← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 147095

حكم الإحرام من جده

عدنان العرعور

Полный текст (79 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

خريطة تبين محيط المواقيت

стр. 37

تطبيق معنى «المحاذاة» على الساحل الغربي تمهيد تتنوع محاور القاصدين «مكة» عن طريق «جدة» بحراً وجواً ممن ليس على طريقهم ميقات، فمن قادم إليها من الغرب مباشرة، ومن مائل نحو الشمال أو الجنوب، وكل هؤلاء القادمين من البحر، أو من فوقه، لا يمرون على ميقات معيّن. والمتأمّل في الشكل السابق يدرك أهميّة هذه المسألة، ويتساءل أين يحرم هؤلاء؟ أين محاذاتهم؟ ولهذا كان لابد من تحديد مكان إحرامهم محاذاتهم بدقّة، وبحدود شرعيّة مضبوطة، لا بكلمات عائمة، دون تطبيق عملي لها. وبعد محاورة كثير من إخواننا -طلبة العلم- تبيّن أن المشكلة تكمن في عدم إدراك بعضهم، لمعنى «المحاذاة» شرعاً وواقعاً، وأن كثيراً منهم لم يبحثوا المسألة بحثاً مستفيضاً، ومنهم من يظنّ أن معنى «المحاذاة» هو مجرد مقابلة الميقات، أو كون الميقات عن يمين القاصد أو عن

стр. 38

شماله، وهو غير متوجه لمكة، ولذلك كانوا يتوقفون -ولا أقول يُبهتون- إذا ما قيل لهم: إذا كانت «المحاذاة» هي مقابلة الميقات، أوكون الميقات عن يمين القاصد أو شماله -وهو غير متوجه إلى مكة فقط- كما تتصورون، فإن القاصد يقابل الميقات، ويكون عن يمينه أو شماله وهو في بيته، بل كل نقطة في الأرض -على هذا الاعتبار- تحاذي الميقات. ولذلك كان لزاماً على أهل العلم تحديد «المحاذاة» لهؤلاء القاصدين «مكة» عن طريق «جدة» تحديداً مضبوطاً على الواقع العَملي. وهذا الكتاب المختصر مع الأصل المفصّل -هو خطوة علميّة وعمليّة في بيان معنى «المحاذاة» وفي تحديدها علمياً بعامّة، ومن جهة الغرب علمياً وواقعياً بخاصّة, وإليك بيان ذلك.

стр. 39

الأدلة الستّة على أن «جدة» «محاذية» وأنها «ميقات إضافي» الدليل الأول: بعد إدراك ما سبق، بشأن رسم محيط المواقيت، وذلك بوصل خطوط بين المواقيت نجد أن ((جدة)) تقع على هذا المحيط، وبالتالي فهي ((ميقات إضافي)) حسب القاعدة السابقة, تفصيل ذلك: إذا أردنا تحقيق معنى ((المحاذاة)) على معنى الحال الأولى، وهو: وقوع البقعة بين ميقاتين، وتنزيل ذلك على الواقع الجغرافي، وذلك برسم خط بين ميقات ((الجحفة)) وميقات ((يلملم)) فسنجد أن ((الساحل)) ومنه ((جدة)) يقع بين هذين الميقاتين الأصليين، وذلك لأن ((الجحفة)) ومصب ((يلملم)) و ((جدة)) تقع كلها على خط واحد، هو الساحل الغربي للجزيرة العربية. وبهذا يتحقق معنى المحاذاة لـ ((جدة)) -كما في الحال الأولى- وتصبح ((ميقاتاً إضافياً))

стр. 40

الدليل الثاني: تحقيق معنى ((المحاذاة)) على الحالة الثالثة وهي: تساوي مسافة ((جدة)) عن مكة، مع أقرب ميقات إليها. قد اتفق أهل العلم (١) - كما سبق ذكره -: على أن من قدم من مكان لا ميقات فيه، فليحرم من مسافة أقرب ميقات إليه. ولما كان القادمون إلى ((مكة)) من الغرب عن طريق جدة ليس على طريقهم ميقات أصلي معيّن لهم، وكان أقرب ميقات لهم ((يلملم)) وكانت مسافته من مكة تساوي مرحلتين، فعليهم أن يحرموا من مسافة مرحلتين، ولما كانت مسافة ((جدة)) من مكة تساوي مرحلتين ومقدارهما (٨٠ - ٨٥) كم (٢)، فبذا تتحقق المحاذاة، وتكون ((جدة)) إذن: ((ميقاتاً إضافياً)) يجوز للقاصد الإحرام منها. وما يزال العاقل متعجباً -بعد وضوح هذا الدليل- من تردد بعض أهل العلم في التصريح بهذا! فما دام العلماء قد أجمعوا على جواز

стр. 41

الإحرام من مسافة تساوي أقرب ميقات، ومسافة ((جدة)) إلى مكة تساوي مسافة أقرب ميقات إليها، وهو ((يلملم)) فلماذا هذا التردّد؟ ! . وقال الشيخ عبد الله بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى بالمملكة في رده على الشيخ ابن محمود رحمهما الله: ((فمدينة ((جدة)) وعلى التحديد مطار جدة الذي تنزل فيه طائرات الحجاج ينظر في أمره، هل يقع في محاذاة واحد من المواقيت الأربعة أولاً، والطائرات قبل هبوطها على المطار هل تمر بالمواقيت التي بينها ﷺ أولاً، فإن كان مطار جدة في محاذاة ميقات من المواقيت، والطائرات لاتمر بأحد المواقيت، فحسب مقتضى أصول الشريعة ونصوصها يصح جعله ميقاتاً وإلاّ فلا)) (١). قلت: هذا التأصيل من هذا العالم متين جداً، وبناء عليه: فالمسألة الآن مسألة قياس مسافة جدة، أو مطارها عن مكة. ومسألة عدم مرور الطائرات فوق ميقات.

стр. 42

فأما المسافة فقد قيست مسافة جدة ومطارها من مكة، فكانتا تساويان مسافة يلملم. وأما الطائرات التي تقدم من الغرب من فوق البحر ولا تطير فوق اليابسة، فلا تمر على ميقات أبداً، لأن المواقيت على اليابسة. قال الشيخ منصور البهوتي الحنبلي: ((كالذي يجئ من ((سواكن)) (١) إلى ((جدة)) من غير أن يمر برابغ ولا يلملم لأنها حينئذ أمامه (أي جدة) فيصل جدة قبل محاذتهما (أحرم عن مكة بقدر مرحلتين) فيحرم في المثال من جدة؛ لأنها على مرحلتين من مكة، لأنه أقل المواقيت)) (٢).

стр. 43

قلت: سواء كان القادم من البحر أو من فوقه، وسواء من سواكن، أو من مصر، أو من اليمن، أو من غيرها، ولم يمر على ميقات فيحرم من جدة. ولو قال قائل بعد هذا البيان: إن ((جدة)) محاذية وهي ((ميقات إضافي)) بتطبيق أمر عمر، لما بَعُد عن الحق. واعلم أن دليلاً واحداً مما سبق كاف -والله- لإثبات محاذاة ((جدة)) ولكن زيادة في الإيضاح، وتثبيتاً للموضوع، نذكر أدلة أخرى.

стр. 44

الدليل الثالث: لقد اتفق أهل العلم على مختلف مشاربهم (١): أن من لم يدرك معنى المحاذاة، أو لم يَقْدر على تطبيقها على الواقع، أو لم يتبيّن له. ميقاته الأصلي، أو جهل المحاذاة، فعليه أن يحرم من مسافة مرحلتين من مكة، وإليك بعض أقوال أهل العلم في ذلك. المذهب الحنفي: قال ابن الهمام: ((فإن لم يكن -أي: القاصد- بحيث يحاذي فعلى مرحلتين)) وكذا قال في الدر المختار (٢). المذهب المالكي: لم أجد لهم قولاً في هذا نفياً أو إثباتاً، فيما بين يدي من المصادر (٣).

стр. 45

المذهب الشافعي: قال النووي: ((وأما إذا أتى من ناحية ولم يمر بميقات ولا حاذاه، فقال أصحابنا: لزمه أن يحرم على مرحلتين من مكة، اعتباراً بفعل عمر ﵁ في توقيته ((ذات عرق)) (١). المذهب الحنبلي: قال المرداوي: ((فائدة: قال في الرعاية: ومن لم يحاذ ميقاتاً أحرم عن مكة بقدر مرحلتين، قال في ((الفروع)): وهذا متجه)) (٢). وقال في ((الروض)): ((فإن لم يحاذ ميقاتاً، أحرم من مكة بمرحلتين)) (٣).

стр. 46

قلت: قولهم: (ولم يحاذ)، ((ولا حاذاه)) غير دقيق، إذ لابد من المحاذاة عند اختراق محيط المواقيت. ولو قال: ولم يعلم المحاذاة لكان أدق، وكذا قال كثير من أهل العلم. وبناء على هذا فإن أدنى ميقات عند -الإشكال أو الجهل- يجب أن يبعد مرحلتين عن مكة، وهب أن في ((جدة)) إشكالاً، فإن ((جدة)) تبعد مرحلتين عن مكة، فهي -إذن- ((ميقات إضافي)). على كل حال، ولا حجة للمخالفين بعد ذلك، إذ أن إشكالهم في ((جدة)) قد زال باتفاق أهل العلم على ما ذُكر. نعم لو كانت مسافة ((جدة)) عن مكة أقل من ذلك -لكان لقولهم وجه، أما وقد وافق هذا الدليل الأدلة السابقة، فهو نور على نور، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.

стр. 47

الدليل الرابع اعلم -رحمني الله وإياك- أنه لا ((محاذاة)) في البحر البتّة، ولا يتحقّق أي معنى من معانيها، ولا أي حال من حالاتها فيه، وذلك: أولاً: لتعذر تعيين المواقيت فيه. ثانياً: لم يقم على هذا دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، ولم يعيّن رسول الله ﷺ ميقاتاً واحداً في البحر، وقد عيّن ميقاتين على الساحل، مما يدل على أن لا ميقات ولا محاذاة في البحر. ثالثاً: لا تتحقق فيه المحاذاة على المعنى الصحيح، وذلك عند رسم محيط المواقيت، ووصل مابين ((الجحفة)) و ((يلملم)) نجد أن هذا الخط لا يمر في البحر، ولا يدخل البحر ضمن محيط المواقيت، وإنما يمر بالساحل تأمّل الخريطة (ص -٢٥) أو أي خريطة أخرى. قال العلامة الهيتمي الشافعي: ((كالآتي من غربي (١) جدة، لا يحاذي قبل دخول جدة شيئاً من المواقيت، والجائي من اليمن في البحر له أن يؤخر إحرامه من محاذاة يلملم إلى جدة)) (٢).

стр. 48

ونسب ذلك للشافعية الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر الحنبلي وأقرهم على ذلك (١). وفي رواية عن مالك نقلها ابن نافع قال: ((لا يحرم المسافر في السفن)). وقال الدسوقي المالكي: ((وإن راكب البحر يرخّص له تأخير الإحرام للبرّ مطلقا)) (٢). رابعاً: إن ادّعاء ((المحاذاة)) في البحر يعني: الزيادة على مسافة ((المحاذاة)) ويعني: إيجاب الإحرام قبل الوصول إلى المحاذاة، وهذا لا يقوله أحد؛ لأن محيط المواقيت يمرّ بالساحل ولا يمرّ بالبحر. قال العلامة المباركفوري في المرعاة (٨/ ٣٤٧): ((وبما أنه لا يقع أي ميقات في طريق بواخر الحجاج القادمة من الهند أو الباكستان، ولا يحاذي أي واحد منها، فلا يمكن

стр. 49

لأي باخرة أن تتجاوزه، أو تتجاوز خط محاذاته إلى جهة الحرم قبل وصولها إلى ((جدة))، ولو كانت تجري على الساحل)) (١). وعلى الذين يقولون بالإحرام بالبحر، أن يدبّروا معنى ((المحاذاة)) وأن ينظروا إلى الواقع والخرائط، وأن يتفهّموا التنبيهين اللذين سبقا في صفحة (٢٩) وليعلموا أن المحاذاة، إنما هي الاختراق لمحيط المواقيت وليس شيئاً غيره (٢).

стр. 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 51

الدليل الخامس: اعلم -رحمك الله- أن كل بقعة على سطح الأرض لا تخلو من ثلاث حالات: إما أن تكون داخل حدود المواقيت. أو تكون خارج حدود المواقيت. أو تقع على المحيط نفسه. ولا يمكن أن يكون لها حال رابعة. فأما كون ((جدة)) داخل المواقيت، وميقات ((محاذاة)) الذين يأتون من غربها يكون في البحر، فأين هذا الميقات الذي في البحر؟ وما هي مسافته عن مكة؟ وإذا قيل بهذا فيلزم منه الزيادة على مسافة «المحاذاة» وهذا مردود شرعاً وواقعاً، وقد سبق الكلام في ذلك. وسيأتي مزيد من التفصيل (ص -). وأما كون ((جدة)) خارج محيط المواقيت، والمواقيت دونها فلا يقول بهذا أحد.

стр. 52

فإذا لم تكن ((جدة)) داخل المواقيت، ولا خارج المواقيت، فأين تكون؟ ! لاشك أنها -والحال هذه- تقع على محيط المواقيت نفسه. وهذا الدليل رغم بساطته، هو من أقوى الأدلة عند المتأملين (١). تنبيه دقيق: اعلم أن من قدم «جدة» من جهات البر، فتُعدّ ((جدة)) والحال هذه بالنسبة له، داخل المواقيت؛ لأنه لا يمكنه الوصول إليها إلا بعد مجاوزة ((محيط المواقيت)) وقد ذكر مثل هذا بعض أهل العلم، فأشكل على آخرين ذلك، إذ لم يدركوا الفرق بين من أتى ((جدة)) من البحر

стр. 53

ولمّا يخترق محيط المواقيت، ولم يمرّ بميقات أو ما يحاذيه، وبين من أتاها مخترقاً عن طريق البر، ومن فرّق وُفّق. ألا ترى أن ((الجحفة)) بالنسبة لأهل اليمن تعدّ داخل المواقيت، وهي ميقات لأهل الشام، وكذلك حكم كل ميقات، فتنبه.

стр. 54

الدليل السادس: الوجه الأول: لما فُتح العراق ولم يكن على طريق أهلها ميقات معروف عندهم، سارعوا إلى سؤال عمر ﵁ أن يجعل لهم ميقاتاً على طريقهم. فقالوا: ((إن قرناً جور عن طريقنا -أي بعيدة عنها- وإنا إن أردنا قرناً شقّ علينا)) فقال لهم: ((انظروا حذوها)). فتأمّل فتوى هذا الملهم الراشد ﵁، إذ بمجرّد أن لم يكن على طريقهم ميقات -فيما عَلِم- وكان عليهم مشقة إذا ما تعمّدوا المرور من الميقات الآخر، أفتاهم بتعيين ميقات إضافي على طريقهم، ثم ماهي المشقة هاهنا، إنها مسيرة مرحلة ((أربعين كيلاً)). بناء على هذا، هب أن أهل السودان أو من يأتي من الغرب، سألوا عمر أو العلماء المعاصرين، وقالوا: إن ((يلملم)) جور عن طريقنا: فماذا عساه أو عساهم أن يقولوا غير: ((انظروا حذوها)) أي: انظروا بلداً على طريقكم تكون مسافته عن مكة تساوي مسافة ((يلملم)) ((فنظرنا حذوها)) على طريقنا فوجدنا أن ((جدة)) تبعد عن

стр. 55

مكة مسافة ((يلملم)) عن مكة بل ربما أبعد (١)، فكانت ((جدة)) إذن ((ميقاتاً إضافياً)). فأي دليلٍ بعد ذلك أوضح من هذا؟ ! . وهل لمتأمل أن يردّ مثل هذا الوضوح، أم المحاذاة التي أفتى بها عمر خاصة بأهل العراق، فيحق لهم أن يطالبوا بتحديد ميقات على طريقهم، ولا يحق لأهل السودان ومصر، ولا لتلك الشعوب التي تقدم من الغرب أن تطلب ذلك؟ ! . ثم هل مشقة مسيرة أربعين كيلاً التي شكى منها العراقيون أعظم من مشقة مسير هذه الأربعينات (٢). ولذلك كان لابد من تعيين ((محاذاة)) ((ميقات إضافي)) لكل طريقٍ جديد، وهذا الذي عليه العمل، فإن الحكومة السعودية -وفقها الله لكل خير- كلما فتحت طريقاً جديداً إلى مكة، سارع العلماء -

стр. 56

حفظهم الله- إلى تعيين ميقات على هذه الطريق، فلماذا لا يفعل الأمر نفسه في الطرق إلى ((جدة)) وتفصيله: الوجه الثاني: بناء على ما سبق لما فُتح طريق الطائف مكة، عُيّنت عليه ((المحاذاة)) وهو ما اصطلحنا على تسميته بـ ((الميقات الإضافي)) ولما فُتح طريق الباحة مكة -الساحلي- عُيّنَ ((ميقات إضافي)) عليه من جهة ((يلملم)) وهذا هو الصواب، ولذلك لم يعترض على هذا أحد من أهل العلم، وهو شبه إجماع، أو إجماع سكوتي (١)، وهكذا لو فتح طريق من جهة الشرق، أو الشمال، أو الجنوب، لوجب تعيين ((ميقات إضافي)) عليه، وهو نقطة اختراق الطريق لمحيط المواقيت. وإذا أردنا فعل الأمر نفسه من جهة الغرب، نجد أن الطريق بل الطرق البحريّة والجوية المنصبة على ((جدة))، تخترق محيط المواقيت عند ((جدة)) وبالتالي فإن ((جدة)) ((ميقات إضافي))، والعاقل لا يزال

стр. 57

متعجباً من عدم تعيين ((المحاذاة)) وضبطها على الطرق البحرية والجوية القادمة إلى ((جدة)). إذ كيف تُعيّن ((المحاذاة)) ((المواقيت الإضافية)) من جهة الجنوب؟ ومن جهة الشرق؟ ولا تُعيّن من جهة الغرب؟ أفيجوز التعيين من جهة الجنوب والشرق، ولا يجوز من جهة الغرب؟ . أفيعقل أن يُعيّن لأهل بلد مثل الطائف، ومن مرّ بها ((محاذاة))؟ ! ولا يُعيّن لهذه الشعوب القادمة من جهة الغرب ((محاذاة)) ((ميقات إضافي))؟ . إن هذا لشيء عجاب! وأعجب منه من قال: جدة ((ميقات إضافي)) للأحناف دون غيرهم (١)؟ ! الوجه الثالث: يقال للمتوقفين الذين لم تتضح لهم الرؤية بَعدُ:

стр. 58

إذا قدم قاصد ((جدة)) من غربها، دون أن يجاوز أي ميقات في طريقه، كأن يأتي من شماليّ السودان، أو من جنوبيّ مصر، فأين يحرم هذا القاصد؟ ! أين نقطة محاذاته؟ ! أي: على أي مسافة من ((مكة)) من جهة ((جدة)) يُحرم؟ ! . أو: لو أنه بُني عبر البحر إلى ((جدة)) جسر، فأين يحرم القاصدون عليه تحديداً بالأذرعة، كما حُدّد على تلك الطرق التي فُتحت إلى ((مكة)) ((المحاذاة))؟ ! . ليس لهم من جواب صحيح على الإطلاق، إلا أن يقولوا: يحرم من ((المحاذاة)) و ((المحاذاة)) تعني مسافة أقرب المواقيت إلى ((جدة)) عن ((مكة)) كما سبق، وأقرب المواقيت على الإطلاق إلى ((جدة)) هو ((يلملم)). ومسافة ((يلملم)) عن مكة ((مرحلتان)) فإذا قسنا من مكة إلى هذا الجسر ((مرحلتين)) وجدنا انتهاءها عند ((جدة)) وهو المطلوب.

стр. 59

ثم إن أي زيادةٍ في المسافة على ((جدة)) في البحر لأجل الإحرام، تعني: الزيادة على ((المحاذاة)). وقد قمت بتوجيه هذا السؤال إلى سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز مفتي الديار السعودية -حفظه الله وحفظها من كل فتنة ومكروه- فأجاب: يحرم القادم من غرب ((جدة)) من ((جدة)) . وحدثني الثقات: أنهم وجّهوا السؤال نفسه إلى فضيلة الشيخ صالح اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى بالمملكة العربية السعودية فأجاب -حفظه الله- الجواب نفسه. وإذا ثبت أن ((جدة)) ((محاذية)) لميقات ((يلملم)) فإنها ميقات لمن قدم من غربها، ولوكان أحد المواقيت عن يمينه أو شماله عندما قدم. والله المستعان على توضيح هذه المسألة السهلة المهمّة لإخواننا جميعاً.

стр. 60

من قال بأن «جدة» «ميقات إضافي» من أهل العلم: قد سبق أن قال كثير من العلماء بأن ((جدة)) ميقات، وهم على صنفين: صنف قال بذلك مطلقاً، وصنف قال: هي ميقات لمن أتى من غربها مباشرةً. ومن القائلين بذلك من الصنفين: العلامة الهيتمي الشافعي، والدسوقي المالكي، وابن قاسم النجدي الحنبلي، ومنصور البهوتي الحنبلي، وجعفر اللبني الحنفي، وعبد الرحمن بن زياد مفتي اليمن، وأحمد بلحاج مفتي مكة، ومحمد الحبشي مفتي مكة، ومحمد صالح الرئيس مفتي مكة، كلٌ في زمانه، والعلامة المباركفوري، وفضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس محاكم قطر، والأستاذ مصطفى الزرقا، والعلامة ابن باديس الجزائري، ومفتي الجزائر الحالي الشيخ أحمد الحماني، وغيرهم كثيرون (١).

стр. 61

خلاصة الخلاصة في إثبات أن جدة ميقات: عيّن رسول الله ﷺ خمسة مواقيت للقاصدين بيت الله على طرق الناس المعروفة يومئذ. وعيّن عمر ميقاتاً على طريق من أتى مكة من أهل العراق. وبناءً على هذا: أجمع العلماء: على أن القاصد إذا أتى من طريق لا ميقات فيه -أي: بين ميقاتين- فميقاته حذو أقربهما إليه. وللحذو والمحاذاة معان: الأول: أن تكون مسافة البقعة عن مكة، تساوي مسافة أقرب ميقات إليها عن مكة. وهذا الأمر متحقق في ((جدة)). فإن أقرب ميقات إليها، هو ((يلملم)) ومسافته من مكة تساوي مسافة ((جدة)) من ((مكة)) وهي -مرحلتان- (٨٠) كلم تقريباً. الثاني: أن يكون الموضع واقعاً بين ميقاتين. وهذا أيضا متحقق في «جدة».

стр. 62

فإن ((جدة)) تقع بين ميقاتين، وهما ((الجحفة)) شمالاً، و ((يلملم)) جنوباً، وكلاهما يقع على الساحل الغربي، وعلى خطٍ واحدٍ، ويكفي تحقق واحدٍ من هذين الأمرين، لتكون جدة ((ميقاتاً إضافياً)) فكيف بتحققهما جميعاً. الثالث: يؤكد هذا ويوضحه، وقوع «جدة» على محيط المواقيت لا داخله ولا خارجه. ويتم تحديد هذا المحيط، برسم خطوط بين المواقيت، فيحصل شكل سداسي الأضلاع، هو محيط هذه المواقيت. ومن خصائص هذا المحيط: أولاً: كل نقطة من نقاطه هي «محاذية» وبالتالي هي «ميقات إضافي». ثانياً: وقوع «الساحل» ومنه «جدة» على الضلع الغربي منه، الواصل بين «الجحفة» شمالاً و «يلملم» جنوباً.

стр. 63

ثالثاً: يجوز للقاصد الإحرام من أي نقطة منه، براً أو جواً ولا يجوز له اختراقه إلا محرماً. رابعاً: كل بقعة خارجة عنه ليست من المحاذاة في شيء، ولذلك لا يجب على القاصد الإحرام قبل اختراقه، ولو دار حوله ألف مرة مالم يخترق. خامساً: لا يمرّ هذا المحيط على البحر، ولا يدخل البحر ضمنه، وإذن فليس في البحر ولا في جوّه إحرام. ولهذه الأدلة ولغيرها كانت جدة محاذية، و ((ميقاتاً إضافياً)) لكل من مرّ بها، ولكل طالب علمٍ منصفٍ، نظر نظرة تأمّلٍ، وسعى لطلب الحق، والله ولي التوفيق والسداد. هذا ما تيسر اختصاره من الكتاب الأصل. وإنني -وبهذه المناسبة- أناشد طلبة العلم: أن يتجاوزوا التقليد حتى يكونوا علماء، وأهيب بالعلماء أن يضمّوا إلى علمهم بالكتاب والسنة، فقه واقع المسألة، لكي تكون الفتوى صحيحةً، على القاعدة المنهجية:

стр. 64

«لا تكون الفتوى صحيحةً حتى: يجتمع فيها علم الكتاب والسنة، وفقه واقعها الصحيح». والله أسأل: أن يسدّد خطانا، ويلهمنا رشدنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 65

حكم من مرّ من ميقات إلى ميقات آخر ثم أحرم منه نص المسألة: ((هل يجوز تجاوز الميقات دون إحرامٍ أو تلبيةٍ، أو تلبسٍ بالنسك، إلى ميقاتٍ آخر، ثم الإحرام منه، والتلبس بالنسك على الوجه الشرعي)). مثاله: قدم قاصد البيت بحج أو عمرة أو عمل، ثم الحج أو العمرة، وعند الميقات لم يحرم، ولم يتلبَس بالنسك عامداً، ثم تجاوز الميقات لأمر ما، كأن تعطلت سيارته، فتجاوزه لإحضار قطعة غيارٍ لها، أو لإحضار دواءٍ، أو لأي سببٍ كان، ثم جاء ميقاتاً آخر، وأحرم منه وشرع بالنسك، فهل على من فعل هذا شيء؟ قلت: لو أن قاصداً تجاوز الميقات لسبب ما، ثم عاد إلى الميقات نفسه فهل عليه من شيء؟ ! .

стр. 66

لاشك أنه ليس عليه شيء، لكن لمن تدبّر وتأمّل، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وكذلك الأمر سواء لو رجع إلى ميقات آخر فأحرم منه. روى الإمام الشافعي عن عطاء بسندٍ صحيحٍ أنه قال: ((من أخطأ أن يُهلّ بالحج من ميقاته، أو عمد ذلك، فليرجع إلى ميقاته فليهلّ منه)). ولم يوجب عليه دماً إلا إذا أحرم بعد التجاوز، قال الإمام الشافعي معقباً: ((وبهذا نأخذ)) (١). قال شيخ الاسلام -نقلاً عن الإمام أحمد-: ((وإذا دخل مكة بغير إحرام: فإن كان عليه وقت وأراد الحج، رجع إلى الميقات، فأهلّ منه، ولا دم عليه، ثم قال: لأنهم قد أتوا بالواجب، وتلك المجاوزة ليست نسكاً فلا وجه لإيجاب الدم)) (٢).

стр. 67

وقال ابن قدامة الحنبلي: ((من جاوز الميقات مريداً للنسك غير محرم، يجب عليه أن يرجع إلى الميقات، فيحرم منه فإن رجع إليه فأحرم منه فلاشيء عليه)) (١). وقال الصنعاني: ((وقال الجمهور -فيمن تجاوز من غير إحرامٍ-: لو رجع إلى الميقات قبل التلبس سقط الدم)) (٢). قلت: إذا عُرف هذا، وفُهم ما قد سلف من المقصود من المواقيت، وأن ليس لها قدسية في ذاتها، وأنها للإحاطة والإعلام، عُرف: أنه لو تجاوز متجاوزٌ فسواء عليه أرجع إلى ميقاته، أو إلى ميقات آخر ثم أحرم منه، فلاشيء عليه. وذلك لانعدام الدليل على وجوب رجوع المتجاوز إلى الميقات نفسه الذي تجاوز منه (٣).

стр. 68

قال شيخ الاسلام: ((وإنما فائدة التوقيت: وجوب الإحرام من هذه المواقيت)) (١). وعلى هذا: فمن أحرم من هذه أو من تلك، أو تجاوز هذه إلى تلك، كل ذلك سواء، إذ المقصود: أن لا يتجاوز القاصد هذا المحيط في آخر دخول له إلا محرماً من أي نقطةٍ شاء. وقد ثبت أن ابن عمر أحرم من ((الفُرع)) وأحرمت عائشة أم المؤمنين ﵄ من ((الجحفة)) (٢) ولا يمكن لأهل المدينة الإحرام من

стр. 69

هذين المكانين إلا بعد مجاوزة ((ذي الحليفة)) أو مجاوزة محاذاتها، ويعني هذا: أنهما انتقلا من ميقاتٍ إلى محاذاة ميقات آخر، والمهم أنهما لم يخترقا محيط المواقيت إلا محرمين؛ لأن الانتقال من ميقات إلى ميقات من غير إحرام، ولا عقد للنية -ولو كانت في نفسه- لا يعد تجاوزاً. وإذا كان هذا جائزاً براً، فمن باب أولى جوازه جواً. وقال الإمام مالك في رواية: ((ومن مرّ من أهل الشام ومصر ومن وراءهم بذي الحليفة، فأحب أن يُؤخّر إحرامه إلى ((الجحفة)) فذلك له واسع)) (١). وكذا قال ابن مفلح الحنبلي عن الشامي يتجاوز ((ذا الحليفة)) إلى ((الجحفة)) ونقل ذلك عن عطاء ومالك وأبي ثور، ثم قال: ويتوجّه لنا -أي الحنابلة- مثله)) (٢). وهذا الذي عليه الأحناف (٣).

стр. 70

قلت: إذا جاز للشامي، جاز لكل مسلمٍ مر من هناك، فإن هذه المواقيت لم تخصص لأهل هذه البلدان تعبداً، إنما ارتبط ذكر هذه الأمصار مع بعض المواقيت على سبيل الغلبة، فإن غالب الناس -من قبلُ- كانوا يلتزمون طرق بلدانهم. وإذا جاز التجاوز من ذي الحليفة إلى الجحفة رغم أنها أقرب إلى مكة من ذي الحليفة، فمن باب أولى جواز ذلك من قرن إلى يلملم، ومن يلملم إلى جدة، وهي متساوية المسافة، والتفريق بين أهل البلدان غير وارد، كأن يقال: يجوز لشامي ولا يجوز لنجدي، ويجوز بين هذين الميقاتين ولا يجوز بين تلك، إذ العبرة ومناط الحكم: المرور من تلك الجهة، لا أن هذا شامي وهذا مصري، وإلا فمن هو الشامي؟ هل هو الذي ولد بالشام؟ ! أم الذي يقيم بالشام؟ أم الذي يحمل جواز الشام؟ أم ماذا؟ ! (١).

стр. 71

وهب أن يمنياً أو نجدياً كان مع شاميّين، وأرادوا مجاوزة ((ذي الحليفة)) إلى ((الجحفة)) فهل يقال للشاميّين: يجوز لكم، ولليمنيّين، أو النجديّين: لا يجوز لكم، وإذا كان نجدي يحمل جواز الشام، فماذا يقال له؟ . إن تعليق المواقيت بأهل البلدان تعبّداً، غير مقبول ولا معقول، ولا يقوله متأمّل. قال النووي: ((قال أصحابنا: ومتى جاوز موضعاً يجب الإحرام منه غير محرم أثم، وعليه العود إليه والإحرام منه (١) إن لم يكن له عذر، فإن كان عذر،

стр. 72

كخوف الطريق، أو انقطاع عن رفقته، أو ضيق الوقت، أو مرض شاق، أو أحرم من موضعه ومضى وعليه دم إذا لم يعد فقد أثم بالمجاوزة، ولا يأثم بترك الرجوع، فإن عاد -إلى الميقات- فله حالان: أحدهما: يعود قبل الإحرام فيحرم منه، فالمذهب الذي قطع به المصنف والجماهير: لا دم عليه، سواء كان دخل مكة أم لا (١). قلت: إنما أثِمَ لأنه تجاوز وقد وجب عليه الإحرام إذ لا يجوز له الإحرام بعد التجاوز فإن رجع إليه، أو إلى ميقات آخر، فالأمر سواء، وليس عليه شيء. لأن المقصود -كما سبق- عدم تجاوز حدود الميقات بغير إحرام، ولا فرق بين من أحرم من الشرق وهو من أهل الغرب، ولا بين من أحرم من الغرب وهو من أهل الشرق. ومن فرّق فقد أبعد النجعة، فليس هناك تعبد في الجهة، وقد فُصّل القول في الأصل.

стр. 73

وقال الهيتمي: ((فإن تجاوزه بغير إحرامٍ، فالأقرب أنه إن أحرم من مثله فلا دم عليه)) (١). قلت: هذا هو الصواب. لأن قوله: ((أحرم من مثله)) -أي: من ميقات آخر يساويه في المسافة- إشعار بجواز مجاوزة الميقات إلى ميقات آخر، والإحرام منه. وهو عين مسألتنا. وقد يشكل على بعضهم أمور: الأول: ظنهم وجوب الإحرام من نفس ميقات بلده، وقد أجبنا عن هذا، وأنه لا يلزمه ذلك. الإشكال الثاني: كيف يجوز للقاصد تجاوز الميقات والرسول ﷺ يقول: «هُنّ لهنّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ... ». والجواب: أن النبي ﷺ لم يمنع في هذا الحديث تجاوز الميقات إلى ميقات آخر، وإنما أوجب الإحرام من الميقات، ومنع تجاوز المواقيت

стр. 74

دون إحرام، فمن تجاوز ميقاتاً إلى ميقات ثم أحرم منه، فقد حقق المقصود من الحديث، ولم يتجاوز المواقيت إلا محرماً. وللمسألة تفصيل في الأصل فلتراجع. الإشكال الثالث: كيف يتجاوز وهو ناوٍ للنسك؟ ! قبل الإجابة على هذا: لابد من التفريق بين من يتجاوز ثم يحرم -وهذا مُحرّم- وبين من يتجاوز إلى ميقات آخر ثم يُحرم منه. ثم يقال: لاشك أنه ناوٍ للنسك، ولكنه لم يعقد النيّة، بل أخّرها، ومن فرّق بين عقد النيّة وتأخيرها، أراح واستراح، ومثل هذا كمثل من نوى أن يصلي، ثم أخّر النيّة أو نوى فعل أمرٍ ثم أخّره، فلا يلزمه شروطه، ولا تجب عليه أحكامه، إلا إذا عقد النية، وباشر العمل، وتلبس بالعبادة. ويوضح ذلك المثال التالي: إذا قدم قاصد الميقات، وأراد تأخير النسك، فهل يجوز له ذلك؟ !

стр. 75

بالإجماع يجوز له ذلك، فإذا أخّره فهل يجوز له الأخذ من أظافره وشعره؟ بالإجماع (١) يجوز له ذلك، فإذا أراد أن يتجاوز الميقات لأمرٍ ما، ولمّا يتلبّس بالنسك -أي: لم يُحرم- فهل يجوز له ذلك؟ لاشك أن ذلك جائز له؛ لأن هذه المجاوزة التي قبل التلبس، ليست من النسك في شيء، فإذا تجاوز إلى ميقاتٍ آخر ثم أحرم منه، فما المانع من ذلك؟ مادام أصل التجاوز مباحاً له، فهب أن قاصداً قدم من اليمن فلما بلغ الميقات، أُخبر أن أمه بالمدينة تحتاج إليه، أو لسبب آخر، وانتقل إلى المدينة بلا إحرام ولا تلبس بالنسك، ثم أحرم مع والدته من ذي الحليفة فهل عليه شيء؟ لا شك أنه ليس عليه شيء.
следующие страницы →