قال ﷺ :
((ما اختلج عرق ولا عين إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر)) (١).
وما حصل في أُحُدٍ من هزيمة عُلِّقَ بما كسبت أيدي المؤمنين.
قال تعالى: ﴿ ... حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾. [آل عمران: ١٥٢].
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. [آل عمران: ١٦٥].
وما حدث في حُنَيْنٍ من التولي أُنِيطَ بما كسبت أيديهم.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
كيف يكون الجزاء ؟ ؟ ! !
هل ينزل ملائكة من السماء تجلد؟ !
كلَّا .. إنه المرض، والجوع، والتشريد، والتقتيل على أيدي الأعداء، وغير ذلك مما نراه قد نزل على الساحة الإسلامية.
قال ﷺ :
((المصائب، والأمراض، والأحزان، في الدنيا جزاء)) (٢).
стр. 37
وقال ﷺ :
((خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلِّطَ عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا مُنعوا النبات، وأُخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حُبس عنهم القطر)) (١).
التحليل الصحيح:
وَلَمَّا هَدَمَ اللهُ سَدَّ مأرب لم يُرْجِعْ ذلك إلى الأسباب المادية رغم وجودها (٢)، بل جعل سبب ذلك إعراضهم عن دينهم، وظلمهم أنفسهم، وأناط الفعل بنفسه؛ ليؤكد سبحانه أنه هو الذي فَعَلَ بهم هذا، لا الأسباب المادية البحتة.
قال سبحانه: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦].
﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٩].
وكذلك لَمَّا هُزِمَ المسلمون في أُحُدٍ، وفي أولِ معركةِ حُنَيْنٍ، لم يُرْجِعِ الله ذلك إلى أسباب عسكرية، رغم وجودها، ولكنه -سبحانه- أَرْجَعَ ذلك إلى ما كسبت أيديهم.
ولو أردنا تتبع ((الباء السببية)) في عقوبة الخلق في كتاب الله تعالى، لطال بنا المقام، والعاقل يكفيه الدليل، والدليلان.
стр. 38
أما المعاند فلو جئتَه بمائة دليل لَأَوَّلَ النصوص، ولوى أعناقها، وحرَّف المقصود، كما فعلت يهود من قبل.
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥].
لوازم هذا المفهوم:
وبناء على هذا المفهوم المهم؛ كان أفراد الطائفة المنصورة الأولى يُرْجِعُونَ كُلَّ مصائبهم، وهمومهم، وأمراضهم الفردية والجماعية، إلى ما كسبت أيديهم.
حتى إذا شاكت أحدهم شوكة، أو أصابته سَعْلَةٌ، أرجع ذلك إلى ذنب فعله، أو إثم اقترفه؛ عملًا بقوله ﷺ :
((لا يصيب رجلًا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر)) (١).
قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ... ﴾ الآية [النور: ٦٣]:
((أي: عن أمر رسول الله ﷺ ، وهو سبيله، ومنهاجه، وطريقته، وسننه، وشريعته ...
﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]:
أي: في الدنيا، بتقتيل، أو حَدٍّ، أو حَبْسٍ، أو نحو ذلك)) (٢).
стр. 39
ومن روائع لفتات ابن عباس ﵁ في التفسير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]:
قال: ((أما العذاب من فوقكم فأئمة السوء، وأما العذاب من تحت أرجلكم فَخَدَمُ السوء، وفي رواية: سفلتكم)) (١).
وقال ابن خيرة -وكان من أصحاب علي ﵁: ((جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللذة، قيل: وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها)) (٢).
وذكر ابن الجوزي: ((أن رجلًا نظر إلى غلام نصراني حسن الوجه، فقال له الإمام أحمد: أَيْشِ وقوفك هنا؟ قال: يا عَمِّ تُرى هذه الصورة تُعَذَّبُ في النار؟
فضرب بيده بين كتفيه، وقال: لَتَجِدَنَّ غِبَّهَا، ولو بعد حين، فقلت: فوجدت غِبَّهَا بعد أربعين سنة، أُنْسِيتُ القرآن)) (٣).
هل للمعاصي أثر خفي:
ومما يلفت النظر حقًّا، ويستدعي التأمل والدراسة، ما للذنوب من أثر عميق في النفوس، والمجتمع، والأمة،
стр. 40
إذ إن لها أثرًا خفيًّا، وَسُمًّا ناقعًا، يُفسد الأخوة، والناس لا يشعرون .. وتفرق الصف، والناس لا يعلمون.
ومن غريب أثر المعاصي الخطير، وسريان سُمِّهَا الخفي، وخبث كيدها القوي، ما أشار إليه رسول الله ﷺ بحديثين جديرين بالتأمل:
الأول: قوله ﷺ : ((نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فَسَوَّدَتْهُ خطايا بني آدم)) (١).
الثاني: قوله ﷺ : ((ما تواد اثنان في الله، فيفرق بينهما، إلا بذنب يُحْدِثُهُ أحدهما)) (٢).
وفي هذا الصدد -صدد أثر الذنوب- ذهب الإسلام أبعد مما ذكرنا ..
ذهب إلى إناطة بعض الحوادث الكونية بما كسبت أيدي الناس، وأن الله إنما يرسلها تخويفًا لعباده وتحذيرًا ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾؛ ولذلك كان الرسول ﷺ يضطرب إذا حَدَثَ الكسوف، ويخاف إذا هَبَّتِ الريح، ويفزع إلى الصلاة والدعاء، ويأمر بهما، وبالصدقة، ويقول ﷺ : ((إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، ولكنهما من آيات الله، يخوف الله بهما عباده)) (٣).
стр. 41
واقتدى أصحابه -رضوان الله عليهم- بهذا المفهوم، فَلَمَّا رجفت الكوفة في عهد ابن مسعود، قال: ((يا أيها الناس، إن الله يستعتبكم فأعتبوه)) ..
أي: يطلب أن ترضوه، فافعلوا ما يرضيه، وتجنبوا ما يسخطه.
وزلزلت المدينة على عهد عمر ﵁، فقال: ((أحدثتم .. لئن عادت لَأَفْعَلَنَّ وَأَفْعَلَنَّ)) (١).
واعلم أنه ليس في هذا إنكارٌ للسنن الكونية، ولا جَحْدٌ للأسباب المادية العلمية، ذلك بأن الله هو الذي خلق هذه الأسباب، وَرَتَّبَ عليها أفعالًا؛ كالخسوف، والمطر، والرياح؛ وذلك لتخويفنا، وابتلائنا، والإنعام علينا .. فَتَنَبَّهْ لهذا، ولا يخلطنَّ الشيطانُ عليك الأمرَ؛ ليقذف في القلب شيئًا، فَكُلٌّ من عند الله، وَكُلٌّ من أمر الله ..
فالله هو القائل: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥].
وهو القائل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
واعلم أن الدين لا يمنع من معرفة بعض السنن الكونية؛ كالخسوف، وغيره -قبل حدوثها- إن كان ذلك عن طريق العلم الصحيح، لا عن طريق التكهن، وادعاء معرفة الغيب .. وللمسألة تفصيل ليس ههنا محله.
وأوجز ابن القيم هذا المفهوم -ما أصابنا بما كسبت أيدينا- فقال: ((فَكُلُّ نَقْصٍ، وبلاء، وشر، في الدنيا والآخرة، فَسَبَبُهُ الذنوب، ومخالفة أوامر الرب، فليس في العالم شر قَطُّ، إلا والذنوب وموجبتها)) (٢).
стр. 42
المفهوم المنسي:
ولقد أصبح هذا المفهوم الحق الذي يجب أن نربي عليه جيلَ الصحوة -مفهوم ما أصابنا بما كسبت أيدينا، وما أنعم الله علينا فبفضله ورحمته- عند كثير من الدعاة، والخطباء، والوعاظ، نسيًا منسيًّا، بل راحوا ينكرون على من يؤكد هذا المفهوم، بدعاوى باطلة، وأعذار باردة، لا وزن لها في الكتاب والسنة ..
وكأن هؤلاء الناس لا يفقهون كتاب الله ، بل لا يقرؤونه، ولقد عاب الله على مَنْ لم يدرك هذا المفهوم، ووصفهم بالبلادة، وسوء الفهم.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٨ - ٧٩].
ولفظ ((سيئة)) في الآية نكرة في سياق النفي يفيد العموم، أي: أَيّ سيئة، صغيرة كانت أو كبيرة، فهي بما كسبت يد العبد سببًا، والحسنة من الله فضلًا، والجميع من الله قدرًا، فمن لم يفهم هذا فهو في ((شك، وريبة، وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم)) (١).
стр. 43
هو مفهوم فطري:
إن هذا المفهوم هو مفهوم فطري قبل أن يكون مفهومًا شرعيًّا، فإن الجيوش لا تغلب إلا إذا كانت مهلهلة في تنظيمها، هشة في بنيانها.
وإن الإنسان لا يمرض من الداء فحسب، إلا إذا كان ضعيفًا في مقاومته، عليلًا في بدنه.
وإن السد لا يُهْدَمُ من قوة الماء فحسب، إلا أن يكون ضعيفًا في تماسكه، مصدعًا في بنيانه، إذ لو كان يُهْدَمُ من قوتها فحسب، لَمَا بقي سد على وجه الأرض .. فتدبر.
مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ:
إِنَّ مَثَلَ الذين يُحَمِّلُونَ ما أصابهم أَنْفُسَهُمْ كَمَثَلِ الطبيب الذي يغذي الجسم، ويقوي مناعته، ويعمل لوقايته، حتى إذا جاءه المرض -أَيُّ مرض- صَدَّهُ، وفي نَحْرِهِ رَدَّهُ.
ومثل الذين يُحَمِّلُونَ ما أصابهم غَيْرَهُمْ كَمَثَلِ الطبيب الذي يتحدث عن الجراثيم وأنواعها، والأمراض وأخطارها، ويهمل مداواة الجسم ووقايته، فتضعف مناعته، فإذا جاءه المرض -أَيُّ مرض- استفحل فيه، وأهلكه .. ثم ألقى تبعة ذلك على الداء.
وَمَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ:
كَمَثَلِ رجل رأى سَيْلًا قادمًا، فأنذر قَوْمَهُ، فقام فريق منهم بصمت يبنون سدًّا، ويحفرون مجرى، ويدعمون بيوتهم، ويحمون أهليهم.
стр. 44
وأما الآخرون .. فقاموا يتحدثون عن قوة السَّيْلِ، وعن ارتفاع الماء ومصدره، وعن قوة تدميره، وَعَمَّا فَعَلَ بالقرية المجاورة .. وعن .. وعن .. فأشغلهم ذلك عن أهليهم، وبيوتهم.
فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن إن كنتم تعقلون؟ ؟ ! !
نعم، لو كان بينهم تعاون، وترتيب، وتناصح، وتخطيط، لكان هذا هو الْمَرَامُ، وفيه الخير، وأما كل حزب بما لديهم فرحون، فهي -والله- الرزية، والْبَلِيَّةُ.
مفاسد مخالفة هذا المفهوم:
ورغم النصوص الواضحات، والحوادث البينات، في تحميل أنفسنا ما يصيبها، فلا يزال كثير من الدعاة يلقون تبعة ما يصيب المسلمين على أعدائهم .. وفضلًا عن أن هذا مخالف للمنهج الرباني، والهدي النبوي، فإن فيه مفاسدَ عظيمة، ومضارَ بالغة، منها:
أولًا: مخالفته للكتاب والسنة في تحليل الوقائع.
فالله سبحانه ألقى تبعة أُحُدٍ وَحُنَيْنٍ على المسلمين أَنْفُسِهِمْ، لا على الكفار الذين فعلوا ما فعلوا.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
стр. 45
بل إن رسول الله ﷺ لَمَّا شرع في القنوت بلعن الكفار، أنزل الله قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] .. فتدبر.
و((المتأمل لهذه الآية: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، لا يجد فيها نهيًا صريحًا، وإنما يجد أدبًا رفيعًا، ومنهجًا قويمًا، في معالجة قضية النصر والهزيمة، فإن الآية نزلت في سياق أُحد، وما حصل في أحد، فتأثر المسلمون لما حصل تأثرًا بليغًا، وراح رسول الله ﷺ يلعن بعض الكافرين، ويقول: ((كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم؟ )) وكأنه ﷺ قطع طريق الهداية على أولئك النفر الذين فعلوا ما فعلوا، وخشية أن يعتقد المسلمون أن السبب الأول والرئيس للهزيمة، هو: هؤلاء الملعونون، وليس مخالفة الرسول ﷺ والتنازع؛ أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
ثم ذكر الله بعد ذلك الأسباب الحقيقة الكامنة وراء الهزيمة.
فقال سبحانه:
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ ... ﴾.
فهذه هي الأسباب الحقيقية وراء هزيمتكم، فلا ينفعكم لعن فلان لجلب نصرٍ، ولا استبعاد الهداية عن فلان لدفع هزيمة)) (١).
ولو كان النصر بكثرة الكلام عن الكفار ولعنهم، لكان المسلمون المعاصرون أكثر الناس قوة، وأكثرهم نصرًا.
ثانيًا: فيه تعظيم للكفار في نفوس المسلمين، وأنهم وراء كل مصيبة تحل بالمؤمنين، مما يزيد هيبةَ الكفار في نفوس المسلمين رهقًا.
стр. 46
وبعبارة أخرى:
فيه إضعاف الروح المعنوية للمسلمين ... كقول بعض الخطباء:
((أمريكا تفعل ما تشاء، ونحن لا نقدر أن نفعل شيئًا))! !
((أعداء الإسلام يلعبون بمقدراتنا، ويتحكمون بمصائرنا))! !
إنها -والله- لكلمة كبيرة تهتز من هَوْلِهَا السماوات والأرض .. لا يَجِدُ العاقل تعليقًا عليها أفضل من قوله تعالى:
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
فإن الذي يتحكم بمصيرنا هو الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الأمر، وله الحكم، وإليه ترجع الأمور كلها، لا إلى غيره.
فنعوذ بالله ممن ركب منابر المسلمين -أو أُركب- وهو لا يجيد سوى تفخيم العبارات، وتمطيط الكلمات، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثالثًا: دَبُّ الوهن، واليأس، والقنوط، في قلوب المسلمين، فضلًا عَمَّا هُمْ عليه من وهن، ويأس، وضعف في الإيمان.
مما يزيد الأمر وهنًا على وهنٍ.
رابعًا: إضعافُ الإيمانِ بالله تعالى، والثقةِ به، والتوكلِ عليه، وأنه القادر على كل شيء، وأنه القاهر فوق كل شيء.
خامسًا: فيه تزكية للنفس .. بمعنى: أننا قد استكملنا شروط النصر، واستحققنا التمكين، ولكن غُلِبْنَا بقوة الكفار، وشدة بأسهم، لا بسبب ضعفنا
стр. 47
وتقصيرنا في حق ربنا .. الأمر الذي يدفعنا إلى الأمر التالي، وهو:
سادسًا: إهمال تربية أنفسنا، ومراجعة حساباتنا؛ لأننا اعتقدنا -خطأ- أن المصائب ليست بسببنا، بل هي بسبب الكفار الذين عجزنا عن مقاومتهم .. وإذن فلا نلتفت إلى أنفسنا، ولا نصلح أعمالنا، ولا نسد ثغراتنا، ولا يزداد قربنا من الله الذي بيده النصر والتمكين.
قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
سابعًا: سوء الظن بالله العلي القدير، وأنه لم يُوَفِّ بوعده في نصر المؤمنين.
إن الاعتقاد بأن الكفار يفعلون كل شيء، وأنهم وراء كل شيء، وأن بيدهم كل شيء، وأننا لم نقصر في شيء، يدفع الناس -إذن- إلى التساؤل:
أين الله؟ !
أين نَصْرُهُ الذي وَعَدَ؟ ! ؟
وأين قدرته التي لا تُغْلَبُ؟ !
وإذا كنا نستحق النصر .. فلماذا لا ننتصر؟ ؟ ! !
وإذا كنا نستحق النصر ولم ننصر:
فإما أن الله أخلف وعده، أو أنه عجز عن نصرنا، وعن رَدِّ قوة الكافرين وبأسهم عَنَّا ..
стр. 48
وهذا هو سوء الظن الذي وقع فيه ضعاف الإيمان في غزوة أُحُدٍ.
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
ولم يكن سوء الظن هذا بمقالهم، فمن أساء الظن بالله فقد كفر، ولكنه كان بلسان حالهم، ولازم أفعالهم وأقوالهم، إذ قالوا: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾.
فأمر النصر بيده .. وأمر الهزيمة بيده .. وأمر القتل بيده .. وأمر المؤمنين بيده .. وأمر الكفار بيده .. وأمر الكون كله بيده .. فلا تظنوا بالله ظن السوء ..
وأنه أخلف وعده، ولم ينصر رسوله ﷺ ، ولكنكم أنتم الذين أخلفتم وعده، ونقضتم ميثاقه، بدليل نصرته لكم أَوَّلَ المعركة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
وقال الله لأمثال هؤلاء الذين يظنون أن الكفار يغلبون، وأن الله لا ينصر رسوله: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥].
أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه، ولن يؤيد رسوله، فليشنق نفسه حقدًا وغيظًا، ثم لينظر هل فعله هذا يشفي ما في نفسه من الحقد والغيظ؟ !
وهو نوع من أنواع التهكم والسخرية بهم (١).
стр. 49
ولهذا؛ فإن إلقاء تبعة كل ما يحصل بالمسلمين على الكفار إنما هو من سوء الظن بالله .
قال ابن القيم في ((الزاد)) (٣/ ٢٣٥):
((فَلْيَعْتَنِ اللبيبُ الناصحُ لنفسه بهذا الموضوع، وَلْيَتُبْ إلى الله تعالى، وليستغفره كُلَّ وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء، ومنبع كل شر، المركَّبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين، وأفعاله كذلك، كلها حكمة، ومصلحة، ورحمة، وعدل)).
قال سيد في ظلال هذه الآية (١/ ٤٩٠):
((ومن الظن غير الحق بالله أن يتصوروا أنه سبحانه مضيعهم في هذه المعركة التي ليس لهم من أمرها شيء، والله لا ينصرهم، ولا ينقذهم، إنما يدعهم فريسة لأعدائهم)).
وهو القائل سبحانه:
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢].
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩].
قال سيد ﵀ في ((الظلال)) (٣/ ١٥٤٣):
стр. 50
((والذين كفروا أعجز من أن يعجزوا الله حين يطلبهم، وأضعف من أن يعجزوا المسلمين والله ناصرهم)).
ثامنًا: إن هذا يدل على أن الذين ينهجون هذا المنهج هُمْ في أنفسهم ضعيفو الإيمان بالله، ضعيفو التوكل عليه سبحانه، ضعيفو العلم الصحيح -علم الكتاب والسنة- فاقدو المنهج القويم -منهج الطائفة المنصورة- ذلك لأنهم لم يعرفوا أصولًا أصيلة في الإسلام، بل هي مُسَلَّمَاتٌ شرعية، وبدهيات عقلية، لكل مَنْ تَفَقَّهَ بالكتاب والسنة، لا بالصحف، والمجلات، وأخبار الإذاعات، وجرى وراء المجالس، والمظاهرات.
ثم إن تحميل المسلمين تبعة ما يصيبهم لا يعني أبدًا تبرئة الكفار وأعداء الإسلام مما يفعلونه بالمسلمين.
فهذا أمر .. وذاك أمر آخر .. لا يدركه إلا الذين تَرَبَّوْا على الكتاب والسنة، ومنهج السلف الصالح -منهج الطائفة المنصورة-.
وإن الله لَمَّا عَلَّقَ أسبابَ هزيمة أُحُدٍ وَحُنَيْنٍ بالمسلمين، لا يعني هذا أنه -سبحانه- بَرَّأَ الكفار مما فعلوه بالمسلمين.
فتدبر هذا حتى لا يُمَوَّهُ عليك به.
هذه هي بعض مضار مخالفة مفهوم ما يصيبنا إلا بما كسبت أيدينا.
ثمرات الإيمان بهذا المفهوم:
وأما ثمرات الإيمان والعمل به، فهي كثيرة، وذات نتائج طيبة، وثمار يانعة:
стр. 51
الأولى: العمل بمقتضى الكتاب والسنة؛ لتكون الرحمة، ويكون الفلاح.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ... ﴾ [النور: ٥٤].
فَعَلَّقَ -سبحانه- الرحمة والهداية بالطاعة.
والطاعة لا تكون إلا بالفقه .. والفقه لا يكون إلا بالعلم .. والعلم الصحيح لا يكون إلا بالكتاب والسنة، على طريق سلف هذه الأمة.
الثانية: الشعور بالتقصير .. الأمر الذي يدفعنا إلى الجد والاجتهاد في طاعة الله تعالى، واتباع رسوله ﷺ ، حتى يحبنا سبحانه، فإذا أحبَّنا كتب لنا النصر، وحقق لنا التمكين.
ففي الحديث القدسي:
((ما تقرب إِلَيَّ عبدي بشيء أحب إِلَيَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إِلَيَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ... )) (١).
ومقتضى هذا ولازمه: وكنت دماغه التي يخطط بها هذا الأمر، ويده التي يرمي بها نحور الكفار ...
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
فوالله لا يُغْلَبُ قَوْمٌ اللَّهُ يحبهم .. ووالله لا يُهْزَمُ قَوْمٌ اللَّهُ حافظٌ لسمعهم، وبصرهم، وقتالهم، ورميهم، وجهادهم.
стр. 52
وقال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥].
فلم يشترط الله على نفسه النصر للذين آمنوا فحسب، بل أتبعها بالذين عملوا الصالحات.
فهل الواجبات التي أوجبها الله علينا، والسنن التي سَنَّهَا رسول الله ﷺ ، والأخوة في الله ... من الصالحات؟
وهل الحزبية، وبغض المسلمين، وهجر السنن ... من الصالحات؟ !
وهل فعل الصالحات من عوامل النصر .. أم من أسباب الهزيمة؟ !
الثالثة: عندما نشعر أن ما أصابنا بما كسبت أيدينا نسارع إلى أنفسنا، فنفتش فيها عن الثغرات، فنسدها .. وعن التصدع، فنقيمه .. الأمر الذي يقوي الجماعة، ويشد عضدها، مما يجعلها أَشَدَّ قوة، وأشد تماسكًا في وجه أعدائها، أعداء الله سبحانه.
وهي عوامل عظيمة من عوامل النصر والتمكين.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٦].
فهو خير لهم في تعجيل النصر، وخير لهم في دنياهم، وخير لهم في أُخراهم.
قال ابن القيم في معرض ذكره الدروسَ المستفادةَ من غزوة أُحد:
стр. 53
((فمنها: تعريفهم سوء عاقبة المعصية، والفشل، والتنازع، وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ... ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، فَلَمَّا ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول، وتنازعهم، وفشلهم، كانوا بعد ذلك أشد حذرًا، ويقظة، وتحرزًا، من أسباب الخذلان)) (١).
الرابعة: إضعاف مكانة الأعداء في نفوس المسلمين .. الأمر الذي يدفعنا إلى استصغارهم، والشموخ عليهم؛ لأنهم إنما سُلِّطُوا علينا بذنوبنا، لا بقوتهم .. وبمعاصينا، لا بِعُدَّتِهِمْ، ولا بعددهم .. الأمر الذي يقوي الروح المعنوية للمسلمين، ويشد عزائم المؤمنين، فلا يجعل الله لأعدائهم رهبة في نفوسهم، ولا خوفًا في قلوبهم.
قال تعالى -عَقِبَ بدر-:
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣].
فَرَفْعُ الروح المعنوية للمسلمين عامل -وأيّ عامل- من عوامل النصر.
وانظر إلى طريق السلف في معالجتهم لمثل هذه الأمور على لسان الإمام السلفي ابن القيم، رحمه الله تعالى:
لا تخشَ كثرتَهم فهم همج الورى ... وذبابُه أتخاف من ذبّان؟ (٢)
فاستعظام الكفار، واستكثارهم، والحديث عن قوتهم أمام جماهير المسلمين .. يُضْعِفُ النفوسَ، ويقوي العدو معنويًّا.
стр. 54
واستضعافهم يضعف نفوس الأعداء، ويقوي العزائم في نفوس المسلمين التي جعلها الله سببًا من أسباب النصر، مع أخذ أسباب القوة والحذر.
الخامسة: تعظيم الله في النفوس، وأنه هو المدبر لكل شيء، وهو الذي بيده كل شيء، وهو الذي قَدَّرَ لنا هذا بما كسبت أيدينا، وهو الغالب على أمره، وأن الكفار لا يقدرون على شيء إلا بإذنه، وأنهم لا يغلبونه على أمره سبحانه:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
فنزداد بذلك إيمانًا بالله، ويقينًا به، وتوكلًا عليه.
الأمر الذي يعجل نصر الله لنا، وتمكينه لعباده الصالحين.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
وهكذا كانت جماهير الإسلام الأولى -جماهير الفتح- كانت تنطلق إلى عدوها، متوكلة على ربها، مستيقنة منه بنصرها، مستعظمة ذنوبها، مستهولة تقصيرها، محتقرة عدوها، مستصغرة عدته وعدده.
فلم تكن تلك الجنود المجندة -التي فتح الله بها البلاد، وهدى على يديها العباد- لتستعظم العدو بشيء ممَّا له.
بل لم تكن تعلم عن عدوها إلا أنه جبان، رعديد، عاص لله ورسوله ﷺ ، مُعْرِضٌ عن دينه، ومن كان هذا حاله، فجزاؤه الهزيمة والهوان.
لقد كانت أشد ما تحذر منه تلك الجنود المؤمنة أن يقع فيها ما وقع للمسلمين في أُحُدٍ وحُنَيْنٍ، فيصابوا بما أصيبوا.
стр. 55
لقد كان شعارهم في جهادهم:
إِنِ انتصرنا فبفضل الله .. وإن هُزِمْنَا فبذنوبنا، وتقصيرنا في حق ربنا، لا بكثرة عدونا وقوته.
ولذلك كان الخلفاء الراشدون لا يُحَذِّرُونَ المسلمين في قتالهم من عدوهم بقدر ما يحذرونهم من ذنوبهم، ومعاصيهم .. والآثار في ذلك مستفيضة، مشهورة عنهم.
الإعداد والحذر شيء، والاستخفاف بهم شيء آخر:
ولا يعني هذا من قريب أو بعيد عَدَمَ الحذر .. بل الحذر منهم واجب، بدليل قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١].
فهذا أمر .. وذاك أمر آخر.
ولا يعني هذا من قريب أو بعيد التقصيرَ في إعداد الْعُدَّةِ، وتهيئة الأسباب المادية في مواجهتهم .. كلَّا .. ثم كلَّا .. فهذا -أيضا- أمر .. وذاك أمر آخر.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ... ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وهذا الفرق لا يدركه إلا مَنْ تَفَقَّهَ بفقه الكتاب والسنة، على مسلك سلفنا الصالح.
وأما أهل زماننا .. فإنهم يعلمون عن عدد عدوهم وعدته أكثر مما يعلمونه عن الله، وعمَّا يجب عليهم في حقه، ويتوكلون على الأسباب المادية،
стр. 56
ويعلقون عليها الأمل، ويُنيطون بها اليقين أكثر من يقينهم بالله، والتوكل عليه ... لذلك أصابهم ما أصابهم.
ومع كل هذه الأدلة الْبَيِّنَةِ، والبراهين الساطعة، لا تكاد تسمع لهذا المفهوم في منهج أهل زماننا رِكْزًا، ولا تحس أحدًا منهم يتكلم عنه إلا همسًا، بل المتكلم عنه -عندهم- متهم .. مثبط .. عميل ..
وإذا شاكتهم شوكة، قالوا:
((أعداؤنا زرعوها لنا في الطريق))! !
وإذا خسروا معركة، قالوا: ((دَبَّرَهَا أعداء الله))! !
وإذا قَصَّرَ الأطباءُ في المستشفى، قالوا: ((الماسونية وراء ذلك))! !
وإذا سقطت عمارة قالوا: ((الاستعمار خطط لذلك))! !
ولا يعني هذا أبدًا أن الكفار لا يخططون، وللإسلام لا يكيدون، بل كل ذلك حاصل منهم، على قَدْرٍ عظيم من المكر الخبيث، والتخطيط المستمر، ولكن قدرة الله أعظم، ومكره بهم أعم وأشمل.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٥].
أي: في هَدْرٍ، وضياع .. وفشل، وتباب.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨].
إذا كان المؤمنون يستحقون ذلك.
بل إنك لتعجب كل العجب حين تسمعهم يُسَوِّغُونَ خسرانَهم معركة بأن الأعداء أوقفوا عنهم الإمداد (١)! !
стр. 57
فهل يُصَدِّقُ هذا عاقل؟ ! ؟
الذي يدعوهم إلى مفاهيم الكتاب والسنة: عميل .. مثبط.
والذين يطلبون من أعداء الله أن يمدوهم، وَيُعَلِّقُونَ خسرانهم بقطع العدو -نَعَمِ العدو- إمداده عن المسلمين، فهؤلاء شرفاء مجاهدون! !
ولو أَنَّ إخواننا الأفغان استعظموا عدوهم، وحسبوا حساب قوتهم إلى قوته، لَمَا كُتِبَ لهم البقاء إلا أن يشاء الله.
ولو كانوا كلهم صفًّا واحدًا، وعلى عقيدة سليمة واحدة، لَعَجَّلَ الله لهم النصر، وَفُتِحَتِ الدنيا على أيديهم، وأيدي المؤمنين معهم، ولكن كره الله تَفَرُّقَهُمْ فكان ما كان.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦].
أَعَلِمْتُمْ -إذن- أَنَّ ما أصابنا هو بما كسبت أيدينا؟
وأخيرًا:
إن هذا المفهوم من الأهمية بمكان، يدفعنا لتربية رجال الصحوة عليه، وتأصيل الأجيال القادمة به.
وإن الإعراض عنه يعني: البلادة في الذهن، والعقم في الفهم، وتضييع الأوقات، وهدر الطاقات، وسيظل المعرضون عنه في نكسات إلى أن يعودوا إليه، ويعملوا بمقتضاه.
وإن العمل بمقتضاه يعني العملَ بشريعة الله .. والعمل بشريعة الله يعني القربَ منه .. والقرب منه يعني قُرْبَهُ سبحانه مِنَّا .. وحينئذ تكون ولايته، وتحصل ساعتئذ عِزَّتُهُ، ويتنزل وقتئذ نَصْرُهُ .. هو مولانا، نعم المولى، ونعم النصير.
стр. 58
المفهوم الثاني:
تغيير واقعنا إنما يكون بتغيير بنفوسنا أولا
مما سبق من الأصول، ومما ذكرناه في المفهوم السابق -من أن ما أصابنا إنما هو بما كسبت أيدينا- يتبين أن لا تغييرَ نافعٌ، ولا تبديلَ فَعَّالٌ لأوضاع المسلمين، إلا أن يبدأ من أنفس المسلمين أَنْفُسِهِمْ ليس إلا.
فلا يبدأ التغيير بقتال عدوهم، ولا بإزالة طواغيتهم، ولا بإصلاح اقتصادهم، ولا بتطوير مدنيتهم، ولا بمواكبة حضارة غيرهم.
وإنما يكون التغيير أولًا بِفَهْمِ ديننا، ثم إصلاح عقائدنا، وتصحيح عباداتنا، وتحسين أخلاقنا ...
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
فقد أفادت هذه الآية أن ثَمَّةَ تغييرين:
- تغيير واقع الناس، وما يحيط بهم.
- وتغيير أنفس المسلمين وأعمالهم.
أما تغيير واقع الناس فهو:
تغيير حالنا، وواقعنا، وفقرنا، وذلنا، وكثير من حُكَّامِنَا، والانتصار على أعدائنا.
стр. 59
وهذا التغيير مُناط بالله سبحانه، لا بقوتنا، ولا ببأسنا، ولا بتخطيطنا، وأنه هو المغير سبحانه، لا أحد سواه.
واشترط الله لهذا التغيير شرطًا واحدًا .. أن نُغَيِّرَ ما بأنفسنا حتى يُغَيِّرَ الله لنا واقعنا.
وبناءً على هذا الشرط الرباني، فَإِنَّا لن نقدر على تغيير الواقع إلا بعد تغيير ما بأنفسنا .. وتغيير ما بأنفسنا هو التكليف الذي أُنيط بنا، وهو الذي نتحمل مسئولية السؤال عنه في الدنيا والآخرة.
فكيف غَفَلَ إخواننا عن هذا، فراحوا يَسْعَوْنَ لتغيير واقعهم قبل تغيير ما بأنفسهم؟ !
ما هو التغيير ؟
إن للتغيير معنى أشمل مما نفهم لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ:
إنه يعني مراجعةً شاملةً لِمَا نحن عليه .. عقيدةً ومنهاجًا، شريعةً وأخلاقًا، سلوكًا فرديًّا وجماعيًّا.
إنه يعني مراجعة شاملة لمساجدنا، وَكُتُبِنَا، ومجلاتنا -أعني الإسلامية- ولبيوتنا، ولباسنا، وعاداتنا، وتقاليدنا، وجلساتنا، وخطبنا، ودروسنا، ومواعظنا، ولقاءاتنا، ومواقفنا، وطرق تفاهمنا، ولأساليب نُصْحِنَا.
إنه يشمل كل شيء .. إنه يبدأ من التغيير في العقيدة، إلى إماطة الأذى عن الطريق، مرورًا بإصلاح القلوب التي صدأت، والعبادات التي انحرفت، والأخلاق التي ساءت.
стр. 60
إنه يعني التبديل الشامل لكل شيء يثبت خطؤه من غير مداهنة، ولا خجل، ولا تأويل، ولا وَجَلٍ.
إن عملية التغيير هذه إنما هي نصرنا لله الذي هو شرط نصره لنا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ﴾ [محمد: ٧].
وعند ذلك أَبْشِرْ بفتح مبين، ونصر قريب.
هل غَيَّرْنَا يا عباد الله ؟ !
وإننا مهما حاولنا التهرب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ... ﴾ [الرعد: ١١]، أو التفلت من مقتضاه، فإننا لن نجني سوى ضياع الأوقات، وإهدار الطاقات؛ لأنها صريحة في مدلولها، واضحة في معناها، لا تحتمل تأويلًا، ولا تقبل تمييعًا.
فهل غَيَّرْنَا ما لحق عقائد المسلمين من الفلسفة، وعلم الكلام، والإساءة إلى سلف هذه الأمة؟ !
حتى قلنا:
((عقيدة السلف أَسْلَمُ .. وعقيدة الخلف أعلم وأحكم))! !
فكيف يغير الله حال قوم يزعمون أنهم أَعْلَمُ من أبي بكر وعمر وَأَحْكَمُ؟ !
ويا ليت الأمر اقتصر على هذه المقولة فحسب، بل تَبِعَ ذلك تغيير بالعقيدة، عَقِيدَةِ أبي بكر، وعمر.
هل غَيَّرَ المسلمون ما يعتقدونه في ربهم أنه في كل مكان؟ ؟ ! ! في
стр. 61
البيوت، والأسواق، والطرق، والحمامات! وتحت الطائرات، والسيارات! ! ورجعوا إلى عقيدة الكتاب والسنة: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦].
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .. أي: علا.
هل غَيَّرَ المسلمون صلاتهم التي ينقرونها بلا خشوع، ولا اطمئنان، ولا اتباع، ولا برهان، إلى صلاة النبي ﷺ ؟ !
هل غَيَّرَ المسلمون ما بأنفسهم بعضهم على بعض ... من حقد، وضغينة، وحسد، وشتيمة .. إلى حب، ووئام، وأُلفة، وانسجام؟ !
هل غَيَّرَ المسلمون مجالس الغيبة والنميمة، والخوض في أعراض الناس، واتهامهم بغير حق سوى الحسد، والحزبيات، إلى مجالس الذكر، وحماية الأعراض، والتثبت في الأخبار؟ !
هل غَيَّرَ المسلمون وجوههم العابسة، وسحنتهم البائسة، وَهَيْآتِهِمُ المكفهرة، إلى ابتسامات مشرقة، ووجوه ضاحكة مستبشرة، ولقاءات هادفة وَدُودَةٍ؟ !
هل غَيَّرَ المسلمون ما عَلَقَ بأذهانهم مِنْ عَفَنِ العلمانية، وما لحق باقتصادهم من أدران الاشتراكية، ولستُ أعني الحكامَ فحسب، بل إني سمعت -وأنا صبي- مسلمًا يقول: ((أنا مسلم في الدين .. شيوعي في الاقتصاد)).
стр. 62
هل اتعظ المعاصرون بفشل مناهجهم، وما جَرَّتْ من ويلات على أُمَّتِهِمْ، فغيروها؟ ! اللهم لا .. إلا مَنْ أَخْلَصَ وَاتَّبَعَ.
وهيهات هيهات .. إننا ما زلنا دون ذلك بمفاوز.
قال شيخ الإسلام عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣]:
((التغيير نوعان:
أحدهما: أن يبدِّلوا ...
الثاني: أن يغيروا الإيمان الذي في قلوبهم بضده من الريب، والشك، والبغض، ويعزموا على ترك فعل ما أمر الله ورسوله، فيستحقون العذاب .. )) (١).
قال القرطبي:
((أخبر الله تعالى في هذه الآية أن لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير .. كما غَيَّرَ الله بالمنهزمين يوم أُحُدٍ؛ بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم)) (٢).
إننا بحاجة إلى تغيير أنفسنا التي سنحاسب عليها قبل السعي لتغيير أرضنا وما عليها.
إننا بحاجة إلى الرجوع إلى هذا القرآن؛ لننهج منهجه، ونتبع نَبِيَّهُ، ولتلهج به ألسنتنا، ويلج في قلوبنا، ونعمل بأحكامه بجوارحنا، ونسلك درب حوارييه خيرِ خلق الله بعد أنبيائه ﵈ ...
стр. 63
إن بيننا وبين ذلك مفاوز كثيرة، نسأل الله تعالى السداد والمقاربة.
عقوبة المخالفين:
إن الذين حاولوا تغيير الواقع قبل تغيير الأنفس، ثم أخفقوا، عليهم إدراك هذا المفهوم العظيم، والعمل به.
وإن الذين ما يزالون يحاولون تغيير واقعهم قبل تغيير ما بأنفسهم، عليهم أن يتفهموا ما أراد الله منهم:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
فإن لم يتفهموا ذلك فعليهم -على أقل الأحوال- أن يَتَّعِظُوا بما جرى من أحداث السيرة، والتاريخ الإسلامي.
فإن لم يتعظوا بالماضي، فعلى الأقل أن يتعظوا بإخوانهم، وما جرى لهم، وما هم عنهم ببعيد.
فإن لم يكن شيء من ذلك .. فلسوف يَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بعد حين.
إن الذين يحاولون تغيير المجتمعات بدءًا من الحكام -قبل تغيير ما بأنفس المسلمين- إنما يَجْرُونَ وراء سراب، وَيَسْعَوْنَ نحو خيال.
إن مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ رجال يبنون هرمًا بدءًا من رأسه .. وهيهات هيهات!
إن هذا لا يعني من قريب أو بعيد أن لا جهاد، ولا خروج ولا أَمْرَ بمعروف، ولا نهي عن منكر بالشروط الشرعية.
كلَّا .. وألف كلَّا .. فهذا أمر .. وذاك أمر آخر.
قال سيد:
((ليست المطالبة بإقامة النظام الإسلامي، وتحكيم الشريعة الإسلامية، هو نقطة
стр. 64
البدء، ولكن نقطة البدء هي نقل المجتمعات ذاتها -حكامًا ومحكومين- عن الطريق السالف، إلى المفهومات الإسلامية الصحيحة)) (١).
إنما المقصود:
- أن على الذين يَسْعَوْنَ إلى التغيير أن يغيروا على طريقة الإسلام.
- وأن على الذين يجاهدون لإقامة الإسلام أن يجاهدوا على طريقة الإسلام.
- وعلى الذين يريدون أن يغيروا ما على أرضهم أن يغيروا -أولًا- ما بأنفسهم.
وخلاصة هذا المفهوم:
أن التغيير تغييران:
- تغيير القلب والعمل، وهو على العبد بتوفيق الله تعالى له.
- وتغيير الواقع والحال، وهو على الرب سبحانه.
وهما متتاليان لا يتحقق الثاني إلا بتحقيق الأول شرطًا.
فَمَنْ عَكَسَ يناله قوله تعالى:
﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢].
ولا يدرك هذا، ولا يعمل به، إلا الذين تَرَبَّوْا على الكتاب والسنة، وأدركوا منهج الطائفة المنصورة .. جَعَلَنَا الله وإياكم منهم.
стр. 65
المفهوم الثالث:
تربية الفرد، ووحدة الصف، قبل مناجزة العدو
عند التأمل نجد أن هذا المفهوم هو فرع من فروع المفهوم السابق، وإنما خصصناه بالذكر والتفصيل:
- لأهميته من جهة.
- ولغفلة كثير من المسلمين عنه من جهة أخرى.
- ولأن إغفاله كان وراء تلك النكسات التي حَلَّتْ ببعض الجماعات الإسلامية، وكان عدم الالتزام به أحد العوامل الكبرى وراء تلك النكبات التي نزلت بالأمة الإسلامية.
إن هذا المفهوم من البداهة بمكانٍ .. يعجز المرء عن بيانه، والاستدلال له، وَضَرْبِ الأمثلة له ...
ورغم أن هذا المفهوم من البداهة بمكان، أدركتْهُ النملة في جحورها، والنحلة في خلاياها، فلا يزال كثير من المسلمين في غفلة عنه ساهون [ساهين].
إن هذا المفهوم، فضلًا عن أنه واجب شرعي مفروض، فهو سنة كونية.
وهو شرط شرعي وكوني للنصر، لا يتحقق إلا به؛ ولذلك تجد أن أَيَّةَ أمة من الأمم المتنبهة، تسعى لتوحيد صفوفها، وتثقيف أفرادها، وتربية جنودها، وتدريبهم قبل مناجزة عدوها.
стр. 66
واقع المسلمين:
إن العاقل المتأمل في واقع المسلمين عمومًا، وواقع الجماعات الإسلامية خصوصًا، يجد الإهمال العظيم، ويرى الثغرة الكبيرة التي أحدثها هذا الإهمال، فتوغل العدو منها، وتجاوز حدوده، وعثا في الأرض فسادًا.
إن عدونا قد أدرك ما نحن عليه من ضعف في الإيمان، وتمزق في الصفوف، فسعى إلى استدراجنا بمكر خبيث، إلى معركة لَسْنَا اليوم أهلًا لها، وليس بقدرتنا الصمود فيها، وليس لدينا من الاستعداد الإيماني، والإعداد المادي، ما يؤهلنا لاستحقاق النصر من الله، والوقوف في وجه عدونا.
فاستجبنا لمخططه، مدفوعين بعاطفة ساذجة، وحماس متهور، مهملين لسنن الله الشرعية، غافلين عن سنن الله الكونية، فكان ما كان ..
إن وقوع الصِّدَام مع العدو -وقبل الإعداد- إنما يعني ضَرْبَ الصحوة، وهدر الطاقات، وإضاعة الأوقات، والانشغال عن التربية والدعوة اللتين هما من عوامل الإعداد الذي هو من شروط النصر.
ولستُ أعني ههنا عُدَّةَ الحديد والنار، ولكني أعني ما هو أقوى منه .. عُدَّةَ التربية والإيمان، وَعَتَادَ وحدة الصف، والإحسان.
إن الآيات والأحاديث التي حَثَّتْ على التربية والإيمان، ووحدة الصف والإحسان، والأخوة والإخلاص، كثيرة .. وكثيرة جدًّا ..
وإن الآيات والأحاديث التي حَثَّتْ على سلاح الحديد والنار قليلة .. وقليلة جدًّا لا تكاد جميعها تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
стр. 67
ومع هذا كله ما يزال كثير من المسلمين بحاجة إلى هذه البديهات، وما يزال كثير منهم ينظرون إلى زبد الناس، وأغصان الأشجار، ولا ينظرون إلى القاعدة الحقيقية، والأصل الثابت .. إنهم يعملون، فيسقطون ... ثم ... يسقطون، ولا يتعظون .. كأنهم لا يرون واقع الناس، وكأنهم لا يفهمون السنن الكونية، ولا يعرفون القواعد الشرعية.
كأنهم لا يبصرون هذه الجماهير التي يعتمدون عليها، وهي تخادعهم.
وكأنهم لا يَتَّعِظُونَ بالتجارب التي مَرَّتْ بها شعوب إخوانهم فأهلكتهم، فلا ناصر لهم.
وأعجب من هذا كله أنهم لا يقبلون نصيحة، ولا يسمعون موعظة.
إن مَثَلَ الذين يجابهون قبل إتمام التربية، وتوحيد الصف، كَمَثَلِ القرية بلا سور.
وَكَمَثَلِ طبيب عليل فاقد للمناعة، يداوي مرضى أصيبوا بأمراض فَتَّاكَةٍ مُعدية.
كيف يجاهد من لم يتربَّ على التوحيد والأخلاق؟ !
كيف يجاهد من لم يذق طعم الصبر والأخوة؟ !
كيف يجاهد من لم يعرف التضحية والإيثار؟ !
كيف يجاهد من لم يتلذذ بالطاعة والانقياد؟ !
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
стр. 68
كيف تُقام دولة الإسلام على أُناس صفوفهم متفرقة، ورائحة خلافاتهم تزكم أنوف المخلصين؟ !
أَلَمْ يَأْنِ لنا أن نتعظ؟ ! أما آن لنا أن نتدبر؟ !
صبر النبي ﷺ في مكة كان تثبيطًا أم حكمة ؟
لم يكن رسول الله ﷺ وأصحابه يعجزون عن القيام بثورة في مكة، ولم يكن تنقصهم الشجاعة للقيام باغتيال أئمة الكفر ببكة، ولم تعوزهم الحيلة لتنفيذ انقلاب، ولم تنقصهم الفطنة للمشاركة في مجلس النواب (١)، ولكنَّ شيئًا من ذلك لم يكن .. لِمَ؟ ! ؟ !
هل كان ذلك لجبن وخَوْرٍ، أو تثبيط وعمالة؟ !
أم كان لحكمة، وَتَعَقُّلٍ، وفطنة، وتدبر؟
قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧]:
((كان المؤمنون في ابتداء الإسلام -وهم في مكة- مأمورين بالصفح، والعفو عن المشركين، والصبر إلى حين، وكانوا يَتَحَرَّقُونَ، وَيَوَدُّونَ لو أُمروا بالقتال؛ ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا؛ لأسباب كثيرة؛ فلهذا لم يُؤْمَرْ بالجهاد إلا بالمدينة، لَمَّا صارت لهم دارٌ، وَمَنَعَةٌ، وأنصار)) (٢).
стр. 69
ولذلك لَمَّا طلب أصحاب بيعة العقبة الثانية من رسول الله ﷺ البدءَ بالقتال، والهجوم على الأعداء، أَبَى عليهم ذلك، ومنعهم منه (١).
إذن؛ كان المسلمون يتشوقون إلى القتال، وَيَتَمَنَّوْنَ الجهادَ، ولكن لم تكن المصالح وقتئذ أكبرَ من المفاسد وأعظمَ، بل كان العكس هو الصواب؛ ولذلك لم يُؤْذَنْ لهم به، وهذه هي العلة الصحيحة التي يجب أن يُقاس عليها في كل زمان، ومكان.
الأسباب الكامنة وراء حكمتهم وصبرهم:
من هذه الأسباب:
الأول: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم.
وهذا أمر مُعْتَبَرٌ شرعًا وواقعًا ...
الثاني: لأنهم في دار ضَعْفٍ، وَذُلٍّ .. وليسوا في دار قوة، وَمَنَعَةٍ.
وإذا كانوا كذلك من الضعف والقلة .. فأين يداوون جريحهم؟ !
وكيف يوارون شهيدهم؟ !
وأنى يُوَفِّرُونَ مواردهم، وأعداؤهم من فوقهم، والمسلمون لا يملكون من أسباب التمكين شيئًا سوى العاطفة الخادعة، والحماس المتهور، وإنهما لن يغنيا عنهم شيئًا؟ !
وحينئذ فإنهم سيساقون إلى السجون كالنعاج .. وإلى المذابح كالدجاج.
الثالث: مصلحة بقائهم على الدعوة -على ضعف واستمرار- خيرٌ من الانتصار لظلمهم على خطر وانقطاع، ونتائج لا تُحْمَدُ عقباها.
قال ابن القيم: في ((الإعلام)) (٢/ ١٥٠):
((إنه تعالى نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد، وأمرهم بالعفو
стр. 70
والصفح؛ لئلا يكون انتصارهم ذريعةً إلى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإغضاء، واحتمال الضيم .. ومصلحة حفظ نفوسهم، ودينهم، وذريتهم، راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة)).
ولهذا الأمر أسرار خَفِيَّةٌ دقيقة، ليس ههنا محل تفصيلها، سنأتي عليها مفصلة في كتاب ((المنهاج))، إن شاء الله.
غير أَنَّ ثَمَّةَ نقطةً جديرة بالتسجيل، لا بأس بذكرها:
وهي أنه لم يكن كل أهل مكة يُنَاصِبُونَ المسلمين العداءَ، (١) رغم كفرهم، بل كان منهم من يرأف لحال المسلمين، ويرحمهم، وهم يرونهم يعذبون بلا جناية اقترفوها، ولا جُرْمٍ ارتكبوه.
فكان يحصل في قلوبهم من العطف، واللين، ما يكون مقدمة للإيمان، وقبول دعوة الإسلام ..
وإن عدم رَدِّ المسلمين جَعَلَ كثيرًا من المشركين -في أسوأ الأحوال- يقفون حيادًا، إن لم يكن بعضهم يساعدونهم سرًّا.
وَتَصَوَّرْ معي -أخي المسلم- لو أن المسلمين استخدموا أيديهم في رفع الغضاضة، وَرَدِّ الظلم؛ كقتل أحد المشركين، أو اغتياله، أو ضربه ضربًا شديدًا، فماذا يكون؟ ؟
سيكون هناك ردة فعل من الجميع عنيفة، يتبعها اشتداد في التعذيب كبير، ثم يكون عندهم من الْمُسَوِّغَاتِ ما يدفعهم لحصد المسلمين وإبادتهم عن بَكْرَةِ أبيهم.
стр. 71
إن استخدام العنف في الدعوة إلى الله يعني تقديم مسوغات للعدو، لتعجيل تنفيذ مخططاته في القضاء على الدعوة، والدعاة، ولكن أكثر الدعاة لا يعلمون، ووراء عواطفهم يركضون.
الرابع: لقد أُمِرُوا بتأخير المواجهة، رغم تَوَفُّرِ بعض الإمكانات المادية، من عَتَادٍ، وغيره، ورغم وجود بعض الاستعدادات المعنوية، من شجاعة، وبأس في القتال، وغيره، وذلك كيما يتم التمكين الإيماني أولًا، ثم الأرضي.
الخامس: لقد كان تأخير المواجهة لحكمة بالغة، أَلَا وهي بلوغ الصحابة الأهلية المعنوية العالية، من إيمان قوي، وصبر جميل، وتضحية مستمرة، وإخلاص دائم.
قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ ... ﴾ [النساء: ٧٧].
فإذا حصل هذا الأمر العظيم -وهو الخشية- من فريق منهم، وهم في المدينة، في دار تمكين، وَمَنَعَةٍ، وَعِزٍّ، فما عساهم أن يكون موقفهم في مكة لو أُمروا بالجهاد، وهم في دار ضعف، وَذُلٍّ؟ !
إن التسلح بالعاطفة، والحماسة، والاندفاع، والتهور، لا يغني شيئًا في طريق الدعوة الشائك، والسبيل الطويل.
قال سيد ﵀ (٢/ ٧١٢):
((إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَمَاسَةً، وَانْدِفَاعًا، وَتَهَوُّرًا، قَدْ يَكُونُونَ هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ جَزَعًا، وَانْهِيَارًا، وَهَزِيمَةً، عِنْدَمَا يَجِدُّ الْجِدُّ، وَتَقَعُ الْوَاقِعَةُ .. بَلْ إِنَّ هَذِهِ قَدْ
стр. 72
تَكُونُ الْقَاعِدَةَ! ذَلِكَ أَنَّ الِانْدِفَاعَ، وَالتَّهَوُّرَ، وَالْحَمَاسَةَ الْفَائِقَةَ، غَالِبًا مَا تَكُونُ مُنْبَعِثَةً عَنْ عَدَمِ التَّقْدِيرِ لِحَقِيقَةِ التَّكَالِيفِ، لَا عَنْ شَجَاعَةٍ وَاحْتِمَالٍ وَإِصْرَارٍ، كَمَا أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مُنْبَعِثَةً عَنْ قِلَّةِ الِاحْتِمَالِ، إِلَى طَلَبِ الْحَرَكَةِ، وَالدَّفْعِ، والِانْتِصَارِ بِأَيِّ شَكْلٍ، دَونَ تَقْدِيرٍ لِتَكَالِيفِ الْحَرَكَةِ، وَالدَّفْعِ، وَالِانْتِصَارِ، حَتَّى إِذَا وُوجِهُوا بِهَذِهِ التَّكَالِيفِ كَانَتْ أَثْقَلَ مِمَّا قَدَّرُوا، وَأَشَقَّ مِمَّا تَصَوَّرُوا، فَكَانُوا أَوَّلَ الصَّفِ جَزَعًا، وَنُكُولًا، وَانْهِيَارًا ... عَلَى حِينِ يَثْبُتُ أُوَلئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يُمْسِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَيَحْتَمِلُونَ الضِّيقَ وَالْأَذَى بَعْضَ الْوَقْتِ، وَيُعِدُّونَ لِلْأَمْرِ عُدَّتَهُ، ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة، ومدى احتمال النفوس لهذه التكاليف، فيصبرون، ويتمهلون، ويعدّون للأمر عدته، والمتهورون، المندفعون، المتحمسون، يحسبونه إذ ذاك ضعفًا، ولا يعجبهم تمهلهم، ووزنهم للأمور! وفي المعركة يتبين أي الفريقين أكثر احتمالًا، وأي الفريقين أبعد نظرًا كذلك! )).
قلتُ: والله لقد عرفتَ فبينتَ .. ونصحتَ فأصبتَ .. ووعظتَ فصدقتَ .. ولكن ((لا حياة لمن تنادي))!
وبناء على ما سبق؛ يمكننا القول:
لا .. ثم لا .. ثم ألف لا .. قبل التربية.
ثم قال (٢/ ٧١٤):
(( .. ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، في بيئة معينة، ومن أهداف التربية والإعداد تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم ... ويتجرد من ذاته، ولا تعود ذاته، ولا من يلوذون
стр. 73
به، محورًا لحياة في نظره ...
وتربيته كذلك على ضبط أعصابه؛ فلا يندفع لأول مؤثر -كما هي طبيعته- ولا يهتاج لأول مهيج؛ لِيَتِمَّ الاعتدال في طبيعته، وحركته ... )).
ولبعضهم شبهة خطيرة، وهي قولهم: لا حُجَّةَ بأفعال النبي ﷺ في مكة؛ لأنها قبل اكتمال التشريع ..
وَقَدْ أُجِيبَ عن هذا بتفصيل في مفهوم الطائفة المنصورة: (الهداية ثم السياسة) (١)، وخلاصته:
إذا كان هذا القول صحيحًا، فيعني هذا أن لا حُجَّةَ بأفعال النبي ﷺ ، حتى في المدينة خلال التسع سنين الأولى؛ لأن التشريع لم يكتمل إلا بعد نزول قوله تعالى: ((اليوم أكملت لكم دينكم ... ))، وقد نزلت في حجة الوداع .. فتأمل ...
والصواب: أن أفعال النبي ﷺ كلها حُجَّةٌ ثابتة، منذ بُعِثَ إلى حين وفاته ...
إلا ما دل الدليل على نسخه، ولا يلزم من ذلك إباحة المحرمات؛ لأن بحثنا في أفعال النبي ﷺ وتصرفاته مع كفار قريش، والمجتمع من حوله، وليس بحثنا في المحرمات التي كانت تتعاطاها قريش، والتي كان مسكوتًا عنها سكوتًا مؤقتًا ... فتدبر.
وأخيرًا:
موعظة للعقلاء فقط:
- إن من الفطنة والكياسة، ومن فقه الواقع والسياسة، أن ندرك أن وقوع الصِّدَامِ قبل التمكين الإيماني والمادي، هو ما يُؤَمِّلُهُ أعداءُ
стр. 74
الإسلام، وَيَصْبُونَ إليه، ويخططون له؛ كي يقضوا على الصحوة الإسلامية بحكامها، ويعقروا الجياد في ديارها، وفي ذلك راحة لهم من حملة صليبية رابعة، أو خامسة ..
- أفلا يَعِي هذا إخواننا ممن يَدَّعِي فِقْهَ الواقع والسياسة؟ ! ؟ (١)
стр. 75
ما هي التربية ؟
((لقد أكدْتَ على التربية مرارًا .. وذكرْتَها تكرارًا .. فهل لك أن تبينها لنا باختصار))؟
إن مما ينبغي التنبه إليه أن العلم شيء، والتربية شيء آخر .. وأن التربية لا تتحقق بالخطب، ولا بحضور دروس العلم، ولا بحفظ متون الكتب.
وإنما التربية ممارسة عملية، وترجمة حقيقية، لكل ما نتلقى ونتعلم على ساحة الواقع.
وبعبارة أخرى:
ضبط تصرفات الفرد، بمعايير منضبطة، وقواعد معروفة.
وباختصار:
هي العمل الصادق بالعلم الصحيح.
أو تزكية النفس على ما يحبه الله ورسوله ﷺ .
وهي وظيفة عظيمة من وظائف الأنبياء ﵈.
قال تعالى:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].