السبيل إلى منهج الطائفة المنصورة (٢)
التيه والمخرج
أسباب التيه - أصول الأصول - أصلان آخران
بقلم عدنان بن محمد آل عرعور
مؤسسة قرطبة طباعة - نشر - توزيع
ت: ٥٣٥٠٢٧
стр. 2
السبيل إلى منهج الطائفة المنصورة (٢)
التيه والمخرج
أسباب التيه - أصول الأصول - أصلان آخران
القسم الثاني
بقلم عدنان بن محمد آل عرعور
стр. 3
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الثانية المزيدة والمنقحة
١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م
مؤسسة منارة قرطبة للجمع التصويري وتجهيزات الطباعة
٦٤ ش الخليفة - مدينة الأندلس - الهرم - الجيزة
ت: ٥٣٥٠٢٧
стр. 4
السبيل
стр. 5
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ.
أما بعد:
فلا يخفى على كل مسلم واعٍ ما تعانيه أمتُنا الإسلامية من واقع مُفجِع، وحال مؤلمة، تُمَزِّقُ قلبَ الصادقِ، وَتُفَتِّتُ كَبِدَ الْمُخْلِصِ، إذ اجتمع عليها ضَعْفٌ ذَاتِيٌّ شَدِيدٌ، وعدو خارجي ماكر، استغل هذا الضعفَ الموهن، فاخترق منه صفوفها، ثم توغَّل في أعماقها، فصنع لها أعداء داخليين شتى، ما بين ظالم فاجر، وفاسق لاه، ومُرَوِّجٍ لفكر دخيل، باسم الإسلام حينًا، وباسم الحضارة أحيانًا، على حين تَمَزُّق في صفوفها، وغفلة من عوامها، وتفرق في خواصها، فزاد بلاءها بلاء، وجعلها لا تلوي على شيء (١).
فتصدى لهذا المصلحون، فأخطأ كثير منهم الطريقَ، إذ أخطئوا التشخيصَ، فأخطئوا المعالجةَ، فانعكس أثر ذلك ضررًا بالغًا على الدعوة
стр. 6
والسمعة، فتعثرت الأولى، وساءت الثانية، فضلًا عن مصائب شتى حَلَّتْ بالمستضعفين من المسلمين.
ولمَّا كان وعد الله حقًّا، وكلمته صدقًا في نصره للمؤمنين إِنْ هُمْ نصروه، كان لزامًا على المصلحين أن يُعيدوا النظرَ في تشخيص أمراضهم، وأن يراجعوا طرق معالجتهم، فما كان الله ليخلفَ وعدَه، وما كان الله ليخذلَ جندَه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
إذن ثمة أمور من عند أنفسنا جعلت نصر الله يتأخر عنا، وهناك خَلَلٌ لا بُدَّ من معرفته، وثغرات لا بد من سَدِّهَا، وعندئذ يتحقق وعد الله تعالى، ويتنزل نصره ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١].
فلتستبشر أمة الإسلام بنصر الله إن هي نصرته في نفسها أولًا، وَلْتَسْعَدْ بتمكينها في الأرض إِنْ مَكَّنَتِ اللهَ في قلوب أفرادها.
فما هي هذه الثغرات حتى نسدها؟
وما هي هذه الأمراض حتى نداويها؟
كي يكون الله معنا، فيكيد لنا على أعدائنا، ويغير حالنا ..
كلُّ أجوبة هذه التساؤلات تجدها في ((السبيل))، الذي هو التشخيص الصحيح لمرض هذه الأمة، ومعالجته على ضوء الكتاب والسنة؛ لتكون الأمة التي أرادها الله .
ولذلك؛ فليس المقصود بهذا الكتاب رجلًا معينًا، ولا جماعة مخصوصة، بقدر ما هو تشخيص حقيقي لواقع مؤلم، ومعالجة صحيحة لهذا الواقع، فضلًا عن أنه سَعْيٌ صادق، وخطوة منضبطة لتوجيه هذه الصحوة،
стр. 7
وتأصيلها، وتوعية أفرادها، وتثبيتهم على الحق والمنهج المثمر، لا تربيتهم على العاطفة الجيَّاشة، والحماسة المؤقتة، اللتين تزولان بصيحة، وتنطفئان بنفخة ... وهذا هو الذي يُفْرِحُ أعداءهم، إذ إليه يَصْبُونَ، ومنه يخترقون .. وبتأصيلهم وحسن تربيتهم يبقون ما بقي الحق، ويصمدون كما صمد الأنبياء، فينالون ما نالوا من التوفيق في الدنيا، والفوز في الآخرة.
ويكفينا عبرة ما حل بنا من كوارث، وما نصبت لنا من أفخاخ، وآن لنا أن ندرك الطريق المستقيم، ونسلك المحجة الواضحة.
وقد ذُكِرَ في الجزء الأول منه: الواقع المضطرب الذي يعيشه العالم، والحال المؤلمة التي يعيش فيها عالمنا الإسلامي، وَبُيِّنَ فيه الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا الضعف .. من جهل بحقيقة هذا الدين وأهدافه، وتفرق مُخْزٍ، وفقدان للإخلاص والذات، فضلًا عَمَّا يكيده أعداء الله بهذه الأمة، وما يتربصون بها.
كما ذُكِرَ فيه أخطاءُ التشخيص والمعالجة المرتجلة، وصور مؤلمة من صور التربية التي تمارسها بعض الجماعات الإسلامية، ثم ذُكِرَ طريق العلاج، وسبيل النجاة، وعواصم الحفظ.
وفي هذا الجزء: وُضِّحَ السبيلُ الأمثلُ والوحيدُ لضبط فَهْمِ الكتاب والسنة، والذي يزول به الخلاف، وتتوحد الأمة، وهو أصل من أصول الطائفة المنصورة .. ثُمَّ ذُكِرَ فيه أصلان من أصولها.
وَعُرِّجَ في الجزء الثالث على أصلٍ عظيمٍ من أصولِ الطائفةِ المنصورةِ، وسبيلٍ قَوِيمٍ من سُبُلِهَا يُبَيِّنُ سببَ الانحرافِ وَخُطُورَتَهُ، ومعنى الاتباع ووجوبه، ومعنى الابتداع وحرمته، وعلامات كل من أصحاب الطريقين، ثم خُتِمَ ببعض
стр. 8
قواعد الإنصاف التي تضبط المسلم على الصراط، وَتَقِيهِ من الانحراف، مِنْ غَيْرِ جَفَاءٍ مُنَفِّرٍ، وَلَا غُلُوٍّ مَقِيتٍ، وَلَا تَسَاهُلٍ مُشِينٍ.
وسيتتابع السبيل -إن شاء الله- في أجزائه القادمة على ذِكْرِ بقية أصول الطائفة الناجية التي بالتزامها يزول الخلاف، وعلى ذِكْرِ صفاتها التي بها تتميز عن الطوائف الأخرى، ومفاهيمها التي بها يُوَضَّحُ طريقُ تَشْخِيصِ أمراضِ الأمةِ، وَسُبُلُ معالجتها، ثُمَّ النهوض بها.
وَمَنْ رَأَى فِي هَذَا الْكِتَابِ شَيْئًا فَلْيَتَدَبَّرْ قَبْلَ أَنْ يَتَعَجَّلَ، وَلْيَسْتَفْصِلْ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، وَلْيَنْصَحْ قَبْلَ أَنْ يَفْضَحَ، وَمَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَقَدْ فَاتَهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ.
ولقد ذكرتُ سِرَّ كثرة استشهادي بأقوال الداعية سيد قطب ﵀ في الجزء الأول، فَلْتُرَاجَعْ.
واللهَ أسألُ أن ينفع به، وأن يجعله خالصًا لوجهه .. وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، وما كان من صواب فمن توفيق الرحمن، وصلى الله وسلم على النبي المختار، وعلى آله وصحبه البررة الأخيار، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم القرار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتبه
عدنان بن محمد آل عرعور
стр. 9
مباحث هذا الكتاب
- سبيل النجاة.
- أصل أصول الهداية، وأدلته.
- معالم وضوابط في العقيدة والمنهج.
- من أصول منهج السلف:
الأول: التمسك بالإسلام جميعًا.
- من الصغائر والجزئيات ما يكون سببًا في دخول الجنة.
- شبهات.
- الحكم الفصل.
الثاني: الدعوة إلى التوحيد أولًا، والعمل بالعبادات ثانيًا، مع التمسك بالأخلاق دائمًا.
- ما هو التوحيد الذي يجب الدعوة إليه؟
- الأخلاق مع التوحيد.
- كيف تتكون الأخلاق.
- ما هي الأخلاق الحسنة؟
стр. 10
سبيل النجاة
إذا تَبَيَّنَ لك -رحمني الله وإياك- أسبابُ الخلاف وخطورته، وضرورة الخلاص منه، فاعلم أنه لا نجاة منه، ولا من هذه المزالق الخطيرة، والتزيين الْمُضَلِّل الذي تعيشه الأمة الإسلامية إلا بتوحيد الصفوف، بعد إخلاص النيات، وتوحيد الصفوف لا يكون إلا بتوحيد الكلمة والمنهج، وتوحيد الكلمة والمنهج لا يكون إلا بالرجوع إلى الدين الحنيف، والتمسك به.
((لكن يمكن أن يُقال: كيف تدعون الناسَ إلى الرجوع إلى الدين، والدين مُخْتَلَفٌ فيه .. عقيدة، ومنهجًا .. شريعة، وسلوكًا ..
وَهَبْ أَنَّ الناسَ رجعوا إلى الدين، فماذا سيجدون سوى الخلاف ... والخلاف على أشده ... وسيجدون الطوائف كلها تَدَّعِي الأخذَ من الكتاب والسنة، وتزعم أن فهمها هو الفهم الحق، فماذا يفعل الناس؟ ... وكيف يتصرفون؟ )) ..
لا شك أن الدين مختلف فيه، وأن رجوع الناس إليه دون ضابط يضبط لهم الفهم الصحيح، وميزان يرجح لهم الصواب، إنما هو دوران في حلقة مفرغة، وعودة من حيث البدء.
ولذلك كان لا بد حين دعوة الناس إلى الإسلام من دعوتهم كذلك إلى هذا الضابط، مع بيانه وقواعده ... حتى إذا ما رجع الناس إلى دينهم مَيَّزُوا
стр. 11
بهذا الضابطِ الصوابَ من الخطأ، وَعَرَفُوا بهذا الميزان الحقَ من الباطل، فتمسكوا بهما، وعندئذ ينصرون، وفي آخرتهم يَنْجُونَ.
((لكن هل هناك ضابط؟ وما هو؟ وأين هو؟ وما دليله؟ وهل يمكن أن تتوحد الأمة به؟ )).
لا شك أن هناك ضابطًا، بل لا بد أن يكون هناك ضابط ..
وهل يُعْقَلُ أن يترك اللهُ آخرَ دين نزل للناس متشابهًا، لا تُضْبَطُ نصوصه، ولا يُعْرَفُ الحق بين المختلفين؟ !
وهل من حكمة الله تعالى أن يأمرنا بالاعتصام، وَيُحَرِّمُ الاختلاف، ولا يبين لنا الضابطَ الذي يُوَحِّدُ الفهم، والسبيلَ الذي يزيل الاختلاف، وَيُوَحِّدُ الأمة؟ !
وهل من عَدْلِهِ أن يوجب علينا الاتفاق، ويحرم الشقاق، ولا يقيم علينا الحجة ببيان السبيل الذي يرفع الشقاق، بل يترك هذا لفكر زيد، أو رأي عمرو، ولنزداد اختلافًا وشقاقًا؟ !
إن هذا لا يليق برئيس بلدية، أو بمدير مرور ... أن يترك الناس يسيرون في الشوارع، كُلٌّ حسب رغبته، وكل حسب فهمه، ثم تَصَوَّرْ -بعد ذلك- ماذا سيكون، وإذا كان هذا لا يليق ببشر مخلوق، فكيف بربٍ، عليم، حكيم، رحيم، سيحاسب الناس على هذا الاختلاف؟ !
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
((إذن ضابط الفهم، ومزيل الاختلاف، موجود في الكتاب والسنة .. ))
نعم -والله- إنه لموجود، وَبَيِّنٌ، لا لَبْسَ فيه ولا غموض، وما علينا إلا
стр. 12
التجردُ من الشوائب، والتقليد، والموروثات الخاطئة .. ثم الإقبال بإخلاص وعلم على الكتاب والسنة؛ لمعرفة هذا الضابط، والالتزام بهذا السبيل.
ثلاث وَمَضَاتٍ لثلاثة مسارات:
وقبل التفصيل في الأدلة لا بد من ذِكْرِ ثلاث ومضات؛ لِتُلْقِيَ الضوء على مسارات ثلاثة.
o الومضة الأولى: الخلاف المذموم:
المقصود بالاختلاف المذموم ما كان في العقائد، والطرق، والأصول، والأفكار المخالفة لمنهج السلف .. لا خلاف التنوع، والفهم، والاستنباط.
وللمسألة تفصيل ليس هذا محله.
o الومضة الثانية: وضوح الطريق:
أرأيت لو أنَّ أمامَ قوم أكثرَ من سبعين طريقًا، ليس فيها طريق سالك مأمون إلا واحدًا، فَعَبَرَتْ كل فرقة من طريق، فهلكوا جميعًا، إلا الطائفة التي سلكت الطريق الأول، نَجَتْ، فهل من رجل في رأسه ذرة من عقل أو مُسْكَة من تفكير يسلك غير طريقها.
o الومضة الثالثة: ضبط الفهم لازم لحفظ الدين:
اعلم -هداني الله وإياك طريق الرشد- أن الله ما كان ليحفظ كتابه، وسنة نبيه ﷺ ، نصوصًا تُقْرَأُ، ثم يذر الناس يفهمون مقاصدهما حسب أفهامهم، ونزعات عقولهم، ونتائج تجاربهم، وما كان الله ليترك العباد في منازعاتهم، واختلافاتهم، ثم يأمرهم بالاعتصام دون أن يرشدهم إلى سبيله، وكيفية تحقيقه، ودون أن يبين لهم ضابط الفهم الذي هو سبيل الاعتصام، وطريق
стр. 13
الخلاص من هذا الخلاف .. مُحَالٌ هذا، وهو الرءوف بعباده ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥].
إي وربي، إنه لأرأف بعباده من أنفسهم، ولأرحم بهم من أن يَدَعَهُمْ حيارى مختلفين، كل فرقة منهم تفهم الإسلام فهمًا يناقض فَهْمَ الأخرى، وكلهم يَدَّعُونَ أنهم على الحق المبين .. معاذ الله أن يكون هذا.
ولذلك أخبرنا رسول الله ﷺ أن أمة الإسلام ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كل هذه الفرق مخطئة، بل ضالة، إلا طائفة واحدة ... فمن هي يا تُرَى هذه الطائفة؟
لا شك أن هذه الفرقة التي استثناها رسول الله ﷺ من الضلال والنار هي الفرقة الناجية المنصورة التي يجب التزام فهمها، واتباع منهجها.
فما هي هذه الفرقة؟ وما هي أصولها، ومفاهيمها، وصفاتها؟ كيما نتمسك بها، ونسلك سبيلها، فننتصر في الدنيا، كما انتصرت، وننجو في الآخرة، كما نَجَتْ.
(( ...
وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)) (١).
فالنجاة -إذن- تكون باتباع طريق هذه الجماعة، مع حسن النية والقصد، والإخلاص لرب الخلق.
وإذا كان الأمر كذلك؛ فهذه الْوَمَضَاتُ كافية لبيان ثلاثة مسارات:
(الأول:
أن هذا الضابط الملزم، والمنهج القويم لم يُتْرَكْ لاستنباط عقولنا، ونتائج
стр. 14
تجاربنا، وإلا عُدْنَا من حيث بدأنا في الاختلاف، وزيادة الشقاق؛ ولذا كان بدهيًا أن يكون منصوصًا عليه في الكتاب والسنة، وما علينا إلا الرجوع إليهما؛ لمعرفة هذا الضابط.
(الثاني:
أن هذا الضابط هو: منهج الطائفة المنصورة، وفَهْمُ الفرقة الناجية التي أشارت إليه الآيات والأحاديث.
(الثالث:
أنَّه بمعرفة هذا الضابط، والالتزام به، والسير على منهج هذه الطائفة، يزول الخلاف، وتتم الهداية، وبالإعراض عنه يكثر الخلاف، وتكون الْغَوَايَةُ، وأنه لا مَنْجى لهذه الأمة من هذه الاختلافات إلا بالاعتصام به، وَكُلُّ من أعرض عن هذا العاصم هَلَكَ، وخاب، وخسر، مهما كانت نيته، ومهما كانت أدلته.
(( ... كلها في النار إلا واحدة ... )).
ثُمَّ .. إذا كانت تُسَوَّغُ مخالفاتُ جميعِ هذه الطوائف للكتاب والسنة بمبررات مختلفة -وربما يُظَنُّ أنها مقنعة- فمن هي -إذن- طوائف الضلال التي ذكرها الرسول ﷺ من أمته؟ ؟ ؟
وكيف يمكن التمييز بين صدق هذه المسوغات، وخطأ تلك، وضلال الأخرى، إنه لا يمكن معرفة الحق منهم إلا بالرجوع إلى منهج هذه الطائفة ميزانًا وتقويمًا، منهجًا وسلوكًا.
وستظل الأمة تعيش في ضعفها .. وتراوح في مكانها .. تلهث ولا تسير .. تسقط ولا تنهض .. تَئِنُّ ولا تُشْفَى .. تقوم من كَبْوَةٍ لِتَهْوِيَ في مِحْنَةٍ .. وتخرج
стр. 15
من مكر لتنزلق في مِصْيَدَةٍ .. وستبقى هكذا حتى تُدْرِكَ هذا المنهج، وتسلك هذا السبيل الذي به تُعَالَجُ معظمُ أمراض الأمة، وبه تُشْفَى بإذن الله، وبه يكون الخير كله.
стр. 16
أصل أصول الهدية وأدلته
بعد أَنْ ذَكَرَ رسولُ الله ﷺ افتراقَ هذه الأمة (( ... وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ... كلها في النار إلا واحدة)).
سُئِلَ ﵊:
((من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي)) (١).
فاستبان بهذا البيان من هي الفرقة الناجية التي يجب اتباعها في العقيدة، والمنهج، والشريعة، والسلوك.
ولقد دَأَبَ بعضهم على تناسي هذا الحديث، أو تضعيفه بلا حُجَّةٍ تُذْكَرُ، ولا عِلْمٍ يُؤْثَرُ .. وَهَبْ أن الأمر كذلك .. فماذا يقولون عن هذا الواقع الْمُفْجِعِ في الاختلاف؟ ! وهل أمة محمد ﷺ متفقه؟ !
والله لو لم يكن هذا الحديث موجودًا أصلًا لكفى بهذا الواقع شاهدًا على معناه.
ثم .. لماذا هذا التغافل والتجاهل عن هذا الكم الهائل من الآيات، والأحاديث الأخرى، والآثار عن السلف، في وجود التفرق في أمة الإسلام، وتحريمه، وفي وجوب الاعتصام، والتزامه، وسلوك منهج الطائفة المنصورة؟ !
وإذا فرضنا أن الحديث لا وجود له .. فهل كان هناك أمة مع رسول الله ﷺ
стр. 17
مستقيمة على الهدى؟
فإذا كان الأمر كذلك، فما حكم الذين خرجوا عنهم في العقيدة، والمنهج؟ !
فإذا قررنا أن الصحابة كانوا على الحق، فمن خالفهم قطعًا كان على الضلالة، ومن كان على الضلالة كان في النار، فَتَمَّ بهذا مقصودُ الحديث: ((كلها في النار إلا واحدة .. )).
والنصوص الأخرى الكثيرة من الكتاب والسنة تشهد لهذا المعنى.
وإليك هذه الباقة العطرة من الأدلة الفوَّاحة، والحجج البيِّنة على ما سبق من وجوب اتباع منهج الصحابة، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بإحسان، الذي هو سبيل الخلاص من كل فتنة واختلاف:
o الأول:
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
فهذا نص صريح واضح في:
- تزكية الله للصحابة.
- ورضوانه عليهم جميعًا ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١).
- وإيجاب اتباعهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾.
- وأنهم الطائفة المنصورة المرضي عنها.
ثم .. لماذا رضي الله تعالى عنهم؟ هل كان رضاه عن أجسامهم،
стр. 18
وألوانهم، وصورهم,! أم رضي عنهم لعقيدتهم، ومنهجهم، وأخلاقهم، وأعمالهم؟
وإذن لا يرضى الله إلا عمن تَشَبَّهَ بهم، واقتدى بفعالهم، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١١٥].
قال ابن كثير عند هذه الآية:
((فيا ويل من أبغضهم، أو سَبَّهُمْ، أو أبغض أو سَبَّ بَعْضَهُمْ ... فإنَّ الطائفة المخذولة من الرافضة يُعَادُونَ أفضلَ الصحابة، ويسبونهم ... عياذًا بالله من ذلك ... وأما أهل السنة فَيَسُبُّونَ مَنْ سَبَّ اللهَ ورسوله ... وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدعون، وهؤلاء هُمْ حزب الله المفلحون)).
((مسكين يا ابن كثير ... أتريد أن تفرق بين المسلمين؟ )) (١)
ثم ... تقول هذا في زمانك زمن أهل السنة! ! ! فكيف لو رأيت أهل زماننا ... أهلَ دعوى توحيد أمة الإسلام، ولو على حساب العقيدة والإيمان، وهم لا يعلمون علمًا، ولا يهتدون سبيلًا ..
فهل الذين قالوا: ((مذهب السلف أَسْلَمُ، ومذهبنا أعلم وأحكم)) اتبعوهم بإحسان؟ !
وهل الذين ابتدعوا طرقًا للوصول للحكم، أو طرقًا أُخرى للحكم نفسه غير طريقهم اتبعوهم بإحسان؟ !
стр. 19
وهل الذين أحدثوا آراءَ في الدين لم يعرفها أصحاب رسول الله ﷺ اتبعوهم بإحسان؟
وهل الذين يعالجون قضايا الأمة بغير معالجة أصحاب رسول الله ﷺ اتبعوهم بإحسان؟ !
وهل هم بهذه المخالفات -التي يسمونها اجتهادات- يتبعون سبيل المؤمنين -الصحابة- الذي أوجبه الله على الناس جميعا؟ ! أم يتبعون سبيل أعدائهم ... ؟ !
o الثاني:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وإذا كانت الآية السابقة - ﴿اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ - زَكَّتِ المتبعين للصحابة، [وَعَدَّتْهُمْ] من الناجين يوم القيامة، فإن هذه الآية ذَمَّتْ المخالفين لسبيل الصحابة، وحكمت عليهم بالضلال في الدنيا، والعذاب الأليم يوم القيامة.
((ما الدليل على أن المقصود بالمؤمنين في هذه الآية هم الصحابة ؟ ))
لا شك أن الآية لَمَّا نزلت لم يكن على سطح المعمورة -يومئذ- غير الصحابة مؤمنون .. وبدهي -إذن- أن يكونوا هم المعنيين في الآية .. وإن لم يكونوا هم المعنيين بها، أفالمعنيون بها هم اليهود والنصارى؟ !
وعلى هذا: فـ " لام " " المؤمنين " للعهد، لا للاستغراق، إلا عند من أبدل لام عقله ميمًا، فصار عقيمَ الفهم، بليدَ الذهن.
стр. 20
قال شيخ الإسلام في تفسيره للآية:
((إنها تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين، وتحريم اتباع سبيل غيرهم، ومن شاقه -أي: الرسول- فَقَدِ اتبع غير سبيلهم، وهذا ظاهر، ومن اتبع غير سبيلهم فَقَدْ شاقه أيضًا ...
فإذا قيل: هي إنما ذَمَّتْهُ مع مشاقة الرسول، قلنا: لأنهما متلازمان ... فالمخالف لهم -أي: الصحابة- مخالف للرسول ﷺ )) (١).
فهل من سبيلهم الاستهزاءُ بمن تَبِعَهُمْ؟ !
وهل من سبيلهم أن يتزعمهم رجل ليس عنده علم شرعي، ولا يستفتي أهلَ الرسوخ؟ ! أم من سبيل غيرهم؟
وهل من سبيلهم القول بإباحة الطرق، أَيّ طريقة كانت؟ ! أم هو من سبيل غيرهم؟
وهل من سبيلهم التحزب في الإسلام على طريقة العلمانيين، والشيوعيين، في التنظيم، والتخطيط، والحركة؟ ! أم هو من سبيل غيرهم؟
وهل من سبيلهم التدبر والتمعن في القول، ثم اتباعه إِنْ كان حقًّا، ولو خالف ما كان عليه المرء والحزب، أم رده لمجرد مخالفة هذا القول لحزبه أو هواه؟ !
وهل من سبيلهم النظر إلى القول، أم النظر إلى قائله؟ -مع تفصيل معروف في كتب السنة-
стр. 21
وهل من سبيلهم أن نقول: نحن ملتزمون بسبيلهم إلا سبيل الوصول إلى الحكم، وطريق الحكم نفسه، فَإِنَّا نتبع في ذلك سبيلَ أعدائهم؟ !
o الدليل الثالث:
قوله تعالى:
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦].
أي: ألزم اللهُ أصحاب رسول الله ﷺ كلمة التوحيد -شهادة أن لا إله إلا الله- وكانوا أجدرَ الناس بها، وأهلًا لذلك الحمل، ولم يكونوا كبني إسرائيل .. ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، بل إنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
ثم ... إن هذه الْأَحَقِّيَّةَ والأهلية -التي زُكُّوا من أجلها- إنما كانت لفهم هذه الكلمة -كلمة التوحيد-، وفهم مقتضاها، والعمل بلوازمها، وتجنب نواقضها، فكيف يقول قوم في حق هؤلاء الصحابة ما يقولون؟ ! !
إن لسان حال كثير من الناس في عصرنا يقول: ((وكنا أحق بها وأهلها))، ((ونحن أفهم للتوحيد منهم))، ((ونحن أدرى بمصالح الإسلام منهم))، ((ونحن أعلم بطريقة إقامة الإسلام منهم)).
والحقيقة أن هذا شتم لهم بلسان الحال الذي لا يقل سوءًا عن شتمهم بلسان المقال.
الأدلة من السنة:
أما ما ورد في السنة من الأدلة في هذا المقام فكثير جدًّا، نقتصر منه على حديثين:
стр. 22
o الحديث الأول:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يتخلف من بعدهم خَلْفٌ تسبق شهادةُ أحدهم يمينه، ويمينه شهادتَه)) (١).
وهذه الخيرية ليست في جزء دون جزء، وليست في أمر دون أمر، بل هي عامة شاملة.
فالصحابة -رضوان الله عليهم- خير ممن جاء بعدهم على الإطلاق، في عقيدتهم، وإيمانهم، وصلاتهم، وجهادهم، ودعوتهم، وأصولهم، وقواعدهم، وأخلاقهم.
وهم أقوم الناس في طرق تمكينهم، وعملهم بالسنة، وموقفهم من البدع وأهلها، وموقفهم من السياسة والحكام، ومن زعم غير ذلك فَقَدْ كَذَّبَ اللهَ ورسولَهُ ﷺ ، ومن استثنى من ذلك جزءًا فعليه الدليل، وأنى له ذلك! !
ولا شك أن كثيرًا من الناس يُقِرُّونَ بذلك بلسان مقالهم، ولكن لا يلتزمون به في أعمالهم وأفكارهم.
فهل تربية الناس على السياسة من سبيلهم؟ !
وهل تعليق الناس بالأحداث -التي لا يُقَدِّمُ مَوْقِفُهُمْ فيها شيئًا، ولا يُؤَخِّرُ- من سبيلهم؟
وهل إنكارُ ما كانوا عليه من أصول، وقواعدَ إقرارٌ لهم بالخيرية التي شَهِدَ لهم بها رسولُ الله ﷺ ، وأبى بعضنا أن يشهد لهم بها من سبيلهم؟ !
стр. 23
o الحديث الثاني:
عن العرباض بن سارية ﵁ قال:
((وَعَظَنَا رسول الله مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رجل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فأوصنا، قال: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الراشدين الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ من بعدي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ)) (١).
ذرفت: دمعت.
وَجِلَتْ: خافت.
وإن عبدًا حبشيًّا: وإن كان أميركم عبدًا، غيرَ حُرٍّ، لا حَسَبَ له ولا نسب .. حبشيًّا: غير عربي، إذ المهم القيام بأمر الله، والحكم به، وليس المهم أن يكون عربيًّا، ذا نَسَبٍ وَحَسَبٍ.
عَضُّوا عليها بالنواجذ: بالأضراس، وهو كناية عن شدة التمسك، والأخذ، وعدم الإهمال.
فإنه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا: تشخيص لمرض هذه الأمة من طبيب صادق، وخبير حاذق ﷺ .
فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء: أي: لا دواء لهذا الاختلاف، ولا سبيل للنجاة منه إلا بالتمسك بالسننِ، وسبيلِ الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 24
فهل المسلمون -وبخاصة الدعاة المعاصرون- يدركون هذا، ويعملون به؟ أم أن كثيرًا منهم هم السبب في هذا الخلاف؛ لإعراضهم عن التمسك بما أرشد إليه النبي ﷺ من سنته، وسنة خلفائه، وإحداثهم في دين الله الأحداثَ باسم الفكر، والرأي، والمصلحة، والظروف، بما لم يأذن به الله؟ !
ثم ... هل من سنته وسنة خلفائه تمييعُ العقيدة مِنْ أَجْلِ الظروف، وعدم التصريح بها؛ خوفًا من تفريق الأمة؟ !
وهل من سنته وسنتهم مداهنةُ الطواغيت، والظَّلَمَةِ، وأهل البدع والفكر المنحرف؟ !
وهل من سنته وسنتهم تربيةُ الناس على السياسة قبل التوحيد ... وعلى مناهضة الأعداء قبل الأخلاق والإعداد ... وعلى الأحداث الجارية قبل التربية؟ !
وهل من سنته وسنتهم الجري وراء الرجال والعاطفة؟ ! أم التأصيل، والتثبيت، والتربية، والأناة، وتقديم الحق على الرجال؟
وهل من سنته وسنتهم الاستهزاء بمن تمسك بالواجبات، وَفَعَلَ السنن؟ !
اللهم إنك تعلم أننا ابْتُلِينَا بدعاةٍ، وزعماءَ، وقادةٍ، لا عِلْمَ لهم بدينك، ولا بسنة نبيك، غير الحماسة، والعاطفة، بل ويعلمون عن فلسفة أعداء الله وسياستهم أكثر مما يعلمون عن كتابك، وهدي رسولك، وسيرة خلفائه الراشدين، ونحن لا ندري نياتهم، ولكن نتائج أعمالهم كانت خُسْرًا، وعلى المسلمين وبالًا .. فَاهْدِهِمْ، وَأَصْلِحْ بَالَهُمْ.
اللهم إِنَّ كثيرًا من أتباعهم مخلصون، ولإقامة شرعك راغبون، ولكنهم
стр. 25
أخطأوا الطريقَ، وانحرفوا عن الصراط، فَإِنْ كَلَّمْنَاهُمْ، كَلَّمْنَاهُمْ بما لا يعرفون، وإن نصحناهم لا يقبلون .. فاهدنا اللهم وإياهم صراطك المستقيم، صراط نبيك، وصحبه الْمُكَرَّمِينَ.
وفضلًا عن وضوح هذه النصوص من الآيات والأحاديث في وجوب التزام منهج الصحابة -رضوان الله عليهم- .. فضلًا عن ذلك فقد تتابع العقلاء من هذه الأمة والفحول من الأئمة على الْحَثِّ على منهجهم، والتزامه، وتضليل من خالفه ... وإليك بعض هذه القبسات:
عن ابن عمر ﵁ قال: ((مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، أُولَئِكَ أَصْحَاُب مُحَمَّدٍ ﷺ ، كَانُوا خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وَنَقْلِ دِينِهِ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلَاقِهِمْ، وَطَرَائِقِهِمْ، فَهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ)) (١).
فتأمل قوله: ((وَنَقْلِ دينه)) ..
فهل نَقَلَ لنا الصحابة نصوصَ الكتاب والسنة بلا فَهْمٍ، ولا إدراكٍ لمقاصدهما، حتى نتطاول عليهم، ونخالفهم؟ !
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: (( ... فَعَلَيْكَ بِالسُّنَّةِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَرَفَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الْخَطَأِ، وَالزَّلَلِ، وَالْحُمْقِ، وَالتَّعَمُّقِ، فَارْضَ لِنَفْسِكَ بِمَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ قَدْ كَفُّوا، وَهُمْ كَانُوا عَلَى كَشْفِ الْأُمُورِ أَقْوَى، فَقَدْ تَكَلَّمُوا مِنْهُ مَا يَكْفِي، وَوَصَفُوا مِنْهُ مَا يَشْفِي، وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ -
стр. 26
أَيِ: الْمُقَصِّرِينَ وَالْغُلَاةِ- لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ)) (١).
فتأمل قوله: ((فارضَ لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم)).
يعني: أَلَا ترضى بعقيدة أبي بكر وعمر؟ ! .. ألا ترضى بعلم أبي بكر وعمر؟ ! .. ألا ترضى بمنهج أبي بكر وعمر؟ !
وَتَدَبَّرْ قوله: ((وببصر نافذ قد كفوا)).
أي: إنما كفوا عن بحث كثير من المسائل عن علم وبصيرة، لا عن جهل وغباوة، فلا تبحث ما لم يبحثوا من المسائل التي لا يترتب عليها عقيدة، أو عمل، فتكون من الغلاة المتنطعين.
((لَكِنْ هل هناك عقلاءُ بعد هذه النصوص والآثار يُعْرِضُونَ عن طريق الصحابة والسلف! ! ! ... )).
نعم، هناك فِرَقٌ قديمة، وجماعات معاصرة، مُعْرِضَةٌ عن هدي الصحابة والسلف، في العقيدة، والمنهج، والسلوك.
((هذا غريب جدًّا ... لكن ما هي حجتهم؟ ))
قبل أن نذكر حجتهم، لا بد أن تعلم أن حجتهم باطلة، مهما كانت، ومهما زُيِّنَتْ ... ومصيرهم الضلال في الدنيا، والعذاب في الآخرة ... مهما حَسُنَتْ نياتهم، وبذلوا من جهدهم؛ لأن حكم رسول الله ﷺ ((كلها في النار)) لِمَنْ خالف لَا يُرَدُّ وَلَا يُرَاجَعُ ... وإذا ما قُبِلَتْ حُجَّتُهُمْ فَسَتُقْبَلُ حُجَّةُ كُلِّ مخالف ... وَحُجَّتُهُمُ: المصلحة .. التزيين .. الظروف .....
стр. 27
زُبْدَةُ هَذِهِ النُّصُوصِ:
((قد أكثرتَ وأسهبتَ، فهل لك أن تَخُضَّ لنا زبدة هذه النصوص وفحواها؟ ))
زبدة هذه النصوص نقطتان:
- اعتقاد ما اعتقد الصحابة ... وسلوك الطريق الذي سلكوا في الفهم، والعلم، والتربية، والعبادة، والخلق، والأدب، والدعوة، والْحُكْمِ، وطريق الوصول إلى الْحُكْمِ.
- الكف عن كل مسألة لم يبحثوها ... والإعراض عن كل طريق أعرضوا عنه، ولم يعرفوه؛ كالفلسفات، والتجديدات، والانتخابات، والبرلمانات، والانقلابات، والسياسات، والاغتيالات، والاعتصامات، والتفجيرات، والمظاهرات ... ويمكن إيجاز هذا كله بعبارة واحدة:
فَلْيَسَعْنَا ما وسعهم.
فَإِنْ أَرَدْتَ السَّلَامَةَ ... فَعَضَّ عَلَى هَذِهِ بِالنَّوَاجِذِ ...
وَإِنْ شِئْتَ أن تُقْحِمَ عقلك، وتخالف هذا بما تزعم من مصلحة، ودعوى، وأن الوسائل مباحة، وتخلط بين الوسائل المباحة، والطرق الملزمة .. فسوف تَلْقَى ما لَقِيَتِ الطوائف من قبلك في الدنيا من الخزي والفشل، وما عند الله أدهى وَأَمَرُّ، وما مَرَّ من أحداث فيه عبرة للمعتبرين.
وليعلم العاقل:
أن الْهُدَى في اتباع السلف، ولو زُيِّنَتِ المصلحةُ في مخالفته، وأن
стр. 28
الضلال في مخالفتهم، ولو ظُنَّتِ المفسدةُ في اتباعهم.
ولو تأمل الْمُنْصِفُ الأحداثَ الماضية والمعاصرة وَجَدَ أن معظم الذين قاموا بالتغيير عن طريق المواجهة، أو اتباع أساليب محدثة، قد أُرْكِسُوا؛ لمخالفتهم منهج السلف في التغيير، مُسَوِّغِينَ مخالفتهم بمصالح رَأَوْهَا، أو مجيزين مخالفة سلفهم أصلًا.
واعلم أن المتبعَ منهجَ السلف له عذر عند الله وَإِنْ أخطأ أو أخفق، وَإِنَّ المخالف لهم مردود العذر عند الله وإن ظن أنه أصاب أو أفلح.
стр. 29
معالم وضوابط في العقيدة والمنهج
((بعد هذا الإسهاب والتفصيل، هل لك أن تضع النقاط على الحروف بضوابط ملزمة، ومعالم واضحة؟ ! ))
مما لا شك فيه أن الإسلام عقيدة، ومنهاج، وشريعة، وأخلاق، وأن الخلاف واقع بين طوائف الإسلام في هذه جميعًا، ونحن وإن قلنا بهذا التقسيم، فهو تقسيم اصطلاحي؛ ليسهل على شبابنا تفهمه، وإلا فقضايا العقيدة، والمنهاج، والشريعة، والأخلاق، قضايا مترابطة، ومتداخلة، ومتلازمة، وبينها عموم وخصوص .. فالمنهج من العقيدة، والشريعة والأخلاق كذلك، لَكِنْ لَا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح -إِنْ لم يخالف حكم الشرع- كما فعل سلفنا في تقسيم الإسلام إلى عقيدة، وعبادات، ومعاملات، وتقسيم الأحكام إلى شروط، وواجبات، ومندوبات ... إلى غير ذلك من التقسيمات التي تُسَهِّلُ للمتعلم الفهمَ، وَتُيَسِّرُ له الحفظَ.
ضابط العقيدة:
أما ضابط العقيدة، والعاصم من الزلل فيها:
فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧].
أي: فإن آمن الناس من يهود، ونصارى، وغيرهم، بمثل ما آمن به أصحاب النبي ﷺ ، فقد أصابوا الطريقَ، واهتدوا إلى المحجة.
стр. 30
وإن تولوا عن الإيمان بمثل ما آمن به الصحابة -رضوان الله عليهم- فسوف يقعون في حَمَأَةِ الخلاف، ويسقطون في أَتُّونِ التفرق والشقاق.
ولحكمة عظيمة لم يَقُلِ اللهُ تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتَ به ... وإنما كان بصيغة الجمع ((آمنتم))، وذلك إشارة إلى صحة إيمان الصحابة -رضوان الله عليهم- وأنهم الْحَكَمُ الْفَصْلُ في هذه القضية الهامة.
فهذا هو ضابط الإيمانيات، والتوحيد، والغيبيات، وغير ذلك:
وهو الإيمان بمثل ما آمن به أصحاب النبي ﷺ ، والكف عَمَّا كَفُّوا، والإعراض عما أعرضوا، وترك البحث في قضايا ومسائلَ تركوا البحث فيها.
مثال على ذلك:
أن الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن تبعهم بإحسان، أَمَرُّوا آيات الصفات من غير تحريف، أو ما يسميه بعض الناس تأويلًا.
فلو أن المسلمين ساروا على تلك الطريقة لَمَا كان بينهم من الخصومات ما كان، وَلَمَا كان ضياع تلك الأوقات، والانشغال عن الدعوة والجهاد.
وضابط هذا:
أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ في أمر لم يتكلم فيه أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا يُجَابُ عن سؤال مبتدع؛ لأن الإجابة ستؤدي إلى مناقشة، والمناقشة سَتَجُرُّ إلى رَدٍّ .. وهكذا يقع المسلمون في القيل والقال .. ولو أنهم اتَّبَعُوا سبيل الصحابة لَمَا كان ما كان، ولتوحدت الأمة دون عناء.
стр. 31
المنهاج تعريفه وضابطه وقضاياه
اعلم أن المنهاج قسم من أقسام الدين، وهو محوره الذي يجب السير عليه.
قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال ﷺ في حديث حذيفة ﵁: (( ... ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ... )) (١).
فَدَلَّ هذان النَّصَّانِ على أن المنهج قِسْمٌ من أقسام الدين، وعلى احتمال وقوع الضلال بمخالفته، مع بقاء المرء مسلمًا.
والمنهاج: هو الطريق والسبيل الذي تسير عليه الجماعة المسلمة؛ لتحقيق أمر العقيدة في القلب، وإقامة شرع الله في الأرض.
والذي يظهر أنه لن يمر كبير وقت على هذه الصحوة إلا ويعتقد معظمها عقيدة السلف إن شاء الله تعالى.
وإنما سيكون محور الخلاف بين الجماعات الإسلامية يدور حول قضايا المنهاج، والله أعلم.
من قضايا المنهاج:
o كَفُّ الأيدي في مكة في حالة الضعف، وبسط الأيدي في المدينة، أي: في حالة القوة والتمكين: قضية منهجية ..
o الصبر على قتل ياسر وسُمَيَّةَ في مكة، وقتل الْعُرَنِيِّينَ في المدينة، ورض رأس اليهودي فيها؛ لقتله امرأة: قضية منهجية ..
стр. 32
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿ ... لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون]، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]: قضية منهجية ..
أي: ليست إحدى الآيتين بقاضية على الأخرى، ولا ناسخة لها أبدًا، ولكن تارة يُعْمَلُ بهذه، وتارة يُعْمَلُ بهذه، وذلك حسب الظروف، والأحوال، والاستطاعة.
o وكذلك قضية المؤلفة قلوبهم: قضية منهجية ..
فقد منع عمر ﵁ إعطاءهم من الزكاة؛ لأنه رأى أن الحال التي عليها المسلمون تُمَكِّنُهُمْ من دَفْعِ أذاهم، والأمن من غائلتهم.
ومن قضايا المنهاج الرئيسة:
o أحكام الخروج على الحكام، أنواع المجتمعات وأحكامها، الطريق إلى إقامة الدولة الإسلامية، والوسائل، والطرق ... إلى غير ذلك من القضايا.
ضابطه:
قد اختلف أهل زماننا اختلافًا كبيرًا وكثيرًا في قضايا المنهاج، وظن كثير منهم أنه غير توقيفي، وخلطوا بينه وبين الوسائل المباحة، من سيارة، ومكبر صوت ... والصواب الذي لا ريب فيه أنه توقيفي، كالعقيدة؛ للأدلة التالية:
الأول:
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
стр. 33
وقد مَرَّتِ الآية من قبلُ، ومن المفيد أن نقف معها بعض الْوَقَفَاتِ:
فقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صريح في وجوب اتباع طريقهم، ولو كان طويلًا، شاقًّا، وَخَيَّلَ الشيطانُ بُعْدَهُ، وَأَيْأَسَ من الوصول إلى غايته ... وصريح أيضًا في حرمة اتباع غير سبيلهم، ولو رأيناه ميسورًا، قريبَ الْمَنَالِ، سهل الْمَرَامِ، وَخَيَّلَ إلينا الشيطان قُرْبَهُ، وَأَمَّلَ بالوصول إليه، فالعبرة بالاقتداء والاتباع، لا بالوصول والإسراع.
وفي الآية أيضًا وَعِيدٌ من الله سبحانه لِمَنْ خرج عن طريق المؤمنين، وسلك غير سبيلهم أن يتخلى عنه في الدنيا، وأن يعذبه عذابًا أليمًا في الآخرة.
ومعنى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي: لا يكون الله له وليًّا، ولا ناصرًا، ولا مُعِينًا، ولكن يجعل اللهُ وَلِيَّهُ الأمرَ الذي سَلَكَ، وخالف فيه سبيل المؤمنين ..
وبعبارة أخرى: يجعل ناصره وَمُعِينَهُ نفس الأمر الذي تَبَنَّاهُ، فإذا أعرض عن سبيل المؤمنين الذي هو الدعوة قبل التمكين، والدعوة والجهاد بعد التمكين، إلى أمور مُحْدَثَةٍ؛ كالانتخابات، والاغتيالات، التي ليست من سبيل المؤمنين في شيء، بل هي من سبيل غيرهم .. إذا فعل العبد ذلك؛ تخلى الله عن نصرته، وجعل الانتخابات، والاغتيالات -مثلًا- هي مولاه، وناصره .. فَلْيُتَفَطَّنْ إلى هذا المعنى الدقيق، وإلى خطورة الخروج عن منهج المؤمنين.
وَلَعَلَّ هذا هو سر عدم انتصار تلك الدعوات التي خالفت منهجهم، وَعَدَلَتْ عن طريقهم.
стр. 34
وإذا قَدَّرَ الله انتصارًا لبعضهم، فليس فيه دليل على صحة منهج المنتصرين، إذ قد يكون انتصارًا تَفَضُّلِيًّا، لا استحقاقيًّا، أو قد يكون غلبة كونية، لا شرعية، فليس كل من انتصر كان على الحق، ولا حُجَّةَ بالنتائج، ولا فيمن خالف، ولا بفعل زيد أو عمرو، وُفِّقَ أم لم يُوَفَّقْ، وإنما الحجة بما أمر به الله تعالى، وبما سَنَّهُ رسوله ﷺ .
الضابط الثاني للمنهاج:
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ... ﴾، والصحابة ممن اتبعه ﷺ ، ومخالفتهم تعني الخروج عن سبيله ﷺ .
هل من منهج الصحابة ؟
هل من منهجهم: الغاية تبرر الوسيلة؟ ! أم هو من منهج عُبَّادِ الهوى؟ !
وهل من منهجهم: تقديم المصالح الخاصة أو العامة على النصوص؟ ! أم هو من منهج المنافقين؟ !
وهل من منهجهم: إباحة المحظورات، وترك الواجبات، وهجر المسنونات، بدعوى مصلحة الدعوة؟ ! ائتونا بأثارة علم من هذا إن كنتم ...
وهل من منهجهم: جَمِّعْ ... جَمِّعْ ... دون علم، ولا تربية؟ !
وهل من منهجهم: التحزبات، وتكثير الأتباع، من غير ضَبْطٍ، ولا أخلاق؟ !
стр. 35
مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وُجُودُ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ:
بهذه الضوابط التي ذُكِرَتْ، وبغيرها من الضوابط، والأسس، والأصول، والقواعد، التي ستذكر في هذا الكتاب، وفي غيره إن شاء الله تعالى، تُعْرَفُ الطائفة المنصورة ... وإذا عُرِفَتِ الطائفة المنصورة كان ما عداها غير منصور، ولا ناجٍ، وذلك بدليل قوله ﷺ الذي مَرَّ معنا ..
ومن حكمة الله تعالى اللطيفة، ورحمته العظيمة: أنه لَمَّا عَلِمَ أَنْ سيكون في هذه الآية خلافات؛ جَعَلَ لهم قاضيًا، وحَكَمًا، يُنهي خلافاتهم، ويَقضي على تفرقهم، ألا وهو أصحاب رسول الله ﷺ ، كما جعل الإسلام من قبل حكمًا وقاضيًا ومهيمنًا على الأديان كافة.
ثم ههنا أَمْرٌ دقيق ينبغي أن يدركه كُلُّ لَبِيبٍ، وهو: إِنْ لم نحكمهم في خلافاتنا، وهم حَوَارِيُّو رسول الله ﷺ ، وقد نزل القرآن بلغتهم، ورأوا سيرة رسول الله ﷺ بِأُمِّ أعينهم، وزكاهم الله في كتابه، ورضي عنهم .. إِنْ لم نحكم هؤلاء في خلافاتنا فَمَنْ نُحَكِّمُ؟ !
أليس فينا رجل رشيد؟ ! !
خلاصة أصل الأصول:
مما سبق يتبين:
أن أصل الأصول في دين الإسلام بعد الكتاب والسنة هو التزام منهج الصحابة، ومن تبعهم بإحسان في الفهم والسلوك.
وبهذا يُضْبَطُ الفهم، ويزول كثير من الخلاف، فتتوحد الأمة، وتنجو
стр. 36
من التفرق الذي هو بَلِيَّةُ الْبَلِيَّاتِ، وسبب الفشل والنكبات، وعندئذ يزول سبب ضعفها، فتقوى وتتمكن في الأرض.
وإن أصل الضلال، وسبب الانحراف في هذه الأمة: مخالفةُ منهج السلف، والعدول عن طريقهم، فيختلف الفهم، فتختلف الأمة، فتضعف، وتتهاوى، فَيُتَكَالَبُ عليها.
وعلى العاقل أن يَتَنَبَّهَ إلى أمرين:
الأول: من أراد لنفسه الهداية والنجاة، هل يسلك طريقًا جديدًا مجهولًا لم يسلكه أتباع رسول الله ﷺ ، بل اخترعه أعداؤه ﷺ ؟ !
أم يسلك طريقًا مأمونًا قد سلكته أمة من قبله، وأفلحوا في دنياهم، وَنَجَوْا في أُخْرَاهُمْ.
الثاني: ما من فئة ولا طائفة عَدَلَتْ عن طريقهم، وانحرفت عن منهجهم، إلا ضَلَّ أتباعها، وهلك أهلها، وإِنْ بقيت لهم باقية، فإنما بقاؤها للاعتبار، والفتنة، والاستدراج، والنقمة.
فتعالَ معي -إذن- لنتعرف إلى الصراط المستقيم، صراط الذين ندعو الله في كل صلاة أن يهدينا سبيلهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾، وإن لم يكن الله سبحانه قد أنعم على الصحابة، فلم يُنْعِمْ على أحد قط.
تعالَ لنتعرفَ على أصولهم، ونتعلم قواعدهم، ونتلمس طريقهم، فهي والله -بِحَقٍّ- قواعدُ النجاة، وطريق الفائزين، وَحَكَمُ المختلفين، وسبيل الخلاص من تفرق المسلمين، وطريق وحدة صفوفهم، وجمع كلمتهم ..
стр. 37
وبغير هذا فلن يكون لهذه الأمة مكانة، ولا علو في الأرض، ولا تمكين، وإلى الله تصير الأمور.
((ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)) (١).
وصلاح هذه الأمة يَكْمُنُ بتحصيل أصول منهج الطائفة المنصورة التي هي -في حقيقتها- قواعد النجاة، وطرائق الصلاح والإصلاح ..
وهي أصول راسخة منضبطة، قائمة على الكتاب، وَمَبْنِيَّةٌ على السنة.
стр. 38
من أصول
منهج الطائفة المنصورة
стр. 39
من أصول منهج السلف:
الأصل الأول:
التمسك بالإسلام جميعا
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨].
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
((يقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين به، والمصدقين، أن يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام، وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك.
قال مجاهد: اعملوا بجميع الأعمال، ووجوه البر.
وقال ابن عباس: ولا تَدَعُوا منها شيئًا ... )).
وقال شيخ الإسلام ﵀:
((والمقصود أن الله أمر بالدخول في جميع الإسلام، فكل ما كان من الإسلام وَجَبَ الدخول فيه، فإن كان واجبًا على الأعيان لَزِمَهُ فِعْلُهُ، (أي فرض عين)، وإن كان واجبًا على الكفاية اعتقد وجوبه، وعزم عليه إذا تَعَيَّنَ، أو أخذ بالفضل ففعله، وإن كان مُسْتَحَبًّا اعتقد حسنه، وأحب فعله)) (١).
стр. 40
وقال سيد قطب -رحمه الله تعالى- في ظلال هذه الآية:
((وَلَمَّا دعا الله الذين آمنوا أن يدخلوا في السلم كافة .. حذرهم أن يتبعوا خطوات الشيطان .. فإنه ليس هناك إلا اتجاهان اثنان .. إما الدخول في السلم كافة، وإما اتباع خطوات الشيطان .. إما هُدًى، وأما ضلال .. وبمثل هذا الحسم ينبغي أن يدرك المسلم موقفه، فلا يتلجلج، ولا يتردد، ولا يتحير بين شتى السبل، وشتى الاتجاهات، إنه ليست هنالك مناهج متعددة للمؤمن أن يختار واحدًا منها، أو يخلط واحدًا منها بواحد .. ليس هنالك حل وسط، ولا منهج بَيْنَ بَيْنَ، ولا خطة نصفها من هنا، ونصفها من هناك)).
قلتُ: فكل ما أمر الله به أو رسوله ﷺ ، أو حَثَّ عليه، فهو طاعة، سواء كان المأمور به صغيرًا في نظر المأمور، أو كبيرًا، وسواء أكان أصلًا -في نظر المطيع- أو فرعًا، كُلًّا أو جزءًا، فكل ذلك من الإيمان.
قال ﷺ : ((الإيمان بِضْعٌ وسبعون شُعْبَةً ... )) (١) الحديث.
فالواجب -إذن- العمل بجميع شرائع الإسلام، وأركانه، وفرائضه، وسننه، لمن أَحَبَّ، ولا يجوز أن نترك العمل بهذه لأنها جزئية، ونعمل بهذه لأنها كُلِيَّة ...
وبعبارة أخرى: إن العمل بشرائع الإسلام منوط (معلق) بالاستطاعة، وليس منوطًا بالكليات والجزئيات، والفروع والأصول - إِنْ سَلِمَ بَعْدُ هذا التقسيم-.
قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].