← Общие книги

Общие книги · id 147090

التيه والمخرج

عدنان العرعور

Полный текст (92 стр.). Показаны 71–92 · переход к 76.

стр. 71

فإن هذا التوحيد إذا وَلَجَ في القلب، واستقر في النفس، قَنَتَ له العبد بما فيه لله، فسلَّم العقل، وخضعت الجوارح، وذلت النفس، وصلحت سائر الأعضاء: ((ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) (١). قال ابن القيم ﵀: ((فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها، فعرف حقيقتها الإلهية التي يثبتها قلبه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفى تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله، وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية، طائعة سالكة سبيل ربها ذللًا، غير ناكبة عنها، ولا باغية سواها بدلًا، كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلًا، فلا ريب أن هذه الكلمة، من هذا القلب، على هذا اللسان، لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت ... وشهادة أن لا إله إلا الله تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة ... ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حَقَّ رعايتها)) (٢).

стр. 72

وقال سيد ﵀: ((إن الاعتقاد بالألوهية الواحدة قاعدة لمنهج حياة متكامل، وليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمائر، وحدود العقيدة أبعد كثيرًا من مجرد الاعتقاد الساكن. إن حدود الاعتقاد تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة)) (١).

стр. 73

وقال: ((والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام على مدار التاريخ البشري هي قاعدة (شهادة أن لا إله إلا الله)، أي: إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية [ووصفه بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، إثباتًا وتنزيهًا] (١) والقوامة، والسلطان، والحاكمية، إفراده بها اعتقادًا في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة)) (٢). ولا يلزم من هذا ألبتة تكفير الناس، وإنما يعني بُعد الناس عن حقيقة التوحيد. قال سيد: ((إننا لم نُكَفِّرِ الناسَ، وهذا نَقْلٌ مشوّه، إنما نحن نقول: إنهم صاروا من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة، وعدم تصور مدلولها الصحيح، والبعد عن الحياة الإسلامية، إلى حال تشبه حال المجتمعات الجاهلية، وأنه مِنْ أَجْلِ هذا لا تكون نقطة البدء في الحركة هي قضية إقامة النظام الإسلامي، ولكن تكون إعادة زرع العقيدة، والتربية الأخلاقية الإسلامية، فالمسألة تتعلق بمنهج الحركة الإسلامية أكثر ما تتعلق بالحكم على الناس)) (٣). والمستبصر بواقع المسلمين يجد أن معظمهم ما يزالون يجهلون حقيقة التوحيد .. يعانون من نقص حاد في التربية الإيمانية، والخلقية، والجهادية، وإن

стр. 74

مِثْلَ هؤلاء يَفِرُّونَ لأول صيحة، ويباعون في أول عرض. وأن مقوّم ردِّهم إلى دينهم هو: التربية بالتوحيد على المعنى الذي ذكرنا. قال سيد ﵀: ((التوحيد هو المقام الأول للتصور الإسلامي، وهو الْمُقَوِّمُ الأول في دين الله)) (١). وفي ختام هذا الفصل نحب أن نَلْفِتَ النظر إلى أن التوحيد الخالص هو ما كان مصدره من الكتاب والسنة، من غير خلط بفلسفة يونانية، وأكاذيب إسرائيلية، وخرافات صوفية، وآراء عصرية، وعلم كلام مستورد ... أفسد على الناس فِطَرَهُمْ، وشوش على العباد عقائدهم، وأفسد عليهم فَهْمَهُمْ للنبع الصافي، نبع الكتاب والسنة، وَحَّق قول الله فينا: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].

стр. 75

زُبْدَةُ الْكَلَامِ: هل هذه الجماهير المسلمة التي تلهث وراء بعض الجماعات، أو تلهث بعض الجماعات وراءها، هل تَرَبَّتْ على التوحيد الذي أراده الله! أم هي غثاء كغثاء السيل؟ هل هذه الجماهير المسلمة التي تَفِرُّ عند تلويح العصا .. هل هي جماهير تَرَبَّتْ على الصبر والابتلاء؟ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]. هل هذه الجماهير المسلمة التي تُباع وتُشترى بالدرهم والدينار .. هل تَرَبَّتْ على الولاء والبراء لله ولرسوله وللمؤمنين؟ أم صَدَقَ فيها قول الحبيب ﷺ : ((تَعِسَ عَبْدُ الدرهم، تعس عبد الدينار)) (١)؟ هل هذه الجماهير التي تقف أحيانًا لانتخاب من هب ودب، أو للوقوف في وجه الشريعة وأحكامها .. هل هي جماهير فَهِمَتْ لا إله إلا الله نفيًا وإثباتًا، إيمانًا وعملًا؟ ! أم هي كالببغاء تردد ما لا تفهم .. وكالحمار يحمل أسفارًا؟ ! هل هذه الجماهير حَقَّقَتْ شَرْطَ التمكين في قوله تعالى: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]. هل حققت شرط الله، فخافت مقامه، وخافت وعيده، حتى يحقق لها الله ما وعدها به من الإسكان؟ ! هل هذه الجماهير التي نَعْقِدُ عليها الآمال .. ونتطلع

стр. 76

بها نحو الآفاق .. هل هي جماهير أُوذِيَتْ في الله فصبرت، وامْتُحِنَتْ بالتقوى ففازت؟ ! ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] .. أم هي جماهير تلهث وراء دنياها، وتبحث عن لقمة عيشها؟ ! ! والخلاصة: إن الواجبَ الدعوةُ إلى التوحيد أولًا، وبمفهومه الصحيح، الواسع، الشامل. وجهاد بلا توحيد .. كسراب بقيعة. وعبادة بلا توحيد .. كجسد بلا روح. ودعوة بلا توحيد .. كشجر بلا ثمر. ولا خير في صلاة ولا عبادة بلا توحيد ... ولا خير في دعوة وجهاد بلا توحيد ... وما خُلقنا، ولا بُعثت الأنبياء، ولا نُزِّلَتِ الكتب، ولا أُمرنا بالصلاة، ولا بأداء الزكاة، ولا بحج البيت، ولا بالجهاد، ولا بقتال أعداء الله، ولا بإقامة شرع الله على الأرض، إلا للتوحيد، وبالتوحيد، وفي التوحيد. فكيف نفعل ما نفعل .. ونقوم بما نقوم به، ونحن إِمَّا لا نعرف التوحيد حَقَّ معرفته، وَإِمَّا لا ندعو إليه، ولا نُوَفِّيهِ حقه؟ ! والله يقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. ومن لم يتعظ بالشرع .. لم يتعظ بالواقع. والله من وراء القصد، وإليه المصير.

стр. 77

الأخلاق مع التوحيد إن التمسك بالأخلاق مع التوحيد أَمْرٌ لا مَنْدُوحَةَ فيه، وقضية لا بد منها؛ وذلك لأمرين: الأول: أن حسن الخلق بمثابة العصب في الجسم، يربط بين الإخوان برباط وثيق من الأخوة، والمحبة، والتسامح، والصفاء، التي هي عناصر مهمة وعظيمة، لا غنى عنها في بناء الصف الإسلامي، وإنشاء المجتمع الإيماني. الثاني: أن فقدان الأخلاق الإسلامية في صفوف المسلمين جَرَّتْ عليهم الويلات، وَسَبَّبَتْ لهم كثيرًا من الخلافات والانشقاقات. وإذا كان كثير من الدعاة قد أدركوا ما للتوحيد من أهمية بالغة في البناء والتربية، وأنه لا يحل أن يسبقه شيء من جهاد، أو سياسة، أو غير ذلك، لكنهم ما يزالون يعانون من نقص حاد في التربية الأخلاقية .. الأمر الذي نَجَمَ عنه ثغرات كبيرة في العمل الإسلامي، وشروخ عميقة في الميدان الجهادي، صَدَّعَتْ الجماعات الإسلامية، وأوهت قواها، بل وَشَتَّتَتْ شَمْلَهَا .. ولهذا تجرع العاملون للإسلام مرارةَ إهمالهم للتربية الخلقية، فحصدوا التفرق والشتات، وجنوا البغضاءَ، والْمُهَاتَرَاتِ (١)، وشماتة الأعداء، فكان الفشل

стр. 78

قطافهم، مما هو ثمرة أكيدة من ثمرات ((سوء الخلاق)). ومن تَتَبَّعَ أسباب الانشقاقات التي حصلت في الجماعات، يَجِدُ معظمها أسبابًا أخلاقية .. لا عقدية، ولا منهجية. التوحيد والأخلاق متواكبان: ولذلك واكب دعوةَ رسول الله ﷺ للتوحيد حسنُ خلقه، إن لم نَقُلْ: إن حُسْنَ الخلق عند رسول الله ﷺ قد سَبَقَ الوحي، ودعوة الناس للتوحيد، كما دَلَّ قول خديجة ﵂ للنبي ﷺ عند نزول الوحي عليه، وخوفه منه: ((كلَّا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الْكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وَتُعِينُ على نوائب الحق)) (١). وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ولذلك نلاحظ عناية الإسلام منذ اللحظة الأولى بالأخلاق، فلم تقتصر الدعوة في العهد المكي على التوحيد فحسب، بل كانت الآيات تطالب المسلمين بالأخلاق الفاضلة، بعد بيان ما عليهم من التوحيد والإيمان. قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ [الضحى: ٩ - ١٠]. وقال سبحانه: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ [الماعون: ٢ - ٣]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٢ - ١٦].

стр. 79

وهذه كلها آيات مكية، تَحُثُّ على مكارم الأخلاق، وحسن المعاملة؛ ولذلك لم يبعثه الله تعالى إلا بعد أن سَمَّتْهُ قريشٌ: ((الصادق الأمين)). وفي حديث أبي سفيان مع هرقل دلالة على هذا أيضًا: قال هرقل: فبماذا يأمركم؟ قال أبو سفيان: يأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، وينهانا عَمَّا كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة ... الحديث (١). ففيه أن أبا سفيان -وهو كافر يومئذ- كان يفهم أن أول ما بدأ به الرسول ﷺ في دعوته: التوحيد، والأخلاق، وبعض العبادات. وهذا كله كان قبل التكلم عن النظام، والتشريع، والحكم، والسياسة، والجهاد، والخروج، وَلَكِنْ قليلًا ما نتذكر. وقال ﷺ : ((خصلتان لا تجتمعان في منافق: حُسْنُ سَمْتٍ، ولا فِقْهٌ في الدين)) (٢). قال سيد: ((لا تكون نقطة البدء في الحركة هي قضية إقامة النظام الإسلامي، ولكن تكون إعادة زرع العقيدة، والتربية الأخلاقية الإسلامية)) (٣). الخطأ الفاحش: إننا نخطئ خطأً فاحشًا عندما نعتقد أن دعوة تقوم بعقيدة دون أخلاق ...

стр. 80

وإن هذا الخطأ يتفاقم عندما نظن أن جماعة تتمكن بأخلاق دون عقيدة. إن توحيدًا بلا أخلاق يعني: فردية، وجفاء، وفظاظة، وانفضاضًا، ثم فشلًا ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وإن أخلاقًا بلا توحيد ... يعني: ورودًا مقطوفة، تَسُرُّ أَعْيُنَ الناظرين، ولكن سرعان ما تذبل وتموت. وإن توحيدًا بلا أخلاق يعني: وردًا فيه شَوْكٌ مؤلم. وإن مما ينبغي إدراكه أن للإخلاق الإسلامية تأثيرًا بالغًا في الدعوة لا يَقِلُّ أهمية عن تأثير التوحيد ... فقد دعا رسول الله ﷺ ثلاثة عشر عامًا في مكة، فَلَمْ يُسْلِمْ على يديه سوى النزر اليسير .. ولَمَّا عفا عنهم في فتح مكة، وظهر لهم من حُسْنِ خلقه ﷺ ما لم يكونوا يتوقعونه ... مع أن القوة -يومئذ- بيده .. أسلم لذلك خَلْقٌ كثير. لقد آن للدعاة أن يدركوا هذه القضية، فيلتزموا الأخلاق الحميدة، ويدعوا إليها. فقدان المعاني: إن من أهم ما يلفت النظر في هذه القضية البالغة الأهمية أن كثيرًا من المسلمين لم يفقدوا الأخلاق فحسب، بل وفقدوا معها معناها كذلك، إلا مَنْ رَحِمَ الله تعالى، فإنك إذا ما أردتَ أت تصلح بين اثنين، فقلتَ لأحدهما: سامح أخاك .. أجابك على الفور: إنه أخطأ معي، إنه ظلمني، فكيف

стр. 81

أسامحه؟ ! وعندئذ تعتري العاقلَ الحَيْرَةُ، وتتملكه الدهشة، أليست المسامحة إنما وُجِدَتْ دواء لخطأ الآخرين؟ ! وأن المسامحة والتسامح لا تُطْلَبُ من فراغ؟ ! إنما يعني التسامح: خطأ، وظلمًا من طرف .. وغفرانًا، وعفوًا من الطرف الآخر .. فهذه المعادلة المتبادلة هي التي تُسَمَّى: تسامحًا، ومع ذلك يُصِرُّ كثير من المسلمين على عدم إدراك هذا المعنى، والإعراض عن تطبيقه.

стр. 82

كيف تتكون الأخلاق الحسنة ؟ ! يتكون حسن الخلق من عوامل كثيرة، أهمها: اليقين بالتوحيد، وكثرة الطاعات: إن المؤمن إذا استيقن بالله وصفاته، وأنه يرى، ويسمع، ويحاسب، ويجازي، ظهر أثر هذا اليقين على جوارحه، فازداد طاعة، وَقُرْبًا من الله، فيزداد الله قربًا منه، حتى يحفظ عليه خُلُقَهُ، ولسانه، وجوارحه. ففي الحديث القدسي: (( ... وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إِلَيَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُه، كنتُ سَمْعَهُ الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ... )) (١) الحديث. الصدق والإخلاص: إن الصدق مع الله تعالى ومع الناس يُورِثُ ضبطَ اللسان وصدقه، وطيب الكلام وعذوبته:

стр. 83

((الكلمة الطيبة صدقة)) (١). والإخلاص لله وحده، واليقين بما عنده من الأجر، يورث العفو عن اعتداء الآخرين وظلمهم، ومسامحته لهم، وعفوه عنهم. ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. القدوة: إن للقدوة أثرًا قويًّا وبالغًا -مباشرًا، وغير مباشر- في توجيه خُلُقِ المرء. ولذلك كان أصحاب الأنبياء وحواريوهم خيرَ الناس، وأفضلَهم؛ لتأثرهم بقدوتهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولا أدلَّ على ذلك من البيت الذي يكون فيه الأبوان متنازعين، فينشأ الأطفال متنازعين، حتى تجد الأخ ينازع أخاه في أتفه الأشياء .. وعلى العكس من ذلك، إذا كان الأبوان متفاهمين، متطاوعين، نشأ الأولاد كذلك. وإذا كان الشيخ أو المدرس عَبُوسًا ... نشأ الطلاب كذلك. وإذا كان الشيخ أو المدرس لطيفًا بشوشًا ... نشأ الطلاب كذلك. وإذا كانت القدوة من أب، أو مدرس، أو شيخ، كثيرَ المراء، سيئ الأخلاق ... نشأ معظم الأتباع كذلك. والقدوة التي تهتم بالدليل، والبرهان، والنقاش الهادف .. تجد معظم أتباعهم كذلك.

стр. 84

والقدوة التي تَتَبَنَّى الخرافة، والتعصب، والتقليد ... تجد معظم المقتدين بهم كذلك. ولهذا؛ فعلى العلماء والدعاة أن يكونوا على قَدْرٍ كبير من حُسْنِ الخلق، وأن يدركوا أن الناس يقتدون بهم، ويتأثرون بتصرفاتهم مع الناس، ومع بعضهم. وكلما استطاع العلماء والدعاة أن يُحَسِّنُوا خلقهم، وأن يطيبوا كلامهم، كان في ذلك خير عظيم على شباب هذه الصحوة .. كما أن تصنُّع الأخلاق الحسنة مطلوب عند فَقْدِهِ. التوجيه والتربية: للتوجيه والتربية أثر لا يُنْكَرُ في أخلاق الناس، وتصرفاتهم، إِنْ خيرًا فخير، وَإِنْ شرًّا فشر ... فالْمُرَبِّي الذي يؤكد على حسن الخلق، ويوجه أتباعه إلى ذلك، تلحظ أثرَ هذا في سلوكهم، ومعاملتهم، والعكس صحيح. قال ﷺ : ((إنما العلم بالتعلم، وإنما الْحِلْمُ بالتحلم ... )) (١). ومقتضاه: والْخُلُقُ بالتخلق. وينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عَوَّدَهُ أبوه ولذلك كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يذكر حسنَ الخلق، ومنزلته عند الله، وعند الناس.

стр. 85

البيئة: المقصود بالبيئة: ما يحيط المرءَ من الأحوال، والظروف، والناس؛ كالبيت، والمدرسة، والمسجد، والمجتمع. ولا أدلَّ على تأثير البيئة في أخلاق الناس مما نلاحظه من تفاوت الأخلاق بين الشعوب، فتجد هذا الشعب هادئًا، وتجد ذلك الشعب كريمًا، وتلحظ شعبًا آخر عجولًا، والحكم للعموم. وأشار إلى ذلك ﷺ بقوله: ((تَحَوَّلُوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة)) (١). وقال ﷺ : ((السكينةُ في أهل الْغَنَمِ، والفخرُ والرياءُ في الْفَدَّادِينَ، أهلِ الخيل، وأهلِ الْوَبَرِ)) (٢). وفي حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين رجلًا، ثم أكملهم مائة، قال له العالم: ((ارحل من أرضك؛ فإنها أرض سوء)) (٣). الفطرة والهداية: وربما تجد أُنَاسًا رغم تلك المؤثرات جميعًا من توحيد، وشريعة، وبيئة، وقدوة، تجدهم قد خالفوا ذلك جميعًا، وشذُّوا عنها، إن خيرًا فشر، وإن شرًّا فخير .. فأما الأول: فتقدير من الله بكسب العبد .. وأما الآخر: ففضل الله يؤتيه من يشاء، ولذلك كان ﵊ يقول: ((اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، إنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت)) (٤).

стр. 86

وأخيرًا: المناصحة، والمتابعة: إن من أكبر أسباب تحسين الخلق: المناصحةَ، والمتابعةَ. وأعني بذلك: متابعة بعضنا بعضًا، في ألفاظنا، وتصرفاتنا، وهفواتنا، وأعمالنا، ثم تقديم نُصْحِ بعضنا لبعض، بالحكمة، والرفق، فإذا صدر من بعضنا خطأ خلقي، سارع الأخ إلى أخيه في خلوة وابتسامة، مذكرًا إياه بالخلق الحسن، وناصحًا له بالطريق الأمثل، فيتتابع النصح، ويتلقى المنصوح ذلك بقبول حسن، حتى يفتح الله لنا في مجتمع يسوده الوئام، ويعلوه حسن الخلق. فرق ما بيننا وما بين سلفنا: وهذا هو فرق ما بيننا وبين السلف -رضوان الله عليهم- وهو ممارسة ذلك على ساحة الواقع، بتبادل النصح وقبوله. ألا ترى تلك الثلة الطيبة الطاهرة التي تخرجت [في] مدرسة النبوة، كيف كانوا يتبادلون النصح، ويتواصون بالعمل به، حتى أصبح كل واحد منهم أمة في سلوكه، إمامًا في أخلاقه، رغم تفاوتهم في العلم والمعرفة؟ إن أصحاب النبي ﷺ لم يكونوا أنبياء لا يحصل فيهم خلاف، ولا يحدث بينهم نزاع، بل كان كل ذلك يحصل، ولكنهم كانوا سريعي المسامحة، سريعي الاستجابة لله ورسوله ﷺ ، شعارهم في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠١].

стр. 87

وأما أهل زماننا ... وما أدراك ما أهل زماننا! ! فترى معظم المسلمين -وربما يكون بعضهم من المشايخ، والدعاة، والمتدينين- سيماهم العبوس، وخلقهم التكبر والاحتقار، وشيمتهم الفظاظة وسوء الخلق، وخليقتهم التعنت وسوء الظن. ويا ويل من ابتسم في درسه، أو ألقى دعابة في حلقته، أو راجعه في حكم، أو ناقشه في فتوى وعلم ... وكأن ديننا دين العبوس، والتكبر على الخلق! ! ولقد شهدت بعض المجالس التي يُطْرَدُ منها الشاب اللطيف لمجرد مراجعة أبداها، أو ابتسامة أظهرها، أو فكاهة ألقاها. فصلى الله وسلم على أسوتنا، وحبيبنا، وسيدنا، القائل: ((إنما أنا رحمة مهداة)) (١). وقال ﷺ : ((إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)) (٢). وقال ﷺ : ((إنما بعثني الله مبلغًا، ولم يبعثني مُتَعَنِّتًا)) (٣). فبأبي وأمي وروحي أنت .. ما أحسنك معلمًا! وما أروعك مُرَبِّيًا! صلى الله وسلم عليك ما رحم راحم، وتعنت متعنت.

стр. 88

ما هي الأخلاق الحسنة ؟ وأما الأخلاق الحسنة فهي: كَفُّ الأذى، وبذل الندى، وتَحَمُّل الأذى. وطلاقة الوجه، ولين القلب، وطيب الكلام. ودفع السيئة بالحسنة، وحسن الظن، وترك التلاوم. وإدامة الصمت إلا في الحق ... والعدل في الغضب والرضا. والإعراض عن الجاهلين، والترفع عن سفاسف المغرضين. واجتناب احتقار الناس وهمزهم ... وغض الطرف عن غمزهم ولمزهم. وإذلال النفس للإخوان، وإعزازها عمَّا حَرَّمَ الدَّيَّانُ .. وأن تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتصفح عمن أساء إليك. وأدلة ذلك ليست بمجهولة عند الناس، ولكن المجهول هو العمل، وممارسة ذلك على بساط الواقع.

стр. 89

وخلاصته: إرضاء الله، ثم إرضاء الخلق، في السراء والضراء، من غير سُخط الخالق. وما كان بضدها فهو من سوء الخلق، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. ومن المعوقات: الانتقام للنفس بدعوى أخذ الحق، وذلك بالتكبر عن العفو، أو برد السيئة بالسيئة، ومعاملة الناس بمثل معاملتهم ... والله الهادي إلى سواء الأخلاق.

стр. 90

فضل حسن الخلق عند الله وعند الناس أما فضل حسن الخلق عند الله تعالى فيتبين مما أعد الله لأصحابه من منزلة عظيمة عنده سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وقال ﷺ : ((أثقل شيء في الميزان الخلقُ الحسن)) (١). وقال ﷺ : ((إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجةَ القائم الصائم)) (٢). وقال ﷺ : ((إن أحبكم إِلَيَّ وأقربكم مني في الآخرة مجالس أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إِلَيَّ وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقًا)) (٣). وسئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدْخِلُ الناسَ الجنة، فقال:

стр. 91

((تقوى الله، وحسن الخلق)). وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: ((الفم والفرج)) (١). وقال ﵊: ((أفضل المؤمنين أحسنهم خلقًا)) (٢). فانظر -يا عبد الله- كم لحسن الخلق من أجر عظيم، وفضل كبير عند الله سبحانه، رغم أنه أقل الأعمال كلفة، وأيسرها مؤنة. ثمار حسن الخلق إننا إذا أدركنا السبيل إلى حسن الخلق، واستطعنا نقله إلى الممارسة العملية، والساحة الواقعية، وذلك بالتزامه، والتناصح الصادق فيه، حتى ينتشر بين الناس، فإذا انتشر، انتشر معه صفاء القلوب، وطيب الكلام، وبشاشة الوجوه، وصدق المعاملة. فَأَنْعِمْ -وقتئذ- بخير عَمِيم، ومجتمع كريم .. وَأَبْشِرْ -حينئذ- بحب صادق، وتعاون مثمر، وعندئذ يسود الوئام، وتسمو النفوس، وتعلو الهمم، وتنعدم المخاصمات، فيطيب العيش بينهم، ويسري التسامح والإخاء في معاملاتهم، فينقلب الخوف أمنًا، والريبة طمأنينة، والقلق استقرارًا، فيأمن الناس على أنفسهم، وأهليهم، وأموالهم، فخليق -بعد ذلك- هذا المجتمع بحفظ الله، وتأييده، ورعايته، وتمكينه؛ ولهذا كان الدين حسنَ الخلق.

стр. 92

قال ﷺ : ((إنما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صالحَ -وفي رواية: مكارم- الأخلاق)) (١). وأخيرًا: على الدعاة والمربين أن لا يهملوا: - مواكبة التوحيد بالخلق الحس، ن من حيث الأولوية في العملية التربوية، وذلك بالتوجيه والإرشاد. - أن يشعر هؤلاء المربون والدعاة أنهم أسوة، وأن أي تصرف منهم، أو عمل، أو كلمة، هو بمثابة توجيه وإرشاد، بل هو أقوى من التوجيه والإرشاد، وأشد منهما تأثيرًا. لأن الطالب يحاكي مربيه شاء أم أبى .. شَعُرَ بذلك أم لم يشعر. - إيجاد البيئة الطيبة، والصحبة الصالحة التي تساعد الناشئة على تحسين خلقهم، واستقامة أمرهم؛ لأن مجرد التعليم مع إهمال التربية، وعدم توفر البيئة الصالحة، لا يغني كثيرًا. ومتى استطعنا أن ننقل هذا من صفحات الكتب إلى ساحات الواقع، وأن نترجم هذا في ميدان العمل والدعوة، نَكُنْ من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، فاستحقوا الاستخلاف، واستحقوا التمكين. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، إنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بك.