بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
والصلاة والسلام على القائل: ((الدعاء هو العبادة)) (١).
أما بعد:
فهذا جزء في أحكام القنوت: قنوت الحاجة والنازلة، وقنوت الوتر، وقنوت رمضان.
ولقد دفعني إلى هذا البحث، إحياء السنة، وما رأيته من مخالفات كثير من المسلمين للسنة الصحيحة، إهمالاً لها، أو جهلاً بها، أو تعصباً لغيرها.
ولم ألتزم فيه مذهباً معيناً من المذاهب المتداولة، سوى ما صح في السنة وقام عليه الدليل، وثبت من عمل السلف رضوان الله عليهم، وهذا الذي أمر الله به.
стр. 2
قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].
ولقد أبى الله سبحانه إلا أن يكون في الناس، وفي معظم الأمور طرفان ووسط، فإما غال، وإما جاف، وقليل أولئك المتوسطون، جعلنا الله وإياكم منهم.
ومسألة القنوت لم تنج من هذا التطرف، فمن الناس من هو معرض عنها، جاف لا يعرفها، ولا يفعلها البتة، لا في نازلة، ولا في غيرها، الأمر الذي حرم الناس من العمل بالسنة، بل دفعهم إلى هجرانها.
ومنهم مغالٍ فيها يفعلها كل يوم، ممّا أوقع الناس في الابتداع، وذلك موجب التقليد، وأخذ بعض النصوص دون بعض، وكذلك مواقف الناس من الأئمة الأربعة وغيرهم -رضوان الله عليهم- فإما غال في بعضهم، يقدم أقوالهم على ما ثبت في الكتاب والسنة، وإما جاف عنهم، غامز بهم، معرض عما عندهم من الحق.
والمهتدي من هداه الله إلى العدل والوسط.
стр. 3
والعدل، والوسط، والصواب الذي أُمرنا به: هو اتباع الكتاب والسنة، هذا هو الأصل، أما أقوال الأئمة والمذهبية والتقليد فهي تبع لذلك، وليست أصلاً فيه، وهذا هو الفرق بين الاتباع المحمود، والتقليد المذموم.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
ويجب أن يكون هذا الاتباع على مسلك العلماء الأخيار من السلف الأبرار، وبخاصة الأئمة الأعلام.
وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وأن نكون غير متعصبين لأحد منهم، فلا معصوم إلا الرسول ﷺ ولا مستغنين عن علمهم وأصولهم، وأفهامهم، وقواعدهم، ومنهجهم.
стр. 4
((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)) (١).
فهم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، أنار الله بهم المحجة، وهدى الله بهم الأمة، وأمر بالاقتداء بهم، وبلزوم منهجهم، ولم يأذن بتقديم أقوالهم على كتابه وسنة رسوله ﷺ إذ لم يعصم أحداً منهم.
فمن استغني عنهم ضل، ومن عصمهم زل.
وليس المقصود عصمتهم بلسان المقال، فهذا لا يفعله إلا الضّلال، وإنما رد السنة بأقوالهم، هي عصمة عملية، وهي لا تقل مفسدة كثيراً عن أختها.
هذا؛ وقد عمدت إلى ذكر نص المسألة على الوجه الصواب، ثم أتبعتها بالأدلة، وتفصيل الآراء.
وقد قدمت بين يدي البحث شعاعين.
الأول: في أهمية الدعاء.
стр. 5
الثاني: في معنى الاتباع وأهميته.
ولم أشأ أن يكون بحثاً مفصلاً في كل مسألة، ولذلك لم أكثر من الروايات، بل اكتفيت بما يُكتفى به، ولا تتبعت من خالف السنة، وذلك حرصاً على عدم التطويل، والانشغال بالقال والقيل، عن إبراز السنة الصحيحة والعمل بها، ولكي يكون الكتاب قريباً من عامة المسلمين، ليحيوا هذه السنة التي ماتت، أو كادت، في كثير من بقاع المسلمين، فإن التطويل والدخول في الردود يَذْهَبُ ببهاء السنة، ويشغل عنها، ويدفع العامي للملل.
والمسلمون بأشدّ الحاجة إلى ردّهم إلى السنة، أكثر من حاجتهم إلى بحوث مفصّلة، تبقى لطبقة دون طبقة! ولعل من أسباب عزوف العامة عن السنة والاتباع، عدم وجود كتب تناسبهم، وهذا الذي دفعني في مؤلفاتي إلى الكتابة في مستوى شباب الصحوة، وعامة المسلمين، لكي ينتفعوا بما يكتب، بعيداً عن التطويل الممل، والردود المشغلة، والتعقيد في الأسلوب، والألفاظ الصعبة.
стр. 6
والله أسأل أن يوفقنا للسداد، وأن يلهمنا الصواب، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، وأن ينفع بها المسلمين، وأن يفقه المؤمنين بدينهم، وأن يمكن لهم في أرضهم، إنه أهل ذلك والقادر عليه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عدنان بن محمد العرعور
стр. 7
مباحث الكتاب
- الشعاع الأول:
الدعاء، والحكمة فيه، وأننا بحاجة إليه، حاجتنا للطعام والشراب.
- الشعاع الثاني:
الاتباع: معناه، وجوبه، لا نصر للإسلام إلا به.
- القنوت:
- معناه.
- مشروعية قنوت النازلة.
- عدد المرات التي قنت فيها رسول الله ﷺ .
- حكم قنوت النازلة.
- أدعيته.
- حكم رفع الأيدي والتأمين، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .
- متى يشرع القنوت؟ ومتى ينتهي؟
стр. 8
- محله في الصلاة.
- من يدعو ولمن يدعو.
- نص دعاء قنوت الوتر.
- نص دعاء قنوت النوازل.
- حكم قنوت الوتر.
- مباحث أخرى متفرقة.
стр. 9
الشعاع الأول
- أهمية الدعاء
الدعاء من أجل العبادات، وأعلاها، ومن أعظم الطاعات، وأزكاها؛ وذلك لما فيه من تحقيق العبودية لله وحده، وتلبية حاجة النفس البشرية، التي جبلت عليها.
لقد كان من أجل العبادات وأنفعها؛ لما فيه من تعظيم للخالق، وقنوت وخضوع له، وأن الأمر والخلق كله بيده، فهو الذي يرزق، وهو الذي يستر، وهو الذي يحيي، وهو الذي يميت، وهو الذي يجعل من كل همّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً.
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. [الطلاق: ٢]
стр. 10
والدعاء انشراح للصدور، واطمئنان للقلوب.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
والتوجه لله وحده بالدعاء هو التقوى، والإخلاص له به هو مخها.
لقد كان الدعاء من أجل الطاعات وأزكاها؛ لما فيه من إظهار حقيقة ضعف المخلوق تجاه خالقه، وإقرار العبد بعبوديته وافتقاره له.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
وفي الدعاء: تحقيق عبادة الشكر في السراء، والصبر في الضراء، والالتجاء إليه في البأساء، والتوبة من الذنوب، والالتجاء إلى علام الغيوب، الذي يعلم حقائق الأمور ومآلها، والعبد لا يعلم حقيقة ذلك كله ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
стр. 11
وهذه المعاني كلها من التوحيد والعبادة، والافتقار والحاجة، والذل والانكسار، والانقياد والطاعة.
وفي هذا خير عظيم للعبد، في دنياه وآخرته.
ومن أدرك هذه المعاني العظيمة التي يشملها الدعاء، أدرك معنى قوله ﷺ : ((الدعاء هو العبادة)) (١).
وقول إبراهيم ﵇:
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨].
فتأمل كيف سمّى العبادة دعاء في ثلاثة مواضع، وفي آية واحدة، كما سمى عبادتهم لغير الله -أي كفرهم- دعاءً.
ووصف إبراهيم ﵇ عبادته: دعاءً، وأوجبها على نفسه.
ثم خشي الله ورجاه: أن لا يضل بعبادته التي سماها دعاءً، لكي لا يكون شقي الدنيا والآخرة.
стр. 12
وكلّما استشعر الداعي بعجزه وفقره، وقوة مدعوه وغناه، وقدرته وكرمه، ازداد إقبالاً عليه، وألحّ على مولاه، وطابت نفسه بدعائه.
وكلما استأنس الداعي بقرب مدعوه، واستماعه له، ورؤية حاله، وحبه تلبية دعاء داعية الموحد الصادق، وأنه هو الواحد الذي بيده الاستجابة ومنعها، وبيده الأمر كله، ازداد بذلك إيماناً، وازداد دعاءً ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
وكلما استشعر الداعي برحمة الله -المدعو- وفضله، ولطفه وحكمته، أضفى ذلك عليه شعوراً بالاطمئنان، وثقة في النفس، وإيناساً بالمدعو، واستخفافاً بالدنيا ومن فيها، واحتقاراً للأرض ومن عليها، إلا ذكر الله وما والاه، واستعظاماً للآخرة وما فيها، من طمع في دخول الجنّة، وشوق للقاء الرحمن.
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]. فأيّ مقام أعظم من هذا المقام؟ وأي لقاء أكبر من هذا اللقاء؟ لقاء الأنس والأمان، ومقام المهابة والجلال، فإذا اختلج هذا في قلب
стр. 13
الداعي، واستقر بين جوانحه، انشرح صدره، وزال همُّه، وفُرّج كربُه، وهانت عليه المصائب، وسهلت عليه الخطوب، وأتته الدنيا وهي راغمة، كل ذلك، بحقه وشروطه، وأحكامه وآدابه، ومن أهمها:
- اليقين بالاستجابة، وترك الاستعجال.
وعدم الاستجابة أو تأخرها، يكون لحكمة بالغة خفيّة، أو لذنب مانع، فليزداد العبد إيماناً بِحكْمة ربه، وتسليماً لحُكْمه.
وإذا علم العبد أن ما يدخره الله له عنده من الأجر العظيم عند تأخير الإجابة، أعظم وأنفع للعبد من تعجيل الإجابة، ازداد بذلك دعاء، وعلى الله إقبالاً؛ لأن لله في قدره وقضائه حكمٌ بالغة، لا تدركها العقول المحدودة، ولا تنالها الأفهام القاصرة، فمن سلّم غنم، ومن كابر ندم!
فكم من مصيبة كانت خيراً لصاحبها، ذكّرته بربّه، ودفعته إلى الإلحاح في دعائه، وردّته إلى توبته، وألجأته إلى خالقه، فاستشعر بأنسه، وطابت نفسه بلقائه.
وكم من تأخير استجابة كانت خيراً لصاحبها، أبقته على حال من الذّل والانكسار، واللجوء إلى خالقه الجبار، وهذه
стр. 14
الحال -والله في كثير من الأحوال- خير له من تحقيق استجابة دعائه، فكم من داع استجيبت دعوته، فترك دعاءه، ثم نسي ربه.
- الدعاء حاجة نفسية:
إن المتأمل في مسألة الدعاء، يجد أنها حاجة نفسية خفية ملحة، فضلاً عن أنها عبادة مأمور بها، ومأجور عليها.
فإن للمخلوق إحساساً خفياً بالضعف والخوف، وحاجة وافتقاراً إلى قوي يقوي ضعفه، ومهيمن يؤمّن روعه، وصمدٍ يقضي حاجته (١)، وغني يسد فاقته.
والدعاء عند الموقنين، استغناء عن الورى، وبث للجوى، عند من يؤنس إليه من وحشة الخلق، وضيق الضيق، وشظف العيش، وهم الحياة.
وهو إفراغ لكوامن النفس ممّا شُحنت به من ظلم العباد، وقهر الرجال، وشماتة الأعداء.
стр. 15
والدعاء شكاية عند قويّ لا يُقهر، وقدير لا يعجز، وغنيّ لا يبخل.
وفي الدعاء يشعر القانت بلذة المناجاة، وأنس القرب.
فمن ذاق عرف، ومن لم يذق جهل وأنكر.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾: بلا وسيط، ولا حاجب، ولا مانع، ولا حاجز.
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ بلا شرط، إلا شرط الاستجابة؛ ليجيب.
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ كي أستجيب لهم ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
وشرط الإيمان ليؤمن ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ كي أؤمّنهم، وأُرشدهم، وأهديهم.
واعلم -رحمني الله وإياك-:
أن التقصير في الدعاء جفاء.
стр. 16
والإعراض عنه كبر.
وصرفه لغير الله كفر.
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. [الجن: ١٨].
وللدعاء أسرار خفية، وفوائد جمة، لا يدركها إلا الموقنون بربهم، المسلمون لبارئهم، المستشعرون لعظمة خالقهم، ولو لم يكن في الدعاء، إلا شعور القانت بضعفه تجاه خالقه، وحاجته إلى بارئه، وأن وراءه رباً يحفظه، ورازقاً يرزقه، وقوياً ينصره، وخالقاً لا ينساه، لكفى به سكينة للمؤمنين، وأجراً عظيماً للطامعين.
فأكثر -يا عبد الله- من الدعاء ما استطعت، وارفع يدك ما حييت.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الانشراح: ٥، ٦].
стр. 17
(( ... إن ربكم حي كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه، فيردهما صفراً)) (١) وإن مع الصبر نصراً، وإن مع التقوى الفرج.
اللهم اجعل لنا من أمرنا فرجاً.
واهدنا في خضم هذه المتاهات سبيلاً رشداً.
ووحّد اللهم أمتنا.
وأمدّنا بعون منك ما أحييتنا.
ومكّن الإيمان في قلوبنا، والإسلام على أرضنا.
واجعل الآخرة هي همّنا وغايتنا، والجنة دار قرارنا.
يا وليّ المستضعفين، ويا وليّنا، ويا ناصر المظلومين ويا ناصرنا، اللهم إن الأعداء على الأبواب (٢) والمنافقين في البيوت، اللهم إن لم تنصرنا فمن ينصرنا؟ ! وإن لم ترفق بنا فمن
стр. 18
يرفق بنا؟ ! إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 19
الشعاع الثاني
وجوب الاتباع وأهميته
ومهما يكن من أمر الدعاء وأهميته، فإن للاتباع السهم الأوفى، والقدح المعلى، إذ لا يقوم دين، ولا يستقيم أمر، ولا تصلح طاعة، ولا تقبل عبادة، إلا بالاتباع، بعد حسن النية والإخلاص.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
قال أهل العلم: لا يكون العمل صالحاً حتى يكون مطابقاً هدي رسول الله ﷺ وهو ما يعبر عنه أحياناً: بالسنة والاتباع، وإذا لم يكن صالحاً فالعمل مردود، ولو كان صاحبه ذا نية حسنة.
فحقيق -إذاً- أن نكرر هذا الموضوع ونؤكده، ونبين معالمه ونفصله؛ لما له من الأهمية الكبرى.
قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُون﴾ [الأنعام: ٢].
стр. 20
وقال ﷺ :
((من رغب عن سنتي فليس مني)) (١).
وقال ابن مسعود ﵁:
((اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق)) (٢).
والعتيق هو: الأول الأصيل.
قال ﷺ :
((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٣).
ويعني ذلك: الاتباع، ومقتضاه ولازمه أن نصلي لله كما صلّى رسولنا ﷺ ، وأن نقنت كما قنت، وأن ندعوكما دعا، وأن نجاهد كما جاهد، وأن نقيم دولة الإسلام كما أقام، وأن نتخلّق بأخلاقه ﷺ ، وأن نقتدي بأصحابه الذين لهم الحظ الأوفى بعد الرسول ﷺ في الاتباع، رضوان الله عليهم أجمعين.
وإلاّ كنّا عن السنّة معرضين، وعن الصراط ناكبين، ولطريق الاعوجاج سالكين.
стр. 21
ولذلك أمر الله باتباع سبيله، ووصى بذلك، وحذر من مغبة الخروج عنه إلى السبل، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
إن طول العهد، والبعد عن النبع الصافي، كدر الماء، وأسن المجرى، وغير طعمه، فماتت في كثير من البلدان السنة، وأحييت في كثير منها البدعة، واختلطتا في بلدان أخرى، فتشابه على الناس الأمر، وغشي الحق غياية قاتمة من التعصب والتساهل، والغلو والجفاء.
ومن أعظم مفسدات الاتباع: التقليد الأعمى، وتقديم آراء الرجال على السنة، واتباع هوى الناس وعاداتهم المخالفة لشرع الله.
فلا تغلبنّك عوائد الناس عن الاتباع، ولا يدفعنك إرضاء الناس إلى هجر السنة والابتداع، فأحي السنة ما حييت، وأمت البدعة ما استطعت.
فوالله ما أفسد اليهود والنصارى إلا الابتداع، وما أبقى دين الإسلام بعد فضل الله إلا بقية من اتباع.
стр. 22
ووالله لن يقوم للإسلام قائمة إلا بالاتباع، ولن يستقيم أمر هذه الصحوة إلا بالاتباع، ولن نتمكن في الأرض إلا بالاتباع.
ويوم ترى السنن قد أحييت، وقُدمت على أهواء الناس وعوائدهم، ويوم ترى البدع أميتت، والعوائد المخالفة للشرع دفنت.
ويوم ترى الناس يسعون في طلب العلم، لا طلب السفساف والترهات، من اتباع لسياسة الكافرين، وفكر المُحَدِثِينَ، مخالفين بذلك سبيل النبي ﷺ وصحبه والمؤمنين، يوم ترى ذلك، يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، يوم ينصرون سنّته، ويتبعون طريق نبيّه، ويقتفون أثر أصحابه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وإن لم يكن نصر الله هو نصر دينه، والعمل بأحكامه، واتباع نبيه ﷺ ، والاقتداء بصحابته ﵃، فلا نصر لله أبداً.
والاتباع أعم من أن يكون محصوراً في عبادة، أو عملاً بسنة، بل هو شامل جميع جوانب الدين، وسبيل سيد المرسلين.
стр. 23
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. [يوسف: ١٠٨].
ومن لم يكن بالرسول مقتدياً، ولمنهج الصحابة متبعاً، كان مبتدعاً.
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٠].
ولقد كان للاتباع هذا الأهمية، والابتداع هذه الخطورة؛ لأن باب الهداية الاتباع، وباب الضلالة الابتداع.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 24
معنى القنوت
تأتي كلمة القنوت بمعان متعددة: فالقنوت لغة: الخضوع، والذل، والتعبد، والدعاء (١).
كالطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت، والذكر، ودوام الطاعة (٢).
فيصرف كل واحد من هذه المعاني إلى ما يتحمله اللفظ، في السياق والسباق.
فالقانت هو: الداعي، والمداوم على الطاعة، والخاشع، و ...
وقد تأتي هذه المعاني مفردة، وقد تأتي مجتمعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢].
لأن حقيقة القانت: أنه القائم بأمر الله (٣).
قال ابن مسعود:
"القانت: المطيع لأوامر الله ورسوله" (٤).
стр. 25
وقال شيخ الإسلام:
"والقنوت في اللغة: دوام الطاعة" (١).
وعلى هذا فسر حديث النبي ﷺ حين سئل: أي الصلاة أفضل قال: ((طول القنوت)) (٢).
أي: طول القيام والركوع والسجود.
وقد ترمي لمعنى خاص: كما في قوله تعالى:
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. [البقرة: ٢٣٨]. أي: ممسكين عن الكلام.
لحديث زيد بن أرقم: "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمسكنا عن الكلام" (٣).
ولا يمنع هذا أن يكون المعنى أعمّ، ليشمل الخشوع، والذلة والاستكانة، ولازمه الإمساك عن الكلام في الصلاة؛ كما ذهب إلى هذا جمهور المفسرين.
قال ابن كثير [١/ ٣٠٢]:
стр. 26
"أي خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة".
وفي قول الله تعالى:
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾. [الزمر: ٩].
قال ابن كثير [٤ - ٥١]:
"ذهب بعضهم إلى أن القنوت: هو الخشوع في الصلاة، ليس هو القيام وحده، كما ذهب إليه آخرون".
والذي يظهر من خلال استقراء كلمة "القنوت" في الكتاب والسنة ونصوص العربية، أن أصل معناها هو الخضوع، والخضوع هو: المعنى المشترك بين جميع معانيها، فالقائم: خاضع لأمر الله، والساكت: خاضع لأمر الله، والخاشع: خاضع لأمر الله، والكافر: خاضع لأمر الله، والكائنات كلها: خاضعة لأوامر الله.
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤].
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٣].
فإذا كانت خطاباً للمؤمنين؛ فتتضمّن الخضوع مع الخشوع ودوام الطاعة، كما في قوله تعالى:
стр. 27
﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣].
وقوله تعالى:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾. [النحل: ١٢٠].
وإن كان الخطاب بها للناس جميعهم، كافرهم ومؤمنهم، فيكون معنى القنوت -والحال هذه- مجرد الخضوع لسنن الله الكونية.
كما في قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] أي: خاضعون.
ولكن منهم الخاضع خضوعاً كونياً فحسب، وهم الكفار، ومنهم الخاضع خضوعاً كونياً وشرعياً، وهم المؤمنون.
والخضوع الشرعيّ هو: الاستسلام لأوامره، والابتعاد عن نواهيه، والالتزام بشرعه.
والمقصود بالخضوع الكوني:
الخضوع لسنن الله الكونية: من موت، وحياة، ورزق، ولون، ومرض، وغير ذلك، مما يخضع له الناس جميعاً، مؤمنهم وكافرهم. ومعنى كرهاً، أي: شاؤوا أم أبوا، رضوا أم سخطوا،
стр. 28
قال مجاهد: " ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مطيعون، قال: كن إنساناً، فكان، وقال: كن حماراً، فكان" (١).
قلت: فهذه هي: الطاعة الكونية.
ومثالها: كن طويلاً فكان، كن جميلاً فكان، كن فقيراً فكان، كن مريضاً فكان، كن ميتاً فكان، كن مبعوثاً يوم القيامة فكان، فهذه الطاعة، يستوي فيها المؤمن والكافر، والحيوان والجماد، وتسمى عند العلماء الطاعة الكونية لله .
قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧].
وقال سبحانه:
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
قال شيخ الإسلام في جامع الرسائل (١ - ٩):
"وفسرها -أي مجاهد-: بطاعة أمره الكوني".
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٣].
стр. 29
وعلى هذا يحمل قوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥].
طوعاً: الطاعة الشرعية، كرهاً: الطاعة الكونية.
لأن السجود يأتي بمعنى الخضوع الكوني، كالقنوت الكوني، وكذا الاستسلام الكوني، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. والواو هنا بمعنى: أو، أي: منهم من يسجد ويسلم طوعاً، ومنهم من يسجد ويخضع لسنتنا الكونية كرهاً، كما في قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾. [الفتح: ٢٧]: أي: منكم المحلق، ومنكم المقصر.
فالسجود، والاستسلام، والقنوت، -وحتى التسبيح- كل منها يأتي على المعنى الشرعي، وعلى معنى الخضوع الكوني.
فإذا فُهم هذا، فهمت كثيراً من الآيات التي أشكلت على كثير من الناس كقوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥].
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١].
стр. 30
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣]
﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦].
فإذا وردت بلفظ العموم، فتحمل على المعنى الكوني، وإن وردت بلفظ الخصوص، فتحمل على المعنى الشرعي.
فالمؤمن خاضع لله وطائع له شرعاً ورغبة وحباً، وكذلك كونياً وكرهاً.
والكافر خاضع لله كونياً وكرهاً فحسب.
وأما قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨٠].
فالمقصود هاهنا بالسجود: السجود الطوعي؛ لأن الله استثنى الكافرين منه.
стр. 31
وأما دخول السموات والأرض، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب؛ فلأنهم يسجدون سجوداً حقيقياً طوعياً، ولكنه مجهول الكيفية عندنا، كقوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].
وقوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].
وقوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠].
فالتأويب والسجود والتسبيح حقائق لا مجاز فيها، فلا حاجة لليّ أعناق النصوص، وللتأويل المتكلّف، والله أعلم بحقيقته وكيفيته.
ويوضح هذا قوله تعالى:
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
أي: إما أن تعملا بالسنن والنواميس والأوامر طواعية ورغبة، وإما أن تُكرها على ذلك كرهاً، ولا بدّ لكما من ذلك، ولا مفرّ، فاختارا ما تريان، واتّبعا ما تشاءان.
فكانتا أعقل من كثير من البشر إذ اختارتا الطاعة رضاً.
стр. 32
وروي عن النبي ﷺ تفسير القنوت: بالطاعة، ولا يصحّ.
فعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة)) (١).
قال ابن كثير بعد أن أورد الحديث عند قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: "في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي، أومن دونه، والله أعلم" (٢).
قلت: وهذا هو الصواب، فإن السلف تنوعت أقوالهم في تفسير كلمة القنوت، وكلها تصب في معنى واحد، ألا وهو: الطاعة والخضوع، ودوام العبادة، وقد وردت بذلك آثار كثيرة، ذكرها ابن جرير في تفسيره، فلتراجع.
ثم وقفت على ما ذكره الحافظ في الفتح (٢ - ٥٧٠) قال:
стр. 33
"ذكر ابن العربي أن القنوت يرد لعشرة معانٍ، فنظمها شيخنا الحافظ زين الدين العراقي، فيما أنشدنا لنفسه إجازة غير مرة:
ولفظ القنوت اعدد معانيه تجد ... مزيداً على عشر معاني مرضية
دعاء خشوع والعبادة طاعة ... إقامتها إقراره بالعبودية
سكوت صلاة والقيام وطوله ... كذاك دوام الطاعة الرابح القنية
ومن المعاني الخاصة التي ترمي إليها لفظة القنوت: الدعاء في الصلاة قائماً، وهو اصطلاح الفقهاء، كما في رواية البخاري وغيره عن أنس: "أن رسول الله ﷺ قنت شهراً بعد الركوع" الحديث سيأتي تخريجه.
ومعناه: دعا قائماً في الصلاة.
وهذا هو بحثنا في هذا الكتاب: "أحكام القنوت في الصلوات" والله الموفق للصواب.
стр. 34
مسألة رقم (١): مشروعية قنوت النوازل
شرع الإسلام سنة القنوت، وهو: الدعاء في النوازل، وفي ما كان فيه حاجة للمسلمين، من تحقيق مصلحة لهم، أو دفع مفسدة عنهم، يشرع في الصلوات كافة، كما يشرع في صلاة الوتر، وقيام رمضان.
وهو سنة مستحبة، وشعيرة ماضية، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه.
وأما المداومة عليه في صلاة الفجر: فمحدث لم تثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه ﵃ بل ثبت عنهم إنكار هذا القنوت كما ستراه مفصلاً.
والنازلة: الأمر الشديد ينزل بالقوم، وجمعها: نوازل، ونقل في اللسان عن الحكم: "والنازلة: الشدة من شدائد الدهر تنزل بالناس" (١).
стр. 35
قلت: والنازلة: كالحروب، والزلازل، والسيول، والمجاعات، وغير ذلك، مما يكون شديداً على الناس.
والحاجة: كوقع بعض المسلمين أسرى، أو دفع قانون وضعي عنهم، أو ظهور مفسدة في البلاد، أو انحراف في العباد.
فأما مشروعيته في النوازل:
فعن أنس بن مالك ﵁ قال:
"بعث النبي ﷺ سبعين رجلاً لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من سُليم: رِعْل وذكْوان، عند بئر يقال لها: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة النبي ﷺ فقتلوهم، فدعا النبي ﷺ شهراً في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت" (١).
وقصة هؤلاء القراء مذكورة في الصحيحين، وغيرهما من كتب السنة والسيرة، وتسمى بغزوة: "بئر معونة" وفيما يلي رواية مسلم (رقم ٦٧٧) عن أنس ﵁ قال:
стр. 36
"جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا: ابعث رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار، يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة والقراء، فبعثهم النبي ﷺ إليهم، فعرضوا لهم، فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم أبلغ عنا نبينا أنا لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا، قال: وأتى رجل حراماً -خال أنس- من خلفه، فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: ((إن إخوانكم قد قُتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا: أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا)).
وفي رواية أخرجها البخاري (١٢٣٨) ومسلم (٦٧٧):
"قنت رسول الله ﷺ شهراً حين قُتل القراء فما رأيت رسول الله ﷺ حزن حزناً قط أشد منه" واللفظ للبخاري.
стр. 37
فقوله في الرواية الأولى: "وذلك بدء القنوت" وقوله في الرواية الثانية: "شهراً حين قتل القراء" فيه دلالة واضحة على مشروعيته في مثل هذا المقام، فهو سنة مستحبة، وشعيرة ماضية، مادام على وجه الأرض كفر وإيمان، وعدل وطغيان، ومصائب وأحزان.
وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوبه، منهم يحيى بن سعيد، (١) فقد كان يقول ﵀: "يجب الدعاء إذا دخلت الجيوش في بلاد العدو، يعني: القنوت" (٢)، ولعل دليلهم: أنه أقل ما يجب أن يقدمه المسلمون لإخوانهم، وهو أضعف الولاء للمؤمنين، إن لم يستطيعوا غيره، وجوب الدعاء بعامة، والله أعلم.
وأما مشروعيته في مصالح المسلمين:
فكالدعاء لقوم مؤمنين هم في محنة، أو لهداية قوم آخرين، أو الدعاء على أعداء الإسلام، إلى غير ذلك مما فيه دفع مفسدة، أو جلب مصلحة عامة.
стр. 38
الأدلة على ذلك:
الأول: حديث أبي هريرة وأنس ﵄: "أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاة شهراً، اللهم: أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". [أخرجه البخاري (٥٢ - ١٥) ومسلم (رقم ٦٧٥) وغيرهما].
ومعنى: "اجعلها عليهم سنين كسني يوسف".
قال النووي: "اجعلها سنين شداداً ذوات قحط وغلاء" (١).
قلت: وأصل: "سني": سنين، جمع سَنَة، وحذفت النون للإضافة.
وهذا الدعاء -كما يلاحظ- لا علاقة له بحادثة بئر معونة، التي قُتل فيها القرّاء، وإنما هو لنجاة بعض المسلمين، ولهلاك
стр. 39
بعض الكافرين، وليس هو نازلة كالحروب والزلازل، وما شابه ذلك، بل هو حاجة من حاجات المسلمين.
الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ أيضاً قال:
"أن النبي? ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع ... ". [أخرجه البخاري (٥ - ١٧١) وأحمد (٢ - ٢٥٥). وغيرهما].
وعزاه الحافظ في الدراية (٢٤٦) للصحيحين، ولم أعثر عليه في مسلم بهذا اللفظ، وإن كان أصل الحديث فيه (رقم ٢٧٥)، ولكن ليس فيه: "كان إذا أراد ... " ثم رأيت ابن كثير عزاه للبخاري دون مسلم، وكذلك شيخه المزّي في التحفة، عند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
وعزاه الحافظ في الدراية (١٩٥) لابن حبان بلفظ:
"كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح، إلا أن يدعو لقوم، أو على قوم".
وقال الحافظ: "وعند ابن خُزيمة مثله عن أنس، وإسناد كل منهما صحيح".
стр. 40
يعني: إسناد ابن حبان عن أبي هريرة، وابن خُزيمة عن أنس، وكذلك صحح في الفتح (٨ - ٢٢٦) إسناد ابن خُزيمة، ولكن لم يعزه لابن حبان.
وقد أخرجه ابن خُزيمة (١ - ٣١٤) رقم (٦٢٠) عن أنس، ولم أعثر عليه في ابن حبان، والله أعلم.
الثالث: فعل أبي هريرة يرفعه للنبي ﷺ .
فعن أبي سلمة ﵁ أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول:
"والله لأقربن بكم صلاة رسول الله ﷺ فكان أبو هريرة يقنت في الظهر، والعشاء، وصلاة الصبح، ويدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار". [أخرجه البخاري (١ - ٢٥٨)، ومسلم (٦٧٦) وغيرهما].
فهذه أدلة واضحة على جواز القنوت في غير نازلة، مما فيه مصلحة عامة للمسلمين، أو لبعضهم.
وقد روى هذا الحديث أيضاً ابن حبان (١٩٨١) وروى حديث أبي هريرة الأول (برقم ١٩٨٦) ثم قال: