← Общие книги

Общие книги · id 147099

منهج الاعتدال

عدنان العرعور

Полный текст (254 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الإيمان تعريفه، ومذهب الحق فيه: الإيمان هو: اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، والأعمال من الإيمان، وهي ركن من أركانه. وللإيمان شعب: وله أصل وفروع وثمار، يزيد وينقص، قال ﷺ : ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)) [البخاري (٩) ومسلم (٣٥)]. وسئل رسول الله عن أفضل الإيمان فقال: ((الصبر والسماحة)) [أحمد ٤/ ٣٨٥]. فأدخل رسول الله ﷺ الأعمال الصالحة في الإيمان. وأصل الإيمان في القلب، قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الحجرات: ٧]. وزيادته بالطاعة، ونقصانه بالمعصية، قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [سورة الفتح: ٤]. فأثبت سبحانه أصل الإيمان، وذكر زيادته بالطاعة. والقول بأن الأعمال الظاهرة شرط صحة، أو شرط كمال، لفظ مجمل، لا بد من تفصيله، وبيان مقصده، فإن كان المقصود بهذه العبارة: أن كل عمل من الأعمال الظاهرة شرط صحة، -إلا الصلاة فمختلف فيها- فهو قول الخوارج، وهو قول باطل، وإن كان المقصود بشرط الكمال، أن الأعمال خارجة عن الإيمان، فهو قول المرجئة وهو قول باطل أيضاً. وفعل الطاعات وترك المحرمات لله يزيد الإيمان، وترك الواجبات وفعل المحرمات يُنقصه، وترك المندوبات يفوت زيادته وثوابه. والكفر والشرك ينقض أصله وفروعه. والإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان، وغير ذلك مما فصله أئمة الهدى كمالك والشافعي، وأحمد، وابن عبد البر، وابن تيمية، وغيرهم ﵏ جميعاً (١).

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 38

مذهب أهل السنة في الخلاف: الخلاف أنواع: ١ - خلاف الترف: تعريفه: هو كل خلاف لا يترتب عليه عقيدة أو عمل، أو ثمرة، أو مخالفة نص. مثاله: عدد أصحاب الكهف ومكانهم؟ شجرة آدم التي أكل منها؟ الجنة التي خرج منها آدم؟ قاعدته وحكمه لطلاب العلم: يجوز ولا ينبغي إذا ترتب على ذلك ضياع وقت، فالحفاظ على الوقت أولى، وحتى لا يتأسى الناس بهم. حكمه للعوام -ولو كانوا مثقفين-: ينصحون بتركه، وإلا فيتركون ولا ينكر عليهم، إذا كانوا سينشغلون بغيره من الحرام. ٢ - خلاف التنوع: تعريفه: هو كل خلاف يجوز فيه أكثر من وجه. مثاله: تنوع القراءات، تعدد أدعية الاستفتاح في الصلاة، اختيار الزواج أولاً أو الحج. قاعدته وحكمه: يحرم الشقاق فيه، ويختار المسلم منه ما يراه، أو ما كان في مصلحته. ٣ - الخلاف المعتبر أو خلاف الفهم والاجتهاد: تعريفه: هو كل خلاف صدر ممن اتصف بثلاث: - أهلية الاجتهاد: أي: توفر شروط الاجتهاد فيه، التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة. - أصوله صحيحة: أي: أصول دينه، وأصول اعتقاده، وأصول استنباطه، على منهج أهل السنة والجماعة. - مناط حكمه معتبر: أي أن يكون الحكم الصادر منه أو الفتوى، مناطاً بما هو معتبر عند أهل السنة والجماعة، من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فلا يخالف المجتهد إجماعاً، ولا نصاً قد اتُّفق على معناه، وأن يكون اجتهاده مبنياً على أصول الفقه المعتبرة، لا أن يكون

стр. 39

الحكم والفتوى معلقة بالمصالح والنتائج، ومناطة بالواقع، وتتبع الرخص، ودعوى رفع الحرج، والتسهيل، وما شابه ذلك. مثاله: اختلاف الصحابة في صلاة العصر في بني قريظة، اختلاف العلماء في قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، حكم تغطية وجه المرأة، الاختلاف في الأعيان تعديلاً وتجريحاً، وما شابه ذلك. قاعدته: نبين ولا نضلل، نصحح ولا نجرح. - أي: نخطّئ ولا ننكر، فإن الإنكار لا يكون إلا لمنكر، وقد مضى مذهب السلف أن لا إنكار على مجتهد معتبر بالشروط السابقة. - يُعذر أصحاب هذا الخلاف، ولو كان في العقيدة (١)، وسيأتي شيء من التفصيل في نهاية هذا الباب. - يبقى هذا الخلاف في دائرة الخلاف المعتبر، ما لم يظهر نص يحسم الخلاف بالاتفاق. - يشرع ترك الرأي للأعلم والأفضل، أو لمصلحة عامة للمسلمين من وحدة الصف، أو تآلف القلوب، أو درءاً لمفسدة كبيرة. الموقف منه: يأخذ طالب العلم ما ترجح له، وأما العامي: فيأخذ ما اطمأن إليه قلبه، وقد يكون من عوامل الاطمئنان اتباع الأعلم، أو الأكثر، أو الأتقى، أو الأحوط، أو صاحب الاختصاص. من صور الخلاف المعتبر:

стр. 40

الصورة الأولى: الخلاف بين أهل السنة أنفسهم: اعلم -رحمني الله وإياك- أن أي خلاف اشتهر بين أهل السنة والجماعة ومضى دون إجماع منهم على رأي، فهو من باب الخلاف المعتبر، الذي لا يجوز التنازع فيه ولا المفارقة لأجله، ولا التحزب، ولا الإنكار. كالاختلاف في حكم تارك الصلاة، وتارك جنس العمل، (١) وأول الخلق، وعورة وجه المرأة، وما شابه ذلك، ومن فرق لأجل هذا، أو اتهم، أو نسب أحد الفريقين المختلفين إلى فرق الضلال، فقد أبعد النجعة وظلم، كمن يقول: من لم يكفر تارك الصلاة فهو مرجئي، أو من كفر تارك الصلاة فهو خارجي. الصورة الثانية: التأصيل والتمثيل: إذا اتفق المجتهدون أو المسلمون في الأصول والقواعد، ثم اختلفوا في تطبيقها، أو إنزالها على الصور، أو ما يسمى التمثيل، أو الفروع، فلا يضرهم ذلك شيئاً، ولا يجوز أن ينكر بعضهم على بعض، فضلاً أن يعيب أو يشنع بعضهم ببعض. توضيح ذلك: إذا اتفق المجتهدون في قواعد التكفير، ثم اختلفوا في تكفير عين، أو اتفقوا في معنى الابتداع، ثم اختلفوا في مسألة، بين بدعة أو سنة، أو في تبديع عين، فلا يجوز أن يكون هذا التمثيل محل جفاء ونزاع، فضلاً أن يكون سبب خصومة وتفرق، وقاعدة ذلك

стр. 41

قاعدة الخلاف المعتبر: ((نصحح ولا نجرح، نبيّن ولا نضلل)) ويأتي شرحها إن شاء الله تعالى. أما الاختلاف في التأصيل فله مقام آخر. الصورة الثالثة: الاختلاف في الأعيان: اعلم -رحمك الله- أنه إذا صحت أصول المختلفين، وتوحد منهجهم، فلا يجوز -بعد ذلك- التفرق والشقاق والتحزب لأجل اختلافهم في الحكم على بعض الأعيان، ولا يجوز عقد الولاء والبراء في هذا، ولا يلزم منه تضليل المخالف ولا مفارقته؛ لأن الاختلاف في الأعيان، يدخل في باب الاختلاف المعتبر، واختلاف التمثيل، وإنما أفردته بالذكر لما حصل بسبب ذلك في زماننا من الفتن في الأعيان، وإلا فهو محل اجتهاد، ولكلٍ اجتهاده، ومن جرح لأجل هذا، وصنف فقد ضل وفرَّق، وتحزب وتنطع (١). ومن ذلك: أن يكون اختلافهم في التجريح والتعديل متناقضاً أشد التناقض، كما اختلف سلفنا في تكفير بعض الأعيان، وفي تبديعهم وتجريحهم، فاختلفوا في الحجاج تكفيراً وزندقة، واختلفوا في الجنيد، وإبراهيم بن أدهم، وعبد القادر الجيلاني، وغير هؤلاء كثير، تبديعاً وتفسيقاً، بل اختلفوا في بعض الأعيان، هل هم صحابة أم منافقون؟ ! ومع ذلك لم يتخاصموا ولم يتفرقوا، ولم يجرح بعضهم بعضاً لذلك، ولم يُلزم أحدُهم قولَه أحداً، ولا يلزم الآخرين التبرؤ منه، ولا حجة بأحد على أحد، ولا يحتج بعالم أو علماء مهما، كانوا ماداموا مختلفين إلا أن يتفقوا، فإن سعيد بن جبير ومن معه لما كفروا الحجاج، لم يلزموا الحسن البصري وغيره التبرؤ منه، ولا نادى بين الناس أن من لم يتبرأ من الحجاج فهو مبتدع، ولا كفّر سعيد بن جبير الحسن، وليس هذا المقام مقام ولاء وبراء، كما يفعل بعض الحدثاء ومن

стр. 42

يؤازرهم، ومن خالف هذا المنهج فقد فرق، وكان سبباً في إشعال الفتنة بين المسلمين، فتنبه لذلك وكن من الراشدين. وإذاً اتفقنا في المعاني فلا مشاحة إذا اختلفنا بعد ذلك في الأعيان، والاختلاف في الأعيان لا يفسد الإتفاق والمودة بين الإخوان. ولقد وقع في زماننا هذا من التعصب للأعيان والتحزب لهم، والتفرق من أجلهم، والولاء والبراء فيهم، الشيء العظيم، وجلب على المسلمين الشر الكبير، كأن الإسلام مبني على الولاء والبراء في الأعيان، فلاحق فيه ولا تأصيل، ولا مبدأ فيه ولا دليل، إلا هؤلاء الأعيان، نعوذ بالله من من فقه الصبيان. الصورة الرابعة: اختلافهم في تصور مسألة أو فهم واقعة، ثم اختلافهم في حكمها . تنزيل الأحكام على الوقائع ممن هم أهل لذلك، واختلافهم في ذلك داخل في هذا الباب. واختلاف كثير من العلماء المعاصرين في أحكام كثير من الوقائع المعاصرة كحكم الإحرام من جدة، والعقود المنتهية بالتمليك، وحكم الجهاد في بعض البقاع كاختلاف الرسول ﷺ وأصحابه في أسارى بدر. الصورة الخامسة: اختلافهم في تفسير نص من الكتاب أو السنة، أو تفسير نص لأحد الأعيان، وأمثلة هذا كثيرة. وهذه الصور كلها صور متداخلة ومتكررة، أردنا زيادة التفصيل، لزيادة التوضيح، وهي تدخل في باب الخلاف المعتبر، الذي لا يجوز الإنكار فيه، ولا التفضيح، ولا التنازع، ولا التجريح، مهما كانت شدة الخلاف، ومهما كان موضعه، ومهما كانت نتائجه، وإنما الواجب فيه النصح والتوضيح، والبيان والتصحيح، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ كان لا يرى التيمُّمَ للجنب، ولو ترك الصلاة عشر سنين، وهذا خلاف بين الصحابة شديد، وهذا الإمام أحمد ﵀: كان يرى كفر تارك الصلاة، وبهذا يخرج -عنده- من المسلمين -عند غيره-

стр. 43

كثيرون، وهو خلاف شديد بين الأئمة، وثماره كبيرة ومهمة، ومع ذلك، لم ينكر على عمر، ولم يجرح أحمد، ولا يجوز أن يلام أبداً، بل أصحاب هذا الخلاف بين أجر أو أجرين. ٤ - خلاف الخطأ: هذا النوع فرع من النوع السابق، وفيه شيء من الدِّقَّة. تعريفه: هو كل اجتهاد معتبر ثبت بعد ذلك خطؤه، بدليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، بحيث لو اطلع عليه المخالف تراجع. وبتعبير آخر: سقوط مناط حكم المجتهد، سقوطاً كلياً، كاجتهاد خالد بن الوليد ﵁ في قتل بني جزيمة، والذي قال فيه رسول الله ﷺ : ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) وكترك رفع الأيدي قبل الركوع وبعده عند بعض الأئمة، وما شابه ذلك، مما لم يظهر للمجتهد حين اجتهاده النص الذي يتبين به خطؤه، ثم ظهر النص بعد ذلك جلياً، قطعي الدلالة، قطعي الثبوت، بحيث لو وقف عليه المجتهد، لتراجع عن رأيه، وقولنا عنه: خطأ، احتراماً للمجتهد، وتقديراً لحقه. قاعدته: المجتهد: يُخطَّئ ولا يُلام، والمقلد يُنصح ويُعلم ويُبين له، فإن أصرَّ على الخطأ تقليداً للمجتهد مع ظهور الدليل، فقد وقع في الضلال. ٥ - خلاف الضلال: تعريفه: هو كل خلاف سقط عند صاحبه أحد الشرطين الأولين في الخلاف المعتبر، أو كان مناط حكمه فاسداً، والشرطان هما: أهلية الاجتهاد، وصحة الأصول. كأن يكون القائل: ليس أهلاً للاجتهاد، أو تكون أصوله فاسدة، أو يخالف نصاً صريحاً لا يحتمل التأويل، أو يبني اجتهاده على مالا يعتبر شرعاً، كالفلسفة وعلم الكلام، وسياسة الواقع وما شابه ذلك، ومعظم هذا الصنف من أهل الابتداع والعواطف، والحماسة والجهل، وتتبع الرخص، ولكنه ما يزال يدور في فلك الإسلام، ويتذرع ببعض النصوص العامة.

стр. 44

مثاله: أقوال أهل البدع جميعاً التي خالفوا فيها أهل السنة: كالقول بعدم رؤية الله في الآخرة، والقرآن مخلوق، والتكفير بالذنب، تفضيل أحد على الراشدين، الغمز ببعض الصحابة، المرتد لا يقتل، جواز الاختلاط. قاعدته: نفارق ونضلل، وذلك بعد البيان والنصح، والنظر في مفاسد ذلك ومصالحه. ٦ - خلاف الهوى والجهالة: هذا الخلاف قريب من السابق أو نوع منه، إلا أن أساسه الهوى والفساد، بالاتفاق بين المسلمين، وأما السابق، فقد يكون محل قيل وقال بين أهل الحق وأهل البدع، إذ قد يكون لهم شبهة في استدلالهم. تعريفه: هو كل مخالفة لأهل الحق أو الدين، في الدين والدنيا والإدارة، أساسه الهوى، والجهالة، ليس له من الأدلة مستند، ولا هو من الدين أصلا. مثاله: - الخارجون على الحاكم المسلم لمصالح شخصية، أو عصبيات جاهلية. - الحاكمون بغير ما أنزل الله من غير كفر أكبر. - الفتاوى التي تباع مما يخالف دين الله. - ما يحصل من الاقتتال بين المسلمين بغير حق. قاعدته: نعتزل ونضلل، ونقف مع الحق ونجاهد معه، بأموالنا وأنفسنا حسب استطاعتنا. ٧ - الخلاف الإداري: تعريفه: هو كل خلاف في الرأي في أمور إدارية أو دنيوية، وليست في الدين نفسه، ولا من خلاف الهوى. أو هو: اختلاف وجهات النظر في تسيير الأمور لا دليل أصلاً في المسألة للحكم فيها، أو الترجيح.

стр. 45

مثاله: الاختلاف في مكان بناء المسجد، تعيين وقت المحاضرة أو الدروس، موعد السفر الجماعي، توزيع الأعمال على العاملين، تنظيم أمور الجمعيات والمراكز، من تعيين الرئيس، والهيئة الإدارية وما شابه ذلك. أسبابه: تفاوت النظر في المصالح والمفاسد، أو العناد، والإصرار على الرأي؛ لأن صاحبه يعتقد صوابه، ويكون سببه حب الذات، وسوء الأخلاق. وكثير من خلافات المسلمين في جمعياتهم ومراكزهم ومساجدهم من هذا الباب، وكثير من الانشقاقات الداخلية في الجماعات بسببه. قاعدته: التطاوع . وهو ترك الرأي -ولو كان صاحبه يعدّه صواباً- إلى رأي غيره -ولو كان يراه خطأ- ولقد ترك رسول الله ﷺ رأيه -الاجتهادي الإداري- أكثر من مرة، لمن هو دونه، وكان رأيه صواباً، كما في غزوة أحد، حين ارتأى أن يقاتل في المدينة، ورأى الصحابة القتال خارج المدينة فطاوعهم، رغم خطأ رأيهم، وحصل ذلك في غزوة الطائف، حين ارتأى الرحيل وتأخير القتال، ورأى الصحابة القتال، فطاوعهم رغم خطأ رأيهم، فهل لنا في ذلك عبرة. واعلم أن في التطاوع -وإن كان قبولاً برأي يراه خطأ- خيراً كبيراً، ونفعاً عظيماً، ليس هاهنا مجال ذكره. وأن في العناد والإصرار على الرأي -وإن كان صاحبه يراه صواباً- شراً عظيماً، وفشلاً كبيراً، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: (٤٦)]. ولو أننا نتطاوع لكان خيراً لنا، وأقوى وأحفظ لوحدة المسلمين وكلمتهم (١). حكم الاختلاف في العقيدة:

стр. 46

لا يجوز الاختلاف في أي أمر ثبت في الدين بيانه أو حكمه، سواء كان في العقيدة، أو في المنهج، أو في العبادات، أو حتى في السواك، فالاختلاف كله شر لا خير فيه. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ... [آل عمران: (١٠٥)]. وقال ابن مسعود: (الخلاف شر) أخرجه البخاري وغيره. ويزداد الخلاف شراً في العقيدة، وفي الأمور التي يترتب عليها أثر عملي. لكن هل كل خلاف يلزم منه تضليل أحد الطرفين؟ كلا، ليس كل خطأ أو خلاف في العقيدة بل غيرها، يكون أصحابه أو أحد الطرفين ضالاً، فمنه ما يكون المخالف ضالاً، ومنه ما يكون مخطئاً مأجوراً، حتى ولو كان في العقيدة، وقد اختلف السلف في أمور كثيرة، تدخل في باب العقيدة وفي غيرها، ومع ذلك لم يضلل أحد الطرفين الآخر. كالاختلاف في أول الخلق، هل هو القلم أو العرش؟ ! وهل الملائكة أفضل أم البشر؟ وهل رأى رسول الله ﷺ ربه ليلة الإسراء؟ ! وهل الجنة التي نزل منها آدم هي جنة الخلد أم جنة أخرى؟ فأنت ترى أن هذه الخلافات في أمور عقدية، ومع ذلك لا يجوز وصف أحد الطرفين بالضلال، ولا يفعل هذا إلا غبي أو خبيث. ومع التقرير بأن الخلاف في العقيدة -بعامة- أعظم أثراً، وأكبر ضرراً، ولكن ليس كل خلاف في العقيدة يكون أعظم من كل خلاف في العبادات وغيرها. ألا ترى أن الخلاف في شروط الصلاة أكبر أثراً من الخلاف في أول الخلق، وأن الخلاف في وقوع الطلاق، أعظم أثراً من الخلاف في نبوة أم موسى، أو أم عيسى عليهم الصلاة والسلام.

стр. 47

ولو أن رجلاً مات وهو لا يعلم، أرأى رسول الله ﷺ ربه أم لم يره، لا يضره ذلك في دين ولا عمل، ولا حساب ولا سؤال شيئاً، ولو مات وهو لا يحسن الوضوء، لأضر به ذلك ضرراً بالغاً. ولو أن المترصدين أدركوا الفرق بين تَعَمُّدِ الخلاف، وبين جواز وقوعه، لما اعترضوا وشنعوا، فإن ثمة فرقاً بين من يخالف النص بهوى وجهل، وهذا هو المحرم، الذي تنصب النصوص عليه، وبين ما يقع من المجتهدين من الخلاف في الفهم، وهذا الذي لا يجوز فيه الطعن بأحد الأطراف، حتى وإن كان الخلاف في العقيدة، (١) وقاعدة ذلك هو قاعدة الخلاف المعتبر: - إذا كانت أصول المختلفين صحيحة. - ومناط استدلالهم معتبراً. - وهم من أهل الاجتهاد. - وبذلوا الجهد في ذلك. ثم اختلفوا، فلا إثم على أحد منهم، مهما كان موضع الخلاف وشدته. وقد أفاد هذا شيخ الإسلام بقوله: "فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد ﷺ ، وقصد الحق، فأخطأ: لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول ﷺ ، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين، فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصّر في طلب الحق، وتكلم بلا علم: فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقاً، وقد تكون له

стр. 48

حسنات ترجح على سيئاته، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال، يكون كافراً؛ بل ولا فاسقاً، بل ولا عاصياً" [الفتاوى (١٢/ ١٨٠)]. وليس في هذا تهوين من شأن العقيدة، وإنما فيه تعظيم لشأن علماء السنة المجتهدين، وحماية جنابهم من أن تطولهم ألسنة الحدثاء، إذا ما سمعوا اختلافاً بين علماء السنة في العقيدة، والله المستعان على هذه الفتن. هل يجوز أن يلزم أحد أحداً باجتهاد أو رأي ؟ لا يجوز أن يلزم أحدٌ أحداً برأيه أو اجتهاده، أو اجتهاد غيره، مهما كان المجتهد أو المجتهدون على علم أو منزلة أو عدد، وسواءً كان هذا الخلاف في العقيدة، أو المنهج، أو العبادات، أو المعاملات، أو الاختلاف في الأعيان. ولا يجوز إلزامٌ إلا بآية قطعية الدلالة، أو حديث واضح الدلالة، وصحيح الثبوت، أو إجماع متيقن، أو ما اشتهر من مذهب السلف واستقر عليه الأمر، وماعدا ذلك فلكل اجتهاده، في إطار النصوص، والاجتهاد المعتبر، ومن ألزم بغير ما ذُكِرَ فقد جهل وتعصب. وربما يدفع بعضَهم الجهلُ والتعصبُ إلى إلزام إخوانهم آراءهَمُ، أو اجتهاداتِ من يقلدونهم، فمن التزم بأقوالهم فهو المهتدي عندهم، ومن لم يلتزم كان -عندهم- ضالاً مبتدعاً، يجب مفارقته، ومفارقة من لا يفارقه، والتبرؤ منه، وممن لا يتبرأ منه، فشقُّوا بذلك الصف، وأحدثوا الفتن، ولا يفعل هذا من كان عنده علم أو دين أو عقل، والله المستعان. هذا وقد حصل اختلاف شديد بين علماء الأمة في كثير من المجالات، حتى وصل إلى تكفير من ترك بعض الأعمال، كما اختلفوا في تكفير أعيان وجماعات. فكفَّر طائفة من السلف تارك الصلاة، وكفر طائفة منهم الخوارج، وكفر طائفة منهم من قال بخلق القرآن، ومع هذا الاختلاف الشديد، لم يلزم أحدٌ أحداً برأيه، ولا ضلله لمخالفته، ولا فارقه لإصراره على رأيه، ولا يعرف هذا سلفنا الصالح، وأهل العلم، وأهل الصلاح، وإنما

стр. 49

يفعل هذا أهل الفساد، ومن أجهل الجهل، أن يفترق الناس لاجتهادات في أقوال أو أعيان، فلا حول ولا قوة إلا بالله، مما يصنع أهل هذا الزمان.

стр. 50

خطورة الابتداع في الدين: إن للابتداع في الدين خطراً عظيماً على الدين وعلى أصحابه، لما فيه من تشويه له، وتحريف لأحكامه، وتقوّل على الله ، ومضاهاة لشرعه، وتنصيب للنفس في مقام التشريع وهو خاص بالله سبحانه، وحسب العاقل أن يعلم أن أعظم ما يفسد دين الرجل بعد الشرك الابتداع فيه، بل إن من الابتداع ما يكون شركاً وكفراً، ولذلك شدد الإسلام على الابتداع، وحرمه تحريماً شديداً، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: (٢١)]. وقال ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) [البخاري: (٢٦٩٧) ومسلم: (١٩١٨) عن عائشة رضى عنها]. وقال ﷺ : ((كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)) (١) [أخرجه النسائي: (١٣٨٨) وابن خزيمة: (١٥٨٧) وصححه، عن جابر]. ونظراً لخطورته: حذرنا الإسلام من الابتداع وأهله، وأمرنا باجتنابهما اجتناباً بعيداً. البراءة من البدع وأهلها، والتحذير من ذلك: - إن من منهج الطائفة المنصورة البراءة من جميع البدع ودعاتها. - البراءة تعني: مفاصلتهم وإعلان النكير عليهم، والتحذير منهم ومن بدعهم. - لا يلزم من البراءة شتم ولا فظاظة، ولا سوء خلق ولا شناعة. فإن بعض الناس يظنون: أن البراءة تستلزم ذلك، والأمر ليس كذلك، ولا تعارض بين البراءة والتحذير، وبين الخلق الحسن واللين، كما أن الرفق بهم لا يعني المداهنة، وإن حسن الخلق معهم لا يعني ولاءً ولا نصرة، وقليل من أولئك الذين يفرقون. - يحذر منهم، ويكفّ شرهم بالقوة والهجر، وما شابه ذلك، بشروط: ١ - كون أهل السنة ذوي شوكة. ٢ - الحكمة.

стр. 51

٣ - أن لا يترتب على ذلك مفسدة أعظم. وأما إذا كان أهل السنة ضعفاء، فيكون ذلك بالدعوة والبيان، وبالتعليم والرفق، حتى يأتي الله بأمره. ألا ترى أن نبي الله موسى ﷺ مع كونه من أولي العزم والقوة، وكان يكفر فرعون عدو الله، وكان رأس المتبرئين منه، والمنكرين عليه، لم يمنعه ذلك كله أن يكون لين القول معه، رفيقاً به، فيا ليت بعضهم يعلمون. - لا ينبغي أن يكون تتبعنا أهل البدع، وتحذيرنا منهم، هو شغلنا الشاغل عن العلم والعمل والدعوة، وعن تربية أنفسنا وناشئتنا. - لا ينبغي أن ينسينا أهلُ البدع غيرَهم، ممن يسيئون إلى الإسلام والمسلمين، ويترصدون به، ويؤذون أهله. - لا ينبغي أن ينسينا أعداءُ الإسلام أهلَ البدع. فليس من مذهب أهل السنة، أن ندع العلم والتربية والدعوة، ليكون أهل البدع أو غيرهم شغلنا الشاغل، وهاجسنا الدائم، ويكون حديثنا عنهم، صباحنا ومساءنا، ليلنا ونهارنا، حتى ينسينا علمنا وعملنا، ودعوتنا وأنفسنا. البدع وأهلها ليسوا سواء: مما ينبغي التنبه إليه، أن البدع ليست سواءً، بل هي متفاوتة، فليست بدعة المحراب والخيط في المسجد، كبدعة القول بخلق القرآن، وتعطيل الصفات. وأهل البدع متفاوتون، فليس من وقع في بدعة أو أكثر، كمن سلك سبيل الابتداع، وليس من كان داعية للبدع، كمن هو مقلد جاهل. وكلٌ له حكمه، حسب التفصيل عند راسخي أهل السنة والجماعة.

стр. 52

والأصل في هذا: اعتبار أصول الرجل، وطرق استدلاله، أكثر من تمثيله وفروعه، فما من عالم -بل ولا إمام- إلا وله وعليه، إلا إذا كثر خطؤه، وغلب صوابه، فينظر حينئذ في أهلية اجتهاده. فليس الإمام أبو حنيفة ﵀ بقوله بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، كأحمد بن أبي دُءاد المعتزلي اللئيم. وليس الإمام النووي ﵀ في تأويله لبعض الصفات، كالجعد بن درهم جاحد الصفات المشبوه. كما أن من البدع ما يكون محل خلاف بين المجتهدين المعتَبرين، فلا يسمى المخالف -والحال هذه- مبتدعاً أبداً، كالاختلاف في بدعية صلاة التسابيح، وفي وضع اليدين على الصدر بعد الركوع، والخيط في المسجد، وما شابه ذلك. ويمكن تسمية ذلك اصطلاحاً (البدعة الاجتهادية) وهو مجرد مصطلح، وقد وافق شيخنا العلامة الألباني -حفظه الله- على هذا الاصطلاح، إذ لا مُشاحة في الاصطلاح، فمن أعجبه هذا الاصطلاح فالحمد لله، ومن لم يعجبه فسبحان الله. والمبتدعون ليسوا سواءً، من حيث شرهم، ونياتهم، وبدعهم، وسيأتي شيء من التفصيل والأدلة. قواعد في معاملة أهل البدع: ١ - يجب أن يكون صف أهل السنة واضحاً مميزاً، عقيدة ومنهجاً، فلا خلط في عقيدة، ولا في منهج، ولا مداهنة في ذلك. أي: لا يجوز الخلط بين عقيدة أهل السنة وعقائد المبتدعة، ولا يجوز التقريب بين منهج أهل السنة ومنهج أهل الضلال، إلى غير ذلك مما ليس له أثارة من حق، أو قدم صدق، وليس هاهنا محل تفصيل.

стр. 53

٢ - ليس كل مبتدع أو حزبي يكون فاجراً أو خبيثاً، قال شيخ الإسلام (١٢ - ١٨٠): "فالتكفير يختلف باختلاف حال الشخص، فليس كل مخطئ، ولا مبتدع، ولا جاهل، ولا ضال يكون كافراً، بل ولا فاسقاً، بل ولا عاصياً". وبالتالي: ٣ - ليس كل حزبي أو مخالف أو مبتدع عدواً، ولا يجوز أن نتخذ كل واحد من هؤلاء عدواً. فهل إذا وقع العلامة النووي ﵀ في بدع صار خصماً، وهل المنتسب لأحد الأحزاب الإسلامية صار عدواً، ولو فعلنا ذلك فعلى أمة الإسلام السلام (١). ٤ - يجوز -بل يجب أحياناً- التعاون معهم فيما من شأنه نصرة الإسلام؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: (٢)]. والآية عامة في كل مسلم. (٢) عملاً بالنصوص ومنهج السلف، ولابد أن يقيد هذا التعاون بثلاثة شروط. - أن يحقق هذا التعاون مصلحة للإسلام والمسلمين. - أن لا يكون في ذلك تقوية لهم على أهل السنة، أو نصرة لبدعهم. - أن لا يكون في ذلك تنازل عن عقيدة أو منهج عند أهل السنة. ومن صور التعاون:

стр. 54

- صد عدو للإسلام. كتحالف الرسول ﷺ مع اليهود في غزوة الخندق، وتحالفه مع خزاعة بعد صلح الحديبية، وإذا جاز ذلك مع اليهود والكافرين، فهو مع المسلمين المخالفين أولى وأحقُّ. وقد قاتل شيخ الإسلام مع الناس جميعاً لصد التتار، وأفتى الإمامان ابن باز والألباني بالقتال مع الأفغان وغيرهم، وفيهم ما فيهم. الصورة الثانية من التعاون: - دفع مفسدة عن المسلمين، أو جلب مصلحة. كتعاون الجماعات الإسلامية في الغرب بعضها مع بعض، على محاربة الفواحش التي تنخر بالمسلمين، أو بناء مستشفى لعلاجهم، ودفع شر الاختلاط عنهم، بل يجوز في بعض الصور التعاون مع الكفار أنفسهم لدفع مفسدة عظيمة عن الطرفين، ومن عايش الواقع في بلاد الغرب أدرك هذه الحقيقة، وليس هاهنا محل تفصيل (١). ٦ - يجب أن يكون الكلام في أهل البدع وغيرهم بثلاثة شروط: الأول: التثبت مما ينسب إليهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: (٦)]. الثاني: العدل في الحكم عليهم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: (٥٨)]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: (١٥٢)]. قال شيخ الإسلام (٢): "والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم كحال أهل البدع"

стр. 55

الثالث: الحكمة والرفق بهم رجاء هدايتهم، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: (١٢٥)]. وقال ﷺ : ((ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه)) ... [رواه البخاري في الأدب المفرد: (٦٠١) واللفظ له والترمذي: (١٩٧٤) عن أنس وصححه الألباني في صحيح الترمذي (١٦٠٧)]. وقال لعائشة عندما ردت على اليهود: ((مهلاً يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش)) [البخاري: (٦٠٣٠)]. ثم إن اتصاف الداعية بالآداب الإسلامية، من اللطف والحكمة والرفق، وحبه هداية الخلق إلى الحق، وألا يكون للنفس والتشفي والانتقام نصيب، إن اتصاف الداعية بذلك، يساعدهم على قبول الحق، وإذا أمر الرسول ﷺ بالرفق مع اليهود شر الخلق، فمن باب أولى أن يكون مع مسلمين أخطأوا الطريق (١). الاستشهاد بقول أهل البدع . لما كان أهل البدع أو من وقع في البدع متفاوتين -كما سبق- فإنه من الصعوبة بمكان ضبط مسألة الاستشهاد بقولهم، ولكن يمكن تقرير ما يلي: - ينبغي الإعراض عن الاستشهاد، إذا كان تقع به ريبة، أو تكون ثمة شبهة. - لا يجوز الاستشهاد بأقوالهم، إذا ترتب على ذلك مفسدة، من تغرير، أو انتشار لضلالهم، أو غير ذلك. - لا مانع من الاستشهاد بقولهم، إذا ترتب على ذلك مصلحة، واندفعت مفسدة الاغترار بهم، بواقع حال، أو بتنبيه مقال.

стр. 56

- الاحتجاج بقولهم لا يعني تزكيتهم، ومن ألزم المستشهد -لمجرد الاستشهاد- تزكيتهم وأنه منهم، فقد ظلم، فكم استشهد شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وابن رجب، وغيرهم، بأقوال بعض أهل البدع، ولم يلزمهم أحد بأقوالهم. - الاختلاف في حكم الاستشهاد بقولهم، محل اجتهاد، لا يعدو في أسوأ حالاته أن يكون خطأ اجتهادياً، لا يبيح لنا نسبة المخالف إلى أهل الابتداع، أو إلى الضلال، ولا يجوز أن يكون مدعاة خلاف وشقاق، وتضليل وتجريح، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه، وإخوانه والدعوة وأتباعها. (١)

стр. 57

الطوائف الضالة: إن شر الطوائف الضالة هم: الباطنية، كالقرامطة، ومن تفرع منهم من الطوائف الغابرة، والمعاصرة من قاديانية، و ... ، و ... ، ومعظمهم -إن لم يكن كلهم- كفار يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر والكيد بالمسلمين، وهم شر من اليهود والنصارى، وأخطر منهم أذية ومكراً، وصداً عن سبيل الله تعالى، ونبرأ إلى الله تعالى ظاهراً وباطناً منهم، ولا نصدق من أسلم منهم إلا بإعلانه الكفر بهم، واتباع سبيل المؤمنين، ونكل سريرته إلى الله رب العالمين، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: (٢٥٦)]. ولعنة الله عليهم لما يكيدون بالإسلام، ويؤذون المسلمين، ولعنة الله على من نسب الأبرياء إليهم افتراءً وحزبية وكيداً، لا تثبتاً في ذلك ولا تقوى. ويليهم في الضلال والفساد، الرافضة، والخوارج، وكلهم دركات متفاوتة، من أدنى الكفر إلى الضلال والابتداع. المرجئة: الإرجاء بدعة في الدين، وأصحابه فرق ودركات فمنهم الذين يقولون: إن الإيمان هو مجرد معرفة الله، ولو لم يصدق، ولو لم يدخل في الإسلام، وينطق الشهادتين، ولا يكفر عندهم إلا منكروا وجود الله، وبالتالي فلا يضر ذنب صاحبه، ولا تنفعه طاعة، وضلال هؤلاء معلوم من الدين بالاضطرار، بل معظم السلف على تكفيرهم، ويلحقونهم بالجهمية. - ومنهم الذين يقولون: إن الإيمان هو مجرد التصديق ولو لم يقر بلسانه، أي: تصديق دون إقرار وانقياد، ومنهم من يدخل أعمال القلوب من محبة وبغض وتوكل وغيرها في الإيمان، ومنهم من لا يدخله. - ومنهم من يقول: الإيمان مجرد الدخول في الإسلام، ولو لم يؤمن بقلبه.

стр. 58

- ومنهم من يقول: الإيمان تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، ويدخلون أعمال القلب في الإيمان، ولا يدخلون أعمال الجوارح فيه، وهؤلاء يسمون مرجئة الفقهاء، وكان منهم كثير من علماء الأمة، ولذلك ذهب بعض العلماء -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- إلى: أن الخلاف معهم لفظي لا معنوي حقيقي، وهم متفقون على أن: - الإيمان لا يتجزأ، ولا يتبعض، كالقطعة الواحدة، فإما أن يذهب كله، أو يبقى كله كاملاً، فليس عندهم إيمان ضعيف، ولا إيمان قوي. - والإيمان -عندهم- لا يزيد ولا ينقص، ولا يقوى ولا يضعف. - ولا تضر الإيمان معصية ولا تنقصه، ولا تنفعه طاعة ولا تزيده، فعندهم إيمان الملائكة وجبريل، وإيمان الأنبياء ومحمد صلى الله عليهم جميعاً، وإيمان أبي بكر وعمر والصحابة، كإيمان الحجاج، وقاتل المائة، وأفسق الناس، وكناكح المحرمات، وتارك الأركان والواجبات. - ومنهم من يقول: إن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب، أو بالاستحلال، فلو عبد صنماً مختاراً عالماً، ولم يكذب الله ورسوله ﷺ فهو مؤمن، والصواب ما عليه أهل السنة والجماعة، من أن الكفر يكون كذلك بالرد والإعراض، والاستهزاء، وغير ذلك مما ذكروه فإن كفر إبليس، وكفر أبي طالب لم يكن عن تكذيب، ولكنه عن كبر ورد. كما يكون الكفر بعمل أو لفظ كذلك، كقتل الأنبياء، وشتم الله سبحانه، أو الرسول ﷺ . شبه حول الإرجاء: اعلم أن عدم تكفير تارك الصلاة، والقول بأن الكفر كفران، والتفصيل في الحاكم بغير ما أنزل الله، ليس من الإرجاء في شيء، وإلا لكان حبر الأمة ابن عباس، والإمام الشافعي،

стр. 59

وجمهور العلماء من المرجئة، نعوذ بالله من إلقاء الكلام على عواهنه. ومن قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقد خرج من الإرجاء كلّه، أوله وآخره، قاله الإمام البربهاري (١). ألا فليسمع المتعجلون في اتهام علماء الإسلام بهذا، وليعلموا كذلك قول الإمام أحمد لما سئل عمن قال: (الإيمان يزيد وينقص؟ ) فقال: "هذا بريء من الإرجاء" (٢) وقد كان الألباني من أشد الناس عليهم في الشام، وكان يقول: هؤلاء -أي المرجئة- لم يتأدبوا حتى مع ظاهر كتاب الله" وهو يقرر زيادة الإيمان. وذلك أن من قال: الإيمان يزيد وينقص، فقد نقض أسس الإرجاء، وهدم قواعده، ولو أخطأ في بعض التمثيل، أو وافقهم في بعض الأقوال، فليست كل موافقة لأهل البدع تعني موافقتهم على ضلالهم، أو على كل شيء، ألا فليتق الله أقوام يطلقون ألسنتهم في أعلام هذه الأمة (٣). الخوارج:

стр. 60

هم من شر فرق الضلالة، يقتلون أهل الإسلام، ويذرون أهل الأوثان، وهم متفاوتون لا يمكن الحكم عليهم بعامَّة، وأساس مذهبهم: أنهم لا يرون الكفر كفرين: كفر اعتقادي وكفر عملي، بل يرون كل فعل وصف بالكفر أو وصف بذلك فاعله، فهو كافر خارج من الملة، فقوله ﷺ : ((قتال المسلم كفر)) معناه عندهم: أن المسلمين إذا تقاتلوا فقد كفروا جميعاً، ولو كان الخوارج يعقلون ما يقولون، لأدركوا أنهم يكفرون أنفسهم؛ لأنهم كانوا يتقاتلون بعضهم مع بعضهم. وكانوا يكفِّرون بالذنب؛ لأنهم يرون أن الإيمان لا يتبعض، فذهاب بعضه -بترك واجب أو فعل محرم- هو ذهاب الإيمان كله، وهم في مسألة الإيمان هذه كالمرجئة، غير أن هؤلاء أفرطوا في التكفير، وأولئك فرطوا فيه، وبذلك يستحلون الدماء والفروج والأموال، ويخرجون على الحكام المسلمين بمجرد وقوع الظلم منهم، أو الفسوق، والأحاديث في صفاتهم مشهورة، وأحكامهم عند أهل العلم معروفة. العلمانية والتجديدية: العلمانية والتجديدية دعوتان باطلتان، أما الأولى: فتدعو إلى فصل الدين عن السياسة والحياة العامة، والحكم والتشريع: "فما لله لله، وما لقيصر لقيصر" و "الشعب يحكم بالشعب" و "الدين لله والوطن للجميع" وما شابه هذه الشعارات، وأن الدين لا علاقة له بالحياة العامة، ولا بالحكم، ولا بإدارة الأمور، ولا يكون التحاكم إليه، وكل ذلك فساد لا يخفى على عامِّي يقرأ القرآن، أو يطالع سيرة الأنبياء ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: (٥)]. راجع الأدلة والنصوص في باب الحاكمية من هذا الكتاب.

стр. 61

وأما التجديدية: فتدعو إلى تجديد الدين نفسه، وإلى تبديل الأصول الفقهية، وتغيير القواعد الكلية، لا تجديد دين الناس أنفسهم وإيمانهم، ولا دعوتهم إلى التمسك بدينهم، والتحلي بأخلاقه (١). وهاتان الدعوتان من أخطر الدعوات التي دبت في الأمة، ظاهرهما الإصلاح، وباطنهما الضلال المحض، والهدم لهذا الدين، سواء شعر دعاة هذه المذاهب بذلك أم لم يشعروا. أسباب ضلال الفرق الرئيسة: تنحصر أسباب ضلال الفرق عن الحق في ثلاثة أسباب رئيسة: السبب الأول: عدم الانضباط بمنهج الصحابة، فهذا هو السبب الأساس، الذي دفعهم إلى الضلال، وهو الفارق الأول، والخلاف الرئيس بيننا وبينهم، وهو عدم اتباعهم منهج الصحابة في الفهم، والعمل، والسلوك، ثم فرخ هذا الخلاف بعد ذلك. وعلى هذا فليس الخلاف الأساس بيننا وبين الخوارج التكفير بالذنب، وبيننا وبين المعتزلة القول بخلق القرآن، إنما الخلاف الأساس: خروجهم عن منهج الصحابة والسلف، ثم تفرعت هذه الضلالات، وستتفرع ضلالات أخرى عندهم وعند غيرهم، (٢) لهذا السبب الأساس. السبب الثاني: الهوى، وله صور كثيرة منها: تقديم المصالح الدنيوية، وحظوظ النفس على المصالح الشرعية. السبب الثالث: الجهل بأصول هذا الدين، وأساليب اللغة العربية وقواعدها، والجهل بطرق استنباط الأحكام، والجهل بتطبيق قواعده، كالموازنة بين المصالح والمفاسد، وفقدان العمل بفقه الأولويات، وعدم تطبيق قاعدة: "دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح"

стр. 62

والجهل بقواعد التعاون بين المسلمين، فيما يجوز وما لا يجوز، والجهل بحقوق الولاء والبراء، والأخوة، ومن أهم المسائل في هذا المقام، الجهل بقواعد الخلاف، أنواعه، وآدابه، ومواقفه. ثم حصل من الفرق بسبب ذلك خلافات كثيرة، كالخروج على الحاكم المسلم العاصي، أو الظالم، والتكفير بالذنب، والقول بخلق القرآنـ و ... الخ، وهي خلافات كما ترى عظيمة، ومفاسدها كبيرة، لكن كل هذه الخلافات ترجع إلى الأسباب السابقة. وثمة أسباب أخرى، وراء هذا التفرق الذي يعاني منه المسلمون، منها ما يكون اجتهادياً لا ينبغي التفرق لأجله، ومنها ما يكون بسبب فقدان التربية، الأمر الذي جعل كثيراً من الشباب حيارى، وغير ذلك مما لا محل لذكرها هنا (١). وينبغي التفريق بين القولين: ((الخلافات بين الجماعات والفرق)) و ((الانشقاقات في الجماعات)) فأما الأول: فالمقصود واضح، وهو أسباب الخلافات بين الطوائف، وقد أشرنا إلى معظمها. وأما الانشقاقات في الجماعات، أي: ضمن الجماعة الواحدة، من هذه الجماعات، والأحزاب المعاصرة، فمعظمها أخلاقي، كالتنازع على المصالح الشخصية، والاختلاف على المناصب الإدارية، والخوض في الأمور المالية، والتفرق على آراء لا توجب شقاقاً، ولا تفسد اجتماعاً، ولا ينفي هذا وجود خلافات منهجية، وأحياناً عقدية، ولكنها قليلة أمام الأسباب الأخلاقية. (٢)

стр. 63

المنهج معناه وقضاياه: لكلمة المنهج معنيان: عام وخاص. المعنى العام: الصراط والطريق والسبيل، فيقال: منهج الإسلام، وصراط القرآن، وسبيل الرسول ﷺ ، وفي هذه الحال، يكون المعنى شاملاً للإسلام، من لا إله إلا الله إلى إماطة الأذى عن الطريق، عقيدة، وعبادة، وشريعة، وسلوكاً. والمقصود بالمعنى الخاص: طرق التغيير، وتحليل الوقائع، والتصرف الشرعي حيالها، وطريقة الدعوة، وسبيل الوصول إلى الحكم، وطريقة الحكم والسياسة، وأحكام الراعي والرعية، إلى غير ذلك. والمنهج توقيفي في المعنيين. (١) ويمكن أن يُعرّف: بأنه الطريقة لإقامة أمر العقيدة أو الدين في الأرض، أو هو طريقة التمكين. وهذا التعريف يشمل أهل السنة وغيرهم، والمسلمين وغيرهم، فهناك المنهج الشرعي، والمنهج البدعي، والمنهج العلماني، والمنهج الشيوعي. وأما المنهج الشرعي فيكون بضبط التعريف السابق: بأنه الطريقة الشرعية المتّبعة لإقامة دين الإسلام في الأرض. والمقصود بالشرعية: ما شرعه الله في كتابه وفي سنة نبيه، فيخرج بهذا كل طريقة في دين أو مذهب غيره. والمقصود بالمتّبعة: أن يكون هذا المنهج تبعاً لسلف هذه الأمة، فيخرج بهذا كل طريق ابتدعه الناس.

стр. 64

فإن قال قائل: هذا التقسيم مُحدث، قيل له: ليس محدثاً في أصله، فقد قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: (٤٨)]. وقال ﷺ : ((ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)) [رواه أحمد (٤/ ٢٧٣) عن النعمان بن بشير، وصححه شيخنا الألباني في الصحيحة رقم (٥)]. ففي هذين النصين، قُصد المعنى الخاص، وإلا لما كان للعطف -في الآية- فائدة، ومن تأمل الحديث كذلك أدرك ذلك. ويقال لمنكري هذا الاصطلاح: ماذا تسمون طريقة التغيير التي يسلكها الناس على مختلف مذاهبهم، فمهما تكون تسميتكم، فهي توازي كلمة المنهج، وسواء سميت: طريقة التغيير، أو منهجاً، أو مسلكاً، أو غيره، فكل ذلك اصطلاح، لا ينبغي الوقوف عنده، فإن مما قرره العلماء: أن لا مُشاحة في الاصطلاح. هل المنهج من العقيدة أم قسيمٌ لها ؟ أما على المعنى الأول العام: فلا شك أن المنهج هو العقيدة، والعقيدة هي المنهج. وأما على المعنى الخاص، فإن المنهج قسم من أقسام الإسلام، كما أن العقيدة قسم منه، وكذلك الفقه والأخلاق. قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: (٤٨)]. قال ﷺ : ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه ... )) [أخرجه ابن ماجه (١٩٦٧) عن أبي هريرة وحسنه شيخنا الألباني في الإرواء (١٨٦٨) وفي الصحيحة (١٠٢٢)]. وفيه دلالة على أن الخُلق قسم من الإسلام مهم؛ لأنه عطف على الدين تنبيهاً لأهميته مع أنه جزء منه. وبناء عليه يقال: إن الإسلام: عقيدة ومنهج وشريعة وأخلاق: أما العقيدة فمعروفة الحد، وأما المنهج فعلى ما فصلنا، وأما الشريعة فهي: الأحكام والمعاملات، وأما الأخلاق: فمعروفة التعريف، مهجورة التطبيق. هل يجوز أن ينفصل المنهج عن العقيدة .

стр. 65

لا شك أن الأصل والواجب عدم انفصال مشرب المنهج عن مشرب العقيدة، كأن تُأخذ العقيدة من الإسلام، والمنهج من غيره، أو تُلتزم عقيدة السلف، ويُسلك منهج في التغيير مخالفاً لهم، بل هذا هو الضلال، وإنما الواجب على المسلم أن تكون عقيدته عقيدة السلف، ومنهجه منهج السلف، هذا من حيث الواجب والأصل، أما من حيث واقع الأمر فمختلف عند الناس ومضطرب، فترى بعضهم صحيح العقيدة، منحرف المنهج على المعنى الخاص، فهو صحيح العقيدة في توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ولكنه يسلك غير منهج أهل السنة في التغيير، كاتباعه منهج الاغتيالات، أو الانتخابات، أو المظاهرات، أو ما شابه ذلك، فالخوارج كان أول ضلالهم خروجاً منهجياً على أمير المؤمنين علي ﵁، ولم يكن ثمَّة خلاف في العقيدة بينه وبينهم، ثم تطوَّر الأمر إلى ضلال في العقيدة. والمسألة هاهنا -من حيث التشبيه- كتوحيد الربوبية والألوهية، فالأصل والواجب تلازم توحيد الربوبية والألوهية، ولكن واقع الناس في هذا مختلف ومضطرب، كما هو معلوم.

стр. 66

العلماء ورثة الأنبياء: العلماء العاملون، والدعاة المخلصون: هم ورثة الأنبياء، ونخبة النجباء، وهم مصابيح الدجى، ومنارات الهدى، لبيان الحق، وهداية الخلق، وهم لسان الأمة، وعمودها الفقري، فبهم يهتدي الناس في الظُّلم، وبهم يثبت العباد في المحن، وينجون من الفتن، وهلاكهم هلاك للأمة، وفقدانهم ضلال في الملة، قال ﷺ : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْق عالماً، اتخذ الناس رؤوساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) [رواه البخاري (١٠٠) عن عبد الله بن عمرو]. والخروج على العلماء، لا يقل شراً عن الخروج على الحكام المسلمين، فالخروج على العلماء أصل، والخروج على الحكام فرعه، وما خرج الخوارج على الحكام في كل عصر إلا بعد خروجهم على العلماء. وللعلماء الربانيين حق الطاعة، فهم من أولي الأمر، وأصحاب البصيرة، وهم من المعنيين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: (٥٩)]. ومذهب السلف: أن الآية عامة تشمل الحكام الصالحين، والعلماء العاملين، قال ابن عباس تفسيراً لقوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ "يعني: أهل الفقه والدين" قال ابن كثير: "والظاهر -والله أعلم- أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء". ومن أعظم المفاسد: الطعن بهم، ونشر سيئاتهم، وذلك مئذنة ضلال الطاعن، وعلامة زيغه؛ لما يترتب على ذلك من مفسدة الوقيعة بين الناس والعلماء، وانقطاع الصلة بينهم، فلا يكون وقتئذ للعلماء على الناس طاعة، ولا يكون عند الناس للعلماء احترام، وحينئذ يكون عالم المرء هواه، ومفتيه رأيه ومصلحته، فتقع عندئذ الفتن، ويخوض الناس في الفساد.

стр. 67

وعلى العلماء أن يكونوا أهلاً للمسؤولية، وأن يعلموا أن صلاحهم صلاح للأمة، وفسادهم فساد لها، فلا يبيعوا دينهم بدنياهم (١) ولا يكتموا ما أمر الله ببيانه. وإن من أسباب خروج الناس على العلماء والحكام، فساد كثير من العلماء، وأكلهم السحت، وسكوتهم عن المنكر، ومداهنتهم أهل الباطل، إلا من رحم الله، فسقطت هيبتهم عند الناس، فانفض الناس عنهم، فاتخذوا رؤوساً جهالاً، وكثير من أتباعهم مخلصون بلا علم، فسفكوا الدماء، وانتهكوا الأعراض، باسم الإسلام، وهم لا يشعرون. والمقصود بالعلماء: العلماء بالكتاب والسنة على منهج سلف الأمة، العاملون بعلمهم، والداعون إلى ربهم، الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، لا يبيعون دنيا بآخرة، ولا يخافون في الله لومة لائم. ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [سورة الأحزاب: (٣٩)]. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: (١٨٧)] (٢).

стр. 68

الحكمة والرفق والعقوبة والقضاء: لا تعارض بين الحكمة والرفق، من جهة وبين العقوبة والقضاء من جهة أخرى، فلكل مقامه، ولكل غايته. فالحكمة والرفق واللين أمور مطلوبة في كل حين في الدعوة والمعاملة، ومع القريب والبعيد، والصالح والطالح، والصديق والعدو، ومع كل مدعو. قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [سورة طه: ٤٤]. والتلطف مع أهل البدع حين دعوتهم، لبيان ضلالهم لهدايتهم، ليس من المداهنة في شيء. قال ﷺ : ((ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه)) وكلمة شيء هاهنا عامة في كل شيء، وبخاصة في حال الدعوة والبيان، ولهذا أمر الله موسى ﵊ باللين مع أكفر أهل زمانه فرعون، وأمر عائشة بالرفق مع اليهود في الإجابة، فهل يكون التلطف مع أهل البدع من المسلمين لهدايتهم مداهنة وضلالاً! اللهم رحماك ممن جفت ألسنتهم، وغلظت أكبادهم، وفقدوا الحكمة في دعوتهم. وأما العقوبة من هجر وفضح، والحكم عليهم والقضاء، والجهاد فهذا يكون في حال القدرة على ذلك، وفي حال قوة أهل الحق وسلطانهم، وذلك بعد ظهور عناد المخالفين واستكبارهم، واستحقاقهم العقوبة، وبشرط أن يكون في ذلك مصلحة، ولا تترتب عليه مفسدة، وهذا يكون لولي الأمر، وأهل العلم الراسخين، ولا يكون ذلك للناشئة المهتدين، وطلاب العلم المبتدئين، ولقد أشكل على بعضهم الجمع بين الأمرين، فلم يفرق بين الحكمة والرفق في الدعوة، وبين الفضح والعقوبة والقضاء والجهاد، في حال الردع، ولكل مقامه. ولأجل هذا لم يفرق بين حال دعوة أهل البدع، وحال عقوبتهم، وبين حال قوة شوكتهم، وضعف أهل السنة، وحال ضعفهم وقوة شوكة أهل السنة.

стр. 69

الحاكمية: معناها، أنواعها، أدلتها . الحاكمية: حاكميتان: الأولى: حاكمية تكون بمعنى الحكم والأمر والقضاء من الله تعالى، أي: الأحكام القدرية، والأوامر الكونية، فهي -والحال هذه- من توحيد الربوبية ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: (٤٠)]. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: (٥٤)]. وفي هذا المعنى قوله تعالى حاكياً عن أخي يوسف: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: (٨٠)]. وفي معنى القضاء والفصل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: (٤٨)]. وقوله سبحانه: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: (٤٦)]. والمقصود من هذا: الاعتقاد الجازم بأنه ما من أمر، ولا مخلوق في السماء والأرض، إلا وأمره بيد الله خلقاً وحركة، موتاً وحياة واستمراراً، فلا يعزب عن علمه شيء، ولا يخرج عن أمره شيء، ولا يكون في ملكه أي شيء من هزيمة ونصر، أو مكر وحسن نية، أو فساد وعبادة إلا بإذنه وإرادته، وحكمه ماض في خلقه، لا يمنعه مانع، ولا يعجزه شيء. وباختصار: أن يعتقد المسلم: أن لا حاكم في هذا الكون في صغيرة ولا كبيرة، ولا في خلق ولا في أمر إلا الله سبحانه: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: (١٢٣)]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: (٨٢)]. والحاكمية الثانية: تكون بمعنى الحكم بما أنزل، والتحاكم إليه، وتطبيق التشريع في الأمر والنهي، فهي -والحال هذه- من توحيد الألوهية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: (٣٦)]. ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: (٤٩)]. ويمكن تعريفه: هو قبول شريعة الله والعمل بها، حكماً بها وتحاكماً إليها.

стр. 70

ومما جاء في الحاكمية الشرعية بمعنى الأمر والنهي ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: (١٠)]. والمقصود بهذا: التسليم التام، والرضى بالقلب، والإذعان بالجوارح، لحكم الله تعالى وشريعته، المتمثلة بالكتاب والسنة والإجماع، والاعتقاد الجازم، بأنه لا شرع إلا شرعُه، ولا حكم إلا حكمُه، ولا تحاكم إلا إليه. وحاكمية الألوهية هذه تعني أمرين: الحكم بما نزّل الله، والتحاكم إلى ما أنزل. والحكم بما نزّل الله، والتحاكم إليه، يشمل شرعه كافة، ويعم شؤون الحياة كلها، في العقائد والعبادات، وفي الواجبات والمندوبات، وفي الأخلاق والسلوك، وفي القضاء بين العباد، وفي الأحكام السلطانية، والعلاقات الدولية. ومن حكم بغير شرعه، أو تحاكم إلى غيره (١)، فقد أخل بالتوحيد، وأتى كفراً عظيماً ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة: (٤٤)]. فإن كان ذلك بقلب واعتقاد، من استحلال، أو استهزاء، أو رد، أو ... ، فقد كفر، وإلا فقد وقع في الكفر، واتصف بصفة من صفات أهله، وأتى كبيرة من الكبائر، كالمرتشي ومن شابهه، ممن يحكم بغير ما أنزل الله. وقد أمر الله بالحكم بما أنزل، وحذر من الإعراض عنه فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٥٠]. فمن أعرض عن ذلك، فقد اتبع هواه.

стр. 71

وأمر الله الناس جميعاً بالتحاكم إلى ما أنزل، وحذرهم من مغبة الإعراض عنه، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: (٦٥)]. وعدّ الله الذين يأبون إذا ما دعوا إلى التحاكم من المنافقين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: (٦)]. فاحذر -يا عبد الله- من هذا أشد الحذر، وسارع إلى قبول التحاكم هرباً من الهلاك، وطلباً للفلاح ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: (٥١)]. وهذا النوع من التوحيد، قد أُخل به في عصرنا إخلالاً عريضاً، وأعرض عنه إعراضاً كبيراً، فقد شُرّع غيرُ شرعه، وحُكم بغير حكمه، وتحاكم الناس إلى غيره، فنزلت المذلة والمهانة بالمسلمين، وعلا عليهم أعداؤهم، وظهرت الحياة الضنكى التي توعد الله بها من فقر وتشريد، وظلم وفساد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومعنى الحاكمية هاهنا باختصار: أن لا يحكم إلا بشرعه، وأن لا يتحاكم إلا إليه. كما ينبغي التنبه إلى أن ثمة اشتراك في المعنى في ألفاظ الحاكمية، وتداخل فيما بين الربوبية الكونية القدرية، وبين الشرعية والألوهية، فتأتي "الحاكمية" جامعة شاملة لجميع المعاني، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [المائدة: (١)]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ (١) [الرعد: (٤١)]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: (١)]. أما قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: (٥٠)]. فهو دال على المعنيين، فقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ دال على

стр. 72

أن الحاكمية من توحيد الألوهية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ دال على أنها من توحيد الربوبية، فتدبر. هل الحاكمية قسم رابع من أقسام التوحيد ؟ الحاكمية ليست قسيماً مستقلاً لتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وليس من جعلها قسماً رابعاً بمصيب، ولا هو ضال، إنما هو خطأ في التفصيل (١)، لا يترتب عليه تضليل، ولا مقاطعة، ولا مفارقة، ما دام المقسِّم مقراً بأنواع التوحيد، ومبيّناً معنى الحاكمية على الوجه الحق، ولا يترتب على هذا التقسيم مفسدة في علم وعمل، ولكن الضلال، أن يُحصر معنى الحاكمية في السياسة، أو يخصّها في الحاكم، أو يوجبها عليه فحسب، وفي هذا الحصر خطأ جسيم، وانحراف خطير، فالحاكمية تشمل جميع أحكام الدين، من تحكيم الله تعالى ورسوله ﷺ في العقائد والعبادات، والسنن والمعاملات، إلى الحكم والتشريع والسياسات، كما تشمل الحاكمية جميع المسلمين، حاكمهم ومحكومهم، رجالهم ونساءهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: (٢٠٨)]. وعلى هذا فإن على المسلم أن يجعل الكتاب والسنة حكماً له وعليه، في كل صغيره وكبيرة، ومنهج وعبادة، وسياسة وتغيير، ولا يجوز له أن يجعلهما حكماً في جانب دون جانب. فمن قصرها على أحكام دون أحكام، أو على طبقة دون طبقة، فقد أخطأ أو ضل. ودعوى أن الحاكمية لم ترد في الكتاب والسنة، وعلى هذا فهي بدعة منكرة، دعوى مردودة، فإن كان المقصود إنكار المعنى، فإن آيات الحكم صريحة واضحة في ذلك: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: (٤٠)].

стр. 73

وغيرها مما سلف ذكره من الآيات، وإن كان قصده إنكار الاشتقاق اللغوي، فهو جهل في اللغة، فالاشتقاق أمر سائغ معروف في اللغة، لا ينكره طالب علم، وإلا فإن لفظة الألوهية، كذلك لم ترد في الكتاب والسنة، وإنما اشتقت من إله والحاكمية اشتقت من حكم. (١).

стр. 74

السياسة: أنواعها، أحكامها: السياسة سياستان: سياسة شرعية، وسياسة بدعية. فالسياسة الشرعية: فهي رعاية الناس وحكمهم بما أنزل الله، وسنة رسول الله ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين. كما قال رسول الله ﷺ : ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ... )) [رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) عن العرباض بن سارية، وصححه شيخنا الألباني في صحيح أبي داود: (٣٨٥١)]. وهي ما يسميه بعض العلماء ((الأحكام السلطانية)) أو ((السياسة الشرعية)). والقيام بالسياسة الشرعية من أعظم الواجبات، وهي من أهم الضروريات، ولها منزلة بالغة في الدين، وأهمية في حياة المسلمين، قال شيخ الإسلام: "يجب أن يعرف: أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها ... " (١) [ص ١٦١].

стр. 75

ومنكر هذه السياسة، إما جاهل فيُعلَّم، وإما ماكر فيُردع، والقيام بأمر السياسة الشرعية، يكون بالسياسة الشرعية، وعلى الطريقة السلفية. واعلم أن هداية الناس مقدم، على سياستهم، وسياسة بلا هداية إفلاس، كتجارة بلا رأس مال عاقبتها الإفلاس. والسياسة البدعية: السياسة البدعية: هي حكم الناس، وإدارة أحوالهم، ورعاية شؤونهم بغير شرع الله، من الأنظمة الوضعية، مهما كان اسمها، ومهما كان فحواها، ومهما كان مصدرها، دون مراعاة أحكام الشرع، ولهذه السياسة أصول فاسدة، وقواعد مخترعة، ليس هذا محل إبطالها. وإن حشر جماهير المسلمين في هذه التيارات السياسية المعاصرة غير الشرعية، وقذفهم في لُججها، وإشغالهم بسرابها، ظناً منهم أن هذا ينصر الإسلام، ويدفع كيد الأعداء، إنما هو سراب، وما راءه إلا السراب، بل ما زادهم ذلك إلا خسارةً، وما نفعهم إلا ضياعاً للأوقات، وهدراً للطاقات، ولو أنهم بذلوا هذه الأوقات في تعليم الناس وتربيتهم، واستغلوا هذه الطاقات في دعوتهم، لكان خيراً لهم، وأهدى سبيلاً. قال الشاعر عن السياسة المعاصرة البدعية: أما السياسة فاتركوا ... أبداً وإلا تندموا إن السياسة سرها ... لو تعلمون مطلسم قلت: إن السياسة شرها ... لو تعلمون مدمدم وشتان بين سياسة الدين التي هي واجبة ثابتة واضحة، مبنية على شرع الله، كسياسة الرسول ﷺ ، والخلفاء الراشدين، وبين دين السياسة المبني على المصالح الشخصية، والألاعيب الخبيثة، والتقلبات الدولية، والذي لا يقيم لشرع الله وزناً، فهل نحن منتهون.
следующие страницы →