الخامس: قنوته ﷺ على قاتلي القراء في حادثة بئر معونة, وفي ذلك أحاديث منها:
عن أنس ﵁ قال: "بعث النبي سبعين رجلاً لحاجة, يقال لهم القراء, فعرض لهم حيان من سليم: رعل وذكوان عن بئر يقال لها: بئر معونة, فقال القوم ما إياكم أردنا, إنما نحن مجتازون في حاجة النبي ﷺ فقتلوهم, فدعا النبي ﷺ شهراً في صلاة الغداة, وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت".
[أخرجه البخاري (٣٨٦٠) ومسلم (٦٧٧) وغيرهم].
قول أنس: "وذلك بدء القنوت ... " وذلك حسب علمه, وكان ذلك في صفر من سنة أربع للهجرة.
كما أفاده أصحاب السير [السيرة لابن هشام ٣/ ١٣٧] [تاريخ الطبري ٢/ ٥٤٥] [البداية والنهاية ٤/ ٧١].
القنوت السادس: قنوته على المنافقين:
عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: ((اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً)) بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا
стр. 72
ولك الحمد, فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
[أخرجه البخاري (٤٥٥٩) والنسائي (١٠٧٨) وأحمد (٦٣٤٩)].
وزادا: "يدعو على أناس من المنافقين".
قال الشوكاني في (النيل ٢/ ٤٠٣): "وبهذه الرواية يعلم أن هؤلاء الذين لعنهم رسول الله ﷺ غير قتلة القراء".
ويعارضها ما أخرجه البخاري (٤٠٧٠) مرسلاً, وأحمد (٢/ ٩٣) , والترمذي (٣٠٠٤) كلاهما موصولاً.
عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان ابن أمية, وسهيل بن عمير, والحارث بن هشام، فنزلت الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
واستغرب الترمذي سنده، ونقل عن البخاري عدم معرفته من حديث عمر بن حمزة, وعرفه من حديث الزهري.
وفي هذا إشارة إلي شذوذه, وحديث الزهري هو السابق في ذكر المنافقين.
стр. 73
وزيادة النسائي، وأحمد أصح, وقد يمكن -توفيقاً بين الروايتين- ابن عمر روى هذا تارة, وهذا تارة, فإن النبي ﷺ دعا على قريش، ودعا على المنافقين, والله أعلم.
ويتبين من عدد قنوت النبي:
- أنه ﷺ قنت أكثر من مرة.
- وأن قنوته ﷺ كان لأكثر من أمر.
- وأنه غير مقتصر على النوازل, بل كان لنازلة, وحاجة, ومصلحة, كأن يدعو لقوم أو على قوم.
- وأن القنوت مستمر كلما دعت الحاجة إليه, لم ينسخ ما دام هناك حاجة للمسلمين, ومصلحة, ويقع في ديارهم نازلة.
стр. 74
مسألة رقم (٢):
في أي الصلوات يشرع ؟
يشرع قنوت النوازل والحاجة في سائر الصلوات الخمسة، السرية منها والجهرية، ويفضل المغرب والفجر، وتتأكد أفضليته في صلاة الفجر، وذلك حسب النازلة والحاجة.
والذي يظهر من عموم الروايات:
١ - أن النبي ﷺ كان يقنت أول وقوع النازلة في الصلوات الخمس، ثم يتركه في الظهر والعصر والعشاء، ويبقيه في المغرب والفجر، ثم يتركه في المغرب، ويبقيه في الفجر، ثم يتركه إذا أقلعت النازلة، فإن لم تكن نازلة، وكانت ثمة حاجة للمسلمين في جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، استحب القنوت بين الحين والحين، وهذا هو أفضل المسالك للتوفيق بين الأحاديث التي وردت في هذا الشأن، ولفهمها الفهم الصحيح.
فإن الإنسان أكثر ما يتأثر أول نزول النازلة، فيكون أحوج إلى كثرة الدعاء، فيدعو في الصلاة كلها، فإن خفت النازلة وبعُدَ عهدها، قنت في الفجر، فإن أقلعت، أقلع عن القنوت.
стр. 75
أدلة ذلك:
الأول: القنوت في الصلاة كلها:
عن ابن عباس ﵃ قال: "قنت رسول الله? شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة، إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على أحياء، ويؤمن من خلفه ... "
[رواه أبو داود (١٤٤٣) وأحمد (١ - ٣٠١) والحاكم (١/ ٢٢٥) والبيهقي (٢/ ٢١٢) من طريق ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس به].
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله رجال الصحيحين خلا هلال بن خباب (١) وهو ثقة، لكن اختلط في آخر عمره.
وقد وثقه أحمد، وابن معين، وابن حبان، كما في التهذيب (١١ - ٧٨) وقال يحيى بن سعيد القطان: تغير قبل موته، وفي النفس شيء من تفرده.
стр. 76
لكن لمعنى الحديث شواهد تأتي في هذا الفصل إن شاء الله، وقد حسن إسناده النووي في المجموع (٣/ ٥٠٢) وشيخنا الألباني في الإرواء (٢ - ١٦٣).
الثاني: القنوت في الظهر والعشاء والفجر:
عن أبي هريرة ﵁ قال:
"لأقربن بكم صلاة رسول الله ﷺ فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر والعشاء الأخيرة وصلاة الصبح، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار " (١) فهذا القنوت كان في الصبح والظهر والعشاء.
وفي رواية لأحمد "وصلاة العصر" بدل: "صلاة العشاء".
الثالث: القنوت في صلاة المغرب والفجر:
وفيه حديثان:
الأول: عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ :
стр. 77
"كان يقنت في صلاة المغرب والفجر".
[رواه مسلم (٦٧٨) وأبو داود (١٤٤١) والنسائي (٢/ ٢١٢) والترمذي (٤٠١) وأحمد (١٨٤٩٣) وغيرهم].
الثاني: عن أنس ﵁ قال:
"كان القنوت في المغرب والفجر".
[رواه البخاري (١ - ٢٥٨) وغيره].
الرابع: القنوت في الفجر:
المتتبع للسنة يجد أن أكثر الروايات على أنه ﷺ كان يقنت عند الحاجة والنازلة في الفجر، أو كان يقنت في جميع الصلوات ثم يتركه إلاّ في الفجر، وفي هذا أحاديث وآثار كثيرة نذكر منها:
الأول: عن أنس ﵁ قال: -فذكر حديث القراء الذين قتلوا في بئر معونة ثم قال-:
"فدعا النبي ﷺ ? شهراً في صلاة الغداة ... ".
[أخرجه البخاري (٢/ ٤٠٨) ومسلم (٦٧٧) في المساجد، وأبو داود (١٤٤٤ - ١٤٤٥) في الصلاة، والنسائي (٢/ ٢٠٠) وغيرهم].
стр. 78
الثاني: عن عبد الله بن عمر ﵃:
"أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر ... " الحديث.
[أخرجه البخاري (٨/ ١٧٠) والنسائي (٢ - ٢٠٣) والترمذي (٣٠٠٧) وغيرهم].
الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال:
"كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ... " ثم ذكر قنوته ودعاءه للمستضعفين في مكة.
[أخرجه البخاري (٨١٧٠) ومسلم (٦٧٥) واللفظ له].
هذا وقد تنوعت أقوال العلماء في تعيين الصلاة التي يقنت فيها، ولا شك أن من أسباب هذا الاختلاف التقليد، وعدم الرجوع إلى النصوص.
فمنهم من قال:
إنه منسوخ في الصلوات كلها، قلت: وهذا أبعد المذاهب عن الصواب، وقد تم الرد على هذا القول.
وقال آخرون: يقنت في المغرب والفجر.
وذهب آخرون: إلى أنه منسوخ إلا في صلاة الفجر فقط.
стр. 79
والصواب الذي لا يرتاب فيه مطلع على هذه النصوص:
أن المسألة لا ناسخ فيها، ولا منسوخ، وغاية ما في الأمر: أنه يشرع في الصلوات كلها، وفي بعضها دون بعض.
قال ابن حبان -عند حديث أبي هريرة ﵁ (١٩٨٣):
"فإذا كان بعض ما وصفنا موجوداً، قنت المرء في صلاة واحدة، أو الصلوات كلها، أو بعضها دون بعض".
وبوب النووي لأحاديث القنوت في صحيح مسلم من كتاب المساجد (باب رقم ٥٤) فقال:
"باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة".
وكذا قال ابن القيم في الزاد (١ - ٢٧٢) والشوكاني في النيل (٢ - ٣٤٦) وغيرهم من المحققين المستقلين المنصفين.
وأغرب ابن قدامة في المغني (١/ ٧٨٨) من الشرح فقال:
"ولا يقنت في الصلاة إلا في الوتر والغداة، وقيل يقنت في الجهر كلها قياساً على الفجر، ولا يصح هذا؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه القنوت في غير الفجر والوتر"! .
стр. 80
قلت: لا أدري أيهما أغرب، الذي قاس؟ ! أم الذي نفى؟ ! مع شهرة الأحاديث في ذلك، وهي في الصحيحين وغيرهما من أن النبي ﷺ قنت في الظهر والمغرب والعشاء، وفي غير الصحيحين قنت في الصلوات كلها، وقد سبق ذكرها.
وهذا مثال من الأمثلة الكثيرة، على عدم جدوى الاعتماد على كتب الفقه دون الرجوع إلى كتب السنة وعلمائها، فكن من ذلك على ذكر.
стр. 81
مسألة رقم (٣):
هل القنوت قبل الركوع أم بعده ؟
يشرع القنوت في آخر ركعة من الصلاة، بعد الركوع وقبله، وأكثر الأحاديث وأقواها على أنه بعده.
أحاديث قنوته ﷺ بعد الركوع:
وهي كثيرة منها:
الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال:
"لأقربن صلاة النبي ﷺ فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده".
[أخرجه البخاري (١ - ١٩٣) ومسلم (١/ ٤٦٨)]. وقد سبق تخريجه.
الثاني: عن محمد بن سيرين قال:
"سئل أنس بن مالك: أقنت النبي? في الصبح، قال: نعم، فقيل: أوقنت قبل الركوع أم بعد الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيراً".
[أخرجه البخاري (٢/ ١٤) ومسلم (رقم ٦٧٧) وغيرهم].
стр. 82
قوله: "بعد الركوع يسيراً".
يحتمل ثلاثة معاني:
الأول: أي قنت أياماً يسيرة بعد الركوع، وهي شهر كما في الروايات الأخرى، وبعبارة أخرى، أي: لم يكن يداوم على القنوت في الفجر، بل يسيراً عند النازلة، أو الحاجة.
الثاني: أي قنت بعد الركوع يسيراً، وقبل الركوع كثيراً.
الثالث: لم يقنت قبل الركوع مطلقاً.
والأول: هو الراجح -عندي- والأخيران من إفادة الحافظ في الفتح (رقم الحديث ١٠٠٤) ولا أدري وجه الفهم الثالث، ولو قال معنى يسيراً: أي وقتاً يسيراً ولم يكن دعاؤه طويلاً، لكان أقرب للفهم، والله أعلم.
وقد بوّب الإمام البخاري لهذا الحديث فقال: "باب القنوت قبل الركوع وبعده".
стр. 83
أحاديث قنوته قبل الركوع:
منها: الأول: عن أنس بن مالك ﵁ وقد سئل عن القنوت بعد الركوع أو عند فراغه من القراءة- قال: "لا، بل عند فراغه من القراءة". [رواه البخاري (٥/ ٤٢) عن عبدالعزيز بن صهيب عنه].
الثاني: عن عاصم الأحول قال:
"سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة: فقال: نعم؛ فقلت: كان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت: بعده، قال: كذب، إنما قنت النبي ﷺ بعد الركوع شهراً ... ".
[أخرجه البخاري (١ - ٢٥٦) واللفظ له، ومسلم رقم (٦٧٣) (١ - ٤٦٩) وغيرهما].
فهذه الرواية تبين أنه ﷺ كان يقنت قبل الركوع وبعده، وأن أنساً ﵁ كان يذكر هذا تارة، وهذا تارة.
وقوله: كذب أي: أخطأ.
стр. 84
وزعم بعضهم أن رواية عاصم الأحول شاذة؛ لمخالفتها للروايات الأخرى من أنهم ذكروا: أن القنوت بعد الركوع، وعاصم يروي قبل الركوع، وهم أكثر عدداً.
قلت: هذا صحيح، لو كانت الحادثة واحدة ولا يمكن التوفيق بينهما، ومسألتنا ليست كذلك، فإنها أكثر من رواية، وأكثر من حادثة.
وليس في هذا دليل على أن أنساً ﵁ ينكر القنوت بعد الركوع، بدليل رواياته الأخرى، وإنما ينكر لو أنه قال: إن القنوت بعد الركوع دائماً.
ويوضح هذا ما أخرجه ابن ماجة (٢/ ١١٤٨) عن أنس ﵁: أنه سئل عن القنوت فقال: "قبل الركوع وبعده".
قال الحافظ في الفتح (٢ - ٥٦٩): "إسناده قوي".
وقد وجّه شيخنا العلامة الألباني ﵀ حديث أنس ﵁ في نفيه للقنوت بعد الركوع توجيهاً آخر: أنه أراد قنوت الوتر، لا قنوت النازلة؛ وهو توجيه وجيه (١)، بدليل أن أنساً
стр. 85
ذكر عقب إنكاره: أن النبي ﷺ قنت بعد الركوع، فكيف ينكر ثم يثبت؟ ! إلا أن يُقال: إن إنكاره القنوت بعد الركوع، كان لقنوت الوتر، وإثباته بعد الركوع كان لقنوت النازلة، والله أعلم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر من طرق (٧٠١٨ - ٧٠٢١ - ٧٠٢٢) بعضها صحيح، أنه قنت قبل الركوع في الفجر.
وأخرج عن ابن عباس من طريقين (٧٠١٣، ٧٠١٥)، أنه قنت في الصبح قبل الركوع.
وثمت آثار رواها ابن أبي شيبة، بدءاً من رقم (٧٠١٢) والطحاوي (١ - ١٤٧) فليراجعها من شاء.
قال البيهقي (٢ - ٢٠٨): "ورواة القنوت بعد الركوع أكثر وأحفظ فهو أولى".
وكذا قال غير واحد من المحققين.
قلت: والقنوت قبل الركوع وبعده مذهب جمهور أهل العلم.
والأمر فيه سعة، والله أعلم.
стр. 86
مسألة رقم (٤):
مدة القنوت ومتى يترك ؟
يشرع القنوت مدة النازلة إن كانت ذات وقت، وإن نزلت فجأة ثم أقلعت فيشرع لأيام بعدها، والسنة في ذلك شهر، وإن كان لحاجة المسلمين فحتى تقضى، فإن طالت قنت وترك إلى أن تزول.
مرّ سابقاً أن القنوت يشرع عند النازلة، ولحاجة المسلمين.
والنازلة: نازلتان:
نازلة كالصاعقة، وقتها قصير جداً، ونازلة ذات وقت.
فإن نزلت النازلة ثم ولت، استحب أن يقنت مدة شهر ثم يتركه؛ لفعل النبي ﷺ ذلك في قصة أصحاب بئر معونة، كما في حديث أنس بن مالك ﵁ قال:
"بعث النبي ﷺ سبعين رجلاً لحاجة، يقال: لهم القراء فعرض لهم حيان من سليم رعلٌ وذكوانُ، عند بئر يقال لها: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة النبي ﷺ فقتلوهم، فدعا النبي ﷺ شهراً
стр. 87
في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت". [متفق عليه، وسبق تخريجه].
وإن كانت النازلة مستمرة، استمر القنوت إلى أن تقلع، فإن أقلعت، أقلع عنه، فإن قنت بعد إقلاعها أياماً شكراً لله، ودعا ألا تعود، فليس ثمة مانع، فقد قنت رسول الله ﷺ بعد إقلاع نازلة بئر معونة شهراً، وقنت بعد نازلة أُحد أياماً، فإن كانت في حاجة المسلمين ومصالحهم، وتمت المصلحة، وقضيت الحاجة، ترك القنوت؛ لأن القنوت إنما شرع لسبب، فإذا زال السبب الموجب له، لم يعد للقنوت معنى.
فإن لم تتم المصلحة، ولم تقض الحاجة، وطالت المدة، كوجود أسرى للمسلمين، أو سجناء، أو طواغيت تسلطوا على المسلمين، استحب له أن يقنت بين الحين والحين، تذكرة للمسلمين، وطلباً لقضاء حاجاتهم من رب العالمين.
أدلة ذلك:
فأما قنوته شهراً بعد النازلة فبيّن، قد سبقت الأدلة بذلك.
وأما استمراره بالقنوت ما دامت النازلة نازلة، وتركه إذا أدبرت.
стр. 88
فلحديث أبي هريرة ﵁ قال:
"أن النبي قال: ((اللهم نجّ الوليد بن الوليد، اللهم نجِّ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نجّ المستضعفين من المؤمنين)).
قال أبو هريرة ﵁:
"ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعدُ، فقلت: أرى رسول الله ﷺ قد ترك الدعاء لهم؟ قال: قيل: ((وما تراهم قد قَدِموا)).
[أخرجه البخاري رقم (٤٣٢٢) دون قول أبي هريرة، ومسلم (٦٧٥) وغيرهما].
فهذه نازلة، وإن لم تكن صاعقة، لكن النبي ﷺ قنت حتى فُرّج هم المسلمين، ونُفّست كربتهم، فلما قَدِمَ مَنْ قدم من مكة من هؤلاء المستضعفين، ترك رسول الله ﷺ الدعاء.
قال ابن حبان (٥ - ٣٢٥) عقب حديث رقم (١٩٨٦):
"كان ﷺ يقنت على المشركين، ويدعو للمسلمين بالنجاة، فلما أصبح يوماً من الأيام ترك القنوت، فذكر ذلك أبو هريرة
стр. 89
فقال ﷺ : ((أما تراهم قدموا)) ففي هذا أبين البيان على صحة ما أصلناه".
قال في المغني (١ - ٧٨٨ من الشرح):
"فإن نزل بالمسلمين نازلة، فللإمام أن يقنت في صلاة الصبح نص عليه أحمد، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن القنوت في الفجر فقال: إذا نزل بالمسلمين نازلة، قنت الإمام وأمّن من خلفه، ثم قال: مثل ما نزل بالمسلمين من هذا الكافر -يعني: بابك- قال أبو داود: سمعت أحمد يُسأل عن القنوت في الفجر فقال: لو قنت أياماً معلومة ثم يترك كما فعل النبي ﷺ ، أو قنت على الخرمية، أو قنت على الدوام، والخرمية: هم أصحاب بابك ... ".
فإن قال قائل: قد قلتم بمشروعية القنوت لغير النازلة الصاعقة كذلك، كالدعاء للمجاهدين والأسرى، والدعاء على الظلمة والطواغيت، ولا يخفى عليكم، أن الحروب والفتوح والغزوات والظلمة .. كل ذلك كان على عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولم يداوموا على القنوت، لمداومة الحروب، فمن أين لكم أن يُقنت بين الحين والحين؟
стр. 90
وقد ذهب بعضهم إلى هذا.
قال ابن العربي ( ... ): "ورأي أحمد بن حنبل أن قنوت النبي ﷺ إنما كان لسبب فيما كان ينزل بالمسلمين، والأحكام إذا كانت متعلقة بالأسباب زالت بزوالها، ورأي مالك والشافعي أن ذلك من كلب العدو، ومقارعته معنى دائم فدام القنوت بدوامه".
قلت: هذا كلام وجيه ... لكن هذه الأمور التي ذكرت من أسباب مشروعية القنوت كانت على عهد رسول الله ﷺ ، ومع ذلك لم يداوم على القنوت إذا استدامت، ولذلك قلنا بعدم الديمومة عليه، وهذا هو المذهب الوسط الذي يجمع بين حديث أنس بن مالك ﵁: "أنه كان لا يقنت إلا إذا أراد أن يدعو على قوم، أو يدعو لقوم"، وحديث أبي هريرة السابق: "لأقربن صلاة رسول الله، فقنت"، وغيرهما مما سبق ذكره، كل هذا يدل على أنه: كان يقنت أحياناً، ويترك أحياناً.
ومعلوم أن النبي ﷺ دعا في قنوته بعد أحد يلعن فلاناً وفلاناً، وسيأتي تخريجه.
ودعا لنجاة المستضعفين في مكة، وكم في الأرض في زماننا من مستضعفين، وكم في عصرنا من مسجونين، فرج الله همهم،
стр. 91
ونفس كربهم، ومكنهم في الأرض لإصلاحها، إنه على ذلك قدير.
قال ابن القيم في الزاد (١ - ٢٧٢):
"والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه ﷺ جهر وأسر، وقنت وترك، وكان إسراره أكثر من جهره، وتركه القنوت أكثر من فعله، فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم، وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت ... ".
والحقيقة: أن هذه سنة متروكة، وطريقة مهجورة، وهي القنوت لحاجة المسلمين، كالدعاء لهم بالنصر والفرج، وما شابه ذلك.
وعلى أئمة المساجد الذين يحبون إحياء سنن رسول الله ﷺ أن يحيوا هذه السنة التي دثرت، وأن يعلموا أن اتباع رسول الله ﷺ خير لهم من اتباع مذهب زيد، أو عمرو، وإرضاء من يصلي خلفهم، وعسى الله تعالى أن يقيض لهذه السنة من يحييها.
стр. 92
مسألة رقم (٥):
حكم الجهر به، والتأمين، ورفع الأيدي، والصلاة على النبي ﷺ -?
يجهر بالقنوت، سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، ويؤمن المأمومون، وترفع الأيدي فيه، ولا يمسح بها الوجه ولا الصدر، ولم ترد الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عنه في هذا المقام.
أما الجهر: فهو ظاهر من الأدلة السابقة، ومنها: تصريح أبي هريرة عند البخاري (٤٥٦٠): " ... يجهر بذلك".
ثم لو لم يكن يجهر رسول الله ﷺ بالدعاء لما عرف بماذا كان يدعو.
كما يستدل على الجهر بتأمين الصحابة ﵃ خلفه ﷺ ولا يتحصل ذلك إلا بالجهر، ولذلك قال الحافظ في الفتح (٢ - ٥٧٠):
"وظهر لي أن الحكمة في جعل قنوت النازلة في الاعتدال دون السجود مع أن السجود مظنة الإجابة ... أن المطلوب من
стр. 93
قنوت النازلة، أن يشارك المأموم الإمام في الدعاء، ولو بالتأمين، ومن ثم اتفقوا على أن يجهر به".
قلت: ولعلّ من حكمة الجهر أيضاً: مشاركة المسلمين إخوانهم المدعو لهم، والاستشعار بشعورهم، وهو من الولاء، وبُغض الذين يُدعا عليهم، وهو من البراء، وأن يكون المسلم على علم وبصيرة بما يجري حوله فيما يخص عقيدة الولاء والبراء.
وأما دليل تأمين المأمومين:
فلحديث ابن عباس الوارد في المسألة (رقم ٢): وفيه " ... ويؤمن من خلفه" وقد سبق تخريجه.
وأما رفع اليدين:
فلحديث أنس في رواية أحمد (٣ - ١٣٧) والبيهقي (٢ - ٢١١) والطبراني في الصغير (ص ١١١).
стр. 94
ولما في هذه الرواية من عبر، أسوقها للفائدة، نفعنا الله والمسلمين بها وبغيرها من سنة المصطفى ﷺ وسيرة صحبه الكرام.
قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم وعفان المعنى قالا: حدثنا سليمان عن ثابت قال: كنا عند أنس بن مالك، فكتب كتاباً بين أهله، فقال: اشهدوا يا معشر القراء، قال ثابت: فكأني كرهت ذلك، فقلت: يا أبا حمزة لو سميتهم بأسمائهم، قال: وما بأس أن أقول لكم قراء، أفلا أحدثكم عن إخوانكم الذين كنا نسميهم على عهد رسول الله ﷺ القراء، فذكر أنهم كانوا سبعين، فكانوا إذا جاءهم الليل انطلقوا إلى معلم لهم بالمدينة، فيدرسون الليل حتى يصبحوا، فإذا أصبحوا؛ فمن كانت له قوة، استعذب من الماء، وأصاب من الحطب، ومن كانت عنده سعة اجتمعوا، فاشتروا الشاة وأصلحوها، فيصبح ذلك معلقاً بحجر رسول الله ﷺ فلما أصيب خبيب، بعثهم ﷺ فأتوا على حي من بني سُليم، وفيهم خالي حرام، فقال حرام لأميرهم: دعني فأخبر هؤلاء إنا لسنا إياهم نريد، حتى يخلوا وجهنا، -وقال عفان: فيخلون وجهنا- فقال لهم حرام: إنا لسنا إياكم نريد،
стр. 95
فخلوا وجهنا، فاستقبله رجل بالرمح فأنفذه منه، فلما وجد الرمح في جوفه، قال: الله أكبر؛ فزت ورب الكعبة، قال: فانطووا عليهم فما بقي أحد منهم، فقال أنس: فما رأيت رسول الله ﷺ وجد على شيء قط وجده عليهم، فلقد رأيت رسول الله ﷺ في صلاة الغداة، رفع يديه فدعا عليهم، فلما كان بعد ذلك، إذا أبو طلحة يقول لي: هل لك في قاتل حرام، قال: قلت له: ماله؛ فعل الله به وفعل، قال: مهلاً: فإنه قد أسلم، وقال عفان: رفع يديه يدعو عليهم، وقال أبو النضر: رفع يديه".
هاشم: هو ابن القاسم.
وعفان: هو ابن مسلم بن عبد الله الباهلي.
وسليمان: هو ابن المغيرة القيسي.
وثابت: هو ثابت البناني.
وهذا سند صحيح متين، رجاله كلهم ثقات عدول من رجال الصحيحين، وهو على شرط مسلم، وأصل الحديث فيهما.
стр. 96
وقد ذكر البيهقي آثاراً عن الصحابة في رفع اليدين منهم عمر بن الخطاب، وصححه عنه (٢ - ٢١٢).
وكذلك النووي في المجموع (٣ - ٥١١) نقلاً عن البخاري في جزء رفع اليدين وصححها وقال: "وهذا هو الصحيح" أي: رفع اليدين.
ويرفع المأمومون أيديهم اقتداء بالإمام، لقوله ﷺ :
((إنما جعل الإمام ليُؤتمّ به)) [البخاري (١/ ١٧٦)].
وأما مسح الوجه: فلم يثبت عن النبي ﷺ في الصلاة ولا خارجها، وما ورد في ذلك، فإما موضوع أو شديد الضعف، وقد حققت ذلك في مسألة خاصة يسر الله طبعها، وإذا لم يثبت ذلك ففعله بدعة.
قال العز بن عبد السلام: "لا يفعله إلا جاهل " (١).
وقال البيهقي (١ - ٢١٢):
"فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف".
стр. 97
ثم ضعف الحديث الوارد، ثم قال: "وأما في الصلاة، فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح، ولا أثر ثابت، ولا قياس، فالأولى ألا يفعله".
وقال النووي في المجموع (٣ - ٥٠١):
"لا يمسح، وهذا هو الصحيح" وضعف الحديث الوارد في ذلك.
وقال ابن قدامة في المغني (١ - ٧٨٦) من الشرح:
"فهل يمسح وجهه بيده: روايتان: إحداهما: لا يفعل لأنه روي عن أحمد أنه قال: لم أسمع فيه بشيء".
ثم ذكر الوجه الآخر، واستدل له بالأحاديث الضعيفة والموضوعة.
وأما الصلاة والسلام على النبي ﷺ فلم تثبت في حديث صحيح، ولا حسن.
وقد ثبت عن بعض الصحابة ﵃ الصلاة على النبي ﷺ في قنوت رمضان، فهل هو في حكم دعاء قنوت النازلة، لأنه
стр. 98
دعاء جماعي؟ لأنهم كانوا يدعون فيه للمؤمنين ويلعنون الكافرين؟
والأصل عدم وروده، فإن صلّى غير ملتزم به أحياناً فلا بأس، والله أعلم.
стр. 99
مسألة رقم (٦):
صيغة الدعاء
لم يثبت عن النبي ﷺ في دعاء قنوت النازلة صيغة ملزمة، وإنما كان ﷺ يدعو بما يناسب الحال، وكذلك المسلم يدعو في قنوته بما يناسب حال النازلة، وينبغي أن يكون الدعاء جامعاً، وألا يطيل الإمام فيه، ولا يشقّق، ولا يتكلف السجع، فليس من هديه ﷺ ما يفعله كثير من أئمة مساجد زماننا من إطالة الدعاء، وتعمد السجع، والتشقّق فيه.
وإذا كان القانت منفرداً، فليدع ما شاء الله أن يدعو.
وإن للدعاء آداباً، ينبغي على الداعي الالتزام بها، وله محظورات، ينبغي على الداعي اجتنابها.
والعبرة في الدعاء بصدقه وقوته، وطهارة نفس صاحبه، وشدة إيمانه وإخلاصه، والخوف والرجاء والعبودية لله فيه، وليست العبرة بطول الدعاء، ورفع الصوت فيه، وتكلف السجع والتشقق فيه.
стр. 100
وقد مر في هذه الرسالة، ما ورد عنه ﷺ من الأدعية في هذا المقام ومنها:
((اللهم نجّ الوليد بن الوليد، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف)) سبق تخريجه.
قال الإمام مالك كما في المدونة (١ - ١٠٠):
"ليس في القنوت دعاء معروف، ولا وقوف مؤقت".
قال النووي في شرح مسلم (٥ - ١٨٣): "والصحيح أنه لا يتعين فيه دعاء مخصوص بل يحصل بكل دعاء".
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٠٩):
"كما أن النبي ﷺ لما قنت أولاً على قبائل بني سليم الذين قتلوا القراء، دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده، ثم لما قنت للمستضعفين من أصحابه، دعا بدعاء يناسب مقصوده، فسنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين تدل على شيئين:
أحدهما: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه، ليس سنة دائمة في الصلاة.
стр. 101
الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاء راتباً، بل يدعو في كل قنوت الذي يناسبه.
ويكره تكلف السجع؛ لأنه تكلف وقد نهينا عنه، ولم يكن من هدي النبي ﷺ ولا أصحابه.
فقد أخرج البخاري (٧ - ١٥٣) تحت باب: "ما يكره من السجع في الدعاء"
عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: حدّث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثر فثلاث مرات، حتى لا يمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم، فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم، وهم يشهدونه، وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك، يعني لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".
والسجع: الكلام المقفّى المتشابه المخارج، وليس بشعر.
قال في اللسان مادة (س ج ع):
سجع: تكلم بكلام له فواصل كفواصل الشعر من غير وزن.
стр. 102
والنهي المذكور: إنما هو المتكلف منه، وإلا فإن كثيراً من أدعية النبي ﷺ كان مسجوعاً كقوله ﷺ :
((اللهم رب الناس مذهب البأس)) (الحديث) (١).
((اللهم استر عورتي، وآمن روعتي ... )) (الحديث) (٢).
ولذلك قال الحافظ في الفتح (١١/ ١٣٩):
"أي لا تقصد إليه، أي: إلى السجع، ولا تشغل فكرك به، لما فيه من التكلف، المانع للخشوع المطلوب في الدعاء" وقال ابن التين: "المراد بالنهي المستكره منه" وقال الراوي: "الاستكثار منه".
ولا يرد على ذلك ما وقع في الأحاديث الصحيحة؛ لأن ذلك كان يصدر من غير قصد إليه، ولأجل ذلك يجيء في غاية الانسجام، كقوله ﷺ في الجهاد: ((اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب ... )) (٣) الحديث" انتهى كلام الحافظ.
стр. 103
وخلاصة هذا: أن لا يتكلف الداعي السجع تكلفاً يذهب صدق الدعاء، واللهج به، ويشغله عن قصده، ويصرفه عن مبتغاه.
وأما الإطالة فيه: ففضلاً على أن فيه مخالفة لسنة النبي ﷺ فقد كره رسول الله ﷺ التشقق في الخطبة، والتشدق في الكلام، وهو التكلف في إخراج الكلام، وانتقاء العبارات؛ ليتفيهق فيه وليتشدق.
فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال:
((إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون، والمتشدقون -أي: المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز- والمتفيقهون، قالوا: يارسول الله! ما المتفيقهون؟ قال: المتكبرون)) حديث صحيح.
أخرجه الترمذي (١ - ٣٦٣) وأخرجه أحمد (٤ - ١٩٣) عن أبي ثعلبة ﵁ وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع.
стр. 104
وعن أبي الدرداء ﵁ قال:
"خطب رسول الله ﷺ خطبة خفيفة فلما فرغ من خطبته قال: يا أبا بكر قم فاخطب، فقصر دون رسول الله ﷺ فلما فرغ من خطبته قال: يا عمر قم فاخطب، فقام فخطب، فقصر دون رسول الله ﷺ ودون أبي بكر، فلما فرغ من خطبته قال: يا فلان قم فاخطب، فشقّ القول، فقال رسول الله ﷺ : ((اسكت واجلس، فإن التشقيق من الشيطان، وإن من البيان لسحرا)) وقال: يا ابن أم عبد قم فاخطب، فقال ابن أم عبد: فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إن الله ربنا، وإن الإسلام ديننا، وإن القرآن إمامنا، وإن البيت قبلتنا، وإن هذا نبينا، وأومأ بيده إلى النبي ﷺ رضينا ما رضي الله تعالى لنا ورسوله، وكرهنا ما كره الله تعالى لنا ورسوله، فقال النبي ﷺ :
((أصاب ابن أم عبد، أصاب ابن أم عبد، وصدق، رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد)).
стр. 105
أخرجه الحاكم (٣ - ٢١٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي وشيخنا الألباني، وأخرجه البزار في مسنده (١/ ٣٠٣) وابن أبي شيبة (١٤ - ١١٤) كلهم دون سبب الورود، وعزا سبب الورود الهيثمي في المجمع (٩ - ٢٩٠) للطبراني وقال: "ورجاله ثقات، إلا أن عبد الله بن عثمان بن خثيم لم يسمع من أبي الدرداء".
وعن عائشة ﵂ قالت:
"كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك".
أخرجه أبو داود (١٤٨٢) وأحمد (٦/ ١٤٨) وغيرهما، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل، عن عائشة به.
قلت: وهذا سند صحيح كلاهما ثقة، والأسود من رجال مسلم، وأبو نوفل من رجالهما.
وعنهما ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لها وهي تصلي: ((عليك بالجوامع الكوامل)) فما انصرفت سألته عن ذلك، فقال لها ﷺ : ((قولي: اللهم إني أسألك من الخير
стр. 106
كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم ... ))
أخرجه أحمد (٦/ ١٤٧) واللفظ له، وأخرجه ابن ماجة (٣٨٤٦) وابن حبان (٢٤١٣) والحاكم (١/ ٥٢١) وغيرهم دون قوله ﷺ : ((عليك بالجوامع الكوامل)) من طريق جبر بن حبيب عن أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة ﵃ به.
وهذا سند صحيح.
جبر: ثقة.
وأم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵃، روى عنها جابر ﵁، وهي زوجة طلحة بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة فلا يلتفت إلى من جهلها، راجع ترجمتها في التهذيب وفي الطبقات لابن سعد.
ويفسر لنا معنى الجوامع:
ما رواه ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعني أبي وأنا أقول:
"اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها، وبهجتها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، وكذا وكذا، فقال لي:
стр. 107
يا بنيّ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سيكون قوم يعتدون في الدعاء)) فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها، وما فيها من الشر".
[أخرجه أبو داود (١٤٨٠) وغيره، وسنده حسن].
وبهذا يُعلم خطأ كثير من الأئمة، الذين يُفصلّون في دعائهم، ويشقّقون فيه، ويطيلون، وربما يصرخون ويحطحطون، فيُخشى أن تكون هذه الأفعال من الاعتداء في الدعاء، الذي يكون سبباً في تأخر الاستجابة، أو منعها، والله المستعان.
قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
ثم إن في الإطالة والتشقيق مفاسد غير ما ذكرنا.
منها: إدخال الملل والمشقة على كثير من المأمومين، ولقد شكا كثير منهم ذلك.
ومنها: أن يسقط الداعي في ألفاظ وأدعية خاطئة، وهناك أمثلة كثيرة ليس هاهنا محل ذكرها.
قال النووي في المجموع (٣ - ٤٩٩):
стр. 108
"قال البغوي: يكره إطالة القنوت".
وإذا كان النبي ﷺ نهى عن إطالة الصلاة، وجعل ذلك فتنة، كما في حديث معاذ المشهور حين أطال الصلاة قال له:
((أتريد أن تكون فتاناً يا معاذ، إذا أممت الناس فاقرأ بـ ﴿الشمس وضحاها﴾ و ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف، وذو الحاجة)) (١).
فإذا كان هذا في قراءة القرآن، فماذا يكون في الدعاء؟ !
وأما آداب الدعاء ومحظوراته فتراجع في مظانها (٢).
стр. 109
مسألة رقم (٧):
حكم الدعاء للمعين أو عليه في القنوت
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾
يشرع في القنوت تعيين المدعو له أو عليه، ما لم يترتب على ذلك مفسدة، فقد دعا رسول الله ﷺ في قنوته على أعيان من قريش وأعيان من المنافقين، وعلى قبائل، سماهم جميعا بأسمائهم.
وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن ابن عمر ﵃: "أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: ((اللهم العن فلاناً وفلاناً)) بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
[رواه البخاري (٨ - ٢٢٦ فتح)].
стр. 110
وجاء أسماء المبُهَمين في رواية أخرى أخرجها البخاري مرسلة (٥/ ٣٥) ووصلها أحمد (٢/ ٩٣) والترمذي (٣٠٠٤) من طريق عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه:
"كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام ... فنزلت آية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وزاد: "فتيب عليهم كلهم! ".
وفي رواية لأحمد (٦٣٤٩) والنسائي (١٠٧٨) زيادة: ((اللهم العن فلاناً)) دعا على أناس من المنافقين، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
غير أن بعض أهل العلم، ذهب إلى أن هذا اللعن المعين منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وإليك بحث المسألة.