← Общие книги

Общие книги · id 147096

صراع الفكر والاتباع

عدنان العرعور

Полный текст (110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ففي قوله: ((مَنْ أَحْدَثَ رَأْيًا ... )) دلالةٌ عظيمةٌ على ما نحن بصدده من حرمة ابتداع الآراء ... وفي الفصول التالية نصوصٌ عن السلف في ذم البدع، والابتداع، وأهله. والله الحافظ من كل بدعة، ورأي مذموم.

стр. 37

موقف السلف من الآراء والآرائيين ولقد تَنَبَّهَ سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم- إلى هذا الأمر الخطير، فألزموا أنفسهم أمرين عظيمين: الأول: الإمساك بما ورثوه من سلفهم، والامتناع عن إحداث شيء في الدين بآرائهم. ولولا خشية الإطالة لسردتُ من أقوالهم ما فيه عِظَةٌ للعاقلين. وحسبي أن أذكر قول الإمام أحمد المشهور: ((إِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ كَلِمَةً لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَامٌ)) (١). الثاني: مجانبة أهل البدع، والتحذير منهم، ومحاربة الآراء الدخيلة على الإسلام، والتبرؤ منها، ومن أصحابها. وليس الموضعُ موضعَ سَرْدٍ، فحسبنا رواية عن ابن عمر، وأخرى عن أبيه ﵄: فقد ذُكِرَ عند ابن عمر قومٌ يتكلمون في الْقَدَرِ، فقال ﵁:

стр. 38

((إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي)) (١). وقال رجل لابن عمر: ((أرأيت ... أرأيت)) (٢). فقال له: ((اجعل أرأيت في اليمن ... )). قال العلامة أحمد شاكر ﵀: ((قوله: ((اجعل أرأيت باليمن))، يُرِيدُ: الإنكارَ عليه أن يقابل خَبَرَهُ عن رسول الله ﷺ بالأعاذير، والتمحلات، وليس هذا من أدب المسلمين، بل يجب على المسلم إذا سمع الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أن يقبله، دون تردد، أو تلكؤ، وما ينبغي له إلا السمع والطاعة)) (٣). سواء أَدْرَكَ المقصودَ من الحديث أم لم يدركه، وسواء قَبِلَهُ عَقْلُهُ أم لم يقبله؛ لأن الْمُتَّبِعَ يُخْضِعُ عَقْلَهُ لشرعه، وَلَا يُخْضِعُ شَرْعَهُ لعقله. وقصة صبيغ مع عمر ﵁ من أوضح الأدلة على ضلال أصحاب ((أرأيت)) الذين لا يقيمون للاتباع وزنا. إذ جاء صَبِيغٌ الصحابةَ ﵃ يسألهم عن متشابه القرآن، وأراد أن يُعْمِلَ فيها فِكْرُهُ، وأن يفهمها بعقله دونما الرجوع إلى الأثر والاتباع، وألقى بِشُبَهِهِ على الصحابة، فما كان من هؤلاء الْمُتَرَبِّينَ على يد سيد الْمُرَبِّينَ، وإمام المتبعين ﷺ ، إلا أن أمسكوا عن الجواب، وعزفوا عن الرد، ثم أخبروا عُمَرَ ﵁ وعنهم أجمعين- بما حدث.

стр. 39

وَلِمَ لا يمسكون، ولأمير المؤمنين لا يخبرون! وهو أمر جَلَلٌ؟ ! فالرأي صار حَكَمًا، والعقل أصبح مرجعًا لفهم القرآن دونما الأثر والاتباع. فأخذه عمر، وجلده، ثم حبسه، ثم جلده، وحبسه ثم جلده، وحبسه ثم قال صَبِيغٌ: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد قتلي فاقتلني، ولكن قد ذهب الذي أشكو، فنفاه إلى العراق، ومنعه من مجالسة الناس، ثم صلح حاله، فلما قامت فتنة الخوارج -فتنة الفكر والتقول على الله تعالى بغير علم- جاء الناسُ صَبِيغًا، فقالوا: قم يا صبيغ، فقد جاء دورك، فقال: أَدَّبَنِي الْعَبْدُ الصَّالِحُ. (١) فَتَدَبَّرْ هذا الجزاء القاسي، والتأديب الشديد من أمير المؤمنين، سيد المتبعين في زمانه، لِمَنْ أراد أَنْ يُعْمِلَ عقله، ويُحكِّمه على كتاب خالقه العليم الخبير. وَسُئِلَ عطاء عن شيء، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيه برأيك؟ قال: ((إِنِّي أَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ يُدَانَ فِي الْأَرْضِ بِرَأْيِي)) (٢). فهذا حال عطاء ﵀ .. وما أدراك ما عطاء بن أبي رباح ... قال الذهبي (٣) عن عطاء هذا: ((شَيْخُ الْإِسْلَامِ، أَدْرَكَ مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ )). وقال ابن عباس: ((تَجْتَمِعُونَ عَلَيَّ وَعِنْدَكُمْ عَطَاءٌ حَجَّ سَبْعِينَ

стр. 40

حَجَّةً؟ ! )). قال أبو حازم: ((فَاقَ عَطَاءٌ أَهْلَ مَكَّةَ فِي الْفَتْوَى)). وقال محمد بن عبد الله الديباج: ((مَا رَأَيْتُ مُفْتِيًا خَيْرًا مِنْ عَطَاءٍ)). وسأل سليمانُ بن هشام قتادةَ -المفسر المشهور-: هل في البلد -يعني مكة- أَحَدٌ -يعني من العلماء-؟ فقال: ((أَقْدَمُ رَجُلٍ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ عِلْمًا عَطَاءٌ .. )). وإذا كان هذا الإمام يقول: ((إني أستحيي من الله أن يدان في الأرض برأيي))، فكيف بمن لا يصلح أن يكون خادمًا له! ولا يعرف من العلم الشرعي شيئًا؟ ! .. يُشَرِّعُ برأيه .. ويرسم سبيلًا برأيه .. ويجعله دينًا للعباد .. ويخالف سبيل المؤمنين -سبيل السلف- برأيه .. إِنَّ هذا لهو الفساد بعينه، نعوذ بالله من الفساد. وعن عروة بن الزبير قال: ((مَا زَالَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا حَتَّى نَشَأَ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ، فَقَالُوا فِيهِمْ بِالرَّأْيِ، فَأَضَلُّوهُمْ)) (١). وعن الزِّبْرِقَانِ قَالَ: نَهَانِي أَبُو وَائِلٍ (٢) أَنْ أُجَالِسَ أَصْحَابَ ((أَرَأَيْتَ)).

стр. 41

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: ((مَا حَدَّثُوكَ هَؤُلَاءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخُذْ بِهِ، وَمَا قَالُوهُ بِرَأْيِهِمْ فَأَلْقِهِ فِي الْحُشِّ)) (١). ولقد كان من الأخطاء الجسيمة التي نشأ عليها كثير من شباب هذه الصحوة بخاصة، والمسلمون بعامة؛ عَدَمُ إدراك هذه القضايا التأصيلية العظيمة .. فلا يفرقون بين أثر ورأي، ولا بين اتباع وفكر .. فأتهاهم من أتاهم، فحرك حماسهم، وَهَيَّجَ نفوسهم .. فهبوا مع الرياح .. وطاروا مع كل جناح .. فكانت الأجنحة من هواء .. فسقطوا إذ سقط، وفروا إذ أُسِرَ .. ويئسوا إذ قُتِلَ. فما أضعفَ عقولَ ((الأرائيين))، وما أضلهم! وما أعقلَ المتبعين، وما أهداهم! جعلنا الله وإياكم منهم. وإنه لمن الغش لهذه الأمة أن يُجْعَلَ رأي ارتآه رجل دينًا لها يُدْعَى إليه، وَيُنَافَحُ عنه. وإن من أبرز صفات العاقل: أن يميِّز بين الأثر الذي هو من الرب الحكيم الجبار، أو رسوله ﷺ ، والذي هو دين يجب أن تدين به الأمة، وبين الرأي الذي هو رأي لضعيف مربوب، وفكر مخلوق، وما لم يفرق الناس بين هذا وذاك فَهُمْ في هلكة. ولهذا قال ابن مسعود ﵁: ((إِيَّاكُمْ وَأَرَأَيْتَ أَرَأَيْتَ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَرَأَيْتَ أَرَأَيْتَ)) (٢).

стр. 42

ومن الآراء المبتدعة المعاصرة: - جواز وجود المعارضة للحاكم المسلم. - جواز تعدد الأحزاب في الدولة المسلمة. - الدعوة لتوحيد الجماعات الإسلامية على غير أسس شرعية إلا أساس ((اسكنوا نسكت))! - جواز حكم المسلمين بحاكم غير مسلم يطبق الشريعة. - إيجاد قواعد فقهية غير قواعد السلف الصالح. - إعذار أهل البدع في بدعهم. وغير ذلك مما لا يُصَدَّقُ لولا ثبوته! والله المستعان، وعليه الهداية إلى سواء الصراط.

стр. 43

حكم الابتداع في الطرق المقصود بـ ((الطرق)): كل طريقة يسلكها العابد للوصول إلى غايته؛ كطرق الدعوة، وطرق الوصول للحكم، وطرق التغيير، وطرق الحكم نفسه. ومنها: الهجرة، والبيعة، والاختيار (١)، والجهاد، والخلافة، والشورى. واعلم -رحمني الله وإياك- أن كل طريقة في الدين من طرق غيرنا هي طريقة غير مشروعة، وكل طريقة غير مشروعة فهي طريقة مبتدعة. وهذا بَيِّنٌ في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. ففيها دليل على وجوب التزام طريقة النبي ﷺ في كل شيء، وما لم يكن من طريقته ﷺ فليس فيه بصيرة، وما ليس فيه بصيرة فهو عماية وضلالة. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ

стр. 44

الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. تحذير شديد، ووعيد أليم لمن اتبع غير طريق الرسول ﷺ والصحابة. فالآية الأولى: إيجاب، والثانية: تحذير. ويوضح هذا حديث الخط العظيم عن ابن مسعود ﵁ قال: ((خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا، وَخَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ السُّبُلُ، لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾)) (١). قال ابن عباس: ((السُّبُلُ: الضَّلَالَاتُ)). وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]: ((تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ)) (٢).

стр. 45

وسئل ابن مسعود ﵁ عن ((الصراط المستقيم))، فقال: ((تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ فِي أَدْنَاهُ، وَطَرَفُهُ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْهُ فَإِلَى النَّارِ)) (١). ووضح مجاهد هذا أوضح توضيح، فقال: ((السُّبُلُ: الْبِدَعُ وَالشُّبُهَاتُ)) (٢). وفسر بعض المفسرين: ((السبل)) بطرق اليهود، والنصارى، وغيرهم (٣). والصواب أن لفظة ((السبل)) أَعَمُّ من حصرها في بدعة، أو طريق، بل هي عامة في كل سبيل غير سبيل الإسلام والسنة، من سبل اليهود، والنصارى، والعلمانيين، والشعبيين (٤)، والآرائيين، والمبتدعين، وغير ذلك من طرق مَنْ فارق طريق الإسلام، وطريق أصحاب رسول الأنام عليه وعليهم الصلاة والسلام، وكذلك تَعُمُّ كل من خالفهم، وخالف من تَبِعَهُمْ، سواء كانت تلك المخالفة برسم، أو اسم، أو برأي وَحُكْمٍ. ومما يؤكد عموم ((السبل)) وشمولها لكل طريق غير طريق رسول الله ﷺ وأصحابه قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا ... ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وإذا لم تكن طرق الانتخابات، والمجالس، والأحزاب المعاصرة، هي البدع في الطُّرُقِ، فلا وجود لبدعة في الطُّرُقِ على وجه الأرض.

стр. 46

إما اتباع، وإما ابتداع: فكل من تفرق واختلف كان على غير طريق أصحاب النبي ﷺ . يبين هذا بوضوح تَامٍّ قوله ﷺ : ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ عَمِلَ بِسُنَّةِ غَيْرِنَا)) (١). ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦]. فكل من عمل بسنة غير السلف فليس على طريقهم بنص الحديث، ومن لم يكن على طريقهم كان على ((سبل الشيطان))، كما فسر ذلك رسول الله ﷺ في رواية للحديث عند أحمد (٢). قال الإمام الشاطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا الضالين﴾: ((ولا يبعد أن يقال: إن ((الضالين)) يدخل فيه كل من ضَلَّ عن الصراط المستقيم، سواء كان من هذه الأمة أو لا، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ عام في كل ضال؛ كضلال الفرق المعدودة على الإسلام)). وقال شيخ الإسلام في شرح حديث السبل: ((وإذا تأمل العاقل -الذي يرجو لقاء الله- هذا المثالَ الذي ضربه رسول الله ﷺ ، وتأمل سائر الطوائف من الخوارج، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، والرافضة، ثم الكرامية، والكلابية، والأشعرية، وغيرهم (من الطوائف المعاصرة)، وأن كلًّا منهم

стр. 47

له سبيل يخرج به عمَّا عليه الصحابة وأهل الحديث، وَيَدَّعِي أن سبيله هو الصواب .. وجدت أنهم المراد بهذا الحديث الذي ضربه المعصوم الذي لا يتكلم عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى)) (١). ثم سَرَدَ أمثلةً عن العقلانيين الذين يقدمون عُقُولَهُمْ على النصِ .. أو الفلسفةَ وعلمَ الكلامِ .. ثم قال ما خلاصته: إن الطوائف الإسلامية المنشقة عن الجماعة الأم هم المقصودون بالأحاديث، وهم الموصوفون بالضلال، وهم كلهم في النار. خطورة الابتداع في الطرق: ولا تَقِلُّ خطورة البدع في الطرق عن خطورتها في الآراء والعبادات، وذلك من جهة تبديل المشروع ومضاهاته. قال الشاطبي: ((المبتدع معاند للشرع ومشاق له .. فإنه يزعم أَنَّ ثَمَّ (هناك) طرقًا أُخر ليس ما حصره الشارع بمحصور .. كأن الشارع يعلم، ونحن نعلم)) (٢). قال عمر بن عبد العزيز: ((أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه ﷺ ، وترك ما أحدثه الْمُحْدِثُونَ ... فارضَ لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم)) (٣). فهل رضي أهل زماننا بما رضي لهم الرسول ﷺ ، وبما رضي لهم سلفنا الصالح من سبل السلام؟ ؟ حتى راحوا يُحْدِثُونَ الآراء، ويبتدعون الطرق! !

стр. 48

مقلدين بذلك أعداء الله! ! وقول الشاطبي عن لسان حالهم: ((كأن الشارع يعلم .. ونحن نعلم)) إنما هو في زمانه، وأما في زماننا فلسان حالهم يقول: ((نحن أعلم من الشارع، والصحابة، والسلف .. وَأَفْقَهُ، وَأَحْكَمُ، وأصلح))، وذلك بدعوى المصالح، وَتَغَيُّرِ الوسائل والزمان. وليعلم إخواننا -هدانا الله وإياهم- أن المسلم، أو أي كائن كان، لا يمكنه السير على طريقين، ولا التحرك في اتجاهين، ولا الأخذ من منهجين في آن واحد ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]. قال سيد ﵀ (٥/ ٨١٨) في ظلال هذه الآية: ((إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّجِهَ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ أُفُقٍ وَاحِدٍ، وَلَا أَنْ يَتَّبِعَ أَكْثَرَ مِنْ مَنْهَجٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا نَافَقَ، وَاضْطَرَبَتْ خُطَاهُ .. فَلَا يَنْهَجْ مَنْهَجَيْنِ، وَلَا يَتَّجِهِ اتِّجَاهَيْنِ، وَمِنْ ثَمَّ فَهُوَ مَنْهَجٌ وَاحِدٌ، وَطَرِيقٌ وَاحِدٌ، وَاتِّجَاهٌ وَاحِدٌ ... )). إذن؛ مَنْ لم يكن على طريق الْهُدَى، كان على طريق الضلالة ولا رَيْبَ. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]. ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠]. لَا خَلْطَ: قال ابن القيم في تفسيره لهذه الآية: ((فقسَّم الأمرَ إلى أمرين لا ثالثَ لهما: - إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به.

стр. 49

- وإما اتباع الهوى. فكل ما لم يأتِ به الرسولُ ﷺ فهو من الهوى)) (١). ومن الاستجابة لله ورسوله أن لا يخلط المسلم في الطرق، فيأخذ العقيدة من الإسلام، وطريقة الوصول إلى الحكم من [أعداء الإسلام] ولو سَمَّاهَا وسائلَ، فإنما هي: طُرُقٌ. وأما الوسائل فهي التي تتعلق بالتراب، والخشب، والحديد، والحيوان، وهي التي تتبدل حسب الزمان والمكان؛ كوسيلة المواصلات، وَمُكَبِّرِ الصوت، وعمارة البيوت، وغير ذلك. والخلط بين الوسائل والطرق دَفَعَ كثيرًا من الناس إلى هَجْرِ طرق النبي ﷺ ؛ كالبيعة، والجهاد، والهجرة، وإحداث طرق أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، وهو القائل سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. أي: طريق واحد، لا طريقان .. وصراط واحد متميز، لا خلط فيه بِسُبُلٍ أخرى. قال سيد: ((وَلَا يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَسْتَمِدَّ آدَابَهُ مِنْ مَعِينٍ، وَيَتَّخِذَ شَرَائِعَهُ وَقَوَانِينَهُ مِنْ مَعِينٍ آخَرَ، وَيَسْتَمِدَّ أَوْضَاعَهُ الِاجْتِمَاعِيَّةَ وَالِاقْتِصَادِيَّةَ مِنْ مَعِينٍ ثَالِثٍ)) (٢).

стр. 50

ولا أن يستمد طرق الوصول إلى الحكم والتغيير من نظام رابع .. فالسبل -إذن- هي كل طريق ومنهاج غير طريقة رسول الله ﷺ وصحبه؛ من سُبُلِ الفرق الضالة من هذه الأمة، أو من غيرها من سبل الأمم الكافرة. ومن نافلة القول أن يُقَالَ: إذا كان الصحابة والسلف هم ((السبيل))؛ فمن اختلف عنهم، وَتَفَرَّقَ كانوا هُمُ ((السبل)) ((سبل الشيطان))، كما فسر ذلك رسول الله ﷺ كما سبق ... وإذا أدركت هذا كان لك مُفِيدًا في أمور: الأول: أن السبيل القويم والصراط المستقيم هو سَبِيلُ الصحابة ومن تبعهم بإحسان. الثاني: الحذر كل الحذر من سلوك غير سبيلهم، فتكون في ((السبل)) سُبُلِ الشيطان، فتكون من الهالكين، وأنت تظن أنك تحسن صنعًا. الثالث: عند الدعوة إلى الوحدة الإسلامية ... هل على أصحاب السبيل أن يتركوا سبيلهم إلى ((السبل))؛ ليتحدوا مع أصحابها؟ ! أم على أصحاب السبل ترك سبلهم إلى السبيل؟ ! فتأمل ... الرابع: ترتب على هذا: وجوب التفريق بين أصحاب السبيل، وأصحاب السبل.

стр. 51

الخامس: أن دعاةَ التحرر الإسلامي، دعاةَ التغيير عن طريق مشابهة أعداء الإسلام في الحكم، وطرق الحكم، وسبيل الوصول إلى الحكم، ليسوا من أهل سبيل الحق في هذا. ولا تَحْمِلَنَّكَ العاطفة، وحال المسلمين، وظلم الطواغيت، وجهاد المجاهدين، على عدم التمييز بين أصحاب السبيل، وأصحاب السبل، فتكون من الحيارى أو الزَّبَدِ! ! والله المستعان، وإليه المعاد.

стр. 52

موقف الصحابة والسلف من الابتداع في الطرق ولقد بلغ حِرْصُ الصحابة -رضوان الله عليهم- على الاتباع، وتحذيرهم من الابتداع، وخوفهم منه مبلغًا عظيمًا. قال الزهري: ((دخلت على أنس بن مالك وهو يبكي، قلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وقد ضُيِّعَتْ)) (١). وإذا كان هذا الصحابي يبكي وهو في زمن القرن الأول، فكيف لو رأى أهل زماننا وهم يبدلون ويغيرون في دين الله، وما يخترعون من طرق، وما يبتدعون من أفكار؟ ! ! ... ((لا شك أنه يهتم بقشور ... لأن في عهده كان عِزُّ الإسلام، وفي عهده كانت فتوح الإسلام، ثم يبكي على القشور! ! لا مِرْيَةَ أَنَّهُ متآمر))! ! وهاك صحابي آخر مثل أخيه ((يبحث عن القشور ... )) (٢)! ! ! فعن حصين قال: ((كنت إلى جنب عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ ﵁،

стр. 53

وبشرُ بن مروان يخطبنا، فلما دعا رفع يديه، فقال عمارة: قَبَّحَ اللهُ هاتين اليدين، لقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ)) (١). فانظر -هدانا الله وإياك سبيلَ هؤلاء- كيف أنكر هذا الصحابي -وهو من أصغر الصحابة سِنًّا- على أميرٍ أَحْدَثَ طريقة جديدة في رفع اليدين على المنبر. ((لا شك أن هذا الصحابي ((بدوي التفكير)) ((محدود العقل))، حيث جعل من الحبة قبة ... تحريك إصبع بسيط جعله يقول ما يقول ... ويترك الروم، والفرس، والطواغيت، وينشغل بهذه القشور ... ((لا ريب أنه عميل)) ... ؟ ! ))! ! وإن شئتَ فتدبر معي هذين الأثرين العظيمين عن ابن مسعود ﵁: ((عن عَبْدَةَ بَنِ أَبِي لُبَابَةَ أن رجلًا كان يجمع الناس، فيقول: رحم الله من قال كذا وكذا مرة سبحان الله، قال: فيقول القوم، فيقول: رحم الله من قال ... فمر بهم عبد الله بن مسعود، فقال: لقد هديتم لِمَا لم يهتدِ له نَبِيُّكُمْ، أو أنكم لمتمسكون بِذَنَبِ ضلالة)) (٢). ثم أَمَرَ بالمسجد الذي كانوا فيه فَهُدِمَ (٣). وفي رواية طويلة قالوا: والله ما أردنا إلا الخير ... فقال ﵁: ((وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ)) (٤).

стр. 54

وَ ((مَرَّ ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تُسَبِّحُ به، فقطَّعَهُ، وألقاه، ثم مر برجل يُسَبِّحُ بحصى، فضربه برجله، ثم قال: لقد سبقتم ... ركبتم بدعة ظلمًا ... ولقد غلبتم أصحاب محمد ﷺ علمًا)) (١). فهؤلاء الصحابة الذين تَرَبَّوْا على منهج واحد، وَتَخَرَّجُوا [في] مدرسة واحدة، ((يهتمون بالقشور))؟ ! ؟ وَمَا لَنَا بُدٌّ مِنِ اتِّبَاعِهِمْ وَالتَّأَسِّي بِهِمْ. وهؤلاء الصحابة ﵁ يفعلون ما يفعلون، ويقولون ما يقولون في تحريك يَدٍ، أو تسبيح بالحصى، أو اجتماع على هيئة لم يروها من معلمهم، ومربيهم ﷺ . فكيف لو رَأَوْا أهلَ زماننا وهم يُحْدِثُونَ الطرقَ، والسبل، والمناهج؛ كالانتخابات، والمظاهرات، والانقلابات، والمداهنات، والمشاركات، والتصويتات على شريعة الجبار -جل شأنه- في المجالس! حتى صارت عندهم الأناشيدُ والتمثيلُ طريقةً تربوية (٢) .. والانتخاباتُ والمشاركاتُ في المجالس طريقةً وصولية .. والانقلاباتُ والاغتيالاتُ طريقةً تغييرية .. والتفجيراتُ والمظاهراتُ طريقةً تعبيرية .. والكذبُ والافتراءُ على الأبرياء طريقةً دفاعية عن أحزابهم وزعمائهم.

стр. 55

وسار التابعون ومن سلك سبيلهم على هذا المنهج القويم في محاربة الابتداع أَيًّا كانت صورته، وَأَيًّا كان مقصده. وَذِكْرُ مواقفِهِمْ يطول ويطول، وَحَسْبُ الْمُتَّبِعِ العاقلِ الراشدِ ... الموقفُ والموقفان من إمام أو إمامين. ((ثَوَّبَ (١) المؤذنُ بالمدينة في زمان مَالِكٍ .. فقال له: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أَرَدْتُ أن يعرف الناسُ طلوعَ الفجر .. فقال: لا تفعل، لا تُحْدِثْ في بلدنا شيئًا لم يكن فيه، وقد كان رسول الله ﷺ بهذا البلد عشر سنين، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فلم يفعلوا هذا. فَكَفَّ المؤذن، ثم إنه تنحنح في المنارة. فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر .. فقال: ألم أَنْهَكَ أَلَّا تُحْدِثَ عندنا ما لم يكن؟ فقال: إنما نهيتني عن التثويب .. ثم جعل يضرب الأبواب، ثم قال له ما قال في المرة الأولى .... وأجاب بما أجاب في المرة الأولى)). فانظر -يا أخا الاتباع، يا من يريد الرشد- إلى هذا الإمام العظيم، وقد جعل النحنحة -وهي صوت يُخْرِجُهُ الإنسان من حنجرته بلا حروف- بدعةً، وَزَجَرَ فَاعِلَهَا .. أم يُقَالُ: إن الإمام مالك ((متنطع))، ((سطحي التفكير))، ((بدوي الفقه))، ((متطرف))؟ ! ! وإذا كان هذا قوله في ((النحنحة)).

стр. 56

فكيف لو رأى أهلَ زماننا وبدعهم؟ ! وكيف لو سمعهم وهم يتنحنحون استهزاءً بالسنن وأصحابها، والاتباع ودعاته؟ ! فما عساه يقول أو يفعل! ! فإلى الله المشتكى، وإليه عاقبة الأمور. وأخيرًا: إليك هذه النصيحة من رجل تربى على يد إمام السبيل ﷺ ، واتبعه على بصيرة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. وهو الصحابي الجليل أُبَيُّ بن كعب الذي لا ينتمي إلا إلى الجماعة الأم .. قال ﵁: ((عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَتَمَسُّهُ النَّارُ أَبَدًا، وَإِنَّ اقْتِصَادًا فِي سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ، خَيْرٌ مِنِ اجْتِهَادٍ فِي خِلَافِ سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ)) (١). ولا شك أن هذا الصحابي الجليل ليس بينه وبين بعض الجماعات المعاصرة حساسية، أو معاداة شخصية، حملته على أن يقول هذا الذي كأنه صادر من مشكاة النبوة .. فلعل إخواننا إن كان عندهم شك في علم من ينصحونهم ونياتهم ألَّا يكون عندهم شك في علم الصحابي، ونيته، وصدق نصيحته! ومن عرف هذا عرف كيف تتفرق الجماعات عن الجماعة الأم بالآراء

стр. 57

الْمُحْدَثَةِ .. وتختلف الطوائف بالطرق المبتدعة .. وتتبعثر الْفِرَقُ بالأفكار المخترعة .. وتبقى الجماعةُ الأمُ سائرةً على دَرْبِ نَبِيِّهَا .. متبعةً سبيلَ سلفها .. لا يَضِرُهَا قِلَّتُهَا، ولا من خالفها، ولا عداء الناس لها، وافتراؤهم عليها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ((لَا تَزَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) (١).

стр. 58

ما هي أسباب الابتداع؟ وما هو سره ؟ يكون الابتداع: بِنِيَّةِ زيادة التقرب إلى الله بالاستحسان، وتزيين الرأي، أو بتأويل وفلسفة، أو بدعوى المصلحة، أو الظروف، أو غير ذلك، مما فيه تعطيل للنصوص، وَرَدٌّ للأدلة. ويتم هذا بغفلة عن العلم، وإعراض عن الاتباع، واتباع للأهواء .. ويمكن أن تكون عناصرُ الابتداع ثلاثةً: o رغبةً في زيادة التعبد، والتقرب إلى الله. o بضاعةً مُزْجَاة في العلم: - جهل بحقيقة الدين، وبمعنى الاتباع الذي هو أُسُّهُ وميزانه. - غفلة عن معنى الابتداع وخطورته. o فقدان للتأصيل في حقيقة الدليل ... الأمر الذي يدفع إلى: - عدم التفريق بين الدليل والتزيين. - الاستحسان، والتقبيح، والهوى، والتأويل للبدعة. - تعطيل النصوص، ورَدِّ الأدلة. وعوامله ثلاثة: - حُسْنُ نِيَّةٍ على غفلة.

стр. 59

- تزيين، وتمويه. - هَوًى مُتَّبَعٌ. وهكذا حال كل مبتدع إلا مبتدعًا أراد هدم الإسلام، وليس ههنا محل بحث هذا الصنف. قال الشاطبي: ((إِنَّ عَامَّةَ الْمُبْتَدِعَةِ قَائِلَةٌ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، فَهُوَ عُمْدَتُهُمُ الْأُولَى، وَقَاعِدَتُهُمُ التَّيِ يَبْنُونَ عَلَيْهَا الشَّرْعَ ... بِحَيْثُ لَا يَتَّهِمُونَ الْعَقْلَ، وَقَدْ يَتَّهِمُونَ الْأَدِلَّةَ إِذَا لَمْ تُوَافِقُهُمْ فِي الظَّاهِرِ، حَتَّى يَرُدُّوا كَثِيرًا مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ... فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُمْ قَدَّمُوا أَهْوَاءَهُمْ عَلَى الشَّرْعِ)). ثم قال: ((إِنَّ كُلَّ رَاسِخٍ فِي الْعِلْمِ لَا يَبْتَدِعُ أَبَدًا، وَإِنَّمَا يَقَعُ الِابْتِدَاعُ مِمَّنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي ابْتَدَعَ فِيهِ، حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ .. فَإِنَّمَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِ جُهَّالِهِمُ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عُلَمَاءُ)) (١). وقال ﵀: ((فَالْمُبْتَدِعُ إِنَّمَا مَحْصُولُ قَوْلِهِ بِلِسَانِ حَالِهِ أَوْ مَقَالِهِ: إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَتِمَّ، وَإِنَّهُ بَقِيَ مِنْهَا أَشْيَاءُ يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ اسْتِدْرَاكُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْتَقِدًا كَمَالَهَا وَتَمَامَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمْ يَبْتَدِعْ، وَلَا اسْتَدْرَكَ عَلَيْهَا، وَقَائِلُ هَذَا ضَالٌّ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ)) (٢). فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .. من وجه العبادة ... من وجه الطرق ... من وجه الآراء ... من وجه الأفكار ...

стр. 60

وقال الإمام مالك ﵀: ((مَنِ ابْتَدَعَ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ)) (١). فتدبر قَوْلَهُ: ((يراها حسنة)). وكل مبتدع يرى بدعته حسنة! وهكذا يكون الابتداع بالاستحسان. وإذا اجتمعت عناصر الابتداع -من جهل، وغفلة عن معنى الاتباع، وخطورة الابتداع- مع عوامله -من حسن نية، وتزيين- أصبح صاحبها في كل وادٍ يَهِيمُ .. وفي كل اتجاه يتوجه .. كُلَّمَا حَلَتْ له فِكْرَةٌ طار بها .. وكلما زُيِّنَ له رأي لَهَثَ وراءه .. دون بصيرة تُنِيرُ، ولا اتباع يضبط .. وهو يظن أنه يحسن صنعًا. قال الشاطبي رحمه الله تعالى: ((فَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ الْهَوَى مَعَ الْجَهْلِ بِطَرِيقَةِ السُّنَّةِ تَوَهَّمَ أَنَّ مَا ظَهَرَ بِعَقْلِهِ هُوَ الطَّرِيقُ الْقَوِيمُ دُونَ غَيْرِهِ .. فَهُوَ ضَالُّ مِنْ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ رَاكِبٌ لِلْجَادَّةِ)) (٢). وإذا جَهِلَ المرء دينه، وَحَسُنَتْ نِيَّتُهُ أفسد دينه ببدع العبادات .. وإذا فسد قصده حاول هدم الدين بالأفكار والآراء. والله الهادي إلى سواء الصراط.

стр. 61

كيف أتجنب البدع وأكون متبعا ؟ لهذان أصلان إذا حفظتهما، وعملت بهما؛ حفظك الله من شَرِّ الابتداع: الأصل الأول: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [ البقرة: ١١١]. ولهذا: لَمَّا ثَوَّبَ المؤذن في مسجدٍ فيه ابنُ عمر ... خرج ابن عمر من المسجد (١). أي: أتى بكلمة لم يُسْبَقْ إليها، فكان عاقبته الهجر. ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: ((إِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ كَلِمَةً لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَامٌ)) (٢). وقال سيد ﵀: ((لَا يَمْلِكُ أَيُّ مُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةً، أَوْ يَتَحَرَّكَ حَرَكَةً، أَوْ يَنْوِي نِيَّةً، أَوْ يَتَصَوَّرَ تَصَوُّرًا غَيْرَ مَحْكُومٍ فِي هَذَا كُلِّهِ بِعَقِيدَتِهِ)) (٣).

стр. 62

الأصل الثاني: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ... ﴾ [المائدة: ٣]. وقد سبق قول الإمام مالك ﵀ تفسيرًا لهذه الآية: ((وَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا، فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا)) (١). فاللهُ بَيَّنَ، والرسولُ أوضح وَبَلَّغَ، والسلف فَصَّلَ وَسَلَكَ، فلم يَعُدْ لأحد في الدين رأي، ولا كلمة إلا العمل والاتباع. وعلى هذا؛ فحذار أن تتكلم كلمة، أو تعتقد عقيدة، أو تتعبد عبادة، أو تخترع طريقة، أو تسلك سبيلًا، أو تتصرف تصرفًا، إلا وعليه نورٌ وشاهدٌ من كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، وفعل سلف هذه الأمة؛ كي تحفظ لطريقك استقامته، ولنفسك سلامتها، وإن الله لن يسألك: لِمَ لَمْ تبتدع؟ .. ولكنه سيسألك: لِمَ لَمْ تتبع؟ وهذا هو معنى قول السلف: ((اقتصادٌ في سبيل وَسُنَّةٍ خيرٌ من اجتهاد في بدعة)). وإياك والاستحسانَ، والتزيين، والمصلحة المخالفة للنص، وتقليد الرجال، وإن وَثَقْتَ بهم .. فهذه من أوسع أبواب البدع، وبها ضَلَّتِ الطوائف، والأمم. ولقد مَرِضَ الإمام أحمد، وبِشْرُ بن الحارث، فجاء الطبيب، فدخل على بِشْرٍ، فسأله عَمَّا يجد، فقال: ((أحمد الله إليك، أجد كذا وكذا)). ودخل على أحمد، فسأله عَمَّا يجد، فقال: ((بخير)).

стр. 63

فقال الطبيب للإمام: ((إن أخاك بِشْرًا إذا سألته بدأ بالحمد، وأنت لا تفعل)). فقال أحمد للطبيب: ((سَلْهُ عَمَّنْ أخذ هذا؟ ))، فأخبره بالسند عن ابن سيرين، أنه قال: ((إذا حَمِدَ العبدُ قبل الشكوى، لم يكن شكوى)). فكان أَحْمَدُ بعد ذلك يحمد الله، ثم يذكر ما يجد (١). فانظر كيف كان هؤلاء الأخيار حريصين على الاتباع، مشفقين من الابتداع، وخذ منهم عبرة وقدوة، وإياك وأصحاب المصالح الذين لا يعرفون اتباعًا، ولا يغادرون ابتداعًا! واعلم أن الأفعال والأعمال مُحَاسَبٌ فيها على أمرين، إِنِ استقامَا استقمتَ، ونجوتَ، وإن فاتك أحدهما هلكت. - إخلاصك لله وحده ... - واتباعك شرعه، والسلف، في كل قول، أو فعل ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، لا كما هويتَ، واشتهيتَ، وأردتَ. واحذر من أمرين: الأول: جدالك في غير بَيِّنَةٍ واضحة؛ كالجدال في المصالح، والاحتجاج بالنتائج، وما شابه ذلك من الْمُزَيِّنَاتِ.

стр. 64

قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]. وقال عمر: ((سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن)) (١). الثاني: استفتاؤك واتباعك من ليس عنده علم شرعي. قال ﷺ : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جُهالًا، فَسُئِلُوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا)) (٢). وههنا لفتتان مهمتان: اللفتة الأولى: أن كثيرًا من الشباب رغم أن لديهم القناعة التامة أن بعض قادتهم ليس لديه علم شرعي، بل ولم يطلبه، تجدهم يتبعونه في أمور مهمة، وقضايا عظيمة تخص الأمة، ويترتب عليها دماء، وأعراض، وإذا ما احتاج إلى مسألة في الصلاة أو الحج ... سارع إلى بعض العلماء؛ ليسأله! ! لماذا؟ ؟ علمًا بأن تلك القضايا العظيمة بحاجة إلى سعة في العلم، واطلاع على السيرة، وفقهٍ أكثر من مسائل الحج والصلاة.

стр. 65

اللفتة الثانية: إن كثيرًا من الشباب يُفتون أنفسهم، أو يستفتون أمثالهم من حدثاء الأسنان، وهم لا يشعرون، ويستشهدون على فتواهم بقول عالم في عين رجل، أو حادثة مفردة، فيطلقونها في عباد الله، ويعممونها على من يريدون، غافلين عن عموم الكتاب والسنة، وأن لا حُجَّةَ إلا بهما، وبما أجمع عليه أهل العلم. ومن أمثلة ذلك: مسألة التكفير، والتبديع، والهجر، والمواجهة، وما أحدثه بعضهم من بِدْعَةِ مَنْعِ الترحم على جميع أصحاب البدع، وغيرهم من أهل القبلة، على تنوع درجاتهم! ! مخالفين بذلك صريح الكتاب، وصحيح السنة، بجواز الترحم على كل مسلم، سواء كان مبتدعًا، أو فاسقًا، مخطئًا أو ضالًّا. مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. فهذا ثناء من الله لمن يترحم على جميع المؤمنين .. ولا نشك أن في المؤمنين عصاة، ومبتدعة، وغير ذلك. ولهؤلاء يقال: هل أولئك المبتدعة سبقونا بالإيمان، أم بالكفر؟ فإن قال: بالكفر ... فقد كَفَّرَ

стр. 66

المبتدع، وهذا لا يقوله إلا مبتدع ضال ... وإن قال: إنهم سبقونا بالإيمان .. لَزِمَهُ ما مدح الله به عباده من الاستغفار لهم. ومثل قوله ﷺ : ((أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ)) (١). وأهل البدع -عموما- من أمته ﷺ ، فهم مرحومون -إذن- بنص هذا الحديث، والمنقول عن السلف في الترحم عليهم أكثر. وهب أن الأمر كما يقولون .. فهل هذه قضية يكون عليها الولاء والبراء بين المسلمين، والخصومات، والمنازعات، وضياع الأوقات؟ ! فإلى الله المشتكى من الغالين في أهل البدع، ومن الغالين عليهم.

стр. 67

حصون النجاة من أهل البدع واعلم -رحمك الله- أنك لا تنجو من أهل البدع إلا بالتحصن منهم .. ومن الحصون: o الحصن الأول: العلم النافع المأخوذ من الكتاب والسنة، وسلف هذه الأمة، فوالله ما ضَلَّ عالم مخلص أبدًا . قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٣٥]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٢٨]. والهدى: هو العلم، والاتباع. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. وبالعلم وحده نعلم ما بَيَّنَ الله لنا حتى نتقيه. وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤].

стр. 68

وقال ابن مسعود: ((اغْدُ عَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا، أَوْ مُسْتَمِعًا، وَلَا تَكُنِ الرَّابِعَ فَتَهْلِكَ)) (١). وقال الإمام الشاطبي: ((إن كل راسخ في العلم لا يبتدع أبدًا، وإنما يقع الابتداع ممن لم يتمكن من العلم)) (٢). فهل هؤلاء متمكنون من العلم؟ ! ؟ o الحصن الثاني: الابتعاد عنهم ومفارقتهم . قال تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقال الفضيل بن عياض: ((مَنْ جَلَسَ إِلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ -وفي رواية: مَنْ أَحَبَّ صَاحِبَ بِدْعَةٍ- أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ، وَأَخْرَجَ نُورَ الْإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ)) (٣). وقال أيضًا: ((إِذَا رَأَيْتَ مُبْتَدِعًا فِي طَرِيقٍ فَخُذْ طَرِيقًا آخَرَ ... وَمَنْ أَعَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ)) (٤). وقال الحسن البصري: ((لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ هَوًى فَيُقْذَفَ فِي قَلْبِكَ مَا تَتَّبِعُهُ عَلَيْهِ فَتَهْلِكَ)) (٥).

стр. 69

o الحصن الثالث: ملازمةِ أهل الكتاب والسنة أتباعِ السلف الصالح . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. والصادقون هم أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن تبعهم، لا من خالفهم، أو عابهم. وقال ﷺ : ((هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)) (١). قال ابن أسباط: ((كان أبي قدريًّا، وأخوالي روافضَ، فأنقذني الله بسفيان)) (٢). وقال أيوب: ((إن من سعادة الحدث (أي الشاب)، والأعجمي، أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة)). وقال غيره من السلف: ((إن من نعمة الله على الشباب إذا نسك أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها)) (٣). قلت: ومن نقمة الله على الحدث أن يبحث عن حدث مثله، يستفتيه، ويسأله، وسرُّ ذكر الحدث دون غيره هو عدم تمكنه من أبواب العلم، وعدم قدرته على الإمساك بمفاتيحها، فأي آتٍ اتبعه، فإن خيرًا فَخَيْرٌ، وإن شرًّا فَشَرٌّ. نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 70

علامات أهل البدع ((هل لأهل البدع علامات يُعْرَفُونَ بها))؟ نعم، لهم علامات قد تجتمع فيهم، وقد تفترق: العلامة الأولى: الوقيعة في أهل الأثر أتباعِ السلف . قال أبو حاتم الرازي: ((علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر ... وعلامة الجهمية أن يُسَمُّوا أهل السنة مشبهة ... وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية)). قلت: هذا في زمانهم، وأما في زماننا، فعلامتهم: اتهام أهل السنة بـ (العمالة) .. وعلامة التجديديين: اتهامهم بـ (الجمود) .. وعلامة الطائفة الفكرية: اتهامهم بـ (أصحاب الفقه البدوي)، أو (الفكر السطحي) .. ومن اتهاماتهم: ما عندهم سوى: ((قال الله، قال الرسول)) ((أين الله))؟ هؤلاء يهتمون بالقشور، ويتركون اللُّبَابَ)). وعلامة العلمانيين اتهامهم بـ (أصحاب الكتب الصفراء). وللجميع يقال: نِعْمَ الحديث عى لحاء شجر، أو جلد بعير .. وبئس الفكر

стр. 71

المخالف لسنة الرسول ﷺ ، ولو مكتوبًا بالفضة على الذهب. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وهكذا كان يهود يؤذون النبي ﷺ بألفاظهم، واتهاماتهم التي ليس عندهم فيها دليل، ولا برهان سوى دليل الهوى، وبرهان الحقد، والخوف على مصالحهم، وحزبياتهم! ! وأذى المؤمنين بغير ما اكتسبوا صفة من صفات المنافقين. ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ... ﴾ [التوبة: ٦١]. ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء: ٤٦]. فكان عاقبتهم اللعن، والعياذ بالله. لماذا الاتهام؟ وسرُّ هذا الذي فعله اليهود، ويفعله كثير من المسلمين بإخوانهم، إنما هو عجزهم عن ردِّ الدليل بالدليل، والْحُجَّةِ بالحجة. فيلجئون إلى الاتهام؛ لإشغال الناس بهذه الاتهامات عن العلم والدليل، ولستر جهلهم، ولصَدِّ الناس عن الحق والعلم الذي عند غيرهم. فاحذر أن تكون ممن يُلقي التهم جزافًا ... فتُلْعَنَ كما لُعِنَتْ يهود .. ألا لعنة الله على الكاذبين .. ألا لعنة الله على الذين يتهمون الناس بغير حق.

стр. 72

قال شيخ الإسلام: ((فَكَانَ مَبْدَأُ الْبِدَعِ هُوَ الطَّعْنُ فِي السُّنَّةِ بِالظُّلْمِ وَالْهَوَى، كَمَا طَعَنَ إِبْلِيسُ فِي أَمْرِ رَبِّهِ بِرَأْيِهِ وَهَوَاهُ)) (١). قال الألوسي: ((وخصوم السلفيين يرمونهم ... تنفيرًا للناس عن اتباعهم، والأخذ بأقوالهم ... وأعداء الحق في عصرنا هذا على هذا المسلك الجاهلي، فتراهم يرمون كل من تمسك بالكتاب والسنة بكل لَقَبٍ مذموم)) (٢). العلامة الثانية: استخفافهم ببعض الواجبات والسنن قولًا وعملًا ، متغافلين عن قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فلم يفرق الله سبحانه بين ركن، أو واجب، أو سبيل، بل أمر أن نأخذ بكل ما أتانا به رسوله ﷺ ، من سنة، أو ركن، أو طريق (٣)، من غير تفريق ... وإخواننا فرقوا ... بل واستهانوا ... بل استهزءوا ... هدانا الله وإياهم سواء السبيل. وأقل ما فيه من خطورة أنه تقديم بين يدي الله ورسوله ﷺ .. والله يقول:

стр. 73

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧]. وإن لم يكن هذا تقديمًا فلا يوجد تَقْدِيمٌ ألبتة! ! وقال ﷺ : (( ... فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) (١). فلم يفرق .. ولم يقل: سنتي قشور، وَلُبَابٌ! قال قائل منهم في مؤتمر دولي -ويا فظاعة ما قال-: ((هؤلاء الذين يَدَّعُونَ تطبيق السنن يأكلون بأيديهم كما تأكل الكلاب)). وما علم هذا المسكين أن رسول الله ﷺ كان يأكل بيده. وليس لنا أن نعلق على هذا إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. العلامة الثالثة: لا يَدَّعُونَ مذهب السلف، والاتباع، ولا يَدْعُونَ إليه ، ولا يُحَذِّرُونَ من البدع والابتداع إلا قليلًا قليلًا! ويذكرون أعداء الإسلام كثيرًا كثيرًا! ! بل إذا ذكر بعضهم السلف ذكرهم على سبيل السخرية، والاستهزاء، وأحسنهم حالًا إذا ذكروا السلف ذكروهم للتبرك، لا للاتباع والالتزام بما كانوا عليه، وإذا ذكروا البدع والابتداع، فيفسرونها على أنها المذاهب الكافرة الملحدة؛ لأنهم لا يفرقون بين الكفر والابتداع، ولا بين البدع والمحرمات.

стр. 74

ولهذا كثرت عند بعضهم بدع العبادات، وعند آخرين بدع الآراء، وعند بعضهم بدع السبيل والمنهاج. العلامة الرابعة: يعرفون أو يتكلمون عن (ظاهر) حال أعداء الله أكثر مما يعرفون عن دين الله، وسلف هذه الأمة . وقولنا: (ظاهر)؛ لأنهم لا يعرفون الحقيقة؛ ولذلك تجدهم أسرع الناس سقوطًا في حبائلهم، ووقوعًا في مخاضهم؛ لأنهم يقاتلونهم بغير سلاح، ويهاجمونهم من غير وقاية. ويا نِعْمَ العلم سلاحًا .. ويا نِعْمَ الاتباع وقايةً .. ويا بئست العاطفة سلاحًا .. ويا شؤم الحماسة وقايةً! قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١]. فإن لم تكن الصحف والإذاعات المغرضة هي الكذب فلا يوجد كذب على وجه الأرض. العلامة الخامسة: لا يحتجون بالأدلة، ولا يعرفونها، وإذا عرفوها أَوَّلُوهَا بأدلتهم المظنونة ، وهي: الظروف، والمصالح، والحنكة السياسية، وفقه الواقع (١).

стр. 75

والله يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]. فمن لم يكن عنده برهان من الله ورسوله ﷺ ، فأولئك هم الكاذبون، فاحذروهم. وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤]. فمن لم يكن عنده دليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ فهؤلاء هم أصحاب الهوى، فاجتنبوهم. وقلما تجد أهل البدع يقولون: قال الله .. قال رسوله .. قال السلف. العلامة السادسة: لا يرون في الجماعات القديمة والحديثة جماعة ضالة، أو مبتدعة ، بل كلهم على الخير؛ ولذلك ينادون باتحاد هذه الجماعات جميعًا ... بدءًا من الخوارج .. إلى الرافضة .. إلى التجديديين .. إلى الفكريين ... ينادونهم للوحدة على غير أساس سوى: ((جمّع جمّع)) ((اسكت نسكت)) (١)! ! وكيف يجمعون من فَرَّقَ الله ورسوله ﷺ بينهم، وحذر من مَغَبَّةِ سلوك سبيلهم.
следующие страницы →