وكذلك قوله ﷺ : ((دب إليكم داء الأمم الحسد والبغضاء والبغضاء الحالقة؟ لا أقول تحلق الشعر بل تلحق الدين ... )) الحديث.
وعلى هذا قس قوله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين)) فكأنه ﷺ يقول: إذا كان لا بد من أن تحسدوا، فاحسدوا هذين، بمعنى الغبطة، وكان رسول الله ﷺ يقدر ولا يعجز أن يقول: اغبطوا هذين، فلماذا جاء رسول الله ﷺ بقول ربما يشكل على بعض الناس؟ ! وفي الحقيقة إنه لا يشكل إلا على الجاهلين، أو المترصدين أصحاب النيات السيئة، أما أصحاب النيات الحسنة، والأصول الصحيحة، والعلم المفيد، فلا يشكل عليهم هذا.
ولذا يخشى على من يعيب هذا الأسلوب بدعوى أنه مشكل، وخشية أن يسمعه العامي وغيره، أن يعيب على أسلوب القرآن، وأسلوب رسول الله ﷺ وهو لا يدري! فإن القرآن وحديث النبي ﷺ سيسمعه طبقات مختلفة من البشر، وأصحاب العقول المتفاوتة.
فبهذا يتبين لك: أن ما صدر مني في هذا الشأن، هو أسلوبٌ عربي متين، وهدي نبوي مبين، ومع ذلك استغله من استغله في التشويش، من المترصدين من أغبياء أو خبثاء، فحملوه وطاروا به، كأنهم لا يعرفون لغة، ولا يفهمون أسلوباً، ولا يحسنون خلقاً، وصدَّقهم وأفتاهم المتعجلون، والذين لا يتثبتون، وتم قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: (٢٠)].
لكن هل يجوز إلقاؤه على الناس:
ومنهم من يقول: لاشك -بما سردت من أدلة- بصحة هذا، وأن هذا أسلوب عربي مبين، ولكن يخشى أن لا يفهم، وقد يسمع بعضهم أول كلامك ولا يسمع آخره، فيحمله على غير ما أردت.
قلت: هاهنا مسألتان: الأولى: فهم الآخرين ، والثانية: دعوى الخطأ.
الأولى: فهم الآخرين:
стр. 212
أما دعوى أن بعض الناس قد لا يفهمون مثل هذه الأساليب، فهذا وارد، ولكن كنت أستعمل مثل هذا الأسلوب في المناظرات، والمحاضرات الدولية.
فلهؤلاء يقال: أما كان الله يقدر أن يقول: ((ليس للرحمن ولد وعليكم أن تعبدوني)) بدل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف (٨١)]. والقرآن سيتلى على الأعاجم، وعلى العوام، وعلى من لا يفهم الفعل من الفاعل إلى يوم القيامة.
فلماذا إذن هذا الأسلوب؟
أما كان بوسع رسول الله ﷺ أن يجيب معاوية: الكهانة كذب وحرام، وكفى، أليس هذا أوضح -في ظن المنتقدين- من قوله ﷺ : ((فمن وافق خطه فذاك ... )) أما كان يستطيع رسول الله ﷺ أن يقول: إبراهيم مبرأ من الشك بدل قوله ﷺ : ((أنا أولى بالشك من إبراهيم)) [رواه البخاري (٣١٩٢) ومسلم (١٥١) عن أبي هريرة]. إذ قد يتبادر إلى الذهن، أن الشك وارد على النبيين محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، والأمر ليس كذلك، فلماذا -إذن- اتبع رسول الله ﷺ هذا الأسلوب، وسوف يسمعه من لا يفهمه، وعلى زعمكم، فإن النبي ﷺ يضلل الناس؛ لأنه اتبع أسلوباً لا يفهمونه، ورب قارئ يقف عند قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: (٤)]. أو ينقطع المذياع أو المسجل، فلا يسمع السامع ما بعدها، فيعتقد أن الويل للمصلين، أما كان الله قادراً على أن يقول: فويل للساهين عن صلاتهم، فلماذا -إذن- هذا الأسلوب.
أو قد يسمع أحدهم قول عمر: "نعمت البدعة هذه" فيظن ذلك مدحاً للبدع، ولا يفرق بين البدعة الشرعية، والبدعة اللغوية، وقد كان ذلك، إذ احتج المبتدعة بقول عمر، فهل يلام عمر ﵁، أم يلام الذين لا يفقهون، والذين لا يتثبتون، فلماذا جاءت الآية بهذا الأسلوب، ولماذا استعمل رسول الله ﷺ هذا الأسلوب، ولماذا نطق عمر بهذا الأسلوب، ووالله لو لم يكن هذا الأسلوب نافعاً نفعاً عظيماً، لما ورد في القرآن الكريم، وعلى لسان رسول رب
стр. 213
العالمين، وعلى هذا فليتق الله الذين يعيبون هذا الأسلوب، خشية أن يقعوا في عيب أسلوب القرآن الكريم، وهم لا يشعرون، فليتدبروا الأمر وليتوبوا، لعل الله يصلح حالهم.
الثانية: دعوى الخطأ .
أما دعوى الخطأ فجوابها:
هب أني اجتهدت وأخطأت، فهل كان هذا الخطأ في المضمون أم في الأسلوب؟ هل هذا الخطأ في الاعتقاد والجنان، أم في اللفظ واللسان؟ لا شك أن الخطأ -إن وجد- ففي الأسلوب، إذ لا يمكن لمسلم عاقل متبع أن يقول: "التوحيد يفرق الأمة، والدعوة السلفية بدعة، وخالد وأبو عبيدة ﵄ كانوا أغبياء" وإذا كان هناك خطأ في الأسلوب (١) فكان ماذا؟ ! وهل يجوز أن يكون الخلاف في الأسلوب قضية تثار، ومسألة يُشْغَلُ بها الشباب؟ ويُجرح بها الرجل في دينه وأمانته وعلمه، ويُقال فيه ((منافق، خبيث، دجال)) أَكُلُّ هذا لخطأ في الأسلوب، أم لسوء طوية في المترصد، وفساد خلق في المنتقد، وحسد يفور، وعنصرية تثور؟
إن المسألة لا تعدو -في هذه الحالة- أن أكون كالذي قال: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك)) أو أكون كغيري من طلاب العلم ممن وقع في أخطاء فماذا كان؟ ! .
ثم يقال للمترصد: أيهما أعظم: أن ينسب الولد لله ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: (٨١)] أو ينسب الإجرام للأنبياء ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ [سبأ: (٢٥)]. أو يقال عن الشمس ﴿هذا ربي﴾ أو كلام عمر الذي ظاهره مدح البدعة ((نعمت البدعة هذه)) أهذا أغرب في ظاهره، أو أن ينسب الغباء لخالد، أو البدعة للسلفية؟ فأجيبوا إن كنتم تنصفون.
стр. 214
ومن زعم أن هذا خطأ في الأسلوب والمعتقد، فقد أبعد النجعة: فالله تعالى يقول: ﴿لا جناح عليكم فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب: (٥)]. وإخواننا يصرون على أنهم اطلعوا على القلب ولذلك حكموا بما حكموا به.
ثم إن عدد المرات التي استخدمت فيها هذا الأسلوب خلال خمس وثلاثين سنة من الدعوة إلى الله، لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، أي: بمعدل كل سبع سنين مرة، فهل هذا الأمر يحتاج إلى كل هذه الشنشنة والدندنة، اللهم اهدنا إلى سواء السبيل، وافتح بيننا وبين إخواننا بالحق، وأنت خير الفاتحين.
ومع هذا كله، أعترف أني أخطأت في تقدير عقول الناس، وفي أخلاقهم، ولو أني استقبلت من أمري، ما استدبرت ما فعلت (١).
لا لأن هذا الأسلوب غير جائز، ولكن لأني ما كنت أظن أن الغباء والحقد والحسد يُعمي إلى هذه الدرجة، ويدفع إلى الكذب والافتراء، واقتطاع الكلام عن سياقه وسباقه، ولو كنت تركت هذا الأسلوب لتجنبت ترصدهم، وإثارة حقدهم وحسدهم، وإشغال الناس بثرثرتهم، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ... ﴾ [الأعراف: (١٨٨)].
стр. 215
منهج الجرح والتعديل:
دندن بعضهم كثيراً على قاعدة: ((الجرح مقدم على التعديل)) ثم جعلها سلّماً لجرح العباد، وتحقيق المراد، حتى أصبحت منهجاً يربى عليه الطلاب، وينشأ عليه الحدثاء، فحصل بذلك من الفساد بين العباد الشيء الكثير والكبير، وقد غفلوا عن أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، وأن للجرح شروطاً وأحكاماً.
قال السبكي: "ضرورة نافعة، لا تراها في شيء من كتب الأصول، فإنك إذا سمعت أن الجرح مقدم على التعديل، ورأيت الجرح والتعديل، وكنت غراً بالأمور، أو فَدْماً (١) مقتصراً على منقول الأصول، حسبت أن العمل على جرحه، فإياك ثم إياك، والحذر كل الحذر من هذا الحسبان.
بل الصواب عندنا: أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرح، من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة. وإلا فلو فتحنا هذا الباب، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه، لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون. [قاعدة في الجرح والتعديل/ صـ ١٣].
- لا يقبل جرح من أحد إلا أن يكون ثابتاً مفسراً، فلا يجرح المسلم بالاجتهاد ولا باللوازم، ومعظم جراحات اليوم بالاجتهاد والظنون، وباللوازم العجيبة.
اشتكى إلينا شاب من أهل السنة والجماعة هَجْر أخيه، ولما سئل أخوه، قال: قاطعته لأنه مبتدع، فقد رأيته مع غالين في التكفير، فانظر كيف جرحه وهجره بمجرد الرؤية.
стр. 216
قال الحافظ: "قال أبو عبد الله (١): كل رجل ثبتت عدالته، لم يقبل فيه تجريح أحد، حتى يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه" [تهذيب التهذيب: (٧: ٢٧٣)].
وهذه قاعدة عظيمة بحاجة أن يتربى الناشئة عليها.
وقال الحافظ: قال الإمام ابن جرير الطبري: "لو كان كل من ادعى عليه مذهب من المذاهب الرديئة، ثبت عليه ما اُدَّعي عليه، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك، للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم -أحد- إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه، ومن ثبتت عدالته، لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن" من ((هدي الساري)) [٢: ١٥١ - ١٥٢].
قلت: جزاك الله عنا خير الجزاء، فما أحوجنا إلى هذا التأصيل.
وأما قاعدة: قبول الجرح المفسر، فليست كذلك على إطلاقها؛ لـ ((أن الجارح لا يقبل منه الجرح، وإن فسره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه، ومادحوه على ذاميه، ومزكوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه، من تعصب مذهبي، أو منافسة دنيوية، كما يكون بين النظراء أو غير ذلك ... )). [قاعدة في الجرح والتعديل لتاج الدين عبد الوهاب السبكي/صـ ٢٤].
وإذا علمت أن مالكاً والشافعي مجروحان، والجارحون أئمة، وأن البخاري وابن حبان مطعون بهما في عقيدتهما، والطاعنون أئمة، والطعون والجروح فيهم مفسرة، وأقوال بعضهم المنسوبة إليهم -التي طعن بهم لأجلها- ثابته، إذا علمت ذلك، فلا تلتفت بعد ذلك إلى هذه الجراحات، التي ملئت الدنيا في زماننا، والتي زعم أصحابها أنها مفسرة، إلا بعد تحقق الشروط، وانتفاء الموانع،
стр. 217
ومن الشروط:
- ثبوت الجرح بالبرهان لا بالاجتهاد والقرائن.
- تفسيره تفسيراً جلياً، مبنياً على حقائق، لا ظنون ولوازم.
وأما الموانع فمنها:
- الحسد والمنافسة الدنيوية، ومما يكون بين القرناء.
- التعصب بأنواعه المذهبي والحزبي والقبلي.
- يحذر من جرح الأقران، ومن كان بينهم خصومة، كما نبه إلى ذلك العلماء، وهذا باب واسع راجعه في كتاب (جامع بيان العلم، لابن عبد البر) ومن ذلك قوله: "فمن أراد قبول قول العلماء الثقات بعضهم في بعض، فليقبل قول الصحابة بعضهم في بعض، فإن فعل ذلك، فقد ضل ضلالاً بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً". [جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١١٧)].
قال: ((وإن لم يفعل -ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده- فليقف عند ما شرطنا، في أن لا يقبل في صحيح العدالة، المعلوم بالعلم عنايته: قول قائل لا برهان له به)) [جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١١٧)].
والمقصود أن لا يقبل تجريح كائن من كان، ولو كان مزكى في هذا العلم إلا بدليل، ولذلك لم يقبل العلماء جرح كل من جرحه أئمة الجرح والتعديل، بل حتى تجريح الإمامين أحمد والبخاري وغيرهم لم يسلم به كأنهم أنبياء، والتزكية لا تعني العصمة، وقبول قوله بلا دليل.
هذا كله يظهر لمن ألقى الفهم، وتتبع الدليل، واتصف بالإنصاف.
ومن شروطها وأحكامها كذلك:
- إذا اخُتلف في رجل، فجرحه من لا يعرفه، وعدَّله من يعرفه، رُدَّ الجرح، وقُبِلَ التعديل.
قال ابن عبد البر: "والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم إمامته، وبانت ثقته، وبالعلم عنايته، لم يلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة، تصح بها جرحته على طريق الشهادات" [جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٩٣)].
стр. 218
- لا يقبل جرح مجهول الحال، في معلوم في أصوله ودينه.
- الحذر من جرح المتشددين، وعدم الاعتداد به، وبخاصة إذا خالف المعتدلين. (١)
- يجب التفريق بين التجريح والتخطئة.
أ- لا يجوز التجريح لمجرد المخالفة أو الخطأ.
ب - لا يجوز ترجمة التخطئة تجريحاً، وإلا لما سلم لنا أحد.
فليست كل مخالفة في عقيدة أو منهج أو فقه تكون جرحاً، وليس كل جرح يكون مقبولاً.
فالجرح: جرحان: جرح في نفسه، كخبث، أو كذب أو تدليس، أو نفاق، أو منكر، أو معصية قبيحة.
وجرح في عقيدة أو منهج، وهذان الأمران متفاوتان، وهما نسبيان، وأما الخطأ والمخالفة في رأي، أو فتوى أو فقه، فهو شيء آخر، لا يدخل في هذا الباب أصلاً، وكثير من جرحات هذا الزمان جرحات أقران، لحسد أو مخالفة في مذهب، أو حزبية، أو عنصرية، أو ما شابه هذا التزيين.
وإذا كان إماما هذا العصر ابن باز والألباني ﵏ مجروحين عند كثير ممن يحسبهم بعض الناس شيوخاً بل أئمة في هذا الزمان، فحدث بعد ذلك عن الجرحات ولا حرج.
وبناء على ما سبق:
- فإنه لا يجوز إلزام الناس تجريح كل من يجرحه عالم، مهما كان الجارح والمجروح؛ لأن المسألة قد تكون اجتهادية، أو تجريح أقران، أو عداوة وحسد، ومن ضلال ما ذهب إليه
стр. 219
بعضهم: وجوب تجريح كل مَنْ جرحه، بل وتجريح من لم يوافقه على ذلك، أو لم يطعن بمن طعن به، ولقنوا الناشئة قواعد ما أنزل الله بها من سلطان منها:
- ((من لم يجرح من جرحناه فهو مجروح)).
- ((من لم يبدع من بدعناه فهو مبتدع)).
- ((من لم يقاطع من قاطعناه، قاطعناه)).
- ((من لم يكفر من كفرنا كفرناه)).
وهذا المنهج من أقبح ما ابتدعه القوم. (١)
- علم الجرح والتعديل علم جليل القدر، عظيم النفع، ولكن: إذا وضع في موضعه، وتكلم فيه أهله، وهو علم متقدم، وفن متخصص، لا يصلح لعموم الناس، ولا يربى عليه المبتدئون، وأما تلقينه للناس بعامة، وجعله محوراً لطلبة العلم، ومنهجاً وشغلاً شاغلاً، فليس من منهج السلف في شيء، بل هو من منهج الخوارج، وأهل البدع والأهواء.
كما أن نشره بين العوام، ودفع الناشئة للخوض فيه، له مفاسد عظيمة على الأمة، وعواقب على الناشئة وخيمة، فينشغل الطلبة بالتجريح عن العلم والعبادة، ويتكلم فيه من ليس أهلاً لذلك، فتقسوا به القلوب عن ذكر الله، وتتلطخ الألسن بأعراض العباد، وتتشفى به صدور كثير منهم من خصومهم، باسم الجرح والتعديل، فتضيع الأوقات، وتهدر الطاقات، وتنشأ الخصومات، ويصبح التجريح شغلهم الشاغل، كالغلمان إذا كان بأيديهم السلاح.
стр. 220
ومن مفاسده: أن يفتي ويصنف من لا علم عنده، ويجرح من لا دليل معه، وكثير من هؤلاء عن العلم منقطعون، وعن التقوى غافلون، ذلك لدخولهم معتركاً لا يتقنونه، وعلماً لا يحسنونه، وتزبزبهم قبل نضجهم، والله الهادي إلى سواء الصراط.
وأخيراً: على المسلم بعامة، وطالب العلم بخاصة، أن يتقي الله في تجريحه، أو تقليد المجرح، خشية أن يقع في الإثم، ولئن يخطئ في ترك التجريح، خير له من أن يخطئ في التجريح، وأن لا يجعل هذا منهجاً له وديدناً، ولا دعوة ومشغلاً، وإذا كان في مذهب السلف تجريح، فهل كان مذهب السلف كله التجريح؟ والانشغال به، وجعله منهج علم وعمل ودعوة؟ والله يهدي الجميع سواء السبيل.
стр. 221
من أحكام التنازع:
من الأصول العظيمة في دين الله تعالى، وجوب رد التنازع إلى الله تعالى وكتابه وإلى رسوله ﷺ في حياته، وإلى سنته بعد مماته.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: (٥٩)].
ماذا يجب على المتنازعين ؟
يجب على المتنازعين أمور:
الأول: وجوب رد أي تنازع، صغيراً كان أو كبيراً، دينياً كان أو دنيوياً، إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
الثاني: وجوب تحاكم كل فرد من الأمة إلى الكتاب والسنة، لا يستثنى منه أحد، كبيراً كان أو صغيراً، غنياً أو فقيراً، عظيماً أو حقيراً، عالماً أو جاهلاً، بل جميع أفراد الأمة مطالبون به، ويجب عليهم المسارعة إلى ذلك، لفض النزاع، ودفنه في مهده، ولا يحل لأحد كائناً من كان أن يعتذر عنه، كما اعتذر المنافقون من قبل.
الثالث: فإذا رضيا الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولم ينته النزاع أو الاختلاف في الفهم، فلا بد من تعيين حكم بينهما يرتضيانه.
الرابع: وجوب رد التنازع إلى أولي الأمر بعد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ :
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... ﴾ [النور: (٢٩)].
الخامس: وجوب قبول حُكْمِ الحَكَمِ ما لم يخالف الكتاب، أو السنة، أو الإجماع صراحة.
السادس: من دعا إلى التحاكم أو استجاب له، فقد أدى ما عليه، واتصف بصفة من صفات المؤمنين، وكان من المفلحين.
стр. 222
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: (٥١)].
السابع: من دعي إلى التحاكم ورفض كان ظالماً باغياً، ومتصفاً بصفة من صفات المنافقين، فإن من أعظم صفات المنافقين، الإعراض عن التحاكم والاعتذار عنه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: (٦١)].
ولقد كان رافض التحاكم باغياً ومتصفاً بصفات المنافقين، لارتكابه الكبائر التالية:
- رد أوامر الله تعالى، في وجوب التحاكم إلى الله ورسوله ﷺ عند التنازع.
- الكبر، قال ﷺ : ((الكبر بطر الحق وغمط الناس)) [رواه مسلم رقم (٩١) عن ابن مسعود ﵁].
- زيادة الفتنة، وإسعار أوارها، وإشغال العباد بها عما ينفعهم، لرفضه التحاكم، وهذا مما يأباه الإسلام، وينهى عنه أشد النهي.
وهذا أعظم من الفاحشة التي حرم الله الخوض فيها، وإشاعتها بين العباد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ... ﴾ [النور: (٢٠)].
ولقد كانت هذه الكبائر، لما يترتب على التنازع من مفاسد عظيمة على المتنازعين، والمجتمع المسلم.
وما أعرض معرض عن التحاكم إلا خوفاً من الفضيحة، أو الحكم عليه، أو لكبر في نفسه، أو خاف أن يحيف الله عليه ورسوله ﷺ ، ولذلك حَكَم الله تعالى عليه بالظلم والبغي.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ... ، بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: (٤٨، ٥٠)] (١).
стр. 223
ماذا يجب على المسلمين في حال نشوء نزاع بين طرفين ؟
الأول: يجب على المسلمين القادرين على الصلح بين المتنازعين، أن يسعوا إلى ذلك جادين؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... ﴾ [الحجرات: (٩)].
الثاني: يجب على المسلم قبل كل شيء، أن يمسك لسانه، وأن يظن بالمسلمين جميعاً خيراً، حتى تثبت له التهمة، بدليل قطعي الدلالة، قطعي الثبوت، وأن لا يتكلم بالظنون، ويتهم بالقرائن، وليعلم أن إثم الظن كبير: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)) [أخرجه أبو داود (٤٩١٧) الترمذي (١٩٨٨) وصححه شيخنا الألباني في صحيح أبي داود (٤١٠٩)].
قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ... ﴾ [النور: (١٢)].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا ... ﴾ [النور: (١٦)].
الثالث: النظر في النزاع، فإن كان مما يعنيه، ويترتب على معرفته حق من عقيدة أو عمل فعليه:
- التثبت من الأقوال، وبخاصة في مقام التهمة، مهما كان ناقلها على منزلة من العلم والفضل، فوالله لقد رأينا الكذب يجري على لسان كثير من الصالحين ظاهراً جري الماء في الأنهار، دون أن يشعروا؛ وذلك لعدم تثبتهم، ولله در من قال: "وما آفة الأخبار إلا رواتها"
стр. 224
وإذا كان أحد الصحابة قد نقل خبراً غير صحيح، فلا أحد بعدهم أفضل منهم يستثنى من التثبت كائناً من كان.
- رد رواية المجهول، وقد اتفق المحققون على ذلك، فكيف إذا كان الناقل مجهولاً وكذاباً مدلساً (١)؟ ! ألا أيها المتهمون عباد الله بغير تثبت، أليس فيكم دين منيع؟ ! أو عقل سديد؟ !
- ومن التثبت سؤال صاحب القول إن أمكن.
- التريث وسؤال أهل العلم عن الحق بنقل نص القائل، لا بنقل المعنى، فإن كثيراً من الناقلين، لا يدركون المعنى المراد، فيقعون في الظلم، ويثيرون الفتن.
- وإذا كان الأمر يحتمل أكثر من وجه، فيحمل على أصول الرجل، فإن لم يتبين الأمر، حمل على الوجه الحسن.
- وإلا وجب عليه التوقف والتبين، فإن توقَّف المسلم خير له من الخوض فيما لا وضوح فيه، فيشعل فتنة، ويحمل وزراً.
الرابع: إذا كان النزاع مما لا يعنيه، أعرض وأمسك، ونجى بنفسه ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) [رواه الترمذي (٢٣١٨) عن أبي هريرة، ورواه أحمد (١٧٣٧) الطبراني في الكبير (٢٨٨٦) عن علي بن حسين، وصححه شيخنا الألباني في صحيح الترمذي: (١٨٨٦)].
ولما سئلت زينب عن عائشة ﵄ في تهمتها، قالت: "أحمي سمعي وبصري" [البخاري (٤١٤١، ٢٥٩٣) ومسلم: (٢٧٧٠)].
وسئل ابن عمر ﵁ عن فتنة علي ومعاوية ﵄ -بعد أن مضت وقُضيت- فأجاب ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: (١٣٤)].
стр. 225
وكان عمر بن عبد العزيز إذا سئل عن الفتنة يجيب: "أولئك قوم طهر الله يدي من دمائهم، فأحب أن أطهر لساني من أعراضهم"
الخامس: يحرم نقل الأخبار بين المتنازعين، لإسعار الخلاف، وإثارة الفتن، بل هو من الكبائر؛ لما فيه من إفساد للقلوب، وقطيعة لذات بين المسلمين، وإشغال للعباد عما ينفعهم، بل ينبغي نقل الأخبار الطيبة بين المتنازعين ولو كذباً.
السادس: وجوب الوقوف مع المظلوم ضد الظالم، ومع المعتدى عليه ضد المعتدي والباغي، ولو كان قريباً أو وجيهاً، ولا يجوز تقديم المصالح الشخصية على حكم الله في الوقوف ضد الباغي.
قال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... ﴾ [الحجرات: ٢٩].
وليس المطلوب القتال الفعلي فقط في كل نزاع، بل قد يكون قتالاً معنوياً، كالنصيحة والمقاطعة والفضيحة.
ولما كان في إنهاء التنازع خير كبير على المسلمين، كان الساعي في طلب التحاكم والصلح بين الناس له أجر عظيم إن أخلص النية، وأحسن الفعل:
قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: (١١٤)].
واعلم أن هذه القواعد عامة في كل تنازع، وفي كل صلح، سواء كان في طلاق، أو نكاح، أو في دنيا أو آخرة، أو في عقيدة أو منهج، والله نسأل أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يوحد صفوفهم، ويعلي كلمتهم، إنه أهل ذلك والقادر عليه.
стр. 226
من أحكام الردود:
إذا تعذر التحاكم، أو إنهاء التنازع بالتفاهم، وكان في السكوت مفسدة، وفي الرد مصلحة أكبر من مفسدته، وجب الرد، فقد مضت سنة السلف في الردود على أهل البدع والزيغ، بل وفي تصحيح الأخطاء، وسبقهم الكتاب والسنة في ذلك.
- يجب الرد بالتي هي أحسن:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: (٤٦)].
ولما ردت عائشة على اليهود بغير التي هي أحسن، قال ﷺ : لها: ((يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله)) [رواه مسلم: (٢١٦٥)].
١ - إن البداءة بالردود بين المسلمين بعامة، وبين أهل السنة بخاصة، دون اللجوء إلى طريق آخر، لا يقضي على الفتنة، فهو من الفتنة أيضاً.
٢ - يجب أن تكون الردود مضبوطة بضوابط الشرع؛ لأن لها مفاسد عظيمة، ونتائج شنيعة، منها:
أ- إشغال المسلمين والناشئة عما ينفعهم، بما هو أقل نفعاً، إن لم يكن بما هو أكثر ضرراً.
ب - إثارة الفتن بين المسلمين، وانتشار الضغائن، وزرع الشحناء.
ج - قساوة القلوب، وتنافر النفوس.
د - الانصراف عن التعبد، والوقوع في المعاصي، كرد فعل من كثرة الخوض في الردود، والبعد عن الرقائق والإيمانيات.
والواقع يشهد بأحداث تُدمي القلوب، مما حصل للناشئة، الذين حملوا راية الغلو، من التكفير والتبديع وغيرها حصل بهم انتكاسات خطيرة، وتصرفات بشعة.
ذلك لأنهم:
- دخلوا باباً ليسوا هم أهلاً له أصلاً.
- أشغلوا أنفسهم في باب واحد من أبواب الإسلام.
стр. 227
وسّعوا هذا الباب حتى جعلوه هو الإسلام، وعليه الولاء والبراء، ثم ولجوا فيه، فلم يخرجوا منه إلا بغلو مفشل، أو ضياع مفسد.
стр. 228
كلام الأقران:
من سنن الله في خلقه: أن يبتلى الأقران بعضهم ببعض، لحسد، أو دنيا، أو مصلحة، أو سوء ظن، أو سوءِ فهمٍ لمسألةٍ مُختلفٍ عليها، مع ما يصحب هذا من فظاظةِ ألفاظٍ، أو سوءِ أخلاقٍ، وتعمد أذية.
وقد يكون كلام بعضهم في بعض تأولاً أو اجتهاداً، كما حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم، فقد قال معاذ في الشابِّ الذي ترك الصلاة وراءه: ((منافق)) وكان مؤمناً صادقاً، وقال عمر ﵁ في حاطب: ((منافق)) وردَّ ذلك النبي ﷺ ، وشهد لحاطب بالإيمان.
وقال علي ومعاوية كلاهما في أخيه ما قال، فلم يلتفت إلى ذلك أهل السنة، وكل من التفت إلى ذلك عُدَّ من أهل البدع والفتن.
قال ابن عبد البر ﵀ في جامعه [١٠٩٤] (١): "إن السلف ﵃ قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير منه في حال الغضب، ومنه ما حمله عليه الحسد، كما قال ابن عباس، ومالك بن دينار، وأبو حازم، ومنه على جهة التأويل مما لا يَلزم المقول فيه ما قال القائل، ... ، ثم قال: ونحن نورد في هذا الباب من قول الأئمة الجلَّة الثقات السادة بعضهم في بعض مما لا يجب أن يلتفت فيهم إليه، ولا يعرج عليه" (٢).
وقد استفتح ابن عبد البر الباب الذي أشار إليه بحديث النبي ﷺ : ((دب إليكم داء الأمم من قبلكم، الحسد والبغضاء ... )) الحديث إشعاراً بأن معظم ما قيل في هذا الباب، هو من باب الحسد، وأن رسول الله ﷺ لم يستثن منه أحداً، عالماً كان أو جاهلاً، وجيهاً كان أو وضيعاً.
стр. 229
وأما قول ابن عباس ﵁ الذي أشار إليه ابن عبد البر، فهو قوله: "خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم في بعض، فإنهم يتغايرون كتغاير التيوس في الزريبة".
وأما قول مالك بن دينار فهو: "يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض، فلهم أشد تحاسداً من التيوس".
ثم ضرب ابن عبد البر ﵀ في كتابه أمثلة من قول بعضهم في بعض، من الأفضل الإعراض عنها، ولكننا نسوق بعضها باختصار للاعتبار، وليعقلها الأخيار، ويتقي شرها الأبرار -فكن منهم رعاك الله- لعل الله يطفئ بها الفتن.
فقد تكلم الإمام مالك في ابن إسحاق وكذَّبه، وقال: "هذا دجَّال من الدجاجلة" ولم يقبل العلماء قول مالك رغم إمامته، وقبلوا رواية ابن إسحاق ووثَّقوه، وقال ابن وهب، عن عبد الله بن زياد: "ثقة" وكان مالك يقول فيه: "كذَّاب" وردَّ العلماء قول مالك، ومثل هذا الاختلاف كثير جداً.
وتكلم في مالك جماعة من العلماء الأجلاء، منهم إبراهيم بن سعيد، وإبراهيم بن أبي يحيى، وكان يدعو عليه، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن إسحاق، وابن أبي الزناد، وغيرهم، وعابوا أشياء من مذهبه، حتى الإمام الشافعي تحامل عليه، وكذلك بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة؛ حسداً، حتى قال ابن أبي ذئب فيه -لمسألة خالف مالك فيها نصاً متأولاً- قال: "يستتاب مالك وإلا يقتل ... ".
ورغم أن جميع من تكلم فيه من أهل السنة، بل من علمائها وأئمتها، ومع ذلك لم يُصْغَ إلى أحد منهم، وعدُّوا ذلك من كلام الأقران.
وأطلق ابن معين لسانه في كثير من الأئمة، في الأوزاعي، والزهري، حتى طال لسانه في الإمام الشافعي، وغيرهم، قال ابن عبد البر: "وقد كان ابن معين -عفا الله عنه- يطلق في أعراض الثقات الأئمة لسانَهُ، بأشياءٍ أُنكرت عليه ... " وكل الذين تكلم فيهم، هم عند العلماء أعلم منه وأفقه.
стр. 230
ومن أعظم الفتن بعد فتنة الأنبياء التي هي سلوى للمبتلين، وعبرة للسامعين، وردع للغافلين، فتنة الإمام البخاري، إذ حسده بعض شيوخه وأقرانه، ومَنْ هم دون ذلك، وتكلموا فيه، وبدَّعوه، وهجروه، وأمروا الناس بهجره، حتى خرج من بعض البلدان وحيداً، ليس معه أحد إلا الله تعالى، وكفى بالله للمظلومين نصيراً.
وَسِرُّ ذلك: أن البخاري لما قدم نيسابور، بلد محمد بن يحيى، قال لهم محمد بن يحيى: "اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه، فذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه، وظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى، فحسده بعد ذلك، وتكلم فيه".
قال أبو حامد الأعمش كما في سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٥٥): "رأيت محمد بن إسماعيل في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان، ومحمد بن يحيى -إمام من أئمة أهل الحديث- يسأله عن الأسامي، والكُنى، وعِلَلِ الحديث، ويمرُّ فيه محمد بن إسماعيل مثل السهم، فما أتى على هذا شهر حتى قال محمد بن يحيى: ألا من يختلف إلى مجلسه فلا يختلف إلينا، فإنهم كتبوا إلينا من بغداد أنه تكلَّم في اللفظ، ونهيناه، فلم ينته، فلا تقربوه، ومن يقرْبه فلا يقْربنا، فأقام محمد بن إسماعيل هاهنا مدة، ثم خرج إلى بخارى".
"وقال محمد بن يحيى مرة: ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري، فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه" فانظر ماذا يصنع الحسد بأهله، حتى أضر نفسه، وأضر غيره بترك الاستفادة من علم هذا الإمام، ثم أبقى الله ذكره، وردَّ حسد غيره، وهكذا تتكرر حكاية البخاري في العلماء والدعاة، في كل زمان ومكان، فسبحان الله مبتلي العباد بالعباد.
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: "لكن بعض الأعيان تكلم في بعض الأقران، مثل كلام أبي نعيم في ابن منده، وابن منده فيه، فلا نتخذ كلامهما في ذلك عمدة، بل ولا نحكيه؛ لأن الناقد إذا بحث عن سبب الكلام في مثل ذلك وانتقد، رآه إما لعداوة، أو لمذهب، أو لحسد، وقلّ أن يسلم عصر بعد تلك القرون الثلاثة من هذه المهالك، ومن نظر في التاريخ الإسلامي
стр. 231
فضلاً عن غيره، حقق ذلك، وما وقع منه في الأغلب كان سببه المذهب" (١) [الرد الوافر: (٢/ ١٩)]. (٢)
مفاسد هذا المذهب
مفاسد قبول كلام الأقران بعضهم في بعض، ونشر هذا بين الناس، كثيرة منها:
- تحمُّل إثم الغيبة، ونشر الفساد، فلحوم العلماء مسمومة، قال ابن عبد البر (١١١٦): "والله لقد تجاوز الناس الحد في الغيبة والذَّمِّ، فلم يقنعوا بذَّمِّ العامة دون الخاصة، ولا بذم الجهال دون العلماء، وهذا كله يحمل عليه الجهل والحسد".
- الانشغال بذلك عن العلم والعمل والدعوة، فانظر إلى حال هؤلاء الذين دأبهم الكلام في الناس، وكيف أُشغلوا بذلك عن حفظ القرآن والسنة، وهل ازداد المرء بعد الفتنة علماً وأدباً، أم كذباً وحسداً؟ !
قال بعض السلف: "أمرنا الله بالإكثار من ذكره، فذكرنا الناس أكثر منه سبحانه".
- قساوة القلوب: بإشعال نار الضغينة والحسد بينهم، فانظر إلى هؤلاء، أو إلى نفسك إن كنت وقعت في ذلك، هل قلبك ازداد -بعد هذه الفتنة- رقة ولطفاً، أم قساوة وضغينة؟ ! .
- زيادة تفريق المسلمين وتحزبهم، وهذا أمر مشاهد لا ينكره عاقل، فإن نقل كلام الأقران بعضهم في بعضهم بين الناس، فرق الصف لأجل أشخاص، باسم المنهج، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 232
- فقدان الناس الثقة بالعلماء، حتى يصبحوا في حيرة من أمرهم وقلق وفساد في دينهم، وإذا فقدت الثقة، فمن يصدقون؟ ومن يسألون؟ وهذه المفسدة من أعظم المفاسد، وقد أدى هذا الأمر بكثير من الناشئة إلى ترك طلب العلم انشغالاً بذلك، أو فتوراً، إذ يقول له الشيطان: إذا كان العلماء كذلك، فكيف يُطلب العلم عندهم، أو يقول له: هذا ثمرة العلم فأعرض عنه.
فمنهم من عن العلم انتكس، بل منهم من عن التقوى أو الدين ارتكس -والعياذ بالله- إذ يقول له الشيطان: "إذا كان العلماء والدعاة يطعن بعضهم في بعض، فأي دين هذا؟ وأي تقوى هذه؟ " فيدفعه هذا إلى الانحراف والفساد، ولقد رأينا من هذا أمثلة كثيرة، وأعلم أناساً كانوا من أوائل من أشعل هذه الفتنة، فتنة كلام الأقران، وتتبع الزلات، وإلزام الإلزامات، وكانوا لا يغشون مجلساً إلا أشعلوا فيه الفتنة، وهم الآن قد افتتنوا في دينهم وانتكسوا، وبعضهم يعيش وحيداً منفرداً، قد أصابته الأمراض، وقال لي أحد الثقات: أنه يتقيأ دماً، لقد سمَّه لحوم العلماء والدعاة، وبعضهم انحرف في الشهوات، في أوكار ديار الكفر، فالله نسأل لنا ولهم العافية.
ولما رأى أبو العتاهية الشاعر ذلك منهم، أنشد قائلاً:
بكى شجوه الإسلام من علمائه ... فَما اكترثوا لمّا رأوا من بكائه
فأكثرهم مستقبحٌ لصوابِ مَنْ ... يخالفُهُ مستحسنٌ لأخطائه
فأيهُمُ المرجوُّ فينا لدينهِ ... وأيهُمُ الموثوقُ فينا برِأْيه
وقال أبو حازم: -وهو من أجلِّ علماء السلف- لما رأى ما يجري بين بعض العلماء من التغاير والتحاسد، قال: "فهلك الناس".
قواعد الإنصاف في هذا الباب:
стр. 233
لقد خلط كثير من الناشئة في هذا الباب وخبط، وتحزَّب لذلك وفرَّق.
قال ابن عبد البر (١٠٩٣): "قد غلط فيه كثير من الناس، وضلت فيه نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك".
قلت: كأن ابن عبد البر ﵀ يعيش في زماننا، وما أكثر النوابت في كل زمان.
القاعدة الأولى:
"لا يقبل -أي الجرح- فيمن صحت عدالته، وعُلمت بالعلم عنايته، وسَلِمَ من الكبائر، ولَزِمَ المروءة والتعاون، وكان خيرهُ غالباً، وشرهُ أقل عمله، فهذا لا يُقبل فيه قول قائل لا برهانَ له به، وهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله".
ولما كذَّب مالك: عبد الله بن زياد ووثَّقه غيره، قال ابن وهب: "لا يقبل قول بعضهم في بعض" قالهما ابن عبد البر في جامعه (١٠٩٣)، (١١٠٦).
وبتعبير آخر: إذا صحت أصول الرجل، واستقام منهجه، ولم يتبين منه ضلال ولا فسق، فلا يقبل قول بتضليله، إلا بدليل كالشمس وضوحاً، وكالجبال ثبوتاً، أما مخالفته في مسائل -مهما كانت- لأقرانه، أو لمن هم فوقه مع صحة تأصيله، واستقامة استدلاله، فلا يلتفت إليها أبداً، مادامت في إطار الاجتهاد المشروع، فقد مضى خلاف أهل السنة والجماعة في قضايا في العقيدة ومسائل في الأصول والفروع، وما أكثرها.
وإذا مضى الأمر باجتهاد من أهله، فلا يُعاب على قائله، ومن عاب في ذلك فقد خاب، ومن ضلل فقد ضلَّ، ومن بيَّن وعذر فقد سلم، ومن خطّأ ونصح فقد برئ.
وإذا رُدَّ قول مالك، والشافعي، وابن إسحاق، وأبو حنيفة، وابن المبارك، وقتادة، وابن أبي ذئب، وعِكْرِمَة، وسعيد بن المسيَّب، وغيرهم كثير، إذا رُدَّ قول هؤلاء في أقرانهم، -وهم من أعظم أئمة الهدى- أفلا يُردُّ قول من هو دونهم! أفلا يرد قول مجهولين فيمن عُرفت عقيدته، وبان منهجه، واستقام أمره، ولكن كثر حساده، اللهم هداك.
القاعدة الثانية من قواعد الإنصاف في هذا المقام:
стр. 234
أن لا يقبل قول جارح إلا بعد التثبت بالطرق الشرعية، والقواعد القضائية، لا بالمكالمات الهاتفية، والإلزامات الظاهرية، والقرائن الظنية، وأن لا يكون بينهما خصومة ولا منافسة ولا حسد.
قال ابن عبد البر ﵀: "والصحيح في هذا الباب: أن من صحَّت عدالته، لم يُلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة، يصح بها جرحته على طريق الشهادات ... ".
واشترط ﵀ أن يكون المتكلم بريئاً: "من الغل والحسد، والعداوة والمنافسة، وسلامته من ذلك كله، فذلك كله يوجب قبوله قوله ... ".
فأين هذا التقرير العظيم؟ وهو: عدم قبول جرح من شُهِدَ له بالعدالة، إلا على طريق الشهادات.
أين هذا من اتهامات الدعاة بعضهم بعضاً، بلا بينة ولا تقوى، سوى الظنون والهوى، والإلزامات الباردة.
القاعدة الثالثة من قواعد الإنصاف:
لا يُسقَطُ علم هؤلاء ولا علم هؤلاء -الذين جرح بعضهم بعضاً- بل يُؤخذ الحق ممن وُجِدَ عنده، من غير التفاتٍ إلى طعونِ بعضهم ببعض، ولو أنَّا أسقطنا كل عالم تكلم فيه قرينه، لما بقيَ لنا أحد، فقد تكلم ابن معين -كما سبق معك- في أئمة أهل السنة، فردوا قوله، وقبلوا علمه، ولم يبدعوه، ومن قبله الإمام مالك كذلك.
القاعدة الرابعة من قواعد الإنصاف:
أن يُطوى كلام بعضهم في بعض ولا يُروى، وأن يُدفن ولا يُنشر، ونستغفر لهم جميعاً.
стр. 235
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) [سورة الحشر: (١٠)] والله أسأل أن يجنبنا جميعاً هذا الأمر.
стр. 236
قاعدة (نصحح ولا نجرّح):
هذه قاعدة تربوية عظيمة في مجال الخلاف الاجتهادي، وأطلقت في وجوه الذين يعملون بقاعدة (نجرح ولا نصحح) و (نحكم ولا نُعلِّم) و (نطعن ولا ندعو) أولئك الذين يتجاوزون حدود النقد العلمي إلى أعيان المجتهدين، والذين يبدؤون تربية الشباب الذين لا يحسنون قراءة القرآن، ولا يتقنون شروط الصلاة، ولا يعرف كثير منهم -الفاعل من المفعول- يربونهم على تجريح العباد، والطعن بالنجباء، حتى تطاولوا على العلماء الكرام، وأحرقوا بعض كتبهم كالنووي، والذهبي، والعسقلاني، وابن باز، والألباني، وغيرهم.
وأشغلوهم -بالطعن والتجريح- عن العلم والعمل والدعوة، فترى هؤلاء الشباب لا هم لهم ولا عمل، سوى الانتقال من مجلس إلى آخر، ومن بلدة إلى أخرى، يطعن بهذا، يُخبّث ذاك، يجرح هؤلاء، يدخل في نيات أولئك، همه تتبع العثرات، وإلصاق الإلزامات، فإن استحفظته قرآناً وجدته لا يحفظ، وإن سألته عن تفسير آية، وجدته لا يفقه.
لذا كان لزاماً علينا التصدي لهؤلاء بالقاعدة التربوية (نصحح ولا نجرح) أو (نخطِّئ ولا نطعن).
أي: نقوم بتصحيح الكلام، ولا نشغل أنفسنا بتجريح العباد، والدخول في النيات (خبيث، دجال، كذاب، مدلس، منافق).
ولا شك أن تصحيح الكلام يتضمن بدهياً التخطئة، وهو أمر لا معرَّة فيه، ولكن المعرّة في إشغال أنفسنا في عين المتكلم لا في كلامه، وهذه القاعدة، كقول سلفنا الصالح: (ينظر في القول لا في القائل).
ومن أنصف: وجدها قاعدة تربوية مهمة، لتنشئة الصغار والمهتدين عليها، وصرفهم عن الحكم على الأعيان، وتجريح الدعاة والعلماء إلى العلم النافع، والعمل الصالح، والدعوة المثمرة.
стр. 237
وقد وردت في الخلاف المعتبر بين العلماء؛ لحماية أهل السنة، علمائها ودعاتها من ألسن الحدثاء المتعالمين، والحزبيين الجاهلين.
وليس فيها نقض لقاعدة أهل الحديث الصحيحة: (نعدل ونجرح) فأين هذه من هذه، فالقاعدة لا تقول (نعدل ولا نجرح) وإنما تقول: (نصحح ولا نجرح) فالأولى: تخص العلماء في شأن علم الرجال، والثانية: تخص الناشئة، في شأن أقوال العلماء والدعاة من أهل السنة والجماعة.
فهل الأخ المعترض المترصد، يريد أن يشغل الشباب بالتجريح؟ كما يفعل هو بدعاة السنة! (خبيث، ماكر، مغرور) ولا تشمل أهل البدع، فإنه من المعلوم جواز تجريح أهل الضلالة، إن لم يكن واجباً.
كما لا تمنع هذه القاعدة: من تجريح الأعيان الذين ثبت خبثهم، وكيدهم للإسلام وأهله، ولكن ليس هذا شأن الحدثاء، بل هو شأن أهل العلم النبلاء.
وقد فهمها بعضهم: أنها ناقضة لمنهج الأنبياء في الدعوة إلى الله، ولا علاقة البتّة بين هذه وتلك، لكن لله حِكَمٌ في تفاوت عقول الناس، وأصحاب الدخول في النيات.
وجواباً لهؤلاء يقال: هل الأَوْلى -وبخاصة في أول الطريق- أن يربى الناشئ على العلم والنظر في القول، ويعرض عن الأعيان تعديلاً أو تجريحاً؟ أم الأَوْلى أن يجعل شغله الشاغل، التجريح والتعديل والمفاضلة؟ ! أفصرف الطالب والناشئ عن الانشغال بتجريح العباد إلى تصحيح المقال بالعلم يعد ضلالاً؟ ! اللهم هداك (١).
وخلاصة المقصود من هذه القاعدة:
إذا ظهر خطأ من رجل أصوله صحيحة:
стр. 238
- فنتثبت من صدوره منه أولاً.
- نصحح الخطأ دون التعرض لعينه ثانياً.
- ننصحه بأدب ورفق ثالثاً.
-وإذا تمكنا من نصحه قبل التصحيح، ليصحح بنفسه كان أفضل وأولى من الدخول في الردود وغيرها.
стр. 239
قاعدة: إذا حكمت حوكمت، وإذا تعلمت هديت، وإذا دعوت أجرت .
هذه قاعدة تربوية مهمة، معناها واضح بيّن، وهدفها سامٍ عظيم، وثمارها عظيمة النفع، كثيرة الفوائد.
أما معناها فهو: إذا حكمت على أحد -أي حكم كان- فأنت معرَّض للمحاكمة، ومقبل على المحاسبة، ومسؤول عن حكمك عند الله، فإن كان الحاكم من أهل الاجتهاد، وحكم بعدل أُجِرَ، سواء كان مصيباً أم مخطئاً، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، أو كان من أهله، ولكنه حكم بالهوى من إلزامات وتحامل أَثِمَ، وأما إذا دعا المرء إلى الله بعلم وحكمة أُجِر على كل حال، سواء اهتدى المدعو أم لم يهتد.
قال ﷺ : ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ... )) [البخاري: (٦٩١٩) ومسلم: (١٧١٦) عن عمرو بن العاص، وأبو داود: (٣٥٧٤) والترمذي: (١٣٢٦) عن أبي هريرة].
وقال ﷺ : ((قاضيان في النار وقاض في الجنة)) [سبق تخريجه].
فتبين بهذا: أن القضاة سيحاكمون، وعن كل حكم صغير وكبير -أمام الله- مسؤولون، فإن حكموا بعدل وعلم أُجروا، وإن حكموا بجهل أو هوى أثموا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: (٣٦)].
وأما هدفها: فهو صرف الناس بعامة، والناشئة بخاصة، عن الحكم على العباد، إلى العلم النافع، والدعوة المباركة.
وأما إذا ما انصرفوا إلى الحكم على الخلق، من تكفير وتبديع وتفسيق، وانشغلوا بذلك عن العلم والدعوة، فيحصل بذلك مفاسد لا تخفى على أصحاب البصائر، من تضيع الأوقات، وهدر الطاقات، وإثارة الشحناء، وتفريق الصفوف.
وأما ثمارها: فيانعة القطاف، عظيمة المنافع، لا تخفى على كل ذي لب.
стр. 240
فإن من تجنب الحكم على الأعيان، وانشغل بطلب العلم، واهتم بدعوة الخلق، حفظ لنفسه الأوقات، وانتفع بما آتاه الله من الطاقات، وازداد درجات في العلم، وأجراً بالدعوة، وحفظ نفسه من القيل والقال، وازداد ثباتاً في الدين.
فإنه من الملاحظ: أن معظم الناشئة الذين ينشئون على تتبع العثرات، والتعلق بالأعيان، والحكم على العباد، وجدناهم ينحرفون، وسرعان ما يسقطون، وأن الذين ينشؤون على طلب العلم، ويداومون على العمل الصالح وإن قل، ويدعون إلى الله بالحكمة، وجدنا هم يثبتون، ووجدنا لأعمالهم ثماراً، ولأقوالهم قبولاً، والأمثلة على هذا من الواقع كثيرة، يدركها المنصفون المبصرون، ويتعامى عنها الغافلون.
ألا يرى العاقل كثيراً من هؤلاء الذين لا يحسنون فقهاً، بل ولا حفظاً للكتاب والسنة، بل ولا يحسنون النطق بالعربية، قد هجروا العلم، وجعلوا همهم التجريح، ودأبهم التقبيح، يغشون المجالس بثرثرتهم، يُكفرون هذا، يبدّعون ذاك، يضللون هؤلاء، يفارقون ويُحذرون ويُخَبِّثون، يدخلون في النيات، ويلزمون الإلزامات، لذا كان لزاماً طرح مثل هذه القاعدة، لكبح جماح هذه الفتنة، وتربيتهم وضبطهم، هذا هو مقصود القاعدة، ولم يكن مقصودها منع الحكم على أهل البدع والضلال، كما زعم بعض مثيري الفتن (١).
ثم هل يستوي رجلان:
رجل يريد إشغال الطلاب بالطعن بالعلماء، والدعاة، والحكم على الناس: (كافر، زنديق، مبتدع، فاسق، خبيث) جاعلاً ذلك دينه وديدنه، صباحه ومساءه، طعامه وشرابه، علمه، وعمله، ودعوته (٢).
стр. 241
ورجل يريد صرفهم عن ذلك إلى الاشتغال بالعلم النافع، والعمل الخالص، والدعوة المباركة، هل يستويان مثلاً! الحمد لله الذي وفقنا للإصلاح والتربية، وجعل بعضهم مشغولاً بغيره عن نفسه.
إذا تبين لك معنى هذه القاعدة: (إذا حكمت حوكمت، وإذا تعلمت هديت، وإذا دعوت أجرت) وتبين لك ثمارها، عرفت سر انحراف كثير من الشباب، وعرفت خطأ من عارضها، وأدركت دركة فهم من قال: (هذه قاعدة خبيثة) وأدركت قدر خلقه.
فإن القاعدة لا تقول: (من حكم حُكِم عليه) أو (من حكم أثم) كما حرفها بعضهم (١)،
والقاعدة لم تمنع الحكم بإطلاق، فلم تقل القاعدة (لا تحكموا ومن حكم ضل) أو (من حكم ابتدع) وإنما تحذر من مغبة التسرع في الحكم، وتنبه من يحكم على الناس، أن أمامه محكمة عند الله، لكي يرتدع إن لم يكن أهلاً لذلك، ويتريث إن كان أهلاً لذلك.
стр. 242
سيد قطب:
نظراً للفتنة الحاصلة في الداعية سيد قطب ﵀ كان لزاماً بيان ما يأتي:
كان سيد ﵀ -في آخر حياته- داعية من دعاة الإسلام المشهورين المؤثرين في الساحة الإسلامية تأثيراً بالغاً، وله مواقف في وجه الطاغوت، والعلمانية، والتيارات الملحدة يشكر عليها، ولكنه وقع في تناقضات وأخطاء كبيرة.
وسر ذلك أنه مر بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة الكاتب، وكان فيها متأثراً بالثقافات المختلفة في عصره، وغير ملتزم بالإسلام، فكتب ما يوافق الإسلام وما يخالفه، وفي ما يخالفه كتابات فيها جهالة وضلالة وتصورات، لا يحل قراءتها ولا نشرها، وبخاصة في كتابه العدالة الاجتماعية وغيره، وإذا كانت دعوى التراجع صحيحة، فتكون المؤاخذة على المسئول عن استمرار طباعتها.
المرحلة الثانية: بداية تأثره بالإسلام، وكتاباته عن القرآن، ثم انخرط في الحزبية مع الإخوان المسلمين، وعلى منهجهم المعروف.
المرحلة الثالثة: استقلاليّته في المنهج (١)، وإصابته في كثير من قضاياه، وتميزت هذه المرحلة بالنقاط التالية:
- اعترافه بأخطاء الإخوان المنهجية والعقدية، وتصريحه بذلك.
- دعوته إلى منهج التغيير عن طريق دعوة المسلمين سلمياً، وردهم إلى العقيدة والأخلاق حسب ما يراه.
стр. 243
- بناء المجتمعات من القاعدة الصُّلبة، بتصحيح مفاهيم المسلمين عن الإسلام، وممارسة شعائرهم.
- رفضه الطرق المبتدعة في التغيير، كالاغتيالات، والانتخابات، والمظاهرات، وما شابه ذلك من طرق التغيير المبتدعة.
وقد أقر هذا الذي توصل إليه سيد كثير من العلماء، وعلى رأسهم شيخنا العلامة الألباني (١) - حفظه الله- وكذلك أيد هذا الشيخ ربيع، وصرح أن سيد قد: (توصل إلى أن المنهج السلفي، هو المنهج الصحيح الذي يجب أن يؤخذ به) (٢).
وصرح ربيع أيضاً: أن سيد كان يرى: "أن يربى الشباب على العقيدة والأخلاق، قبل كل شيء على العقيدة الصحيحة" (٣).
وقد زكى الشيخ ربيع سيداً، تزكية ما سبقت لغيره، بل أوجب ما لم يوجبه الله ورسوله ﷺ ، فقد أوجب على الحركات الإسلامية أن تأخذ من كتبه، وأن تستفيد من تقريره، فقال: "رحم
стр. 244
الله سيد قطب، لقد نفذ من دراسته إلى عين الحقيقة والصواب، ويجب على الحركات الإسلامية أن تستفيد من هذا التقرير الواعي، لقد وصل في تقريره إلى عين منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) (١).
وقد كنت أول حياتي الدعوية: قد حثثت على بعض كتبه التي زكى بعضها شيخنا الألباني حفظه الله، ثم حذفتها من الطبعة الثانية من السبيل، وكنت قلت: لا أعلم أحداً تكلم في قضايا المنهج على وجه الأرض مثله، أو كلمة نحوها، وقد أعلنت أكثر من مرة تراجعي عن هذا العموم، وإن كنت قصدت أن ذلك في زمانه، وأنه أول من كتب في المنهج، وقصدت بالمنهج قضايا التغيير، فإنه ﵀ كان في آخر حياته ينكر اتباع الطرق المبتدعة في التغيير، كما ذكرنا ذلك سابقاً، ولما لم تفهم العبارة على ما قصدت، أعلنت التراجع عنها، ولم أزك سيداً في العقيدة بعامة كما فعل ربيع، فاسمع إن كنت من أهل الإنصاف، كيف زكى ربيع سيداً، نفساً وعقيدةً ومنهجاً، وقد أوجب على الجماعات الإسلامية اتباع سيد، اسمعه وهو يقول: "لكن أنا أقول إن سيد قطب كان ينشد الحق، ولهذا لو يسمع الإخوان نصيحته، لانتهت الخلافات بينهم وبين السلفيين، هذا الرجل بإخلاصه وحبه للحق، توصل إلى أنه لابد أن يربى الشباب على العقيدة والأخلاق، قبل كل شيء العقيدة الصحيحة، وأظن قرأت لزينب الغزالي، ولا أدري إن كنتم قرأتم لها، أنه كان يحيلهم إلى كتب الشيخ ابن عبد الوهاب، وإلى كتب السلفية، فالرجل بحسن نيته إن شاء الله، يعني توصل إلى أن المنهج السلفي هو المنهج الصحيح، الذي يجب أن يأخذ به الشباب، وأن يتربوا عليه" (٢).
فانظر -أخي المنصف- الفرق بين عباراتي، وعبارات ربيع، فعباراتي تخص المنهج، قضايا التغيير -وليس تزكية عامة ولا تزكية في العقيدة، ولم أوجب على أحد اتباعه، وعبارات ربيع
стр. 245
فيها إطراء لسيد ﵀، وتزكية له في نفسه وعقيدته ومنهجه، حتى أوجب -وللأسف- على الحركات الإسلامية أن تستفيد منه، ولا يوجب شيئاً إلا الله سبحانه أو رسوله ﷺ لكن، ترى القذاة في عين أخيك، ولا ترى الجذع في عينك، أو عين محبوبك.
وإذا تراجع ربيع عن هذا، فأنا أولى منه بالتراجع، إلا أن يكون هناك دين لبعض الناس، يقبل تراجع بعضهم، ودين لا يقبل تراجع آخرين، كفعل أحبار اليهود وقسيسي النصارى، يقبلون توبة من يرشيهم، ولا يقبلون توبة الفقير الذي لا يعطيهم، وقال بعضهم: تراجعُ عدنان ليس بصدق، وهذه طامة أكبر من الأولى، ففيها إدعاء معرفة الغيب، وإساءة الظن.
ثم مسألة أخرى: إن كلامي في سيد أقدم من كلام ربيع بسنين، وكلامه قريب بعد حرب الخليج، وبعد ادعائه خروجه من الإخوان المسلمين، فتفكر إن كنت منصفاً، لتعلم من الذي يتلاعب بعقول الناس ليخفي سوأته (١).
стр. 246
ومع هذا: فأنا راجع عن كل ما قد يُفهم منه غير هذا الذي قصدت، والله من وراء القصد.
стр. 247
حكم الاستشهاد بأقوال سيد:
١ - لاشك عند العلماء في جواز الاستشهاد بما صح من أقوال بعض المبتدعة، أو من وقعوا في بدعة، أو أخطاء، وقد استشهد رسول الله ﷺ بقول لبيد، وقد قاله في حال الكفر والجاهلية، فقال ﷺ : ((أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... )) [متفق عليه].
٢ - لقد مضت سنة أئمة الهدى: بالاستشهاد بأقوال من وقع في بدعة، ومن قرأ كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم رحمهما الله عرف ذلك.
٣ - أفتاني الإمامان بجواز الاستشهاد بما صح من أقواله، أما الشيخ ناصر فمسموع، وأما الشيخ ابن باز فمسموع ومقروء، وسوف تنشر هذه قريباً إن شاء على الشبكة العالمية -الانترنت- وسيعلم الذين يتعالمون على هذين الإمامين أي فضيحة سيفضحون.
٤ - إذا ما أفتى هذان الإمامان فعلى بعض الناعقين، في أقل أحوالهم أن يتأدبوا معهما ولا ينعقوا في وجوههما.
٥ - ومع ذلك أقول: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما استشهدت، لا لأن الاستشهاد بأقواله لا يجوز، ولكن دفعاً للفتنة، وتحقيقاً للمصلحة.
ولو أني أعلم أن الفتنة ستنتهي كلياً بترك الاستشهاد بكلامه، لتركته للأبد، كما وعدت بعض الإخوة بذلك، عملاً بالقاعدة: دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولكن ما كل ما يعلم يقال.
стр. 248
البراءة من أخطاء سيد:
لا شك أن في كتب سيد، وبخاصة الكتب التي كتبها في مرحلته الأولى والثانية أخطاء كبيرة، وزلات كثيرة، بل ضلالات، والواجب البراءة والتحذير منها، (١)
ونحن نبرأ منها ونحذر منها وقد حذرنا منها قبل غيرنا، منذ سنين كثيرة، وفي مواطن شتى ليس ههنا محل ذكرها.
стр. 249
حكم سيد قطب نفسه:
إن من علامة ديانة الرجل وإنصافه، أن يتجنب الحكم على الأعيان، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وأن يحكم على الأقوال؛ لأنها الأصل، وبها تحصل الثمرة.
فالله أعلم بحقيقة حال الرجال، وما ماتوا عليه، وما حُكْمُ الله فيهم.
كما أننا غير مسئولين عن حكم الأعيان عند الله، ثم لو أردنا أن نبحث في كل عين، وعلى ما مات عليه، لضاعت أوقاتنا، وأهدرت طاقاتنا، دون ثمرة تُقطف، ولا فائدة تُذكر.
ولذلك كان من حسن دين الرجل: أن يخطّئ ما كان خطأ، ويقبل ما كان صواباً، من سيد وممن هو فوق سيد، ونكل العين إلى الله تعالى، ونرجو له المغفرة.
وإذا اتُّفق على الفحوى والمضمون، وأن الخطأ خطأ، والصواب صواب، فلا يجوز -بعد ذلك- أن تكون عينه ولا عين غيره محلاً للولاء والبراءة، والشقاق، والتحزب، والاتهامات، وامتحان الناس، وفتنتهم فيه، مما لا ثمرة فيه إلا نزاع مفرق، وشقاق مفسد، وفتنة مشغلة.
وقد أخطأ سيد أخطاءً كبيرة، ووقع في زلات كثيرة، منها ما تراجع عنه، ومنها ما الله أعلم بحاله فيها.
وعلينا أن نقول عن الخطأ خطأ وعن الضلال ضلال، والله أعلم بما ختم له، ورب موقف منه، يغفر الله له، فإن له حسنات ومواقف في وجه الطاغوت، راجع مشكوراً باب فقه الموازنات من هذا الكتاب، وكلام الإمامين ابن تيمية، وابن القيم رحمهما الله فيه، ومن ذلك قوله ابن تيمية في أهل البدع: "ما من هؤلاء إلا وله في الإسلام سعياً مشكوراً، وحسنات مبرورة، ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق، وأخطأ، فالله يغفر له".
وقول ابن القيم في معرض الحكم على أهل التصوف: "والطائفة التالية: وهم أهل العدل والإنصاف -الذين أعطوا كل ذي حق حقه- قبلوا ما يقبل، وردوا ما يرد".
فإن من صفات اليهود رد الحق إذا جاء ممن يبغضونه.
стр. 250
وكذلك قال ابن القيم [في المدارج (٣ - ٥٢٢)]: "وقد ذم الله تعالى من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه، فهذا خلق الأمة الغضبية".
والله من وراء القصد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.