المخالف لسنة الرسول ﷺ ، ولو مكتوبًا بالفضة على الذهب.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
وهكذا كان يهود يؤذون النبي ﷺ بألفاظهم، واتهاماتهم التي ليس عندهم فيها دليل، ولا برهان سوى دليل الهوى، وبرهان الحقد، والخوف على مصالحهم، وحزبياتهم! !
وأذى المؤمنين بغير ما اكتسبوا صفة من صفات المنافقين.
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ... ﴾ [التوبة: ٦١].
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء: ٤٦].
فكان عاقبتهم اللعن، والعياذ بالله.
لماذا الاتهام؟
وسرُّ هذا الذي فعله اليهود، ويفعله كثير من المسلمين بإخوانهم، إنما هو عجزهم عن ردِّ الدليل بالدليل، والْحُجَّةِ بالحجة.
فيلجئون إلى الاتهام؛ لإشغال الناس بهذه الاتهامات عن العلم والدليل، ولستر جهلهم، ولصَدِّ الناس عن الحق والعلم الذي عند غيرهم.
فاحذر أن تكون ممن يُلقي التهم جزافًا ... فتُلْعَنَ كما لُعِنَتْ يهود .. ألا لعنة الله على الكاذبين .. ألا لعنة الله على الذين يتهمون الناس بغير حق.
стр. 72
قال شيخ الإسلام:
((فَكَانَ مَبْدَأُ الْبِدَعِ هُوَ الطَّعْنُ فِي السُّنَّةِ بِالظُّلْمِ وَالْهَوَى، كَمَا طَعَنَ إِبْلِيسُ فِي أَمْرِ رَبِّهِ بِرَأْيِهِ وَهَوَاهُ)) (١).
قال الألوسي:
((وخصوم السلفيين يرمونهم ... تنفيرًا للناس عن اتباعهم، والأخذ بأقوالهم ... وأعداء الحق في عصرنا هذا على هذا المسلك الجاهلي، فتراهم يرمون كل من تمسك بالكتاب والسنة بكل لَقَبٍ مذموم)) (٢).
العلامة الثانية:
استخفافهم ببعض الواجبات والسنن قولًا وعملًا ، متغافلين عن قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
فلم يفرق الله سبحانه بين ركن، أو واجب، أو سبيل، بل أمر أن نأخذ بكل ما أتانا به رسوله ﷺ ، من سنة، أو ركن، أو طريق (٣)، من غير تفريق ... وإخواننا فرقوا ... بل واستهانوا ... بل استهزءوا ... هدانا الله وإياهم سواء السبيل.
وأقل ما فيه من خطورة أنه تقديم بين يدي الله ورسوله ﷺ ..
والله يقول:
стр. 73
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧].
وإن لم يكن هذا تقديمًا فلا يوجد تَقْدِيمٌ ألبتة! !
وقال ﷺ : (( ... فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) (١).
فلم يفرق .. ولم يقل: سنتي قشور، وَلُبَابٌ!
قال قائل منهم في مؤتمر دولي -ويا فظاعة ما قال-:
((هؤلاء الذين يَدَّعُونَ تطبيق السنن يأكلون بأيديهم كما تأكل الكلاب)).
وما علم هذا المسكين أن رسول الله ﷺ كان يأكل بيده.
وليس لنا أن نعلق على هذا إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
العلامة الثالثة:
لا يَدَّعُونَ مذهب السلف، والاتباع، ولا يَدْعُونَ إليه ، ولا يُحَذِّرُونَ من البدع والابتداع إلا قليلًا قليلًا!
ويذكرون أعداء الإسلام كثيرًا كثيرًا! !
بل إذا ذكر بعضهم السلف ذكرهم على سبيل السخرية، والاستهزاء، وأحسنهم حالًا إذا ذكروا السلف ذكروهم للتبرك، لا للاتباع والالتزام بما كانوا عليه، وإذا ذكروا البدع والابتداع، فيفسرونها على أنها المذاهب الكافرة الملحدة؛ لأنهم لا يفرقون بين الكفر والابتداع، ولا بين البدع والمحرمات.
стр. 74
ولهذا كثرت عند بعضهم بدع العبادات، وعند آخرين بدع الآراء، وعند بعضهم بدع السبيل والمنهاج.
العلامة الرابعة:
يعرفون أو يتكلمون عن (ظاهر) حال أعداء الله أكثر مما يعرفون عن دين الله، وسلف هذه الأمة .
وقولنا: (ظاهر)؛ لأنهم لا يعرفون الحقيقة؛ ولذلك تجدهم أسرع الناس سقوطًا في حبائلهم، ووقوعًا في مخاضهم؛ لأنهم يقاتلونهم بغير سلاح، ويهاجمونهم من غير وقاية.
ويا نِعْمَ العلم سلاحًا .. ويا نِعْمَ الاتباع وقايةً .. ويا بئست العاطفة سلاحًا .. ويا شؤم الحماسة وقايةً!
قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١].
فإن لم تكن الصحف والإذاعات المغرضة هي الكذب فلا يوجد كذب على وجه الأرض.
العلامة الخامسة:
لا يحتجون بالأدلة، ولا يعرفونها، وإذا عرفوها أَوَّلُوهَا بأدلتهم المظنونة ، وهي: الظروف، والمصالح، والحنكة السياسية، وفقه الواقع (١).
стр. 75
والله يقول:
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١].
فمن لم يكن عنده برهان من الله ورسوله ﷺ ، فأولئك هم الكاذبون، فاحذروهم.
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤].
فمن لم يكن عنده دليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ فهؤلاء هم أصحاب الهوى، فاجتنبوهم.
وقلما تجد أهل البدع يقولون: قال الله .. قال رسوله .. قال السلف.
العلامة السادسة:
لا يرون في الجماعات القديمة والحديثة جماعة ضالة، أو مبتدعة ، بل كلهم على الخير؛ ولذلك ينادون باتحاد هذه الجماعات جميعًا ...
بدءًا من الخوارج .. إلى الرافضة .. إلى التجديديين .. إلى الفكريين ...
ينادونهم للوحدة على غير أساس سوى: ((جمّع جمّع)) ((اسكت نسكت)) (١)! !
وكيف يجمعون من فَرَّقَ الله ورسوله ﷺ بينهم، وحذر من مَغَبَّةِ سلوك سبيلهم.
стр. 76
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ آل عمران: ١٠٦].
قال ابن كثير: (١/ ٣٩٠):
((يعني يوم القيامة حين تبيضُّ وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والْفُرْقَةِ، قاله ابن عباس ﵁)).
وقال ﷺ : ((الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ)) (١).
ولا أدري كيف يفهمون حديث النبي ﷺ :
((كلها في النار إلا واحدة)) (٢).
العلامة السابعة:
يرون الكلام في الْحُكَّامِ، وبيان كيد أعداء الله لُبَّا .. وتصحيح عقائد الناس، وإصلاح عباداتهم، وتربيتهم قشورًا!
والقشور عندهم صفات الله ، وأوامر رسول الله ﷺ ، وسنته! !
وأما الكلام في البدع وأهلها، والدفاع عن السنة وأهلها ... فهو عندهم -أيضا- مضيعة للوقت، مُشَتِّت للأمة .. متغافلين عن واقع الأمة المؤلم.
العلامة الثامنة:
لا يجتمعون على التوحيد والمنهاج، بل يجتمعون على أجزاء من الدين .. بعضهم يجتمع على السياسة، ويتفرقون عليها .. وبعضهم يجتمع على الجهاد،
стр. 77
ويختلفون عليه، دون الاهتمام بالتوحيد والتربية .. وبعضهم يرى أن السياسة قبل التوحيد، والأخلاق .. وبعضهم يرى أن السياسة مع توحيد الربوبية .. وآخرون -وهم أخفهم انحرافًا- يعطي السياسة أكثر من حقها، ويضعها في غير موضعها، ويربي الأجيال عليها! !
والحقيقة أن السياسة لا تكون إلا لِخَوَاصِّ الناس؛ لمعرفة ما يجري.
إذ لا شك أن معرفة ما عليه أعداء الله من داخليين، وخارجيين، وما يكيدونه لهذه الأمة واجب كفائي، وبيانه كذلك، ولكن بالضوابط الشرعية، لا بالانفعالات العاطفية، والمواقف الارتجالية، فلا يُرَبَّى الناس على ذلك، ولا يشاع ذلك فيهم، ولا يكون شغل المسلمين الشاغل، بحيث يشغلهم عن تصحيح عقائد الناس، وإصلاح عباداتهم، والاهتمام بتربيتهم.
وَحَكَمُنَا في هذه القضية، وفي كل قضية، ما كان عليه رسول الله ﷺ ، وصحبه من بعده، وأتباعهم الذين أُمِرْنَا باتباعهم.
فهل كان شغل رسول الله ﷺ في مكة حكامها وما يفعلونه؟
أم الدعوة، والتوحيد، والتربية؟ ...
وللموضوع تفصيل وتأصيل، ليس ههنا محله، وقد فصلناه في مفهوم الطائفة المنصورة ((الهداية ثم السياسة)).
ولو كان التوحيد الذي يعنون: توحيد الألوهية، والتفصيل فيه، إذن لهان الأمر، وسهل الخطب، ولكنهم يعنون: توحيد الربوبية، والإجمال الذي لم ينفع كفار قريش شيئًا!
ومن علاماتهم أنك تجدهم في المساء مجتمعين، ثم في الصبح متفرقين، فإن سألت عن سبب تفرقهم وانفصالهم ... علمت أنها السياسة! والمواقف
стр. 78
السياسية، أو الخلافات الحزبية والتنظيمية على المناصب، والأدوار، لا الخلافات العقدية والمنهجية، ولم يكن سَلَفُنَا كذلك، ولا خير في مخالفتهم.
والحق أحق أن يقال، وهو أن أهل التوحيد مقصرون أشد التقصير في تبليغ إخوانهم التوحيدً وأقسامه، والمنهاج ومعالمه.
فقد وجدت منهم من يقول: يا أخي، لماذا تتهموننا بالجهل بالتوحيد، وتزكون أنفسكم به، أَوَنَحْنُ مشركون؟ ! ؟ آلتوحيد: أن نعتقد أن الله في السماء، وله وجه وَيَدٌ .. ونترك الطغاة يعيثون في الأرض ويفسدون؟
فالعاقل يتعجب من شدة عاطفتهم، وعدم معرفتهم بحقيقة التوحيد، فعلى أهل التوحيد أن يبينوا لإخوانهم أن التوحيد ليس توحيد الأسماء والصفات فحسب، بل هو توحيد الربوبية، والألوهية، ومنه توحيد الحاكمية الذي يَسُرُّ خاطرهم، ومنه: الولاء والبراء، وزيادة الإيمان ونقصانه، وحتى السواك يدخل في مسمى الإيمان الذي يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، فكيف بالولاء والبراء؟ !
كما يُشْرَحُ لهم لوازم كلمة التوحيد، ومقتضياتها، ومنها: مفارقة البدع وأهلها، وأن للتوحيد نواقض؛ كالحكم بغير ما أنزل الله، ومظاهرة المشركين، على تفصيل معلوم عند أهل السنة، ولمزيد من العلم راجع أصلَ ((التوحيد أولًا)).
إلى غير ذلك مما يجب أن يعرف ... فاتقوا الله فيهم يا أهل التوحيد.
стр. 79
العلامة التاسعة:
أثقل شيء عليهم آيات التفرق، وأغيظ شيء عليهم أحاديث الاختلاف .
أي: لا يحبون سماعها، ولا يعرفون فحواها، حتى لا يلتزموا بلوازمها، ولا يقع على رءوسهم مقتضاها! !
فإذا تلوتَ عليهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٣].
راحوا يتأولون، وذهبوا يحرفون! !
وإذا قرأت عليهم قوله ﷺ :
(( ... وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)) (١).
نفروا نفور الـ ... ؟ !
وإذا قرأت عليهم قوله ﷺ : ((لا حِلْفَ في الإسلام)) (٢).
تَمَعَّرَتْ وجوههم، وتحملقت أعينهم ... ورأيتهم تدور رءوسهم كالذي يغشى عليه من الجهل! لا يعملون بمقتضاه، بل لا يعرفون معناه، بل وجدت بعض قادتهم لم يسمعوا به على الإطلاق، وهو في الصحيحين.
стр. 80
وقال ابن وهب: سمعتُ مالكًا يقول: ما آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف، وأهل الأهواء من هذه الآية ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ .. قال مالك: فأي كلام أَبْيَنُ من هذا؟ !
وهؤلاء -وإن كانوا يَدْعُونَ إلى وحدة المسلمين- لكن دعوتهم لا تتجاوز أفواههم؛ وذلك لبقائهم على حزبياتهم التي فرقوا بها المسلمين؛ ولفقدان التأصيل في دعوتهم.
ودعوة لا تُبْنَى على أسس شرعية، وضوابطَ سلفية، دعوة لا حقيقة لها.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩].
وإنه لمن القول بلا عمل، والدعوى بلا امتثال -التي تجلب مَقْتَ الله وغضبه- أن ندعو إلى وحدة المسلمين .. في الوقت الذي نتمسك فيه بأحزابنا ..
وإنه لمن المراوغة والمخادعة، بل إنه لمن السخرية حقًّا، أن ندعو إلى وحدة المسلمين التي بها عزهم في الوقت الذي ندعو فيه إلى جماعاتنا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢].
كيف يستقيمان ..
دعوة إلى حزبية، ودعوة إلى وحدة؟ ! ؟
стр. 81
نشعل نارًا .. ثم ندعو إلى إطفائها! ! ونقوض بنيانًا .. ثم ندعو إلى إعماره، بل إننا ندعو إلى إعماره ونحن قائمون مستمرون على هدمه! !
إن هذا والله لشيء عجاب.
ألم يَأْنِ للذين عقلوا أن يعلموا أن الحزبية تفسد الأخوة التي هي من أسس الوحدة الإسلامية كما يفسد الخلُّ العسلَ!
وإن الحزبية هي التفرق .. وإن التفرق هو الحزبية .. اسمان لمسمى واحد ..
أَمَا آنَ للصادقين أن يعلموا أن الحزبية والوحدة الإسلامية لا يجتمعان أبدًا حتى تجتمع النار والماء .. والملائكة والشياطين؟
وإن على أصحاب منهج السلف الصالح إعلامَ الدنيا بأن هذا المنهج هو المنهج الوحيد الذي به وعليه تكون وحدة المسلمين حقيقة لا خيالًا .. وواقعًا لا شعارًا .. فهو لا يدعو إلى حزبية، ولا رجال، ولا عصبية.
ولكنه يدعوهم إلى الوحدة على أسس شرعية، وثوابت صحيحة، لا على أساس تقبيل اللحى، وكُلٌّ يسكت عَمَّا يعتقده من الضلال عند الآخر.
وليعلم الجميع: أنه من غير الممكن، بل من المحال أن تجتمع هذه الأمة على غير أسس الطائفة الناجية التي وَضَّحَهَا كتاب الله تعالى، وحددها رسول الله ﷺ .
وإلا كان جهدنا ضائعًا، وكانت شعاراتنا للوحدة شعارات تجارية زائفة!
стр. 82
وكيف ندعو إلى وحدة المسلمين ونحن لا نعرف أُسُسَ التوحيد الذي به يرضى الرب، وعليه تتوحد القلوب.
إن الدعوة إلى توحيد الأبدان قبل القلوب، والصفوف قبل العقيدة .. إنما هي سَعْيٌ وراء سراب، ومطاولة للسحاب، نعوذ بالله من الْخِذْلَانِ.
العلامة العاشرة:
يدافعون عن الرجال والحزبيات أكثر من دفاعهم عن العقيدة والمنهاج !
فتجد أحدهم يدافع عن عين الرجل، ولو كان عنده طامات ومكفرات، ما دام الرجل في حزبه، ويؤكد فكره.
ويدافع عن حزبه أكثر من دفاعه عن الإسلام.
العلامة الحادية عشرة:
يُقَلِّلُونَ من شأن العلم، ويغمزون أصحابه ، وربما صدوا الناس عنه بدعاوى فارغة: ((إلى متى نتعلم))! ((هل العلم يُسْقِطُ الطواغيت))! ((هؤلاء علماء الحيض والنفاس))! ((هؤلاء قُرَّاءُ الكتب الصفراء))! ((هؤلاء لا يفقهون الواقع))! ((الأمة ليست بحاجة إلى علم هؤلاء العلماء ... ))!
وإذا وَافَقَتْهُمْ فتوى عالم طاروا بها في كل مكان، وهللوا لها وكبروا ... ومن قبل كانوا يصفون عالمها بكل قبيح ...
وإذا عارضهم عالم بفتوى انتقصوا منه في كل محضر ومقام، ومن قبل كانوا يرون أنه إمام! !
стр. 83
وإننا نعظ إخواننا أن لا يكونوا كالذين قال الله فيهم:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ... ﴾ [محمد: ١٦].
وبيان شأن العلم وفضله وأدلة ذلك أشهر من أن تذكر.
وأدلته وأهميته أشهر من أن تذكر هنا.
وحسب العاقل منها قوله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ... ﴾ [محمد: ١٩].
فَقَدِّمِ العلمَ على الاعتقاد، والقول، والعمل، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، جعلنا الله وإياكم منهم، وَجَنَّبَنَا وإياكم البدعَ وأهلها.
стр. 84
من الطوائف المبتدعة المعاصرة
اعلم -أرشدني الله وإياك للحق- أن المتبعين أمة واحدة ... لا تَعَدُّدَ فيها، ولا تفرق، ولا تحزب ..
ورائدهم الصحابة بإجماع العقلاء، فضلًا عن تزكية الله لهم ورسوله ﷺ ، فهم الأئمة الهادون لمن خلفهم، والميزان للمختلفين من بعدهم.
وأن كل من تبعهم في عقيدتهم، ومنهجهم، وأخلاقهم، فهو من المتبعين ..
وكل من عداهم ممن تبنى عباداتٍ مخترعة، أو مناهجَ جديدة، أو فِكَرًا مُحْدَثَةً، أو طرقًا مبتدعة ... يدخل في زمرة المبتدعين، مهما كانت حجته، ومهما كانت نيته.
وعلى هذا؛ فالمبتدعون لا يُعَدُّونَ، وَلَا يُحْصَوْنَ، فمنهم طوائف قديمة، ومنهم معاصرة حديثة، منها:
- الطائفة الفكرية:
وهي الطائفة التي تُقَدِّمُ فكرها على نصوص الكتاب والسنة، وعلى فهم سلف هذه الأمة.
стр. 85
وذكر هذه الطائفة غني عن الرد عليها، إذ مقتضى دعواها أنهم أعلم من سلف هذه الأمة في العقيدة، والشريعة، والعربية، والفهم، والاستنباط، والفقه، وهذا هو التقديم المنهي عنه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].
وما ذكرنا من النصوص السابقة يغني عن إطالة الرد عليها .. وهذه الطائفة وليدة المعتزلة عُبَّادِ العقل .. ومن قَدَّمَ عقله على شرع الله فقد عَبَدَ عَقْلَهُ.
وقد رد عليهم كثيرون، ومنهم سيد قطب في ((خصائص التصور الإسلامي))، وغيره، فأجاد، وأفاد، طيب الله ثراه، وغفر له خطاياه، وجعل الجنة مأواه.
قال في رده على محمد عبده:
(( ... حتى صَرَّحَ -أي: محمد عبده- مراتٍ بوجوب تأويل النص ليوافق مفهوم العقل، وهو مبدأ خَطِرٌ)) (١).
وكيف لا يكون خطيرًا وفيه إحالةُ شرعِ اللهِ المنضبط إلى عقل غير منضبط، وإحالة علم الله الواسع إلى فكر غير مُدْرِكٍ؟ !
وقد فَضَحَ أجدادَهُمْ مِنْ قَبْلُ شيخ الإسلام ابنُ تيمية ﵀ في كتابه العظيم ((درء تعارض العقل والنقل))، وبين عوار مذهبهم، وضلال منهجهم، وقد أجاد ووفى، وشفى الله بِرَدِّهِ صدور قوم موقنين، فعليه من الله الرحمة والرضوان.
وقد فَصَّلْنَا القول فيهم في أصول الطائفة المنصورة، فيما سيأتي إن شاء الله.
стр. 86
- الطائفة التجديدية:
وهي التي تدعو إلى إلغاء ما كان عليه السلف الصالح من الأصول والقواعد بدعوى تغير الزمان، والوسائل، وإيجاد أصول جديدة [تُنَاسِبُ العصرَ]!
وهذه الطائفة قد غَفَلَتْ عن أن الأصول والقواعد التي اتفق عليها فقهاء سلفنا الصالح إنما هي:
أصول فطرية، وقواعد عقلية مطلقة.
أي: ليس لها علاقة بزمان أو مكان، وليست منوطة بنصوص ولا أفراد، ولا بمؤمنين ولا كفار، بل هي كالأعداد الرياضية، والمسائل الحسابية تمامًا ..
كمسائل الجمع (٣+٣=٦) مثلًا، ومسائل الطرح (١٠ - ٥=٥) مثلًا، فهي -كما ترى- قواعد ليس لها متعلق بشيء، إنسان كان أو حيوان، نبات كان أو جماد، فهي ثابتة على مدى الأيام، راسخة في كل مكان، غير قابلة للتجديد والاحتيال، ومن حاول ذلك فإنما يحاول في مُحَال، ومَثَلُهُ كمثل الذي يَعَضُّ حديدًا، أو يطاول سحابًا.
ويجدر بنا أن نوضح هذا بمثال مما أَصَّلَهُ سَلَفُنَا، وهو:
أن النص المقيد يُقَيِّدُ النص المطلق، ويقضي على إطلاقه ...
مثاله: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].
أي: بالصفا والمروة، فقد أطلق الله الطواف، ولم يحدد سبحانه له عددًا.
стр. 87
وجاءت السنة لِتُقَيِّدَ هذا الإطلاق بسبعة أشواط، فكيف يمكن ولو خيالًا أن نجدد هذه القاعدة؟ !
هل نقول: إن المطلق يبقى على إطلاقه، فنطوف كما نشاء! !
أو ماذا يمكن أن نقول غير ما قال السلف الصالح .. ؟ !
ائتونا بأصل يقابل هذا إن كنتم فاعلين! !
وكيف يمكن تجديد قاعدة:
((ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)).
هل نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو مندوب أو محرم ... أم ماذا يمكن أن نقول؟ !
وقاعدة:
((السابق إلى مباح أحق به)).
وقاعدة:
((دفع المفاسد مُقَدَّمٌ على جلب المصالح)).
وقاعدة:
((المتهم بريء حتى يدان)).
أو نقول: المتهم مدان حتى يبرأ ...
إلى غير ذلك من القواعد التي لا يمكن تغييرها إلا إذا تغير عقل الإنسان، أو فسدت نيته.
إننا نناشد إخواننا أن يَعُوا هذه القضية، وخطورة الخروج عن الأصول.
إن مقتضى التجديد يعني: أننا أعلم بمقاصد الشريعة، وأفهم لنصوص الكتاب والسنة ممن نزل عليهم القرآن بلغتهم، وحدثهم رسول الله ﷺ بلهجتهم!
لأن التأصيل -أيها الأخوة- لا يكون على حسب الزمان والمكان، وإلا لم
стр. 88
تكن لِتُدْعَى أصولًا.
فالأصول إنما هي: ثوابت مجردة عن الزمان، والمكان، والأعيان .. وأما ما كان متعلقًا بالزمان، والمكان، والأعيان، فَيُسَمَّى فتوى، ولا يسمى أصلًا، وهذا الذي يتغير أحيانًا بتغير الزمان، والمكان، والأعيان، بضوابط علمية واضحة.
ويوضح هذا قول رسول الله ﷺ لسليك الغطفاني لَمَّا دخل يوم الجمعة، والرسول يخطب: ((قُمْ فَصَلِّ ... ))، فهذه فتوى ... وقوله: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين))، فهذا حكم، فهو لكل زمان، ولكل مسجد، ولكل مسلم.
وللمسألة تفصيل أصولي ليس ههنا محله.
إن الخروج عن هذه الأصول والقواعد يعني إطلاقَ الْعَنَانِ للناس يعبثون بالنصوص كما يشاءون، ويفسرونها كما يشاءون، ما دام لا يوجد أصل يرجعون إليه، ولا قاعدة يعتمدون عليها، وبعد ذلك حَدِّثْ ولا حرج عن فوضى لا تُبْقِي ولا تذر، وعن الاختلافات العظيمة التي ستنشأ ... الأمر الذي يعني تعطيل شرع الله، وإبطال نصوصه.
ولولا النهي عن سوء الظن لظننا بمن يدعو إلى ذلك أسوأ الظن؛ لِمَا يترتب على ذلك من خطر عظيم على نصوص الإسلام وأحكامه، حيث تصبح هذه الدعوى منفذًا لخصوم الإسلام ... ويضحى الإسلام ملعبًا لأهواء الناس، وشهواتهم.
ثم يقال لهذه الطائفة:
стр. 89
هب أننا سلمنا معكم -جدلًا- أن هذه الأصول تحتاج إلى تبديل وتجديد، فهلَّا طرحتم أصولكم حتى ينظر فيها، وهلَّا عرضتم قواعدكم حتى يحكم عليها ...
إن الواجب على العاقل الذي لا يعجبه بيته أن يبني بيتًا جديدًا أولًا ... ثم يتحول إليه ... ثم يهدم بيته القديم ثانيًا.
أَمَّا أَنْ يهدم بيته، ويشرد أسرته، ثم لا يبني لهم بيتًا، فهذا أمر غاية في العجب! !
فلا هو أبقاهم في القديم على ما فيه -على زعمه- ولا هو بنى لهم بيتًا جديدًا! !
فهل يفعل هذا عاقل؟ ! ! فتأمل ...
إن مقتضى التجديد يعني هدمًا لكيان الأمة ... وتضييعًا لجهود أئمة الملة ... وتشتيتًا لشباب الصحوة ... فهو في الحقيقة تحريف .. و .. تبديد ..
إن البقاء على أصولهم لا يعني الجمود عند قول فقيه .. لا .. وألف لا ... فهذه مسألة، وَهِجْرَانُ أصولهم مسألة أخرى لا يدركها إلا الذين تفقهوا بأصول الطائفة الناجية التي أُمِرْنَا أن نكون منها.
وهذه الطائفة التجديدية لم يكن لهم مثيل في دعوتهم من قبل على الإطلاق.
حتى المعتزلة ... لم يرُدُّوا أصول الاستنباط، ولا قواعد الفهم، ولكن بعضهم ضَلَّ في تطبيقها، وبعضهم كان يتهرب منها كل مهرب.
ورد عليهم سيد قطب ﵀ فأحسن، إذ قال:
стр. 90
((وهو -أي: الإسلام- مِنْ ثَمَّ تصورٌ غير متطور في ذاته، إنما تتطور البشرية في إطاره ... وهو مِنْ ثَمَّ كامل متكامل، لا يقبل تنمية، ولا تكميلًا)).
ثم قال: ((ولعل هذه الخلاصة أن تكشف لنا عن حكمة الله، ورعايته في حفظ أصول التصور الإسلامي بعيدة عن تحريف البشر، وعن خطورة أي محاولة باسم ((التجديد الديني))، أو التطور في الفكر الديني! ! )) (١).
فحذار -يا عبد الله- أن تقع في أفكار خادعة، وآراء مُزَيَّنَةٍ تدور بك، فتخسر دنياك وآخرتك.
واعلم أنه لا منجى لك ولا ملجأ من خِضَمِّ فتن الأفكار، وزحمة الآراء، إلا بسلوك مسلك الفرقة الناجية، وبمعرفة أصول الطائفة المنصورة.
ولا يكون ذلك إلا باتباع سبيل من أناب إلى الله من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
جعلنا الله وإياكم منهم.
стр. 91
الطائفة الحزبية السياسية !
هي -بل هم-: طوائف اجتمعوا على السياسة، وتفرقوا عليها، ولم يجتمعوا على أسس الطائفة المنصورة التي أَمَرَنَا الله تعالى بالاجتماع عليها؛ ولذلك تجدهم يجمعون في صفوفهم ما هب ودب.
سواء كان المجتمعون على عقيدة واحدة أو مختلفة، صحيحة أو فاسدة، وسواء كانوا على تربية أو على غير ذلك!
وسواء كانوا من الطوائف الضالة أو ممن ينتسب إلى الطائفة المنصورة، كل ذلك لا يَهُمُّ! !
المهم عندهم: الوصول إلى الحكم، سواء بطريق نبوي، أو همجي لا منهجي، أو علماني، أو شيوعي، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة؛ ولذلك أدخلوا فيهم في بعض البلاد جُهَّالَ القبائل وزعماءها .. وفي بلد آخر: اتفقوا مع من كان يلعن أبا بكر وعمر! .. وفي ثالث: شاركوا النصارى في الانتخابات! .. وفي رابع: تحالفوا مع العلمانيين الذين كانوا يُكَفِّرُونَهُمْ! !
كل ذلك من أجل الوصول إلى الحكم، ويا ليت الحكم كله، إذن لهان الأمر، ولكنه بعض الحكم، وتحت ظل من لا يقيم لحكم الله وزنًا ..
ولو كان هؤلاء الإخوة يدركون حقيقة التوحيد ومعالمه، ومقصود شريعة الله وغايتها ... لَعَلَّمُوا أتباعَهُمُ التوحيدَ، وَلَسَعَوْا لإقامة شريعة الله في النفوس قبل الأرض، فإن غاية الإسلام: هداية العباد قبل حكمهم، وإقناعهم قبل إكراههم، على القاعدة المنهجية العظيمة:
стр. 92
غاية الإسلام: هداية الناس ... ثم سياستهم .. ولا عكس.
والحقيقة أن هذه الطائفة أُتِيَتْ من ثلاث:
- عدم إدراكها لحقيقة الشريعة، وظنها أن شريعة الله هي أحكام الجلد، والقتل، والرجم، والقتل، وأن تطبيق هذه الأحكام على الناس يكون بقوة السلطان قبل قوة الإيمان، وغفلوا عن أن شريعة الله هي دينه، من أَلِفِهِ إلى يائه، بدءًا من كلمة التوحيد، وانتهاءًا بإماطة الأذى عن الطريق.
- ردة فعل قوية من الظلم الذي وقع على كثير من الشعوب من حكامهم أفقدتهم صواب الطريق.
- تأثرها بالأحزاب العلمانية المتوافرة على الساحة، فاقتدت بها، فتحزبت كما تحزبت، ونهجت منهاجها في التغيير، وضربت بطريق النبي ﷺ والسلف عرض الحائط، بدعوى إباحة الوسائل مطلقًا.
وإليك مقتطفات من كلام سيد قطب ﵀ في الرد عليهم:
(( ... وإذن فَأَيَّةُ حركة يجب أن تبدأ من إعادة تفهيم الناس معنى الإسلام، ومدلول العقيدة، وبالتالي لا يكون الوصول إلى إقامة النظام الإسلامي، وتطبيق الشريعة الإسلامية، عن طريق انقلاب في الحكم يجيء من أعلى ...
إن قيام حكم إسلامي في أي بلد لن يجيء عن مثل هذه الطرق ... أي: الانتخابات)) (١).
стр. 93
وأخيرًا:
لنا تساؤل ... هؤلاء إخواننا من يتبعون .. ؟ !
فلا بالكتاب والسنة تفقهوا، ولا بقادتهم العقلاء الذين تراجعوا عما كانوا عليه اقتدوا ... وإلى الله عاقبة الأمور.
стр. 94
ما الفرق بين المتبعين والمبتدعين ؟
((هل لكم أن تُبَيِّنُوا لنا فَرْقًا بين المتبعين والمبتدعين يصلح أن يكون قاعدة ونِبْرَاسًا))؟
الفرق الدقيق: أن المتبعين آمنوا بأن كل ما كان من عند الله من عبادة وطريقة، ورأي وفكر، هو خير كله.
وإذا جاءهم الشيطان من جهة تعظيمه لعقولهم، ومدحه لآرائهم، رَدُّوهُ على أعقابه خاسرًا ..
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ .. ﴾ [النساء: ١٣٦].
فتأمل معنى كلمة ((آمنوا)) الثانية في الآيتين تُدْرِكْ معنى الاتباع ...
وأن المبتدعين دخلوا في ((آمنوا)) الأولى ... ولم يلتزموا بالثانية ... أي: آمنوا على سبيل الإجمال، وأما على سبيل التفصيل والاتباع فلم يؤمنوا؛ لأنهم أعرضوا عن كثير من طرق النبي ﷺ ، واخترعوا طرقًا، وَفِكَرًا، وعباداتٍ
стр. 95
ما أنزل الله بها من سلطان.
ولا شك أن عندهم حُجَجَهُمْ: المصلحة، والظروف! ((إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن))! !
كما كان عند الطوائف الأولى حُجَجُهُمْ.
وهذه هي مشكلة أهل زماننا، إذ يُقَدِّمُونَ ما ظهر لهم من مصلحة وظروف، وما أنتج عقلهم من فكر وآراء، على شرع ربهم.
وَلْيُعْلَمْ أنه مهما زُيِّنَ لهم من قوة في استدلالهم، وصواب في حجتهم، فحاصل ذلك رَدُّ النصوص، والإعراض عن هدي النبي ﷺ ، والرغبة عن سنته!
فهل يستويان عند الله مثلًا؟ ! ؟
- مُسْلِمٌ مُسَلِّمٌ ... مؤمن قانت موحد .. يقول: أسلمت وجهي، وعقلي، وفكري، للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، مطيعًا، وما أنا من المعترضين.
- وَمُسْلِمٌ يقول: عقلي ... فكري ... ظروفي ... مصلحتي ... لا أُسَلِّمُ بكل شيء في الكتاب والسنة! !
ثم هم مختلفون:
فبعضهم يرى التسليم في العبادات فحسب .. ويا ليتهم أعطوها حقها! فصلوا كما صلى الرسول ﷺ ، وحجوا كما حج، ولكن هيهات هيهات.
وبعضهم يرى اتباعه ﷺ في طريقة الحكم -أي: خلافة، وبَيْعة- لا في طريق الوصول إلى الحكم.
стр. 96
وآخرون لا يرون اتباع الرسول ﷺ ، لا في طريق الحكم، ولا في طريق الوصول إليه، وإنما يكون الاتباع عندهم بتطبيق الحدود .. والحدود الخمسة فقط، دون الأخوة، والتعاون، وترسيخ الإيمان، والولاء، وحسن المعاملة، والأخلاق.
وكل هؤلاء رافعون راية الإسلام ... حاملون لواء الجهاد! ! !
وقد شَابَهَ بعضهم العلمانيين من حيث لا يشعرون.
وذلك لأن العلمانيين يرون التأسي بالنبي ﷺ في العبادات، دون اتباعه ﷺ في الحكم، والتشريع، بحجة تغير الزمان والأحوال.
وهذه هي حجة إخواننا نفسها.
فأي تفريق -إذن- بين من يَرُدُّ الأخوةَ بدعوى الحزبية والتنظيم، وبين من يَرُدُّ الواجباتِ والسننَ بدعو الأحوال؟ وبين العلمانيين الذين يَرُدُّونَ التشريع بدعاوى فارغة؛ كتغير الظروف؟ ... و ...
وبعبارة أخرى:
أَيُّ فَرْقٍ في دين الله بين من يرى الاتباع في ثلث الدين فحسب، وبين من يراه في ثلثيه فحسب؟ !
لا شك أنه لا فرق إلا من حيث النية والقصد.
أفيليق بمسلم قال: أسلمت وجهي للذي فطر السماوات والأرض أن يترك نَهْجَ أصحاب النبي ﷺ ، ويسلك نَهْجَ هؤلاء العلمانيين؟
стр. 97
علامات أهل الاتباع
- ((هل لكم أن تَذْكُرُوا لنا بالأدلة علامات أهل الاتباع؛ حتى نلتزمهم ونكون معهم))؟
العلامة الأولى:
دَنْدَنَتُهُمْ على الاتباع قولًا، والتزامه عملًا .
فتراهم ينتسبون إلى سلفهم صراحة، ويفخرون بذلك جهارًا ... وَلِمَ لا يفخر المسلم بسلوك مسلك حواريي رسول الله ﷺ في العقيدة، والمنهاج، والشريعة، والواجبات، والسنن، فيعملون ما عملوا، ويقفون حيث وقفوا، ويمسكون حيث أمسكوا:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥].
وعلى حد قول القائل:
أولئك أشياخي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا أُخَيَّ المساجد
стр. 98
العلامة الثانية:
الاهتمام بمصادر الاتباع، ودراستها، والدعوة إليها .
ومصادر الاتباع هي: الكتاب، والسنة، ومنهج السلف الصالح.
وهو بعبارة مختصرة:
العلم الذي به قامت السماوات والأرض، وبه نزلت الأديان، والقرآن، وبه يكون السداد، والتوفيق، والتمكين.
فهذا هو اللُّبَابُ، وما عداه قشور عَفِنَةٌ، مَنْ أَصَابَهُ شيء منها فليغتسل، وليلحق بركب المتبعين الفائزين، دون استثناء قبل الفوات.
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].
العلامة الثالثة:
إجلال السلف قولًا وعملًا:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
والذين صَدَقُوا في اتباعهم هم المحسنون، والذين خالفوهم، أو انتقصوهم، أو قَدَّمُوا بين أيديهم، هم: المسيئون .. فاعتبر إن كنت من المعتبرين.
وقال ﷺ : ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا ... وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ)) (١).
стр. 99
وإن لم يكن السلف هم العلماء، ومعرفة حقهم هو اتباعهم، فلا أبقى الله لنا عالمًا.
العلامة الرابعة:
دينهم البرهان، ومذهبهم الدليل ، يُقَدِّمُونَهُ على كل مصلحة وقيل، لا يُقَدِّمُونَ عليه ظروفًا، ولا رجالًا، ولا يتأولونه تحريفًا، ولا تعطيلًا.
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].
﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥].
يا أيها المؤمنون العاقلون: أليس إحداث طرق جديدة، وترك طرق مسلوكة مهما كان العذر، يكون تبديلًا؟ ! ؟
قليلًا ما تذكرون.
خلاصة هذا الفصل:
أن الاتباع كلمة أشمل من أن نفهمها كلمة تقابل كلمة الابتداع المحصور في العبادات.
بل إن الاتباع هو أصل الدين وَلُبُّهُ، وهو يشمل كل صغيرة وكبيرة في هذا الدين، بل هو الدين كله.
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٢٩].
стр. 100
قال سيد ﵀ (٣/ ١٢٥٩):
((ذلك أن القضية في صميمها هي قضية ((الاتباع)) ... هذه هي قضية هذا الدين الأساسية)).
فالاتباع: يكون في العقيدة، والعبادات، والأفكار، والآراء، والسبيل ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥].
وإن الضلال الذي حصل في أمة محمد ﷺ لم يكن إلا بسبب مخالفتهم لهذا الأصل العظيم.
ولو أن الخوارج التزموا بهذا الأصل ما كانوا خوارجَ، ولو أن المعتزلة التزموا بهذا الأساس ما كانوا معتزلة، ولأراحوا الأمة من شَرِّ ما فعلوا، واستراحوا.
وما توغلت العلمانية، والاشتراكية، والمبادئ الهدامة إلا بسبب جهل المسلمين بهذا المبدأ العظيم، حيث حَرَّفُوا لهم النصوص، وعطلوا الأحكام بالتأويل، معرضين عن الالتزام بالاتباع.
وَلِذَلِكَ كَانَ الِاتِّبَاعُ هُوَ الضَّابِطَ الْعَظِيمَ لِلنَّاسِ مِنَ الِانْحِرَافِ، وَالْوِقَايَةَ الْحَتْمِيَّةَ لَهُمْ مِنَ الزَّيْغِ.
والابتداع ليس محصورًا في العبادات فحسب، بل يشمل كل فكر دخيل على الإسلام، أو رأي، أو طريقة، سواء كان ذلك باسم الإسلام؛ كفكر الخوارج، والمعتزلة، أو بأسماء شيطانية؛ كفكر العلمانيين، والملاحدة.
قال الإمام عبد الله بن المبارك:
((اعْلَمْ أَنَّ الْمَوْتَ الْيَوْمَ كَرَامَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ عَلَى السُّنَّةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
стр. 101
فَإِلىَ اللَّهِ نَشْكُو وَحْشَتَنَا، وَذَهَابَ الْإِخْوَانِ، وَقِلَّةَ الْأَعْوَانِ، وَظُهُورَ الْبِدَعِ، وَإِلَى اللَّهِ نَشْكُو عَظِيمَ مَا حَلَّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، مِنْ ذَهَابِ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ، وَظُهُورِ الْبِدَعِ)).
رحمك الله -يا ابن المبارك- أتقول هذا في زمانك، زمان عزة المسلمين، وعزة السنة، وكثرة الأئمة، ثم تقول: ذهب العلماء؟ !
فكيف إذا رأيت زماننا ... ! ! !
اللهم هداك ... اللهم نصرك.
ونحن إذ نُحَذِّرُ من الابتداع، ونبين خطورته العظيمة، فإن من العدل والإنصاف أن نختم هذا الأصل بقواعد مهمة، وتنبيهات مفيدة، يَغْفُلُ عنها كثير من المسلمين.
стр. 102
مِنْ قَوَاعِدِ الْإِنْصَافِ (١)
وقبل نهاية هذا الفصل يجدر بنا ونحن نبين خطورة الابتداع، ونوضح ضرره .. أن نذكر بعض القواعد الْمُعِينَةِ على الإنصاف، والْمُبَيِّنَةِ لوجه الحق .. حتى نكون أمة وسطًا .. لا مُفْرِطِينَ، وَلَا مُفَرِّطِينَ.
الأولى:
أن المبتدع مهما كانت بدعته ما لم يأتِ بما يخرجه عن الإسلام فهو مسلم، له حق الإسلام، من الأخوة، والموالاة، وغير ذلك من حقوق الإسلام؛ لأنه ما يزال مسلمًا، داخلًا في عموم النصوص؛ كقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
وهذه الموالاة -ومنها النصرة- مُقَيَّدَةٌ بشروط شرعية معروفة، منها:
- أن لا يتقوى بهذه الموالاة على أهل السنة.
- وأن لا تكون سببًا في إعانته على بدعته.
إلى غير ذلك مما هو مُفَصَّلٌ في مَظَانِّهِ.
стр. 103
الثانية:
كما أنه ليس كل من أتى بكفر فهو كافر، وليس كل من أتى بفسق فهو فاسق، وليس كل من أتى بجاهلية فهو جاهلي أو جاهل، وكذلك ليس كل من أتى ببدعة فهو مبتدع؛ لأن ثمة فرقًا عند أهل السنة والجماعة بين من وقع في البدعة، وبين من أحدث البدعة وتبناها، ودعا إليها، وهذا أمر متفق عليه، وليس ههنا محل تفصيله.
قال شيخ الإسلام:
((فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كل مخطئ، ولا مبتدع، ولا جاهل، ولا ضال، يكون كافرًا، بل ولا فاسقًا، بل ولا عاصيًا)) (١).
الثالثة:
ليس كل مبتدع أو عاصٍ يُهْجَرُ ... بل إن لذلك شروطًا قد ذكرها أهل التحقيق من قبل، من أمثال الشاطبي في ((الاعتصام))، وابن تيمية في كتبه عامة، وبخاصة الجزء الثامن والعشرون من ((مجموع الفتاوى))، وغيرها، فليراجعها من شاء.
ثم إن الأمر يتعلق بالبدعة نفسها أكثر من تَعَلُّقِهِ بصاحبها، إلا أن يكون رجلَ سوءٍ، ينام على بدعة، داعيًا لها، ويصحو على بدعة، داعيًا إليها، وإذا اتُّفق على كون الأمر بدعة، وعلى وجوب التحذير منها، فلا مُشَاحَّةَ بعد ذلك أن يختلفوا على عين صاحبها.
ومن خطوات الشيطان أن يوقع الخلاف بين أصحاب المنهج القويم بمثل
стр. 104
هذا، فقد اختلف السلف في عين الحجاج، هل هو كافر أم لا؟ واختلفوا في الجهمية، هل هم كفار أم لا؟ ولم يترتب على ذلك شقاق بينهم، ولا تشاحن.
ومن كان سلفيًّا في العقيدة، فلا بد أن يكون سلفيًّا في مواقفه، وأخلاقه، وأن يكون سلفيًّا في أدب الخلاف.
سمعتُ شيخنا، وصديقنا، وحبيبنا، جميل الرحمن -طيب الله ثَرَاهُ، وجعل الجنة مأواه، وانتقم له ممن قتله وآذاه (١) - يقول في مناظرة بينه وبين سلفي في العقيدة دون غيرها:
((ليست السلفية ممدوحة في أمر، ومذمومة في آخر، بل هي ممدوحة في كل أمر)).
لذا نناشد إخواننا أن يَعُوا هذه القضية الخطيرة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 105
الرابعة:
ليست البدع سواء، فهي تبدأ من بدع الوسائل والعادات (١)، إلى بدع العبادات، والأفكار، والاعتقاد، وإن كانت كلها بدعًا، وكلها ضلالة، ولكن الضلال يتفاوت كما يتفاوت الفسق.
وقد عقد الإمام الشاطبي بابًا خاصًّا في ((الاعتصام))، عنوانه ((في أحكام البدع وأنها ليست على رتبة واحدة)) (٢).
قال فيه:
((وقد ثبت التفاوت في المعاصي، فكذلك يتصور مثله في البدع ... )) (٣).
إلى غير ما ذكر من الكلام النفيس، فليراجعه من شاء.
وأحكام ذلك منوطة بصاحب البدعة، وأصوله، وعلمه، ودينه، ودعوته إليها، وخروجه عن سبيل السلف في الأصول، ومنوطة أيضًا بالبدعة نفسها، فكما أن المعاصي تتفاوت -وهي كلها معاصٍ- فكذلك البدع تتفاوت .. فليست بدعة نفي صفات الله كبدعة السبحة .. وليست بدعة القول بخلق القرآن كبدعة المحراب .. وليست بدعة التجديد كبدعة الانتخابات .. وليس الذي يدعو إلى بدعته كالذي صدرت عنه البدعة جهلًا .. وليس الذي يفارق على بدعته جماعة المسلمين -أو يوالي ويعادي عليها- كالذي لا يفعل شيئا من ذلك .. وليس الذي نَصَّبَ نفسه مُعَادِيًا للطائفة المنصورة -أهل السنة والجماعة السلفية الحقة- كالذي لم يعادهم، ولم يخرج عنهم أو عليهم
стр. 106
بتلك البدعة .. وليس الذي أقيمت عليه الحجة كالذي لم تقم عليه الحجة.
ألا فليتق الله قوم أرادوا محاربة البدع، فسقطوا في بدعة ((التبديع))، وغلوا فيها، حتى نادوا بِهَجْرِ كُلِّ صاحب بدعة، أو هَجْرِ من لم يهجر كل صاحب بدعة! !
ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحد، إذن لهان الْخَطْبُ، وسهل الأمر، ولكن بعضهم يمنع قراءة أَيِّ كتاب لأي عالم وقعت منه بدعة، أو قال بتأويل، أو غير ذلك! ! كالحافظ العسقلاني، والعلامة النووي .. وغيرهم من فحول الإسلام، وقد سمعت شيخاي العلامتين الألباني وابن باز -حفظهما الله- يُخَطِّئَانِ هؤلاء الأحداث، بل وَيُضَلِّلَانِهِمْ.
ولو كان مذهبهم في هذا مذهبًا سلفيًّا صحيحًا لَمَا أخرج أئمة السنة؛ كأحمد، والبخاري، ومسلم، لكثير من أهل البدع أحاديثَهُمْ، ولما وَثَّقُوهُمْ، واعتمدوا على روايتهم، ولوجب علينا أن نمنع من قراءة كتبهم لذلك [ونهجر كُتُبَ كُلِّ هؤلاء الأعلام؛ لِمَا في كتبهم من روايات لأهل البدع، وذلك إذا سِرْنَا على مذهب أولئك الذين يمنعون القراءة لكل من وقع في بدعة! ! ] (*)
قليلًا ما تذكرون! !
الخامسة:
إن أحكام هذه المسائل -من التمييز بين المبتدعين، وبين البدع، وما يلحق بذلك- لا ترجع إلى حدثاء الأسنان، بل ترجع إلى أهل العلم، والتقوى، الذين يحكمون في البدعة والمبتدعة؛ ذلك لأن معظم حدثاء الأسنان لا يُفَرِّقُونَ بين أنواع البدع، وطبقات المبتدعين، فهناك البدعة العقدية، والبدعة المنهجية،
стр. 107
والبدعة في العبادة، والبدعة الأصلية أو الحقيقية (١)، والبدعة الإضافية، والبدعة الاجتهادية (٢)، ولا يدركون المصالح والمفاسد، ولا يفهمون مقاصد الشريعة، مما هو مُفَصَّلٌ في مواضعه.
السادسة:
أن مذهب إمام من أئمة أهل السلف، أو قولًا له، لا يُعَدُّ دينًا للأمة، ولا مذهبًا لها، فضلًا عن أن يكون عالمًا ومعاصرًا، إلا أن يقوم عليه دليل قطعي الثبوت، واضح الدلالة، أو إجماع متيقن.
وحكاية رواية عن إمام في مبتدع، لا تعدو أن تكون حكمًا عينيًّا، لا يَطَّرِدُ ذلك الحكم على كل مبتدع.
كذا قال قامع المبتدعين والغالين شيخُ الإسلام ﵀:
((وكثير من أجوبة الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، خرج على سؤال سائل قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطابًا لمعين قد علم حاله .. فإن أقوامًا جعلوا هذا عامًّا، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به ... )). (٣)
стр. 108
السابعة:
قوله ﷺ : ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه)) (١).
إن الرفق مطلوب في كل شيء، حتى مع الحيوانات .. والحكمة مأمورون بها مع كل مدعو، وفي كل دعوة حتى مع الأعداء .. والكلمة الطيبة ممدوحة مع كل مخاطب، سواء كان موحدًا تقيًّا، أو مؤمنًا عاصيًّا، أو مسلمًا مبتدعًا، وسواء كان يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا.
وَلَمَّا رَدَّتْ عائشة على اليهود الذين كانوا يؤذون النبي ﷺ أمرها النبي ﷺ بالرفق في الرد، مع أنهم أعتى عدو للإسلام والمسلمين، فما بالك بمسلم مبتدع، يظن أنه مصيب؟ !
وكذلك أمره تعالى لموسى وهارون ﵉ من قبل في مخاطبة فرعون، وهو أكفر الكافرين، وإمام المبتدعين، ومع ذلك قال تعالى:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
هذا هو الأصل في كل دعوة، ونصيحة، وكلمة، ولكن هذا لا ينفي أن تكون الشدة، وقسوة العبارة -أحيانا- من الحكمة، كما كان ذلك من رسول الله ﷺ لبعض أصحابه أحيانًا.
وذلك لأن الشدة في موضعها حكمة .. وإن الرفق في موضعه حكمة .. وإن السيف في موضعه حكمة .. ويعتمد هذا على المصلحة المترتبة، والثمرة المقطوفة، وردود الفعل المتوقعة.
стр. 109
فإذا كانت الشدة، أو الهجر، أو الكلمة القاسية، تهدي المدعو، أو تردع المنصوح، فهي الحكمة ... وإلا فلا.
إذ المقصود في كل هذا مصلحة الدعوة، واتعاظ المنصوح، وهداية الضال، لا مجرد الهجر، أو الشدة، أو شفاء ما في الصدر، أو الانتقام للنفس.
ومن وجد شيئًا من الشدة في كلام السلف .. فلا يعني هذا أن له حكمًا مطلقًا في كل زمان ومكان، أو مع كل إنسان.
ولكن المسألة تُقَدَّرُ بقدرها، ويُراعى في ذلك ظروف المدعو، وأحواله، فكم من كلمة طيبة هَدَتْ فُجَّارًا، وكم من هجر خاطئ أضل أبرارًا.
ولا تُصْغِ لمن يقول: ((ليس علي من ذلك شيء .. المهم أني أهجر .. ))؛ لأنه لم يدرك غاية الهجر، ولا حكمة العمل به.
وعلى هذا؛ فإن محاربة البدع وأهلها شيء .. والحكمة والرفق بهم شيء آخر [وهذا الفرق] لا يدركه كثير من حدثاء الأسنان، فيخلطون الأوراق، ولا يميزون (١).
وللمسألة تفصيل ليس ههنا محله.
والخلاصة:
إن الرفق وحسن الخلق لا يتنافى مع معاداة البدع وأهلها، بل الواجب جمع الاثنين معًا، وسوء الخلق والفظاظة من وسوسة الشيطان ونزغه، حيث يظن المرء أنه يحارب البدع، في الوقت الذي يَضِلُّ في طريقة محاربتها.
وللمسألة تفصيل في كتابنا: ((الهجر بين الإفراط والتفريط)).
стр. 110
وكذلك ألقى الشيخ محمد بن هادي المدخلي محاضرة في الموضوع ذاته.
وبيان بقية الأصول، وما يتعلق بالطائفة المنصورة، وصفاتها، وخصائصها، ومفاهيمها، والتربية ومتعلقاتها، وطلب العلم، ومراحله ... محله -بتوفيق الله وتيسيره- في القسم الرابع، وما بعده من هذا ((السبيل)) إن شاء الله.
والله الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.