ومع هذا: فأنا راجع عن كل ما قد يُفهم منه غير هذا الذي قصدت، والله من وراء القصد.
стр. 247
حكم الاستشهاد بأقوال سيد:
١ - لاشك عند العلماء في جواز الاستشهاد بما صح من أقوال بعض المبتدعة، أو من وقعوا في بدعة، أو أخطاء، وقد استشهد رسول الله ﷺ بقول لبيد، وقد قاله في حال الكفر والجاهلية، فقال ﷺ : ((أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... )) [متفق عليه].
٢ - لقد مضت سنة أئمة الهدى: بالاستشهاد بأقوال من وقع في بدعة، ومن قرأ كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم رحمهما الله عرف ذلك.
٣ - أفتاني الإمامان بجواز الاستشهاد بما صح من أقواله، أما الشيخ ناصر فمسموع، وأما الشيخ ابن باز فمسموع ومقروء، وسوف تنشر هذه قريباً إن شاء على الشبكة العالمية -الانترنت- وسيعلم الذين يتعالمون على هذين الإمامين أي فضيحة سيفضحون.
٤ - إذا ما أفتى هذان الإمامان فعلى بعض الناعقين، في أقل أحوالهم أن يتأدبوا معهما ولا ينعقوا في وجوههما.
٥ - ومع ذلك أقول: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما استشهدت، لا لأن الاستشهاد بأقواله لا يجوز، ولكن دفعاً للفتنة، وتحقيقاً للمصلحة.
ولو أني أعلم أن الفتنة ستنتهي كلياً بترك الاستشهاد بكلامه، لتركته للأبد، كما وعدت بعض الإخوة بذلك، عملاً بالقاعدة: دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولكن ما كل ما يعلم يقال.
стр. 248
البراءة من أخطاء سيد:
لا شك أن في كتب سيد، وبخاصة الكتب التي كتبها في مرحلته الأولى والثانية أخطاء كبيرة، وزلات كثيرة، بل ضلالات، والواجب البراءة والتحذير منها، (١)
ونحن نبرأ منها ونحذر منها وقد حذرنا منها قبل غيرنا، منذ سنين كثيرة، وفي مواطن شتى ليس ههنا محل ذكرها.
стр. 249
حكم سيد قطب نفسه:
إن من علامة ديانة الرجل وإنصافه، أن يتجنب الحكم على الأعيان، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وأن يحكم على الأقوال؛ لأنها الأصل، وبها تحصل الثمرة.
فالله أعلم بحقيقة حال الرجال، وما ماتوا عليه، وما حُكْمُ الله فيهم.
كما أننا غير مسئولين عن حكم الأعيان عند الله، ثم لو أردنا أن نبحث في كل عين، وعلى ما مات عليه، لضاعت أوقاتنا، وأهدرت طاقاتنا، دون ثمرة تُقطف، ولا فائدة تُذكر.
ولذلك كان من حسن دين الرجل: أن يخطّئ ما كان خطأ، ويقبل ما كان صواباً، من سيد وممن هو فوق سيد، ونكل العين إلى الله تعالى، ونرجو له المغفرة.
وإذا اتُّفق على الفحوى والمضمون، وأن الخطأ خطأ، والصواب صواب، فلا يجوز -بعد ذلك- أن تكون عينه ولا عين غيره محلاً للولاء والبراءة، والشقاق، والتحزب، والاتهامات، وامتحان الناس، وفتنتهم فيه، مما لا ثمرة فيه إلا نزاع مفرق، وشقاق مفسد، وفتنة مشغلة.
وقد أخطأ سيد أخطاءً كبيرة، ووقع في زلات كثيرة، منها ما تراجع عنه، ومنها ما الله أعلم بحاله فيها.
وعلينا أن نقول عن الخطأ خطأ وعن الضلال ضلال، والله أعلم بما ختم له، ورب موقف منه، يغفر الله له، فإن له حسنات ومواقف في وجه الطاغوت، راجع مشكوراً باب فقه الموازنات من هذا الكتاب، وكلام الإمامين ابن تيمية، وابن القيم رحمهما الله فيه، ومن ذلك قوله ابن تيمية في أهل البدع: "ما من هؤلاء إلا وله في الإسلام سعياً مشكوراً، وحسنات مبرورة، ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق، وأخطأ، فالله يغفر له".
وقول ابن القيم في معرض الحكم على أهل التصوف: "والطائفة التالية: وهم أهل العدل والإنصاف -الذين أعطوا كل ذي حق حقه- قبلوا ما يقبل، وردوا ما يرد".
فإن من صفات اليهود رد الحق إذا جاء ممن يبغضونه.
стр. 250
وكذلك قال ابن القيم [في المدارج (٣ - ٥٢٢)]: "وقد ذم الله تعالى من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه، فهذا خلق الأمة الغضبية".
والله من وراء القصد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 251
النصيحة الأخيرة:
وأخيراً ينبغي أن يكون همّ طالب العلم والداعية والمتدين:
- طلب العلم كيما يسدد عمله، وتصح عبادته، ويستقيم منهجه.
- أن يكون جلّ همّه قبول عمله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: (٦٠)].
- أن يعلم أنه لن يسأل عن زيد أو عمرو، قبل أن يسأل عن نفسه ((عن عمرهِ فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه)).
وكثير من الناس يشغلون أنفسهم بغيرهم.
وكثير منهم نصبوا أنفسهم حكاماً على الناس، ظناً منهم أنهم يحسنون بذلك صنعاً، فضيعوا من المنافع وجلبوا من المفاسد ما الله به عليم.
وباختصار احذر خمساً:
- الانشغال عن العلم والعمل والدعوة بما هو دونهما وجوباً وأهمية، فضلاً عما يجر ذلك من ضياع الأوقات، والخوض في الأعراض، والوقوع في الاتهامات، ثم التعرض للإثم.
- الانشغال بما لا تسأل عنه عما تسأل عنه.
- البحث عما لا ينفعك وترك ما ينفعك.
- أن تسعى وراء ما لا تقدر عليه، وتترك ما تقدر عليه.
- التعصب، وأن يكون جل همك نصر رجل، أو تحطيم آخر.
إن من حسن دين الرجل ورجاحة عقله، أن يدرك ما ذكر، وأن يعمل به.
والله الموفق لكل خير.
стр. 252
الخاتمة
هذا معظم التأصيل الذي ذكرته في هذه العجالة، وأنا في هذا متبع لأهل السنة غير محدث، ولا خارج عن مذهبهم، فإن أصبت في نقلي واتّباعي فمن الله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
وما فاتني ذكره: فإما نسياناً، أو أني لا أجد أهمية لذكره، فمن كان له استفسار عن أصل لم يذكر، أو أصل ذكر غير واضح، فليسارع إلى السؤال قبل النشر، والتثبت قبل العجلة.
وباختصار: إن مذهب أهل السنة والجماعة هو المذهب الحق، عقيدة ومنهجاً على ما اتفق عليه الأئمة الأربعة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم من الأئمة الكرام، -رحمهم الله تعالى- وقد فصل هذا في عصرنا العالمان الألباني وابن باز -حفظهما الله تعالى- تفصيلاً.
وأنا راجع عن كل ما صدر مني -من قبل- مما يخالف هذا إن وجد، ولو كان في هذا الكتاب.
وأخيراً:
لقد كنت ومازلت أكره الردود، وأكره أن أرى هذا بين المسلمين.
ولذلك حرصت أن لا أخرج أي رد قبل محاولة التفاهم، أو التحاكم، أو المباهلة، وكم كنت أتمنى أن يقبل المخاصمين المفترون: التحاكم، فيظهر الحق، وتنقطع الفتنة، أو يقبلوا التباهل، وحينئذ نريح ونستريح من الظالم والمفتري، ولكن القوم أبَو ذلك كله، متمادين في إشعال الفتن بين المسلمين، والظاهر أنه لا بد مما لا بد منه، لذا اضطررت إلى إخراج هذا الكتاب براءة للذمة، وبياناً للحقيقة.
لذلك ينبغي على الذين يرون أخطاء على أحد: أن يسارعوا إلى النصيحة التي أمر الله بها -إن كانوا يريدون الخير ووحدة الصف- قبل أن يسارعون إلى التجريح، وإشعال الفتنة التي حرمها الله، فإن تصحيح الأخطاء بالتناصح، خير من التشهير والتفاضح.
стр. 253
فإن أبى المنصوح سماع النصيحة: دعي عند علماء يرتضيهم الطرفان، فإن أبى، نُظِرَ هل خطؤه أكبر أم صوابه؟ فإن كان خطؤه أكبر من صوابه، وهو يدعو إليه، وفي مجالسته مفسدة، حذر منه، وإن كانت أخطاؤه أقل حذر من أخطائه.
كما أناشد المسلمين جميعاً -إذا ما اختلفوا- أن يقبلوا بالتحاكم والتفاهم، عند العلماء المشهود لهم بالعلم والإنصاف، وبهذا تتآلف القلوب، وتتوحد الكلمة، ولا تكون الفتن، ولا الانشغال عن العلم والعمل والدعوة.
ولقد حرصت على أن لا أرد بالمثل من الألفاظ القبيحة، والاتهامات الكاذبة، وذلك خشية الإثم، فإن الكذب والفحش لا يرد بمثله، وأربأت نفسي عن الرد عن جرح في عرضي، أو خدش في سمعتي، وإن كان قد أذن الله لي، قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: (٤١)].
وذلك إبقاء للمودة بين المسلمين، ورغبة في التئام الجراح، وطلباً لتوحيد صف أهل السنة، وعسى الله أن يهديني وإخواني سواء السبيل.
كما أرجو من إخواني إن رأوا في هذا الكتاب شيئاً: أن يبادروا إلى النصح، فإن اختلفنا فإلى التحكيم، وذلك -والله- خير من الردود التي تشغل العباد، وتقسي القلوب، وتشتت الشمل.
فإن تولوا عن ذلك كله، فحسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والله أسأل أن يطفئ الفتن بين المسلمين، وأن يوحد صفهم، ويرفع رايتهم، وينصرهم على من عاداهم، ويرد لهم عزتهم وتمكينهم في الأرض، إنه ولي ذلك وأهل العفو والاستجابة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين (١).
стр. 254
المراجع
الكتب والمحاضرات التي اختصرت منها هذا الكتاب
- المنهج قضياه وأحكامه.
-الحزبية.
-قواعد معرفة الحق.
-الخلاف: أنواعه وآدابه.
-أسس الطائفة المنصورة.
-المجتمعات أنواعها وأحكامها.
-الطريقة النبوية في إقامة الدولة الإسلامية.
- من فتن شباب الصحوة.
- ثلاث قضايا: -الحاكمية -حكم الأعمال -إقامة الحجة.
- وكتب ومحاضرات ومقالات أخرى.