السبيل إلى منهج الطائفة المنصورة (٣)
صراع الفكر والاتباع
بقلم
عدنان بن محمد آل عرعور
مؤسسة قرطبة طباعة - نشر - توزيع
ت: ٥٣٥٠٢٧
стр. 2
السبيل إلى منهج الطائفة المنصورة (٣)
صراع الفكر والاتباع
بقلم
عدنان بن محمد آل عرعور
مؤسسة قرطبة طباعة - نشر - توزيع
ت: ٥٣٥٠٢٧
стр. 3
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الثانية المزيدة والمنقحة
١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م
مؤسسة منارة قرطبة
للجمع التصويري وتجهيزات الطباعة
٦٤ ش الخليفة * مدينة الأندلس * الهرم * الجيزة
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
مقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فلا يخفى على كل مسلم واعٍ ما تعانيه أمتُنا الإسلامية من واقع مُفجِع، وحال مؤلمة، تُمَزِّقُ قلبَ الصادقِ، وَتُفَتِّتُ كَبِدَ الْمُخْلِصِ، إذ اجتمع عليها ضَعْفٌ ذَاتِيٌّ شَدِيدٌ، وعدو خارجي ماكر، استغل هذا الضعفَ الموهن، فاخترق منه صفوفها، ثم توغَّل في أعماقها، فصنع لها أعداء داخليين شتى، ما بين ظالم فاجر، وفاسق لاه، ومُرَوِّجٍ لفكر دخيل، باسم الإسلام حينًا، وباسم الحضارة أحيانًا، على حين تَمَزُّق في صفوفها، وغفلة من عوامها، وتفرق في خواصها، فزاد بلاءها بلاء، وجعلها لا تلوي على شيء (١).
فتصدى لهذا المصلحون، فأخطأ كثير منهم الطريقَ، إذ أخطئوا التشخيصَ، فأخطئوا المعالجةَ، فانعكس أثر ذلك ضررًا بالغًا على الدعوة والسمعة، فتعثرت الأولى، وساءت الثانية، فضلًا عن مصائب شتى حَلَّتْ
стр. 6
بالمستضعفين من المسلمين.
ولمَّا كان وعد الله حقًّا، وكلمته صدقًا في نصره للمؤمنين إِنْ هُمْ نصروه، كان لزامًا على المصلحين أن يُعيدوا النظرَ في تشخيص أمراضهم، وأن يراجعوا طرق معالجتهم، فما كان الله ليخلفَ وعدَه، وما كان الله ليخذلَ جندَه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
إذن ثمة أمور من عند أنفسنا جعلت نصر الله يتأخر عنا، وهناك خَلَلٌ لا بُدَّ من معرفته، وثغرات لا بد من سَدِّهَا، وعندئذ يتحقق وعد الله تعالى، ويتنزل نصره ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١].
فلتستبشر أمة الإسلام بنصر الله إن هي نصرته في نفسها أولًا، وَلْتَسْعَدْ بتمكينها في الأرض إِنْ مَكَّنَتِ اللهَ في قلوب أفرادها.
فما هي هذه الثغرات حتى نسدها؟
وما هي هذه الأمراض حتى نداويها؟
كي يكون الله معنا، فيكيد لنا على أعدائنا، ويغير حالنا ..
كلُّ أجوبة هذه التساؤلات تجدها في ((السبيل))، الذي هو التشخيص الصحيح لمرض هذه الأمة، ومعالجته على ضوء الكتاب والسنة؛ لتكون الأمة التي أرادها الله تعالى.
وإنَّ كُلَّ مُنْصِفٍ واعٍ يَطَّلِعُ على هذا الواقع التعيس، ويتدبر ما قُدِّمَ في كتاب ((السبيل)) هذا من تحليلات شرعية لهذا الواقع يدرك أنه لا شفاء لهذه الأمة من أمراضها، ولا نجاة لها من مصائبها، ولا نصر لها على عدوها، ولا تمكين لها في أرض الله جميعًا إلا بالرجوع إلى دينها، شريطة التزام الضابط الذي يضبط لها الفهم الصحيح، والمنهج الذي ينير لها الدرب .. وحينئذ يوحَّد الفهم، ويتَّحد الطريق، فيكون الخير والفلاح.
وأَنَّ الله لم يَدَعِ الأمر هملًا، كل يفهم دينه كما يرى، وكل
стр. 7
يسير كما يجتهد، بل بَيَّنَ هذا الضابطَ بنفسه، ووضع هذا الميزان في كتابه؛ كي تقام الحجة، ويوحَّد المنهج.
وقد ثبت بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة، وكلام الأئمة، والعقل السليم، والواقع المدروس على ضوء الكتاب والسنة وتحليلهما للأحداث؛ أن ضابط الفهم، وميزان العمل هو: ما كان عليه الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن تبعهم بإحسان في العقيدة، والمنهج، والشريعة، والسلوك، وأنهم الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية.
وأن لهذه الطائفة الوحيدة أصولًا، وقواعدَ، ومنهجًا، ومفاهيمَ، وأسسًا، وصفاتٍ تتميز بها عن الطوائف المخطئة، والفرق المنحرفة.
وأن كل من خرج عن هذه المفاهيم والأصول فقد أبعد الفهم، وضل السبيل، كذلك كانت الطوائف مِنْ قَبْلُ، وكذلك ستكون الطوائف مِنْ بَعْدُ، مهما كانت نِيَّاتُهُمْ، ومهما كانت تضحياتهم، ومهما كانت أدلتهم، وستبقى هذه الجماعات تعيش في تمزقها، وَتَرْسُفُ (١) في ضعفها، وتراوح في مكانها .. تلهث ولا تسير، تسقط ولا تنهض، تصرخ ولا تعمل .. تقوم من مصيبة لتقع في كارثة .. وتخرج من كيد لتسقط في فخ، وستبقى هكذا حتى تدرك هذا المنهج، وتسلك هذا السبيل، الذي به وحده تعالج أمراض المسلمين، وبه تشفى بإذنه تعالى.
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
وستظل هذه الْفِرَقُ تتخبط في تِيهِهَا مهما بذلت، ومهما اجتهدت ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ .. إلى أن تدرك هذه الحقيقة، حقيقة اتباع منهج الفرقة الناجية،
стр. 8
وعندئذ يتحقق وعد الله، ويتنزل نصره.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].
وبناء على هذا؛ فاعلم أنه لا هداية للعبد دون السير على طريق أهل السنة والجماعة، وأنه لا سير صحيحًا إلا بعد معرفة ((السبيل)).
وأنه لا سبيل لتوحيد الأمة الإسلامية وتمكينها إلا بمعرفة معالم الطائفة المنصورة، والالتزام بها.
وفضلًا عَمَّا سبق فإنه لا نجاة للعبد من عذاب الله يوم القيامة، ولا فَوْزَ بالجنة إلا باعتقاد عقيدة الفرقة الناجية، والسير على منهاجها ..
وهاك ((السبيل)) بأجزائه خطوة جادة عملية وشرعية واقعية لرسم الطريق الأقوم لنهوض هذه الأمة من كبوتها، واستفاقتها من غفوتها؛ لتكون الأمة التي أرادها الله تعالى.
ولذلك؛ فليس المقصود بهذا الكتاب رجلًا معينًا، ولا جماعة مخصوصة، بقدر ما هو تشخيص حقيقي لواقع مؤلم، ومعالجة صحيحة لهذا الواقع، فضلًا عن أنه سَعْيٌ صادق، وخطوة منضبطة لتوجيه هذه الصحوة، وتأصيلها، وتوعية أفرادها، وتثبيتهم على الحق والمنهج المثمر، لا تربيتهم على العاطفة الجيَّاشة، والحماسة المؤقتة، اللتين تزولان بصيحة، وتنطفئان بنفخة ... وهذا هو الذي يُفْرِحُ أعداءهم، إذ إليه يَصْبُونَ، ومنه يخترقون .. وبتأصيلهم وحسن تربيتهم,
стр. 9
يبقون ما بقي الحق، ويصمدون كما صمد الأنبياء، فينالون ما نالوا من التوفيق في الدنيا، والفوز في الآخرة.
ويكفينا عبرة ما حل بنا من كوارث، وما نصبت لنا من أفخاخ، وآن لنا أن ندرك الطريق المستقيم، ونسلك المحجة الواضحة.
وقد ذُكِرَ في الجزء الأول منه: الواقع المضطرب الذي يعيشه العالم، والحال المؤلمة التي يعيش فيها عالمنا الإسلامي، وَبُيِّنَ فيه الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا الضعف .. من جهل بحقيقة هذا الدين وأهدافه، وتفرق مُخْزٍ، وفقدان للإخلاص والذات، فضلًا عَمَّا يكيده أعداء الله بهذه الأمة، وما يتربصون بها.
كما ذُكِرَ فيه أخطاء التشخيص والمعالجة المرتجلة، وصور مؤلمة من صور التربية التي تمارسها بعض الجماعات الإسلامية، ثم ذُكِرَ طريق العلاج، وسبيل النجاة، وعواصم الحفظ.
وَوُضِّحَ في الجزء الثاني منه السبيل الأمثل والوحيد لضبط فهم الكتاب والسنة، والذي به يزول الخلاف، وتتوحد الأمة، وهو أصل أصول الطائفة المنصورة، ثم ذُكِرَ فيه أصلان من أصولها.
وَعُرِّجَ في هذا الجزء على أصلٍ عظيمٍ من أصولِ الطائفةِ المنصورةِ، وسبيلٍ قَوِيمٍ من سُبُلِهَا يُبَيِّنُ سببَ الانحرافِ وَخُطُورَتَهُ، ومعنى الاتباع ووجوبه، ومعنى الابتداع وحرمته، وعلامات كل من أصحاب الطريقين، ثم خُتِمَ ببعض قواعد الإنصاف التي تضبط المسلم على الصراط، وَتَقِيهِ من الانحراف، مِنْ غَيْرِ جَفَاءٍ مُنَفِّرٍ، وَلَا غُلُوٍّ مَقِيتٍ، وَلَا تَسَاهُلٍ مُشِينٍ.
وسيتتابع السبيل -إن شاء الله- في أجزائه القادمة على ذِكْرِ بقية أصول الطائفة الناجية التي بالتزامها يزول الخلاف، وعلى ذِكْرِ صفاتها التي بها تتميز
стр. 10
عن الطوائف الأخرى، ومفاهيمها التي بها يُوَضَّحُ طريقُ تَشْخِيصِ أمراضِ الأمةِ، وَسُبُلُ معالجتها، ثُمَّ النهوض بها.
وَمَنْ رَأَى فِي هَذَا الْكِتَابِ شَيْئًا فَلْيَتَدَبَّرْ قَبْلَ أَنْ يَتَعَجَّلَ، وَلْيَسْتَفْصِلْ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، وَلْيَنْصَحْ قَبْلَ أَنْ يَفْضَحَ، وَمَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَقَدْ فَاتَهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ.
ولقد ذكرت سر كثرة استشهادي بأقوال الداعية سيد قطب ﵀ في الجزء الأول، فَلْتُرَاجَعْ.
واللهَ أسألُ أن ينفع به، وأن يجعله خالصًا لوجهه .. وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، وما كان من صواب فمن توفيق الرحمن، وصلى الله وسلم على النبي المختار، وعلى آله وصحبه البررة الأخيار، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم القرار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتبه
عدنان بن محمد آل عرعور
стр. 11
مباحث هذا الجزء
الأصل الثالث:
- ديننا دين اتباع، لا دين فكر وابتداع.
- معنى الاتباع، وأهميته.
- خطورة الابتداع.
- موقف السلف من الآراء.
- حكم الابتداع في الطرق.
- موقف الصحابة من الابتداع في الطرق.
- أسباب الابتداع، وَسِرُّهُ.
- كيف تتجنب البدع؟
- حصون النجاة في أهل البدع.
- علامات أهل البدع.
- من الطوائف المبتدعة المعاصرة.
- الفرق بين المتبعين، والمبتدعين.
- علامات أهل الاتباع.
- من قواعد الإنصاف في أهل البدع.
стр. 12
الأصل الثالث:
ديننا دين اتباع لا دين فكر وابتداع
الِاتِّبَاعُ: هُوَ أَصْلُ الْأُصُولِ، وَأُسُّ الْأُسُسِ فِي دِينِنَا، بَلْ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥].
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٠٦].
وإذا كان رسول الله ﷺ لا يملك في هذا الدين شيئًا، فلا يُعْمِلُ فيه فِكْرًا، ولا يُحْدِثُ فيه حدثًا ..
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥].
بل لا يجرؤ على شيء من هذا، وما ينبغي له ﷺ .
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤].
فكيف يجرؤ بعضهم على الابتداع؛ بُغْيَةَ زيادة التعبد، والاختراع باسم الفكر، والإحداث بدعوى التجديد؟ !
فما أجرأهم على دين الله تعالى!
стр. 13
معنى الاتباع:
قال ابن منظور في ((اللسان)):
اتبعت الشيء سرت في إثره، وتبعت القوم: مشيت خلفهم.
والاتباع عكس الابتداع تمامًا.
فالاتباع يعني: السير في طريق مسلوك.
والابتداع: إحداث طريق جديد لم يُسْلَكْ مِنْ قَبْلُ.
والاتباع الشرعي يعني: السير على طريق مَنْ رضي الله عن سيرهم.
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥].
ومن هذا نعلم أن للاتباع شرطين:
الأول: لغوي، وهو أن يكون العمل أو القول مسبوقًا به.
الثاني: شرعي، وهو أن يكون العمل أو القول صادرًا مِمَّنْ أناب إلى الله تعالى، والمنيبون لا يُعْرَفُونَ إلا بتزكية الله، أو رسوله ﷺ لهم.
ويوضح الاتباع، ويمثل قمته قولُ عمر ﵁ في الحجر الأسود:
((والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ)) (١).
стр. 14
أي: لولا أَنَّا أُمِرْنَا باتباع الرسول ﷺ من غير تردد، ولا سؤال: لم؟ لَمَا قَبَّلْتُ ...
وما لم نسلك هذا السلوك، سلوك رسول الله ﷺ وأصحابه، من غير نظر إلى مضرة أو منفعة، سوى منفعة الطاعة، ونهجرْ كل طريق غير طريق رسول الله ﷺ ، ولو ظننا منفعتها .. ما لم ننهج هذا المنهج؛ فلن نُمَكَّنَ في الأرض حَقَّ التمكين.
أهمية الاتباع:
تتجلى أهمية الاتباع بأمرين:
الأول: بكثرة النصوص الواردة بشأنه في الكتاب والسنة، وقد أحصيتُ ما في كتاب الله من أمر بالاتباع، أو حَثٍّ عليه، أو مدح لأصحابه، فوجدتُهُ يزيد عن ستين موضعًا.
وأحصيتُ الأمر بطاعته سبحانه، وطاعة رسوله ﷺ ، وَالْحَثَّ على ذلك، والمدحَ للمطيعين، فوجدتُهُ لا يزيد عن خمسين موضعًا.
فهل في هذا عبرة للمعتبرين؟ !
وأما ما في السنة فأكثر مِنْ أَنْ يُحصى، فهي بَحْرٌ زَاخِرٌ، وَمَعِينٌ نَضَّاحٌ.
﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦].
الثاني: الاتباع هو الحافظ الوحيد -من الله- للإنسان من الانحراف والضلال.
وما ضَلَّ مَنْ ضَلَّ، ولا انحراف من انحراف، إلا بخروجهم عن هذا
стр. 15
الأصل العظيم.
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].
أي: فكيف تصرفون عن الصراط ... ولا يُعْرَفُ الصراط إلا بالاتباع، وإلا كان كل طريق صراطًا مستقيمًا ... فتدبر.
ثمار الاتباع:
o الهداية:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والمجاهدة إنما تكون في الاتباع.
وإن لم تكن المجاهدة في الاتباع، فلا بارك الله فيها، ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦].
o النصر في الدنيا، والنجاة في الآخرة:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
o رضا الله ، وهو غاية الغايات، ومنتهى الطلبات:
﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
فلا يكون الرضا إلا باتباع من سلف مِمَّنْ ﵃.
стр. 16
شمولية الاتباع:
ما تقدم من الأدلة والبحوث يدل كُلَّ ذي عقل على:
أن الاتباع الذي أُمِرْنَا به أشمل من أن يحصر في صلاة، أو صوم، أو سواك، أو ثوب، بل هو عام، واجب في العقائد، والعبادات، والطرق، والمنهاج، والتشريع، والحكم، والسلوك، والأخلاق.
قال تعالى بعد أن ذكر عددًا من الرسل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال ﷺ : ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي ... )) (١).
وقال ابن مسعود: ((اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ، عَلَيْكُمْ بِالْأَمْرِ الْعَتِيقِ ... )) (٢).
كفيتم في العقائد .. كفيتم في العبادات .. وكفيتم في المنهاج .. كلها أمور توقيفية، لا يحل الزيادة عليها، ولا النقصان منها.
قال الشاطبي: ((الشَّرِيعَةُ جَاءَتْ كَامِلَةٌ، لَا تَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَلَا النُّقْصَانَ)) (٣).
стр. 17
معنى الابتداع:
اعلم -رحمني الله وإياك- أن الابتداع ضد الاتباع تمامًا، لغةً وشرعًا، وأنهما لا يلتقيان أبدًا.
الابتداع لغة:
إحداث طريق جديد لم يُسْلَكْ، واختراع قول لم يُسْبَقْ، وابتداء فعل لم يُفْعَلْ.
قال في اللسان:
((بدع الشيء: أنشأه، وبدأه)).
قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧].
قال العلماء: أي: محدثهن، ومبدعهن على غير مثال سابق.
الابتداع الشرعي:
هو إحداث طريقة في الدين من عبادة، أو فكر، أو طريق لم يحث عليها الله ، ولم يفعلها رسول ﷺ ، ولم يسلكها سلف هذه الأمة.
أو تخصيص عبادة مشروعة بزمن، أو مكان، أو هيئة، ولم يَقُمْ دليل على هذا التخصيص.
قال الإمام الشاطبي في تعريفه الثاني للابتداع:
((الْبِدْعَةُ: طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ)) (١).
стр. 18
أي: كل طريقة محدثة قُصِدَ بها التقرب إلى الله، توازي وتضاهي الطرق الشرعية، سواء كان ذلك الابتداع في الأفكار، أو العبادات، أو الطرق، أو العادات، وبهذا تدخل الطرق السياسية المعاصرة المحدثة التي تسلكها بعض الجماعات الإسلامية في تعريف البدعة، وفي مسمى الابتداع، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
والأصلُ في العادات والوسائل: الإباحةُ إلا ما ورد الدليل بمنعه.
فإن قُصِدَ الاستعانة بها على طاعة الله ، كان صاحبها مأجورًا في فعلها، ونفقتها إن كانت ذات نفقة؛ كركوب المواصلات للحج، والاستعانة بمكبر الصوت في الأذان، وفي الدعوة إلى الله.
وإن قَصَدَ العبدُ التعبدَ بالعادة نفسها، وبالوسيلة ذاتها، صارت بدعة ضلالة.
كما أوضح ذلك الشاطبي في تعريفه للبدعة:
(( ... يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ ... )) (١).
أي: يتقربون إلى الله بالعادة، والوسيلة نفسها، ويتخذونها عبادة.
وبعبارة أخرى: أن يرى الفاعل وجوب عادة ما، أو وسيلة ما، في عمل ما، من غير دليل شرعي، أو مصلحة بَيِّنَةٍ، كأن يرى وجوب الحج بالطائرة، بدعوى أنها أسهل، فيتخذها الناس سُنَّةً، أو يرى وجوب الجهاد في هذا الزمان
стр. 19
بالسيف تعبدًا، بدعوى أن الرسول ﷺ جاهد بالسيف.
وفي أثر ابن مسعود:
(( ... وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً، حَتَّى إِذَا غُيِّرَتْ قَالُوا: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ)) (١).
أو يرى لزوم الاجتماع للعزاء، أو التزام عادة ما، في وقت ما ... يتقرب بها إلى الله تعالى؛ كالاحتفال بليلة النصف من شعبان، أو ما أُحدث في يوم عاشوراء ... وغيرها من أيام السنة.
أو اعتياد لبس لون معين من الثياب عند المصيبة، إلى غير ذلك من العادات التي صارت سننًا متبعةً عند كثير من الناس.
أما الذين لا يَرَوْنَ دخول العادات في البدع إذا اتُّخذتْ عبادة، فيُقال لهم:
مما لا شك فيه أنه إذا قُصِدَ بعبادة مشروعة مكانٌ مخصوص، أو زمان معين، أو اخْتُرِعَ لها هيئة، ولم يَرِدْ على ذلك دليل، فإن هذه العبادة تصبح بدعة؛ كقراءة سورة في يوم معين، أو صوم يوم معين، أو صلاة في وقت مخصص.
فإذا صارت هذه العبادات بدعًا بالرغم من أن أصلها مشروع، فكيف بعادة مباحة قصد بها -تَعَبُّدًا- زمانٌ، أو مكان معين؟
لا شك - والحال هذه - في دخولها في باب البدع من باب أولى.
ومن أدلة ذلك في هذه العجالة:
قول النبي ﷺ للنفر الذين جاءوا أزواجه، فمنع أحدهم نفسه عن أَكْلِ اللحم تَعَبُّدًا، فغضب لذلك رسول الله ﷺ ، وقال: ((مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) (٢).
стр. 20
رغم أن أَكْلَ اللحم عادة، وليس عبادة، لكن لما ألزم نفسه بالامتناع منه، وجعل ذلك عبادة، صار بدعة محرمة.
الترهيب من الابتداع:
وردت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة في تحريم الابتداع، والتحذير من عواقبه، وجعلته سببًا في الضلالة، وَبَابًا للكفر.
وما ورد عن السلف في هذا يَرْوِي الْغَلِيلَ، ويشفي العليل، وسيأتي تفصيل ذلك، كُلٌّ في بابه.
ومن تلك النصوص:
قوله تعالى:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
وفيه دليل جَلِيٌّ على أنه لا يجوز سلوكُ أَيِّ طريق في الدين إلا بإذن مُسَبَّقٍ من الله تعالى ... وإلا كان صاحبه مبتدعًا.
وقوله ﷺ :
((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ)) (١).
وهذا نصٌّ عامٌّ في كل إحداث، وأنه مردود على صاحبه ... ولهذا كان صاحب البدعة ضالًّا في الدنيا، خاسرًا في الآخرة، نعوذ بالله من الخذلان.
стр. 21
خطورة الابتداع
من المؤسف حقًّا أن يكون معظم المسلمين، وكثير من دعاتهم ومشايخهم، لا يعلمون معنى الابتداع، ولا يدركون خطورته.
ولذلك تراهم يبتدعون، ويحثون على الابتداع، وتجد أكثرهم يستهزئون بالمُتَّبِعِينَ، ويحاربونهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وترى كثيرًا من الحزبيين، والسياسيين، والفكريين، والواقعيين، لا ينهون عنه، ولا ينأون عنه، وهم يظنون أنهم بهذا أقوم طريقًا، وأحسن سبيلًا!
ولو أنهم علموا معنى الابتداع، وأدركوا خطورته، وأنه أحب شيء إلى الشيطان بعد الشرك؛ لِمَا له من أثر عظيم في هَدْمِ الدين، كما هُدِمَتْ به الأديان مِنْ قَبْلُ، لَمَا فعلوا الذي فعلوا، وما قالوا الذي قالوا.
وتكمن خطورة الابتداع في:
أولًا: أن المبتدع يُنَصِّبُ نَفْسَهُ في منزلة الْمُشَرِّعِ، ولا يشرع إلا الله.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
стр. 22
قال ابن كثير ﵀: ((أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس ... من الضلالات، والجهالة الباطلة ... )) (١).
وقال ابن الجوزي ﵀: ((والمعنى: أَلَهُمْ آلهة (شرعوا) أي: ابتدعوا (لهم) دينًا لم يأذن به الله؟ )) (٢).
فحكم الله تعالى على الذين شرعوا لهم -أي: ابتدعوا لهم- بأنهم اتخذوهم شركاء من دونه، والعياذ بالله.
قال سيد رحمه الله تعالى (٥/ ٣١٥٢):
((وليس لأحد من خلق الله أن يشرع غير ما شرعه الله، وَأَذِنَ به، كائنًا مَنْ كان)).
والتشريع أعم من أن ينحصر في تشريع الحكام أحكامًا ما أنزل الله بها من سلطان .. بل هو يشمل هؤلاء، ويشمل كذلك من شرع للناس عبادة من صلاة، أو ذكر، لم يأذن بها الله.
أو شرع لهم طريقًا للوصول إلى الحكم غير طريق رسول الله ﷺ .
أو استحسن لهم طريقة في الدعوة، أو في نظام الحكم، غير طريقة السلف ... كل ذلك يدخل في التشريع المبتدع، وكل ذلك سواء.
ثانيًا: أن الابتداع في الدين أخطر من ارتكاب الذنوب والمعاصي؛ لأن صاحبه يشرع، فيضاهي بابتداعه شرع الله وأحكامه، وذاك يعصي ويخطئ.
стр. 23
قال شيخ الإسلام ﵀:
((وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْبِدَعَ الْمُغَلَّظَةَ شَرٌّ مِنَ الذُّنُوبِ)) (١).
ثالثًا: أن صاحب البدعة لا يفكر بالتوبة؛ لأنه يظن أنها عبادة؛ لذلك يستمر على بدعته التي هي أشد من المعصية، بل يدعو إليها، ومن أجل ذلك رأى بعض أهل العلم أن لا توبة له؛ لقوله ﷺ :
((إِنَّ اللَّهَ احْتَجَزَ (وَفِي رِوَايَةٍ: حَجَبَ) التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ .. )) (٢). والعياذ بالله.
ولهذا نقل عن أئمة الإسلام، كسفيان الثوري، وغيره:
((إِنَّ الْبِدْعَةَ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ)) (٣).
رابعًا: أن البدع أضلُّ للناس، وأَدْعَى لقبولها عندهم من المعصية.
ومعظم العصاة يعرفون أنهم عصاة، وكثير منهم يستحي من إظهار معصيته أمام الخلق، ومعظم الخلق يدركون ذلك، وأما المبتدع فهو يزعم أنه ببدعته يعبد ربه؛ ولذلك يَتَّبِعُهُ الناسُ، فيضلون بضلاله.
стр. 24
قال ﷺ : (( ... وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ .. )) (١).
ولهذا قال السلف - كما سبق -: إن البدعة شر من الذنوب.
وقانا الله شر الجميع.
خامسًا: أن أصلَ الشرك، والضلال عن دين الله، والكفر به، كان سببه الابتداع.
قال ابن إسحاق:
((ويزعمون أن أولَّ ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل أنه كان لا يَظْعَنُ من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم، والتمسوا الفسح في البلاد، إلا حمل معه حجرًا من حجارة الحرم؛ تعظيمًا للحرم، فحَيْثُمَا نزلوا وضعوه، فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى بلغ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم، حتى خلف الخلوف، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات)) (٢).
قلت: وكذلك كان من أسباب الشرك البدعُ التي أحدثها قوم نوح في صالحيهم ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. (٣)
стр. 25
وما انحرف من انحرف، ولا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ من الطوائف الإسلامية إلا بالابتداع.
سادسًا: أن الابتداعَ معاندةٌ للشارع، وَصَدٌّ عن الاتباع، فمن لم يكن متبعًا كان مبتدعًا، ومن كان مبتدعًا لم يكن متبعًا.
فتأمل هذا؛ فهو عزيز .. فإن الإنسان لا يمكن أن يسير على طريقين، ولا يمكن أن يكون له قلبان.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤].
قال الإمام الشاطبي: ((الْمُبْتَدِعُ مُعَانِدٌ لِلشَّرْعِ، وَمُشَاقٌّ لَهُ ... )) (١).
وقد رأينا هؤلاء الذين يُحْدِثُونَ للمسلمين طرقًا جديدة -سواء في العبادة، أو في السُّبُل، أو الفكر- لا يتحدثون عن الاتباع، ولا يحثون عليه، بل لا يذكرونه.
وإذا ذكروه، أو سمعوا به، فلا يعرفونه .. وإذا عرفوه لا يقيمون له وزنًا، ولا يدركون أَنَّ مَنْ لم يكن متبعًا كان مبتدعًا.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠].
فإما أن يكون المرء متبعًا، وإما ان يكون مبتدعًا، ولا طريق ثالث.
قال ابن عباس ﵁: ((مَا مِنْ بِدْعَةٍ تَحْيَى إِلَّا وَسُنَّةٌ تَمُوتُ)) (٢).
وقال شيخ الإسلام ﵀:
((شِعَارُ أَهْلِ الْبِدَعِ هُوَ تَرْكُ انْتِحَالِ اتِّبَاعِ السَّلَفِ)) (٣).
стр. 26
وقال ابن القيم ﵀:
((قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ .. ﴾ الآية.
فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما، إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى، فكل ما لم يأتِ به الرسول فهو من الهوى)) (١).
فإذا رأيت العالم أو الداعية لا يدندن على الاتباع، ولا يَحُثُّ عليه، فاعلم أنه ليس من أهله، ومن لم يكن من أهل الاتباع، كان من أهل الهوى والابتداع.
وقد حدثني الثقات بوقائعَ عجيبة صدرت من بعض المسلمين، فيها من الاستخفاف والسخرية بسلفنا الصالح ما لا يكاد يُصَدَّقُ لولا ثبوتها، منها:
أَنَّ محتجًا احتج بفهم ابن عباس في تفسير آية ..
فقال له الحجوج: ومن ابن عباس؟ ! استنكارًا واستهزاءً.
واحتججت مرة على رجل بحديث، فأنكره ..
فقلت: رواه أبو داود.
فقال مستهزئًا: ومن أبو طنّوس؟
كل ذلك بسبب سوء التربية التي عليها الكثير من الجماعات الإسلامية، من إهمالهم للعلم، وانشغالهم عنه بالقيل والقال، والواقع، والسياسات.
سابعًا: إن لازم كل مبتدع أن دين الله ناقص، وأن الله لم يكمل دينه، وأن رسوله ﷺ لم يتعبد العبادة الكاملة.
قال الإمام مالك ﵀:
стр. 27
((مَنِ ابْتَدَعَ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا، فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا)) (١).
قال الإمام الشاطبي ﵀:
(( ... فَالْمُبْتَدِعُ إِنَّمَا مَحْصُولُ قَوْلِهِ بِلِسَانِ حَالِهِ أَوْ مَقَالِهِ: إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَتِمَّ، وَإِنَّهُ بَقِيَ مِنْهَا أَشْيَاءُ يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ اسْتِدْرَاكُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْتَقِدًا لِكَمَالِهَا وَتَمَامِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمْ يَبْتَدِعْ ... )) (٢).
ثامنًا: أن الابتداع يفتح باب التغيير، والتبديل، والفوضى في الدين، والقول فيه بغير ضابط، ولا علم، بل إن من أكبر سُبُلِ هَدْمِ الدين من الداخل هو: الابتداع.
لأن مصدرَ الابتداعِ: الرأيُ، والظنُّ، والهوى، والاستحسانُ، والمصلحة المخالفة للاتباع، وهذا الذي سماه الله افتراء عليه ، وهو:
تاسعًا: الابتداع افتراء على الله.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩].
فالافتراء -إذن- قولنا: هذه طريقة جائزة، وهذه طريقة غير جائزة، دون أن يكون لنا في ذلك دليل صحيح، وقول مُتَّبَعٌ.
стр. 28
قال الشاطبي: ((وَهُوَ -أَيْ: الِابْتِدَاعُ بِالرَّأْيِ- اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي التَّشْرِيعِ، إِذْ حَقِيقَتُهُ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ)) (١).
فحذارِ أن تكون منهم وأنت تسمع قوله تعالى:
﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦].
عاقبة المبتدع:
وفضلًا عَمَّا يُحْدِثُهُ الابتداع في الدين من التبديل والشر، فإن المبتدعَ مُتَوَعَّدٌ بأشد أنواع العقوبة، ومنها:
- اللعن:
قال ﷺ : (( ... لَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا)) (٢).
وهذا في حق من آوى المبتدع ونصره .. فكيف بالمبتدع نفسه؟ !
- رَدُّ عمله، وإبطال أَجْرِهِ:
قال ﷺ : ((أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ)) (٣).
وقال الحسن ﵀:
((صَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَا يَزْدَادُ اجْتِهَادًا -صِيَامًا وَصَلَاةً- إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ
стр. 29
بُعْدًا)) (١).
- الضلال في الدنيا والعذاب في الآخرة:
اعلم -رحمك الله- أن المبتدع لا يُوَفَّقُ في الدنيا، علاوةً على ما يَدَّخِرُ الله له من العذاب يوم القيامة.
﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩].
فكم ضل المعرضون عن الاتباع، فسقطوا في حمأة الابتداع، والافتراء على الله .. فحرفوا النصوص، وسفكوا الدماء، واعتقدوا الباطل، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا، فولاهم الله ما تولوا من الضلال.
قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]:
((قال سعد بن أبي وقاص: "هم اليهود والنصارى".
وقال علي بن أبي طالب، والضحاك، وغير واحد: "هم الحرورية"، أي: الخوارج.
وهذا يعني أن الآية تشمل الحرورية، كما تشمل اليهود والنصارى.
ثم قال ابن كثير: هي أَعَمُّ من هذا ... وإنما هي عامة في كل مَنْ عَبَدَ اللَّهَ على غير طريقة مرضية، يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود)).
стр. 30
فاحذر -يا عبد الله- أن تكون منهم، فوالله لهي أخوف آية في كتاب الله لِمَنْ خاف بطلان عمله، وخاف عذاب الآخرة.
وأما عذاب الآخرة، فقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١].
وقال ﷺ : ((كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)) (١).
أي: صاحبها في النار.
ثم بعد كتابة ما تقدم عثرتُ على كلام نفيس لابن القيم ﵀ يلخص فيه خطورة الابتداع، ففرحتُ به، أنقله وَإِنْ طال بنا المقام، وتكررالكلام؛ وذلك لأهميته، وصدوره مِنْ قِبَلِ هذا الإمام الْفَذِّ.
قال -بعد أن ذكر أن أحب شيء للشيطان أن يظفر بالإنسان في عقبة الكفر والشرك، فَإِنْ فاته الإنسان فيها فـ-: ((الظفر به في عقبة البدعة أحب إليه -أي: من المعصية-؛ لمناقضتها الدين، وَدَفْعِهَا لِمَا بعث الله به رسوله، وَصَاحِبُهَا لا يتوب منها، ولا يرجع عنها، بل يدعو الخلقَ إليها ..
ولتضمنها القول على الله بلا علم، ومعاداة صريح السنة، ومعاداة أهلها، والاجتهاد على إطفاء نور السنة، وتولية من عزله الله ورسوله، وعزل من وَلَّاه الله ورسوله، واعتبار ما ردَّه الله ورسوله، ورد ما اعتبره، وموالاة من عاداه، ومعاداة من والاه، وإثبات ما نفاه، ونفي ما أثبته، وتكذيب الصادق، وتصديق الكاذب، ومعارضة الحق بالباطل،
стр. 31
وقلب الحقائق بجعل الحق باطلًا، والباطل حقًّا، والإلحاد في دين الله، وتعمية الحق على القلوب، وطلب العوج لصراط الله المستقيم، وفتح باب تبديل الدين جملة، فإن البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها، حتى ينسلخ صاحبها من الدين كما تنسل الشعرة من العجين، فمفاسد البدع لا يقف عليها إلا أرباب البصائر، والعُميان ضالون في ظلمة العمى ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠])) (١).
هذا هو كلام الإمام في خطورة البدع .. فهل فيه موعظة لمن أراد الآخرة، وأراد النجاة؟
فاحذر يا عبد الله من البدع، وَحَذِّرْ منها أَيًّا كانت، وأيًّا كان مُحْدِثُهَا، فوالله ما أفسد الأديان ودينَ النصارى مِنْ قَبْلُ إلا البدعُ، وما حصل الضلال في أمة محمد ﷺ إلا بالبدع، وما تفرقت الأمة، وتشتت شَمْلُهَا، وصارت فِرَقًا وأحزابًا إلا بالبدع.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦].
стр. 32
فيم يكون الابتداع ؟
اعلم -وفقني الله وإياك لِمَا يحبه ويرضاه- أن الابتداع أشملُ من أن يكون منحصرًا في العبادات، بل هو عام، يشمل الابتداع في العبادات، والطرق، والآراء، والأفكار، وهذا مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وذلك لعموم الأدلة الواردة في ذلك.
واختلف أهل العلم في دخول العادات في مجال الابتداع، وَرَجَّحَ المحققون عدم دخول ذلك إلا ((إِذَا قُصِدَ بِالْعَادَةِ مَا يُقْصَدُ بِالْعِبَادَةِ)) (١).
وما يُقال في العادة يُقال في الوسائل:
وحديث النفر الثلاثة الذين منعوا أنفسهم من بعض العادات -كالزواج، وأكل اللحم- من أظهر الأدلة على هذا وأقواها، وقد سبق أن أشرنا إلى هذا.
وكثير من الناس يظنون أن البدع المحرمة هي بدع العبادات دون بدع الأفكار والطرق؛ ولذلك تجد معظم أهل زماننا من المنتسبين إلى الزعامة والفكر من غير فقه ولا علم لا يُحْدِثُونَ بِدَعًا في العبادات، بل هم مُقَصِّرُونَ فيها، ولكنهم يُحْدِثُونَ بِدَعًا في الآراء، والطرق، والأفكار، مما هو أخطر من بدع العبادات؛ لأنها سبب انحراف الطوائف، والأمم، وضلالهم.
стр. 33
حكم الابتداع في الآراء:
واعلم -يا ساعيًا إلى السنة- أن الرأي لم يُسَمَّ رَأْيًا إلا لصدوره عَمَّا رآه المرء بفكره من غير دليل شرعي، ولا حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ صحيحة.
وأما ما يصدر عن الشرع فَيُسَمَّى تشريعًا وحكمًا، أو سنةً وهدًى.
والرأي المذموم: ما كان مخالفًا لشرع الله سبحانه، وسنة رسوله ﷺ ، وَهَدْيِ صحبه، وما كان مُحْدَثًا في الدين، ليس عليه دليل بَيِّنٌ، ولا مضت به سنة صحيحة .. وبدهي أن يكون له تزيين، وتحسين، وتكحيل.
وَتُعَدُّ الآراء الْمُحْدَثَةُ في الدين من أخطر أنواع البدع؛ لِمَا يترتب عليها من فساد في العقيدة، وتعطيل للسنن، واختلاف في الأمة.
ولو أن ((الْآرَائِيِّينَ)) لم يُعْمِلُوا فِكْرَهُمْ في نصوص الصفات لَمَا كان هذا الاختلاف الذي طار شَرُّهُ إلى يومنا هذا.
ولو أنهم لم يُعْمِلُوا عقولهم في العقيدة، والغيب، لَمَا كان هذا الخلاف الذي نَخَرَ في جسد هذه الأمة.
فانتشر الفكر الجبري .. وَتَفَشَّى الرأي الإرجائي .. وحكم العقل الاعتزالي .. وطغى العنف والتطرف الخارجي، فَأَفْسَدَ على المسلمين دِينَهُمْ، وَفَرَّقَ عليهم شَمْلَهُمْ.
ومن هنا يعلم العاقل أمرين:
- من الذي كان سببًا في تفريق المسلمين ...
- ومن الذي يسعى لوحدة المسلمين ...
стр. 34
الذين يقولون: نحترم هذه الأفكار، وَنُقَدِّرُهَا، ونُساويها بما كان عليه الصحابة ... أم الذين يقولون: نرجع إلى ما كان عليه الصحابة، ونبطل كلَّ ما حدث بعدهم، مما كان سببًا في تفريق الأمة؟ !
إذا زال سبب التفرق الذي هو الابتداع؛ زال التفرق، وتوحدت الأمة .. ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨].
الابتداع مرض مُعْدٍ:
وفضلًا عن هذا الذي يُحْدِثُهُ الابتداع في الرأي من تَفَرُّقٍ، وإفساد، وضلال، واختلاف، فهو مرض مُعْدٍ خطير؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بقتل الخوارج، وقال:
((لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ)) (١).
لأنهم أولُ من أحدث في الإسلام الآراء، وابتدع الأفكار.
وَأَمْرُ النبي ﷺ هذا؛ حتى لا تنتقل عَدْوَاهُمْ، ولا يستطير شَرُّهُمْ؛ ولكي ينقطع نَسْلُ فكرهم تمامًا، كما يُؤْمَرُ باجتثاث الأمراض المعدية من أصلها، بل إن مرض الرأي أعظم من مرض البدن؛ لأن معظم البدع إنما كانت من الآراء، ومعظم الطوائف الضالة إنما وُجِدَتْ بسبب بدعة الرأي.
فالخوارج إنما كان أول ابتداعهم في الآراء، لا في العبادات .. والقدرية والمعتزلة إنما كان أول ابتداعهم في الأفكار، لا في العبادات.
стр. 35
ولذلك قال ﷺ فيهم:
((الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ)) (١).
لأنهم أصحاب أفكار وآراء لم يُسْبَقُوا إليها.
قال ابن عباس: ((مَنْ أَحْدَثَ رَأْيًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةُ الرَّسُولِ ﷺ ، لَمْ يَدْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ )) (٢).
стр. 36
ففي قوله: ((مَنْ أَحْدَثَ رَأْيًا ... )) دلالةٌ عظيمةٌ على ما نحن بصدده من حرمة ابتداع الآراء ...
وفي الفصول التالية نصوصٌ عن السلف في ذم البدع، والابتداع، وأهله.
والله الحافظ من كل بدعة، ورأي مذموم.
стр. 37
موقف السلف من الآراء والآرائيين
ولقد تَنَبَّهَ سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم- إلى هذا الأمر الخطير، فألزموا أنفسهم أمرين عظيمين:
الأول: الإمساك بما ورثوه من سلفهم، والامتناع عن إحداث شيء في الدين بآرائهم.
ولولا خشية الإطالة لسردتُ من أقوالهم ما فيه عِظَةٌ للعاقلين.
وحسبي أن أذكر قول الإمام أحمد المشهور:
((إِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ كَلِمَةً لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَامٌ)) (١).
الثاني: مجانبة أهل البدع، والتحذير منهم، ومحاربة الآراء الدخيلة على الإسلام، والتبرؤ منها، ومن أصحابها.
وليس الموضعُ موضعَ سَرْدٍ، فحسبنا رواية عن ابن عمر، وأخرى عن أبيه ﵄:
فقد ذُكِرَ عند ابن عمر قومٌ يتكلمون في الْقَدَرِ، فقال ﵁:
стр. 38
((إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي)) (١).
وقال رجل لابن عمر: ((أرأيت ... أرأيت)) (٢).
فقال له: ((اجعل أرأيت في اليمن ... )).
قال العلامة أحمد شاكر ﵀:
((قوله: ((اجعل أرأيت باليمن))، يُرِيدُ: الإنكارَ عليه أن يقابل خَبَرَهُ عن رسول الله ﷺ بالأعاذير، والتمحلات، وليس هذا من أدب المسلمين، بل يجب على المسلم إذا سمع الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أن يقبله، دون تردد، أو تلكؤ، وما ينبغي له إلا السمع والطاعة)) (٣).
سواء أَدْرَكَ المقصودَ من الحديث أم لم يدركه، وسواء قَبِلَهُ عَقْلُهُ أم لم يقبله؛ لأن الْمُتَّبِعَ يُخْضِعُ عَقْلَهُ لشرعه، وَلَا يُخْضِعُ شَرْعَهُ لعقله.
وقصة صبيغ مع عمر ﵁ من أوضح الأدلة على ضلال أصحاب ((أرأيت)) الذين لا يقيمون للاتباع وزنا.
إذ جاء صَبِيغٌ الصحابةَ ﵃ يسألهم عن متشابه القرآن، وأراد أن يُعْمِلَ فيها فِكْرُهُ، وأن يفهمها بعقله دونما الرجوع إلى الأثر والاتباع، وألقى بِشُبَهِهِ على الصحابة، فما كان من هؤلاء الْمُتَرَبِّينَ على يد سيد الْمُرَبِّينَ، وإمام المتبعين ﷺ ، إلا أن أمسكوا عن الجواب، وعزفوا عن الرد، ثم أخبروا عُمَرَ ﵁ وعنهم أجمعين- بما حدث.
стр. 39
وَلِمَ لا يمسكون، ولأمير المؤمنين لا يخبرون! وهو أمر جَلَلٌ؟ !
فالرأي صار حَكَمًا، والعقل أصبح مرجعًا لفهم القرآن دونما الأثر والاتباع.
فأخذه عمر، وجلده، ثم حبسه، ثم جلده، وحبسه ثم جلده، وحبسه ثم قال صَبِيغٌ: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد قتلي فاقتلني، ولكن قد ذهب الذي أشكو، فنفاه إلى العراق، ومنعه من مجالسة الناس، ثم صلح حاله، فلما قامت فتنة الخوارج -فتنة الفكر والتقول على الله تعالى بغير علم- جاء الناسُ صَبِيغًا، فقالوا:
قم يا صبيغ، فقد جاء دورك، فقال: أَدَّبَنِي الْعَبْدُ الصَّالِحُ. (١)
فَتَدَبَّرْ هذا الجزاء القاسي، والتأديب الشديد من أمير المؤمنين، سيد المتبعين في زمانه، لِمَنْ أراد أَنْ يُعْمِلَ عقله، ويُحكِّمه على كتاب خالقه العليم الخبير.
وَسُئِلَ عطاء عن شيء، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيه برأيك؟ قال: ((إِنِّي أَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ يُدَانَ فِي الْأَرْضِ بِرَأْيِي)) (٢).
فهذا حال عطاء ﵀ .. وما أدراك ما عطاء بن أبي رباح ...
قال الذهبي (٣) عن عطاء هذا: ((شَيْخُ الْإِسْلَامِ، أَدْرَكَ مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ )).
وقال ابن عباس: ((تَجْتَمِعُونَ عَلَيَّ وَعِنْدَكُمْ عَطَاءٌ حَجَّ سَبْعِينَ
стр. 40
حَجَّةً؟ ! )).
قال أبو حازم: ((فَاقَ عَطَاءٌ أَهْلَ مَكَّةَ فِي الْفَتْوَى)).
وقال محمد بن عبد الله الديباج: ((مَا رَأَيْتُ مُفْتِيًا خَيْرًا مِنْ عَطَاءٍ)).
وسأل سليمانُ بن هشام قتادةَ -المفسر المشهور-: هل في البلد -يعني مكة- أَحَدٌ -يعني من العلماء-؟
فقال: ((أَقْدَمُ رَجُلٍ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ عِلْمًا عَطَاءٌ .. )).
وإذا كان هذا الإمام يقول: ((إني أستحيي من الله أن يدان في الأرض برأيي))، فكيف بمن لا يصلح أن يكون خادمًا له! ولا يعرف من العلم الشرعي شيئًا؟ ! .. يُشَرِّعُ برأيه .. ويرسم سبيلًا برأيه .. ويجعله دينًا للعباد .. ويخالف سبيل المؤمنين -سبيل السلف- برأيه .. إِنَّ هذا لهو الفساد بعينه، نعوذ بالله من الفساد.
وعن عروة بن الزبير قال:
((مَا زَالَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا حَتَّى نَشَأَ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ، فَقَالُوا فِيهِمْ بِالرَّأْيِ، فَأَضَلُّوهُمْ)) (١).
وعن الزِّبْرِقَانِ قَالَ: نَهَانِي أَبُو وَائِلٍ (٢) أَنْ أُجَالِسَ أَصْحَابَ ((أَرَأَيْتَ)).