← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 147095

حكم الإحرام من جده

عدنان العرعور

Полный текст (79 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

حكم الإحرام من جده إعداد عدنان العرعور

стр. 2

المقدمة الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: فقد كنت ألفت بحثاً مطولاً في حكم المواقيت، وفي حكم من مر بين ميقاتين، ومن أين يحرم؟ وأثبت فيه أن عليه أن يحرم مما يحاذي الميقات، ثم بينت فيه معنى المحاذاة، وأن القادم إلى مكة من جهة الغرب لا يحاذي ميقاتاً البتة قبل أن يصل إلى الساحل، فالواجب عليه أن يحرم مما يحاذي أقرب ميقات إليه، فماهو أقرب ميقات له؟ وماهو معنى المحاذاة؟ ! وهل جدة محاذية للمواقيت؟ وهل يجوز لمن مر بميقات أن يؤجل إحرامه إلى ميقات آخر؟ وقد طال البحث وتضمّن أبواباً دقيقةً، ورسوماً كثيرةً، الأمر الذي يصعب معه تناول البحث من عموم المسلمين، لذا عمدت إلى اختصاره، تسهيلاً لتناوله، والانتفاع به من قبل جمهور المسلمين، ومن أشكل عليه شيء، أو أراد مزيداً من التفصيل والنقول عن العلماء، أو النظر في الرسوم، فليرجع إلى الأصل.

стр. 3

هذا: ولقد تبين من خلال البحث العلمي والجغرافي أن (جدة) محاذية لميقات (يلملم) ولذا يشرع منها الإحرام، واعلم أني لست مُحدثاً في ذلك قولاً لم أُسبق إليه، وما كان لي ذلك، بل سبق إلى ذلك كثير من العلماء والباحثين، مما ستراه مفصلاً في الكتاب الأصل. والمسألة ليست اجتهادية، بقدر ماهي تطبيقيّة، وهي لا تتعدى معرفة المعنى الصحيح «للمحاذاة» وإنزال ذلك على ساحة الواقع. ولقد ناقشت فيها خلقاً كثيراً، فلم أر عندهم ما يرد الحجج التي سردت، ولا الأدلة التي ذكرت، فمنهم الموافق الساكت، ومنهم المخالف الصامت، ومنهم من لا يدري موقع البحر الأحمر من البحر الأسود، فذهب يُشرّق ويُغرّب، وبعضهم ينفر من كل ما يحسبه جديداً، ويظن أن كل جديدٍ غير صحيح، وكثير منهم مقتنع من الناحية العلمية، لكنه لا يرى نشرها خشية مخالفة ما اعتاد عليه الناس، وما يفتي به بعض أهل العلم.

стр. 4

ورب بعضهم يقول: كيف خفيت هذه المسألة المهمّة على بعض أهل العلم. والجواب: كيف خفيت كثير من المسائل على عمر بن الخطاب ﵁ حتى نُبّه عليها من بعض أصاغر الصحابة، ممن هم أقل منه علماً وفطنة وفضلاً؟ والحقيقة: أن الحق أحق أن يقال، وإذا تبيّن للمرء الصواب فقد وجب عليه بيانه، وحَرُم عليه كتمانه، وبخاصة إذا كان يوافقه على مسألته علماء آخرون، فإن الحق ليس حُكْرةً على عالم، ولا محصوراً في علماء بلد معَين. بل الحق ما تعلق بالدليل، والدليل ضالة المنصف أينما وجد، ومع من وجد، ولهذا وقف الصحابة يصححون لعمر ولعثمان ولعلي ولغيرهم من فضلاء الصحابة، لما تبيّن لهم الصواب، وعرفوا الحقّ، وما كان من هؤلاء الصحابة -عمر وعثمان وعلي ﵃ إلا الإنصات للنصيحة، والتراجع عن الخطأ إلى الصواب، رضوان الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 5

كما ينبغي التنبيه إلى أن اتفاق علماء بلد على فتوى معيّنة، ليس إجماعاً لايجوز مخالفته، الإجماع: إجماع علماء الأمة، لا إجماع علماء بلد دون بلد، وإلا لما خالف الكوفيون البصريين، والشاميون المصريين، والنجديون الحجازيين. ومهما عورضت هذه المسألة من قِبَل من لم يتدبّرها، فلن تعارض بأعظم مما عورضت به فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مسألة جعل الطلاق بالثلاث واحدة، ثم جاء اليوم الذي تبنّى فيه معظم العالم الإسلامي فتواه، بل كادت محاكمهم أن تطبق عليها، بعد أن كان يُخطّأ صاحبُها بل ويُضلّل، ولن يمضي كبير وقت -إن شاء الله تعالى- إلا ويدرك العلماء والمسلمون صحة هذه المسألة، وأن «جدة» «محاذية» لميقات «يلملم» وأنها «ميقات إضافي» وإن غداً لناظره قريب. وقد خرج أكثر من رد على كتابي هذا، قرأتها كلها وتدبرتها لعل فيها صواباً، فأما أحدهما: فكان سلطوياً، قرر أن جدة ليست ميقاتاً دون مناقشة ولا أدلة، ولا بيان للحجة.

стр. 6

وأما ثانيهما، فكان فيه رائحة التعصب إذ كان يذكر (مشايخي) (مشايخنا) رغم أنه دكتور، وكأن الحق محصور في الحدود السياسية، وما درى هذا أن الإجماع هو إجماع الأمة لا اتفاق علماء بلده -لو كانوا متفقين- وفي الرد تدليس وحيدات، سأذكر بعضها خلال البحث. هذا وقد اضطررت أن أزيد في هذا الملخص في الطبعة الثانية، وأنقل من الكتاب الأصل، لتوضيح بعض المسائل التي أشكلت على بعض الناس ومنهم الدكتور صاحب كتاب (المسائل المشكلة). والله من وراء القصد، وهو المسؤول في العفو والقبول، وهو الهادي سواء السبيل. جمادى الآخرة ١٤١٥ هـ وكتبه عدنان بن محمد العرعور

стр. 7

اصطلاحات طلباً للاختصار، فهذه بعض المصطلحات التي اعتُمدت في هذا البحث يُرجى التنبه لها. القاصد: هو مريد الحج أو العمرة. الميقات الأصلي: هو الميقات الذي وقّته رسول الله ﷺ . الميقات الإضافي: هو نقطة المحاذاة التي يجب الإحرام منها لمن مرّ منها. الساحل: هو ساحل البحر الأحمر المحصور بين (الجحفة) شمالاً ووادي (يلملم) جنوباً. التجاوز:

стр. 8

تجاوز المواقيت دون إحرام. المتجاوز: هو القاصد الذي يتجاوز المواقيت بلا إحرام، وأما مع الإحرام فلا يسمى تجاوزاً ولا متجاوزاً الاختراق: اختراق محيط المواقيت، ومنه: المختَرِق. جدة: يقصد بها في هذا الكتاب، ساحلها وما كان قريباً منه كالمطار والفنادق القريبة من الساحل، وليس المقصود امتدادها العمراني الحالي.

стр. 9

بين يدي المواقيت لقد شرع الله الحج والعمرة إلى بيته الحرام، وعيّن رسول الله ﷺ أمكنةً محيطةً بالبيت إشعاراً ببدء النسك، لا يجوز للقاصد تجاوزها إلا محرماً متلبساً بالنسك. وسُمّيت هذه الأماكن بالمواقيت، من: وقّت الشيء. أي: بيّن حدّه من زمانٍ أو مكانٍ. وجعل رسول الله ﷺ هذه المواقيت على طرق الناس المسلوكة إلى مكة والمعروفة يومئذ، فجعل على طريق أهل المدينة ((ذا الحليفة)) وهي تقع قريبة من المدينة، وتبعد عن مكة عشر مراحل (١)، وهو ما يساوي (٤٣٠) كيلاً تقريباً. وجعل على طريق الساحل الشمالي: ((الجحفة))، وتبعد عن مكة من أربع إلى خمس مراحل (١٨٦) كيلاً.

стр. 10

وعيّن على طريق أهل الجنوب واليمن ((يلملم))، وهو وادٍ ممتد من الشرق إلى الساحل الغربي، وطرفه الغربي يقع على البحر، مقابل ميقات «الجحفة» وطوله ١٥٠ كيلاً، ويبعد وسطه عن مكة مرحلتين (٩٠) كيلاً (١) ويحرم القاصد من أي بقعة من بقعه. وحدّ على طريق أهل نجد ((قرن المنازل)) وتبعد عن مكة مرحلتين أيضاً (٨٠) كيلاً. ووقّت ((ذات عرق)) على طريق أهل العراق، ثم وقّتها عمر ﵁، وهو لا يعلم بتوقيت النبي ﷺ لها، وتبعد عن مكة مرحلتين (٨٠) كيلاً (٢). ودليل ذلك حديث ابن عباس ﵁ قال: ((وقّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد:

стр. 11

قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم، قال: فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمُهلُّه من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يُهلّون منها)) (١). انظر الشكل التالي: الشكل (الخريطة) وهي تبيّن مواقع المواقيت على الواقع:

стр. 12

من أحكام المواقيت، والمقصود منها إن المتأمل في هذه المواقيت، والمطلع على أقوال أهل العلم في شأنها، يتبيّن له المسائل التالية: المسألة الأولى: المواقيت نقاط أعلام لبدء النسك: إن هذه المواقيت إنما هي نقاط لإعلام القاصدين ببدء النسك، ووجوب الإحرام منها. لقول ابن عباس: ((وقّت رسول الله ... )) الحديث. وهذا أمر مجمع عليه عند أهل العلم؛ ولهذا عُيّنت على طرق الناس المعروفة يومئذ. قال شيخ الإسلام: ((وإنما فائدة التوقيت: وجوب الإحرام من هذه المواقيت)) (١).

стр. 13

المسألة الثانية: المواقيت محيطة بالحرم: هذه المواقيت موزّعة حول الحرم ليَتشكّل منها محيط المواقيت، كي يسهل على القاصدين الإحرام من أي مكان يخترقون فيه هذا المحيط. إذا لم يكن على طريقهم ميقات أصلي, ونقطة الاختراق هذه؛ تسمى: ((المحاذاة)). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وأيضا فإن المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم)) (١). وكذا قال الحافظ العسقلاني (٢)، والفقيه ابن عابدين وغيرهم (٣). المسألة الثالثة: المواقيت نقاط علام، وليست أماكن مقدسة . ليس لهذه المواقيت قدسيّة خاصة لذاتها، أي: ليس المقصود المكان نفسه، وليس فيه خاصيّة التعبد، كما لبعض الأماكن من قدسية، كالمسجد الحرام وغيره، ولا يوجد نص بذلك، ولم يقل بهذا أحد من

стр. 14

أهل العلم، وإنما الغرض منها الإعلام والتنبيه ببدء النسك، ذلك ولو كان هناك طرق أخرى غير الطرق المعروفة يومئذ، لعيّن عليها رسول الله ﷺ مواقيت لها، وقد كان تعيين رسول الله ﷺ للمواقيت على طرق الناس التي كانت يومئذ إلى مكة، ولأن عمر ﵁ عيّن لأهل العراق ميقاتاً على طريقهم لما طلبوا منه ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وذلك لأن الإحرام مما يحاذي الميقات بمنزلة الإحرام من نفس الميقات، فإنه إذا كان بُعدُهما عن البيت واحداً لم يكن في نفس الميقات مقصود)) (١). أي: ليس المقصود المرور من الميقات نفسه لقدسيته، ولكن المقصود: الإحرام من عند الميقات، أو مما يحاذيه، أي: من مسافة تساويه، ولذلك كانت المسألة الرابعة:

стр. 15

المسألة الرابعة: جواز المرور من أي ميقات، ولأي قاصد . أجاز العلماء بالإجماع: المرور من أي ميقات شاء القاصد، وإن لم يكن ميقات بلده، إذ العبرة بجهة القدوم، وبميقات العبور، وليست العبرة ببلد القاصد، أو مولده، أو تابعيته، أو غير ذلك، ومستندهم في ذلك قوله ﷺ : ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) (١). المسألة الخامسة: عدم وجوب الإحرام منها عيناً، وجوازه مما يحاذيها . أجمع العلماء على عدم وجوب المرور منها (٢)، وأجازوا المرور من بينها على أن يحرم مما يحاذي هذه المواقيت، ولم يوجب أحد منهم المرور بأحد المواقيت الأصلية التي عينها رسول الله ﷺ .

стр. 16

قال ابن قدامة الحنبلي: ((ومن لم يكن طريقه على ميقات فميقاته حذو أقربها إليه)) (١). وشرح ذلك شيخ الاسلام، وأيّده ومثّل له، واستدل له بأثر عمر ﵁ في توقيت «ذات عرق» لأهل العراق، ثم قال: «ولم يأمرهم -أي: أهل العراق- عمر والمسلمون بالمرور بقرن بل جعلوا ما يحاذيها بمنزلتها». وقال العلامة الشنقيطي ﵀: ((اعلم أن من سلك إلى الحرم طريقاً لا ميقات فيها، فميقاته المحل المحاذي لأقرب المواقيت، وهذا لاخلاف فيه بين أهل العلم)) (٢). انظر مراجع المذاهب في الهامش.

стр. 17

المسألة السادسة: تقسيم المواقيت إلى: أصلي وإضافي وعلى هذا: يمكن تقسيم المواقيت -اصطلاحاً- الى قسمين: ميقات أصلي: وهو الذي عيّنه رسول الله ﷺ . ميقات إضافي: وهو الذي يحاذي الميقات الأصلي، ويقع بين ميقاتين. والإحرام من الأصلي والإضافي سواء (١).

стр. 18

المسألة السابعة: كل بقعة محاذية فهي ميقات إضافي إن عدد ((المواقيت الإضافية)) هو بعدد النقاط المحاذية، والنقاط المحاذية: هي كل نقطة على محيط المواقيت، وهي التي يستطيع القاصد أن يحرم من أيها شاء دون حرج، وهي لا تعد ولا تحصى.

стр. 19

أهمية تحديد المحاذاة لما أجمع أهل العلم على عدم وجوب المرور من الميقات نفسه؛ نظراً لعدم قدسيته، وأجازوا بلا كراهية الإحرام مما يحاذي الميقات، كان لزاماً علينا معرفة معنى ((المحاذاة)) ثم تحديد الأماكن المحاذية ((المواقيت الإضافية)) على الأرض، ورسم محيط المواقيت، وذلك مواكبة لتطورات العصر المتتابعة، وتحقيقاً لعالمية هذا الدين، وصلاحيّة أحكامه لكل زمان ومكان ووسيلة، وإيجاد حلول شرعية عمليّة صحيحة، تتناسب ووسائل المواصلات الحديثة في مجال البر والبحر والجو. وإذا عُرف محيط المواقيت، عَرف المسلم أين يحرم، من أي: جهة قَدِمَ، وعلى أي وسيلة كانت.

стр. 20

ما دليل المحاذاة مما هو معروف في دين الإسلام: أن الإجماع حجة بعد الكتاب والسنة، يجب اتباعه، ويحرم مخالفته، وقد سبق ذكر إجماع أهل العلم على عدم وجوب المرور من المواقيت الأصلية، ومشروعية الإحرام من المحاذاة، وأنه لا فرق بين من أحرم من الميقات نفسه، وبين من أحرم من المحاذاة، وكان مستندهم في ذلك: ما أخرجه البخاري (٣/ ٣٨٩) عن ابن عمر ﵁ قال: ((لمّا فُتح (١) هذان المصران -أي: البصرة والكوفة- أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرناً، وهو جور عن طريقنا -أي: بعيد- وإنا إن أردنا قرناً شق علينا، فقال: ((انظروا حذوها من طريقكم)) فحّد لهم ((ذات عرق)). ففي هذا الأثر العظيم أمور:

стр. 21

الأول: الدلالة على ما سبق ذكره، من عدم وجوب المرور من الميقات نفسه الذي عيّنه رسول الله ﷺ . الثاني: جواز تحديد مواقيت جديدة، للطرق الجديدة التي تفتح إلى مكة. الثالث: إن القاعدة في تحديد ((المواقيت الإضافية)) هي ((المحاذاة)). وقد تابعت الأمة عمر بن الخطاب ﵁ على هذه المسألة، ولولا خشية الإطالة لنقلت نصوصهم من أمهات الكتب، وقد سبقت الإشارة إلى مواضعها فليراجعها من شاء. ومنها قول الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الأثر: ((واستُدلّ به على أن من ليس له ميقات، أنّ عليه أن يحرم إذا حاذى ميقاتاً من هذه المواقيت الخمسة)) (١). ونقل الحافظ عن ابن المنذر قوله: ((لكن لماّ سنّ عمر ((ذات عرق)) وتبعه عليه الصحابة، استمر عليه العمل)).

стр. 22

ما معنى المحاذاة ليس فيما سبق من التقرير والتأصيل، خلاف بين أهل العلم، على الرغم من اختلاف مذاهبهم، وتنوع مشاربهم، والحمد لله (١). ولم يبق سوى معرفة معنى «المحاذاة» وتحديد البقع المحاذية على أرض الواقع. معنى المحاذاة: المحاذاة لغة: الإزاء والمجاورة . وحاذى الشيء: وازاه، وصار بجانبه (٢). حالات المحاذاة واقعاً وشرعاً: يطلق على المكان أنه يحاذي مكاناً آخر، إذا تحقق فيه إحدى الحالات الثلاث:

стр. 23

الحالة الأولى: أن يكون الموضع واقعاً بين مكانين، وعلى خط واحد، كما هو في الشكل التالي: فالنقطتان (هـ) (د) لا تحاذيان النقطتين (أ) (ب) وإنما الذي يحاذيهما هي (جـ)؛ لأنها تقع بينهما وعلى خط واحد. وهذا أمر مسلم به عند العقلاء، وهو مقتضى اللغة، لا يحتاج إلى بسط الأدلة عليه. ومن الأدلة عليه: قوله ﷺ : ((حاذوا بين المناكب ... )) ولا تتم هذه المحاذاة، إلا أن يكون الرجل على خط واحد مع من عن يمينه، ومع من عن شماله، فلو أن رجلاً تقدم أو تأخر لم يكن محاذياً.

стр. 24

وقوله ﷺ : ((لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القُذّة بالقُذّة ... )). والقُذّة لا تكون محاذاة إلا أن تكون بجوار أختها لا تتقدم عنها شيئاً ولا تتأخر. الحالة الثانية: أن تكون البقعة مجاورةً للمكان، إذا كانت البقعة مجاورة لمكان أو ملاصقة له، فإنها تكون محاذية. وبناء على هذا: فالمحاذاة في المواقيت: أن يكون القاصد قريباً من الميقات، والميقات عن يمينه أوشماله، ووجهه باتجاه مكة. وأما إذا كان القاصد قبل الميقات أو بعده بالنسبة لمكة، فلا تعتبر محاذاة شرعيّة -والحال هذه- إطلاقاً. دليل ذلك: ما رواه الإمام مالك ﵀ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال: «دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة، فوجدته

стр. 25

يُسبّح -أي يصلي نافلة- فقمت وراءه، حتى جعلني حذاءه عن يمينه» (١). وفي صحيح البخاري: "باب يقوم الإمام بحذائه سواءً، إذا كانوا اثنين"، قال الحافظ: "أي بجنبه، فأخرج بذلك من كان خلفه، أو مائلاً عنه، وقوله: (سواء) أخرج به من كان إلى جنبه لكن على بُعد عنه" (٢). الحالة الثالثة (٣): أن تكون البقعتان متساويتي المسافة عن نقطة ثالثة. وهذه أهم حالات ((المحاذاة)) وهي:

стр. 26

أن تكون مسافة نقطتين عن نقطة ثالثة متساويتين، فتكون البقعتان -والحالة هذه- متحاذيتين بالسنبة للنقطة الثالثة. و((المحاذاة شرعاً)): أن تكون مسافة الموضع المراد الإحرام منه عن مكة تساوي مسافة أقرب المواقيت إليه، ولا يؤثر بُعد هذا الموضع أو قربه من الميقات، وإنما المهم: أن تكون مسافة المحاذي والمحاذى به عن مكة متساويتين، حتى تكونا متحاذيتين. دليل ذلك: قول عمر ﵁ لأهل العراق عندما طلبوا منه تحديد ميقات على طريقهم: ((فانظروا حذوها)). أي: انظروا بقعة تكون مسافتها عن مكة تساوي مسافة ((قرن)) ولو كانت بعيدة عنها. قال الحافظ في الفتح (٣/ ٣٨٩): "قوله ((فانظروا حذوها)) أي: اعتبروا ما يقابل الميقات من الأرض التي تسلكونها".

стр. 27

وقال ابن الأثير في النهاية (١/ ٣٥٨): "وفي حديث ابن عباس: ((ذات عرق حذو قرن)) أي: أنها محاذيتها، ومسافتهما من الحرم سواء)). ولخص شيخ الإسلام هذا كله بكلام متين في «شرح العمدة» (١/ ٣٣٦) فقال: "وذلك لأن الإحرام مما يحاذي الميقات، بمنزلة الإحرام من نفس الميقات، فإنه إذا كان بعدهما عن البيت واحداً، لم يكن في نفس الميقات مقصود". وكذا قال غير واحد من أهل العلم، ولم أر مخالفاً لهم البتّة. يوضح هذا الشكلُ التالي:

стр. 28

عند تأمّل الشكل السابق نجد أن: ((ذات عرق)) تحاذي ((قرن)) لأن مسافتيهما عن البيت واحدة، وهكذا كل بقعة بينهما أو قريبة منهما تكون ((ميقاتاً إضافياً)) إذا كانت مسافتها عن البيت تساوي مسافة الميقات الأصلي. وأما النقطة (أ) و (ب) فلا تحاذيان الميقات ولو كانت قريبة منه، أو كانت تقع على خط واحد معه؛ لأن مسافة (أ) أبعد من مسافة الميقات، ولأن مسافة (ب) أقصر.

стр. 29

تنبيهان حول ((المحاذاة)) الأول: أن مسافة ((المحاذاة)) مناطة ببعد البقعة عن مكة، وليس ببعدها عن الميقات المجاور. الثاني: أن ((المحاذاة الشرعية)) لا تعني كون القاصد عن يمين الميقات أو عن شماله فحسب، ولا تعني رؤية الميقات فحسب، فقد تكون الرؤية والمجاورة من خارج محيط المواقيت، ولا تعني أيضاً: كون القاصد على خط واحد مع الميقات، أي: يمكن رسم خط بينه وبين الميقات، فهذه الحالات كلها لا تعتبر محاذاة إطلاقاً. وإذا فُهم هذان التنبيهان، عُلم أن ((المحاذاة)) إنما تعني بالنسبة للأرض: أن يكون بعد القاصد عن البيت يساوي بعد أقرب المواقيت إليه، أو أن يكون القاصد على الخط الذي يمر بالمواقيت المحيطة بمكة. والمحاذاة بالنسبة للقاصد هي: مكان اختراق محيط المواقيت، أي: المرور بين ميقاتين، وما عدا ذلك فليس من ((المحاذاة)) في شيء.

стр. 30

وعلى هذا: فإن القاصد لو جاور الميقات، ودار حول محيط المواقيت ألف مرة، دون أن يخترقه، لما وجب عليه الإحرام؛ لأنه ما يزال خارج حدود المواقيت. ولو كانت المحاذاة: هي مجرد كون القاصد واقعاً على خط واحد مع الميقات، -دون اعتبار لما مضى من ضبط المحاذاة بالمسافة، أو بالاختراق- لكانت كل بقعة على سطح الأرض تحاذي الميقات، ولكانت الطائرة منذ إقلاعها من بلدها تحاذي الميقات، بل كانت النجوم -بهذا المعنى دون ضبط- تحاذي المواقيت؛ لأنها كلها تقع على خط واحد مع أي ميقات. ومنه تعلم خطأ الذين لا يُقيّدون ((المحاذاة)) بالمسافة عن مكة، ويُلْزمون الناس بالإحرام بالبر والبحر، وهم بعيدون عن الميقات مئات الأميال، بدعوى: أنهم يقعون على خط واحد مع الميقات، وبعبارة أخرى: لكون الميقات عن يمين القاصد أوشماله، ويُسّمون هذا «محاذاة» وليس هو منها في شيء،

стр. 31

ويمكن أن نخلُص إلى القاعدة التالية: ((كل البقع التي تقع بين ميقاتين (على محيط المواقيت) هي: بقع محاذية، وبالتالي هي ((مواقيت إضافية)) وما كان خارج المحيط أوداخله، فليس بمحاذٍ)). وقد قال بذلك غير واحد من أهل العلم، منهم: العلامة عبيد الله المباركفوري في المرعاة (٨/ ٣٤٧) أذكر بعض كلامه باختصار وتصرف: "وإذا أحطنا تلك المواقيت الخمسة بالخطوط، كانت حدوداً للمواقيت، وما كان داخل الخطوط فهي منطقة المواقيت، وما كان خارج الخطوط فهي الآفاق، وإن هذا الخط في الأصل هو خط ((المحاذاة)) " (١) ثم أجاز -كبقية العلماء- الإحرام من أي نقطة على هذا الخط، وقد فصلنا القول في الأصل.

стр. 32

كيف يتم تحديد محيط المواقيت الطريقة الأولى: عند تأمّل ما سبق من معاني المواقيت والمقصود منها، من ذلك: إحاطة البيت -وعند إدراك معنى المحاذاة، يمكن- بعد ذلك وبسهولة تحديد محيط المواقيت، وذلك برسم خط بين المواقيت، فيتكوّن بذلك حول مكة محيط سداسي الشكل، تكون كل النقط التي تقع عليه تحقق معنى ((المحاذاة)) وهي: ((مواقيت إضافية)) يمكن للقاصد أن يحرم من أيها شاء. انظر الشكل التالي:

стр. 33

وهذا مشكل في الميقاتين المتفاوتي المسافة في تطبيق الحالة الثالثة للمحاذاة، التي تقرر: أن يكون بعد القاصد عن مكة مسافة أقرب ميقات إليه، والحقيقة لا إشكال في ذلك فهذه طريقة تحديد المحيط، وثمة طريقة ثانية ستذكر، ويمكن للقاصد أن يعمل بأيسر الطريقتين عليه. الطريقة الثانية: أن تُنصّف المسافة بين كل ميقاتين مختلفين في البعد عن مكة، ويكون بعد كل نصف عن مكة يساوي مسافة الميقات الأقرب إليه، كما هو موضح في الشكل التالي.

стр. 34

شكل يبين تعيين ((المحاذاة)) بين ميقاتين مختلفين في المسافة

стр. 35

ولما كان من الصعوبة بمكان أن يعمل بالطريقة الأولى للقاصدين براً؛ وذلك لتعذر معرفة الخط لديهم، فيمكنهم العمل بالطريقة الثانية، أما الطريقة الأولى -طريقة الخطوط المستقيمة- فهي تناسب الطائرات؛ لأن من السهولة على الطيار معرفة ذلك. وقد يقال: إن طريقة المحاذاة برسم خط بين الميقاتين، وطريقة أن يكون البعد عن مكة متساوياً، تكون متوافقة في الميقاتين المتساويي البعد عن مكة، ولا تكون كذلك في الميقاتين المختلفين المسافة عن مكة. قلت: هذا صحيح، وهذا مشروع، وهذا مشروع، فبأيها أخذ القاصد جاز، بدليل: أن النبي ﷺ أجاز لمن جاء من طريق الساحل الشمالي -الغربي بالنسبة للمدينة- أن يحرم من الجحفة رغم أنه يمر بمحاذاة ذي الحليفة قطعاً، فدل ذلك على جواز الطريقتين.

стр. 36

خريطة تبين محيط المواقيت

стр. 37

تطبيق معنى «المحاذاة» على الساحل الغربي تمهيد تتنوع محاور القاصدين «مكة» عن طريق «جدة» بحراً وجواً ممن ليس على طريقهم ميقات، فمن قادم إليها من الغرب مباشرة، ومن مائل نحو الشمال أو الجنوب، وكل هؤلاء القادمين من البحر، أو من فوقه، لا يمرون على ميقات معيّن. والمتأمّل في الشكل السابق يدرك أهميّة هذه المسألة، ويتساءل أين يحرم هؤلاء؟ أين محاذاتهم؟ ولهذا كان لابد من تحديد مكان إحرامهم محاذاتهم بدقّة، وبحدود شرعيّة مضبوطة، لا بكلمات عائمة، دون تطبيق عملي لها. وبعد محاورة كثير من إخواننا -طلبة العلم- تبيّن أن المشكلة تكمن في عدم إدراك بعضهم، لمعنى «المحاذاة» شرعاً وواقعاً، وأن كثيراً منهم لم يبحثوا المسألة بحثاً مستفيضاً، ومنهم من يظنّ أن معنى «المحاذاة» هو مجرد مقابلة الميقات، أو كون الميقات عن يمين القاصد أو عن

стр. 38

شماله، وهو غير متوجه لمكة، ولذلك كانوا يتوقفون -ولا أقول يُبهتون- إذا ما قيل لهم: إذا كانت «المحاذاة» هي مقابلة الميقات، أوكون الميقات عن يمين القاصد أو شماله -وهو غير متوجه إلى مكة فقط- كما تتصورون، فإن القاصد يقابل الميقات، ويكون عن يمينه أو شماله وهو في بيته، بل كل نقطة في الأرض -على هذا الاعتبار- تحاذي الميقات. ولذلك كان لزاماً على أهل العلم تحديد «المحاذاة» لهؤلاء القاصدين «مكة» عن طريق «جدة» تحديداً مضبوطاً على الواقع العَملي. وهذا الكتاب المختصر مع الأصل المفصّل -هو خطوة علميّة وعمليّة في بيان معنى «المحاذاة» وفي تحديدها علمياً بعامّة، ومن جهة الغرب علمياً وواقعياً بخاصّة, وإليك بيان ذلك.

стр. 39

الأدلة الستّة على أن «جدة» «محاذية» وأنها «ميقات إضافي» الدليل الأول: بعد إدراك ما سبق، بشأن رسم محيط المواقيت، وذلك بوصل خطوط بين المواقيت نجد أن ((جدة)) تقع على هذا المحيط، وبالتالي فهي ((ميقات إضافي)) حسب القاعدة السابقة, تفصيل ذلك: إذا أردنا تحقيق معنى ((المحاذاة)) على معنى الحال الأولى، وهو: وقوع البقعة بين ميقاتين، وتنزيل ذلك على الواقع الجغرافي، وذلك برسم خط بين ميقات ((الجحفة)) وميقات ((يلملم)) فسنجد أن ((الساحل)) ومنه ((جدة)) يقع بين هذين الميقاتين الأصليين، وذلك لأن ((الجحفة)) ومصب ((يلملم)) و ((جدة)) تقع كلها على خط واحد، هو الساحل الغربي للجزيرة العربية. وبهذا يتحقق معنى المحاذاة لـ ((جدة)) -كما في الحال الأولى- وتصبح ((ميقاتاً إضافياً))

стр. 40

الدليل الثاني: تحقيق معنى ((المحاذاة)) على الحالة الثالثة وهي: تساوي مسافة ((جدة)) عن مكة، مع أقرب ميقات إليها. قد اتفق أهل العلم (١) - كما سبق ذكره -: على أن من قدم من مكان لا ميقات فيه، فليحرم من مسافة أقرب ميقات إليه. ولما كان القادمون إلى ((مكة)) من الغرب عن طريق جدة ليس على طريقهم ميقات أصلي معيّن لهم، وكان أقرب ميقات لهم ((يلملم)) وكانت مسافته من مكة تساوي مرحلتين، فعليهم أن يحرموا من مسافة مرحلتين، ولما كانت مسافة ((جدة)) من مكة تساوي مرحلتين ومقدارهما (٨٠ - ٨٥) كم (٢)، فبذا تتحقق المحاذاة، وتكون ((جدة)) إذن: ((ميقاتاً إضافياً)) يجوز للقاصد الإحرام منها. وما يزال العاقل متعجباً -بعد وضوح هذا الدليل- من تردد بعض أهل العلم في التصريح بهذا! فما دام العلماء قد أجمعوا على جواز
следующие страницы →