← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 147094

القنوت

عدنان العرعور

Полный текст (163 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

"جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا: ابعث رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار، يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة والقراء، فبعثهم النبي ﷺ إليهم، فعرضوا لهم، فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم أبلغ عنا نبينا أنا لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا، قال: وأتى رجل حراماً -خال أنس- من خلفه، فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: ((إن إخوانكم قد قُتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا: أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا)). وفي رواية أخرجها البخاري (١٢٣٨) ومسلم (٦٧٧): "قنت رسول الله ﷺ شهراً حين قُتل القراء فما رأيت رسول الله ﷺ حزن حزناً قط أشد منه" واللفظ للبخاري.

стр. 37

فقوله في الرواية الأولى: "وذلك بدء القنوت" وقوله في الرواية الثانية: "شهراً حين قتل القراء" فيه دلالة واضحة على مشروعيته في مثل هذا المقام، فهو سنة مستحبة، وشعيرة ماضية، مادام على وجه الأرض كفر وإيمان، وعدل وطغيان، ومصائب وأحزان. وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوبه، منهم يحيى بن سعيد، (١) فقد كان يقول ﵀: "يجب الدعاء إذا دخلت الجيوش في بلاد العدو، يعني: القنوت" (٢)، ولعل دليلهم: أنه أقل ما يجب أن يقدمه المسلمون لإخوانهم، وهو أضعف الولاء للمؤمنين، إن لم يستطيعوا غيره، وجوب الدعاء بعامة، والله أعلم. وأما مشروعيته في مصالح المسلمين: فكالدعاء لقوم مؤمنين هم في محنة، أو لهداية قوم آخرين، أو الدعاء على أعداء الإسلام، إلى غير ذلك مما فيه دفع مفسدة، أو جلب مصلحة عامة.

стр. 38

الأدلة على ذلك: الأول: حديث أبي هريرة وأنس ﵄: "أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاة شهراً، اللهم: أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". [أخرجه البخاري (٥٢ - ١٥) ومسلم (رقم ٦٧٥) وغيرهما]. ومعنى: "اجعلها عليهم سنين كسني يوسف". قال النووي: "اجعلها سنين شداداً ذوات قحط وغلاء" (١). قلت: وأصل: "سني": سنين، جمع سَنَة، وحذفت النون للإضافة. وهذا الدعاء -كما يلاحظ- لا علاقة له بحادثة بئر معونة، التي قُتل فيها القرّاء، وإنما هو لنجاة بعض المسلمين، ولهلاك

стр. 39

بعض الكافرين، وليس هو نازلة كالحروب والزلازل، وما شابه ذلك، بل هو حاجة من حاجات المسلمين. الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ أيضاً قال: "أن النبي? ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع ... ". [أخرجه البخاري (٥ - ١٧١) وأحمد (٢ - ٢٥٥). وغيرهما]. وعزاه الحافظ في الدراية (٢٤٦) للصحيحين، ولم أعثر عليه في مسلم بهذا اللفظ، وإن كان أصل الحديث فيه (رقم ٢٧٥)، ولكن ليس فيه: "كان إذا أراد ... " ثم رأيت ابن كثير عزاه للبخاري دون مسلم، وكذلك شيخه المزّي في التحفة، عند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. وعزاه الحافظ في الدراية (١٩٥) لابن حبان بلفظ: "كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح، إلا أن يدعو لقوم، أو على قوم". وقال الحافظ: "وعند ابن خُزيمة مثله عن أنس، وإسناد كل منهما صحيح".

стр. 40

يعني: إسناد ابن حبان عن أبي هريرة، وابن خُزيمة عن أنس، وكذلك صحح في الفتح (٨ - ٢٢٦) إسناد ابن خُزيمة، ولكن لم يعزه لابن حبان. وقد أخرجه ابن خُزيمة (١ - ٣١٤) رقم (٦٢٠) عن أنس، ولم أعثر عليه في ابن حبان، والله أعلم. الثالث: فعل أبي هريرة يرفعه للنبي ﷺ . فعن أبي سلمة ﵁ أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: "والله لأقربن بكم صلاة رسول الله ﷺ فكان أبو هريرة يقنت في الظهر، والعشاء، وصلاة الصبح، ويدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار". [أخرجه البخاري (١ - ٢٥٨)، ومسلم (٦٧٦) وغيرهما]. فهذه أدلة واضحة على جواز القنوت في غير نازلة، مما فيه مصلحة عامة للمسلمين، أو لبعضهم. وقد روى هذا الحديث أيضاً ابن حبان (١٩٨١) وروى حديث أبي هريرة الأول (برقم ١٩٨٦) ثم قال:

стр. 41

"في هذا الخبر بيان واضح، أن القنوت إنما يقنت في الصلوات عند حدوث حادثة، مثل ظهور أعداء الله على المسلمين، أو ظلم ظالم ظلم المرء به، أو تعدي عليه، أو أقوام أحب أن يدعو لهم، أو أسرى من المسلمين في أيدي المشركين، فأحب الدعاء لهم بالخلاص من أيديهم، أو ما يشبه هذه الأحوال". قلت: أو سجناء في سجون الظلمة، أو مشردين من حكومات الطواغيت، أو فساد ظهر في البلاد، أو استهزاء بدين الله أظهر بين العباد، أو خشية غلبة الكفار على المسلمين، أو ما شابه ذلك. وقال النووي في شرح مسلم (٥ - ١٨٢): "الصحيح المشهور أنه إن نزلت نازلة، كعدو، وقحط، ووباء، وعطش، وضرر ظاهر بالمسلمين، ونحو ذلك، قنتوا في جميع الصلوات المكتوبات". قلت: وهذه سنة كادت أن تموت، إن لم تمت فعلاً في كثير من بلاد المسلمين.

стр. 42

مواقف المسلمين من القنوت: كثير من المسلمين في هذا بين إفراط وتفريط، فإما هاجرون لهذه السنة لا يقنتون أبداً، لا في نازلة، ولا في طالعة، وإما يقنتون كل يوم، القنوت المحدث في صلاة الفجر، وأحسنهم حالاً الذين يقنتون في النوازل الكبيرة، والمصائب الجسيمة. والأحاديث حجة عليهم جميعاً، مع ما سنورد من أفعال السلف -رضوان الله عليهم جميعاً- من أن القنوت مشروع في النوازل، والحاجات، وفي الصلوات كلها، ولا يداوم عليه في الفجر.

стр. 43

مذاهب العلماء في قنوت النازلة: من المعلوم عند كل متبع -ويجب أن يكون كل مسلم متبعاً- أن السنة إذا صحت وثبتت فلا يعدلها شيء، ولا يجوز أن يُعدل بها شيء. ولا يعطلها معطل، ولا يقويها كثرة العاملين، ولا يضعفها قلة الفاعلين, وبخاصة إذا عمل بها بعض أهل العلم، فلا يلتفت حينئذ إلى من خالفهم. وإنما نذكر مذاهب العلماء لزيادة البيان والاستئناس، وهو مذهب العلماء في التأليف، ولدفع بعض الشبه وتذكير من أراد الحق والاتباع، وإعانته للعمل بالدليل والسنة لا بالتعصب والتقليد. وقد أطبقت الأمة بمذاهبها المختلفة على فعل هذه السنة إلاّ بعض أهل العلم، ممن أشكل عليهم الأمر، وسنزيل بإذن الله إشكالهم.

стр. 44

قال النووي في المجموع (٣ - ٤٩٤): "المشهور الذي قطع به الجمهور: إن نزلت بالمسلمين نازلة، لخوف، أو قحط، أو وباء، أو ضرر، قنتوا في جميعها" أي: في جميع الصلوات.

стр. 45

مذهب الصحابة: اتفق الصحابة على مشروعيته، ولم يخالف منهم أحد، فقد ورد القنوت عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والبراء بن عازب، وأبي هريرة، وأبي بن كعب، وابن عباس، ومعاوية، وأبي موسى الأشعري، ﵃ أجمعين- وتتابع التابعون من بعدهم على ذلك، منهم الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وأبو حنيفة، ومالك، (١) والشافعي، وأحمد، وابن تيمية، وجمهور أهل العلم، من المذاهب الإسلامية، ولولا خشية الإطالة لسردت أقوالهم، والمسلم تكفيه السنة إذا صحت، وبخاصة إذا أخذ بها طائفة من أهل العلم، وإذا ثبتت السنّة،

стр. 46

وعمل بها أصحاب النبي ﷺ من بعده، فلا يقبل ادعاء كائن من كان بنسخها، مستنبطاً ذلك من رواية غامضة، أو معتمداً على رواية ضعيفة، وإنما تُذكر أقوال العلماء مع السنة؛ استئناساً بهم، وشهادة بفهمهم.

стр. 47

ادعاء بعضهم النسخ: زعم بعض أهل العلم أن القنوت منسوخ (١)، وذكروا شبهاً على ذلك، وهي: الشبهة الأولى: ما ورد عن جمع من الصحابة، ومنهم أنس، وابن مسعود ﵄: "أنه - أي: النبي ﷺ قنت شهراً ثم تركه". فإن الاستدلال بهذا العموم والإبهام، لا يستقيم لهم على نسخ سنّة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، تواتر عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة فعلها، حتى بعد تركه القنوت على قتلة القرّاء. وقول بعض الصحابة ﷺ : "ثم تركه" لا يفيد أبداً أن هذا يعني النسخ، ومتى كان ترك النبي ﷺ لفعل فعله يعني النسخ؟ !

стр. 48

وغاية ما يعني فعله ﷺ لأمر، وتركه أحياناً: مشروعية فعله وتركه. ومعني قولهم: "ثم تركه" أي: قنت شهراً -لحادثة بئر معونة- ثم توقف عن القنوت في تلك الحادثة، لا لأنه منع القنوت ونسخه للأبد. وإذا كان الترك نسخاً؟ ! فهل كل ما ترك رسول الله ﷺ فعل أمر فعله كان منسوخاً؟ ! ألم يترك رسول الله ﷺ صلاة التراويح جماعة، فهل صارت منسوخة؟ ! وجاهد رسول الله ﷺ ثم توقف، فهل يعني هذا نسخ الجهاد؟ ! إن غاية ما يفهم من الترك جوازه، وهذا القول هو الظاهر البين، الذي دلت عليه أحاديث القنوت ورواياته، والقول بذلك أخذ بجميع النصوص، وتوفيق بينها، وذلك خير من دعوى النسخ. وكذلك قال معظم الأئمة. (١) (٢) ثم إن دعوى النسخ مردودة، بأن النبي ﷺ استمر بالقنوت.

стр. 49

وبفعل الصحابة ﵃ بعد وفاته، دون منازع البتة، وقد مرت تلك الروايات عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة، وستمر إن شاء الله. ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين: "لأقربن لكم صلاة رسول الله" (١) وقنوت عمر، وابن عباس، وابن مسعود، ﵃ وغيرهم. فلو كان منسوخاً لقال بذلك ولو صحابي واحد. ثم إن علة القنوت هي الدعاء للمؤمنين، أو على الكافرين: "كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد" (٢) وهذه العلة قائمة ما دام على وجه الأرض المسلمون والكافرون، وإذا شرع أمر، أو جاء حكم لعلة دائمة، فلا يصار إلى النسخ أبداً.

стр. 50

الشبهة الثانية: ذكر بعضهم أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ناسخ للقنوت، وقد أجبنا عن ذلك في باب: سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ بما يغني عن تكراره. وأما دليل مشروعيته في الوتر وفي قيام رمضان: فسيأتي بيان ذلك في فصل خاص بقنوت الوتر وأحكامه إن شاء الله تعالى.

стр. 51

حكم المداومة على قنوت الفجر: ذهب بعض أهل العلم إلى سنية المداومة على القنوت في صلاة الفجر، محتجين بالأحاديث السابقة: "أن النبي ﷺ قنت في صلاة الفجر ... " ولا خلاف في أنه قنت في الفجر، ولكن الخلاف في ديمومته عليه! والروايات التي احتجوا بها على المداومة هي بين صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح! . ولم يثبت عن النبي ﷺ بدليل صحيح صريح، أنه ﷺ داوم على القنوت في صلاة الفجر، لحاجة أو لغير حاجة، وبنازلة أو بغير نازلة، بل لم يثبت فعله لغير حاجة، وحَسْبُ المتَّبِع هذا الدليل، أعني: عدم مداومة الرسول ﷺ عليه في صلاة الفجر، وبلغة علم الأصول: "التَرْك حجة على التَرْك" على التفصيل المعروف في أصول الفقه؛ لأن عدم تعبد النبي ﷺ بعبادة ما، دليل وحجّة على عدم جواز فعلها، فإن الأصل في العبادات الاتباع، وكل ما لم يكن اتباعاً في العبادات كان ابتداعاً، وأصل البدع: فعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ تعبداً.

стр. 52

ويؤكد هذا الترك، حديث أنس عند ابن خزيمة السابق بلفظ: "كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد ... ". قال ابن القيم في الزاد (١ - ٢٧٢): "من المعلوم بالضرورة أن رسول الله ﷺ لو كان يقنت كل غداة ويدعو بهذا الدعاء، ويؤمن الصحابة، لكان نَقْلُ الأمّة لذلك كلهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها، وعددها ووقتها، وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها، جاز عليهم تضييع ذلك ولا فرق، وكان هديه ﷺ القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها". قلت: تخصيصه القنوت بالنوازل فيه نظر، فقد سبق بيان قنوت النبي ﷺ وأنه كان يقنت في النوازل، وعند الحاجة، فلربّما عدّ بعضهم الدعاء للمؤمنين، والدعاء على الكافرين من باب النوازل، أو من باب التغليب! والله أعلم.

стр. 53

تصريح بعض الصحابة ببدعية الدوام على القنوت في الفجر: عن أبي مالك الأشجعي ﵁ قال: "قلت لأبي: يا أبت، قد صلّيت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، ها هنا بالكوفة، خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: أي بنيّ، محدث". وهذا إسناد صحيح، أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٢، ٦/ ٣٩٤) والنسائي (٢/ ٢٠٠) والترمذي (٢/ ٢٥٢/٢) وابن ماجة (١/ ٣٩٣) وابن أبي شيبة (رقم ٦٩٦١) وغيرهم من طرق كثيرة صحيحة عن أبي مالك، وبعض طرقه على شرط الصحيحين. وفي رواية النسائي قال: "صليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف عليّ فلم يقنت، ثم قال: يا بنيّ بدعة". وقد ثبت عدم المداومة على قنوت الفجر كذلك عن ابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وكانوا لا

стр. 54

يقنتون في الفجر إلا في نازلة، أو حاجة، وكان بعضهم ينكر المداومة عليه. أما أثر ابن عمر، فرواه مالك عن نافع قال: "إن ابن عمر ﵃ كان لا يقنت في شيء من الصلاة". [أخرجه مالك في الموطأ (رقم ٣٧٩)]. قلت: وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة برقم ٦٩٧٨، ٦٩٧٠ و ٦٩٧٧٠ و ٦٩٩١ و ٦٩٩٨ وعبد الرزاق ٤٩٥٢، ٤٩٥٤، ٤٩٥٠، من طرق عن أبي الشعثاء قال: سألت ابن عمر عن القنوت في الفجر فقال: "ما شعرت أحداً يفعله". قوله: "لا يقنت في شيء من الصلاة". أي: على سبيل المداومة، لا على سبيل النفي المطلق، لورود قنوت ابن عمر ﵁ في الوتر، وغيره، وقد وضّحت رواية أبي الشعثاء السابقة المقصود. وكذلك رواية سعيد بن جبير "أنهما -أي ابن عمر، وابن عباس- لا يقنتان في الفجر". وأما أثر ابن مسعود:

стр. 55

فقد أخرجه الطبراني في الكبير (٩٤٢٨ و ٩٤٢٩ و ٩٤٣١ و ٩٤٣٢) وأخرجه ابن أبي شيبة (٦٩٠٤ و ٦٩٦٦ و ٦٩٦٧ و ٦٩٦٨) وعبد الرزاق (٤٩٦٦ و ٤٩٦٧ - ٤٩٦٨ و ٤٩٤٩). من طرق كثيرة عن علقمة والأسود وغيرهما -بألفاظ متقاربة- قالوا: "كان عبد الله لا يقنت في شيء من الصلوات، إلا في الوتر قبل الركعة" أي: قبل الركوع. وفي ألفاظ أخرى: "كان لا يقنت في الفجر". وهذا أثر غاية في الصحة، وبعض أسانيده على شرط الصحيحين. وقوله: "لا يقنت في شيء من الصلوات" أي: على الدوام، أو دون سبب. وأما أثر ابن عباس: فأخرجه ابن أبي شيبة (٦٩٧٦ و ٦٩٧٠) وعبد الرزاق (٤٩٥٣). وإسناد عبد الرزاق صحيح رجاله كلهم ثقات.

стр. 56

وكذلك إسناد ابن أبي شيبة رجاله رجال الصحيحين غير عمران بن الحارث فهو ثقة من رجال مسلم. وأما أثر أنس: فقد أخرجه البخاري (٢/ ٤١) ومسلم (٦٧٧) وأبو داود (١٤٤٤) و (١٤٤٥) والنسائي (٢ - ٢٠٠) وابن أبي شيبة برقم (٦٩٧٩ و ٦٩٨٠ و ٦٩٨١). وأما أثر أبي هريرة: فقد مر بك، وهو قوله: "كان رسول الله ﷺ ? لا يقنت في صلاة الصبح، إلا أن يدعو لقوم أو يدعو على قوم" وقد سبق تخريجه ص (٢٨). وثمّت آثار كثيرة، من طرق مختلفة، عن أصحاب رسول الله ﷺ في عدم قنوتهم في الفجر إلاّ عند النوازل، أو عند الحاجة، قد أعرضت عنها خشية الإطالة، وما ذكرنا فيه الكفاية، لمن أراد الإنصاف والاتباع، ومن أراد تتبعها فعليه بمصنف ابن أبي شيبة بدءاً من رقم (٦٩٠٠)، ومصنف عبدالرزاق رقم (٤٩٤٥).

стр. 57

فهذا أبو أبي مالك الأشجعي (١) صاحب رسول الله ﷺ وهو امرؤ قد صلّى خلف رسول الله ﷺ وهو ابن عشر سنين، وصلى وراء الخلفاء الراشدين جميعهم، سنين طويلة، لم يسمع أحداً منهم يقنت في الفجر بغير سبب، ومعه ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ﵃ أجمعين. فهل يعقل أن يترك هؤلاء الصحابة -ومنهم الرّاشدون- مثل هذا الأمر لو كان سنة عن المصطفى ﷺ مع تصريح هذا الصّحابي، وغيره ممن ذكرنا، ببدعيته، وانعدام المخالف لهم. وإذا لم يكن هذا إجماعاً، فليس في الإسلام إجماع!

стр. 58

أدلة من يرى ديمومة القنوت في الفجر: استدل القائلون بديمومة القنوت في الفجر بأدلة، إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة. منها: حديث أنس ﵁ قال: "مازال رسول الله ﷺ ? يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا". [أخرجه أحمد (٣ - ١٦٢) والبيهقي (٢/ ٢٠١) والدارقطني (٢/ ٣٩) والطحّاوي (١٣٥٤) وعبدالرزاق (٤٩٦٤)]. وفي رواية عند الدارقطني: "أن النبي ﷺ ? قنت شهراً يدعو على قاتلي أصحابه ببئر معونة ثم ترك، فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الحياة". وقد أخرجه كلّهم من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس به. وأبو جعفر الرازي هو: عيسى بن ماهان. قال أحمد والنسائي فيه: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: يهِم كثيراً.

стр. 59

وقال ابن حبان: يحدث بالمناكير عن المشاهير. وقال الحافظ: صدوق سيء الحفظ. والربيع بن أنس: صدوق له أوهام. قلت: فهذا الحديث فيه ثلاث علل: الأولى: سوء حفظ أبي جعفر، وكان قد اختلط أيضا. الثانية: أوهام الربيع. الثالثة: نكارته، لمخالفته لما صحّ عن أنس وغيره في الصحيحين وغيرهما، من أن النبي ﷺ : "لم يكن يقنت إلا إذا أراد أن يدعو ... ". ويصلح هذا الحديث لأن يكون مثالاً للمنكر. وأخشى أن يكون قوله: "فأما الصّبح ... " مدرجاً من قول أبي جعفر؛ لتفرده بذلك عن الثقات، الذين رووا هذا الحديث دون هذه الرواية. والحديث المنكر هو: مخالفة الضعيف للثقات، وعلى هذا، فزيادة هذه الرواية من قبل ضعيف، تعتبر منكرة, ويكون فيها علة رابعة، وهي نكارة قوله: "فأما الصبح ... ".

стр. 60

وقد أسهب ابن القيم ﵀ في الزاد (١ - ٢٧٥) في بيان ضعف هذا الحديث ونكارته، ثم قال: "ولو صح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، فإن القنوت يطلق على القيام، وتطويل هذا الركن: قنوت، وتطويل القراءة: قنوت، وهذا الدعاء المعين: قنوت، فمن أين لكم أن أنساً إنما أراد هذا الدعاء المعين دون سائر أقسام القنوت؟ ". قلت: هذا التوجيه يصلح في الرواية الأولى، ولا يصلح في الرواية الثانية؛ لأنه قرنها بقنوت النازلة، مما أفاد مقصده، وهو القنوت بمعنى الدعاء. وأحسن منه ما قاله الحافظ في (الدراية رقم ٢٤٦: "ويجمع بين هذا، وبين حديث أنس الماضي: "ما كان يقنت إلا إذا دعا لقوم أو على قوم" بأن مراده إثبات قنوت النوازل، ولهذا أنكر على من أطلق قوله: "ثم تركه" على أنه إذا حمل قوله: ثم تركه -أي ترك الدعاء- على أولئك النفر بعينهم، فلم يبق بين الأحاديث تعارض، والله أعلم". قلت: يعني بعبارة أوضح: أن أنساً ﵁ خشي حين أخبرهم أن رسول الله ﷺ قنت شهراً ثم تركه، خشي أن يفهموا أن

стр. 61

الترك كان البتة، وأنه لم يقنت بعد ذلك أبداً! فأخبرهم أن الترك كان لتلك الحادثة، وأن القنوت ما زال قائماً لم ينسخ، بل كان رسول الله ﷺ يقنت في الفجر عند النوازل إلى أن فارق، والله أعلم. ويؤيد هذا التوفيق -الذي لا يردّه متأمّل- ما ورد في رواية الطحاوي (١٤٥٨) والدارقطني (٢ - ٣٩)، أن قول أنس ﵁: "مازال رسول الله ﷺ ... " كان جواباً لمن أنكر استمرار القنوت في النوازل، إذ قال السائل لأنس: "إنما قنت رسول الله ﷺ شهراً ... " أي فحسب، وانتهى الأمر، فأجابه أنس: "مازال رسول الله ﷺ يقنت ... " أي: للنوازل، ولم ينسخ بتركه مرة، فبهذا يتضح مقصود أنس ﵁ والحمد لله. قلت: كل هذا التوفيق بين الأحاديث عن ابن القيم، والحافظ، وما ذكرته، على فرض صحة الحديث، أما وقد بان ضعفه، فلا حاجة للتوفيق، فإن التوفيق فرع التصحيح، كما هو معلوم.

стр. 62

ثم لو فرضنا صحة سنده، لكان متنه شاذاً؛ لمخالفته لمن هم أكثر عدداً، وأوثق رواية، وهم الذين نفوا قنوت رسول الله ﷺ على الدوام, إلا إذا أراد أن يدعو على قوم، أو يدعو لقوم. وقد روى الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان، قلنا لأنس: "إن قوماً يزعمون أن النبي ﷺ لم يزل يقنت في الفجر فقال: كذبوا، وإنما قنت رسول الله ﷺ شهراً واحداً يدعو على حي من أحياء المشركين" (١). قلت: وهذه قاصمة الظهر لمن يحتج برواية أنس في دوام القنوت في الفجر. وقيس بن الربيع، وإن كان فيه كلام، فهو أحسن حالاً من أبي جعفر الرازي. وأصل حديث أنس ﵁ هذا في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "إنما قنت رسول الله ﷺ ? شهراً يدعو على ناس قتلوا ناساً".

стр. 63

قال ابن القيم في الزاد (١ - ٢٧٩): "فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه ﷺ القنوت دائماً، وقول أنس ﵁: فذلك بدء القنوت مع قوله: قنت شهراً، ثم تركه" دليل على أنه أراد بما أثبته من قنوت النوازل. وأما احتجاجهم بما اتُّفق عليه، من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: "والله أنا أقربكم صلاة برسول الله ﷺ فكان أبو هريرة ﵁ يقنت في الركعة من صلاة الصبح ... ". فقد أجاب ابن القيم ﵀ (١ - ٢٣٤) فقال: "ولا ريب أن رسول الله سنه، وهذا رد على أهل الكوفة، الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقاً عند النوازل، وغيرها، ويقولون: هو منسوخ، وفعله بدعة، فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء، وبين من استحبه على الدوام، وهم أسعد بالحديث من الطائفتين". قلت: وهكذا تجد أهل الحديث في كل مسألة، هم فيها وسطاً، وسنة الرسول ﷺ لهم مسلكاً.

стр. 64

ومما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم، الروايةُ الأخرى لحديث أبي هريرة ﵁ قال: "لأقربنّ صلاة النبي ﷺ ? فكان أبو هريرة ﵁ يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكافرين". [أخرجه البخاري ومسلم وقد سبق تخريجه].

стр. 65

خلاصة المسألة: أن رسول الله ﷺ قنت خمس، أو ست مرات، يدعو للمؤمنين، أو على الكافرين، وكان يقنت في الصلوات الخمس، ثم في المغرب، ثم في الفجر، فتوهّم من توهّم أنه داوم على ذلك، وراح بعض الضعفاء من أمثال أبي جعفر الرازي، يزيد في الحديث ويدرج، حتى صارت المداومة على القنوت في الفجر -عند بعضهم- سنة، وما هي بسنة، فقد أنكره من ذكرنا من أصحاب النبي ﷺ ولم يفعله أحد منهم، كما أنكره جمهور العلماء. يتميز أهل الحديث عن غيرهم بأمور منها: الأولى: لا يتعصبون لأحد من الأئمة، ولا يهضمون حق أحد منهم، فضلاً عن تجريحه. وهذا وسط بين من يتعصب لعين إمام، حتى يجعله في مقام المعصوم، كما هو شأن بعض المتعصبين، وبين من يهضم حق إمام، ويقدح فيه، كما هو شأن بعض الحدثاء المتسرعين.

стр. 66

الثانية: يأخذون الأحكام من النصوص، مستعينين على فهمها بفهم الأئمة، فمحورهم النصوص، وطريقهم إليها علماء الأمة. وهذا وسط بين من يتمسك بالنصوص متخلياً عن أئمته، معتمداً على فهم نفسه، وهذه طريقة الخوارج والمعتزلة وغيرهم، وبين من يجعل الأئمة محوره، منزلاً كلامهم منزلة النصوص! يدور حولها ويستنبط منها، بل إن بعضهم ليقدّمها على النصوص! وقد يحتج بعضهم بها في مواجهة النصوص، وهذه طريقة المتعصبة، والصوفية الغالية، والرافضة، الذين يقدمون أقوال أئمتهم على كلام الله ورسوله ﷺ . الثالث: الأصل عند أهل الحديث الجمع بين النصوص، لا قبول بعض ورد بعض، فتراهم يسعون جاهدين للتوفيق بين النصوص، والأخذ بها جميعاً، في الوقت الذي يرى البصير كيف يجتال التعصب والتفلت أهله، فيأخذون من النصوص ما يوافق كلام أئمتهم، ضاربين بالنصوص عرض الحائط، وهذا غير موجود في أهل الحديث، الذين ليس لهم إمام متبوع في كل شيء إلا رسول الله ﷺ .

стр. 67

ولولا ضيق المقام، لسردت من الأدلة والأمثلة على ذلك ما يزداد به المنصف قناعة، بصحة مذهب أهل الحديث وقوته، واعتداله ووسطيته.

стр. 68

عدد مرات قنوت النبي ﷺ -: قد ثبت أن النبي ﷺ قنت أكثر من مرة. الأول: قنوته عقب أحُد, وفيه أحاديث منها: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج وجهه، حتى سال الدم على وجهه، وقال: ((كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى الله)). [أخرجه مسلم (١٧٩١) والترمذي (٣٠٠٣) وأحمد (٣/ ٩٩) وغيرهم]. الثاني: قنوته للعن أعيان من قريش، وفي ذلك أحاديث منها: عن سالم عن أبيه -ابن عمر-: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان ابن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام, فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. [أخرجه البخاري (٨ - ٢٢٦ فتح) والترمذي (٣٠٠٤) وأحمد (٢ - ٩٣)]. الثالث والرابع: دعاؤه للمستضعفين بمكة, ودعاؤه على مضر, وفي ذلك أحاديث منها:

стр. 69

حديث أبي هريرة ﵁ قال: إن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: ((اللهم انج الوليد بن الوليد, وسلمة بن هشام, وعياش بن أبي ربيعة, والمستضعفين بمكة, اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)). [أخرجه البخاري (٢/ ٤٥٦٠) ومسلم (٦٧٥) وأبو داود (١٤٤٢) والنسائي (١٠٧٣) وغيرهم]. وهذان قنوتان, وإن كان ظاهر الرواية أنه قنوت واحد. فالأول: قنوته للمستضعفين بمكة. والثاني: قنوته على مضر، وقد ساق أبو هريرة القنوتين، في حديث واحد، للدلالة على أن رسول الله ﷺ كان في قنوته يدعو للمسلمين، أو يدعو على الكافرين، ويستفاد ذلك من قوله: (فلربما) قد ساقها مساق التمثيل. ثم لا يمكن أن يكون دعاؤه للمستضعفين، ودعاؤه على مضر في قنوت واحد، لتفاوت الزمنين, فدعاؤه للمستضعفين كان قبيل عمرة القضاء، كما أفاده أصحاب السير، وقد ثبت في الأحاديث السابقة: أن النبي ﷺ توقف عن الدعاء لهم لما

стр. 70

رجعوا، وقد رجعوا في عمرة القضاء, وكانت في ذي القعدة سنة سبع للهجرة. دلائل النبوة للبيهقي (٤ - ١٧٦) أسد الغابة (٥ - ٩٢) والإصابة في ترجمة الوليد بن الوليد. وأدق من ذلك ما ذكره الحافظ في الفتح (٨ - ٢٢٧) وعزاه لـ (فوائد الزيادات) وسكت عنه من حديث جابر قال: "رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركعة الأخيرة من صلاة الصبح، صبيحة خمس عشرة من رمضان فقال: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد ... )) وفيه: "فدعا بذلك خمسة عشر يوماً حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء، فسأله عمر, فقال: ((أو ما علمت أنهم قدموا ... )). وهذه الرواية تؤكد أن دعاءه للمستضعفين كان مستقلاً عن دعائه على مضر. ولم يتبين لي متى دعا على مضر. وفي رواية أخري للبخاري (٤٥٦٠) جمع فيها الدعاء للمستضعفين والدعاء على مضر, والدعاء على رِعل وذكوان وعصية, في رواية واحدة, ومن المعلوم أن بينهما سنين.

стр. 71

الخامس: قنوته ﷺ على قاتلي القراء في حادثة بئر معونة, وفي ذلك أحاديث منها: عن أنس ﵁ قال: "بعث النبي سبعين رجلاً لحاجة, يقال لهم القراء, فعرض لهم حيان من سليم: رعل وذكوان عن بئر يقال لها: بئر معونة, فقال القوم ما إياكم أردنا, إنما نحن مجتازون في حاجة النبي ﷺ فقتلوهم, فدعا النبي ﷺ شهراً في صلاة الغداة, وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت". [أخرجه البخاري (٣٨٦٠) ومسلم (٦٧٧) وغيرهم]. قول أنس: "وذلك بدء القنوت ... " وذلك حسب علمه, وكان ذلك في صفر من سنة أربع للهجرة. كما أفاده أصحاب السير [السيرة لابن هشام ٣/ ١٣٧] [تاريخ الطبري ٢/ ٥٤٥] [البداية والنهاية ٤/ ٧١]. القنوت السادس: قنوته على المنافقين: عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: ((اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً)) بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا

стр. 72

ولك الحمد, فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. [أخرجه البخاري (٤٥٥٩) والنسائي (١٠٧٨) وأحمد (٦٣٤٩)]. وزادا: "يدعو على أناس من المنافقين". قال الشوكاني في (النيل ٢/ ٤٠٣): "وبهذه الرواية يعلم أن هؤلاء الذين لعنهم رسول الله ﷺ غير قتلة القراء". ويعارضها ما أخرجه البخاري (٤٠٧٠) مرسلاً, وأحمد (٢/ ٩٣) , والترمذي (٣٠٠٤) كلاهما موصولاً. عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان ابن أمية, وسهيل بن عمير, والحارث بن هشام، فنزلت الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. واستغرب الترمذي سنده، ونقل عن البخاري عدم معرفته من حديث عمر بن حمزة, وعرفه من حديث الزهري. وفي هذا إشارة إلي شذوذه, وحديث الزهري هو السابق في ذكر المنافقين.

стр. 73

وزيادة النسائي، وأحمد أصح, وقد يمكن -توفيقاً بين الروايتين- ابن عمر روى هذا تارة, وهذا تارة, فإن النبي ﷺ دعا على قريش، ودعا على المنافقين, والله أعلم. ويتبين من عدد قنوت النبي: - أنه ﷺ قنت أكثر من مرة. - وأن قنوته ﷺ كان لأكثر من أمر. - وأنه غير مقتصر على النوازل, بل كان لنازلة, وحاجة, ومصلحة, كأن يدعو لقوم أو على قوم. - وأن القنوت مستمر كلما دعت الحاجة إليه, لم ينسخ ما دام هناك حاجة للمسلمين, ومصلحة, ويقع في ديارهم نازلة.

стр. 74

مسألة رقم (٢): في أي الصلوات يشرع ؟ يشرع قنوت النوازل والحاجة في سائر الصلوات الخمسة، السرية منها والجهرية، ويفضل المغرب والفجر، وتتأكد أفضليته في صلاة الفجر، وذلك حسب النازلة والحاجة. والذي يظهر من عموم الروايات: ١ - أن النبي ﷺ كان يقنت أول وقوع النازلة في الصلوات الخمس، ثم يتركه في الظهر والعصر والعشاء، ويبقيه في المغرب والفجر، ثم يتركه في المغرب، ويبقيه في الفجر، ثم يتركه إذا أقلعت النازلة، فإن لم تكن نازلة، وكانت ثمة حاجة للمسلمين في جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، استحب القنوت بين الحين والحين، وهذا هو أفضل المسالك للتوفيق بين الأحاديث التي وردت في هذا الشأن، ولفهمها الفهم الصحيح. فإن الإنسان أكثر ما يتأثر أول نزول النازلة، فيكون أحوج إلى كثرة الدعاء، فيدعو في الصلاة كلها، فإن خفت النازلة وبعُدَ عهدها، قنت في الفجر، فإن أقلعت، أقلع عن القنوت.

стр. 75

أدلة ذلك: الأول: القنوت في الصلاة كلها: عن ابن عباس ﵃ قال: "قنت رسول الله? شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة، إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على أحياء، ويؤمن من خلفه ... " [رواه أبو داود (١٤٤٣) وأحمد (١ - ٣٠١) والحاكم (١/ ٢٢٥) والبيهقي (٢/ ٢١٢) من طريق ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس به]. قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله رجال الصحيحين خلا هلال بن خباب (١) وهو ثقة، لكن اختلط في آخر عمره. وقد وثقه أحمد، وابن معين، وابن حبان، كما في التهذيب (١١ - ٧٨) وقال يحيى بن سعيد القطان: تغير قبل موته، وفي النفس شيء من تفرده.
следующие страницы →