ميدان إلا كما تجري محلقات الطير في جو السماء لا تستطيع إليها صعودًا، ثم نرى أساليب الناس فنراها على اختلافها ضربًا واحدًا لا تعلو عن سطح الأرض، فمنها ما يحبو حبوًا، ومنها ما يشتد عدوًا، ونسبة أقواها إلى القرآن كنسبة هذه (السيارات) الأرضية إلى تلك (السيَّارات) السماوية!
نعم، لقد تقرأ القطعة من الكلام النبوي فتطمع في اقتناصها ومجاراتها كما تطمع في اقتناص الطائر أو مجاراته؛ ولقد تقرأ الكلمة من الحكمة فيشتبه عليك أمرها: أمن كلمات النبوة هي أم من كلمات الصحابة أو التابعين؟ ذلك على ما علمت من امتياز الأسلوب النبوي بمزيد الفصاحة ونقاء الديباجة وإحكام السرد، ولكنه امتياز قد يدق على غير المنتهين في هذا الفن. وقد يقصر الذوق وحده عن إدراكه، فيلجأ إلى النقل يستعينه في تمييز بعض الحديث المرفوع من الحديث الموقوف أو المقطوع (١).
أمَّا الأسلوب القرآني فإنه يحمل طابعًا لا يلتبس معه بغيره، ولا يجعل طامعًا يطمع أن يحوم حول حماه؛ بل يدع الأعناق، تشرئب إليه ثم يردها ناكسة الأذقان على الصدور.
كل من يرى بعينين أو يسمع بأذنين إذا وضع القرآن بإزاء غير القرآن في كفتي ميزان، ثم نظر بإحدى عينيه أو استمع بإحدى أذنيه إلى أسلوب القرآن، وبالأخرى إلى أسلوب الحديث النبوي وأساليب سائر الناس، وكان قد رزق حظًّا مَا من الحاسة البيانية والذوق اللغوي فإنه لا محالة سيؤمن معنا بهذه الحقيقة
стр. 177
الجلية، وهي أن أسلوب القرآن لا يدانيه شيء من هذه الأساليب كلها، ونحسب أنه بعد الإيمان بهذه الحقيقة لن يسعه إلا الإيمان بتاليتها .. استدلالًا بصنعة (ليس كمثلها شيء) على صانع ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
* * *
٦ - فإن كان السائل من طلاب الحق كما وصفنا، وانتهى من بحثه إلى حيث أشرنا، فأبصر وسمع، وقايس ووازن، وذاق ووجد، فسوف يتقدم إلينا بكلمته الأخيرة قائلًا: نعم نثلتُ (١) كنانة الكلام بين يدي، وعجمتُ (٢) سهامها فما وجدت كالقرآن أصلب عودًا، ولقد وردت مناهل القول وتذوقت طعومها فما وجدت كالقرآن أعذب موردًا، والآن آمنت أنه كما وصفتموه نسيج وحده، وأنه يعلو وما يُعْلَى، وأنه يحطم ما تحته، غير أنني وقد أدركت من قوة الأسلوب القرآني وحلاوته ما أدركت - لم يزل الذي أحس به من ذلك معنى يتجمجم (٣) في الصدر لا أحسن تفسيره ولا أملك تعليله، وما زالت النفس بعد هذا وذاك نزاعة إلى درس تلك الخصائص والمزايا التي استأثر القرآن بها عن سائر الكلام، وكان فيها سر إعجازه اللغوي.
فهل من سبيل إلى عرض شيء من ذلك علينا لتطمئن به قلوبنا، ونزداد إيمانًا إلى إيماننا؟
نقول: أما الآن فقد والله طلبت منَّا جسيمًا، وكلَّفتنا مرامًا بعيدًا لمثله انتدب العلماء والأدباء من قبلنا وفي عصرنا، فحفيت من دونه أقلامهم، ولم يزيدوا إلا أن ضربوا له الأمثال، واعترفوا بأن ما خفي عليهم منه أكثر مما فطنوا
стр. 178
له، وأن الذي وصفوه مما أدركوه أقل مما ضاقت به عباراتهم، ولم تقف به إشاراتهم.
ونحن، وقد أفضت إلينا النوبة من بعدهم، هل تحسب أننا سنسلك سبيلًا غير سبيلهم فنزعم أننا في هذه العجالة سنبرز لك سرَّ الإعجاز جملة؟ كلَّا، ولا استقراء ما كشفه الناس من جوانبه، كلَّا، ولا استقصاء ما نحسه نحن من تلك الجوانب.
وإنما نريد أن نصور لك بعض تلك الخصائص التي تلاقينا من كتاب الله كلما سمعناه أو تلوناه وتدبرناه، لعلك واجد في القليل منها ما لا تجده في الكثير مما يعده الناس، فإن زادك الناس من ذلك أنواعًا رجونا أن نزيدك من النوع الواحد إقناعًا وانتفاعًا.
* * * * *
أول ما يفجؤك:
[دراسةٌ في الأسلوب القرآني] أول ما يلاقيك ويستدعي انتباهك من أسلوب القرآن الكريم خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره.
[الجمال الصوتي للقرآن] ١ - دع القارئ المجوِّد يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله نازلًا بنفسه على هوى القرآن، وليس نازلًا بالقرآن على هوى نفسه، ثم انتبذ منه مكانًا قصيًّا لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاتها وسكناتها، ومدَّاتها وغنَّاتها، واتصالاتها وسكتاتها، ثم ألق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية، وقد جردت تجريدًا وأرسلت ساذجة في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر لو جرِّد هذا التجريد، وجود هذا التجويد.
ستجد اتساقًا وائتلافًا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر، على أنه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر، وستجد شيئًا آخر لا تجده في الموسيقى ولا في الشعر.
ذلك أنَّك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتحد الأوزان فيها بيتًا بيتًا، وشطرًا شطرًا، وتسمعُ القطعة من الموسيقى فإذا هي تتشابه أهواؤها وتذهب
стр. 179
مذهبًا متقاربًا، فلا يلبث سمعك أن يمجَّها، وطبعك أن يملها، إذا أعيدت وكررت عليك بتوقيع واحد.
بينما أنت من القرآن أبدًا في لحن متنوع متجدد، تنتقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل (١) على أوضاع مختلفة، يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعرُوك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم، بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.
هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن، حتى الذين لا يعرفون لغة العرب، فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟
[المقارنة بين القرآن والشعر]
وترى الناس قد يتساءلون: لماذا كانت العرب إذا اختصمت في القرآن قارنت بينه وبين الشعر نفيًا وإثباتًا، ولم تعرض لسائر كلامها من الخطابة وغيرها؟
وأنت، فهل تبينت ها هنا الجواب، وهُدِيت إلى السرِّ الذي فطنت له العرب، ولم يفطن له المستعربون؟
إنَّ أول شيء أحسته تلك الأذن العربية في نظم القرآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قسمت فيه الحركة والسكون تقسيمًا منوعًا يجدد نشاط السامع لسماعه، ووزِّعت في تضاعيفه حروف المدِّ والغنَّة توزيعًا بالقسط الذي يساعد على ترجيع الصوت به وتهادي النفس فيه آنًا بعد آن، إلى أن يصل إلى الفاصلة الأخرى فيجد عندها راحته العظمى، وهذا النَّحو من التنظيم الصوتي إن كانت العرب قد عمدت إلى شيء منه في أشعارها فذهبت فيها إلى حد الإسراف في الاستهواء، ثم إلى حد الإملال في التكرير، فإنها ما كانت تعهده قط ولا كان يتهيَّأ لها بتلك السهولة في منثور كلامها سواء منه المرسل والمسجوع؛ بل كان
стр. 180
يقع لها في أجود نثرها عيوب تغض من سلاسة تركيبه، ولا يمكن معها إجادة ترتيله إلا بإدخال شيء عليه أو حذف شيء منه.
لا عجب إذًا أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن في خيال العرب أنه شعر؛ لأنها وجدت في توقيعه هزة لا تجد شيئًا منها إلا في الشعر.
ولا عجب أن ترجع إلى أنفسها، فتقول: ما هو بشعر؛ لأنه - كما قال الوليد (١) - ليس على أعاريض الشعر في رجزه ولا في قصيده، ثم لا عجب أن تجعل مرد هذه الحيرة أخيرًا إلى أنه ضرب من السحر؛ لأنَّه جمع بين طرفي الإطلاق والتقييد في حد وسط، فكان له من النثر جلاله وروعته، ومن الشعر جماله ومتعته.
[الترتيب الصوتي للحروف القرآنية]
٢ - فإذا ما اقتربت بأذنك قليلًا قليلًا، فطرقت سمعك جواهر حروفه خارجة من مخارجها الصحيحة، فاجأتك منه لذة أخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها؛ هذا ينقر وذاك يصفر، وثالث يهمس ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النفَس، وآخر يحتبس عنده النفس، وهلمَّ جرّا.
فترى الجمال اللغوي ماثلًا أمامك في مجموعة مختلفة مؤتلفة (٢) لا كركرة (٣) ولا ثرثرة، ولا رخاوة ولا معاظلة (٤)، ولا تناكر ولا تنافر.
وهكذا ترى كلامًا ليس بالحضري الفاتر، ولا بالبدوي الخشن، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها برقة الحاضرة وسلاستها، وقدر فيها الأمر تقديرًا لا يبغي بعضهما على بعض، فإذا مزيج منهما كأنما هو عصارة اللغتين وسلالتهما، أو كأنما هو نقطة الاتصال بين القبائل، عندها تلتقي أذواقهم، وعليها تأتلف قلوبهم.
стр. 181
ومن هذه الخصوصية والتي قبلها تتألف القشرة السطحية للجمال القرآني، وليس الشأن في هذا الغلاف إلا كشأن الأصداف مما تحويه من اللآلئ النفيسة، فإنه جلت قدرته قد أجرى سنته في نظام هذا العالم أن يغشي جلائل أسراره بأستار لا تخلو من متعة وجمال، ليكون ذلك من عوامل حفظها وبقائها بتنافس المتنافسين فيها وحرصهم عليها.
انظر كيف جعل باعثة الغذاء ورابطة المحبة قوامًا لبقاء الإنسان فردًا وجماعة، فكذلك لما سبقت كلمته أن يصون علينا نفائس العلوم التي أودعها هذا الكتاب الكريم قضت حكمته أن يختار لها صوانًا يحببها إلى الناس بعذُوبته، ويغريهم عليها بطلاوَتِه، ويكون بمنزلة (الحُدَاء) يستحث النفوس على السير إليها، ويهون عليها وعثاء السفر في طلب كمالها، لا جرم اصطفى لها من هذا اللسان العربي المبين ذلك القالب العذب الجميل، ومن أجل ذلك سيبقى صوت القرآن أبدًا في أفواه الناس وآذانهم ما دامت فيهم حاسة تذوق وحاسة تسمع، وإن لم يكن لأكثرهم قلوب يفقهون بها حقيقة سره، وينفذون بها إلى بعيد غوره ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
هل عرفت أنَّ نظم القرآن الكريم يجمع إلى الجمال عزة وغرابة؟ وهل عرفت أن هذا الجمال كان قوة إلهية حفظ بها القرآن من الفقد والضياع؟
فاعرف الآن أنَّ هذه الغرابة كانت قوة أخرى قامت بها حجة القرآن في التحدي والإعجاز، واعتصم بها من أيدي المعارضين والمبدلين، وأن ذلك الجمال ما كان ليكفي وحده في كف أيديهم عنه، بل كان أجدر أن يغريهم به. ذلك أن الناس -كما يقول الباقلاني - (١): إذا استحسنوا شيئًا اتبعوه، وتنافسوا في محاكاته بباعثِ الجِبلَّة.
وكذلك رأينا أصحاب هذه الصناعة يتبع بعضهم بعضًا فيما يستجيدونه من الأساليب، وربما أدرك اللاحق فيهم شأو السابق أو أربى عليه، كما صنع
стр. 182
ابن العميد بأسلوب الجاحظ، وكما يصنع الكتاب والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض.
وما أساليب الناسِ على اختلافِ طرائقها في النثر والشعر إلا مناهل مورودة، ومسالك معبَّدة، تؤخذ بالتعلُّم، وتُرَاضُ الألسِنَة والأقلامُ عليها بالمِرَانة، كسائر الصناعات.
فما الذي منع النَّاس أن يخضعوا أسلوب القرآن لألسنتِهم وأقلامِهم وهم شرع في استحسان طريقته، وأكثرهم الطالبون لإبطال حجته؟
ما ذاك إلا أنَّ فيه منعة طبيعية كفَّت ولا تزال تكفُّ أيديهم عنه، ولا ريب أن أول ما تلاقيك هذه المناعة فيما صوَّرناه لك من غريب تأليفه في بنيته، وما اتخذه في رصف حروفه وكلماته، وجمله وآياته، من نظام له سمت وحده، وطابع خاص به، خرج فيه عن هيئة كل نظمٍ تعاطاه الناس أو يتعاطونه.
فلا جرم لم يجدوا له مثالًا يحاذونه به، ولا سبيلًا يسلكونه إلى تذليل منهجه، وآية ذلك أن أحدًا لو حاول أن يدخل عليه شيئًا من كلام الناس من السابقين منهم أو اللاحقين، من الحكماء أو البلغاء أو النبيين والمرسلين، لأفسد بذلك مزاجه في فَمِ كل قارئ ولجعل نظامه يضطرب في أذن كل سامع، وإذًا لنادى الداخل على نفسه بأنه واغلٌ دخيلٌ، ولنفاه القرآن عن نفسه كما ينفي الكير خبث الحديد ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١].
* * * * *
فإذا أنت لم يلهِكَ جمالُ العطاء عما تحته من الكنز الدفين، ولم تحجبك بهجة الأستار عما وراءها من السرِّ المصون، بل فَليتَ القشرة عن لبها، وكشفت الصدفة عن درها، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى ذلك النظام المعنوي، تجلى لك ما هو أبهى وأبهر، ولقيك منه ما هو أروع وأبدع.
لا نريد أن نحدثك ها هنا عن معاني القرآن وما حوته من العلوم الخارجة عن متناول البشر، فإنَّ لهذا الحديث موضعًا يجيء - إن شاء الله تعالى - في بحث
стр. 183
(الإعجاز العلمي) (١) وحديثنا كما ترى لا يزال في شأن (الإعجاز اللغوي) وإنما اللغة ألفاظ.
بيد أنَّ هذه الألفاظ ينظر فيها تارة من حيث هي أبنية صوتية مادتها الحروف وصورتها الحركات والسكنات من غير نظر إلى دلالتها. وهذه الناحية قد مضى لنا القول فيها آنفًا، وتارة من حيث هي أداة لتصوير المعاني ونقلها من نفس المتكلم إلى نفس المخاطب بها، وهذه هي الناحية التي سنعالجها الآن، ولا شك أنها هي أعظم الناحيتين أثرًا في الإعجاز اللغوي الذي نحن بصدده؛ إذ اللغات تتفاضل من حيث هي بيان؛ أكثر من تفاضلها من حيث هي أجراس وأنغام.
أما النظر في المعاني القرآنية من جهة ما فيها من العلوم العجيبة فتلك خطوة أخرى ونظرة خارجة عن البحث اللغوي جملة؛ إذ الفضيلة البيانية إنما تعتمد دقة التصوير وإجادةِ التعبير عن المعنى كما هو، سواء عندها أن يكون ذلك المعنى من جنس ما تتناوله عقول الناس أو لا يكون، بل سواء عندها أن يكون ذلك المعنى حقيقة أو خيالًا؛ وأن يكون هدى أو ضلالًا (٢)؛ عكس الفضيلة
стр. 184
العلمية، فإنها عائدةٌ إلى المعنى في نفسه على أي صورةٍ أخرجته، وبأي لغةٍ عبرت عنه.
نعم، قد تتفاوت اللغات في الوفاء بحقِّ المعنى، فيكون التعبيرُ الجيِّد مما يزيد في قيمته العلمية، لكن النظر ها هنا في قيمة البيان لا في قيمة المبين فلا تعجل علينا بتلك النظرة العلمية حتى نفرغ من هذه النظرة اللغوية.
[بيان بعض الخصائص البيانيَّة للقرآنِ الكريم]
والآن فلنبدأ وصفنا لبعض خصائص القرآن البيانية، ولنرتبها على أربع مراتب:
١ - القرآن في قطعة قطعة (١) منه.
стр. 185
٢ - القرآن في سورة سورة منه.
٣ - القرآن فيما بين بعض السور وبعض.
٤ - القرآن في جملته.
стр. 186
(١)
«القرآن في قطعة قطعة منه»
[أسلوب القرآن تلتقي عنده نهايات الفضيلة كلها، على تباعد ما بين أطرافها]
لسنا ندري والله ماذا نقول لك في أسلوبٍ معجزٍ في وصفه، كما هو معجز في نفسه؟ غير أننا نقول كلمة هي جملة القول فيه، وهي أنه «تلتقي عنده نهايات الفضيلة كلها على تباعد ما بين أطرافها».
هذه كلمة تحتاج تفسيرًا طويلًا يمتلئ به الصدر ولا ينطلق به اللسان، وكل ما سنحاوله أن نفسِّر لك جانبًا منها بقدر الطاقة، غير أننا قبل أن نحدِّثك في هذا الجانب عن القرآن سنحدثك عن كلام الناس حديثًا يفهمه كل من عالج صنعة البيان بنفسه، لتعرف من وجوه النقص ها هنا وجوه الكمال هناك، ومن أبواب العجز ها هنا أسباب الإعجاز هناك:
(أ - ب)
«القصد في اللفظ» و «الوفاء بحق المعنى»
نهايتان كل من حاول أن يجمع بينهما وقف منهما موقف الزوج بين ضرَّتين لا يستطيع أن يعدل بينهما دون ميل ما إلى إحداهما: فالذي يعمد إلى ادِّخار لفظه وعدم الإنفاق منه إلا على حد الضرورة لا ينفك من أن يحيف على المعنى قليلًا أو كثيرًا، ذلك أنه إما أن يؤدي لك مراده جملة لا تفصيلًا، فيكون سبيله سبيل
стр. 187
من يقول في باب المحاجة: (صدقوا، أو كذبوا) وفي باب الوصف (حسن، أو قبيح) وفي باب الإخبار: (كان أو لم يكن) وفي باب الطلب: (افعل، أو لا تفعل) لا زائد على ذلك.
وإما أن يذهب فيه إلى شيء من التفصيل، ولكنه إذ يأخذه الحذر من الإكثار والإسراف يبذل جهده في ضمِّ أطرافه وحذف ما استطاع من أدوات التمهيد والتشويق، ووسائل التقرير والتثبيت، وما إلى ذلك مما تمس إليه حاجة النفس في البيان، حتى يخرجه ثوبًا متقلصًا يقصر عن غايته، أو هيكلًا من العظم لا يكسوه لحم ولا عصب، وربَّ حرف واحد ينقص من الكلام يذهب بمائه ورونقه، ويكسف شمس فصاحته، ورب اختصار يطوي الكلام طيًّا يزهق روحه ويعمي طريقه؛ ويرد إيجازه عِيًّا وإلغازًا.
والذي يعمد إلى الوفاء بحق المعنى وتحليله إلى عناصره؛ وإبراز كل دقائقه «بقدر ما يحيط به علمه وما يؤديه إليه إلهامه» لا يجد له بدًّا من أن يمد في نفسه مدًّا؛ لأنَّه لا يجد في القليل من اللفظ ما يشفي صدره، ويؤدِّي عن نفسه رسالتها كاملة، فإذا أعطى نفسه حظها من ذلك لا يلبث أن يباعد ما بين أطراف كلامه، ويبطئ بك في الوصول إلى غايته، فتحس بقوة نشاطك وباعثة إقبالك آخذتين في التضاؤل والاضمحلال.
عامَّة من نعرفهم من الفصحاء - قدامى ومحدثين - يؤتَون من هذا الجانب غالبًا، أعني جانب الإملال والإسراف، لا جانب الإخلال والإجحاف.
وأكثرهم تجمح بهم شهوةُ البيان إلى أبعد من هذا الحد، فمنهم من يذهب إلى التكلف والتفصح باستعمال الغريب من المفردات والتراكيب، فيكلِّفك أن تبدي وتعيد وتقبل وتدبر حتى تهتدي إلى وجه مراده، وهكذا لا يزداد كلامه بالبسط إلا ضيقًا عن الفهم. ومنهم من يُلقي حول المعنى ركامًا من الحشو والفضول ينوء بحِمله، أو يلبسه ثوبًا فضفاضًا من المترادف والمتقارب يتعثر في أذياله، يحسب أنَّه يوفي لك المعنى ويحدده، وفي الحقِّ إنما ينشره ويبدِّده، ولعل أمثل هؤلاء طريقة من لو حذفت شطر كلامه لأغناك عنه ثاني شطريه.
стр. 188
ذلك على أن البلغاء مهما أوجفوا من ركابهم، ومهما أجلبوا بخيلهم ورجِلِهم لا يبلغ الواحد منهم بعمله غاية أمله، وإنما يصل كما قلنا إلى كمالٍ نسبي (بقدر ما يحيط به علمه، وما يؤدِّيه إليه إلهامه في الحال) أمَّا الوفاء بالمعنى حق وفائه بحيث لا يخطئه عنصر منه ولا حلية من حلاه ولا ينضاف إليه عرض غريب عنه يعد رقعة في ثوبه، ولا ينقلب فيه وضع من أوضاعه يغض من حسن تقويمه، وبحيث لا سبيل فيه إلى نقض أو اقتراح جديد؛ فذلك أمر لا يستطيع أن ينتحله رجل اكتوى بنار البيان، فضلًا عن أن ينحله لإنسان غيره.
وآية ذلك أنك تراه حين يتعقب كلام نفسه في الفَيْنَة بعد الفينة يجد فيه زائدًا يمحوه، وناقصًا يثبته؛ ويجد فيه ما يهذب ويبدل، وما يقدم أو يؤخر، حتى يسلك سبيله إلى النفس سويًّا.
ولعله لو رجع إليه سبعين (١) مرة لكان له في كل مرة نظرة (٢)، وكلما كان أنفذ بصرًا وأدق حسًّا، كان أقل من ذلك قناعة وأبعد همًّا؛ إذ يرى وراء جهده غاية هي المثل الأعلى الذي يطمح إليه ولا يطاوعه، والكمال البياني الذي يتعلق به خياله ولا يناله ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤].
هذا حظُّ الكلام البليغ عند قائله، فما ظنُّك بناقديه ومنافسيه؟
هذا؛ وهو إنما يعمد إلى غاية واحدة، فكيف لو عمد معها إلى الغاية الأخرى، وحاول أن يضع هذه الثروة المعنوية في لفظ قاصد؟ وأنَّى يكون له ذلك
стр. 189
وهو سجين هذه الفطرة الإنسانية التي لا تقرب به من أحد طرفي الطريق إلا بمقدار ما تبعد به عن الطرف الآخر؟
ولئن ظفرت بأحد وُفِّق لتقريب تينك الغايتين إلى حد ما في جملة أو جملتين، فتربص به كيف يكون أمره بعد ذلك، وانظر كيف يدركه الكلال والإعياء وفترة الطبع الإنساني فينحلُّ من عقدة كلامه ما كان وثيقًا، ويذبل من زهرته ما كان غضًّا طريًّا، ثم لا يعود إلى قوته إلا في الشيء بعد الشيء، كما تصادف في التراب قطعة من التبر ها هنا وقطعة هنالك، فتقول: هذا نفيس جيد، وهذا أنفس وأجود، وهذا هو واسطة العقد وبيت القصيد.
سل العلماء بنقد الشعر والكلام: (هل رأيتم قصيدة أو رسالة كلها أو جلها معنى ناصعًا، ولفظًا جامعًا، ونظمًا رائعًا؟!)، لقد أجمعت كلمتهم على أن أبرع الشعراء لم يبلغوا مرتبة الإجادة إلا في أبيات محدودة، من قصائد معدودة، وكان لهم من وراء ذلك المتوسط والرديء، والغثِّ والمستكره، وكذلك قالوا في الكتاب والخطباء، والأمر فيهم أبين.
فإن سرَّك أن ترى كيف تجتمع هاتان الغايتان على تمامهما بغير فترة ولا انقطاع، فانظر حيث شئت من القرآن الكريم، تجد بيانًا قد قدِّر على حاجة النفس أحسن تقدير، فلا تحس فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير، يؤدي لك من كل معنى صورة نقية وافية: (نقية) لا يشوبها شيء مما هو غريب عنها، (وافية) لا يشذ عنها شيء من عناصرها الأصلية ولواحقها الكمالية، كل ذلك في أوجز لفظ وأنقاه، ففي كل جملة منه جهاز من أجهزة المعنى، وفي كل كلمة منه عضو من أعضائه، وفي كل حرف منه جزء بقدره، وفي أوضاع كلماته من جمله، وأوضاع جمله من آياته سر الحياة الذي ينتظم المعنى بأدائه.
وبالجملة ترى كما يقول الباقلاني: (محاسن متوالية (١)، وبدائع تترا).
стр. 190
ضع يدك حيث شئت من المصحف، وعد ما أحصته كفك من الكلمات عدًّا، ثم أحصِ عدتها من أبلغ كلام تختاره خارجًا (١) عن الدفتين، وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك. ثم انظر: كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأية كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها هناك؟ فكتاب الله تعالى -كما يقول ابن عطية: (لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم توجد) (٢) بل هو كما وصفه الله ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١١] (٣).
* * * * *
стр. 191
(ج - د)
«خطاب العامة» و «خطاب الخاصة»
وهاتان غايتان أخريان متباعدتان عند الناس، فلو أنَّك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوًى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب، ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك - إن أردتَّ أن تعطي كلتا الطائفتين حظها كاملًا من بيانك - أن تخاطب كل واحدة منها بغير ما تخاطب به الأخرى؛ كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال، فأمَّا أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك فيراها كل منهم مقدَّرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم، فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسر لكل من أراد ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
* * * * *
(هـ - و)
«إقناع العقل» و «إمتاع العاطفة»
وفي النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير، وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها، فأما إحداهما فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به، وأما الأخرى فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم، والبيان
стр. 192
التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيها حظها من الفائدة العقلية والمتعة الوجدانية معًا.
فهل رأيت هذا التمام في كلام الناس؟
لقد عرفنا كلام العلماء والحكماء، وعرفنا كلام الأدباء والشعراء، فما وجدنا من هؤلاء ولا هؤلاء إلا غلوًّا في جانب، وقصورًا في جانب.
(فأمَّا) الحكماء فإنما يؤدون إليك ثمار عقولهم غذاءً لعقلك، ولا تتوجه نفوسهم إلى استهواء نفسك واختلاب عاطفتك، فتراهم حين يقدمون إليك حقائق العلوم لا يأبهون لما فيها من جفاف وعري ونبوٍّ عن الطباع.
(وأمَّا) الشعراء فإنما يسعون إلى استثارة وجدانك، وتحريك أوتار الشعور من نفسك، فلا يبالون بما صوروه لك أن يكون غيًّا أو رشدًا؛ وأن يكون حقيقة أو تخيلًا، فتراهم جادِّين وهم هازلون، يستبكون وإن كانوا لا يبكون، ويُطرِبُون وإن كانوا لا يَطرَبُون ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] وما بعدها.
وكل امرئ حين يفكر فإنما هو فيلسوف صغير، وكل امرئ حين يحس ويشعر فإنَّما هو شاعر صغير، فسل علماء النفس: (هل رأيتم أحدًا تتكافأ فيه قوة التفكير وقوة الوجدان وسائر القوى النفسية على سواء؟ ولو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس فهل ترونها تعمل في النفس دفعة وبنسبة واحدة؟) يجيبوك بلسان واحدة: (كلا، بل لا تعمل إلا مناوبة في حال بعد حال، وكلَّما تسلطت واحدة منهن اضمحلت الأخرى وكاد ينمحي أثرها. فالذي ينهمك في التفكير تتناقص قوة وجدانه، والذي يقع تحت تأثير لذة أو ألم يضعف تفكيره، وهكذا لا تقصد النفس الإنسانية إلى هاتين الغايتين قصدًا واحدًا، وإلا لكانت مقبلة مدبرة معًا، وصدق الله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤].
فكيف تطمع من إنسان في أن يهب لك هاتين الطِّلبَتين على سواء، وهو لم يجمعهما في نفسه على سواء؟ وما كلام المتكلم إلا صورة الحال الغالبة عليه من بين تلك الأحوال.
стр. 193
هذا مقياس تستطيع أن تتبين به في كل لسان وقلم أي القوتين كان خاضعًا لها حين قال أو كتب: (فإذا) رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية أو وصف طريقة عملية، قلت: هذا ثمرة الفكرة.
(وإذا) رأيته يعمد إلى تحريض النفس أو تنفيرها، وقبضها أو بسطها، واستثارة كوامن لذتها أو ألمها، قلت: هذا ثمرة العاطفة.
(وإذا) رأيته قد انتقل من أحد هذين الضربين إلى الآخر فتفرغ له بعد ما قضى وطره من سابقه، كما ينتقل من غرض إلى غرض، عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه.
وأما أن أسلوبًا واحدًا يتجه اتجاهًا واحدًا ويجمع في يديك هذين الطرفين معًا، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقًا وأزهارًا وأثمارًا معًا، أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.
فمن لك إذًا بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين، ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟
ذلك الله رب العالمين، فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن، وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معًا بلسان، وأن يمزج الحق والجمال معًا يلتقيان ولا يبغيان، وأن يخرج من بينهما شرابًا خالصًا سائغًا للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت؛ ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره (١) لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟
أوَ لا تراه في معمعة براهينه (٢)
стр. 194
وأحكامه (١) لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟ يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطعها وتضاعيفها ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣ - ١٤].
* * *
стр. 195
(ز - ح)
«البيان» و «الإجمال»
وهذه عجيبةٌ أخرى تجدها في القرآن ولا تجدها فيما سواه، ذلك أنَّ الناس إذا عمدوا إلى تحديد أغراضهم لم تتسع لتأويل، وإذا أجملوها ذهبوا إلى الإبهام أو الإلباس، أو إلى اللغو الذي لا يفيد، ولا يكاد يجتمع لهم هذان الطرفان في كلام واحد.
وتقرأ القطعة من القرآن فتجد في ألفاظها من الشفوف، والملاسة والإحكام والخلو من كل غريب عن الغرض ما يتسابق به مغزاها إلى نفسها دون كدِّ خاطر ولا استعادة حديث.
كأنَّك لا تسمع كلامًا ولغات بل ترى صورًا وحقائق ماثلة، وهكذا يخيَّل إليك أنك قد أحطت به خُبرًا ووقفت على معناه محدودًا؛ هذا ولو رجعت إليه كرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد غير الذي سبق إلى فهمك أول مرة، وكذلك .. حتى ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة (١) وجوهًا عدة كلها
стр. 196
صحيح أو محتمل للصحة، كأنما هي فصٌّ من الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعًا، فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها، فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع. ولعلك لو وكلت النظر فيها إلى غيرك رأى منها أكثر مما رأيت.
وهكذا تجد كتابًا مفتوحًا مع الزمان يأخذ كل منه ما يسر له؛ بل ترى محيطًا مترامي الأطراف لا تحده عقول الأفراد ولا الأجيال.
ألم تر كيف وَسِعَ الفرق الإسلامية على اختلاف منازعها في الأصول والفروع؟ وكيف وسع الآراء العلمية على اختلاف وسائلها في القديم والحديث؟ وهو على ليِّنه للعقول والأفهام صلب متين، لا يتناقض ولا يتبدل، يحتج به كل فريق لرأيه، ويدعيه لنفسه، وهو في سموه فوق الجميع يطل على معاركهم حوله، وكأن لسان حاله يقول لهؤلاء وهؤلاء: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤] (١).
стр. 197
[مثال على الخصائص البيانية للقرآن]
ها نحن أولاء قد عرضنا لك جانبًا من تلك العجائب البيانية التي لا تنال مثلها أيدي الناس، وها قد أعطيناك في حاشية كل منها نموذجًا صغيرًا، يفتح لك الباب إلى احتذائه في سائر القرآن.
فهل ترى في هذا وفاءً بما وعدناك، وبما عودناك، من التقفية على آثار التفصيل بشيء من التطبيق والتمثيل؟ أم لا تزال بحاجة إلى المزيد من هذه الأمثلة؟!
стр. 198
سنزيدك، وسنوجِّه نظرك بنوع خاص إلى دقة التعبير القرآني ومتانة نظمه، وعجيب تصرفه، حتى يؤدِّي لك المعنى الوافر الثري، في اللفظ القاصد النقي، إذ كانت هذه الخاصَّة الأولى - من الخواصِّ التي ذكرناها - أحوج إلى التوقيف والإرشاد.
ولا تحسبنَّ أننا سنضرب لك الأمثال بتلك الآيات الكريمة التي وقع اختيار الناس عليها وتواصفوا الإعجاب بها، كقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ … ﴾ [هود: ٤٤] الآية (١)، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] (٢)، وأشباههما.
بل نريد أن نجيئك بمثال من عُرض القرآن في معنى لا يأبَه له الناس ولا يقع اختيارهم على مثله عادة، ليكون دليلًا على ما وراءه.
يقول الله تعالى في ذكر حِجَاج اليهود: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]، والآيتان بعدها.
هذه قطعة من فصل من قصة بني إسرائيل، والعناصر الأصلية التي تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة تتلخص فيما يلي:
١ - مقالة ينصح بها الناصح لليهود، إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن.
٢ - إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوي على مقصدين.
٣ - الردُّ على هذا الجواب بركنيه، من عدة وجوه.
وأقسمُ لو أنَّ محاميًا بليغًا وكلت إليه الخصومة بلسان القرآن في هذه القضية، ثم هُدي إلى استنباط هذه المعاني التي تختلج في نفس الداعي والمدعو لما وسعه في أدائها أضعاف أضعاف هذه الكلمات، ولعله بعد ذلك لا يفي بما حولها من إشارات واحتراسات وآداب وأخلاق.
стр. 199
قال الناصح لليهود: آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة؛ ألستم قد آمنتم بالتوراة التي جاء بها موسى لأنَّها أنزلها الله؛ فالقرآن الذي جاء به محمد أنزله الله، فآمنوا به كما آمنتم بها.
فانظر كيف جمع القرآن هذا المعنى الكثير في هذا اللفظ الوجيز ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، وسرُّ ذلك أنه عدل بالكلام عن صريح اسم القرآن إلى كنايته (١)، فجعل دعاءهم إلى الإيمان به دعاء إلى الشيء بحجته (٢)، وبذلك أخرج الدليل والدعوى في لفظ واحد.
ثم انظر كيف طوى ذكر المنزَل عليه فلم يقل: آمنوا بما أنزل الله (على محمد) مع أن هذا جزء متمِّمٌ لوصف القرآن المقصود بالدعوة، أتدري لم ذلك؟ لأنَّه لو ذكر لكان في نظر الحكمة البيانية زائدًا، وفي نظر الحكمة الإرشادية مفسدًا.
أمَّا الأول: فلأنَّ هذه الخصوصية (٣) لا مدخل لها في الإلزام، فأدير الأمر على القدر المشترك وعلى الحد الأوسط الذي هو عمود الدليل (٤).
وأمَّا الثاني: فلأنَّ إلقاء هذا الاسم (٥) على مسامع الأعداء من شأنه أن يخرج أضغانهم ويثير أحقادهم فيؤدي إلى عكس ما قصده الداعي من التأليف والإصلاح.
ذلك إلى ما في هذا الحذف من الإشارة إلى طابع الإسلام، وهو أنَّه ليس دين تفريق وخصومة، بل هو جامع ما فرَّقه الناس من الأديان، داعٍ إلى الإيمان بالكتب كلها على سواء: بما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم، لا نفرق بين شيء من كتبه، كما لا نفرق بين أحد من رسله.
стр. 200
كان جواب اليهود أن قالوا: إن الذي دعانا للإيمان بالتوراة ليس هو كونها أنزلها الله فحسب، بل إننا آمنَّا بها لأنَّ الله أنزلها علينا، والقرآن لم ينزله علينا، فلكم قرآنكم ولنا توراتنا، ولكل أمة شرعة ومنهاج.
هذا هو المعنى الذي أوجزه القرآن في قوله: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهذا هو المقصد الأول، وقد زاد في إيجاز هذه العبارة أن حذف منها فاعل الإنزال وهو لفظ الجلالة؛ لأنه تقدم ذكره في نظيرتها.
من البين أن اقتصارهم على الإيمان بما أنزل عليهم يومئ إلى كفرانهم بما أُنزِل على غيرهم، وهذا هو المقصد الثاني، ولكنهم تحاشوا التصريح به لما فيه من شناعة التسجيل على أنفسهم بالكفر، فأراد القرآن أن يبرزه.
انظر كيف أبرزه؟ إنه لم يجعل لازم مذهبهم مذهبًا لهم، ولم يدخل مضمون قولهم في جملة ما نقله من كلامهم، بل أخرجه في معرض الشرح والتعليق على مقالتهم: فقال: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أليس ذلك هو غاية الأمانة في النقل؟
ثم انظر إلى التعبير عن القرآن بلفظ ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ فإنَّ لهذه الكلمة وجهًا تعم به غير القرآن ووجهًا تخص به هذا العموم، ذلك أنهم كما كفروا بالقرآن المنزل على محمد ﷺ كفروا بالإنجيل المنزل على عيسى، وكلاهما وراء التوراة، أي جاء بعدها، ولكنهم لم يكفروا بما قبل التوراة من صحف إبراهيم مثلًا، وهكذا تراه قد حدد الجريمة تمام التحديد باستعمال هذا اللفظ الجامع المانع، وهذا هو غاية الإنصاف وتحري الصدق في الاتهام.
جاء دور الرد والمناقشة فيما أعلنوه وما أسروه.
فتراه لا يبدأ بمحاورتهم في دعوى إيمانهم بكتابهم، بل يتركها مؤقتًا كأنها مسلَّمة ليبني عليها وجوب الإيمان بغيره من الكتب، فيقول: كيف يكون إيمانهم بكتابهم باعثًا على الكفر بما هو حق مثله؟ - لا، بل ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ كله (١) - وهل يعارض الحق حتى يكون الإيمان بأحدهما موجبًا للكفر بالآخر؟!
стр. 201
ثم يترقى فيقول: وليس الأمر بين هذا الكتاب الجديد وبين الكتب السابقة عليه كالأمر بين كل حق وحق؛ فقد يكون الشيء حقًّا وغيره حقًّا فلا يتكاذبان، ولكنهما في شأنين مختلفين فلا يشهد بعضهما لبعض، أما هذا الكتاب فإنه جاء شاهدًا و ﴿مُصَدِّقًا﴾ لما بين يديه من الكتب، فأنى يكذب به من يؤمن بها؟!
ثم يستمر في إكمال هذا الوجه قائلًا: ولو أنَّ التحريف أو الضياع الذي نال من هذه الكتب قد ذهب بمعالم الحق فيها جملة لكان لهم بعض العذر في تكذيبهم بالقرآن؛ إذ يحق لهم أن يقولوا: (إن البقية المحفوظة من هذه الكتب في عصرنا ليس بينها وبين القرآن هذا التطابق والتصادق، فليس الإيمان بها موجبًا للإيمان به) .. بل لو أن هذه البقية ليست عندهم ولكنهم كانوا عن دراستها غافلين، لكان لهم مثل ذلك العذر، أما وهذا القرآن مصدق لما هو قائم من الكتاب في زمنهم وبأيديهم ويدرسونه بينهم فبماذا يعتذرون وأنى يذهبون؟! هذا المعنى كله يؤديه لنا القرآن بكلمة ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾.
فانظر إلى الإحكام في صنعة البيان: إنما هي كلمة رُفعت وأخرى وُضعت (١) في مكانها عند الحاجة إليها؛ فكانت هذه الكلمة حسمًا لكل عذر، وسدًّا لكل باب من أبواب الهرب؛ بل كانت هذه الكلمة وحدها بمثابة حركة تطويق للخصم تمت في خطوة واحدة، وفي غير ما جَلَبَةٍ ولا طنطنة.
ولما قضى وطرَ النَّفس من هذا الجانب المطويِّ الذي ساقه مساق الاعتراض والاستطراد، استوى إلى الرد على المقصد الأصلي الذي تبجَّحوا بإعلانه والافتخار به، وهو دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم، فأوسعهم إكذابًا وتفنيدًا، وبيَّن أن داء الجحود فيهم داء قديم، قد أُشرِبُوه في قلوبهم ومضت عليه القرون حتى أصبح مرضًا مزمنًا، وأنَّ الذي أتوه اليوم من الكفر بما أنزل على محمد ﷺ ما هو إلا حلقة متصلة بسلسلة كفرهم بما أنزل عليهم؛ وساق على
стр. 202
ذلك الشواهد التاريخية المفظعة التي لا سبيل لإنكارها، في جهلهم بالله، وانتهاكهم لحرمة أنبيائه، وتمردهم على أوامره: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١].
١ - تأمل كيف أن هذا الانتقال كانت النفس قد استعدت له في آخر المرحلة السابقة؛ إذ يفهم السامع من تكذيبهم بما يصدق كتابهم أنهم صاروا مكذبين بكتابهم نفسه؛ وهل الذي يكذب من يُصدقك يبقى مصدِّقًا لك؟!
غير أن هذا المعنى إنما أخذ استنباطًا من أقوالهم، وإلزامًا لهم بمآل مذهبهم، ولم يؤخذ بطريق مباشر من واقع أحوالهم، فكانت هذه هي مهمة الرد الجديد.
وهكذا كانت كلمة ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ مغلاقًا لما قبلها مفتاحًا لما بعدها، وكانت آخر درجة في سلم الغرض الأول هي أول درجة في سلم الغرض الثاني.
فما أوثق هذا الالتحام بين أجزاء الكلام! وما أرشد هذه القيادة للنفس بزمام البيان، تدريجًا له على مدارجها، وتنزيلًا له على قدر حاجتها وفي وقت تلك الحاجة! فما هو إلا أن آنس تطلُّع النفس واستشرافها من تلك الكلمة إلى غاية، إذا هو قد استوى بها إلى تلك الغاية ووقفها عليها تامة كاملة.
٢ - وانظر كيف عدل بالإسناد عن وضعه الأصلي، وأعرض عن ذكر الكاسب الحقيقي لتلك الجرائم، فلم يقل: (فلم قتل آباؤكم أنبياء الله، واتخذوا العجل، وقالوا سمعنا وعصينا؟)؛ إذ كان القول على هذا الوضع حجة داحضة في بادئ الرأي، مثلها كمثل محاجة الذئب للحَمَل في الأسطورة المشهورة (١)، فكان يحق لهم في جوابها أن يقولوا: (وما لنا ولآبائنا؟ تلك أمة قد خلت، ولا تزر وازرة وزر أخرى).
ولو زاد مثلًا: (وأنتم مثلهم، قد تشابهت قلوبكم وقلوبهم) لجاء هذا التدارك بعد فوات الوقت، ولتراخى حبل الكلام وفترت قوته.
стр. 203
فكان اختصار الكلام على ما ترى - بوقفهم بادئ ذي بدء في موقف الاتهام - إسراعًا بتسديد (١) سهم الحجة إلى هدفها، وتنبيهًا في الوقت نفسه على أنهم ذرية بعضها من بعض، وأنهم سواسية في الجرم، فعلى أيِّهم وضعت يدك فقد وضعتها على الجاني الأثيم؛ لأنهم لا ينفكون عن الاستنان بسنة أسلافهم، أو الرضا عن أفاعيلهم، أو الانطواء على مثل مقاصدهم.
٣ - وانظر كيف زاد هذا المعنى ترشيحًا (٢) بإخراج الجريمة الأولى وهي جريمة القتل في صيغة الفعل المضارع تصويرًا لها بصورة الأمر الواقع الآن، كأنه بذلك يعرض علينا هؤلاء القوم أنفسهم وأيديهم ملوثة بتلك الدماء الزكية.
٤ - ولقد كان التعبير بهذه الصيغة مع ذكر الأنبياء بلفظ عام مما يفتح بابًا من الإيحاش لقلب النبي العربي الكريم، وبابًا من الإطماع لأعدائه في نُجحِ تدابيرهم ومحاولاتهم لقتله.
فانظر كيف أسعفنا بالاحتراس عن ذلك كله بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ فقطع بهذه الكلمة أطماعهم وثبت بها قلب حبيبه ﷺ إذ كانت بمثابة وعده إياه بعصمته من الناس. ذلك إلى ما فيها من تنبيه على أصل وضع الكلام وعلى ما صنع به من التجوز المذكور آنفًا في الإسناد وفي الصيغة.
٥ - وانظر كيف جيء بالأفعال في الجرائم التالية على صيغة الماضي بعد أن وطأ لها بهذه الكلمة: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ فاستقام التاريخ على وضعه الطبيعي حين لم تبق هناك حاجة إلى مثل التعبير الأول.
٦ - وانظر إلى الآداب العالية في عرض الجريمة الثانية وهي جريمة الشرك؛ فإنها لما كانت أغلظ من سابقتها وأشد نكرًا في العقول نبه على ذلك ألطف تنبيه بحذف أحد ركنيها، فلم يقل: اتخذتم العجل إلهًا، بل طوى هذا المفعول الثاني استبشاعًا للتصريح به في صحبة الأول، وبيانًا لما بينهما من مفارقة .. وكم في هذا الحذف من تعبير وتهويل!! فربَّ صمت هو أنطق بالحكم، وأنكى في الخصم.
стр. 204
٧ - ثم انظر إلى النواحي التي أوثر فيها الإجمال على التفصيل، إعراضًا عن كل زيادة لا تمس إليها حاجة البيان في الحال، فقد قال: إن القرآن مصدق لما معهم، ولم يبين مدى هذا التصديق: أفي أصول الدين فحسب، أم في الأصول والفروع جميعًا، أم في الأصول وبعض الفروع، وإلى أي حد؟ ذلك أن هذا كلام الملوك لا يتنزل إلا بقدر معلوم. وماذا يعني الداعي إلى أصل الإيمان أن يمتد التطابق بين الأديان إلى فروعها أو لا يمتد؟ فليبحث علماء التشريع!
وقال: إنهم يقتلون أنبياء الله، فمن هم أولئك الأنبياء؟ .. ليبحث علماء التاريخ!
وقال: إنَّ موسى جاءهم بالبينات، فكم هي؟ وما هي؟
وقال: إنه أخذ عليهم ميثاقهم، فعلى أيِّ شيء كان الميثاق؟
إن حكمة البيان القرآني لأجلُّ مِنْ أن تعرض لهذه التفاصيل في مثل هذا الموضع، ولو ذكرت ها هنا لكان مثلها مثل من يسأل: لم ضربت عبدك؟ فيقول: لأنَّه ضرب غلامًا اسمه كذا واسم أبيه كذا وحليته كذا، وولد في عام كذا، ألا ترى أن هذا زائد وكثير (١).
٨ - ولو ذهبنا نتتَّبع سائر ما في هذه القطعة من اللطائف لخرجنا عن حد التمثيل والتنبيه الذي قصدنا إليه.
فلنكتفِ بتوجيه نظرك فيها إلى سر دقيق لا تراه في كلام الناس، ذلك أنَّ المرء إذا أهمه أمر من الدفاع أو الإقناع أو غيرهما بدت على كلامه مَسحة الانفعال بأغراضه، وكان تأثيره بها في نفسك على قدر تأثره هو؛ طبعَا أو تطبعًا،
стр. 205
فتكاد تحس بما يخالجه من المسرة في ظفره ومن الامتعاض في إخفاقه، بل تراه يكاد يهلك أسفًا لو أعرض الناس عن هداه إذا كان مؤمنًا بقضيته، مخلصًا في دعوته، كما هو شأن الأنبياء ﵈ أما هنا فإنك تلمح وراء الكلام قوة أعلى من أن تنفعل بهذه الأغراض، قوة تؤثر ولا تتأثر، تصف لك الحقائق: خيرها وشرها، في عزة من لا ينفعه خير، واقتدار من لا يضره شر.
هذا الطابَع من الكبرياء والعظمة تراه جليًّا من خلال هذا الأسلوب المقتصد في حجاجه أخذًا وردًّا، المقتصد في وصفه مدحًا وقدحًا.
انظر إليه حين يجادل عن القرآن فلا يزيد في وصفه على هذه الكلمة: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾، نعم إنها كلمة تملأ النفس، ولكن هل تشبعك أيها الإنسان تلك الكلمة إذا أردت أن تصف حقيقة من الحقائق التي تقتنع بها وتحب أن تقنع بها الناس؟
وانظر إليه بعد أن سَجَّل على بني إسرائيل أفحش الفحش وهو وضعهم البقر الذي هو مثل في البلادة موضع المعبود الأقدس، وبعد أن وصف قسوة قلوبهم في تأبِّيهم على أوامر الله مع حملهم عليها بالآيات الرهيبة؛ فتراه لا يزيد على أن يقول في الأولى: إن هذا (ظلم) وفي الثانية: (بئسما) صنعتم، أذلك كل ما تقابل به هذه الشناعات؟ نعم، إنهما كلمتان وافيتان بمقدار الجريمة لو فُهمتا على وجههما، ولكن أين الألم وحرارة الاندفاع في الانتقام؟ بل أين الإقذاع والتشنيع؟ وأين الإسراف والفجور الذي تراه في كلام الناس إذا أُحفظوا بالنيل من مقامهم؟
لله ما أعفَّ هذه الخصومة، وما أعز هذا الجناب وأغناه عن شكر الشاكرين وكفر الكافرين، وتالله إن هذا كلام لا يصدر عن نفس بشر.
[الإيجاز في القرآن] قلنا: إن القرآن الكريم يستثمر دائمًا برفق أقل ما يمكن من اللفظ في توليد أكثر ما يمكن من المعاني.
أجل؛ تلك ظاهرة بارزة فيه كله؛ يستوي فيها مواضع إجماله التي يسميها الناس مقام الإيجاز، ومواضع تفصيله التي يسمونها مقام الإطناب.
ولذلك نسميه إيجازًا كله (١)؛ لأنَّنا نراه في كلا المقامين لا يجاوز سبيل
стр. 206
القصد، ولا يميل إلى الإسراف ميلًا ما، ونرى أن مراميه في كلا المقامين
стр. 207
لا يمكن تأديتها كاملة العناصر والحلى بأقل من ألفاظه ولا بما يساويها، فليس فيه كلمة إلا هي مفتاح لفائدةٍ جليلة، وليس فيه حرفٌ إلا جاء لمعنى.
стр. 208
[هل في القرآن زائد؟!]
دع عنك قول الذي يقول في بعض الكلمات القرآنية إنها (مقحَمة) وفي بعض حروفه إنها (زائدة) زيادة معنوية، ودع عنك قول الذي يستخف كلمة (التأكيد) فيرمي بها في كل موطن يظن فيه الزيادة، لا يبالي أن تكون تلك الزيادة فيها معنى المزيد عليه فتصلح لتأكيده أو لا تكون، ولا يبالي أن يكون بالموضع حاجة إلى هذا التأكيد أو لا حاجة له به.
أجل، دع عنك هذا وذاك، فإن الحكم في القرآن بهذا الضرب من الزيادة أو شبهها إنما هو ضرب من الجهل - مستورًا أو مكشوفًا - بدقة الميزان الذي وضع عليه أسلوب القرآن.
وخذ نفسك أنت بالغوص في طلب أسرارِه البيانية على ضوء هذا المصباح، فإن عمي عليك وجه الحكمة في كلمة منه أو حرف فإيَّاك أن تعجل كما يعجل هؤلاء الظَّانُّون؛ ولكن قل قولًا سديدًا هو أدنى إلى الأمانة والإنصاف، قل: (الله أعلم بأسرارِ كلامه، ولا علم لنا إلا بتعليمه)، ثم إيَّاك أن تركن إلى راحة اليأس فتقعد عن استجلاء تلك الأسرار قائلًا: أين أنا من فلان وفلان؟ .. كلَّا، فربَّ صغير مفضول قد فطن إلى ما لم يفطن له الكبير الفاضل.
ألا ترى إلى قصة ابن عمر في الأحجية المشهورة (١)؟ فجِدَّ في الطلب وقل: رب زدني علمًا، فعسى الله أن يفتح لك بابًا من الفهم تكشف به شيئًا مما عمي على غيرك، والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، ولنضرب لك مثلًا، قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
[البيان في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]]
(أكثر) أهل العلم قد ترادفت كلمتهم على زيادة الكاف بل على وجوب زيادتها في هذه الجملة، فرارًا من المُحال العقلي الذي يفضي إليه بقاؤها على
стр. 209
معناها الأصلي من التشبيه؛ إذ رأوا أنَّها حينئذ تكون نافية الشبيه عن مثل الله، فتكون تسليمًا بثبوت المثل له سبحانه، أو على الأقل محتملة لثبوته وانتفائه؛ لأنَّ السالبة - كما يقول علماء المنطق - تصدق بعدم الموضوع.
أو (١) لأن النفي - كما يقول علماء النحو - قد يوجه إلى المقيَّد وقيده جميعًا، تقول: (ليس لفلان ولدٌ يعاونه) إذا لم يكن له ولد قط أو كان له ولد ولا يعاونه، وتقول: (ليس محمدٌ أخًا لعلي) إذا كان أخًا لغير علي أو لم يكن أخًا لأحد.
(وقليل منهم) من ذهب إلى أنه لا بأس ببقائها على أصلها؛ إذ رأى أنها لا تؤدي إلى ذلك المحال لا نصًّا ولا احتمالًا؛ لأن نفي مثل المثل يتبعه في العقل نفي المثل أيضًا.
وذلك أنه لو كان هناك مثلٌ لله لكان لهذا المثل مثل قطعًا وهو الإله الحقُّ نفسه، فإن كل متماثلين يعد كلاهما مثلًا لصاحبه، وإذًا لا يتم انتفاء مثل المثل إلا بانتفاء المثل وهو المطلوب.
وقصارى هذا التوجيه - لو تأمَّلته - أنه مصحح لا مرجح، أي أنَّه ينفي الضرر عن هذا الحرف، ولكنه لا يثبت فائدته ولا يبين مسيس الحاجة إليه؛ ألست ترى أن مؤدَّى الكلام معه كمؤدَّاه بدونه سواء، وأنه إن كان قد ازداد به شيئًا فإنما ازداد شيئًا من التكلف والدوران وضربًا من التعمية والتعقيد.
وهل سبيله إلا سبيل الذي أراد أن يقول: (هذا فلان) فقال: (هذا ابن أخت خالة فلان)؟ فمآله إذًا إلى القول بالزيادة التي يسترونها باسم التأكيد، ذلك الاسم الذي لا تعرف له مسمى ها هنا؛ فإن تأكيد المماثلة ليس مقصودًا البتة، وتأكيد النفي بحرف يدل على التشبيه هو من الإحالة بمكان.
ولو رجعت إلى نفسك قليلًا لرأيت هذا الحرف في موقعه محتفظًا بقوة دلالته، قائمًا بقسطٍ جليلٍ من المعنى المقصود في جملته، وأنَّه لو سقط منها
стр. 210
لسقطت معه دعامة المعنى، أو لتهدم ركن من أركانه، ونحن نبين لك هذا من طريقين، أحدهما أدق مسلكًا من الآخر.
(الطريق الأول) وهو أدنى الطريقين إلى فهم الجمهور: أنه لو قيل: (ليس مثله شيء) لكان ذلك نفيًا للمثل المكافئ، وهو المثل التام المماثلة فحسب؛ إذ إن هذا المعنى هو الذي ينساق إليه الفهم من لفظ المثل عند إطلاقه، وإذًا لدبَّ إلى النفس دبيب الوساوس والأوهام: أن لعل هنالك رتبة لا تضارع رتبة الألوهية ولكنها تليها، وأن عسى أن تكون هذه المنزلة للملائكة والأنبياء، أو للكواكب وقوى الطبيعة، أو للجن والأوثان والكهان، فيكون لهم بالإله الحق شبه ما في قدرته أو علمه، وشرك ما في خلقه أو أمره .. فكان وضع هذا الحرف في الكلام إقصاءً للعالم كله عن المماثلة وعما يشبه المماثلة وما يدنو منها، كأنه قيل: ليس هناك شيء يشبه أن يكون مثلًا لله، فضلًا عن أن يكون مثلًا له على الحقيقة، وهذا باب من التنبيه بالأدنى على الأعلى، على حد قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، نهيًا عن يسير الأذى صريحًا، وعما فوق اليسير بطريق الأحرى.
(الطريق الثاني) وهو أدقهما مسلكًا: أن المقصود الأولي من هذه الجملة وهو نفي الشبيه، وإن كان يكفي لأدائه أن يقال: (ليس كالله شيء) أو (ليس مثله شيء) لكن هذا القدر ليس هو كل ما ترمي إليه الآية الكريمة، بل إنها كما تريد أن تعطيك هذا الحكم تريد في الوقت نفسه أن تلفتك إلى وجه حجته وطريق برهانه العقلي.
ألا ترى أنك إذا أردت أن تنفي عن امرئ نقيصة في خُلقه فقلت: (فلان لا يكذب ولا يبخل) أخرجت كلامك عنه مخرج الدعوى المجردة عن دليلها.
فإذا زدت فيه كلمة فقلت: (مثل فلان لا يكذب ولا يبخل) لم تكن بذلك مشيرًا إلى شخص آخر يماثله مبرأً من تلك النقائص، بل كان هذا تبرئة له هو ببرهان كلي، وهو أن من يكون على مثل صفاته وشيمه الكريمة لا يكون كذلك؛ لوجود التنافي بين طبيعة هذه الصفات وبين ذلك النقصِ الموهوم.
стр. 211
على هذا المنهج البليغ وضعت الآية الحكيمة قائلة: (مثله تعالى لا يكون له مثل)، تعني: أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه، ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه، فلا جرم جيء فيها بلفظين، كل واحد منهما يؤدي معنى المماثلة؛ ليقوم أحدهما ركنًا في الدعوى، والآخر دعامة لها وبرهانًا.
فالتشبيه المدلول عليه (بالكاف) لمَّا تصوب إليه النفي تأدَّى به أصل التوحيد المطلوب؛ ولفظ (المثل) المصرَّح به في مقام لفظ الجلالة أو ضميره نبه على برهان ذلك المطلوب.
واعلم أن البرهان الذي ترشد إليه الآية على هذا الوجه برهان طريف في إثبات وحدة الصانع، لا نعلم أحدًا من علماء الكلام حام حوله؛ فكل براهينهم في الوحدانية قائمة على إبطال التعدد بإبطال لوازمه وآثاره العملية، حسبما أرشد إليه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] (١).
стр. 212
أما آية الشورى المذكورة فإنها ناظرة إلى معنى وراء ذلك ينقض فرض التعدد من أساسه، ويقرر استحالته الذاتية في نفسه بقطع النظر عن تلك الآثار. فكأننا بها تقول لنا: إن حقيقة الإله ليست من تلك الحقائق التي تقبل التعدد والاشتراك والتماثل في مفهومها، كلَّا، فإن الذي يقبل ذلك إنما هو الكمال الإضافي الناقص، أما الكمال التام المطلق الذي هو قوام معنى الإلهية، فإن حقيقته تأبى على العقل أن يقبل فيها المشابهة والاثنيْنيَّة؛ لأنَّك مهما حققت معنى الإلهية حققت تقدمًا على كل شيء وإنشاءً لكل شيء: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى: ١١]، وحقَّقت سلطانًا على كل شيء وعلوًّا فوق كل شيء: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى: ١٢] فلو ذهبت تفترض اثنين يشتركان في هذه الصفات لتناقضتَ؛ إذ تجعل كل واحد منهما سابقًا مسبوقًا، ومُنشِئًا مُنشَأً، ومستعليًا مستعلًى عليه، أو لأحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيد فيهما؛ إذ تجعل كل واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقًا ولا مستعليًا، فأنى يكون كل منهما إلهًا، وللإله المثل الأعلى؟!
أرأيت كم أفدنا من هذه (الكاف) وجوهًا من المعاني كلها شاف كاف؟!
فاحفظ هذا المثال وتعرف به دقة الميزان الذي وضع عليه النَّظم الحكيم حرفًا حرفًا.
[الإعجاز بالحذف!]
(وبعد) فإن سر الإيجاز في القرآن لا يقف عند الحد الذي أشرنا إليه، من اجتناب الحشو والفضول ألبتة، وانتقاء الألفاظ الجامعة المانعة التي هي - بطبيعتها اللغوية - أتم تحديدًا للغرض، وأعظم اتِّساعًا لمعانيه المناسبة، لا، بل إنه كثيرًا ما يسلك في إيجازه سبيلًا أعز وأعجب.
فلقد تراه يعمد - بعد حذف فضول الكلام وزوائده - إلى حذف شيء من أصولِه وأركانِه التي لا يتم الكلام في العادة بدونها، ولا يستقيم المعنى إلا بها، ولقد يتناول بهذا الحذف كلماتٍ وجملًا كثيرة متلاحقة ومتفرقة في القطعة الواحدة، ثم تراه في الوقت نفسه يستثمر تلك البقية الباقية من اللفظ في تأدية المعنى كله بجلاء ووضوح، وفي طلاوة وعذوبة، حتى يخيل إليك من سهولة
стр. 213
مسلك (١) المعنى في لفظه أن لفظه أوسع منه قليلًا.
فإذا ما طلبتَ سر ذلك رأيته قد أودع معنى الكلمات أو الجمل المطوية في كلمة هنا وحرف هناك، ثم أدار الأسلوب إدارة عجيبة وأمر عليها جَنْدَرة (٢) البيان بيد صَنَاع، فأحكم بها خلقه وسواه، ثم نفخ فيه من روحه، فإذا هو مصقول أملس، وإذا هو نير مشرق، لا تشعر النفس بما كان فيه من حذف وطي، ولا بما صار إليه من استغناء واكتفاء، إلا بعد تأمل وفحص دقيق.
لا نكرانَ أنَّ العرب كانت تعرف شيئًا من الحذف في كلامها، وترى ذلك من الفضيلة البيانية متى قامت الدلائل اللائحة على ذلك المحذوف، ولو كان من أجزاء الجملة ومقوماتها. فإذا قيل للعربي: أين أخوك؟ قال: في الدار. وإذا قيل له: من في الدار؟ قال: أخي. ولو قال: أخي في الدار، لعُدَّ ذلك منه ضربًا من اللغو والحشو.
لكن الشأوَ الذي بلغه القرآن في هذا الباب - كغيره من أبواب البلاغة - ليس في متناول الألسنة والأقلام، ولا في متناول الأماني والأحلام.
[مثال على إعجاز الحذف]
خذ لذلك مثلًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١].
الآية مسُوقَة في شأن منكري البعث الذين قال لهم النبي: إني رسول الله إليكم، وإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقالوا متهكمين: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]،
стр. 214
فلمَّا لم يجبهم الله إلى اقتراحهم وأخَّر عنهم العذاب إلى ساعته المحدودة أطغاهم طول الأمن والدَّعة والعافية الحاضرة حتى نسوا ريب الدهر وأمنوا مكر الله، فجعلوا يستعجلون بالشر استعجالهم بالخير، ويقولون: متى هو؛ وما يحبسه لو كان آتيًا؟!
أراد القرآن أن يقول في جواب هذا الاستعجال: لو كانت سنة الله قد مضت بأن يعجل للناس الشر إذا استعجلوه، كتعجيله لهم الخير إذا استعجلوه، لعجَّله لهؤلاء، ولكنَّه قد جرت سنته التي لا تتبدل بأن يمهل الظالمين ويؤخر حسابهم إلى أجل مسمى، وعلى وفق هذا النظام المسنون سيترك هؤلاء وشأنهم حتى يجيء وقتهم.
هذا هو الوضع الذي يوضع عليه الكلام في ألسنة الناس وفي طبيعة اللغة لتأدية المعنى الإجمالي الذي ترمي إليه الآية، فانظر ماذا جرى .. ؟
١ - كان الكلام في وضعه العادي مؤلفًا من قضايا ثلاث: اثنتان منها بمثابة المقدمات، والثالثة بمنزلة النتيجة، فاقتصر القرآن على الأولى والأخيرة، أما الوسطى وهي الاستدراك - أو الاستثنائية كما يسميها علماء المنطق - فقد طواها طيًّا.
٢ - وكانت المقدمة الأولى في وضعها الساذج تتألف من أربعة أطراف: تعجيل من الله في الخير وفي الشر، واستعجال من الناس كذلك، ولكن الكلام ها هنا ليس فيه إلا تعجيل واحد من الله، واستعجال واحد من الناس.
٣ - وكانت المقابلة في التشبيه بحسب الظاهر إنما هي بين تعجيل وتعجيل، أو بين استعجال واستعجال، فأدِير الكلامُ في الآية على وجهٍ غريب، وجعلت المشابهة بين تعجيل واستعجال.
وبعد هذا التصرف كله هل ترى كلامًا مبتورًا أو طريقا ملتويًا يتعثر فيه الفهم؟ أم ترى مغزى الآية لائحًا للعامة والخاصة، كالبدر ليس دونه سحاب؟
فارجع إلى طلب شيء من أسرار البيان، وقل: كيف جاء هذا الإشراق مع هذا الاختصار البليغ؟
стр. 215
نقول: (أما الأول) فإنه لم يدع تلك المقدِّمة المطويَّة إلا بعد أن رفع لها علمين من جانبيها يدلَّان على مكانها ويوحيان بها إلى النفس من وراء حجاب؛ فقد أقام عن يمينها كلمة (لو) الامتناعية (١) التي صدر بها المقدمة الأولى، دلالة على أنه لا يكون منه هذا التعجيل، وعن يسارها حرف التفريع الذي صدر به النتيجة في قوله: (فنذر) لكي ينم على أن لهذا الفرع أصلًا من جنسه يقال فيه: ولكن شأنه أن يذر الناس؛ فلذلك يذر هؤلاء.
ولما كانت الفاء وحدها ليست نصًّا في المطلوب؛ لأنها كما تكون للتفريع تكون لمجرد العطف - فربما اتصل القارئ عاطفًا بها على جزاء الشرط قبلها، من قبل أن يتبين له فساد المعنى لو عطف - لم يكتف بالفاء، بل عززها بقوتين أخريين، إذ حوَّل صيغة النتيجة من الماضي إلى المضارع، ثم من الغيبة إلى التكلم؛ ليكون هذا الانقطاع اللفظي بينها وبين ما قبلها إيذانًا بانقطاعها عنه معنًى، وإذنًا بالوقوف دونها، حتى لا تقع النفس لحظة ما في أدنى اضطراب أو لبس، ذلك إلى ما في هذا التحويل من الافتنان في الأسلوب تجديدًا لنشاط السامع، ومن إلقاء الرعب في القلوب بصدور نطق الوعيد والاستدراج على لسان الجبروت الملكي نفسه.
(أما الثاني) فإنه لمَّا حذف طرفين من الأطراف الأربعة لم يحذفهما من جنس واحد، بل أبقى من كل زوجين واحدًا هو نظير ما حذفه من صاحبه، لينبه بالمذكور على المحذوف، فكانت كلمة (التعجيل) منبهة على نظيرتها في المشبه به، وكلمة (الاستعجال) منبهة على مقابلتها في المشبه.