← Общие книги

Общие книги · id 147090

التيه والمخرج

عدنان العرعور

Полный текст (92 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من التفرق الذي هو بَلِيَّةُ الْبَلِيَّاتِ، وسبب الفشل والنكبات، وعندئذ يزول سبب ضعفها، فتقوى وتتمكن في الأرض. وإن أصل الضلال، وسبب الانحراف في هذه الأمة: مخالفةُ منهج السلف، والعدول عن طريقهم، فيختلف الفهم، فتختلف الأمة، فتضعف، وتتهاوى، فَيُتَكَالَبُ عليها. وعلى العاقل أن يَتَنَبَّهَ إلى أمرين: الأول: من أراد لنفسه الهداية والنجاة، هل يسلك طريقًا جديدًا مجهولًا لم يسلكه أتباع رسول الله ﷺ ، بل اخترعه أعداؤه ﷺ ؟ ! أم يسلك طريقًا مأمونًا قد سلكته أمة من قبله، وأفلحوا في دنياهم، وَنَجَوْا في أُخْرَاهُمْ. الثاني: ما من فئة ولا طائفة عَدَلَتْ عن طريقهم، وانحرفت عن منهجهم، إلا ضَلَّ أتباعها، وهلك أهلها، وإِنْ بقيت لهم باقية، فإنما بقاؤها للاعتبار، والفتنة، والاستدراج، والنقمة. فتعالَ معي -إذن- لنتعرف إلى الصراط المستقيم، صراط الذين ندعو الله في كل صلاة أن يهدينا سبيلهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾، وإن لم يكن الله سبحانه قد أنعم على الصحابة، فلم يُنْعِمْ على أحد قط. تعالَ لنتعرفَ على أصولهم، ونتعلم قواعدهم، ونتلمس طريقهم، فهي والله -بِحَقٍّ- قواعدُ النجاة، وطريق الفائزين، وَحَكَمُ المختلفين، وسبيل الخلاص من تفرق المسلمين، وطريق وحدة صفوفهم، وجمع كلمتهم ..

стр. 37

وبغير هذا فلن يكون لهذه الأمة مكانة، ولا علو في الأرض، ولا تمكين، وإلى الله تصير الأمور. ((ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)) (١). وصلاح هذه الأمة يَكْمُنُ بتحصيل أصول منهج الطائفة المنصورة التي هي -في حقيقتها- قواعد النجاة، وطرائق الصلاح والإصلاح .. وهي أصول راسخة منضبطة، قائمة على الكتاب، وَمَبْنِيَّةٌ على السنة.

стр. 38

من أصول منهج الطائفة المنصورة

стр. 39

من أصول منهج السلف: الأصل الأول: التمسك بالإسلام جميعا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ((يقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين به، والمصدقين، أن يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام، وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك. قال مجاهد: اعملوا بجميع الأعمال، ووجوه البر. وقال ابن عباس: ولا تَدَعُوا منها شيئًا ... )). وقال شيخ الإسلام ﵀: ((والمقصود أن الله أمر بالدخول في جميع الإسلام، فكل ما كان من الإسلام وَجَبَ الدخول فيه، فإن كان واجبًا على الأعيان لَزِمَهُ فِعْلُهُ، (أي فرض عين)، وإن كان واجبًا على الكفاية اعتقد وجوبه، وعزم عليه إذا تَعَيَّنَ، أو أخذ بالفضل ففعله، وإن كان مُسْتَحَبًّا اعتقد حسنه، وأحب فعله)) (١).

стр. 40

وقال سيد قطب -رحمه الله تعالى- في ظلال هذه الآية: ((وَلَمَّا دعا الله الذين آمنوا أن يدخلوا في السلم كافة .. حذرهم أن يتبعوا خطوات الشيطان .. فإنه ليس هناك إلا اتجاهان اثنان .. إما الدخول في السلم كافة، وإما اتباع خطوات الشيطان .. إما هُدًى، وأما ضلال .. وبمثل هذا الحسم ينبغي أن يدرك المسلم موقفه، فلا يتلجلج، ولا يتردد، ولا يتحير بين شتى السبل، وشتى الاتجاهات، إنه ليست هنالك مناهج متعددة للمؤمن أن يختار واحدًا منها، أو يخلط واحدًا منها بواحد .. ليس هنالك حل وسط، ولا منهج بَيْنَ بَيْنَ، ولا خطة نصفها من هنا، ونصفها من هناك)). قلتُ: فكل ما أمر الله به أو رسوله ﷺ ، أو حَثَّ عليه، فهو طاعة، سواء كان المأمور به صغيرًا في نظر المأمور، أو كبيرًا، وسواء أكان أصلًا -في نظر المطيع- أو فرعًا، كُلًّا أو جزءًا، فكل ذلك من الإيمان. قال ﷺ : ((الإيمان بِضْعٌ وسبعون شُعْبَةً ... )) (١) الحديث. فالواجب -إذن- العمل بجميع شرائع الإسلام، وأركانه، وفرائضه، وسننه، لمن أَحَبَّ، ولا يجوز أن نترك العمل بهذه لأنها جزئية، ونعمل بهذه لأنها كُلِيَّة ... وبعبارة أخرى: إن العمل بشرائع الإسلام منوط (معلق) بالاستطاعة، وليس منوطًا بالكليات والجزئيات، والفروع والأصول - إِنْ سَلِمَ بَعْدُ هذا التقسيم-. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

стр. 41

وقال ﷺ : ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)) (١). وهذا التفريق المزعوم غير معروف في الكتاب والسنة، من حيث العمل وتركه، لا من حيث وجوده وعدمه. وإنه يُخْشَى على الذين يُصِرُّونَ على هذا التفريق، وَيَدْعُونَ إليه أن يكونوا ممن عناهم الله تعالى بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]. فلم يُفَرِّقِ الله الدين من حيث العمل إلى جزء وكل، وفرع وأصل، وبعض الناس -هداهم الله- يُقَسِّمُ الدين إلى: لُبَابٍ وقشور! ! ! وكيف يكون قشرًا أَمْرٌ عَدَّهُ رسول الله ﷺ شعبة من شعب الإيمان؟ ! وسمعت بعضهم يقول: إن بعض الناس يتمسكون بذيل الإسلام ... وكأن الإسلام دابة، وله ذيل، والعياذ بالله ممن يضرب لدين الله مثل السوء، ولله ولرسوله المثل الأعلى. ورأى رجلٌ من هؤلاء شابًّا متمسكًا بالواجبات والمندوبات، فقال له: وأنت كذلك ابْتُلِيتَ بهذا ... ! !

стр. 42

الدعوة إلى التفريق من سبل الصد: ونصيحتنا لهؤلاء: إذا كانوا لا يعتقدون جدوى التمسك بالواجبات والسنن، ولا يرغبون في العمل بها، فعلى الأقل أن لا يصدوا الناس عنها، حتى لا يكونوا -بفعلهم هذا- ممن عناهم الله تعالى بقوله: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩]. ولا شك أن الواجبات والمندوبات من سبيل الله، وَمَنْ صَدَّ عنها، أو استهزأ بها، فَقَدْ صَدَّ واستهزأ بسبيل الله ... وقال تعالى عن الشيطان: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. ولا ريب أن صد الناس عن الواجبات والسنن صَدٌّ عن ذكر الله .. فهل إخواننا عن هذا منتهون؟ ما ضابط هذا التفريق ؟ ثم من ذا الذي يجرؤ على هذا التقسيم، ويضع لنا فاصلًا في كل أمر .. أهو جزئية أم كُلِّيَّةٌ .. قشر أم لباب! والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. وإن لم يكن هذا التفريق من التقديم، فما التقديم إذن؟ !

стр. 43

ويبين ذلك قوله ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (١). فتدبر هذا الحديث العظيم ... كيف جمع فيه ﷺ أعلى مراتب الإيمان مع الحياء ومع أدنى عمل من أعمال الإسلام، دون تفريق مزعوم، ولا تفصيل مشؤوم. فأين يمكن للمفرقين أن يحدُّوا حَدَّهُمْ، ويقدموا تفريقهم، ويضعوا فاصلهم في هذا الحديث العظيم. وانظر كيف عَدَّ إماطةَ الأذى من الإيمان، وَلَازِمُ ذلك أن فاعله يزداد إيمانًا، وتاركه ينقص إيمانًا، فكيف بمن ترك ما هو أعلى منه، وكيف بمن هجر ما رُتِّبَ عليه أجر عظيم، وكيف بمن توعد اللهُ فَاعِلَهُ عذابًا أليمًا؟ ! عن البراء بن عازب ﵁ قال: ((أَمَرَنَا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم (أو المقسم)، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام)) (٢). فانظر كيف جمع نبي الهدى ﷺ بين تشميت العاطس، ونصر المظلوم، في حديث واحد، دون هذا التفريق المبتدع، ولا هذا التقسيم المصطنع.

стр. 44

من الصغائر والجزئيات ما يكون سببا في دخول الجنة أو النار إنَّ كثيرًا مما يراه الناس جزئية أو صغيرة، ربما يكون سببًا في دخول الجنة، أو النار، والعياذ بالله. ففي الصحيحين مرفوعًا: ((بينما رجل يمشي بطريق وَجَدَ غصنَ شوك على الطريق، فَأَخَّرَهُ، فشكر الله له، فغفر له)) (١). وفي مسلم مرفوعًا: ((أنَّ امرأةً بَغِيًّا سَقَتْ كلبًا، فَغُفِرَ لها)) (٢). وقال ﷺ : ((لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلِقٍ)) (٣). و((شيئًا)) نكرة في سياق النهي، فهي تفيد العموم، أَيْ: أَيَّ شيء كان صغيرًا أو قليلًا، وإخواننا لا يزالون يُصِرُّونَ على احتقار بعض ما أمر به الرسول ﷺ ، أو حَثَّ عليه، فمن أَحَقُّ بالنبي ﷺ ؟ ومن أحق بالتمكين؟ ومن أحق بشفاعته ﷺ ؟

стр. 45

وقال ﷺ : ((دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خَشَاشِ الأرض)) (١). وأكل رَجُلٌ بشماله عند رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : ((كُلْ بيمينك، قال: لا أستطيع، فقال ﷺ : لا استطعت)) (٢) فَشَلَّتْ يَدُهُ على الفور. وقال ﷺ : ((ما كان أسفل الكعبين من الإزار فهو في النار)) (٣). أي: إذا جاوز الثوب الكعبين فصاحبه قد استحق عذاب النار بقدر مخالفته .. وقال ﷺ : ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: وَإِنْ قضيبًا من أراك)) (٤). والأراك: الشجر الذي يؤخذ منه السواك. وإذا كان وجوب النار وتحريم الجنة على من اغتصب سواكًا، فكيف بمن استهزأ بِسُنَّةٍ، أو عاب مَنْ فَعَلَ واجبًا؟ !

стр. 46

بل وصل الأمر إلى أن عَلَّقَ الرسول ﷺ أمورًا عظيمة بأمور يراها كثير من إخواننا ((جزئية)) ((تافهة)) ((ليس الآن وقتها)) ... ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: ((لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أو لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)). فأي داء أعظم من داء اختلاف القلوب .. الذي جُعِلَ سببه إهمال تسوية الصفوف؟ ! ! وفيهما أيضًا قوله ﷺ : ((لا يزال الناس بخير ما عَجَّلُوا الْفِطْرَ)). وفي رواية أبي داود بسند صحيح: ((لا يزال الدين ظاهرًا ما عَجَّل الناسُ الفطرَ)). فانظر كيف أناط الخيرية، وعلق بقاء الدين ظاهرًا بتعجيل الفطر .. الأمر الذي يراه كثير من إخواننا ((توافه)). وقاعدة ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. أي: فمن يعمل ما يكون بوزن النملة الصحيحة -بل أقل- من خير، فسوف يلقى خيرًا في الدنيا والآخرة، ومن يعمل ما يكون بوزن النملة الصغيرة -بل أقل- من شر، فسوف يلقى شرًّا في الدنيا والآخرة. وإذا علمتَ هذا، وعلمتَ أننا لم نُخْلَقْ إلا لفعل الخير مهما صَغُرَ، واجتناب الشر مهما دَقَّ، وأن الدين كله من عند الله، كلياته، وجزئياته -إن سُلِّمَ بهذا التقسيم- إذا علمت هذا أدركتَ بطلانَ دعوى تجزئة الدين إلى كليات وجزئيات، ولباب وقشور؛ لأنها دعاوى ليس عليها بينات، وتزيين ليس فيه حجة ولا دليل.

стр. 47

قال شيخ الإسلام: ((قالوا -أي: أهل السنة-: والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أحوال أهل البدع، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول، ولا غَوْرَهُ. قالوا: والفرق (١) في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام، لم يدل عليها كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة، فهي باطلة عقلًا)) (٢).

стр. 48

شبهات الشبهة الأولى: ((إذا كنتم لا ترون هذا التفريق فهل يؤخذ الإسلام دفعة واحدة، دعوة وعملًا؟ وهل نهتم بأمور الدين كلها على سواء؟ وهل التوحيد -كلمة لا إله إلا الله- وإماطة الأذى عن الطريق سواء؟ وهل من سيرة الرسول ﷺ الدعوة إلى الإسلام جملة بلا ترتيب، ودفعة واحدة بلا تدريج؟ )) نعم، لا شك أنها كلها ليست سواء، فقد يكون هناك بالجملة أصول، وفروع، وكليات، وجزئيات، وصغائر، وكبائر. قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ١٣١]. وقال ﷺ : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر)) (١). وقال أيضًا: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) (٢).

стр. 49

ولكن هذا التقسيم الشرعي هو باعتبار منزلتها عند الله، ومراتبها في الأجر، ودرجتها في الفضل، وما يترتب على فعلها وتركها من أجر أو وزر، ومن حيث الأهم والمهم، ومن حيث التدرج في الدعوة والعمل، لا من حيث التفريق، والتبعيض، والاستهزاء، واللامبالاة، وإهمال بعضها، والعمل بالأخرى، بمثل تلك الدعاوى، رغم القدرة والاستطاعة. قال ابن القيم طَيَّبَ الله ثراه (١): ((فَإِنْ نجا -أي: العبد- منها -أي: من عقبات الشيطان- بفقه في الأعمال، ومراقبتها عند الله، ومنازلها في الفضل، ومعرفة مقاديرها، والتمييز بين عاليها وسافلها (٢)، ومفضولها وفاضلها، ورئيسها ومرؤوسها، وسيدها ومسودها، فإن في الأعمال والأقوال سيدًّا ومسودًا، ورئيسًا ومرؤوسًا، وذروة وما دونها)). ثم ذَكَرَ أَدِلَّةَ ذلك -ثم قال-: ((ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل الصدق من أولي العلم، السائرين على جَادَّةِ التوفيق، قد أنزلوا الأعمال منازلها، وأعطوا كل ذي حق حقه)). فَرْقٌ مَا بَيْنَ الْإِيمَانِ بِالشَّرَائِعِ وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا: كذلك ينبغي التنبه إلى أن وجوب الإيمان بكافة شرائع الإسلام، والأخذ بها كافة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وأنها كلها من الإيمان: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)) ... شيء ... والسعي نحو

стр. 50

تطبيق ذلك، والعمل به، والدعوة إليه شيء آخر. ففي حديث معاذ ﵁ عندما أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن، قال له ﷺ : ((إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فَادْعُهُمْ إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فَإِنْ هُمْ أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تُؤْخَذُ من أغنيائهم، فَتُرَدُّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتَّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) (١). فدل هذا على أن في الدعوة والعمل تدرجًا، وأولوياتٍ، وتفاضلًا، واهتماماتٍ، فلا يُبدأ بالدعوة والعمل بالجزء قبل الكل، ولا يُهمل الجزءُ بدعوى الاهتمام بالكل، بل كُلٌّ مُنَزَّلٌ من عند الله، وَكُلٌّ دِينُ اللَّهِ، فكما أنه لا يجوز الإغراق في الجزئيات، فكذلك لا يجوز إغراق الجزئيات .. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢]. فقوله تعالى: ﴿بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ عَامٌّ في كل ما أَمَرَ به وأرشد. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ شامل لكل جزئية وكلية، ولكل فرع وأصل، ومن رَدَّ جزءًا منه، فَقَدْ رَدَّ حَقًّا. والناس في هذا .. طرفان ووسط: طرف يبدءون الدعوة بالجزئيات، وبالمحرمات .. ويقولون: هذا حرام، وهذا

стр. 51

مندوب .. قبل الدعوة إلى الأصول العظيمة؛ كالتوحيد، والسمع والطاعة، والأخلاق، وتصفية هذا الدين مِمَّا لحق به، وتطهير قلوب المسلمين مما عَلَقَ بها. وطرف يفرقون في الدين .. فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض .. ويعملون ببعض، ويُعرضون عن بعض .. ويستهزئون ببعض .. حسب الظروف، وحسب الأهواء، وحسب ما يظنونه مصالحَ. وفي كِلَا الطرفين غُلُوٌّ وتقصير .. ومنهم من أشغل نفسه بالخلافات الفقهية، والمسائل التفصيلية، ومنها خلافات معتبرة، أو مسائل لا حاجة لنا بها، أَشْغَلَ نَفْسَهُ بها عن دعوة الناس وتربيتهم، بل ربما كانت دعوته مُنْصَبَّةً في هذا، فهي شُغْلُهُ الشاغل، وَدَيْدَنُهُ الدائم .. وسأل أَحَدُهُمْ فقال: إمامنا ينزل في سجوده على يديه، ونحن ننزل على رُكَبِنَا، فَمَنْ صلاته صحيحة؟ وهل تصح صلاتنا خلفه؟ وهذا غاية في العجب أن لا يعرف المسلمون فِقْهَ دينهم! ! ومنهم من يدعو إلى الله، وهو لا يعمل بكثير من شرائع الله! ! يظن أن الدين قول بلا عمل، وفكر بلا اتباع! ! والوسط الصواب: البدء بالأهم [فالمهم]، في الدعوة، والعمل، وتربية الناشئة على التوحيد، والتأصيل، والتقعيد، والأخلاق، ثم ... ثم ... وهكذا ... حتى يتم العمل بشريعة الإسلام حسب القدرة والاستجابة، كما هو واضح من حديث معاذ

стр. 52

الشبهة الثانية: كيف نهتم بالجزئيات والعدو على الأبواب ؟ ! ((لكن إذا سَلَّمَ الناسُ بالكليات، وانتهوا عن الكبائر .. فهل نهتم بالجزئيات، وننشغل بالصغائر، والأعداء جاثمون على صدورنا؟ )) إذا تأمل العاقل هذه المسألة وَجَدَ أنها أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة، وإلى الوهم منها إلى الواقعية؛ إذ العمل بالسنن والواجبات لا يَشْغَلُ عن العدو، ولا يؤخر التمكين، لكن الذي يَشْغَلُ عن العدو، ويؤخر التمكين، هو عدم التزام منهج السلف في الدعوة، والعمل، والمناقشة، والأخلاق .. هذا هو الذي يضيع الأوقات، ويشتت الجهود .. وأما العمل بكافة الشريعة حسب الاستطاعة، وحسب ما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه، فلا يُعَرْقِلُ البراء من الأعداء، ولا يمنع الولاء للأحباب. بل على العكس من ذلك، فإن العمل بالسنن والواجبات يَشُدُّهُ ويقويه، وَفِعْلُ شعبة من شعب الإيمان -أيِّ شعبة- يزيد الإيمان، ويقويه .. وزيادة الإيمان هذه زيادة في قوة المسلمين في مواجهة أعدائهم من جهة، وَتَقَرُّبٌ إلى الله الذي بيده النصر والتمكين من جهة أخرى. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]. فَكُلُّ فِعْلِ عَمَلٍ صالحٍ يسرع في الاستخلاف، وكل تقصير يؤخره، وكل عمل صالح هو مسمار في نعش الطاغوت، وكل معصية وإهمال في دين الله هو تثبيت له على عرشه. فتدبر هذا؛ فهو نافع لمن أراد لقاء ربه، ونصرته على عدوه، وتمكينه في أرضه.

стр. 53

الحكم الفصل عندما يتأمل المنصف الذي يُحَكِّمُ شَرْعَهُ لا عقله، وَسَلَفَهُ لا فكره، وَدِينَهُ لا رجاله، ومنهج الاتباع والتأسي، لا منهج السياسة والظروف، يجد أن السلف -رضوان الله عليهم- كانوا يتمسكون بالإسلام جَمِيعِهِ، ويعملون بشريعته وأحكامه كافة، من غير تفريق، ولا تفريط، فكانوا يجمعون بين العلم، والعمل، والجهاد، والعبادة، والدعوة، والقيادة، والواجب، والمندوب، والزهد، والإعمار، ومناصحة الحكام، وعدم إهمال شيء من شريعة القرآن، ولكن بتعاون مثمر، وبترتيب معين، وتدريج معتبر، تحت ظل الشريعة وتعاليمها، لا أن تكون الشريعة خاضعة للأحوال والظروف. فتدبر هذا، فهو دقيق. صُوَرٌ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمُثْمِرِ: ففي الوقت الذي كان فيه أبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، يفتحون مصر، والشام، والعراق، كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، يسوسون الناس، ويفتونهم، ويربونهم، وكان أبو هريرة، وأنس، وعائشة، يحفظون الحديث، ويروونه، وكان أبو ذر، وأبو الدرداء، [وغيرهم]، يعظون

стр. 54

الناس والحكام، وينصحونهم، فتعاونوا، ولم يتعايبوا، وتناصروا، ولم يتدابروا. وفي الوقت الذي كان فيه محمد بن القاسم، وموسى بن نصير، وطارق بن زياد، يفتحون البلاد شرقًا وغربًا، كان أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، يفتحون صفحات من العلم، والفقه، ناصعةً إلى يوم القيامة، وكان أحمد، والبخاري، ومسلم، يفتحون صفحات من النور؛ لِيُسَطِّرُوا عليها مرويات سنة النبي ﷺ ؛ لتبقى ما بقي على الأرض إيمان، وكان الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ينصحون الناس، ويعظون الحكام، وكان أحمد بن حنبل، وأحمد بن نصر المروزي، وإسحاق بن راهويه، يقمعون البدع، ويحاربون الانحراف، وينفون عن هذا الدين تحريفَ الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وبعضهم كان يجمع بين هذا وذاك، فَأَحْمَدُ يجمع بين الحديث، والفقه، وَقَمْعِ البدع، ومناصحة الحكام .. وعبد الله بن المبارك يجمع بين العلم، والجهاد، وكان ... وكان ... كُلٌّ حسب قدرته، وكُلٌّ حسب توفيقه. نتعاون، ولا نتخاصم ... نتناصح، ولا نتفاضح ... نتناصر، ولا نتخاذل ... نتطاوع، ولا نتلاوم. لَا عَيْبَ فِي التَّخْصِيصِ: فما كان المجاهدون يعيبون على الفقهاء بحثهم في قضايا تفصيلية فقهية، في الحيض، والبيع، والنكاح، وما كانوا يقولون لهم: نحن نجاهد، ونفتح البلدان، وأنتم عاكفون على الكتب الصفراء، كُتُبِ الحيض، والنفاس! !

стр. 55

وما كان الفقهاء يعيبون على المجاهدين عدم معرفتهم بتفاصيل الفقه، وأغوار العلم، وما كان أحد منهم يعيب -فضلًا عن أن يَتَّهِمَ- الذين يهتمون بالعقيدة، والسنن، ويقمعون البدع، وما كانوا يقولون لهم: نحن نجاهد، ونفتح البلدان، ونحارب الطغاة، وأنتم مشغولون في: ((أين الله؟ .. ويد الله .. ووجه الله)). ولكنهم جميعًا كانوا يعيبون على من لا يعرف التوحيد تفصيلًا، ويشنعون على من لا يسمع ويطيع الله ورسوله ﷺ دائمًا. وكانوا جميعا -رحمهم الله تعالى- حربًا على أصحاب البدع، والانحراف، والأهواء، وعلى من يُحْدِثُ في هذا الدين برأيه، وهواه، ومصلحته، وفكره، ما لم ينزل الله به سلطانًا. شعارهم في هذا: ديننا دين اختصاص وتعاون .. لا دين حقد وتنازع. أما نحن ... فيا حسرة علينا .. فهذا يقول لصاحبه: اترك هذا الشيخ؛ فهو فقيه، وليس بمحدث! وذاك يقول: دع عنك هذا العالم؛ فهو محدث، وليس بفقيه! وثالث يقول لصاحبه: دع عنك هذا التعاون مع ذاك الداعية؛ فهو ليس إلا داعية! ولو كانت دعوته صحيحة. وآخر يقول: اهجر هذا الفقيه؛ فقد أخطأ في مسألة كذا. وآخر يقول ... ويقول ... ويقول ...

стр. 56

وهكذا ... يتعلق الناس بالرجال، ويُفْقَدُ التعاون، وتنشأ الخلافات، وتَمَزَّقُ الطائفة المنصورة، فيكون الضياع، والملل، واليأس، والفشل .. ولو أنهم أدركوا ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ لَمَا كان ما كان، فما من أحد -بعد الأنبياء- جمع العلم كله، ولا يمكن له ذلك، وما من أحد -بعد الأنبياء- إلا له وعليه؛ ولذلك أمر الله باتباع ما أنزل إلينا، وَحَثَّ على معرفة الدليل، والبرهان، مِنْ أَيِّ مَصْدَرٍ نُقِلَ، وعلى أي لسان جرى، وَمَنَعَ أَنْ يَكُونَ الرِّجَالُ حُجَّةً فِي دِينِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْهَوَى دَلِيلًا فِي شَرْعِهِ. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. إن هذا الذي يجري بين الشباب -فيما ذكرنا- إنما هو: - من سوء التربية. - وفقدان التأصيل. - وعدم التفريق بين الهوى والدليل، والحجة التزيين. إن هذا الذي يجري بين الشباب يحتاج إلى إعادة نظر من العقلاء؛ لتصحيحه، وتقويمه .. ولا يتم هذا إلا بالتجرد لله ، وتربية الناس على التأصيل، واتباع الحق، لا على العاطفة، وَحُبِّ الرجال. ولو أنهم قالوا: ما الدليل؟ لكان خيرًا لهم، وأقوم سبيلًا.

стр. 57

فهل إلى رجوع إلى طريقهم من سبيل؟ وهل إلى خروج مما نحن فيه من المخاصمات من مَخْرَجٍ؟ وهل من دعوة -يا عباد الله، ويا دعاة الإسلام، ويا شباب الصحوة- إلى التربية والتأصيل؟ حتى ندرك -حقًّا- ما معنى التعاون، وَنُتَرْجِمَ ذلك في واقعنا، ونفهم معنى التشاور، ونعمل به في شئوننا، ونعلم معنى التناصح، ونتبادله فيما بيننا. ألا أدلكم على ما أبطل ذلك كله؟ الحزبية اللعينة .. وتقديم الرجال على الدليل. ألا أرشدكم إلى ما يحيي هذا كله؟ ما قاله الإمام الشافعي: ((لو تَدَبَّرَ الناسُ هذه السورةَ لَوَسِعَتْهُمْ)) (١): ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾. فاللهم إنا نسألك العمل بها. وأخيرًا: إن منهج السلف لا يُنْكِرُ التدرجَ في التطبيق والعمل، وأن بعض الأعمال أفضل من بعض وَأَوْلَى، ولكن يُنْكِرُ أَنْ يُؤْخَذَ ببعض، وَيُتْرَكَ بعض، مع القدرة والاستطاعة. وعلى الله قَصْدُ السبيل، وإليه المآل والمصير.

стр. 58

الأصل الثاني: الدعوة إلى التوحيد أولا والعمل بالعبادات ثانيا مع التمسك بالأخلاق دائما إِنَّ مِنَ الْمُسَلَّمَاتِ: البدء بالدعوة إلى التوحيد -أولًا وقبل كل شيء- هو سنة الأنبياء جميعًا. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. ولا إله إلا الله هي: التوحيد، كُلُّ التوحيد، إذا فُهِمَتْ حَقَّ فَهْمِهَا، وَعُمِلَ بمقتضاها. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وقال تعالى حاكيًا عن خليله إبراهيم ﷺ في بدء دعوته لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]. وأول شيء دعا إليه يوسف ﵊ صاحبيه في السجن التوحيد، قال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. فانظر -بارك الله فيك- إلى أول كلمة قالها لهم ((أأرباب متفرقون))، فلم يبدأ أولًا بدعوتهم إلى السنن والواجبات، ولا إلى السياسة

стр. 59

والواقعات أولاً. ومن الغريب أن يتفطن إلى ذلك الحيوان -هدهد سليمان- ويعلم أن التوحيد قبل كل شيء: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ ... ﴾ [النمل: ٢٤]، ولا يتفطن إلى ذلك كثير من الدعاة. وأما دعوة سيد الرسل -عليهم الصلاة والسلام- فمما لا تخفى على مسلم، وأنه مَكَثَ ﷺ في مكة ثلاثة عشر عامًا، يدعو إلى التوحيد، وفي التوحيد، وللتوحيد، وبالتوحيد، مع ما كان عليه من خُلُقٍ عظيم، يدعو إليه بعمله أحيانًا، وبقوله أحيانًا. وَلَمَّا أرسل ﷺ معاذًا إلى اليمن، قال له: ((إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فَإِنْ هُمْ أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات ... )) الحديث (١). وإذا كان التوحيد قبل الصلاة، والزكاة ... أفلا يكون قبل السياسات والواقعات؟ وإذا تأملت هذا، وتأملت حال الجماعات الإسلامية ودعوتها، عَرَفْتَ من هي الجماعة الأحق بالطائفة المنصورة. هل هي الجماعة التي تُرَبِّي أتباعها على السياسة؟ ! أم الجماعة التي تربي أصحابها على التوحيد، وتغرس في نفوسهم التأصيل؟ وهل هي الطائفة التي تُرَبِّي أتباعها على الولاء للظَّلَمَةِ، والخضوع للْكَفَرَةِ؟ !

стр. 60

أم هي الطائفة التي تُرَبِّي أصحابها على الولاء والبراء لله ولرسوله وللمؤمنين جميعًا؟ وهل هي الطائفة التي تدعو أتباعها إلى الجهاد ومقارعة الأعداء، قبل التربية والتوحيد، وقبل تحقيق شروط الجهاد؟ ! أم هي الطائفة التي تدعو الناس إلى التوحيد، والتربية، وتحقيق شروط الجهاد، قبل إعلانه، والدعوة إليه؟ وهل هي الطائفة التي تبدأ دعوة الناس إلى السنن والواجبات، والزهد والمندوبات، وتُهِمْلُ دعوتهم إلى التوحيد والعلم؟ ! وهل هي الطائفة التي تُفَرِّقُ في دين الله بغير سلطان أتاها، فتجعل هذه كُلِّيَّةً يُعمل بها، وهذه جزئية تُهجر؟ ! وهل هي الطائفة التي تُرَبِّي طلابها على العلم المجرد فحسب، دون عمل، ولا دعوة؛ كالجامعات وبعض الزوايا؟ ! إذا علمتَ هذا علمتَ مَنْ هُمْ أهل الطائفة المنصورة. ((السياسة قبل الله أكبر)) وإن كنتُ أنسى، فلا أنسى -إن شاء الله- مناظرة جَرَتْ بيني وبين أحد زعماء إحدى الجماعات الإسلامية، والتي بُهِتُّ فيها، وخرجتُ منها مهزومًا! ! قلت له -بعد كلام كثير جرى بيننا-: فما هو أول شيء تُعَلِّمُونَهُ المرءَ إذا دخل حزبكم؟ قال: السياسة. قلت: قبل التوحيد؟ !

стр. 61

قال: قبل الله أكبر. فارتج الحاضرون لكلمته هذه، وقمتُ من فوري، وخرجت وأصحابي، ونحن لا ندري ما نقول ... يقولون: هل نحن نهمل التوحيد؟ ولا بد -هنا- من الإجابة عن إشكال يطرحه البعض من هذه الجماعات، وهو قولهم: هل ترون أَنَّا نهمل التوحيد؟ وهل ترون في صفوفنا كفارًا؟ وهل قادتنا وأتباعنا مشركون .. حتى تتهمونا أننا لا ندعو إلى التوحيد، ولا نلتزم به؟ ! أم تريدون التوحيد الذي تعرفون -توحيد الأسماء والصفات- الذي أشغلتم به الأمة، وفرقتم به جَمْعَهَا، والذي لا ينفع، ولا يُغني من جهل؟ ! هل تريدوننا أن ننشغل بالخلافات الجزئية ((أين الله؟ هل له وجه؟ هل ينزل إلى السماء الدنيا؟ )) عن قضايا الأمة المصيرية؟ ! هل تريدون أن تشغلونا بهذا، والأمة يتكالب عليها القريب والبعيد، والأمة تحترق، وأنتم تمتحنون الناس بالجزئيات، وتفرقونهم بالفروع؟ ! إننا نريد أن نُوَحِّدَ الأمة .. إننا نريد أن نُسْقِطَ الطواغيت .. وأنتم ما زلتم على الكتب الصفراء! ! الدولة أولًا .. أم أين الله؟ قال لي: ما زلتم تمتحنون الناس، وتفرقون المسلمين. قلت: بأيِّ شيء؟

стр. 62

قال: بـ ((أين الله؟ )) قلت: أليس هذا سؤالًا سأله سيدنا، وحبيبنا، وإمامنا، وزعيمكم، وزعيمنا -على تعبير بعض إخواننا- وَمَنْ أُمِرْنَا باتِّبَاعِهِ؟ قال: باختصار، أيُّ شيء يضرنا في قيام الدولة الإسلامية إِنْ كان الله فوق أو تحت؟ ! المهم قيام الدولة ... فَبُهِتُّ ... ثم قلت: وأي شيء يضرنا إن كان لله ولد، أو ليس له ولد؟ ! المهم قيام الدولة. فَبُهِتَ ... وانصرفنا ... وبعد فترة من الزمن لَقِيتُهُ .. فقلت له: لَمْ تخبرني عن عقيدتك في العرش، أهو في السماء، أم في الأرض؟ قال: بل في السماء. قلت: العرش خالق أم مخلوق؟ قال غاضبًا: سبحان الله، إني مُسْلِمٌ .. العرش مخلوق ... قلت: هل الخالق فوق المخلوق، أم المخلوق فوق الخالق؟ فَبُهِتَ .. وانصرف ... وحتى نجيب عن تلك التساؤلات، نبين النقطة الثانية، وهي: ما هو التوحيد ؟ ليس التوحيد كلمة تُقَالُ، ولا شهادة -بلا معنى- تُرَدَّدُ، ولا عقيدة ساكنة في الصدر تُعْتَقَدُ، ولا عاطفة إيمانية تلتهب، ولا جزئيات تُبحث، أو خلافات في الفروع تُثار. إنه الإيمان بالله وحده، والخضوع له، والتسليم بأخباره، والعمل

стр. 63

بأحكامه، وتحكيم شرعه، والتصديق بأنبيائه، والإيمان بصفاته وأفعاله التي أخبر بها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، إثباتًا من غير تشبيه، وتنزيهًا من غير تعطيل. وإن الذين لا تعنيهم أسماء الله وصفاته، لم يفهموا التوحيد، ولم يدركوا الإسلام، ولم يتدبروا القرآن، إذ ما من سورة، بل ما من صفحة من كتاب الله إلا وفيها ذِكْرٌ لأسماء الله وصفاته، ودعوة للإيمان بها، والعمل بمقتضاها. صور من الكفر المَنْسي: ألم يكفر النصارى لأنهم وصفوا الله بما لم يصف به نفسه، أو رسله؟ ألم يكفر اليهود لأنهم وصفوا الله بما لم يصف به نفسه أو رسله؟ قال سَيِّدٌ: ((وكذلك حكى القرآن الكثير عن انحرافهم، وسوء تصورهم لله سبحانه، وشركهم، ووثنيتهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤])) (١). فهذا حُكْمُ من اعتقد أن لله يدًا، ولكنها مغلولة .. فما حكم الذين قالوا يَدُ الله معدومة؟ ! أليس مِنْ كُفْرِ قريش أن جعلوا له ما لم يجعل لنفسه سبحانه:

стр. 64

﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ (١) وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]؟ فَمَنْ أَظْلَمُ طَرِيقًا: آلذين جعلوا البحيرة والحامي؟ ! أم الذين جَرَّدُوا الله من صفاته وأفعاله، وجعلوه بلا وجه، ولا يد، ولا كلام، ولا فعال، بل جعله بعض الطوائف بلا سمع، ولا بصر، ولا حكمة، ولا نظر، فتعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، ومع هذا كله نتمطى ونقول: هل هذه قضايا حتى تُثار؟ وهل هذه مسائل تستحق البحث والمناقشة؟ ويا تُرى! ! هل إعلام الناس عن أخبار زوجة الحاكم الفلاني قضية تستحق الإثارة؟ ! ! وهل سرقة الحاكم الفلاني قضية تستحق البحث؟ ! ! وهل تقبيل الرئيس الفلاني لزوجة الرئيس الفلاني خَبَرٌ يستحق النشر بين

стр. 65

المسلمين؟ ! وهل هو أَوْلَى من تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وهل تسمية الكفار للملائكة بأسماء الأنثى قضية حتى يذكرها الله في القرآن الكريم؟ ! ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢٧]. وهل ... وهل ... ؟ ! وإن لم تكن صفات الله سبحانه تستحقُّ الإيمانَ والذكرَ، فلا بارك الله في إيمان بعدها. قال ﷺ : ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مَنْ أحصاها دخل الجنة)) (١). فما بال قوم يُعْرِضُونَ عن أسماء الله وصفاته سبحانه؟ ! أَوَمَا علموا أن الإعراضَ عن ذلك إعراضٌ عن الجنة؟ (( ... من أحصاها دخل الجنة)). التوحيد الخالص والنَّقي: إن التوحيد الخالص هو فهم توحيد الربوبية، واليقين به، وإدراك توحيد الألوهية، والتزامه، والإيمان بصفات الله على ما وصف وأخبر، وعندئذ تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

стр. 66

إن التوحيد النقي هو الالتزام بلوازم كلمة (لا إله إلا الله)، من حُبٍّ لله تعالى، وتحكيمه، وَحُبٍّ لرسول الله ﷺ ، وهديه، والسير عليه، وَحُبٍّ لصحبه، وأتباعه، والمؤمنين جميعًا، ونصرة دينه، والمؤمنين. والبراء من الشرك وأهله، وكراهيتهم، ومعاداتهم. وكما أن للوضوء نواقضَ، وللصلاة وللحج مبطلات، فكذلك للتوحيد نواقض، وإن من نواقضه كراهيةَ بعض ما نَزَّلَ الله، وَبُغْضَ المؤمنين؛ لإيمانهم، وخذلانهم، وولاء الكافرين ومناصرتهم، وحب دينهم. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]. وذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي -رحمه الله تعالى- في رسالته ((نواقض الإسلام)): ((الناقض العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه، ولا يعمل به)) ... ثم ذكر الأدلة على ذلك. واعلم أن من مذهب السلف الصالح أن الإيمان يقين، وقول، وعمل، ويزيد بالطاعات -أيّ طاعة- وينقص بالمعاصي -أيّ معصية-.

стр. 67

نقطتان مهمتان: إننا نناشد إخواننا أن يَعُوا معنا نقطتين اثنتين: الأولى: أن معظم المسلمين المعاصرين لا يفهمون معنى لا إله إلا الله على حقيقتها، بل معظمهم يفهمها على معنى توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رَبُّ كل شيء ومليكه، كما كان عُبَّادُ الأصنام مُقِرِّينَ بذلك، وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن -من محبة الله، والخضوع له، والذل له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال، والأعمال، والمنع، والعطاء، والحب، والبغض- ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها، وَمَنْ عَرَفَ هذا عَرَفَ قَوْلَ النبي ﷺ : "إن الله حَرَّمَ على النار مَنْ قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"، وقوله: "لا يدخل النار من قال: لا إله إلا الله")) (١). وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:

стр. 68

((إن مشركي زماننا أغلظُ شركًا من الْأَوَّلِينَ؛ لأن الْأَوَّلِينَ يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائمًا في الرخاء والشدة)) (١). الثانية: أن مسلمي زماننا لو فهموا لا إله إلا الله لا يعملون بمقتضاها. فإن كفار قريش كانوا يفهمون معنى لا إله إلا الله، ويدركون مقتضاها؛ ولذلك لم ينطقوا بها؛ لأنهم يعلمون لوازمها. وأما معظم أهل زماننا فلا يعلمون معناها، ولو علموا معناها لم يعلموا مقتضاها ولوازمها، ولم يدركوا نواقضها، وَإِنْ هُمْ علموا مقتضاها ونواقضها لم يعملوا بها، بل هم قائمون على مخالفتها، لا يدينون بولاء، ولا يعرفون براء، يُبَاعُونَ بالدرهم والدينار، وَيُشْتَرَوْنَ بالخبز والإسكان. ((نحن اليوم نعيش في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام (٢)، أو أظلم، كُلُّ ما حولنا جاهلية، تصورات الناس، وعقائدهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وموارد ثقافتهم، وفنونهم، وآدابهم، وشرائعهم، وقوانينهم، حتى الكثير مما نسميه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرًا

стр. 69

إسلاميًّا، هو كذلك من صُنْعِ الجاهلية)) (١). ﵀ .. ما أصدقه من شاهد! وإذا عُلم هذا من حال الناس ... فكيف ينشأ بمثل هؤلاء مجتمع إسلامي؟ ! وكيف يُقام بمثلهم دولة؟ ! وكيف يُجاهد بمثل هؤلاء؟ ! أَمَا آن لنا أن ندرك أن العاطفة الجياشة، والحماسة الانفعالية المؤقتة، لا تُرَبِّي جيلًا، ولا تؤتي ثمرًا، وبالتالي لا تنشئ مجتمعًا، ولا تبني دولة!

стр. 70

إن التوحيد الذي يجب أن ندعو إليه هو: ((أن يُعبد الله وحده، لا يُشرك به شيء، وعلى أن يعبد بما شرعه على لسان نبيه ﷺ ، وهذان هما حقيقة قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فالإله: الذي تألهه القلوب عبادة، واستعانة، ومحبة، وتعظيمًا، وخوفًا، ورجاءً، وإجلالًا، وإكرامًا، والله له حق لا يشركه فيه غيره، فلا يُعبد إلا الله، ولا يُدْعَى إلا الله، ولا يُخاف إلا الله، ولا يُطاع إلا الله)) (١). وبالتالي فإن ثمرة التوحيد: ((إسلام العباد لرب العباد، وإخراجهم من سلطان العباد في حاكميتهم، وشرائعهم، وقيمهم، وتقاليدهم، إلى سلطان الله، وحاكميته، وشريعته وحده، في كل شأن من شئون الحياة)) (٢). هذا هو التوحيد الذي ندعو إليه، وهذا هو التوحيد الذي يجب أن يُبدأ به، وهذا هو الذي يجب أن يُرَبَّى الناسُ عليه. وعلى هذا؛ فليتق الله أولئك الذين يتهمون دعاة التوحيد بغير علم، ولا تَرَيُّثٍ، وليعلموا أن الأمر لا يُؤْخَذُ من تَصَرُّفِ فَرْدٍ، أو خطأ آخر. أثر التوحيد: ولا يخفى على عاقل ما لهذا التوحيد الخالص الذي ندعو إليه من أثر في تربية الناس، وتنشئتهم.

стр. 71

فإن هذا التوحيد إذا وَلَجَ في القلب، واستقر في النفس، قَنَتَ له العبد بما فيه لله، فسلَّم العقل، وخضعت الجوارح، وذلت النفس، وصلحت سائر الأعضاء: ((ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) (١). قال ابن القيم ﵀: ((فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها، فعرف حقيقتها الإلهية التي يثبتها قلبه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفى تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله، وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية، طائعة سالكة سبيل ربها ذللًا، غير ناكبة عنها، ولا باغية سواها بدلًا، كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلًا، فلا ريب أن هذه الكلمة، من هذا القلب، على هذا اللسان، لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت ... وشهادة أن لا إله إلا الله تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة ... ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حَقَّ رعايتها)) (٢).

стр. 72

وقال سيد ﵀: ((إن الاعتقاد بالألوهية الواحدة قاعدة لمنهج حياة متكامل، وليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمائر، وحدود العقيدة أبعد كثيرًا من مجرد الاعتقاد الساكن. إن حدود الاعتقاد تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة)) (١).

стр. 73

وقال: ((والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام على مدار التاريخ البشري هي قاعدة (شهادة أن لا إله إلا الله)، أي: إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية [ووصفه بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، إثباتًا وتنزيهًا] (١) والقوامة، والسلطان، والحاكمية، إفراده بها اعتقادًا في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة)) (٢). ولا يلزم من هذا ألبتة تكفير الناس، وإنما يعني بُعد الناس عن حقيقة التوحيد. قال سيد: ((إننا لم نُكَفِّرِ الناسَ، وهذا نَقْلٌ مشوّه، إنما نحن نقول: إنهم صاروا من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة، وعدم تصور مدلولها الصحيح، والبعد عن الحياة الإسلامية، إلى حال تشبه حال المجتمعات الجاهلية، وأنه مِنْ أَجْلِ هذا لا تكون نقطة البدء في الحركة هي قضية إقامة النظام الإسلامي، ولكن تكون إعادة زرع العقيدة، والتربية الأخلاقية الإسلامية، فالمسألة تتعلق بمنهج الحركة الإسلامية أكثر ما تتعلق بالحكم على الناس)) (٣). والمستبصر بواقع المسلمين يجد أن معظمهم ما يزالون يجهلون حقيقة التوحيد .. يعانون من نقص حاد في التربية الإيمانية، والخلقية، والجهادية، وإن

стр. 74

مِثْلَ هؤلاء يَفِرُّونَ لأول صيحة، ويباعون في أول عرض. وأن مقوّم ردِّهم إلى دينهم هو: التربية بالتوحيد على المعنى الذي ذكرنا. قال سيد ﵀: ((التوحيد هو المقام الأول للتصور الإسلامي، وهو الْمُقَوِّمُ الأول في دين الله)) (١). وفي ختام هذا الفصل نحب أن نَلْفِتَ النظر إلى أن التوحيد الخالص هو ما كان مصدره من الكتاب والسنة، من غير خلط بفلسفة يونانية، وأكاذيب إسرائيلية، وخرافات صوفية، وآراء عصرية، وعلم كلام مستورد ... أفسد على الناس فِطَرَهُمْ، وشوش على العباد عقائدهم، وأفسد عليهم فَهْمَهُمْ للنبع الصافي، نبع الكتاب والسنة، وَحَّق قول الله فينا: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].

стр. 75

زُبْدَةُ الْكَلَامِ: هل هذه الجماهير المسلمة التي تلهث وراء بعض الجماعات، أو تلهث بعض الجماعات وراءها، هل تَرَبَّتْ على التوحيد الذي أراده الله! أم هي غثاء كغثاء السيل؟ هل هذه الجماهير المسلمة التي تَفِرُّ عند تلويح العصا .. هل هي جماهير تَرَبَّتْ على الصبر والابتلاء؟ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]. هل هذه الجماهير المسلمة التي تُباع وتُشترى بالدرهم والدينار .. هل تَرَبَّتْ على الولاء والبراء لله ولرسوله وللمؤمنين؟ أم صَدَقَ فيها قول الحبيب ﷺ : ((تَعِسَ عَبْدُ الدرهم، تعس عبد الدينار)) (١)؟ هل هذه الجماهير التي تقف أحيانًا لانتخاب من هب ودب، أو للوقوف في وجه الشريعة وأحكامها .. هل هي جماهير فَهِمَتْ لا إله إلا الله نفيًا وإثباتًا، إيمانًا وعملًا؟ ! أم هي كالببغاء تردد ما لا تفهم .. وكالحمار يحمل أسفارًا؟ ! هل هذه الجماهير حَقَّقَتْ شَرْطَ التمكين في قوله تعالى: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]. هل حققت شرط الله، فخافت مقامه، وخافت وعيده، حتى يحقق لها الله ما وعدها به من الإسكان؟ ! هل هذه الجماهير التي نَعْقِدُ عليها الآمال .. ونتطلع
следующие страницы →