم المدني والعلامة الشيخ محمد حياة السندي المدني.
وزار الشام ودخل البصرة فلازم فيها العالم الشيخ محمد المجموعي البصري وجعل يدعو الناس هناك إلى عقيدة التوحيد ونبذ الشرك فأوذي وأخرج في هاجرة يوم صائف وكاد يهلك عطشًا فعاد إلى نجد وسكن حريملاء وكان أبوه قاضيها بعد العينية وعكف على دراسة القرآن الكريم والسنة وعلى مؤلفات ابن تيمية وابن القيم مع القراءة على والده ثم انتقل إلي العينية ناهجًا منهج السلف الصالح داعيًا إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع وتحطيم ما علق بالإسلام من أوهام فناصره أميرها عثمان بن محمد بن معمر ثم خذله فقصد الدرعية بنجد سنة ١١٥٧ فتلقاه أميرها محمد بن سعود بالإكرام وقبل دعوته وآزره كما آزره من بعده ابنه عبد العزيز ثم سعود بن عبد العزيز وقاتلوا من خالفه واتسع نطاق ملكهم فاستولوا على شرق الجزيرة كله ثم كان لهم جانب عظيم من اليمن وملكوا مكة والمدينة وقبائل الحجاز وقاربوا الشام ببلوغهم (المزيريب). وكانت دعوته التي جهر بها سنة ١١٤٣ هـ الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي وتأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها فظهر الآلولسي الكبير في بغداد وجمال الدين الأفغاني بأفغانستان ومحمد عبده بمصر وجمال الدين القاسمي بالشام وخير الدين التونسي بتونس وصديق حسن خان في بهوبال وأمير علي في كلكته وآخرين. وعرف من والاه في الجزيرة بأهل التوحيد (إخوان من أطاع الله) وسماهم خصومهم بالوهابيين (نسبة إليه) وشاعت هذه التسمية عند الأوربيين فدخلت معجماتهم الحديثة وأخطأ بعضهم فجعلها مذهبًا جديدًا في الإسلام تبعًا لما افتراه خصومه ولا سيما من كانوا يتلقبون بالخلفاء من الترك العثمانيين.
стр. 347
أخذ عنه كثيرون منهم أبناؤه الأربعة وحفيده الشيخ محمد بن ناصر والشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين والشيخ عبد الرحمن بن نامي والشيخ عبد الرحمن بن خميس الفرضي والشيخ عبد العزيز أبا حسن الوهيبي التميمي والشيخ حسن بن عيدان وغيرهم.
وله مصنفات أكثرها رسائل منها (كتاب التوحيد) و (كشف الشبهات) و (تفسير الفاتحة) و (تفسير شهادة أن لا إله إلا الله) و (معرفة العبد ربه ودينه ونبيه) و (المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية) و (فضل الإسلام) و (نصيحة المسلمين) و (معنى الكلمة الطيبة) و (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و (مجموعة خطب) و (مفيد المستفيد في حكم تارك التوحيد) و (رسالة في أن التعليم جائز لا واجب) و (كتاب الكبائر) ومختصرات.
كانت وفاته ﵀ في الدرعية سنة ١٢٠٦ هـ عن واحد وتسعين عامًا وأحفاده اليوم يعرفون بآل الشيخ.
عز الدين الحيري الحلبي (٣٢)
عبد الكريم بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن يوسف بن إبراهيم بن إسمعيل الحلبي الحيري المحتد والشهرة، الشيخ الفاضل البارع الذكي المتفوق النحرير الهمام الأوحد أبو العز عز الدين.
ولد بحلب في ثالث ربيع الثاني سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف وقرأ
стр. 348
القرآن العظيم على البدر حسن بن أحمد السرميني الشافعي، وأخذ عنه شيئًا من الفقه والعربية، ثم طلب العلم؛ فقرأ بحلب على العلم علي بن [] (٣٣) الزمار وعلى ولده الشمس محمد وأخذ بها عن الشريف مصطفى بن [] (٣٤) البكفالوني وعن قاسم بن أحمد البكرجي وأجاز له بمروياته وعن الشريف يوسف أفندي الشامي نقيب حلب وعن الشيخ طه بن [] (٣٤) الجبريني والسيد عبد السلام الحريري والنور علي بن مصطفى الدباغ الميقاتي مسند حلب وأجاز له.
ثم رحل إلى القاهرة المعزّيّة سنة خسين ومائة وألف، وأخذ بها عن جماعة من صدور علمائها كالشهاب أحمد بن عبد الفتاح الملوي والشهاب أحمد بن الجوهري وعمر الطحلاوي وسمع منه المسلسل بالأولية وأبي الربيع سليمان بن [] (٣٤) البسيوني الحنفي والشهاب أحمد بن عبد النعم الدمنهوري والشمس محمد بن سالم الحفني وأخيه الجمال يوسف والسيد محمد بن البليدي.
ثم رجع إلي بيت المقدس وهو فاضل، فأخذ بها عن الأستاذ مصطفى بن كمال الدين البكري وأجاز له.
وكان والد صاحب الترجمة قدم إلي دمشق سنة أربعين ومائة وألف ومعه المترجم، فاجتمع بالقطب الشيخ عبد الغني بن إسمعيل النابلسي وأخذ عنه.
ثم قدم إلى دمشق بعد قدومه من مصر فأخذ بها عن الأستاذ العماد إسمعيل بن محمد العجلوني والشرف موسي بن أبي السعود المحاسني وأبي الثناء محمود بن عباس الكردي المحقق والنور علي بن أحمد الكزبري، واجتمع بالقطب الولي أحمد بن مراد بن أحمد النحلاوي.
стр. 349
وأخذ بالقاهرة الطريقة القادرية عن الشيخ علي البيومي القاهري وألبسه الخرقة وأجازه، ثم دخل حلب مسقط رأسه ودرّس بجامعها والمدرسة العلمية، ثم ذهب لدار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية وتردد إليها مرارًا، وولي القضاء مرارًا في بلاد عدة من بلاد الروم، وحمدت سيرته ولازم من محمد حياتي زاده مفتي التخت العثماني، ثم صار له اعتبار الخارج من فيض الله أفندي بن أحمد الشهير بدامات زادة مفتي التخت المزبور، ولم يزل يتنقل بالاعتبارات إلى أن وصل إلي اعتبار إبتداء الألتمشلي، وكان لطيف الذات حلو المحاورة ظريف المطارحة والمذاكرة منور الوجه مضيء الشيبة.
وله شعر قليل أنشدني من لفظه لنفسه قوله مضمنًا:
رسول الله ضاق بي الفضاء … وجلّ الخطب وانقطع الإخاء
وجاهُكَ يا رسولَ اللهِ جاه … رفيعٌ ما لرفعتهِ إنتهاء
وبي وجل شديدٌ من ذنوبي … وما أدري أعفوٌ أم جزاءُ؟
وما كانت ذنوبي عن عنادٍ … ولكن بالقضا غلبَ الشقاء
رسولَ اللهِ حقق فيكَ ظنّي … فجودكَ ليس لي عنه غناءُ
سمعنا فيك مدحًا فابتهجنا … فسرّ قلوبَنَا هذا الثناءُ
وأحسن منك لم تر قطّ عينٌ … وأجمل منك لم تلد النساءُ
خلقت مبَّرًا عن كل عيبٍ … كأنك قد خلقت كما تشاء
وقدم المترجم لدمشق آخرًا في سنة أربع ومائتين وألف، ونزل بدار المرحوم السيد محمد خليل أفندي [المرادي] مفتي دمشق، فأكرمه وأحسن نزله واجتمعت به إذ ذاك، وأخذت عنه وأجازني بعد إسماع الحديث المسلسل بالأولية، وسمعت فوائده ولطائفه، ثم لما ذهب المولى محمد خليل أفندي المزبور
стр. 350
إلي حلب، فرجع المترجم صُحبَتَه إليها وبقي على أحسن سيرة وأجمل سريره حتى توفي بحلب.
وكانت وفاته [] (٣٤) شهر ربيع الأول سنة سبع ومائتين وألف ودفن.
تقي الدين أبي شعر وشعير الصوفي (٣٥)
محمد بن عبد الله بن محمد بن علي المعروف بأبي شعر وشعير النابلسي الأصل الدمشقي المولد والسكنى والوفاة الشاغوري الشريف لامه الفاضل الكامل الولي الصوفي المبارك التقي النقي الأوحد البارع النخبة الثقة بحر العلوم والأذواق تقي الدين الشريف لأمه. ووالده من بلدة نابلس قدم دمشق وتوطنها وتزوج بوالدة المترجم، وهي أخت الشريفة العابدة رحمة أخت شيخنا الشهاب أحمد البعلي المقدم ذكرها وذكره (٣٦) ولد صاحب الترجمة بدمشق سنة ثمان وعشرين ومائة وألف ونشأ بها [] (٣٧) [في حجر والده المذكور وقرأ القرآن العظيم وطلب العلم، وأخذ عن جماعة من العلماء منهم خاله الشهاب المذكور، ثم أحضره والده بين يدي الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي واستجاز له منه فأجازه بما يجوز له، وصافحه ثم سأله عن اسمه فقال له والده: محمد فقال الأستاذ: وأنا ألقبه بتقي الدين، ثم أوصاه به وقال له:
стр. 351
احترص عليه فسيكون له شأن عظيم، وقد صار لشيخنا المترجم أحوال عجيبة وأطوار غريبة واعتقده العامة والخاصة حتى الوزراء والحكام يهدونه الهدايا الجليلة وينذرون له النذور لمآرب لهم فتقضي ويوفون بنذورهم ويقبلون شفاعاته، ومن مؤلفاته كتاب (عقيدة الغيب)، (والصلوات المعروفة).
وكانت وفاته عشية يوم الجمعة ثامن عشر شوّال سنة سبع ومائتين وألف، وصلي عليه بجامع سنان باشا، ودفن بتربة الباب الصغير داخل بناء على جادة الطريق، وقبره مشهور يزار ويتبرك به] (٣٨).
стр. 352
مصادر المؤلف محمد كمال الدين الغزي
- الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة، تأليف نجم الدين محمد بن بدر الدين محمد الغزي المتوفى سنة ١٠٦١ هـ.
- شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تأليف عبد الحي بن أحمد بن العماد الحنبلي الصالحي ويُعرف بالعكري المتوفى سنة ١٠٩٨ هـ.
- لطف السمر وقطف الثمر، تأليف نجم الدين محمد بن بدر الدين محمد الغزي المتوفى سنة ١٠٦١ هـ.
- خلاصة الأثر في تراجم أهل القرن الحادي عشر، تأليف محمد أمين بن فضل الله المحبي الدمشقي المتوفى سنة ١١١١ هـ.
مناقب الإمام أحمد بن حنبل تأليف أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ.
الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل تأليف مجير الدين عبد الرحمن بن حمد العليمي المتوفى سنة ٩٢٨ هـ.
- المنهج الأحمد في تراجم أصحابا الإمام أحمد، تأليف مجير الدين عبد الرحمن بن محمد العليمي العمري المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٩٢٨ هـ.
- مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، تأليف محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ.
стр. 353
- ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر، تأليف محمد بن علي بن أحمد بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ.
- العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان، تأليف عبد القادر بن محمد بن عمر بن محمد … نُعيم النعيمي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ.
- بلغة الواجد في ترجمة شيخ الإسلام الوالد للغزي نجم الدين محمد بن بدر الدين محمد الغزي المتوفى سنة ١٠٦١.
- لواقح الأنوار في طبقات السادة الأخيار، تأليف عبد الوهاب بن أحمد الشعراني المتوفى سنة ٩٧٣ هـ.
- قائمة تلاميذ بدر الدين محمد بن محمد الغزي المتوفى سنة ٩٨٤ هـ.
- مشيخة أكمل الدين محمد بن إبراهيم بن مفلح الدمشقي الحنبلي المتوفى سنة ١٠١١ هـ.
- مجموعة يونس بن عبد الوهاب العيثاوي الدمشقي المتوفى سنة ٩٧٦ أو ٩٧٧ هـ.
رياض الجنة في آثار أهل السنة، تأليف عبد الباقي بن عبد الباقي الحنبلي المتوفى سنة ١٠٧١ هـ.
- ألحان الحادي بين المراجع والبادي، لمحمد شمس الدين الدمشقي الشهير بالحادي.
- تراجم الأعيان من أبناء الزمان، تأليف الحسن بن محمد البوريني الدمشقي المتوفى سنة ١٠٢٤ هـ.
- مشيخة أبي المواهب محمد بن عبد الباقي الحنبلي البعلي المتوفى سنة ١١٢٦ هـ.
стр. 354
- لطائف المنة في فوائد خدمة السنة، تأليف محمد بن عبد الرحمن بن زين العابدين الغزي المتوفى سنة ١١٦٧ هـ.
- دواوين لكثير من الشعراء.
- أثبات لمشاهير العلماء.
- إجازات العلماء.
- ما تلقاه المؤلف من العلماء من تراجم.
- كتب المسانيد.