بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مختصر تقريظ فضيلة الشيخ محمد عيد العباسي حفظه الله لكتاب (المنهج الاعتدال)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حمداً لله كثيراً طيباً، وصلاةً وسلاماً على نبيه وآله وصحبه تامين كاملين.
أما بعد: فمازلت منذ ثلاثين سنة أعرف أخي العزيز الشيخ عدنان أبا حازم حفظه الله سباقاً إلى طلب العلم وتحصيله، منذ التحق بركب الدعوة السلفية، وشارك في الأخذ عن أستاذنا العلامة محمد ناصر الدين الألباني شفاه الله، منذ أكثر من ثلاثين سنة.
ولقد كان لأخي عدنان منزلة خاصة عند أستاذنا، فكان يلقي دروسه في بيته ويبات فيه، حتى رغب شيخنا في مصاهرته.
ثم طلب العلم على كثير من كبار العلماء، وبخاصة سماحة الإمام الجليل عبد العزيز بن باز ﵀، حتى إذا شعر أنه اشتد عوده، وصلبت قناته، نفر إلى الدعوة إلى الله، وسارع إلى نشر العلم الصحيح بين المسلمين في شتى أنحاء المعمورة، فلا تكاد تراه إلا متنقلاً من بلد إلى بلد، ومسافراً من مؤتمر إلى ندوة، إلى مناظرة لأهل البدع والأهواء بهمة عالية، وقد تميز بأسلوب مشوق أخاذ، ومهارة في الحوار والجدال، فنجح في خدمة دعوة التوحيد والسنة أيما نجاح.
وقد اطلعت على ما أثاره بعضهم على منهجه من شبهات، فوجدته لا يعد إلا محض افتراءات، وتشكيك في النيات، وقد أتى أصحابه بالطامات، حسداً وبغياً، فالله حسيبهم.
стр. 3
وهذا الابتلاء بالكذب والحسد، والرد على أمثال هؤلاء؛ هو طريق الأنبياء والمصلحين وسنتهم، كما يتبدّى من حوارهم وقصصهم في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأخبارهم، فكانوا يردون على كل شبهة، أو افتراء، أو تلبيس، وذلك ليقيموا الحجة على الناس.
وقد دفع هذا الأخ أبا حازم ليكتب رسالة يبين فيه منهج أهل السنة والجماعة الذي يدين الله به، ويوضح فيها باختصار مفردات دعوته، كي يقطع السبيل على كل متقول.
وقد طالعت بيان الأخ الفاضل الشيخ أبى حازم الذي سمَّاه ((منهج الاعتدال)) بتأمل وإمعان، فوجدته موافقاً لما عندي، ومطابقاً لما تعلمناه من أستاذنا الألباني، وغيره من شيوخ الدعوة في هذه البلاد المباركة، ولم أجد فيه ما يحتاج إلى تعديل إلا بعض مسائل ثانوية، فجاء هذا البيان على اختصاره ممثلاً لما ندين الله تعالى به في هذه المسائل الكبار، وأرجو أن يزيل الله به ما علق في بعض الأذهان، من مخالفات لمنهج أهل السنة، والحمد الله رب العالمين.
وكتبه
محمد عيد العباسي
في ١٠ ربيع الآخر ١٤٢٠ هـ ... الموافق ل ٢٣/تموز ١٩٩٩ م
стр. 4
المقدمة
الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله غيره، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد:
فلا يخفى على بصير ما تقاسيه أمتنا من واقع مؤلم، وما تعانيه الصحوة من اضطراب شديد، وبات من الضروري وضع النقاط على الحروف في المسائل المنهجية المختلف فيها.
وبياناً لمنهج الحق، وأداء للواجب، ونصيحة للأمة، وإرشاداً إلى سبيل الاعتدال، الذي عليه أهل السنة والجماعة، كتبت هذا الكتاب.
وكذلك براءة للذمة، وإقامة للحجة على المتطرفين من الغلاة والمقصرين، ونصيحة للغافلين، وتوضيحاً للحائرين، ورداً على المخاصمين من المفترين، لعل الله يهدي به التائهين، وينير به بصائر المخالفين، ويكون سبباً لتوحيد شمل أهل السنة المتبعين، فكفانا خصاماً، وكفانا تفرقاً، وكفانا نكسات.
وسميته: ((منهج الاعتدال)) ومعظم ما فيه مقتطف من كتبي ومحاضراتي ورسائلي، فأعتذر إلى القراء الأكارم عن التكرار.
وأحببت أن يكون الكتاب تأصيلاً عاماً، وتقعيداً شاملاً، لا يخص زماناً ولا مكاناً ولا عيناً، فمن وقع عليه الوصف فذاك شأنه، ولا يلومنّ إلا نفسه.
ولم أفصل في كثير من المسائل، ولم أسرد الأدلة، واعداً بذلك في الطبعة القادمة، إن كانت هنالك حاجة لذلك إن شاء الله تعالى.
فإن أصبت فيه، فبحمد الله وحده وتوفيقه، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله العظيم المنان.
ولا يفوتني أن أقدم جزيل شكري، وعظيم امتناني، إلى الأخ الكريم، والصديق الوفي، ورفيق الدعوة منذ خمس وثلاثين سنة، بل شيخي المفضال: محمد عيد العباسي حفظه الله ورعاه،
стр. 5
على ما بذل من جهد في مراجعتها ثلاث مرات، وذلك دال على سماحة خلقه، وسعة صدره، وحبه للخير.
وكذلك أشكر فضيلة الشيخ الداعية المجاهد في أوربة أحمد سلام حفظه الله، وغيرهم من الأخوة والشيوخ، الذين راجعوا ونصحوا.
هذا وقد تم تأليف معظم أبواب الكتاب قبل وفاة الإمام عبد العزيز بن باز ﵀، وتم الانتهاء منه في يوم وفاة الإمام محمد ناصر الدين الألباني ﵀، وكنت قد عزمت على تقديمه لهما لمراجعته، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولا (١).
فانظر فيه -يا أخي- بإنصاف، ودع عنك التعصب والإجحاف، وتقليد الشيوخ، والاحتجاج بالرجال، وتصديقهم بالطعن دون تثبت، فكم من صالح روى من غير تثبت، وكم من شيخ ظن من غير دليل، وحسد وبغي بغير حق، وقد قيل: "ما رأينا مثل الكذب على ألسنة الصالحين" ولقد رأينا بعض من يسميهم أتباعهم علامة بل إمام ينقل الكذب، ويتهم بالظنون.
فانظر الحق بنفسك، فإن التقليد والتعصب والتصديق بلا تثبت في اتهام الخلق، يعمون البصر، ويضلون البشر، ويضرون حين المحشر، حين لا ينفع الندم، قال تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً﴾
واقبل الحق من كل من قال به، قال شيخ الإسلام [٥/ ١٠١]: "ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به، وكان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه، الذي رواه أبو داود في سننه: "اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافراً -أو قال فاجراً- واحذروا زيغة الحكيم، قالوا:
стр. 6
كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق: قال: إن على الحق نوراً، أو قال كلاماً هذا معناه". (١)
وكن -كما أمر الله- ناصحاً لا فاضحاً، ومبلغاً لا متعنتاً، ورفيقاً بإخوانك لا فظاً غليظاً، ومعيناً لهم على هدايتهم لا معيناً للشيطان عليهم.
وكن -كما أمر الله ورسوله ﷺ مجتنباً للظن، قابلاً للعذر، لا طاعناً بهم جارحاً، فقد قال رسولنا الكريم ﷺ لمن لعن شارب الخمر: ((لا تكن عوناً للشيطان على أخيك)).
والله أسال أن يُحق الحق، ويهدي السبيل، ويوحد الأمة، ويعجّل فرجها، ويقرب نصرها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
عدنان محمد آل عرعور
٢٢/ ٦/ ١٤٢٠ هـ
стр. 7
بين يدي الكتاب
واقعنا العام المؤلم:
ففي الوقت الذي تئن فيه أمتنا من الجراح، وهي أحوج ما تحتاج إلى ساعة كفاح؟ كفاحٍ لرفع الجهل الذي ران على معظم هذه الأمة، فأسقطها في الشركيات والبدع وعبادة الدنيا، كفاحٍ في تحرير هذه الأمة من تبعية التقليد، تقليد الآباء، تقليد الشيوخ، تقليد العادات، كفاح يفك عنق هذه الأمة من رِبقة التشبه والتبعية للكفار.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه أمتنا لرد إلى دينها الحق، وتوحيدها الصحيح، وإلى رفع درجة إيمانها، واستنهاض عزائمها، لرفع هذا الذل الذي ساد معظم بلادها، ولدفع هذا الظلم الذي غشي أغلب أفرادها، فما إن تنتهي من مصيبة إلا وتقع فيما هو أكبر منها، مؤامرات عظيمة تدبر، خطط خطيرة بخبث تنفذ، نساء تُرمَّل، أطفال تُيتَّم، فتيات تُنتهك أعراضهن، شباب تُذبح كالنعاج، رجال تشرد كالقطعان، دموع تفجر كالبراكين، دماء تجري كالأنهار، وا أسفاه على أمة هذه حالها، بل وا نكبتاه.
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد ... تجده كالطير مقصوصاً جناحاه
إلا من رحم الله في بعض الديار الإسلامية.
تيارات عارمة، سيول جارفة، همجية قادمة، تحمل أفكاراً بائدة، أو علمانية فاسدة، أو شهوانية ماجنة، تهدد واقعنا، باسم الإسلام المجدد تارة، وباسم الإصلاح أو المصلحة تارة أخرى.
تحرير المرأة، إصلاح المجتمع، تصحيح الأوضاع السياسية، رفع المستوى الاقتصادي، تثقيف الناس، التعددية الحزبية السياسية، مقاومة التطرف، الحرية الشعبية (الديمقراطية) والوطنية والقومية، وأخيراً العولمة ومقاصدها، من التذويب والخلط، والتمييع والدمج والانفتاح، وتبعاتها من منظمة التجارة العالمية، التي وراءها ما وراءها، من المكائد والتخطيط،
стр. 8
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]. وواقعنا الداخلي لا يقوى على النهوض فضلاً عن المواجهة.
فالمسلمون: أحزاب متفرقة، وجماعات متناحرة، ومناهج دعوية متناقضة، وأشياخ كسالى، وباحثون متقوقعون، وأفراد فوضويون، (١) إلا من رحم الله من الصالحين، حتى إذا ما خلت الساحة من الدعوة -إلا قليلاً ممن يدعو إلى الله على صراطه المستقيم- استغل هذا الفراغ دعاة الشر، وتعاون أهل البغي، فانتشر بذلك الفساد، وكثر الابتداع والانحراف، حتى عاش معظم أفراد أمتنا في جهل عضوض، وغفلة مهلكة، وهوى متبع، ودنيا للعوام مفسدة، وللملتزمين مغرقة، وللدعاة مشغلة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورعاة، وما أدراك ما الرعاة، كثير منهم غافلون، وعن الذكر معرضون، بل منهم من للإسلام والمسلمين محاربون، إلا من رحم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم هذا حالنا الضعيف لا يخفى عليك، وهذا أمرنا المضطرب بين يديك.
اللهم لا تكلنا لأحد إلا إليك، نستغفرك اللهم ونتوب إليك.
في هذه الظروف العصيبة، التي تمر بها أمتنا، والتي أحوج ما نكون فيها إلى وحدة الصف التي لا تتحقق إلا بوحدة العقيدة، ووحدة المنهج، والعمل على الطريق المستقيم، طريق الكتاب والسنة وسلف هذه الأمة.
وفي هذه الظروف العصيبة، التي أحوج ما نكون فيها إلى إحياء الأخوة والمحبة، والتناصح والألفة، ترانا نتتبع عثرات إخواننا، يتقصَّد بعضنا تحطيم بعض، نتعمَّد فضح دعاتنا، نترصد أخطاء علمائنا، نستبدل النصيحة بالفضيحة، والوفاق بالشقاق، والأخوة والمحبة بالبغضاء والحسد والحقد! .
ردود على ردود، افتراءات على افتراءات، اتهامات تلو الاتهامات، فقدنا طرق الاستدلال، ضيعنا حقيقة الدليل، هجرنا أسباب التثبت، دليلنا حظوظ أنفسنا، نقبل الأخبار حباً
стр. 9
بالمخبر، أو ترصداً بالمخبر عنه، نرد الأنباء كراهية للمُنبئ، يستعين بعضنا على بعض بذي السلطان، ثم نلوم غيرنا، ثم بعد هذا كله نسأل الله نصرنا.
تالله إن هذا لفعل المخادعين، ووالله إنه لتفكير الساذجين.
فنعوذ بالله من الحَورِ بعد الكَورِ.
أمتنا أمة البقاء والنصر:
ومع هذا الذي تعانيه أمتنا كله، فلا خوف عليها، ولا هي هالكة، فأمتنا أمة الصمود والثبات، وأمتنا أمة التمكين والعلياء، وأمتنا أمة العز والبقاء، ولقد مرّ بأمتنا من المحن والصعاب ما ظن ضعاف الإيمان، وأعداء الإسلام أن لا قيام لها، ويأبى الله إلا أن تبقى، وستبقى، فهو وَعْدُ الله الذي لا يخلف الميعاد، ووعد الله هذا استجابة لدعاء رسوله ﷺ : (( ... وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها ... )) [رواه الترمذي (٢١٧٥) عن خبّاب بن الأرت وصححه الألباني في صحيح الترمذي (١٧٦٧)].
وفي شطر حديث قدسي، قال تعالى -إجابة لدعاء النبي ﷺ : ((ولا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها)) [رواه مسلم (٢٨٨٩) عن ثوبان].
فهي إذن أمة النصر، وهي أمة البقاء، ولو دارت عليها الدائرة يوماً، ولو عضها الدهر وقتاً، فالنصر قادم والله دون استثناء ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: (٢١٤)].
وسيعلم الذين ظلموا -إذا ما أتى نصر الله- أي منقلب ينقلبون.
وليعلم الجميع: أن الله لا يحب تأخير النصر والتمكين عنا، ولكنه سبحانه ينظر ما نحن عاملون، فإن رأى سبحانه أنّا نستحق النصر عجّله ولم يؤخره ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: (٩)].
فإن وعد الله لهذه الأمة ما يزال قائماً، ونصره ما يزال قريباً، قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: (٦٠)].
стр. 10
وقال ﷺ : ((بشر هذه الأمة بالسناء، والرفعة، والدين، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب)) [رواه أحمد (٥/ ١٣٤) والحاكم (٤/ ٣١١) وصححه ووافقه الذهبي والألباني]. ولكن ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: (٧)]. وإن تؤمنوا، وتعملوا الصالحات يستخلفكم ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ... ﴾ [النور: (٥٥)].
فأبشروا فوالله ما ذلك على الله بعزيز.
فهذه بشائر العودة إلى الله في كل مكان، وهذه طلائع الصحوة تبشر بزوال الكفر والطغيان، وقيام راية الإسلام وانتصار أمة الإيمان.
ولذا باتت أمتنا بحاجة ماسة إلى بيان طريق الإسلام المستقيم، ومنهج التغيير المعتدل، لتسير عليه، لتحقق شروط الله والوفاء به، فإنه لا يخلف الميعاد ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: (٤٠)]. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
وبين يديك أخي الكريم موضوعات مهمة، وقضايا كبيرة، قد تكلم فيها كثير من الناس بين معتدل وجائر، وقد قدمت فيها جهد المقل في بيان منهج الاعتدال، منهج أهل السنة والجماعة في العقيدة والتغيير، والمواجهة والجهاد، والمجتمعات والحكام، وما شابه هذه القضايا التي هي حديث اليوم.
والله أسأل التوفيق والسداد، والقبول والغفران، إنه أهل ذلك ووليه.
واقعنا الخاص المفجع:
لقد كان المسلمون يتطلعون إلى شباب هذه الصحوة، ويؤملون -بعد الله- بهم أن يحملوا عبء هذه الأمة، ولكن ...
ولكن العالم الراسخ، والداعية الواقعي، بل المسلم الواعي، يرى أن شباب الصحوة حملوا الأمة فوق حملها أعباءهم، وذلك بما وقعوا فيه من فخاخ وضعت لهم، وأخطاء كبيرة وقعوا فيها، وفتن مظلمة، سقطوا فيها، كادت أن تهلكهم، فركب كثير منهم -عن حسن نية-
стр. 11
رؤوسهم، فوقعوا في شراك نصبت لهم، فارتد ذلك آثاراً سلبية عليهم، وعلى الدعوة، وعلى أمتهم.
وقد وقعوا في ذلك؛ نظراً للأعداد الغفيرة العائدة إلى الله، وندرة العلماء الراسخين، وغياب المربين، وقلة الأقوياء الأمناء من الموجهين، فضلاً عما يبيته العدو من مكر شديد، وخبث كبير.
وباتت الدعوة إلى الاعتدال من أولى الأولويات، والاعتدال: هو اتباع الشرع دون إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تمييع، ومن جهل بأمر أو موقف فعليه بالراسخين من أهله، وليعلم المسلم أنه لا اعتدال إلا بالشرع، ومن خرج عن الشرع فقد تطرف (١)، ومن صور التطرف الخروج عن الراسخين.
ولقد وقع في التطرف كثير من الناس، غلواً أو تقصيراً، في الأحكام والأفعال، وقلما ترى ذاك الوسط المعتدل.
ظهور التكفير والإرجاء:
فظهر التكفير بأبشع صوره، وبلغ به الحد تكفير أئمة الإسلام، والخروج على عامة المسلمين يكفرونهم ويذبحون أطفالهم وشيوخهم، وينتهكون أعراض نسائهم.
وقابل هذا: إرجاء بأسخف صوره، بلغ حداً، أن جعل أعداء الإسلام الملحدين مؤمنين، وأئمة الكفر من الشيوعيين واللادينيين، ولاة أمر كثير من المسلمين، يجب طاعتهم، وتحرم معصيتهم، حتى منعوا الخروج على المستعمرين، وسوغوا لهم الحكم بما شرعت الشياطين.
стр. 12
وبلغ الغلو مبلغاً: أن حرم بعضهم الاستفادة من العلماء الذين وقعوا في بعض البدع والأخطاء، وحرقوا كتبهم، بل بدّعوا من استغفر لهم.
وذهب غلاة آخرون، إلى تحريم الاستعانة بالوسائل العصرية، في الدعوة والحياة الدنيوية، وإن كان ذلك دون مخالفة شرعية، وعدّوا ذلك من الابتداع والضلال.
وقابلهم آخرون، بالتساهل في الدين، بل بالتقصير والمداهنة لعوام المسلمين، وأتوا بعلوم غريبة، وفتاوى عجيبة، فأباحوا ما حرم الله في الكتاب والسنة، وما أجمعت عليه الأمة، فأباحوا الربا، والدخول في جيوش الكفار، والإقامة بين أظهرهم دون اضطرار، وقالوا: إن اليهود والنصارى إخواننا، وأباحوا الموسيقى والتصوير، وما شابه ذلك من الباطل والتزوير.
ونشأت فرقة في زماننا يمكن تسميتها ((فتنة التبديع والتخريب المبدّعة)) مبدؤها: تبديع الناس وتضليلهم، بل قذفهم وتخبيثهم، لوقوعهم -في ظنهم- في بدعة، أو فيما حكموا هم عليه بأنه بدعة، بل بدعوهم لأنهم لم يبدعوا من بدعوهم، وقد يكون الأمر كله من باب الاجتهاد، والخلاف المعتبر، وساروا على قاعدة أحدثوها، لم يسبقهم إليها أحد من الإنس والجن، ((من لم يبدّع المبتدع، فهو مبتدع، يجب هجره وفضحه و ... )) والمبتدع -عندهم- هو الذي يرونه هم أنه مبتدع، ولو خالفوا الأولين والآخرين.
ولا يفرقون بين بدعة وبدعة، ولا بين من وقع في بدعة وبين من كان في أصوله البدعة، أو يدعو إلى بدعة، يفرق ويفارق عليها، وبين من كان مخالفاً في بدعته الكتاب والسنة باتفاق، وبين من كان مجتهداً متأولاً، فبدّعوا من أهل العلم من لا يستحق ذلك، وغمزوا بهم، وأمروا بهجرهم، وهجر من لا يبدعهم وإلا هجروهم.
ومن تلك الفتن: التعلق بالحزبيات والجماعات على مختلف صورها، وتنوع مشاربها.
ومن ذلك: التعلق بالأعيان شيوخاً أو زعماء، وتقليدهم بأبشع صور التقليد، وإذا كان يمكن إعذار مقلدي المذاهب الأربعة لجهلهم، ولعلو مكانة الأئمة ﵏، علماً وفضلاً، فقهاً وديناً، فإنك لا تجد لهؤلاء عذراً، إلا الجهل وقلة الفهم، والتنطع وسوء الخلق.
стр. 13
ولقد وقع بذلك مفاسد كبيرة، وفتن عظيمة، وضياع أوقات ثمينة، وتفرق كبير من أجل الأعيان، وأصبحت علامة المهتدي عندهم موافقة شيخهم، وآية الضال الحزبي المبتدع -على تعبيرهم- مخالفة شيخهم، وحصل من جراء ذلك كذب واتهامات، ووشاية وافتراءات، انتقاماً وحسداً.
وكلها مبنية على ظنون كاذبة، وتحميل الكلام ما لا يحتمل، وتفسيره على ما يُشتهى، وإلزامات لا تلزم، بنوا عليها أحكاماً وأفعالاً، وغالب الذين يفعلون هذا لا يُعرفون بعلم ولا دعوة، وإنما عُرفوا بتتبع عورات الناس، والتنقيب عن عيوب ألفاظهم، فإن لم يجدوا لهم عورة، ألزموهم إلزامات من عندهم، ثم دخلوا في نياتهم، فانظر إلى أول كتاب ألفوه، وإلى أكبر شغل اشتغلوه! هل هو في العلم؟ أم في العمل؟ أم في الدعوة وأساليبها؟ أم في تتبع العورات، والنبش في الألفاظ، وإلصاق الاتهمات (١)؟ !
стр. 14
حاجتنا إلى الاعتدال:
وكل هذه الصور تحكي ألم هذه الأمة، وتصور جراحها العميقة، لذلك باتت الصحوة الإسلامية بأمس الحاجة إلى بيان منهج الاعتدال، وتوضيح مبادئ الإنصاف، والدعوة إلى سبيل الوسط، كي تتلمس هذه الصحوة هُداها، لتحقيق وعد الله بعودة هذه الأمة إلى عزها وسؤددها، وهي موحدة الصف، منيعة الجانب، تسير هي وأولياؤها على منهج النبوة الأول.
واعلم -رعاك الله- أن معظم الفتن من الهوى وعدم التثبت، وهذه مصيبة من أعظم المصائب التي أصيب بها أفراد الأمة، لما فيها من الظلم، وفساد ذات البين، والندم في الدنيا والآخرة.
ومعظم الناس يظنون الأراجيف حقائق، ويقعون في الفتن رغم حسن قصدهم، وذلك لثلاثة:
- عدم التثبت وعدم إدراك معناه وطريقه.
- عدم القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الاجتهاد والضلال.
- فقدان القدرة على التفريق بين الدليل والتزيين، فلا يفرق بين الحجة القطعية، والأسلوب العاطفي الذي يتلاعب بالألفاظ، فينساق وراء المتباكي، ويكون مع أول شاكي.
وغالباً ما يصدّق هذه الأراجيف من لا يتورع في حفظ سمعه ولسانه ناسياً قوله : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: (٣٦)].
стр. 15
ثم يغرر بها بعض الصادقين، ويلتبس الأمر على آخرين، حيث يصدر ممن يُحسبون من الصادقين. (١)
عقيدة وشهادة:
الحمد لله تعالى، الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا هو، وحده لا شريك له رب العالمين، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولا نداً ولا شريكاً في ملكه ولا حكمه، ليس له مثيل في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
تفرَّد بالربوبية، وتوحَّد بالألوهية، آمنت بكل صفة وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، من غير تشبيه ولا تحريف، ولا تعطيل ولا تمثيل، فكلها صفات كمال تليق به سبحانه، لا ندرك كنهها، ولا نرد شيئاً منها.
стр. 16
قد استوى على عرشه، وبان من خلقه، وهو معهم، أينما كانوا، بسمعه وبصره، وعلمه وقدرته، جلَّ أن يحيط به علم، أو يُدرك حقيقة صفاته عقلٌ.
وأن الله سبحانه يتكلم، كيف شاء، ومتى شاء، ومع من شاء، وأن القرآن كلام الله لفظاً ومعنى غير مخلوق، وأن أمره إذا قال للشيء كن فيكون.
فبهذا الرب أؤمن، وإياه أعبد وأقصد، وله أَنْسُك وأسجد، وبه أستعين وأسأل، وعليه أعتمد وأتوكل.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، خاتم النبيين، وسيد المرسلين، أرسله بالهدى ودين الحق -دين الإسلام- ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون.
وقد أتم الله هذا الدين، وجعله ديناً شاملاً لكافة شؤون الحياة، إلى يوم قيام الساعة.
وأشهد أن خيرة خلقه بعد أنبيائه، صحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان، في العقيدة والمنهج، والشريعة والأخلاق والسلوك، وأنهم هم الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، التي أمر الله باتباعها، ومن تبعهم كان منهم، ومن خالفهم كان ضالاً بقدر مخالفته لهم.
وأشهد أن الساعة حقّ، وأن الله يبعث من في القبور، فإما إلى نعيم مُقيم، وإما إلى سواء الجحيم.
وأشهد أن ثمة عذاباً في القبر وسؤالاً، وحساباً يوم الدين وكتاباً، وميزاناً وصراطاً، ورؤية لله للمؤمنين عياناً.
وأن مصادر التشريع الأساس: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع المسلمين، والاجتهاد، ومن أهم طرقه الاستدلال والقياس، وغيره من القواعد الأصولية التي اتفق عليها المسلمون، والاجتهاد لأهله وبشروطه ماض إلى يوم القيامة.
стр. 17
الإسلام دين الحق، والعدل والسلام:
لقد كان الإسلام وما يزال دين الحق والوئام، ودين العدل والسلام.
وذلك من وجوه كثيرة أهمها ثلاثة:
الوجه الأول:
أنه من لدن عليم خبير، حكيم قدير.
فمن كان عليماً خبيراً، وضع ديناً عظيماً دقيقاً، ومن كان قديراً حكيماً، وضع تشريعاً قويماً حكيماً يناسب كل زمان، ويوافق طبيعة كل إنسان، وينشر العدل والإحسان، في كل صعيد وكل مكان ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ٢]. أفلا يعلم العليم الخبير بأحوال العباد الذين خلقهم، ما يصلحهم وما يفسدهم؟ !
قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: (٦٧)].
أفلا يضع القدير الحكيم، ديناً قيماً، وتشريعاً حكيماً، يصلح أحوالهم، ويناسب حياتهم ومعاشهم؟ ! ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النحل: ٦٠]. فحري حينئذ بمن عمل بتشريع الحكيم العليم أن يوفق للحياة الطيبة ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].
ولهذا توافقت شريعة الإسلام، وسنن الله الكونية، وفطرة الإنسان الخلقية، توافقاً عجيباً، وانسجمت انسجاماً بديعاً ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: (٥٤)]. فمن خلق فهو أحق بوضع تشريع لخلقه يناسبهم، وإنزال أوامر لعباده تصلحهم، كيف لا؟ ! وهو الذي فطرهم، وخلق سنن الكون، وهو الذي يعلم ما يوافقهم وينافرهم، ويعلم سرهم وحوائجهم، ونياتهم وأحوالهم.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... ﴾ [الفرقان: (٢٥)].
الوجه الثاني:
стр. 18
ما يظهر للعقلاء من حقيقة تعليماته، وإشراقة أحكامه، وسر عباداته.
فإن من تأمل الإسلام بعقل وفطنة، يجد في عقيدته الوضوح والصفاء، ويلفي في توحيده المتانة والشفاء كل الشفاء، لما يختلج في الصدور، وتتساءل عنه العقول.
ومن فكّر بوعي في العبادات، وجد في الصلاة والصوم والصدقات، وفي حفظ الأعراض وتحريم المحرمات، سراً عظيماً، وهدفاً سامياً في تزكية النفوس، وصلاحاً قوياً للأبدان، واستقامة عظيمة للأعمال.
ومن تأمل قواعد التوارث في الإسلام -على سبيل المثال- يذهل لعظمتها، ودقتها وتفصيل توزيعها، وموافقتها للطبيعة البشرية التي فطر الله الناس عليها، على مر العصور، في شأن القرابة، وفي شأن حب المال، فالوالدان والأولاد هم أعز القرابة، لذلك كان لهم حظ وافر، وأنصبة موزونة، وانظر بتفكر كيف ينقص حظ الأب والأم والزوجة حين يكون للميت أولاد، ونقصان حظهم من المال مقبول منهم بكل رضى، لأنه سيعود على الأولاد الذين يحبونهم، لا على غيرهم، والأولاد أحوج إليه منهم في الغالب، فسبحان الله ما أعلمه وما أحكمه!
كما تتجلى عظمة الإسلام، فيما أمر به من التعاون والتكافل، والتسامح وصلة الأرحام، وصنع المعروف، ومعالجة القضايا الاجتماعية، ومبادئ الحياة الزوجية، وقد أعطى الإسلام نصيباً وافراً للاهتمام بحسن الأخلاق، لما له من تأثير بالغ في تعاضد المجتمع وقوته، وحسبنا حديث رسول الله ﷺ : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) [رواه أحمد (٢/ ٣٩٨) والبخاري في الأدب المفرد (٢٧٣) وصححه شيخنا الألباني].
وتظهر متانة الإسلام، في بناء مجتمع يسوده العدل والأمان، وتتضح وضوحاً جلياً في أوامره وأحكامه بالعدل بين بني الإنسان، فلا فرق بين ذكر وأنثى، ولا عربي وأعجمي، ولا أبيض ولا أسود، ولا غني ولا فقير، ولا وجيه ولا صعلوك في المعاملات.
стр. 19
وأما عند الله: فميزانهم التقوى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: (١٣)]. وقال ﷺ : ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) [رواه مسلم: (٤/ ١٩٨٦)، وأحمد: (٢/ ٤٨٤)، وابن ماجه (٤١٤٣)].
وجعل من يدخل في دينه كلهم أمة واحدة، لا شعوبية بينهم تشتتها، ولا حزبية تفرقها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: (٥٢)].
الوجه الثالث:
من أكبر الأدلة على عدل هذا الدين ونشره للسلام، ذلك الواقع الذي يعيشه المسلمون حين يعملون بهذا الدين على علم وصدق، إذ ينعمون بالأمن والسلام، والتعاون والتكافل.
فيعدل فيهم راعيهم، وهم يطيعونه ولو قصر فيهم، ويُعين قويُّهم ضعيفهم، ويكفي غنيهم فقيرهم.
ومن أكبر البراهين على هذا: الواقع الطيب الذي عاشه الذين عملوا بالإسلام قلباً وقالباً، في العصور الأولى أيام الفتوح، فما نزل الفاتحون بلداً إلا وسادها الأمان، ولا حل مصراً إلا وعلاها العدل، ولا أدل على ذلك من دخول الناس -وقتئذ- في دين الله أفواجاً، واستمرارهم على هذا الدين، وقيامهم بعد مئات السنين -في أفغانستان، وفي الشيشان وفي غيرها- بنصرة هذا الدين، والمطالبة به، في الوقت الذي تتهاوى فيه عروش الشيوعية، وتذوب دعوة الصليب، ويخرج المستعمر الصليبي مقهوراً ملعوناً من كل البلاد التي استعمرها، ولم يستطع أن يُنّصر مسلماً واحداً.
كل ذلك دليل على أصالة هذا الدين، وما فيه من تعليمات سامية.
اقرأ إن شئت سورة الحجرات، وتدبر ما فيها من الآيات العظيمات ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ثم تدبر كذلك قوله ﷺ : ((وكونوا عباد الله إخواننا)) [البخاري: (٦٠٧٦) في الأدب، ومسلم: (٢٥٥٩)، في البر والصلة، عن أنس].
стр. 20
والعاملون بالإسلام يجب أن يكونوا أمة واحدة، إذا اشتكى منها عضو تداعى لها سائر الجسد بالسهر والحمى (١).
قال ﷺ : ((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) [البخاري: (٢٤٤٦) مسلم: (٢٥٨٥) عن أبي موسى الأشعري].
ولقد تحقق ذلك بما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ ، حين أخلصوا النية، وأحسنوا الاتباع في العمل، فبدا فيهم الإسلام نوراً يستضاء بهديهم، ومثلاً يضرب للناس من بعدهم، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: (٩٧)].
واعلم -رحمك الله- أن الإسلام كلَّه حق وعدل، بأصوله وفروعه، وشُعَبِه كلها، دقِّها وجلها، من قوله ﷺ : ((لا إله إلا الله ... إلى: إماطة الأذى ... )) ليس فيها قشور ولا تافه، ولا تعقيد ولا حرج، بل كلها يسر ونفع، خير وبركة، سعادة وطمأنينة، ومن اعتقد بما يخالف هذا استتيب.
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحجر: (٧٨)]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: (١٨٥)].
وشُعب الإيمان مراتب، وبينها فوارق في الرتبة والأجر، والحكم والأثر، والعمل فيها حسب الاستطاعة، والدعوة فيها بالتدرج من المهم إلى الأهم، من التوحيد إلى العبادات، إلى الأخلاق، ولا يمنع ذلك الاشتراك أحياناً.
ولا يمنع هذا التدرج من اشتراكهم في الدعوة أحياناً، ولا يمنع كذلك أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، حسب الشروط الشرعية.
ولذلك كان هذا الإسلام دين الحق والعدل والسلام، وصالحاً لكل زمان ومكان، ولكل أمة وإنسان.
стр. 21
الإسلام دين الكمال والشمول:
إن المتأمل هذا الدين بوعي وإنصاف، يجد فيه كمالاً عظيماً، وشمولاً واسعاً يغطي جوانب الحياة كافة، ويلبي حاجات الإنسان كلها.
وقد أخبر الله بذلك، وأنه أكمل الله دينه، وأتمَّ شرعه، وجعله شاملاً كافة شؤون الدين والدنيا والآخرة، إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: (٣)].
وقال أبو ذر: "تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً" [أخرجه ابن حبان: (٦٥)، والطبراني: (١٦٤٧)، والبزار: (١٤٧)، أبي ذر وأحمد (٥/ ١٥٣)، والطيالسي: (٤٧٩)، من طريق ابي الدرداء، وطريق ابن حبان والطبري والبزار صحيحة لذاتها وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة (١٨٠٣)].
فهو: دين توحيدٍ وعبادة، وطريق هداية وسياسة، وزهدٍ ودولة، وعلم وعمل، وحكم وتحكيم، ودعوة ومنهج تغيير، وجهاد واقتصاد، وأخلاق ومعاملات، وهو دين الأمان والسلام.
ولا تثمر منهجية هذا الدين، ولا تظهر حكمته، وتشرق أنواره، وتقطف ثماره إلا بالأخذ بكل ما فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: (٢٠٨)]. ولذلك حرم أخذ بعضه وترك بعض، فقال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: (٨٥)].
وفيه أركان ونوافل وواجبات، وفيه نهي عن محرمات ومكروهات، يجب إعطاء كل ذي حق منها حقه.
ولذلك من تمسك به نجا، ومن أعرض عنه هلك ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [سورة طه: (١٢٤)].
стр. 22
ومن ادعى فيه نقصاً كفر، ومن ابتدع فيه بدعة فجر، ومن خالف فيه أمراً عصى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة النساء آية: (١٤)].
стр. 23
الإسلام دين البشرية جمعاء، ودين مستقبلها:
لاشك عند كل مؤمن مطلع على كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، بأن الإسلام دين البشرية جميعاً، يقيناً مستقراً، وإيماناً راسخاً بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: (٢٨)]. ولأجل ذلك ختم الله برسوله محمد ﷺ الأنبياء والرسل، وختم بالإسلام الأديان كلها، ونسخها، وكفّر من لم يدخل فيه، فقال تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: (١٩٠)].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: (٨٥)]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: (٤٨)]. وأوجب على الناس الدخول فيه كله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [سورة البقرة: الآية (٢٠٨)].
وخطابات القرآن للناس جميعاً واضحة، وأوامره في ذلك جلية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: (١٧٠)]. وقال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: (١٣٨)].
وتتجلى عالمية الإسلام، في سمو تشريعاته، وعموم خطاباته: يأيها الناس، يا أيها الذين آمنوا، يا عبادي، فلم يناد بقومية، ولم يخاطب بعرق، بل نادى عموم البشرية، وخاطب أهل الإيمان كافة، وتتضح عالمية هذا الدين بشمول أحكامه، التي لا يحويها زمان، ولا يحدها مكان، ولا تخص شعباً دون الشعوب، ولا بلداً دون البلدان، بل هي عامة شاملة، صالحة للبشرية جمعاء، على اختلاف ألوانها ولغاتها، وتفرق أجناسها وقومياتها.
كما يجب أن يكون عند كل مسلم يقين، بأن الإسلام هو دين البشرية القادم، وأن الساعة لن تقوم حتى ينتشر الإسلام في أصقاع المعمورة كلها، بل سيهيمن عليها، لا يغادر مصراً إلا ويظله، ولا يبرح أرضاً إلا ويستوطنها، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: (٩)].
стр. 24
فتقديم الضمير المنفصل في الآية ((هو)) دال على معان عظيمة، وله مغاز دقيقة، فمن ذلك: التفخيم والإشارة إلى ما سبق، والحصر، فهو الذي أرسل رسوله لا غيره، وهو إذن الذي يتولى أمره، وعليه وحده نصره.
وفي عُمق هذا التعبير، يتعلق أمل بل آمال مشرقة، ووراءه ستكون يوماً ما حقائق واقعية.
وتكمن وراء هذا الضمير ((هو)) أسماء الله الحسنى كلها، فـ ((هو)) بدلاً عن تسع وتسعين اسماً وصفة لله، فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ أي: "القدير" هو الذي أرسله، فهو قادر على نصره، ولو فعل الأعداء ما فعلوا، ولو كادوا ما كادوا، و"العليم" هو الذي أرسله فهو يعلم كيف ينصره، ومتى ينصره، و"الخبير" هو الذي أخبر عن نصره بعلم وصدق، و"العزيز" هو الذي أرسله فلا غالب له، و"الحكيم" هو الذي أرسله فيختار الوقت المناسب لنصره، والمكان المختار لإعلاء كلمته.
وذكر فعل الإظهار في قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ لأن "الإظهار" أعم من الانتصار، ولأن في الإظهار معنىً زائداً على "الانتصار، وهو: الهيمنة والقيادة، والقهر والسيطرة، وقوله تعالى: ﴿الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يعني: أن الله سيظهره على الأديان والمذاهب والأنظمة جميعها دون استثناء، فإن لفظة الدين أعم من أي لفظة أخرى ترادفها، كالمذهب والمبدأ، والمنهج والحزب، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: (٨)]. فيه إشارة إلى أن الله يعلم بما سيقوم به الأعداء من محاولات شتى، وأساليب متنوعة، لإطفاء نور الله، وأنى لهم ذلك، وقد سمى الله دينه نوراً، وأضافه لنفسه تشريفاً وتعظيماً، حفظاً ونصراً، ولإشعار المتأمل، أن النور لا يمكن إطفاؤه أبداً؛ ذلك لأن النور لا يطفأ إلا من مصدره الأساس الذي ينبعث منه، كالبشر الذين يريدون إطفاء نور الشمس، ولما كان مصدر النور من الله، فأنى لهم أن يصلوا إليه فيطفئوه، ثم أنى لهم.
وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: (٨)]. فيه تأكيد لما سبق في معنى الإظهار الكلي على الأديان كلها، إذ سوف يتم الله إظهاره، ويكمل استعلاءه،
стр. 25
ويعم انتشاره في المعمورة كلها، ولو حاول ما حاول الكارهون له من المشركين والمنافقين، فالله هو صاحب الأمر، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي يعلم سر كل شيء، وهو -لا غيره- الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون.
ثم تأتي الأحاديث المباركة لتؤكد هذا المعنى معنى الظهور الحسي، والاستعلاء المادي، على أديان البشرية جميعاً.
فعن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله زوى -أي: جمع وضم- لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)). [رواه مسلم: (٨/ ١٧١)].
وعن تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر)) [رواه أحمد: (٤/ ١٠٣) وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة (١/ ٧)].
قال شيخنا الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٧): "ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء، في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم، حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر والطغيان".
قلت: وهذا الذي أشار إليه هذا الإمام، قد أشار إليه رسول الله ﷺ من قبل، بما ستكون عليه حال الأمة في آخر الزمان، من الخلافة الراشدة، والقوة المانعة.
فعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت)) [رواه أحمد: (٤/ ٢٧٣) وصححه شيخنا في السلسلة (١/ ٧)].
стр. 26
قلت: وفي الآيات والأحاديث التي تبشر بأن المستقبل للإسلام، حافز قوي للمؤمنين، حتى يتحملوا المسئولية المناطة بهم، وأن يؤدوا الأمانة المعلقة بأعناقهم، حتى يتم أمر الله بالأسباب الكونية المادية المسنونة، والأحكام والأعمال الشرعية المعقودة بحسن النية، لا بالأماني المجردة عن الأعمال، والتباكي على الأمجاد، وتقاذف اللوم والاتهامات.
ووالله! ثم والله! الذي أرسل رسوله ﷺ ، وأبقى دينه إلى هذا الزمان! ليبقين دينه إلى آخر الزمان، وليأتين زمان يكون الإسلام فيه هو الظاهر على كل مكان في هذه المعمورة، لا يغادر بدواً ولا مصراً، ولا يترك حضراً ولا قصراً، إلا والناس -يومئذ- يوحدون ربهم، ويذوقون حلاوة إيمانهم، وينعمون بظل إسلامهم ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧].
فحذار ثم حذار من اليأس الذي يوسوس به الشيطان، إذا ما خسر المسلمون معركة، أو وقعت بهم مصيبة، أو تسلط عليهم عدو، إنما يريد الشيطان بذلك إلقاء اليأس في قلوب المسلمين، كي لا يعملوا بهذا الدين، ولهذا الدين، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: (٨٧)].
ولقد خسر الصحابة معارك، ووقعت فيهم أوابد، واجتمعت الأحزاب عليهم، وما زادهم ذلك إلا ثباتاً ويقيناً وعملاً، ومن الله تعالى قرباً، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران آية: ١٧٣].
فقد خسروا في أُحد، وهزموا أول الأمر في حُنين، وقتل منهم سبعون عالماً وقارئاً في ساعة واحدة، في حادثة بئر معونة، وهي نسبة عالية في عددهم يومئذ، وغير ذلك مما وقع فيهم، ومع هذا كله، لم يفتّ ذلك من عضدهم، ولم يزعزع بالله ثقتهم، وكان شعارهم ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩]. وفي قراءة ﴿ولا تحسبن﴾ أي: لا تظن أن الكفار بانتصارهم في معركة، أو معركتين، غلبوا قدرة الله تعالى، فأفلتوا من قوته، كلا والله! فالله غالب على أمره، ولكنها حكمة الله البالغة، ودروسه المربّية، وابتلاءاته
стр. 27
المتكررة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]. ولكنا ما زلنا في تقصير في الأسباب الشرعية، وتفريط في السنن الكونية (١).
ورغم هذا كله، ورغم الصد الشديد عن ذكر الله، والتآمر على هذه الصحوة، والكيد بها، فما تزال أفواج التائبين مقبلة على الله، وما فتئت زمر المقبلين تتدفق على هذا الإسلام العظيم.
وما هذه الطلائع من الشباب العائد إلى ربهم في كل مكان إلا بشائر نصر، ومقدمات تمكين، ودلالات على صدق هذا الدين، وعودته نوراً يشرق على وجه المعمورة، فمن كان يظن أن يخرج من أصلاب التائهين في بلاد الغرب شباب يطيلون عزتهم بالإسلام قبل أن يطيلوا لحاهم، ويقصرون عن الشر قبل أن يقصروا ثيابهم؟ ! من كان يظن أن يخرج من أصلاب الذين كانوا ينادون بالعروبة والاشتراكية والشيوعية جيل يرفع راية التوحيد، ويدعو إلى الإسلام، ويلتزم أحكامه، إنه صدق هذا الدين، وأصالة هذا الدين، وأنه من رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على خاتم المرسلين، ليظهره على الدين كله ولو كره الكارهون، ولو كاد الكائدون ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص آية: (٨٨)].
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج آية: ١٥].
стр. 28
التوحيد ومنزلته في الإسلام:
التوحيد: هو دين الأنبياء جميعهم، ومحور دعوتهم، وما أُرسلت الرسل، ولا أُنزلت الكتب إلا لأجله، وهو لب الإسلام وروحه، وأُسُّ الطائفة المنصورة ومنهجها، وهو قبل كل شيء، قبل العبادة وقبل الشريعة، وقبل الأخلاق.
وهو: تصديق ونطق، عمل ودعوة.
والتوحيد: يعمّ توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، على منهج سلف هذه الأمة، وما فصَّله الأئمة الأربعة، وابن عبد البر، وابن تيمية، وغيرهم من أئمة أهل السنة والجماعة، رحمهم الله تعالى.
فالربوبية: إفراد الله بأفعاله من خلق وإماتة، وإحياء ورزق، فكل ما يكون من الله فهو ربوبية.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: (٢٥)]. (١)
والألوهية: إفراد الله بالعبادة والتوجه والقصد، فكل ما يصدر من العبد من عبادة، وتقرب فهو ألوهية ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل آية: (٣٦)].
وتوحيد الأسماء والصفات: يعني الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تشبيه، ولا تعطيل ولا تمثيل، وهو باختصار بكلمتين: إثبات مع التنزيه.
ولا قيام للفرد والأمة إلا بالتوحيد الشامل، ولا يقبل عمل إلا به، ومن وحَّد الله كما أمر، نجا من الخلود في النار، ولو كان أفسق الناس عملاً، وأسوأ الناس خلقاً، وأَما ذنوبه فأمرها إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا
стр. 29
مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: (٦٤)].
وقال ﷺ : ((من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)) [أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٦) وابن حبان: (٤) وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة (١٣٥٥)].
والإعراض عن التوحيد كفر، وحصره في معنى دون معنى ضلال -كحصره في أمور العبادة، أوفي أمور السياسة والدولة، أو في محاربة القبورية فحسب- وإن كان أكبر أقسامه، مع الإقرار بأصل التوحيد، وأن الاستهزاء بشيء من أحكامه وسننه، زيغ وفجور وكفر.
ويشمل التوحيد: التشريع العام والخاص، والحاكمية العامة والخاصة، والتحاكم، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: (٢١)]. فسواء شرعوا لهم أحكاماً، أو عبادة، فكل ذلك مخالف للتوحيد، وحكم من يفعل ذلك على التفصيل عند أهل السنة، وقد ذكرنا طرفاً من هذا المعنى في باب الحاكمية، وسيأتي في أبواب متفرقة.
ويجب الاهتمام به جميعاً، ولا ينبغي أن يهمل جانب دون آخر، فالكل من التوحيد.
ويجب أن يُبدأ بالدعوة إلى التوحيد قبل كل شيء؟ فقد قال رسول الله ﷺ لمعاذ: ((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى ... )) [رواه البخاري: (٦٩٣٧)]. (١)
стр. 30
ويجب أن يعرض التوحيد جلياً واضحاً، لا لبس في الدعوة إليه ولا غموض، ولا مداهنة فيه، ولا مصلحة مقدمة عليه أبداً، كدعوى تجميع المسلمين أولى من تفريقهم على التوحيد، وما شابه هذه الدعوات المبنية على المصالح الظاهرة، وفسادها معلوم عند العقلاء بالضرورة.
стр. 31
الشرك وخطورته:
اعلم -عافانا الله وإياك- أنه ما عصي الله سبحانه تعالى بذنب أعظم من الشرك، وهو الوحيد الذي يبطل العمل، ويخلد صاحبه في النار والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: (٤٨)].
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: (٦٥)].
ولا يقبل إسلام المرء حتى ينتهي المرء قبل كل شيء عن الشرك، ويكفر به، ثم يدخل بعد ذلك الإيمان، فمن فعل ذلك، فقد وحد الله، ونجا نجاة أكيدة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: (٢٥٦)].
من صور الشرك:
الشرك شركان: شرك أكبر يخرج من الملة، وشرك أصغر.
ومحورها: أن يُجعل لله نداً أو مثيلاً أو شريكاً، في عبادته، أو حكمه، أو أفعاله أو صفاته، اعتقاداً، أو قولاً، أو عملاً، كدعاء غير الله، والاستعانة، والاستغاثة، والحلف بغيره، وكسن تشريع مضاد لشرع الله، أو مضاه له، والحكم به، والتحاكم إليه.
وللشرك صور عديدة، وأشكال متنوعة، فتارة يكون الشرك بشمس أو حجر، أو بنار أو شجر، وتارة يكون بملك أو مرسل، بإنسي أو جني، وتارة يكون بتشريع أو مبدأ، أو تعظيم أو سجود لغير الله، وقد يكون بحب أو بغض، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: (١٦٥)]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: (٩)]. وأحكام هذه كلها تجدها تفصيلاً في كتب أهل السنة.
стр. 32
ضابط فهم الكتاب والسنة:
ولما كان للكتاب والسنة أكثر من فهم، ويمكن أن يسلك بهما أكثر من مسلك، أراد الله توحيد الفهم والمنهج، ودفع الخلاف والتفرق في الفهم والعمل.
وذلك بأن أوجب الله على المسلمين التزام منهج السلف الصالح لضبط فهم الكتاب والسنة؛ لئلا يزيغوا عن المنهج الحق إلى فرق الضلال، وجماعات الأهواء، وهذا الضابط يشمل الفهم والعلم والعمل، والدعوة وطرق التغيير، وإقامة شرع الله في الأرض.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: (١٣٧)].
أي: فإن آمن الناس بمثل ما آمن به أصحاب النبي ﷺ فقد سلكوا سبيل الهداية، وإن أعرضوا عن منهجهم، فقد سلكوا سبيل الغواية، واستحقوا الضلالة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: (١١٥)].
واعلم -رحمني الله وإياك- أن مذهب إمام من أئمة السلف فضلاً عن غيرهم، ليس مذهباً للأمة، ولا ملزماً لأحد من المسلمين، وإنما الملزم كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، واتفاق لم يرد خلاف فيه عن أحد، أو ما اشتهر عن السلف من غير نكير من بعضهم، ممن هم على السبيل.
стр. 33
الطائفة المنصورة:
وقد صح عن النبي ﷺ حديثُ الافتراق: ((افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)). (١) [رواه أبو داود (٤٥٩٦) عن أبي هريرة، وصححه شيخنا الألباني في صحيح أبي داود (٣٨٤٢)].
وصح عنه تعيين هذه الطائفة تعييناً لا يدع مجالاً للبس، بقوله ﷺ لما سئل عنها: ((هي ما أنا عليه وأصحابي)) [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (٧٢٤) عن أنس بن مالك، وصححه لغيره شيخنا الألباني في الصحيحة (٢٠٤)].
وهي الطائفة المنصورة في الدنيا، والناجية يوم القيامة التي أخبر عنها رسول الله في هذا الحديث وفي غيره، وهي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام، ومن تبعهم بإحسان في التوحيد والمنهج، وفي العبادة والشريعة والأخلاق، وفي طرق التغيير، والحكم والسياسة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: (١٠٠)]. وكل من خالف ما كانت عليه الطائفة الناجية، فهو مبتدع ضال بقدر ما خالفها.
ومن أبرز أئمة الدعوة إلى هذا المنهج، بعد جمهور السلف الصالح أحمد بن حنبل وأحمد بن تيمية ومحمد عبد الوهاب وعبد العزيز بن باز، ومحمد ناصر الدين الألباني، وغيرهم من الأئمة والعلماء رحمهم الله تعالى .. ومن طعن بهم أو غمز بمنهجهم، فذلك علامة ضلاله،
стр. 34
ومئنة ابتداعه، ولا يعني ذلك عصمة أفرادهم من الخطأ، فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ ، وتخطئة أحدهم بدليل ممن هو أهل لذلك، ليس من الطعن في شيء (١).
الانتساب إلى منهج السلف:
الانتساب إلى منهج السلف -عقيدة وعملاً- واجب على كل مسلم، وإلا فمن لم يكن سلفياً، فماذا يكون؟ ! سيكون خارجياً، معتزلياً، رافضياً.
وأما الانتساب إليهم بالاسم (سلفي-سلفيون) فمشروع، بل مندوب إليه، للتميُّز عن أهل الابتداع.
وقد تميَّز سلفنا عن أهل البدع، باسم أهل السنة والجماعة، أهل الحديث، ولا مُشاحة في التسمية، مادامت تدل على معنى صحيح.
وثمة -في هذا الباب- ثلاث نقاط مهمة:
الأولى: لا يجوز أن نجعل التسمية حائلاً دون الدعوة، أو مانعاً دون انتشارها، إذ المقصود الأول: الدعوة نفسها لا الاسم، وعلى هذا، يمكن البدء بالمقصود قبل الاسم.
كأن يجد الداعية في بيئة معينة حرجاً كبيراً في ذكر الاسم، وحينئذ يجوز له تأخيره، ولا يضره تركه، إذ يمكنه الدعوة إلى التوحيد والسنة مباشرة، أو باسم أهل السنة والجماعة، أو منهج خير القرون، أو ما شابه ذلك من الأسماء التي تدل على مسمّى واحد، وقد مسح النبي ﷺ
стр. 35
لفظة (رسول الله) في عقده مع المشركين في صلح الحديبية، ولفظة ((رسول الله)) أعظم من لفظة ((السلفية)).
الثانية: لا يجوز أن يتحول الخلاف في التسمية وعدمها، إلى جدال وشقاق، مادام المنهج متفقاً عليه.
الثالثة: دعوى أن لفظة (السلفية) بدعة محدثة، دعوة باردة، إذ المقصود المعنى والفحوى، وأما الاسم، فهو مشتق من (سلف) كما اشتقت الألوهية من (إله) والربوبية من (ربّ) والحاكمية من (حكم).
وعلى هذا، فليس من نفى التسمية بخارج من السلفية، إذا كان مقراً بالفحوى، وليس من أثبتها بمبتدع (١)،
نعوذ بالله ممن عقم فهمه، وطال لسانه.
стр. 36
الإيمان تعريفه، ومذهب الحق فيه:
الإيمان هو: اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، والأعمال من الإيمان، وهي ركن من أركانه.
وللإيمان شعب: وله أصل وفروع وثمار، يزيد وينقص، قال ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)) [البخاري (٩) ومسلم (٣٥)].
وسئل رسول الله عن أفضل الإيمان فقال: ((الصبر والسماحة)) [أحمد ٤/ ٣٨٥]. فأدخل رسول الله ﷺ الأعمال الصالحة في الإيمان.
وأصل الإيمان في القلب، قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الحجرات: ٧].
وزيادته بالطاعة، ونقصانه بالمعصية، قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [سورة الفتح: ٤]. فأثبت سبحانه أصل الإيمان، وذكر زيادته بالطاعة.
والقول بأن الأعمال الظاهرة شرط صحة، أو شرط كمال، لفظ مجمل، لا بد من تفصيله، وبيان مقصده، فإن كان المقصود بهذه العبارة: أن كل عمل من الأعمال الظاهرة شرط صحة، -إلا الصلاة فمختلف فيها- فهو قول الخوارج، وهو قول باطل، وإن كان المقصود بشرط الكمال، أن الأعمال خارجة عن الإيمان، فهو قول المرجئة وهو قول باطل أيضاً.
وفعل الطاعات وترك المحرمات لله يزيد الإيمان، وترك الواجبات وفعل المحرمات يُنقصه، وترك المندوبات يفوت زيادته وثوابه.
والكفر والشرك ينقض أصله وفروعه.
والإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان، وغير ذلك مما فصله أئمة الهدى كمالك والشافعي، وأحمد، وابن عبد البر، وابن تيمية، وغيرهم ﵏ جميعاً (١).
مذهب أهل السنة في الخلاف:
الخلاف أنواع:
١ - خلاف الترف:
تعريفه: هو كل خلاف لا يترتب عليه عقيدة أو عمل، أو ثمرة، أو مخالفة نص.
مثاله: عدد أصحاب الكهف ومكانهم؟ شجرة آدم التي أكل منها؟ الجنة التي خرج منها آدم؟
قاعدته وحكمه لطلاب العلم: يجوز ولا ينبغي إذا ترتب على ذلك ضياع وقت، فالحفاظ على الوقت أولى، وحتى لا يتأسى الناس بهم.
حكمه للعوام -ولو كانوا مثقفين-: ينصحون بتركه، وإلا فيتركون ولا ينكر عليهم، إذا كانوا سينشغلون بغيره من الحرام.
٢ - خلاف التنوع:
تعريفه: هو كل خلاف يجوز فيه أكثر من وجه.
مثاله: تنوع القراءات، تعدد أدعية الاستفتاح في الصلاة، اختيار الزواج أولاً أو الحج.
قاعدته وحكمه: يحرم الشقاق فيه، ويختار المسلم منه ما يراه، أو ما كان في مصلحته.
٣ - الخلاف المعتبر أو خلاف الفهم والاجتهاد:
تعريفه: هو كل خلاف صدر ممن اتصف بثلاث:
- أهلية الاجتهاد: أي: توفر شروط الاجتهاد فيه، التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة.
- أصوله صحيحة: أي: أصول دينه، وأصول اعتقاده، وأصول استنباطه، على منهج أهل السنة والجماعة.
- مناط حكمه معتبر: أي أن يكون الحكم الصادر منه أو الفتوى، مناطاً بما هو معتبر عند أهل السنة والجماعة، من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فلا يخالف المجتهد إجماعاً، ولا نصاً قد اتُّفق على معناه، وأن يكون اجتهاده مبنياً على أصول الفقه المعتبرة، لا أن يكون
стр. 39
الحكم والفتوى معلقة بالمصالح والنتائج، ومناطة بالواقع، وتتبع الرخص، ودعوى رفع الحرج، والتسهيل، وما شابه ذلك.
مثاله: اختلاف الصحابة في صلاة العصر في بني قريظة، اختلاف العلماء في قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، حكم تغطية وجه المرأة، الاختلاف في الأعيان تعديلاً وتجريحاً، وما شابه ذلك.
قاعدته: نبين ولا نضلل، نصحح ولا نجرح.
- أي: نخطّئ ولا ننكر، فإن الإنكار لا يكون إلا لمنكر، وقد مضى مذهب السلف أن لا إنكار على مجتهد معتبر بالشروط السابقة.
- يُعذر أصحاب هذا الخلاف، ولو كان في العقيدة (١)، وسيأتي شيء من التفصيل في نهاية هذا الباب.
- يبقى هذا الخلاف في دائرة الخلاف المعتبر، ما لم يظهر نص يحسم الخلاف بالاتفاق.
- يشرع ترك الرأي للأعلم والأفضل، أو لمصلحة عامة للمسلمين من وحدة الصف، أو تآلف القلوب، أو درءاً لمفسدة كبيرة.
الموقف منه: يأخذ طالب العلم ما ترجح له، وأما العامي: فيأخذ ما اطمأن إليه قلبه، وقد يكون من عوامل الاطمئنان اتباع الأعلم، أو الأكثر، أو الأتقى، أو الأحوط، أو صاحب الاختصاص.
من صور الخلاف المعتبر:
стр. 40
الصورة الأولى: الخلاف بين أهل السنة أنفسهم:
اعلم -رحمني الله وإياك- أن أي خلاف اشتهر بين أهل السنة والجماعة ومضى دون إجماع منهم على رأي، فهو من باب الخلاف المعتبر، الذي لا يجوز التنازع فيه ولا المفارقة لأجله، ولا التحزب، ولا الإنكار.
كالاختلاف في حكم تارك الصلاة، وتارك جنس العمل، (١) وأول الخلق، وعورة وجه المرأة، وما شابه ذلك، ومن فرق لأجل هذا، أو اتهم، أو نسب أحد الفريقين المختلفين إلى فرق الضلال، فقد أبعد النجعة وظلم، كمن يقول: من لم يكفر تارك الصلاة فهو مرجئي، أو من كفر تارك الصلاة فهو خارجي.
الصورة الثانية: التأصيل والتمثيل:
إذا اتفق المجتهدون أو المسلمون في الأصول والقواعد، ثم اختلفوا في تطبيقها، أو إنزالها على الصور، أو ما يسمى التمثيل، أو الفروع، فلا يضرهم ذلك شيئاً، ولا يجوز أن ينكر بعضهم على بعض، فضلاً أن يعيب أو يشنع بعضهم ببعض.
توضيح ذلك: إذا اتفق المجتهدون في قواعد التكفير، ثم اختلفوا في تكفير عين، أو اتفقوا في معنى الابتداع، ثم اختلفوا في مسألة، بين بدعة أو سنة، أو في تبديع عين، فلا يجوز أن يكون هذا التمثيل محل جفاء ونزاع، فضلاً أن يكون سبب خصومة وتفرق، وقاعدة ذلك