إن استخدام العنف في الدعوة إلى الله يعني تقديم مسوغات للعدو، لتعجيل تنفيذ مخططاته في القضاء على الدعوة، والدعاة، ولكن أكثر الدعاة لا يعلمون، ووراء عواطفهم يركضون.
الرابع: لقد أُمِرُوا بتأخير المواجهة، رغم تَوَفُّرِ بعض الإمكانات المادية، من عَتَادٍ، وغيره، ورغم وجود بعض الاستعدادات المعنوية، من شجاعة، وبأس في القتال، وغيره، وذلك كيما يتم التمكين الإيماني أولًا، ثم الأرضي.
الخامس: لقد كان تأخير المواجهة لحكمة بالغة، أَلَا وهي بلوغ الصحابة الأهلية المعنوية العالية، من إيمان قوي، وصبر جميل، وتضحية مستمرة، وإخلاص دائم.
قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ ... ﴾ [النساء: ٧٧].
فإذا حصل هذا الأمر العظيم -وهو الخشية- من فريق منهم، وهم في المدينة، في دار تمكين، وَمَنَعَةٍ، وَعِزٍّ، فما عساهم أن يكون موقفهم في مكة لو أُمروا بالجهاد، وهم في دار ضعف، وَذُلٍّ؟ !
إن التسلح بالعاطفة، والحماسة، والاندفاع، والتهور، لا يغني شيئًا في طريق الدعوة الشائك، والسبيل الطويل.
قال سيد ﵀ (٢/ ٧١٢):
((إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَمَاسَةً، وَانْدِفَاعًا، وَتَهَوُّرًا، قَدْ يَكُونُونَ هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ جَزَعًا، وَانْهِيَارًا، وَهَزِيمَةً، عِنْدَمَا يَجِدُّ الْجِدُّ، وَتَقَعُ الْوَاقِعَةُ .. بَلْ إِنَّ هَذِهِ قَدْ
стр. 72
تَكُونُ الْقَاعِدَةَ! ذَلِكَ أَنَّ الِانْدِفَاعَ، وَالتَّهَوُّرَ، وَالْحَمَاسَةَ الْفَائِقَةَ، غَالِبًا مَا تَكُونُ مُنْبَعِثَةً عَنْ عَدَمِ التَّقْدِيرِ لِحَقِيقَةِ التَّكَالِيفِ، لَا عَنْ شَجَاعَةٍ وَاحْتِمَالٍ وَإِصْرَارٍ، كَمَا أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مُنْبَعِثَةً عَنْ قِلَّةِ الِاحْتِمَالِ، إِلَى طَلَبِ الْحَرَكَةِ، وَالدَّفْعِ، والِانْتِصَارِ بِأَيِّ شَكْلٍ، دَونَ تَقْدِيرٍ لِتَكَالِيفِ الْحَرَكَةِ، وَالدَّفْعِ، وَالِانْتِصَارِ، حَتَّى إِذَا وُوجِهُوا بِهَذِهِ التَّكَالِيفِ كَانَتْ أَثْقَلَ مِمَّا قَدَّرُوا، وَأَشَقَّ مِمَّا تَصَوَّرُوا، فَكَانُوا أَوَّلَ الصَّفِ جَزَعًا، وَنُكُولًا، وَانْهِيَارًا ... عَلَى حِينِ يَثْبُتُ أُوَلئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يُمْسِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَيَحْتَمِلُونَ الضِّيقَ وَالْأَذَى بَعْضَ الْوَقْتِ، وَيُعِدُّونَ لِلْأَمْرِ عُدَّتَهُ، ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة، ومدى احتمال النفوس لهذه التكاليف، فيصبرون، ويتمهلون، ويعدّون للأمر عدته، والمتهورون، المندفعون، المتحمسون، يحسبونه إذ ذاك ضعفًا، ولا يعجبهم تمهلهم، ووزنهم للأمور! وفي المعركة يتبين أي الفريقين أكثر احتمالًا، وأي الفريقين أبعد نظرًا كذلك! )).
قلتُ: والله لقد عرفتَ فبينتَ .. ونصحتَ فأصبتَ .. ووعظتَ فصدقتَ .. ولكن ((لا حياة لمن تنادي))!
وبناء على ما سبق؛ يمكننا القول:
لا .. ثم لا .. ثم ألف لا .. قبل التربية.
ثم قال (٢/ ٧١٤):
(( .. ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، في بيئة معينة، ومن أهداف التربية والإعداد تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم ... ويتجرد من ذاته، ولا تعود ذاته، ولا من يلوذون
стр. 73
به، محورًا لحياة في نظره ...
وتربيته كذلك على ضبط أعصابه؛ فلا يندفع لأول مؤثر -كما هي طبيعته- ولا يهتاج لأول مهيج؛ لِيَتِمَّ الاعتدال في طبيعته، وحركته ... )).
ولبعضهم شبهة خطيرة، وهي قولهم: لا حُجَّةَ بأفعال النبي ﷺ في مكة؛ لأنها قبل اكتمال التشريع ..
وَقَدْ أُجِيبَ عن هذا بتفصيل في مفهوم الطائفة المنصورة: (الهداية ثم السياسة) (١)، وخلاصته:
إذا كان هذا القول صحيحًا، فيعني هذا أن لا حُجَّةَ بأفعال النبي ﷺ ، حتى في المدينة خلال التسع سنين الأولى؛ لأن التشريع لم يكتمل إلا بعد نزول قوله تعالى: ((اليوم أكملت لكم دينكم ... ))، وقد نزلت في حجة الوداع .. فتأمل ...
والصواب: أن أفعال النبي ﷺ كلها حُجَّةٌ ثابتة، منذ بُعِثَ إلى حين وفاته ...
إلا ما دل الدليل على نسخه، ولا يلزم من ذلك إباحة المحرمات؛ لأن بحثنا في أفعال النبي ﷺ وتصرفاته مع كفار قريش، والمجتمع من حوله، وليس بحثنا في المحرمات التي كانت تتعاطاها قريش، والتي كان مسكوتًا عنها سكوتًا مؤقتًا ... فتدبر.
وأخيرًا:
موعظة للعقلاء فقط:
- إن من الفطنة والكياسة، ومن فقه الواقع والسياسة، أن ندرك أن وقوع الصِّدَامِ قبل التمكين الإيماني والمادي، هو ما يُؤَمِّلُهُ أعداءُ
стр. 74
الإسلام، وَيَصْبُونَ إليه، ويخططون له؛ كي يقضوا على الصحوة الإسلامية بحكامها، ويعقروا الجياد في ديارها، وفي ذلك راحة لهم من حملة صليبية رابعة، أو خامسة ..
- أفلا يَعِي هذا إخواننا ممن يَدَّعِي فِقْهَ الواقع والسياسة؟ ! ؟ (١)
стр. 75
ما هي التربية ؟
((لقد أكدْتَ على التربية مرارًا .. وذكرْتَها تكرارًا .. فهل لك أن تبينها لنا باختصار))؟
إن مما ينبغي التنبه إليه أن العلم شيء، والتربية شيء آخر .. وأن التربية لا تتحقق بالخطب، ولا بحضور دروس العلم، ولا بحفظ متون الكتب.
وإنما التربية ممارسة عملية، وترجمة حقيقية، لكل ما نتلقى ونتعلم على ساحة الواقع.
وبعبارة أخرى:
ضبط تصرفات الفرد، بمعايير منضبطة، وقواعد معروفة.
وباختصار:
هي العمل الصادق بالعلم الصحيح.
أو تزكية النفس على ما يحبه الله ورسوله ﷺ .
وهي وظيفة عظيمة من وظائف الأنبياء ﵈.
قال تعالى:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
стр. 76
وقال سبحانه:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
ففي الآية الأولى: ذَكَرَ اللهُ تعالى العلمَ قبل التزكية.
وفي الثانية: ذَكَرَ سبحانه التزكيةَ قبل العلم.
وفي ذلك إشارة بليغة إلى عدم استغناء دعوة الرسل بإحداهما عن الأخرى، فلا سداد بتربية دون علم .. ولا فلاح بعلم دون تربية.
والعلم والتربية لا يفترقان .. فتدبر هذا؛ فهو عزيز.
ثم إننا لو حاولنا الاستطراد والتتبع لِمَا كانت عليه الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- من ممارسة التربية العملية الواقعية -وبخاصة أسوتنا وقدوتنا ﷺ لَعَجَزْنَا عن الحصر ...
فَمِنْ خُلُقِهِ ﷺ مع أهله، وتربيته لهم .. إلى معاملته لأحفاده، وأطفال المسلمين .. إلى ممارسة تفتيش أسواق المسلمين .. إلى معايشة المسلمين في حلهم، وترحالهم، وضحكهم، وبكائهم، وسرائهم، وضرائهم، وهو يوجههم، وينصحهم، ويسددهم، إلى غير ذلك، مما يطول بحثه، وليس ههنا محله.
стр. 77
ولذلك اختصرت عائشة ﵂ هذا كُلَّهُ حين سُئِلَتْ عن خُلُقِهِ ﷺ ، فقالت: ((كان خلقه القرآن)) (١).
والتربية لا تعني حسنَ الخلق، وبشاشة الوجه فحسب، بل تعني التزام هذا الدين كافة، قلبًا وقالبًا، ظاهرًا وباطنًا، علمًا وعملًا، دعوة وعبادة، بدءًا من فَهْمِ كلمة التوحيد، والعمل بها، وانتهاء بإماطة الأذى عن الطريق.
ولهذا كان أصحاب رسول الله ﷺ بإرشاد منه- يواكبون علمهم بالعمل.
فعن ابن مسعود ﵁ قال: ((كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف ما فيهن، والعمل بهن)) (٢).
من غير تفريق، ولا تبعيض، ولا تجزئة، ولا تهوين.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: ((حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن -وهم الصحابة- أنهم كان يستقرئون من النبي ﷺ ، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات، لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فَتَعَلَّمْنَا القرآن، والعمل جميعًا)).
وزاد في رواية ابن سعد: ((وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شُرْبَ الماء، لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز ههنا، ووضع يده على الْحَلْقِ)) (٣).
стр. 78
إن إهمال مسألة التربية على منهاج النبوة كان وراء معظم النكبات التي حَلَّتْ بالأمة الإسلامية، ومع ذلك لا يزال إخواننا لا يعقلون هذا، وعلى سبيلهم سادرون (١)، فلا هُمْ بالسنة يقتدون، ولا هم بالواقع والنتائج يتعظون! !
فكم في زماننا من مجاهد بلا عقيدة .. وكم من عالم بلا عمل .. وكم من عامل بلا علم .. وكم من داعية بلا تقوى تَرْدَعُهُ، أو علم يُقَوِّمُهُ! !
كل ذلك بسبب سوءِ التربية .. وَأَخْذِ بعض هذا الدين، وهجران بعضه.
والانشغال عنها بالسياسة، وبالأحداث الجارية، وبفقه الواقع الذي أُعْطِيَ حَقًّا فوق حَقِّهِ، وأُنزل محلًا غير محله، فَشُغلوا بذلك عن التربية، وهم لا يشعرون.
قال سيد:
((ولكن لي فقط توجيها عاما؛ لكل الإخوان، ولكل الحركات الإسلامية، وهو أن لا تستغرقهم الأحداث الجارية، وأن لا ينغمسوا فيها، وفي المناورات الحزبية، والسياسية، فإن لهم حقلًا آخر، أوسع وأبعد مَدًى، وإن كان بطيئًا، وطويلَ الأمد، وهو حقل البعث الإسلامي للعقيدة، وللقيم، وللأخلاق، وللتقاليد الإسلامية في صلب المجتمعات، حتى يأذن الله -بالجهد الطويل، والصبر- بقيام النظام الإسلامي، وإنني ألاحظ شدة انغماس [وذكر إحدى جماعات الإخوان]-ومنذ نشأة الجماعة هناك- بالأحداث السياسية، وقلة التفرغ للتربية)).
стр. 79
آثار التربية ومفاسد هجرها
إذا عُلِمَ أن التربية هي العمل بالعلم، فإن لممارستها أثرًا عظيمًا في تقوى الله، وإصلاح النفوس، وتقويم المجتمعات.
فبها يتحقق تماسك الصف، وتتم وحدة الكلمة، ويدفن كثير من الخلاف، وبها تحيا الأخلاق الحميدة، أخلاق التطاوع، والتسامح، وتختفي المصالح الفردية .. فتستقيم بذلك النفوس، وتصلح المجتمعات، ويصبح المسلمون كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا .. فيتنزل النصر، ويتم التمكين.
وحين يفقد المسلمون حسنَ التربية .. تَمَزَّقُ صفوفهم، وتزداد خلافاتهم، فيتنابزون الأخلاق الذميمة، ويتراشقون الاتهامات العظيمة، فينمو فيهم الحقد، وتعشش في قلوبهم الكراهية، وحينئذ تفسد النفوس، وتضعف الجماعات، وتحل المجتمعات.
وهذا ما كان في معظم الأحايين التي أهمل فيها المسلمون التربية، فحصدوا أشواك فقدانها، وتجرعوا سمَّ غيابها، ونالوا بلايا إهمالها، فتأخر عليهم النصر، وَبَعُدَ عنهم التمكين، ثم أحالوا ذلك كله على أعدائهم، وهي إحالة على مُفْلِسٍ، وبهذا تَعْلَمُ الأسبابَ الحقيقيةَ لفشل كثير من الجماعات، فضلًا عن انحرافهم المنهجي.
ومن ترك أمرًا واجبًا عُوقِبَ بحرمان ثمرته.
стр. 80
وأما وحدة الصف:
فلا تخفى أهميته على الكافرين، فكيف خفي ذلك على الذين يقرؤون صباح مساء:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]؟ !
إن مفهوم هذه الآية يعني: إن الله لا يحب المتفرقين.
وإذن، فإن الله لا ينصر -نصر استحقاق- مَنْ لا يحب .. فكيف يجاهد مَنْ يجاهد وصفوفهم ممزقة، وكلمتهم مفرقة، وقلوبهم متنافرة؟ !
وإذا كانت نتيجة التنازع الفشل لا محالة -وذلك بإخبار العليم الخبير- ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦].
فلماذا -إذن- الجهد، والبذل، والتعب، وإضاعة الأموال، وهدر الأرواح، وهدم الديار، وتشريد الصغار، والكبار.
لقد جاهدنا، وتنازعنا .. ثم فشلنا .. وفشلنا .. وفشلنا.
ثم ماذا كان؟
هل اتعظنا؟
كلَّا .. وألف كلَّا .. فلا بالنصوص عَمِلْنَا، ولا بالواقع اعتبرنا، ولا بنصائح إخواننا اتعظنا! ! ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦].
وإلى الله وحده المشتكى.
من أركان العمل الجماعي:
إن بناء الجماعة، ووحدة الصف، رُكْنٌ ركين من أركان العمل، والسعي نحو التمكين، ولا يمكن بحال من الأحوال التنازلُ عنه، أو غض الطرف عن
стр. 81
خَلَلِهِ.
إن التنازل عنه، أو إرجاءه، يعني بالضرورة: ذهاب العمل هباءً منثورًا، وسقوط الجماعة ولو بعد حين، وقد تكون هي ساقطة في واقعها، قائمة في اسمها وظاهرها.
إن من البناء: العمل بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] قبل منازلة الأعداء ..
ومن البناء: أن نفهم قوله ﷺ :
((إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما)) (١).
ولذلك أدركت الجماعة الأولى هذا المفهوم، وسعوا إلى وحدة الصف، واجتماع الكلمة، قبل منازلة الأعداء.
فقاتل علي ﵁ الخوارجَ وقتلهم، وذلك قبل قتال اليهود والنصارى ...
ولا يعني هذا دعوة المسلمين إلى الاقتتال .. لأن هذا إنما يكون عندما يكون للمسلمين خليفة شرعي، ثم يخرج عليه خارج.
وإنما يعني: أهمية وحدة الكلمة، ووحدة الصف، في بناء الجماعة، وتحقيق النصر، والتمكين في الأرض.
ومما يجب معرفته ووعيه أن تكون تقوى الله قبل المناجزة،
стр. 82
وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان، ولا ينتطح -كما يقولون- عنزان.
فتقوى الله أُسُّ كُلِّ شيء، وَمِلَاكُ كُلِّ أمر، وبها يكون النصر ..
وبها يتحقق التمكين .. وبها تُنال العزة .. وهي المخرج من كل ضيق، والتوفيق لكل خير.
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩].
والله لا يتقبل إلا من المتقين.
قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
والله لا ينصر -نصرَ استحقاق- إلا المتقين.
قال سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧].
والله لا يُمَكِّنُ -تمكينًا شرعيًّا- إلا المتقين.
قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥].
أَرْبَعٌ مِنْ أَسْبَابِ نَكْبَتِنَا:
إذا وقفتَ على هذا، وعرفتَ حال المسلمين -الحقيقية، لا الظاهرية- من تَفَرُّقٍ، وتمزق، وَبُعْدٍ عن التربية العملية، وحاجتهم إلى تقوى الله حقَّ التقوى.
إذا عرفتَ هذا .. أدركتَ لماذا نقوم من نكبة، فنسقط في ما هو أكبر منها! ! ولماذا لا نخرج من ضيق إلا وندخل في ما هو أضيق منه! !
стр. 83
وعرفتَ لماذا تتوالى النكسات علينا، ويتأخر النصر عَنَّا.
((وإذا عُرِفَ السبب بطل العجب)).
عن الزبير بن العوام، أن النبي ﷺ قال:
((دَبَّ إليكم داءُ الأمم الحسدُ والبغضاءُ، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم)) (١).
فتأمل قَسَمَ مَنْ لا ينطق عن الهوى:
((والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا)).
فأين التحبب يا عباد الله، يا مَنْ يَسْعَوْنَ إلى التمكين .. وهم يحلقون دِينَ بعض، بل يحلقون دِينَ سلفهم حَلْقًا؟ !
والذي نفسي -ونفس حبيبي محمد ﷺ بيده لن نُمَكَّنَ حتى نتحابب، ولن ننتصر حتى نتآخى.
إذا تامل العاقل هذا؛ أدرك بعد ذلك:
- لماذا لم ينصرنا الله سبحانه؟ !
- لماذا لم يُمَكِّنَّا الله سبحانه؟ !
والله هو مولانا، عليه توكلنا، وإليه نتوب.
стр. 84
شبهة شائعة:
إلى متى نربي ! !
يحسن أن نذكر ههنا شبهة عند بعض الإخوان، ثم نذكر ما هو الصواب من منهج سلفنا الصالح في ذلك، والله المستعان، وعليه التوفيق والسداد.
يقول بعض الإخوة:
((إلى متى نربي))؟ !
((كيف نبني، وهم يهدمون))؟ !
وبناء على هذا يقولون:
((لا بُدَّ -إذن- من مواجهتهم أولًا، ثم البناء ثانيًا .. إذ إننا لو استمررنا بالبناء أولًا، لَمَا استطعنا أن نبني شيئًا، وهم في مواجهتنا، ويهدمون ما بنينا)).
والجواب من وجوه:
الأول: إن المسلم مُلْزَمٌ بمنهج الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف هذه الأمة، وما عليه إلا السير على هذا الصراط، غير مُبَالٍ بنتيجة، ولا عدو، ولا شبهة، ولا تجربة، فإن الحق لا يتعلق بهذه الأمور، ولن يسألنا الله عَمَّا بنينا، وإنما يسألنا عن صواب طريقنا، وصدق نياتنا.
стр. 85
الثاني: إَنَّ ما يطرأ من شبهات لا يجوز أَنْ يُؤَثِّرَ في الأصل، والأصل -وهو الطريق- أعظم، وأوضح مِنْ أَنْ يعرقل السيرَ عليه شبهةٌ، أو تقطع به عقبةٌ.
أَوَكُلَّمَا اعْتَرَضَتْنَا عَقَبَةٌ تَرَكْنَا الصراط .. وكلما جاءتنا شبهة شككنا في الطريق؟ !
الثالث: لقد كان هذا واقعَ الأنبياء عامة، وحالَ رسولنا خاصة -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- فكانوا يَبْنُونَ، ويحاول الكفار أن يهدموا ..
فما تنكّب الأنبياء -لفعل الأعداء- الصراطَ المرسومَ، ولا خرجوا عن السبيل المعلوم.
ولذلك نجدهم -صلوات الله عليهم- لم ينتصروا لظلم وقع عليهم، ولا أراقوا قطرة دم واحدة في الدعوة قبل التمكين، بل ولا لطموا أحدًا قَطُّ.
وما قالوا: ((نحن نبني، وهم يهدمون))! !
إن لازم هذه المقولة تخطئة الأنبياء، وعلى رأسهم نوح ﵇، الذي مكث تلك السنين الطوال دون أن يقول: ((نحن نبني، وهم يهدمون))، ولم يطلب من رَبِّهِ حَمْلَ السلاح، ولا مقارعة الأعداء، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟
الرابع: إننا لو كنا نبني بقوة وثبات -كما كان يبني الأنبياء من قبلنا، وكما بنى رسول الله ﷺ أصحابه- لَمَا استطاعوا أن يهدموا .. وهذه سُنَّةُ الله في خَلْقِهِ.
стр. 86
وبعبارة أخرى:
لو كان تأسيسنا تأسيسًا صحيحًا ثابتًا، لكان بناؤنا قويًّا، وَلَمَا استطاعوا أن ينالوا منه شيئًا.
وهذه سنة الله فيمن بنى بنيانًا صحيحًا ثابتًا .. أن يحفظه سبحانه، وأن يتولى بنفسه رَدَّ الكيد عنه.
﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنبياء: ١٨].
فقد تكالب الأعداء على الأنبياء أكثر مِنْ تكالبهم علينا .. ومع ذلك استمروا في البنيان.
لأن البناء القوي لا تُؤَثِّرُ فيه العواصف .. ولا تُزلزله الزلازل.
ولذلك ما استطاع أعداؤهم أن يهدموا ما بَنَوْهُ؛ وذلك لقوته، ومتانته .. وذلك بحفظ الله له ..
قال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٧ - ١٢٨].
وأما نحن، فنظن أننا نبني .. والحقيقة أن بنياننا أوهى من بيوت العنكبوت.
ولا أدل على ذلك من أن صيحةً واحدةً في مئات من الألوف من المسلمين تجعلهم لا يلوون على شيء.
الخامس: إن العداوة للحق سنة كونية، ما دام على الأرض حق، وليست العداوة أمرًا محدثًا حتى نُحْدِثَ لها طرقًا وقائية، أو نخترع أساليب جديدة في المواجهة، فلا تغيير، ولا تبديل، لا في العداوة، ولا في مواجهتها، وحفوف
стр. 87
الطريق بالمكاره ليس سنة جديدة، ولا أمرًا مُحْدَثًا، حتى يُعَالَجَ بِطُرُقٍ مُحْدَثَةٍ، بل لا بُدَّ أن نعالج بمثل ما عالج الأنبياء، ولا نضع له دواء مخترعًا من عند أنفسنا.
السادس: إن العاقل إذا أراد أن يبني بناء قويًّا متينًا؛ بناه تحت ظروف صعبة، وأجواء متباينة؛ لكي يكون ملائمًا كافة الظروف، مُتَوَقِّعًا له كافة الاحتمالات، وعليه -والحال هذه- أن يبنيه في الصيف والشتاء، فتظهر له العيوب فيصلحها، وتبين له الثغرات فيسدها.
وإذا ما بنى بيته في فصل واحد، ظهر له من العيوب في الفصل الآخر ما لم يظهر في الفصل الذي بنى فيه.
وكذلك تُدَرَّبُ الجيوش على أقسى أنواع التدريبات، وتحت مختلف الأجواء، ويُوضع لها أبشع الاحتمالات، وأسوأ التوقعات، ويُرسم لها أشد الخطط وأصعبها، حتى إذا ما واجهتها لم تفاجأ بها، وأحسنتِ التصرفَ حِيَالَهَا.
ولهذا مَرَّ على الذين رَبَّاهُمْ رسول الله ﷺ في مكة ظروف قاسية، وأحداث مفجعة، عالجها رسول الله ﷺ معالجةً تربوية صحيحة، أخرجت رجالًا هان عليهم ما جرى عليهم -بعد ذلك- من أحداث جِسَامٍ.
السابع: إن في هذه المقولة:
((نحن نبني، وغيرنا يهدم، وإذن علينا أن نتحول إلى المواجهة))
اعترافًا ضمنيًّا أن البناء لم يكتمل بَعْدُ، وأن الطلاب لم يتربوا، ولم ينضجوا،
стр. 88
وإذا كان الأمر كذلك:
فكيف نتحول إلى المواجهة التي هي أخطر وأشد -على الآخرين- من الدعوة، وإذن سيكون انتقامهم أشد وأعنف، وسينعكس هذا على الدعوة، لتكون النتائج أَوْخَمَ وأنكى.
إن الذين لا يصبرون في المجال الدعوي أعجزُ من أن يصبروا في ساحات المواجهة.
وإنه لمن السذاجة، أو الخيانة، أو الغش لهذه الصحوة أن نُوَاجِهَ ببناء غير تام، وبأناس لم تتوفر فيهم عوامل النصر، وأهلية التمكين، من صبر، وأخوة، وتضحية، وإيثار.
فتأمل هذا فهو -والله- نافع لمن أراد الإنصافَ، والانتفاع.
إن عدم إدراك هذه القضية مِنْ قِبَلِ كثير من الجماعات، أَوْرَدَهَا الْمَهَالِكَ.
فهل من معتبر؟ !
الثامن: إن حقيقة هذه الشبهة -عند إمعان النظر فيها- تفضي إلى الاستعجال، والتضجر، وليس إلى التأني والتصبر.
قال سيد ﵀ (٢/ ٧١٢):
((كما أنها -أي: الحماسة والاندفاع- قد تكون منبعثة عن قِلَّةِ الاحتمال، والأذى، والهزيمة، فتدفعهم قِلَّةُ الاحتمال إلى طلب الحركة، والدفع، والانتصار، بأي شكل، دون تقدير لتكاليف الحركة، والدفع، والانتصار)).
стр. 89
فأنبئونا -أيها الإخوة- بعد كلام هذا الداعية الْمُجَرِّبِ، والخرِّيت الصادق، على أَيِّ طريق تسيرون؟ وفي أي اتجاه تسلكون؟ !
التاسع: إن التاريخ، والأحداث، والواقع، يشهدون -بإنصاف- على بطلان هذه المقولة، وفساد مضمونها، وشؤم مقتضاها.
بل إن الواقع القريب، والأحداث المتتالية، يشهدان شهادة منصفة -والله- لا زور فيها، ولا تمويه، أن هذه المقولة التي رُبِّيَ عليها كثير من الشباب، هي التي كانت سببًا في اندفاعهم، وتهورهم، وهي التي كانت وراء كثير من البلايا، والرزايا، والنكبات التي حَلَّتْ بساحة المسلمين .. فهل من معتبر؟ !
العاشر: إن هذه المقولة ليس عليها دليل من كتاب، أو سنة، أو سيرة سَلَفٍ ..
بل هي من بنات أفكار من لم ينضج علميًّا، ومن عواطف من لم يصبر دعويًّا ...
فضلًا عن أنها تخالف ما كان عليه الأنبياء .. وحسبك بهذا دليلًا على بطلانها! !
ويحتج إخواننا على ذلك بقول الشاعر:
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه ..... إذا كنت تبني وغيرك يهدم
وَمَنْ كان حجته الشعر .. يُرَدَّ بالشعر.
قال الشاعر الإسلامي محمد الجبالي -حفظه الله- بشيء من التصرف:
стр. 90
بلى يبلغ البنيانُ حتمًا تمامَهُ ... إذا كنتَ تبنيه بصبر وَتُحْكِمُ
فما دام أُسُّ البيت صُلْبًا مُوَطَّدًا ... تعالى البنا رغم المعاولِ تَهْدِمُ
وإن كان أُسُّ البيت هشًّا مدعَّمًا ... بعاطفة الأحداث خَرَّ يُدمدم (١)
وإن كان أُسُّ البيت قولًا مُزَيَّنًا ... تهاوى البنا رغم الهتافِ يُحمحم (٢)
ولو زِنْتَ أسبابَ البلايا فلن تجد ... كمثلِ الحماسِ الفج داءً يُداهم
ومن كانت التقوى أساسَ بنائه ... فما ضَرَّهُ كيدٌ ورجمٌ ودمدمُ
كذا أنبياء الله كانت حياتهم ... جهادًا وصبرًا لا يُكَّلُ ويُسأمُ
فقام البنا رغم المكائد شامخًا ... نسور السما تبغي علاه وأنجم
والله الهادي إلى سواء السبيل.
خلاصة هذا المفهوم:
إن من فقه الأولويات الواجب تقديمَ التربيةِ، والإعداد الإيماني -كما كان عليه رسول الله ﷺ في مكة- على كثير من الأمور.
وإنهما لمن عوامل النصر والتمكين الأساسية، وإن الإعراض عنهما، أو إهمالهما مُفْضٍ إلى نتائج لا تُحْمَدُ، وضلال مستطير.
وإن الاستجابة لتحرش الآخرين، أو إثارتهم، قبل التربية والإعداد، وقبل وحدة الصف والبناء، يعني بالضرورة هَدْمَ ما يُبنى، واستنفاذ الطاقات، وتضييع الشباب، وتحقيق أهداف العدو .. وَقَدْ كَانَ ...
نصحتُ لهم نصحي بمنعرج اللِّوَى ... فلم يستبينوا النصحَ إلا ضحى الغد
فهل من معتبر؟ !
стр. 91
مراحل طلب العلم
كنتُ قد ذكرتُ في المختصر -الطبعة الأولى- مراحلُ طَلَبِ العلم ..
وليس لها ههنا مناسبة، ولكن تلبية لرغبة بعض الأفاضل ذكرتُها في آخر هذا الجزء، لعل الله ينفع بها، وإلا فمحلها: ((التربية .. سبيلها .. وأنواعها)).
يمكن تقسيم مراحل طلب العلم -تجاوزًا- إلى ثلاث مراحل؛ كي يسهل على الطالب طلبَ هذا العلم الشريف؛ وكيما تنضبط أصوله، وتظهر معالمه، ويؤتي ثماره.
المرحلة الأولى:
وهي مرحلة: توجيه وتصفية .. وبناء وتربية .. وتأصيل وتحلية .. وتعليم وتقوية .. بناء لعقله، وفكره .. وتربية لنفسه، وخلقه .. وتوجيه لاندفاعاته، وطموحاته، وآماله ... وتصفية لأفكاره، ومعتقداته .. وتأصيل لعقيدته، ومعالم دينه .. وتقوية لإيمانه .. واعتزازه بإسلامه .. واتباع سلفه .. وتعليمه أحكام عبادته، وقواعد معرفة الحق .. وتدريبه على تطبيق قواعد الإنصاف، وأدب الخلاف، وحسن الأخلاق.
ومرحلة البناء هذه تكون هادئة هادفة ..
стр. 92
تتميز -هذه المرحلة- بالسعي نحو التمكين، تمكينِ الإيمان في النفوس، والعلم في الصدور، والتوحيد في القلوب، وتؤصل فيها طاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ ، واتباع السلف ..
وتتصف بالسهولة واليسر على الناشئين، وتكون أبعد ما يمكن عن الحماسة والعاطفة؛ لأن ما في نفس الشاب من حماسة وعاطفة كافيتان لعمله وحركته.
وليس من الحكمة في شيء أن نزيد حماسة الشاب حماسة، وعاطفته عاطفة، فيحصل من الثوران ما لا تُحْمَدُ عُقْبَاهُ.
ولا أدل على ذلك من هذا الواقع.
وفي حكمة رسول الله ﷺ مع أصحابه وأعدائه في مكة عِبْرَةٌ لمن أراد الرشاد، ودروسٌ لمن أراد السداد.
والواجب ضَبْطُ هذه الحماسة، وتوجيه هذه العاطفة، لا إثارتها قبل التربية، والعلم، والتوجيه، والحلم.
كما يُرَكَّزُ في هذه المرحلة على التعاون، والأخوة، والإخلاص، والتقوى، والمحبة، والتضحية، وعلى أن هدفنا النجاةُ من النار، والفوز بالجنة.
كما يجب إرشاد المتعلم إلى أهمية القيام بالواجبات الشخصية، لِمَا لها مِنْ نَفْعٍ في توطيد الإيمان، وإمداد النفس، وحملها على المتابعة والاستمرار.
والخلاصة أنه يُرَكَّزُ في هذه المرحلة على:
- الإيمان ومعناه، والتوحيد ومقتضاه، والشرك وأقسامه.
- الاتباع وضرورته، والاختلاف وضوابطه، والدليل ومضاداته.
стр. 93
- مراقبة الله وحده، وحسن الخلق وأهميته، وسبل تحقيقه وترجمته.
لأن في بيان حقيقة الإيمان، وصحة العقيدة، حفظًا له من الانتكاس، وسلامة له من الارتكاس في تيارات المعادين للإسلام.
ولأن في بيان حقيقة الاتباع صيانة له عن الانحراف في الطرائق الضالة عن الإسلام، والجماعات المنحرفة.
ولأن في بيان أهمية مراقبة الله، وحسن الأخلاق، وقاية له من سوء الخلق والجفاء، والانزلاق في مهاوي الرذيلة، والسقوط في حمأة الفاحشة.
ولهذا لا بُدَّ أن تكون العملية التربوية متكاملة، حتى تتحقق نتائجها الْمُؤَمَّلَةُ، وتُؤتي ثِمَارَهَا اليانعة ...
وَإِلَّا، فإن من سوء التربية أن [تُلَقَّنَ العقيدةُ، وَتُحْفَظُ مُتُونُهَا] أو يُرَكَّزُ على الاتباعِ، وحفظِ روايات السلف .. وَتُهْمَلُ تقوى الله، ومراقبته، وحسن الخلق ..
كما يحصل في بعض الجامعات، فيخرج جيلٌ يَحْفَظُ ولا يَفْقَهُ .. يَعْلَمُ ولا يَعْمَلُ .. وفي بعضهم من ضعف الإيمان، وَقِلَّةِ التقوى، وسوء الخلق، ما يَكْمَدُ النفوسَ حسرةً، وَيُفَطِّرُ الأكبادَ أسفًا.
ومن سوء التربية أيضًا: أن يُرَبَّى الناسُ على الترغيب والترهيب، وَالْحَثِّ على تقوى الله تعالى، وحسن الخلق، دون تمسك بالعقيدة، واتباعٍ للسنة والسلف، وإذا رأيتَهم تعجبك أخلاقَهم، وإن يقولوا تدهشك فصاحتَهم، كأنهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، مِنْ قِلَّةِ الفقه، وضحالة العلم، وَجَهْلِ العقيدة.
стр. 94
المرحلة الثانية:
وهي مرحلة شرح، وتفصيل، ومتابعة، لِمَا سَبَقَ في المرحلة الأولى.
ويتميز صاحبها بالتعقل، والمحاكاة، والمناقشة، والمنافسة، وإدراك ما يدور حوله، وَفَهْمٍ أوسعَ لدينه.
ويهتم فيها بزيادةِ العلم، وَوَضْعِ ضوابطَ للفهم -توعيةً له بأصول دينه- ونقاوةِ عقيدته، وصحةِ مذهب أهل السنة والجماعة، وبيانِ عَوَارِ الْفِرَقِ الأخرى، وأسباب انحرافها، والاهتمام بفقه الدعوة وأساليبها، والتركيز على الحكمة والبصيرة في دينه ودعوته، وتدعيم التعاون، والأخوة.
المرحلة الثالثة:
وهي مرحلة التوغل، والتعمق، والفهم الصحيح، لقواعد هذا الدين، وأصوله.
وينبغي أن يَصِلَ الطالبُ في هذه المرحلة إلى مَنْزِلَةِ الداعية الذي:
- يُنافح عن هذا الدين ببصيرة ..
- ويدافع عنه بعلم.
- ويدعو إليه بحكمة.
وفي هذه المرحلة يكون الطالب قد وَصَلَ إلى درجة كبيرة من الفهم، بحيث يستطيع أن يختار لنفسه ما يناسبها من اتجاهات العلم المختلفة، حيث يكون القلب قد مال بطبيعته إلى قسم من أقسام العلم؛ كالتفسير وعلومه، أو السنة وعلومها، أو الفقه وعلومه، أو الخطابة والدعوة، وما إلى ذلك من أنواع العلوم النافعة.
стр. 95
خلاصة الأجزاء السابقة
يمكن إجمال المعاني التي وَرَدَتْ في الكتاب في الفقرات التالية:
الأولى:
معرفة ما كانت عليه الجماعة الأولى:
كيف تربت؟ ... وبماذا تربت؟ ... وكيف سارت؟ ... أصولها ... قواعدها ... عقيدتها ... منهاجها ... أخلاقها ... تصرفها ... ما موقفها من المسئولين؟ ... ما موقفها من الخلاف العقدي، أو الفكري، أو الفقهي، أو المنهجي؟ ! !
الثانية:
تربية النشء على ذلك ؛ حتى لا تجتالهم الفرق الضالة، ولا تنحرف بهم الأفكار الخادعة.
وَمِنَ الْمُلْفِتِ للنظر حقًّا، والداعي إلى التأمل، والتفكر، والدراسة، أَنَّ أحدًا مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ لم يكن في أَيِّ فرقة من الفرق الضالة، فلم نجد صحابيًّا واحدًا خارجيًّا .. شيعيًّا .. معتزليًّا .. أشعريًّا .. صوفيًّا .. وأن أحدًا من الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يكن ليطمئن أنه من أصحاب الجنة، ومن الناجين من النار، حتى المبشرون بالجنة، بل حتى سيدهم أبو بكر، وَمَنْ مِنْهُ تفر الشياطين عمر بن الخطاب، ﵃ أجمعين ...
стр. 96
كانوا أخوف الناس من الله، ويذكرون من ذنوبهم ما لو كانت لنا لكانت حسنات!
ونحن نرى هؤلاء الناس في زماننا، وكأنهم أمسكوا بمفاتيح الجنة، وأخذوا العهود والمواثيق من الله أن لا يعذبهم أبدًا، وهم لا يعرفون معروفًا، ولا يُنكرون منكرًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
الثالثة:
دراسة مشكلاتنا الراهنة ، وبخاصة مشكلات الشباب، وحلها على ضوء الكتاب والسنة، وفي إطار منهاج أهل السنة والجماعة.
الرابعة:
إخضاع واقعنا المعاصر بما فيه من علم دنيوي ، وَتَقَدُّمٍ مادي، ومشكلات مختلفة، لقواعد الدين، ومناهجه .. وَمَنْ عَكَسَ فَقَدْ ضَلَّ.
الخامسة:
التركيز بالقدوة على الْخُلُقِ، والعلم، والعمل .. وأن لا يتخذ هذا الإسلام غرضًاّ وهذا الدين مأربًا، إلا غرض الدار الآخرة ونعيمها.
فكم رأينا من قادة المسلمين ما إن وصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا وتكشفت نياتهم، وكان شرهم على الإسلام والمسلمين أعظم من خيرهم، وكانوا بلاء عليهم أيّما بلاء.
стр. 97
السادسة:
التركيز على التعاون على البر مع المسلمين جميعًا .. والحب في الله، لا في الأشخاص .. والانتساب إلى الإسلام، لا إلى حزبية معينة .. فإذا كان كل واحد منا ينتسب إلى حزبية، ويعمل لها، فمتى نتحد؟ ! ومتى ننتصر؟ !
والاعتصام شرط من شروط النصر، والتنازع سبب من أسباب الفشل:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦].
السابعة:
الأصل في تجمع الجماعة الإسلامية هو التوحيد، والمنهاج .. يُوَالَى، وَيُعَادَى لهما، وفيهما، وعليهما.
ومن مستلزمات التوحيد وموجباته طاعةُ الله ، ورسوله ﷺ ، واتباع خيرة صحبه، فلا يعادي لحزبية، ولا يفارق في جزء، ولا يخاصم في فقه، ولا يشاقق في مندوب، فضلًا أن يعادي في درهم أو دينار.
الثامنة:
إحياء الأخوة الإسلامية التي كادت تندثر .. وَبَثُّ مشاعرها في النفوس، ولوازمها في المجتمع.
واعلم أنه لا أفسد على الأخوة من الحزبية، وأن الأخوة الإسلامية لا يفسدها خلاف، ولا يعطل الشعور بها شقاق، فهي مُلَازِمَةٌ لدينك مُلَازَمَةَ الروح للجسد، والماء للشجر.
التاسعة:
الحذر من الانصباغ بصبغة معينة، أو حزبية ضيقة ، أو جزئية من جزئيات الدين -ولو كانت صحيحة- أو سلوك طريق غير طريق الذين أنعم
стр. 98
الله عليهم، أو التقوقع حول عِلْمٍ دون بصيرة بما يدور حوله، أو الاهتمام بالمهم دون الأهم، أو التعصب للهيئات والأشخاص، أو الجماعات، أو العمل بلا علم، أو العلم بلا عمل، أو معاداة بعض الجماعات الإسلامية كمعاداة الكفار بدل النصح لها، أو تفسير النصح بالمعاداة، أو اتباع أسلوب في الدعوة ينافي الحكمة، أو يكون في دعوته مداهنًا.
بل يكون بالإسلام ملتزمًا .. ولدينه داعيًا ومدافعًا .. وبالرسول ﷺ مقتديًا .. وبصحابته، والتابعين، والأئمة، ومن سار على منهجهم، مُتَّبِعًا، وعنهم منافحًا.
وأمثلة ذلك كثيرة في واقعنا الإسلامي.
حَذَارِ أن تكون مع الجماعات التي بَنَتْ حولها سورًا، وأقامت جُدُرًا غليظة، تمنع الناس من دخولها، والاشتراك معها، بدعاوى ظَاهِرُهَا الحق، وباطنها الخطأ.
العاشرة:
الحذر من خلط الأوراق:
فمعاداة الكفر لا يعني اتباعَ أساليب غير شرعية في مواجهته ...
وعدم مواجهته -مِنْ قِبَلِ بعض المسلمين- لا تعني عمالتهم.
وخطأُ الْعَالِمِ لا يعني إسقاطه، وأن لا صواب عنده .. وخطأ بعض الجماعات الإسلامية وضلالها لا يُلْزِمُ نَصْبَ العداء لها.
وحبك لعالم أو داعية لا يعني عصمته .. وتخطئة العالم أو الداعية لا تعني الطعن به.
стр. 99
الحادية عشرة:
الأخلاق ... وما أدراك ما الأخلاق ؟ !
وقمة الأخلاق أن لا تَرُدَّ الخطأَ بالخطأ، والسيئةَ بالسيئة.
وإن للأخلاق منزلةً في تماسك المسلمين، لا تَقِلُّ منزلة عن التوحيد، والمنهاج.
وإن لِلُّطْفِ، والابتسامة، والإحسان، وحسن الخلق، من التأثير في قلوب الناس ما يفوق كُلَّ أسلوب، وطريق.
واعلم أن حسن الخلق آيةٌ على صِدْقِ دِينِكَ، وعلامةٌ على حُسْنِ نِيَّتِكَ، لا يفسده خلاف، ولا يبطله تنازع.
وأخيرًا:
إن هذا كله لَمِنَ المعروفِ والْمُسَلَّمَاتِ عند المسلمين .
ولكن المسألة في العمل والتطبيق!
ووالله ما أتيتُ بجديد .. وما أنا إلا مُتَّبِعٌ، غير مبتدع .. ولكنها ذكرى، والذكرى تنفع المسلمين.
وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن تَبِعَهُ إلى يوم الدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.