← Общие книги

Общие книги · id 147097

صفات الطائفة المنصورة ومفاهمها

عدنان العرعور

Полный текст (99 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

السبيل إلى منهج الطائفة المنصورة (٥) صفات الطائفة المنصورة ومفاهمها بقلم عدنان بن محمد آل عرعور مؤسسة قرطبة طباعة - نشر - توزيع ت: ٥٣٥٠٢٧

стр. 2

السبيل إلى منهج الطائفة المنصورة (٥) صفات الطائفة المنصورة ومفاهيمها القسم الخامس بقلم عدنان بن محمد آل عرعور

стр. 3

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الثانية المزيدة والمنقحة ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م مؤسسة منارة قرطبة للجمع التصويري وتجهيزات الطباعة ٦٤ ش الخليفة * مدينة الأندلس * الهرم * الجيزة

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

مقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ. أما بعد: وإنَّ كُلَّ مُنْصِفٍ واعٍ يَطَّلِعُ على هذا الواقع التعيس، ويتدبر ما قُدِّمَ في كتاب ((السبيل)) هذا من تحليلات شرعية لهذا الواقع يدرك أنه لا شفاء لهذه الأمة من أمراضها، ولا نجاة لها من مصائبها، ولا نصر لها على عدوها، ولا تمكين لها في أرض الله جميعًا إلا بالرجوع إلى دينها، شريطة التزام الضابط الذي يضبط لها الفهم الصحيح، والمنهج الذي ينير لها الدرب .. وحينئذ يوحَّد الفهم، ويتَّحد الطريق، فيكون الخير والفلاح. وأَنَّ الله لم يَدَعِ الأمر هملًا، كل يفهم دينه كما يرى، وكل يسير كما يجتهد، بل بَيَّنَ هذا الضابطَ بنفسه، ووضع هذا الميزان في كتابه؛ كي تقام الحجة، ويوحَّد المنهج. وقد ثبت بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة، وكلام الأئمة، والعقل

стр. 6

السليم، والواقع المدروس على ضوء الكتاب والسنة وتحليلهما للأحداث؛ أن ضابط الفهم، وميزان العمل هو: ما كان عليه الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن تبعهم بإحسان في العقيدة، والمنهج، والشريعة، والسلوك، وأنهم الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية. وأن لهذه الطائفة الوحيدة أصولًا، وقواعدَ، ومنهجًا، ومفاهيمَ، وأسسًا، وصفاتٍ تتميز بها عن الطوائف المخطئة، والفرق المنحرفة. وأن كل من خرج عن هذه المفاهيم والأصول فقد أبعد الفهم، وضل السبيل، كذلك كانت الطوائف مِنْ قَبْلُ، وكذلك ستكون الطوائف مِنْ بَعْدُ، مهما كانت نِيَّاتُهُمْ، ومهما كانت تضحياتهم، ومهما كانت أدلتهم، وستبقى هذه الجماعات تعيش في تمزقها، وَتَرْسُفُ (١) في ضعفها، وتراوح في مكانها .. تلهث ولا تسير، تسقط ولا تنهض، تصرخ ولا تعمل .. تقوم من مصيبة لتقع في كارثة .. وتخرج من كيد لتسقط في فخ، وستبقى هكذا حتى تدرك هذا المنهج، وتسلك هذا السبيل، سبيلَ الطائفة المنصورة ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. وإلا فستظل هذه الْفِرَقُ تتخبط في تِيهِهَا مهما بذلت، ومهما اجتهدت ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ .. إلى أن تدرك هذه الحقيقة، حقيقة اتباع منهج الفرقة الناجية، وعندئذ يتحقق وعد الله، ويتنزل نصره. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.

стр. 7

وبناء على هذا؛ فاعلم أنه لا هداية للعبد دون السير على طريق أهل السنة والجماعة، وأنه لا سير صحيحًا إلا بعد معرفة ((السبيل)). وأنه لا سبيل لتوحيد الأمة الإسلامية وتمكينها إلا بمعرفة معالم الطائفة المنصورة، والالتزام بها. وفضلًا عَمَّا سبق فإنه لا نجاة للعبد من عذاب الله يوم القيامة، ولا فَوْزَ بالجنة إلا باعتقاد عقيدة الفرقة الناجية، والسير على منهاجها .. وهاك ((السبيل)) بأجزائه خطوة جادة عملية وشرعية واقعية لرسم الطريق الأقوم لنهوض هذه الأمة من كبوتها، واستفاقتها من غفوتها؛ لتكون الأمة التي أرادها الله تعالى. فليس المقصود بهذا الكتاب رجلًا معينًا، ولا جماعة مخصوصة، بقدر ما هو تشخيص حقيقي لواقع مؤلم، ومعالجة صحيحة لهذا الواقع، فضلًا عن أنه سَعْيٌ صادق، وخطوة منضبطة لتوجيه هذه الصحوة، وتأصيلها، وتوعية أفرادها، وتثبيتهم على الحق والمنهج المثمر، لا تربيتهم على العاطفة الجيَّاشة، والحماسة المؤقتة، اللتين تزولان بصيحة، وتنطفئان بنفخة ... وهذا هو الذي يُفْرِحُ أعداءهم، إذ إليه يَصْبُونَ، ومنه يخترقون .. وبتأصيلهم وحسن تربيتهم يبقون ما بقي الحق، ويصمدون كما صمد الأنبياء، فينالون ما نالوا من التوفيق في الدنيا، والفوز في الآخرة. ويكفينا عبرة ما حل بنا من كوارث، وما نصبت لنا من أفخاخ، وآن لنا أن ندرك الطريق المستقيم، ونسلك المحجة الواضحة. وقد ذُكِرَ في الجزء الأول منه: الواقع المضطرب الذي يعيشه العالم، والحال المؤلمة التي يعيش فيها عالمنا الإسلامي، وَبُيِّنَ فيه الأسباب الحقيقية الكامنة

стр. 8

وراء هذا الضعف .. من جهل بحقيقة هذا الدين وأهدافه، وتفرق مُخْزٍ، وفقدان للإخلاص والذات، فضلًا عَمَّا يكيده أعداء الله بهذه الأمة، وما يتربصون بها. كما ذُكِرَ فيه أخطاء التشخيص والمعالجة المرتجلة، وصور مؤلمة من صور التربية التي تمارسها بعض الجماعات الإسلامية، ثم ذُكِرَ طريق العلاج، وسبيل النجاة، وعواصم الحفظ. وَوُضِّحَ في الجزء الثاني منه السبيل الأمثل والوحيد لضبط فهم الكتاب والسنة، والذي به يزول الخلاف، وتتوحد الأمة، وهو أصل أصول الطائفة المنصورة، ثم ذُكِرَ فيه أصلان من أصولها. وَعُرِّجَ في الجزء الثالث على أصلٍ عظيمٍ من أصولِ الطائفةِ المنصورةِ، وسبيلٍ قَوِيمٍ من سُبُلِهَا يُبَيِّنُ سببَ الانحرافِ وَخُطُورَتَهُ، ومعنى الاتباع ووجوبه، ومعنى الابتداع وحرمته، وعلامات كل من أصحاب الطريقين، ثم خُتِمَ ببعض قواعد الإنصاف التي تضبط المسلم على الصراط، وَتَقِيهِ من الانحراف، مِنْ غَيْرِ جَفَاءٍ مُنَفِّرٍ، وَلَا غُلُوٍّ مَقِيتٍ، وَلَا تَسَاهُلٍ مُشِينٍ. وفي الجزء الرابع: عُرِضَ الأصل الرابع: السمع والطاعة وحدودهما، وحال المسلمين منهما. وَفُصِّلَ في الأصل الخامس موقفُ العقل من الشرع، وحكم تعارضهما، وموقف الطوائف الأخرى من هذا الأصل العظيم. وَبُيِّنَ فيه أيضًا الأصلُ السادس: التوفيق بين النصوص، وطرقه، ووجوهه، وهذا الأصل هو فَصْلُ الخطاب بين الطائفة المنصورة وطوائف الضلال الذين يضربون النصوص بَعْضَهَا ببعض، فلا يدركون توفيقًا، ولا يحسنون جمعًا. وَذُكِرَ فيه أمثلة مفيدة من الكتاب والسنة على ذلك، تُنِيرُ لطالب العلم

стр. 9

سبيلَ هذا الأصل، وَتُبَيِّنُ له أن أصل ضلال الطوائف الأخرى هو إعراضهم عن هذا الأصل العظيم. وفي هذا الجزء: ذُكِرَ ثلاث صفات من صفات الطائفة المنصورة، والتي يمكن للمرء أن يميز بها طائفة الحق عن طوائف الضلالة، وَضُرِبَتْ أمثلة واقعية؛ لتوضيح هذه الصفات، وفهمها. كما ذُكِرَ ثلاثة مفاهيم من مفاهيم هذه الطائفة، تُجَلِّي حقيقةَ واقع المسلمين، والأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا الضعف الذي كان وراء هذا الذل الذي تعيشه أمتنا الإسلامية. ثُمَّ ذُكِرَ إشكالات مهمة لبعض الجماعات الإسلامية، وَأَجَبْتُ عنها، مثل: ((إلى متى نُرَبِّي؟ ))، ((نحن نُرَبِّي وهم يهدمون))، إلى غير ذلك من حديث الصحوة الإسلامية. وسيتتابع السبيل -إن شاء الله- في أجزائه القادمة على ذِكْرِ بقية أصول الطائفة الناجية التي بالتزامها يزول الخلاف، وعلى ذِكْرِ صفاتها التي بها تتميز عن الطوائف الأخرى، ومفاهيمها التي بها يُوَضَّحُ طريقُ تَشْخِيصِ أمراضِ الأمةِ، وَسُبُلُ معالجتها، ثُمَّ النهوضِ بها. وَمَنْ رَأَى فِي هَذَا الْكِتَابِ شَيْئًا فَلْيَتَدَبَّرْ قَبْلَ أَنْ يَتَعَجَّلَ، وَلْيَسْتَفْصِلْ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، وَلْيَنْصَحْ قَبْلَ أَنْ يَفْضَحَ، وَمَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَقَدِ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ. ولقد ذكرتُ سِرَّ كثرة استشهادي بأقوال الداعية سيد قطب ﵀ في الجزء الأول، فَلْتُرَاجَعْ.

стр. 10

واللهَ أسألُ أن ينفع به، وأن يجعله خالصًا لوجهه .. وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، وما كان من صواب فمن توفيق الرحمن، وصلى الله وسلم على النبي المختار، وعلى آله وصحبه البررة الأخيار، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم القرار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتبه عدنان بن محمد آل عرعور

стр. 11

مباحث هذا الجزء - المقدمة. - من صفات الطائفة المنصورة. الأولى: صفة الاستمرارية. الثانية: صفة الاجتماع على التوحيد والمنهاج، والمفارقة عليها. الثالثة: صفة الشمولية. - من مفاهيم الطائفة المنصورة. الأول: كل ما أصابنا فَبِمَا كسبتْ أيدينا. الثاني: تغيير واقعنا إنما يكون بتغيير ما بنفوسنا. الثالث: تربية الفرد ووحدة الصف قبل مناجزة العدو. - خلاصة ما في الأجزاء السابقة.

стр. 12

مِنْ صِفَاتِ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ النَّاجِيَةِ اعلم -هداني الله وإياك- أنه كما للطائفة المنصورة أصول تتبناها، وقواعد تعمل بمقتضاها، فإن لها كذلك صفاتٍ تُعْرَفُ بها، وسماتٍ تُمَيِّزُهَا عن تلك الطوائف المنحرفة التي حَكَمَ عليها رسول الله ﷺ بالضلال في الدنيا، والعذاب بالنار يوم القيامة، أعاذنا الله وإياكم منها. وأهم هذه الصفات:

стр. 13

الصفة الأولى من صفات الطائفة المنصورة: صفة الاستمرارية اعلم أن أول صفة تتميز بها الطائفة المنصورة عن الطوائف الضالة الأخرى هي صفة ((الاستمرارية)). أي: إن الطائفة المنصورة مستمرة بوجودها، ومقوماتها، وأصولها، ودعوتها، ومنهجها، ورجالها، من لدن رسول الله ﷺ إلى ساعتنا هذه، بل إلى يوم القيامة (١). ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ففي قوله تعالى: ((السابقون الأولون)) إشارة إلى تاريخ بدء هذه الجماعة، وإلى أنها أُنَاسٌ، لا منهج مجرد.

стр. 14

وفي قوله تعالى: ((والذين اتبعوهم)) إشارة إلى استمرارية هذا الوجود، وعموميته، وعدم انقطاعه، وأن ثمة رجالًا مستمرون على هذا السبيل، وأن قِوَامَ هذا الاستمرار هو الاتباع ((اتَّبَعُوهُمْ)). فإذا فُقِدَ حَمَلَة المنهج، أو انعدم شرط الاتباع، فَقَدَتِ الجماعة هذه الصفة؛ وبالتالي فليست هي الطائفة المنصورة. من السنة: ويؤيد هذا ويوضحه قوله ﷺ : ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)) (١). ففي قوله ﷺ : ((لا تزال)) دلالة واضحة، وَبَيِّنَةٌ ناصعة، على صفة ((الاستمرارية)) للطائفة المنصورة. وفي قوله ﷺ : ((طائفة)) دليل على وجود الجماعة التي تَنْصُرُ قَتُنْصَرُ، وهي بمنزلة السند في الحديث، وهم كالسلسلة، تأخذ كلُّ حلقة بعنق أختها، بلا انقطاع زمني، ولا انفصال بشري. وفي قوله ﷺ : ((ظاهرين على الحق)) دليل على وجود المنهاج، والقيام بأمره، قولًا وعملًا، حركةً ورسمًا. قال شيخ الإسلام: ((لَكِنَّ أهلَ السنة يَبْقَوْنَ، ويبقى ذِكْرُهُمْ، وأهل البدعة يموتون، ويموت ذكرهم)) (٢).

стр. 15

وإذن؛ فالطائفة المنصورة الناجية هي منهج، ومقومات، وجماعة، ورجالات، تقوم على هذا المنهج، وتستمسك بتلك المقومات، وهي ظاهرة على هذا، عقيدةً ومسلكًا، شريعةً، وخلقًا، وجهادًا بالقول، واللسان، والعمل، والسِّنَانِ، فتارة هذا، وتارة ذاك، حسب الظروف، والأحوال، ومقتضى الشريعة الْغَرَّاءِ. وهكذا كان رسول الله ﷺ وأصحابه .. تارة يجاهدون بالقرآن: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]. وتارة بالدعوة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. وتارة بالسِّنَانِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. وبناء على هذه الصفة -صفة الاستمرارية- فإن أَيَّ جماعة نشأت بعد رسول الله ﷺ بمنهج، أو تحزب، أو سياسة، أو تَفَرُّقٍ، أو خرجت عن الجماعة الأم بعقيدة، أو فكر، أو بابتداع، أو منهج، فهي جماعة مقطوعة السند، غير ناجية المآل؛ إذ لم يتحقق فيها شروط صحة السند، وهي: ((نقل العدل الضابط، عن العدل الضابط، إلى منتهاه، من غير شذوذ، ولا علة)). فلا بُدَّ من أن يكون في أول السند الصحابةُ -رضوان الله عليهم- ثم في الطبقة الثانية التابعون من بعدهم، وهكذا إلى يومنا هذا .. جِيلٌ عَنْ جِيلٍ. وفي حال إنشاء جماعة جديدة، بفكر جديد، أو منهاج جديد، أو رسم جديد، فالسند -والحال هذه- مرسل، منقطع، والطائفة هذه فاقدة لصفة الاستمرارية التي هي الفارق الأكبر، والميزة العظمى، فهي-إذن- ليست منصورة، ولا ناجية. وانقطاع السند يؤدي إلى انحراف في المتن والمنهج، وهو ما يسميه

стр. 16

الْمُحَدِّثُونَ: الشذوذَ والنكارةَ. وهكذا كان شأن الطوائف التي خرجت عن الجماعة الأم، من خوارجَ، ومعتزلة، وغيرهم .. إنما ضَلُّوا لشذوذهم عن الصحابة، ولنكارة ما أحدثوه من فكر، وطرق. وَكُلَّمَا طال الزمن زاد الانحراف، وازداد الضلال، كَضِلْعَيِ الزاوية تمامًا، كُلَّمَا امتدا [ابْتَعَدَ أَحَدُهُمَا عن الآخر]، كما سبق بيانه. وكذلك كل طائفة انقرضت وانتهت، أو انقطع نَسْلُهَا، وبارت رجالها، فهي مُعَلَّقَةُ السند، وَمِنْ ثَمَّ فهي جماعة مبتورةُ الأثر، غير ناجية المآل، ولو أعاد سيرتها رجال بعد ذلك؛ لأنها فَقَدَتْ حلقاتٍ في سندها، وبذلك فَقَدَتْ صفة الاستمرارية التي هي شرطٌ في الجماعة الناجية. والحقيقة: أن هذه الصفة -صفة الاستمرارية- من أبرز صفات الطائفة المنصورة تمييزًا لها عن الطوائف الهالكة، أو الطوائف النابتة. إذ بسهولة ولأول وَهْلَةٍ يدرك المرء العاقل بهذه الصفةِ الطائفةَ الناجيةَ من غيرها، فهو يدرك أن الطائفة التي تُقِرُّ أنها تأسست منذ كذا وكذا، وأن مؤسسها فلان، هي طائفة حَكَمَتْ على نفسها، وشهدت بلسان مقالها وفعالها، أنها لا تتصف بصفة الاستمرارية التي هي من أهم صفات الطائفة المنصورة ومميزاتها على الطوائف الضالة، ذلك بأن الطائفة الناجية لا مؤسس لها إلا رسول الله ﷺ .

стр. 17

فلا تأسيس للطائفة المنصورة مُحْدَثٌ بعد التأسيس الأول، ولا فِكْرَ لها جديد، ولا عقيدة مبتدعة، ولا منهج لها مخترع. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ((اتبعوا ولا تبتدعوا فَقَدْ كُفِيتُمْ، عليكم بالأمر العتيق)) (١)، أي: الأول الأصيل. فاللهم هداك.

стр. 18

الصفة الثانية للطائفة المنصورة: الاجتماع على التوحيد والمنهاج، والمفارقة عليهما فالطائفة المنصورة لا تجتمع على أساس إلا أساس التوحيد والمنهاج، ولا تفارق الناسَ إلا عليهما. فلا يكون أُسُّ اجتماعها، ولا محور عملها، على فقه، ولا زهد، ولا سنة، ولا واجب، ولا سياسة، ولا جهاد، ولا رمز، ولا نسب، ولا تفترق لخلاف في سنة، أو واجب، أو مكروه، أو محرم، أو رجل، أو حسب، أو نزعات شخصية، أو خلافات إدارية، أو مواقف سياسية. والمقصود بالاجتماع ههنا أن لا يكون أساس اجتماعها إلا على هذا، وَإِلَّا فالاجتماع على هذه الأمور الشرعية، والتعاون عليها، واجب معروف، وإنما يكون التوحيد ((العقيدة)) أساسها، والمنهج محورها، والإسلام إطارها، وطريق الطائفة المنصورة طريقها. والمقصود بكون التوحيد أساسًا لها، والمنهج محورها، أي: لا تقبل في صفوفها إلا الموحدين، ولا تبدأ دعوتها إلا بالتوحيد، ولا تربي أتباعها إلا على الإيمان والتوحيد، ولا تسير إلا على منهاج عندها، فيه من الله برهان، ولا برهان إلا على منهج أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن تبعهم بإحسان. فعليهما تجتمع، وفيهما تفارق، وعليهما توالي، وفيهما تعادي.

стр. 19

هكذا فعل رسول الله ﷺ في مكة، وهكذا دعا ... دعا ثلاثة عشر عامًا إلى التوحيد، والأخلاق، وشيء من العبادة، يجمع الناس على التوحيد، ويفرقهم عليه، حتى وصفته الملائكة أنه ((فرق بين الناس)) (١). آصرة التجمع: قال سيد ﵀: ((وَمِنْ ثَمَّ لم يكن بُدٌّ أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام -أي: العقيدة- (٢) في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى، تستهدف رَدَّ الناس إلى ألوهية الله وحده ... ربوبيته، وقوامته، وحاكميته، وسلطانه، وشريعته ... )). ثم قال: ((وبعد: فإن الإسلام وهو يبني الأمة المسلمة على هذه القاعدة، وفق هذا المنهج ... يجعل آصرة التجمع هي العقيدة)). وقال: ((لأن وجود المجتمع المسلم لا يتحقق إلا بهذا)) (٣). ثم ماذا ؟ ثم بعد ذلك يُجْتَمَعُ على العلم، والعمل، والعبادة، والسياسة، والجهاد، والزهد، كُلٌّ حسب ترتيبه الشرعي، وكلٌّ حسب اختصاصه. فهي تعطي كل ذي حق حقه، وكل ذي حكم حكمه، من حيث الأهمية، والأولوية، والترتيب.

стр. 20

ففي حديث معاذ ﵁ حين أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن .. أرسله داعية، ومعلمًا، وَرَتَّبَ له الأولوياتِ، وَبَيَّنَ له الطريقة الْمُثْلَى في تجميع الناس، ودعوتهم، فقال له ﷺ : ((إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فَإِنْ هُمْ أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فَإِنْ هُمْ أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤْخَذُ من أغنيائهم، فَتُرَدُّ في فقرائهم، فَإِنْ هُمْ أطاعوا لذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، وَاتَّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) (١). فجعل ﷺ الأولوية التي ليس قبلها ولا بعدها أولوية هي ((التوحيد))، ثم القيام بالعبادات، وهو ما يُعَبَّرُ عنه بـ: تصحيح العقائد، وإصلاح العبادات. التوازن المطلوب: إن على المسلم العاقل المتزن أن يراعي القواعد الدينية في الإيمان، والعمل، والدعوة، والمنهج .. فلا يقدِّم الفروع عل الأصول، ولا العبادات على الإيمانيات، ولا الجزئيات على الكليات، بل يُعطى كل ذي حق حقه، حسب منهج الأنبياء في ذلك. ومعظم الناس في هذا -للأسف الشديد- على غير هُدًى: فمنهم من لا يفرق بَيْنَ أصل عقدي أو منهجي وَبَيْنَ خلاف فقهي، ولا يفرق بين ركن وسنة، ولا بين صغيرة وكبيرة، ولا كلية ولا جزئية، فمنهم من يفرط بالتوحيد على حساب التجميع، وبعضهم يتفرقون في سنة،

стр. 21

ويتهاجرون في خلاف معتبر، وآخرون يفسدون الأخوة بحزبية مصنوعة، أو عصبية ممقوتة لرجل، أو بلد، أو ... يوالون على هذا، ويعادون عليه، غير مبالين بالأولويات، وبمنازل الأحكام التي قررها الشرع، فاقدين بذلك التوازنَ الشرعي المطلوب .. نسأل الله الهداية والسلام. عِلَّةٌ موهومة: لَمَّا عَبَدَ بنو إسرائيل العجلَ، وجاءهم موسى ﷺ ، وأخذ بلحية أخيه، اعتذر له هارون قائلًا: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]. وكان رأي هارون ﵊ أن يترك بني إسرائيل على ما هُمْ عليه من عبادة العجل، انتظارَ رأي موسى ﵊ وخشية أن يُفَرِّقَ بين بني إسرائيل، فعاتبه موسى أشد الْعَتَبِ، فإن تفريقَ الناس بالتوحيد خيرٌ من بقائهم على الشرك مجتمعين. وهذه هي العلة نفسها التي يتعلل بها كثير من الناس اليوم. لا تفرق على سنة أو واجب: وأما دليل عدم الاختلاف والتفرق على السنن والواجبات فهو ما كان يحدث من خلاف بين الصحابة في مِثْلِ هذه المسائل، فكانوا لا يتنازعون فيها، ولا يتفرقون لأجلها، ولا يوالون ولا يعادون عليها، فقد اختلف الصحابة -رضوان الله عليهم- في غزوة بني قريظة في واجب

стр. 22

من أعظم الواجبات، أَلَا وهو الصلاة ووقتها، واختلفوا في موجبات الوضوء، وفي الفرائض، ومع ذلك كله لم يتفرقوا. واختلفوا في الْحَجَّاجِ، في إيمانه وكفره، وفي حكم الخروج عليه .. واختلفوا في غلاة القدرية، في كفرهم وإيمانهم، وفي حكم الخروج على أئمتهم .. وَعَزَلَ السلف بعضهم بعضًا عن الولايات، ومع ذلك كله لم يتقاطعوا، ولم يُشَهِّرْ بعضهم ببعض. وتنازعوا في فَهْمِ بعض الآيات، فقال لهم ﷺ : ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا)) (١). واختلفوا في قضايا كثيرة، ومع هذا كله لم يَرْمِ أحدُ الطرفين الآخرَ بالابتداع، ولا نسبوا بعضهم لفرق الضلال، ولا تفرقوا لذلك، وقاعدتهم العظيمة في ذلك: إذا حَسُنَتِ النيات، وَصَحَّ التأصيل، فلا مُشَاحَّةَ في التمثيل. وهذا كله لا ينافي البحث العلمي، والتحقيق الفقهي، الذي يأخذ الراجح، ويرد المرجوح، ويبين الخطأ من الصواب، ضمن الإطار الأخوي، وفي دائرة التناصح، تحت ظل الكتاب والسنة، وَفَهْمِ السلف. وجوب المفارقة: وأما دليل المفارقة على المنهاج فما كان عليه سلفنا الصالح من الصحابة وأتباعهم من مفارقة من خالفهم في المنهاج، فضلًا عن العقيدة، والتبرؤ منهم على رءوس الأشهاد .. وقد ذكرنا في الفصول السابقة ما يغني عن التكرار؛ كتبرئهم

стр. 23

من الخوارج، والمعتزلة، والقدرية. وبهذه الصفة -صفة الاجتماع على التوحيد والمنهاج، والتفرق عليهما- يدرك العاقل: من هي الجماعة التي اتصفت بهذه الصفة ؟ آلتي آلت على نفسها الدعوة للتوحيد ومنهج السلف، والانتصار لهما، أم التي أُسُّهَا: جَمِّعْ جَمِّعْ .. فلا يضرُّها أن تجمع في صفوفها من يقع في شرك الألوهية، من عبادة الأولياء، والقبور، أو مداهنة الكفر والطاغوت؟ ؟ ! ! ولا تُفَرِّقُ بين مَنْ ينكر صفات الله ؛ كالعلو، والوجه، وغير ذلك من صفات الخالق سبحانه، وَبَيْنَ مَنْ وَجَّهَ وَجْهَهُ للذي فطر السماوات والأرض بصفاته التي أثبتها، وأسمائه التي ذكرها، كل ذلك عندهم سواء! ! وهل هي التي منهاجها منهاج أبي بكر وعمر؟ أم التي اخترعت منهاجًا من بنات أفكارها، ورسمت طريقًا من آراء قادتها؟ ! فتجد في صفوفها من يلعن أبا بكر وعمر، بل ويكفرهما .. وتجد فيها المعتزلي الذي يَرُدُّ النصوص بعقله، وفيها من ينادي بالتآخي بين الأديان السماوية، وفيهم من يشارك الطاغوت في الحكم والظلم. كل ذلك بدعوى تجميع المسلمين، وتكثير سوادهم! ! وهذه هي الغثائية التي حَذَّرَ منها رسول الله ﷺ ، والتي كانت وراء نكبات المسلمين. ((توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: مِنْ قِلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم

стр. 24

الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حُبُّ الدنيا، وكراهية الموت)) (١). فالجماعة التي اتصفت بهذه الصفة هي الجماعة التي تَجِدُ جميعَ أفرادها على عقيدة الصحابة، وعلى منهج واحد، هو منهج السلف، في أي زمان كانوا، وفي أي مكان وُجِدُوا، لا تَتَلَوَّنُ عقيدتهم حسب الزمان، ولا يتبدل منهجهم حسب المكان. من صفات المخالفين: ويخرج من صفة الطائفة المنصورة هذه -الاجتماع على التوحيد والمنهاج، والافتراق عليهما- كُلُّ مَنْ تَجَمَّعَ على فكر معين، أو تحزب على رجل معين، أو على بلد معين، أو على نسب معين، يجتمعون عليه، ويفترقون عليه .. وهؤلاء الذين يكون أُسُّ تجمعهم على جزء من الدين؛ كالفقه، أو السياسة، أو الجهاد، سرعان ما يذوبون إذا ما انتهى محور تجمعهم، وكم من جماعة فَشِلَتْ إذا فَشِلَ قائدها، وكم من جماعة انتهت إذا ما انتهى مُؤَسِّسُهَا. قال شيخ الإسلام ﵀: ((ليس لأحد أن يُنَصِّبَ للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غير النبي ﷺ ، ولا ينصِّب لهم كلامًا يوالي عليه، ويعادي عليه، غير كلام الله ورسوله ﷺ ، وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا مِنْ فِعْلِ أهل البدع الذين

стр. 25

يُنَصِّبُونَ له شخصًا، أو كلامًا، يفرقون به بين الأمة)) (١). وقال ﵀: ((كُلُّ ما خرج عن دعوى الإسلام، والقرآن، من نسب، أو بلد، أو جنس، أو مذهب، أو طريقة، فهو من عزاء الجاهلية)) (٢). ومعنى قوله: ((يجتمعون عليه)): أي: مَنْ سَلَّمَ لهم بفكر صاحبهم ومذهبه؛ جمعوه معهم، وَعَدُّوهُ منهم، ولو كان على ما كان عليه من المخالفات الشرعية؛ كترك بعض الواجبات، بل حتى لو خالف في كل شيء غير فكر صاحبهم؛ كمخالفته للعقيدة الصحيحة، أو المنهاج القويم .. فالمهم عندهم أن يلتقي معهم على فكر صاحبهم. ومعنى قوله: ((يفترقون عليه)): أي: إذا خالف المرء قائدهم، أو زعيمهم؛ فارقوه، ومن صفوفهم فصلوه، ولو كانت مخالفته بناء على أدلة شرعية، وكان من أعلم العلماء، واتقى الصلحاء. ومن غريب صفات المخالفين للطائفة المنصورة في هذه الصفة اختلافهم فيما بينهم في العقيدة، والمنهج، فتجد عقائدهم تَتَلَوَّنُ بِتَلَوُّنِ البلدان، ومناهجهم تتغير بتغيير السلطان، ففي بلد تجد هذه الجماعة تحارب حزبًا معينًا، وفي الوقت عَيْنِهِ تجد هذه الجماعة نفسها تحالف أو تثني على الحزب نفسه في بلد آخر، وعقيدته واحدة، وضلاله واحد، فما الذي يجمعهم إذن؟ !

стр. 26

وباختصار: يخرج من صفة الطائفة المنصورة هذه كُلُّ من تجمع على غير عقيدة السلف ومنهاجهم، كأن يجتمعوا على السياسة، أو على إسقاط حاكم، أو على رجل، أو على جهاد فحسب، أو على أي أمر آخر. والله المستعان، وإليه ترجع الأمور.

стр. 27

الصفة الثالثة: الشمولية الدعوية إن من أبرز صفات الطائفة الناجية التي تميزها عن غيرها من الطوائف شمولُ دعوتها إلى الإسلام الناسَ كافة. فالطائفة الناجية هي التي تشمل دعوتُهَا كلَّ عباد الله، فلا تخص طبقة دون طبقة، ولا فئة دون فئة، هكذا كانت دعوة الرسل، وهكذا كانت دعوة رسولنا ﷺ ، تشمل الغني والفقير، والعظيم والصعلوك، والشريف والوضيع، والكبير والصغير، والبر والفاجر، والحر والعبد، والبدوي والحضري، والعربي والعجمي، والرجال والنساء، والشيوخ والولدان. وعلى تعبير إخواننا المعاصرين: تشمل المثقف والعامي، والمتعلم والجاهل، والجامعي والشارعي (١)، والموظف والعامل، والمدني والعسكري، فهؤلاء كلهم كانوا يجلسون عند رسول الله ﷺ في مجلس واحد، لا يفرق بينهم نسب، ولا منزلة، ولا علم، ولا جاه، ولا غنى، ولا فقر، ولا بلد، ولا مصر، ولا حزبية ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].

стр. 28

فكان أشرف الناس بعد رسول الله ﷺ ، بل بعد الأنبياء؛ أبو بكر الحر الشريف العربي يجلس بجوار بلال العبد الحبشي، وبجوار الغلام ابن عباس ﵃ جميعًا. وكان أشد الناس في الله عمر ﵁ يجلس مع أضعف الناس. وكان أتقى الناس بعد رسول الله ﷺ من مثل العشرة المبشرين بالجنة- يجلس مع مَنْ وقع منهم الكبائر؛ كحاطب، إذ تجسس على المسلمين .. وماعز، إذ زنى .. وابن نعيمان، إذ شرب الخمر. وكان أذكى الناس يجلس مع من لم يقدر معلمُ البشرية ﷺ أن يُعَلِّمَهُ الفاتحة (١)، رضي الله عن الجميع. من أدلة ذلك: قصة ابن أم مكتوم الأعمى ﵁، وهي أشهر من أن تُذْكَرَ، وهو الذي نزل في حقه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ..... أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلَّا﴾ [عبس: ١ - ١١]. أي: الذي أعرض عن الدعوة، وتلقي العلم، واستغنى بما عنده من المال، والجاه، والولد، تُصغي إليه، وتنشغل به عن الذي جاء يطلب العلم، وسعى للهداية! !

стр. 29

قال ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾: ((الوصية في إبلاغ العلم بين شريفهم وخادمهم)). قلتُ: وفي هذا تنبيه عظيم على أن لا ينشغل المسلم بدعوة الكفار إلى الإسلام عن تعليم أدنى المسلمين، وتربيتهم. فكيف بالذي ينشغل بالكلام عن الكفار عن تربية المسلمين، وتعليمهم، بل يستهزئ، ويصد الناس عن ذلك؟ ! ولا يعني هذا عدم معرفة سبيل المجرمين .. فهذا شيء، والانشغال عن تربية المسلمين بالكفار شيء آخر. قال القرطبي: ((﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾: يطلب العلم لله)). ولذلك قال سبحانه بعدها: ((كلَّا)). أي: لا تَعُدْ إلى هذا مرة أخرى، ولا تفرق بين الناس في شأن الدعوة والتبليغ. ومنه تعلم خطأ الذين يتقوقعون بعضهم على بعض، ويغلقون الأبواب على أنفسهم، مخالفين بذلك هدي نبيهم ﷺ . الصد عن العلم سبيل الضالين: وعلى هذا؛ فالذين يصدون الناس عن طلب العلم، وحضور مجالس العلماء، أو يشغلونهم عن ذلك بما لا ينفعهم في دينهم، ودنياهم، وآخرتهم، ليسوا في هذا من الطائفة المنصورة في شيء، بل هم أعداء لها.

стр. 30

فليحذر المسلم أن يكون في صفوفهم؛ حتى لا يصيبه وعيد الله : ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾. قال القرطبي: ((﴿كلَّا﴾: كلمة ردع وزجر، أي: لا تَفْعَلْ بعدها مثلها)) (١). وإذا تأمل العاقلُ حَالَنَا عَرَفَ: كم نعبس في وجوه إخوان لنا من العلماء والدعاة الأتقياء، ولا ذنب لهم إلا أنهم ليسوا في حزبنا، ولم ينتسبوا إلى طائفتنا، ويا ليت المسألة تنتهي إلى حد العبوس، إذن لهان الخطب، وسهل الأمر، ولكنها تجاوزت حد البهتان والافتراء. وكم نحن نخص دعوتنا بأناس دون أناس، وبطبقة دون طبقة، مخالفين بذلك كتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. وما نعلم نبيًّا من أنبياء الله خَصَّصَ دعوته، أو علمه، بأناس من قومه دون آخرين، ولا فَعَلَ هذا أصحابه -رضوان الله عليهم- عندما فتحوا البلاد، وهدى الله على أيديهم العباد، وَلَمَّا طلب كفار قريش تخصيصَ مجلس لهم دون المساكين، أنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وفي صحيح مسلم: أن أبا الطفيل قال: ((كنت عند علي بن أبي طالب،

стр. 31

فأتاه رجل فقال: ما كان النبي ﷺ يُسِرُّ إليك؟ [وفي رواية: ((أَخَصَّكُمْ رسول الله ﷺ بشيء))؟ ] قال: فغضب، وقال: ما كان النبي ﷺ يُسِرُّ إِلَيَّ شيئًا يكتمه الناس [وفي رواية: ((ما خَصَّنَا رسول الله ﷺ بشيء لم يَعُمَّ الناس كافة))]، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، قال: فقال: ما هُنَّ يا أمير المؤمنين؟ قال: قال: ((لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى مُحْدِثًا، ولعن الله من غَيَّرَ المنار)) (١). بل حَذَّرَ رسول الله ﷺ من الوليمة المخصصة بطبقة دون طبقة، فقال: ((شَرُّ الطعام طعامُ الوليمة يُدْعَى إليها الأغنياء، ويُترك المساكين)) (٢). هذا حكم مَنْ خَصَّ بطعامه طبقة دون طبقة، فكيف بمن يخصص دعوة، أو علمًا بقوم دون قوم؟ ! إن الحزبية مرفوضة في دين الله حتى في الطعام، وحتى في القرآن. لا تَسْوِيغَ مع النص: واعلم أننا مهما قَدَّمْنَا من مسوغات، وتأويلات، وأعذار في جواز التخصيص، فلن تكون هذه الأعذار مقبولة؛ ذلك لأنه ما خالف مخالفٌ إلا سَوَّغَ واعتذر.

стр. 32

فما خالف آدم إلا وله تأويل: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]. وما خالف أصحاب أُحُدٍ -إذ خالفوا- إلا ولهم مُسَوِّغٌ يرونه. وما حصل من إراقة دماء مئات الألوف من المسلمين، وتيتم أطفالهم، من لدن صدر الإسلام إلى قتال الأفغانين والصوماليين بعضهم بعضًا، إلا بمسوغات وتأويلات .. فليحذر الذين يخصصون دعوتهم، ويغلقون أبوابهم بتأولات دون تأولات آدم ﵇ بكثير، وأعذار دون أعذار سيد الخلق ﷺ فيما عاتبه فيه ربه، وقد نزل من القرآن في معاتبته، وهو أسدُّ الناس رأيًا، وأخلصهم نية، وأقومهم سبيلًا ﷺ . ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ... ﴾. ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]. ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. [الأنفال: ٦٨]. وإذا كان هذا في حقه ﷺ إذ اجتهد ولم يُصِبْ ما يريده الله .. وإذا كان ذلك في حق أصحابه، وأعذارُهُمْ أعذارٌ شرعية واضحة بَيِّنَةٌ .. فما ندري ما يُنزل ربنا ونحن نتعمد المخالفة بأعذار هي نفسها أعذار قبيحة، وذنوب واضحة، ومبررات باطلة؛ كالحزبية، والسرية، والتنظيم، والبلدية، والطبقية العلمية (١)،

стр. 33

وغير ذلك! ! ! مع التنبيه على أن اجتهاده ﷺ وأصحابه إنما كان في غياب النص، ونتائج الاجتهاد نتائج ظاهرها خير، واجتهادات بعض أهل زماننا -إن كان أهلًا للاجتهاد- فضلًا عن أنها مخالفة للنصوص، فنتائجها ظاهرها وباطنها الفساد والشر؛ لأنها سَبَّبَتِ الخلاف بين الأمة، والشقاق بين المسلمين، والنكبات التي حَلَّتْ في ديارهم. ولا يستبعد أن يكون من أسباب الكوارث التي حَلَّتْ ببعض الجماعات الإسلامية تلك المخالفات التي يرتكبونها باسم الحزبية، وباسم مصلحة الدعوة، وباسم الاجتهاد، وغير ذلك. وأخيرًا: إن شمول الدعوة الناسَ جميعًا، على مختلف انتماءاتهم، ومستوياتهم، هو من صفات الطائفة المنصورة، وإن التخصيص باطل، وهو نوع من الحزبية المرفوضة. وعليه؛ فإن الجماعة أو الطائفة التي تخصص دعوتها في صعيد دون صعيد، وفي طبقة على حساب طبقة، وتحجر الدعوة، وتغلق على نفسها الأبواب، ليست في هذا من الطائفة المنصورة في شيء. والله الهادي سواء السبيل.

стр. 34

من مفاهيم الطافة المنصورة لا شك أن ما قُدِّمَ من الأصول والصفات، أمره معلوم .. فالأصل: ما تُبْنَى عليه الجماعة، والخلل به خَلَلٌ في الجماعة. والصفة: هي ما تُمَيَّزُ به الجماعة المنصورة عن غيرها. وأما المفهوم: فهو ما يُفهم من الكتاب والسنة في تحليل الأحداث، وإصلاح الواقع، وتغييره، وسبل النهوض بالأمة. وهذه التسميات والاصطلاحات إنما هي لأجل التسهيل والدراسة، وإلا فهي عناصر مترابطة، وقواعد متشابكة متداخلة، مَبْنِيٌّ بعضها على بعض، لا تكاد تستطيع أن تُفَرِّقَ بينها، ولا أن تجد حدودًا فاصلة تَحُدُّهَا. واعلم أنه لا مُشَاحَّةَ في الأسماء والاصطلاحات -كما يقولون- بشرط أن يكون المضمون صحيحًا، والتقرير سليمًا، والأدلة مستوفاة.

стр. 35

المفهوم الأول: كل ما أصابنا فبما كسبت أيدينا اعلم -رحمنا الله وإياك- أن كلَّ ما أصابنا، وما يصيبنا، وما سيصيبنا من مصائب، وكوارث، وفقر، وجوع، وذل، وظلم، وهزائم، وسجون، وقهر، واحتلال، ونهب لأموالنا، وهدم لديارنا، وفشل في رَدِّ كيد أعدائنا، إنما هو كُلُّهُ بما كسبت أيدينا، ومن تقصيرنا في حق ربنا، ومن إعراضنا عن العمل بشريعة ديننا. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ... ﴾ [الشورى: ٣٠]. ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. قال جمهور السلف: ((من نفسك: بذنبك)). وقال قتادة: ((عقوبة لك يا ابن آدم بذنبك)) (١). ومجيء ((مصيبة)) و ((سيئة)) نكرة في سياق النفي تفيد عموم المعصية، وعموم السيئة، بلا استثناء، صغيرةً كانت أو كبيرة، خارجيًّا كان مصدرها أو داخليًّا.

стр. 36

قال ﷺ : ((ما اختلج عرق ولا عين إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر)) (١). وما حصل في أُحُدٍ من هزيمة عُلِّقَ بما كسبت أيدي المؤمنين. قال تعالى: ﴿ ... حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾. [آل عمران: ١٥٢]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. [آل عمران: ١٦٥]. وما حدث في حُنَيْنٍ من التولي أُنِيطَ بما كسبت أيديهم. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]. كيف يكون الجزاء ؟ ؟ ! ! هل ينزل ملائكة من السماء تجلد؟ ! كلَّا .. إنه المرض، والجوع، والتشريد، والتقتيل على أيدي الأعداء، وغير ذلك مما نراه قد نزل على الساحة الإسلامية. قال ﷺ : ((المصائب، والأمراض، والأحزان، في الدنيا جزاء)) (٢).

стр. 37

وقال ﷺ : ((خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلِّطَ عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا مُنعوا النبات، وأُخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حُبس عنهم القطر)) (١). التحليل الصحيح: وَلَمَّا هَدَمَ اللهُ سَدَّ مأرب لم يُرْجِعْ ذلك إلى الأسباب المادية رغم وجودها (٢)، بل جعل سبب ذلك إعراضهم عن دينهم، وظلمهم أنفسهم، وأناط الفعل بنفسه؛ ليؤكد سبحانه أنه هو الذي فَعَلَ بهم هذا، لا الأسباب المادية البحتة. قال سبحانه: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦]. ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٩]. وكذلك لَمَّا هُزِمَ المسلمون في أُحُدٍ، وفي أولِ معركةِ حُنَيْنٍ، لم يُرْجِعِ الله ذلك إلى أسباب عسكرية، رغم وجودها، ولكنه -سبحانه- أَرْجَعَ ذلك إلى ما كسبت أيديهم. ولو أردنا تتبع ((الباء السببية)) في عقوبة الخلق في كتاب الله تعالى، لطال بنا المقام، والعاقل يكفيه الدليل، والدليلان.

стр. 38

أما المعاند فلو جئتَه بمائة دليل لَأَوَّلَ النصوص، ولوى أعناقها، وحرَّف المقصود، كما فعلت يهود من قبل. ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. لوازم هذا المفهوم: وبناء على هذا المفهوم المهم؛ كان أفراد الطائفة المنصورة الأولى يُرْجِعُونَ كُلَّ مصائبهم، وهمومهم، وأمراضهم الفردية والجماعية، إلى ما كسبت أيديهم. حتى إذا شاكت أحدهم شوكة، أو أصابته سَعْلَةٌ، أرجع ذلك إلى ذنب فعله، أو إثم اقترفه؛ عملًا بقوله ﷺ : ((لا يصيب رجلًا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر)) (١). قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ... ﴾ الآية [النور: ٦٣]: ((أي: عن أمر رسول الله ﷺ ، وهو سبيله، ومنهاجه، وطريقته، وسننه، وشريعته ... ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]: أي: في الدنيا، بتقتيل، أو حَدٍّ، أو حَبْسٍ، أو نحو ذلك)) (٢).

стр. 39

ومن روائع لفتات ابن عباس ﵁ في التفسير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]: قال: ((أما العذاب من فوقكم فأئمة السوء، وأما العذاب من تحت أرجلكم فَخَدَمُ السوء، وفي رواية: سفلتكم)) (١). وقال ابن خيرة -وكان من أصحاب علي ﵁: ((جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللذة، قيل: وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها)) (٢). وذكر ابن الجوزي: ((أن رجلًا نظر إلى غلام نصراني حسن الوجه، فقال له الإمام أحمد: أَيْشِ وقوفك هنا؟ قال: يا عَمِّ تُرى هذه الصورة تُعَذَّبُ في النار؟ فضرب بيده بين كتفيه، وقال: لَتَجِدَنَّ غِبَّهَا، ولو بعد حين، فقلت: فوجدت غِبَّهَا بعد أربعين سنة، أُنْسِيتُ القرآن)) (٣). هل للمعاصي أثر خفي: ومما يلفت النظر حقًّا، ويستدعي التأمل والدراسة، ما للذنوب من أثر عميق في النفوس، والمجتمع، والأمة،

стр. 40

إذ إن لها أثرًا خفيًّا، وَسُمًّا ناقعًا، يُفسد الأخوة، والناس لا يشعرون .. وتفرق الصف، والناس لا يعلمون. ومن غريب أثر المعاصي الخطير، وسريان سُمِّهَا الخفي، وخبث كيدها القوي، ما أشار إليه رسول الله ﷺ بحديثين جديرين بالتأمل: الأول: قوله ﷺ : ((نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فَسَوَّدَتْهُ خطايا بني آدم)) (١). الثاني: قوله ﷺ : ((ما تواد اثنان في الله، فيفرق بينهما، إلا بذنب يُحْدِثُهُ أحدهما)) (٢). وفي هذا الصدد -صدد أثر الذنوب- ذهب الإسلام أبعد مما ذكرنا .. ذهب إلى إناطة بعض الحوادث الكونية بما كسبت أيدي الناس، وأن الله إنما يرسلها تخويفًا لعباده وتحذيرًا ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾؛ ولذلك كان الرسول ﷺ يضطرب إذا حَدَثَ الكسوف، ويخاف إذا هَبَّتِ الريح، ويفزع إلى الصلاة والدعاء، ويأمر بهما، وبالصدقة، ويقول ﷺ : ((إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، ولكنهما من آيات الله، يخوف الله بهما عباده)) (٣).
следующие страницы →