على هذا المنهج البليغ وضعت الآية الحكيمة قائلة: (مثله تعالى لا يكون له مثل)، تعني: أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه، ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه، فلا جرم جيء فيها بلفظين، كل واحد منهما يؤدي معنى المماثلة؛ ليقوم أحدهما ركنًا في الدعوى، والآخر دعامة لها وبرهانًا.
فالتشبيه المدلول عليه (بالكاف) لمَّا تصوب إليه النفي تأدَّى به أصل التوحيد المطلوب؛ ولفظ (المثل) المصرَّح به في مقام لفظ الجلالة أو ضميره نبه على برهان ذلك المطلوب.
واعلم أن البرهان الذي ترشد إليه الآية على هذا الوجه برهان طريف في إثبات وحدة الصانع، لا نعلم أحدًا من علماء الكلام حام حوله؛ فكل براهينهم في الوحدانية قائمة على إبطال التعدد بإبطال لوازمه وآثاره العملية، حسبما أرشد إليه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] (١).
стр. 212
أما آية الشورى المذكورة فإنها ناظرة إلى معنى وراء ذلك ينقض فرض التعدد من أساسه، ويقرر استحالته الذاتية في نفسه بقطع النظر عن تلك الآثار. فكأننا بها تقول لنا: إن حقيقة الإله ليست من تلك الحقائق التي تقبل التعدد والاشتراك والتماثل في مفهومها، كلَّا، فإن الذي يقبل ذلك إنما هو الكمال الإضافي الناقص، أما الكمال التام المطلق الذي هو قوام معنى الإلهية، فإن حقيقته تأبى على العقل أن يقبل فيها المشابهة والاثنيْنيَّة؛ لأنَّك مهما حققت معنى الإلهية حققت تقدمًا على كل شيء وإنشاءً لكل شيء: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى: ١١]، وحقَّقت سلطانًا على كل شيء وعلوًّا فوق كل شيء: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى: ١٢] فلو ذهبت تفترض اثنين يشتركان في هذه الصفات لتناقضتَ؛ إذ تجعل كل واحد منهما سابقًا مسبوقًا، ومُنشِئًا مُنشَأً، ومستعليًا مستعلًى عليه، أو لأحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيد فيهما؛ إذ تجعل كل واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقًا ولا مستعليًا، فأنى يكون كل منهما إلهًا، وللإله المثل الأعلى؟!
أرأيت كم أفدنا من هذه (الكاف) وجوهًا من المعاني كلها شاف كاف؟!
فاحفظ هذا المثال وتعرف به دقة الميزان الذي وضع عليه النَّظم الحكيم حرفًا حرفًا.
[الإعجاز بالحذف!]
(وبعد) فإن سر الإيجاز في القرآن لا يقف عند الحد الذي أشرنا إليه، من اجتناب الحشو والفضول ألبتة، وانتقاء الألفاظ الجامعة المانعة التي هي - بطبيعتها اللغوية - أتم تحديدًا للغرض، وأعظم اتِّساعًا لمعانيه المناسبة، لا، بل إنه كثيرًا ما يسلك في إيجازه سبيلًا أعز وأعجب.
فلقد تراه يعمد - بعد حذف فضول الكلام وزوائده - إلى حذف شيء من أصولِه وأركانِه التي لا يتم الكلام في العادة بدونها، ولا يستقيم المعنى إلا بها، ولقد يتناول بهذا الحذف كلماتٍ وجملًا كثيرة متلاحقة ومتفرقة في القطعة الواحدة، ثم تراه في الوقت نفسه يستثمر تلك البقية الباقية من اللفظ في تأدية المعنى كله بجلاء ووضوح، وفي طلاوة وعذوبة، حتى يخيل إليك من سهولة
стр. 213
مسلك (١) المعنى في لفظه أن لفظه أوسع منه قليلًا.
فإذا ما طلبتَ سر ذلك رأيته قد أودع معنى الكلمات أو الجمل المطوية في كلمة هنا وحرف هناك، ثم أدار الأسلوب إدارة عجيبة وأمر عليها جَنْدَرة (٢) البيان بيد صَنَاع، فأحكم بها خلقه وسواه، ثم نفخ فيه من روحه، فإذا هو مصقول أملس، وإذا هو نير مشرق، لا تشعر النفس بما كان فيه من حذف وطي، ولا بما صار إليه من استغناء واكتفاء، إلا بعد تأمل وفحص دقيق.
لا نكرانَ أنَّ العرب كانت تعرف شيئًا من الحذف في كلامها، وترى ذلك من الفضيلة البيانية متى قامت الدلائل اللائحة على ذلك المحذوف، ولو كان من أجزاء الجملة ومقوماتها. فإذا قيل للعربي: أين أخوك؟ قال: في الدار. وإذا قيل له: من في الدار؟ قال: أخي. ولو قال: أخي في الدار، لعُدَّ ذلك منه ضربًا من اللغو والحشو.
لكن الشأوَ الذي بلغه القرآن في هذا الباب - كغيره من أبواب البلاغة - ليس في متناول الألسنة والأقلام، ولا في متناول الأماني والأحلام.
[مثال على إعجاز الحذف]
خذ لذلك مثلًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١].
الآية مسُوقَة في شأن منكري البعث الذين قال لهم النبي: إني رسول الله إليكم، وإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقالوا متهكمين: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]،
стр. 214
فلمَّا لم يجبهم الله إلى اقتراحهم وأخَّر عنهم العذاب إلى ساعته المحدودة أطغاهم طول الأمن والدَّعة والعافية الحاضرة حتى نسوا ريب الدهر وأمنوا مكر الله، فجعلوا يستعجلون بالشر استعجالهم بالخير، ويقولون: متى هو؛ وما يحبسه لو كان آتيًا؟!
أراد القرآن أن يقول في جواب هذا الاستعجال: لو كانت سنة الله قد مضت بأن يعجل للناس الشر إذا استعجلوه، كتعجيله لهم الخير إذا استعجلوه، لعجَّله لهؤلاء، ولكنَّه قد جرت سنته التي لا تتبدل بأن يمهل الظالمين ويؤخر حسابهم إلى أجل مسمى، وعلى وفق هذا النظام المسنون سيترك هؤلاء وشأنهم حتى يجيء وقتهم.
هذا هو الوضع الذي يوضع عليه الكلام في ألسنة الناس وفي طبيعة اللغة لتأدية المعنى الإجمالي الذي ترمي إليه الآية، فانظر ماذا جرى .. ؟
١ - كان الكلام في وضعه العادي مؤلفًا من قضايا ثلاث: اثنتان منها بمثابة المقدمات، والثالثة بمنزلة النتيجة، فاقتصر القرآن على الأولى والأخيرة، أما الوسطى وهي الاستدراك - أو الاستثنائية كما يسميها علماء المنطق - فقد طواها طيًّا.
٢ - وكانت المقدمة الأولى في وضعها الساذج تتألف من أربعة أطراف: تعجيل من الله في الخير وفي الشر، واستعجال من الناس كذلك، ولكن الكلام ها هنا ليس فيه إلا تعجيل واحد من الله، واستعجال واحد من الناس.
٣ - وكانت المقابلة في التشبيه بحسب الظاهر إنما هي بين تعجيل وتعجيل، أو بين استعجال واستعجال، فأدِير الكلامُ في الآية على وجهٍ غريب، وجعلت المشابهة بين تعجيل واستعجال.
وبعد هذا التصرف كله هل ترى كلامًا مبتورًا أو طريقا ملتويًا يتعثر فيه الفهم؟ أم ترى مغزى الآية لائحًا للعامة والخاصة، كالبدر ليس دونه سحاب؟
فارجع إلى طلب شيء من أسرار البيان، وقل: كيف جاء هذا الإشراق مع هذا الاختصار البليغ؟
стр. 215
نقول: (أما الأول) فإنه لم يدع تلك المقدِّمة المطويَّة إلا بعد أن رفع لها علمين من جانبيها يدلَّان على مكانها ويوحيان بها إلى النفس من وراء حجاب؛ فقد أقام عن يمينها كلمة (لو) الامتناعية (١) التي صدر بها المقدمة الأولى، دلالة على أنه لا يكون منه هذا التعجيل، وعن يسارها حرف التفريع الذي صدر به النتيجة في قوله: (فنذر) لكي ينم على أن لهذا الفرع أصلًا من جنسه يقال فيه: ولكن شأنه أن يذر الناس؛ فلذلك يذر هؤلاء.
ولما كانت الفاء وحدها ليست نصًّا في المطلوب؛ لأنها كما تكون للتفريع تكون لمجرد العطف - فربما اتصل القارئ عاطفًا بها على جزاء الشرط قبلها، من قبل أن يتبين له فساد المعنى لو عطف - لم يكتف بالفاء، بل عززها بقوتين أخريين، إذ حوَّل صيغة النتيجة من الماضي إلى المضارع، ثم من الغيبة إلى التكلم؛ ليكون هذا الانقطاع اللفظي بينها وبين ما قبلها إيذانًا بانقطاعها عنه معنًى، وإذنًا بالوقوف دونها، حتى لا تقع النفس لحظة ما في أدنى اضطراب أو لبس، ذلك إلى ما في هذا التحويل من الافتنان في الأسلوب تجديدًا لنشاط السامع، ومن إلقاء الرعب في القلوب بصدور نطق الوعيد والاستدراج على لسان الجبروت الملكي نفسه.
(أما الثاني) فإنه لمَّا حذف طرفين من الأطراف الأربعة لم يحذفهما من جنس واحد، بل أبقى من كل زوجين واحدًا هو نظير ما حذفه من صاحبه، لينبه بالمذكور على المحذوف، فكانت كلمة (التعجيل) منبهة على نظيرتها في المشبه به، وكلمة (الاستعجال) منبهة على مقابلتها في المشبه.
стр. 216
(أما الثالث) فإنه نبه به على معنى هو غاية في اللطف، وهو سرُّ الإمهال، وحكمة عدم التعجيل من الله، ذلك بأنه صور هذا التعجيل المفروض بصورة تشبه التماس الطالب وحرصه الشديد على إرضاء شهوته وسد حاجته الملحة التي تبعثه على استعجاله، ولا سيما إذا كان يطلب الخير لنفسه، كأنَّه قيل: إنه تعالى لو عجَّل لهم ذلك لكان مثله بهذا التعجيل كمثل هؤلاء المستعجلين، في استفزاز البواعث إياه، وحاشا لله.
هذا إلى تصرفات عجيبة أخرى:
[لطائف بيانية في آية سورة يونس]
(منها) أن كلمة (لو) بحسب وضعها وطبيعة معناها تتطلب أن يليها فعل ماض، ولكن المطلوب ها هنا ليس هو نفي المضي فحسب، بل بيان أن هذا الفعل خلاف سنة الله التي لن تجد لها تبديلًا، فلو أُدِّي المعنى على هذا الوضع لطال الكلام، ولقيل: (لو كان سنة الله المستمرة في خلقه أن يعجل .. الخ): فانظر كيف اختصر الكلام في لفظٍ واحد بإخراج الفعل في صورة المضارع الدال على التكرُّر والاستمرار، واكتفى بوضع (لو) قرينة على أن ما بعدها ماض في معناه، وهكذا أدى الغرضين جميعًا في رفق ولين.
(ومنها) أنه كان مقتضى التطابق بين الشرط والجواب أن يوضع الجواب عِدْلًا له فيقال: (لعجله)، ولكنه عدل إلى ما هو أفخم وأهول؛ إذ بين أنه لو عجل للناس الشر لعجل لهؤلاء منه نوعًا خاصًّا هم له أهل، وهو العذاب المستأصل الذي تُقضى به آجالهم.
(ومنها) أنه كان مقتضى الظاهر في تقرير النتيجة أن يقال: (فنذرهم) أو (فنذر هؤلاء) ولكنه قال: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ تحصيلًا لغرضين مهمين: أحدهما التنبيه على أن منشأ هذا الاستعجال منهم هو عدم إيمانهم بالبعث، والثاني: التنبيه على أن قاعدة الإمهال من الله قاعدة عامة لهم ولأمثالهم.
(ومنها غير ذلك … ).
قل لنا بربك: لو ظفرتَ في كلام البشر بواحدة من هذه التصرفات، ففي
стр. 217
أي أسلوب غير أسلوب القرآن تظفر بهذه المجموعة أو بما يدانيها، في هذا القدر أو في ضعفيه من الألفاظ؟
وإليك مثال آخر في المعنى نفسه:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ، أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥٠ - ٥١].
يقول الله تعالى: نبئوني عن حالكم إن جاءكم العذاب بغتة في ليل أو نهار ماذا أنتم يومئذ صانعون؟ إنكم هنالك بين أمرين: فإما الإصرار على ما أنتم عليه الآن من تكذيب واستعجال؛ وإما الإيمان.
فأيهما تختارون؟ (أتستعجلون) بالعذاب يومئذ كما تستعجلون به اليوم؟ كلَّا، فإنكم مجرمون، وكيف يتشوق المجرم لرؤية العذاب الذي إن جاء فهو لا محالة مُواقعه؟ ثم نبئوني أي نوع منه تستعجلون؟ فإنه ليس نوعًا واحدًا بل هو ألوان وفنون، (أم) أنتم اليوم تكذبون ثم إذا وقع بعد حين آمنتم به؟ ألا إنه لن ينفعكم يومئذ إيمانكم بعد أن ماطلتم وسوَّفتم حتى ضيعتم الفرصة وفاتكم وقت التدارك، بل هنالك يقال لكم تنديمًا وتحسيرًا: آلآن تؤمنون وقد كنتم به تكذبون وتستعجلون!!
هذا هو المعنى في ثوبه الطبيعي.
فانظر كم من كلمة وكم من جملة طويت في صدر الكلام وفي شِقَّيه؟ وكيف أنها حين طويت لم يُترك شيء منها إلا وقد جعل في اللفظ مصباح يكشف عنه ومفتاح يوصل إليه؟ فوضع استفهامين متقابلين في الكلام دل على أن هنالك استفهامًا جامعًا لهما مرددًا بينهما، يقال فيه:
ماذا تصنعون، وأي الطريقين تسلكون؟
والاستفهام عن الصنف المستعجل به من العذاب دل على استفهام تمهيدي قبله عن حصول أصل الاستعجال، وكلمة (المجرمون) دلت على استحالة هذا الشق من الترديد، وكلمة (ثم) العاطفة دلت على المعطوف عليه المطوي بينها وبين الهمزة، ولفظ الظرف (الآن) دل على عامله المقدر، وقس على ذلك سائر
стр. 218
المحذوفات .. حتى إن مَدَّة الاستفهام الداخلة على هذا الظرف قد دلت على طول مدة التسويف الذي منع من قبول إيمانهم؛ لأنهم عُمِّروا ما يتذكر فيه مَنْ تذكَّر.
فمن ذا الذي يستطيع أن يجري في هذا المضمار شَرَفًا أو شرفين ثم لا تضطرب أنفاسُه، ولا تكبو به ركائبُ البيان وأفراسُه؟
اللهم إنَّ من دون ذلك لَشُقَّةً بعيدة وسفرًا غير قاصد، وإنَّ في دون ذلك لحدًّا للإعجاز.
стр. 219
(٢)
القرآن في سورةٍ سورةٍ منه
(الكَثرَة) و (الوَحدَة):
[التأصيلُ لعلم الوحدة الموضوعيَّة عند المؤلِّف]
هذا الذي حدَّثناك عنه من عظمة الثروة المعنوية في أسلوب القرآن على وجازة لفظِه، يضاف إليه أمر آخر، هو زينة تلك الثروة وجمالها، ذلك هو تناسق أوضاعها، وائتلاف عناصرها، وأخذ بعضها بحجز بعض، حتى إنها لتنتظم منها وحدة محكَمَة لا انفصام لها.
وأنتَ قد تعرف أنَّ الكلام في الشأن الواحد إذا ساء نظمه انحلَّت وحدة معناه، فتفرق من أجزائها ما كان مجتمعًا، وانفصلَ ما كان متصلًا؛ كما تتبدد الصورة الواحدة على المرآة إذا لم يكن سطحها مستويًا، أليس الكلام هو مرآة المعنى؟ فلا بد إذًا لإبراز تلك الوحدة الطبيعية (المعنوية) من إحكام هذه الوحدة الفنية (البيانيَّة)، وذلك بتمام التقريب بين أجزاء البيان والتأليف بين عناصره؛ حتى تتماسك وتتعانق أشدَّ التماسك والتعانق.
وليس ذلك بالأمر الهين كما قد يظنُّه الجاهل بهذه الصناعة؛ بل هو مطلب كبير (يحتاج) مهارة وحذقًا ولطف حسٍّ في اختيار أحسن المواقع لتلك الأجزاء: أيها أحق أن يجعل أصلًا أو تكميلًا، وأيها أحق أن يبدأ به أو يختم أو يتبوأ مكانًا وسطًا؟ (ثم يحتاج) مثل ذلك في اختيار أحسن الطرق لمزجها بالإسناد، أو بالتعليق، أو بالعطف، أو بغيرها، هذا كله بعد التلطف في اختيار تلك
стр. 220
الأجزاء أنفسها، والاطمئنان على صلة كلٍ منها بروح المعنى، وأنها نقيَّة من الحشو، قليلة الاستطراد، وأن أطرافها وأوساطها تستوي في تراميها إلى الغرض، ويستوي هو في استهدافه لها، كما تستوي أبعاد نقط الدائرة بالقياس إلى المركز، ويستوي هو بالقياس إلى كل منها.
تلك حال المعنى الواحد الذي تتصل أجزاؤه فيما بينها اتصالًا طبيعيًّا.
فما ظنُّك بالمعاني المختلفة في جوهرها، المنفصلة بطبيعتها؟ كم من المهارة والحذق، بل كم من الاقتدار السحري يتطلبه التأليف بين أمزجتها الغريبة واتجاهاتها المتشعبة؟ حتى لا يكون الجمع بينها في الحديث كالجمع بين القلم والحذاء والمنشار والماء؛ بل حتى يكون لها مزاج واحد واتجاه واحد، وحتى يكون عن وحداتها الصغرى وحدة جامعة أخرى.
إنَّه من أجل عزَّة هذا المطلب نرى البلغاء وإن أحسنوا وأجادوا إلى حد مَا في غرض غرض، كان منهم الخطأ والإساءة في نظم تلك الأغراض كلًّا أو جلًّا.
(فالشعراء) حينما يجيئون في القصيدة الواحدة بمعان عدة، أكثر ما يجيئون بها أشتاتًا لا يلوي بعضها على بعض، وقليلًا ما يهتدون إلى حسن التخلص من الغرض إلى الغرض، كما في الانتقال من النسيب إلى المدح .. (والكتَّاب) ربما استعانوا على سد تلك الثغرات باستعمال أدوات التنبيه أو الحديث عن النفس؛ كقولهم: (ألا وإنَّ - هذا ولكن - بقي علينا - ولننتقل - نعود - قلنا - وسنقول).
هذا شأن الأغراض المختلفة إذا تناولها الكلام الواحد في المجلس الواحد. فكيف لو قد جيء بها في ظروف مختلفة وأزمان متطاولة؟ ألا تكون الصلة فيها أشد انقطاعًا، والهوة بينها أعظم اتساعًا؟
فإن كنت قد أعجبك من القرآن نظام تأليفه البياني في القطعة منه، حيث الموضوع واحد بطبيعته، فهلمَّ إلى النظر في السورة منه حيث الموضوعات شتى والظروف متفاوتة، لترى من هذا النظام ما هو أدخل في الإعجاب والإعجاز.
стр. 221
ألست تعلم أن ما امتاز به أسلوب القرآن من اجتناب سبيل الإطالة والتزام جانب الإيجاز - بقدر ما يتسع له جمال اللغة - قد جعله هو أكثر الكلام افتنانًا، نعني أكثره تناولًا لشؤون القول وأسرعه تنقلًا بينها (١)، من وصف، إلى قصص، إلى تشريع، إلى جدل، إلى ضروب شتى، بل جعل الفن الواحد منه يتشعب إلى فنون، والشأن الواحد فيه تنطوي تحته شؤون وشؤون.
стр. 222
[تنجيم القرآن على السنين ودلالته على الإعجاز]
أوَ لست تعلم أن القرآن - في جُلِّ أمره - ما كان ينزل بهذه المعاني المختلفة جملة واحدة، بل كان يتنزل بها آحادًا مفرقة على حسب الوقائع والدواعي المتجددة، وأن هذا الانفصال الزماني بينها؛ والاختلاف الذاتي بين دواعيها، كان بطبيعته مستتبعًا لانفصال الحديث عنها على ضرب من الاستقلال والاستئناف لا يدع بينها منزعًا للتواصل والترابط؟
ألم يكن هذان السببان قوتين متظاهرتين على تفكيك وحدة الكلام وتقطيع أوصاله إذا أريد نظم طائفة من تلك الأحاديث في سلك واحد تحت اسم سورة واحدة؟
خذ بيدك بضعة متون كاملة من الحديث النبوي كان التحديث بها في أوقات مختلفة، وتناولت أغراضًا متباينة؛ أو خذ من كلام من شئت من البلغاء بضعة أحاديث كذلك. وحاول أن تجيء بها سردًا لتجعل منها حديثًا واحدًا، من غير أن تزيد بينها شيئًا أو تنقص شيئًا، ثم انظر: كيف تتناكر معانيها وتتنافر مبانيها في الأسماع والأفهام! وكيف يبدو عليها من الترقيع والتلفيق والمفارقة ما لا يبدو على القول الواحد المسترسل!
العجيبة الثالثة الكبرى التي خرجت بهذا التأليف القرآني عن طبيعة التأليف الإنساني:
وسببٌ ثالث كان أجدر أن يزيد نظم السورة تفكيكًا ووحدتها تمزيقًا، ذلك هو الطريقة التي اتبعت في ضم نجوم القرآن بعضها إلى بعض، وفي تأليف وحدات السور من تلك النجوم، وإنها لطريقة طريفة سنريك فيها العجيبة الثالثة الكبرى التي خرجت بهذا التأليف القرآني عن طبيعة التأليف الإنساني، فتعالَ وانظر!.
انظر إلى الإنسان حين يزاول صناعة ما من صناعاته التركيبية، ألا تراه يبدأ عمله دائمًا بتعرف أجزاء المركب ومقوماته، والوقوف على عناصره ومتمماته، قبل أن يبت الحكم في تحديد موقع كل جزء منها؟ هاتان مرحلتان تتنزل الثانية منهما منزلة الصورة من مادتها، فلا جرمَ أن عكس القضية فيهما لا يكون إلا سيرًا
стр. 223
بالعقل البشري في غير سبيله، وإدلاجًا به في مزلة لا قرار للإقدام عليها، ولا هدى للسالك فيها، وهل رأيت أحدًا سلك هذه السبيل المؤتفكة، ثم استقام له الأمر عليها إلى نهايته (١)؟
بل انظر إلى الإنسان حين يأخذ في ترتيب أجزاء المركب بعد جمعها، ألا تراه خاضعًا لسنة السير الطبيعي التي يخضع لها كل سائر إلى غرض ما؛ حسي أو عقلي؟ فهو إن قطع سبيله خطوات لم يستطع أن يجتاز أخراها قبل أولاها، وإن صعد فيه درجات لم يستطع أن يؤخر أسفلها عن أعلاها.
تلك حدود رسمتها قوانين الفطرة العامة، فلا يستطيع أحد أن يتخطاها، سواء في صناعاته المادِّية أو المعنوية، فالبنَّاء والحائك والكاتب والشاعر في هذه الحدود سواء.
ونضرب لك مثلًا:
[مثلٌ في آية التنجيم للقرآن، ودلالته على المصدرية]
قدِّر في نفسك أن رجلًا نزل واديًا فسيحًا ليس عليه بنيان قائم، وليس به شيء من مواد البناء وأنقاضه، فما لبث أن أحسَّ برجفة أرضية أو عاصفة سماوية، وإذا قمة الجبل تنصدع قليلًا فتلقي بجانبه صخرًا أو بضعة صخور .. ثم تمضي فترة طويلة أو قصيرة، وإذا هزة ثانية أو ثالثة تلقي إليه شظيات من الحديد والحمم، أو نُثارات من الفضة والذهب .. أترى أن هذا الرجل أو أن أحدًا من
стр. 224
العقلاء يستطيع منذ اللحظات الأولى أن يضع تصميمه على إقامة مدينة جامعة من تلك المواد المتناثرة ومما عساه أن يجيء من أمثالها؟ وأن يبدأ بالعمل في مهمة التخطيط والبنيان؟ فما يدريه لعل هذه الظواهر لا تتكرر أمامه نزلة أخرى، ثم ما يدريه أنها إن عادت كم مرة تعود، وما نوع المادة التي تتساقط معها في كل مرة، وكم عدة القطع في كل مادة من هذه المواد، وكم عدة الأبنية التي يمكن إقامتها منها، وما النظام الهندسي الخاص بكل بناء: سعة وارتفاعًا ونقشًا وزخرفًا، وما ذرع الفضاء الذي ستشغله هذه الأبنية جملة؟ ..
في هذا الجو المملوء غموضًا وإبهامًا لا يجرؤ عاقل أن يغامر بتصميمه في بناء كوخ حقير، فضلًا عن بلد كبير، فضلًا عن أن يهب من فوره لإنفاذ عزمه فيمضي في مهمة البناء منذ وصلت إليه تلك اللبنات الأولى.
ولئن افترضت إنسانًا غامر هذه المغامرة، وأن المقادير سارعت في هواه، وأسعفته بما شاء من مواد البناء الذي تخيله وتمناه، أتراه يعمد إلى مخاطرة أخرى؛ فيتخذ له في البناء أسلوبًا يُراغِم به قانون الطبيعة، بأن يؤلي على نفسه ألا يدع لَبِنة تصل إلى يديه إلا أنزلها - في ساعة وصولها - منزلها الخليق بها حيث كان؟ ذلك على حين أن تلك اللبنات لم تتساقط إليه متجانسة مرتبة على ترتيبها في وضعها المنتظر، بل جعلت تتناثر خفافًا وثقالًا، مختلفًا ألوانها وأحجامها وعناصرها وطاقاتها، فربما وقعت له الزخارف والشرفات، قبل أن تقع له بعض القواعد والسافات (١)، وربما وقعت له على التوالي أجزاء ناقصة لتوضع في أماكن متفرقة من أبنية متنائية، أفلا تراه إن ذهب يضع كل جزء ساعة نزوله في موضعه المعين لم يجد مناصًا من أن يبدد أجزاء البناء هنا وهنا على أبعاد غير متساوية ولا متناسبة، فيقارب بينها طورًا ويباعد طورًا، ويعلو بها تارة وينزل تارة أخرى، حتى لقد يبني أعلى البيت قبل أسفله، ويمسك المحمول معلقًا بدون حامله.
فكيف يطيق بشرٌ كائنًا من كان أن يضطلع بهذه المهمة؟ ثم كيف يمضي قدمًا في هذا الأمر إلى نهايته، فلا يعود إلى جزء ما ليزيله عن موضعه الذي أحله
стр. 225
فيه أول مرة، أو ليلتجئ فيه إلى كسر أو نحت أو حشو أو دعامة؟ ثم كيف تكون عاقبة أمره أنه في الوقت الذي يضع فيه آخر لبنة على هذا المنهاج يرفع يده عن مدينة منسقة ليس فيها قصر ولا غرفة ولا لبنة ولا جزء صغير ولا كبير إلا وقد نزل منزله الرصين الذي يرتضيه ذوق الفن، حتى لو تبدل واحد منها مكان غيره لاختل البنيان أو ساء النظام؟ أليس ذلك إن وقع يكون تحديًا للقدرة البشرية جمعاء؟
[تنزيل المثل على القرآن]
ألا فقد وقع مصداق هذا المثل في مسألتنا، إليك البيان:
(أمَّا) الرجل فهو هذا النبيُّ الأمِّي صلوات الله عليه.
(وأمَّا) المدينة الجامعة التي شرع في بنائها منذ وقعت له لبناتها الأولى فذلك الكتاب العزيز الذي أخذ هو منذ وصلت إليه باكورة رسائله يرتب أجزاءه ترتيب الواثق المطمئن إلى أنه سيكون له منها ديوان تام جامع.
(وأمَّا) القصور، والغرفات، واللبنات، فهي أجزاء هذا الديوان: من السور، والنجوم، والآيات.
(وأمَّا) تلك العوامل الفجائية التي جعلت تستنزل من مختلف معادن الجبال ما ركبت منه هذه القصور المشيدة فتلك هي الأحداث الكونية والاجتماعية، والمشاكل الدينية والدنيوية التي كانت تعترض الناس آنًا بعد آن في شؤونهم العامَّة والخاصَّة، فكان يتقدم بها المؤمن منهم مستفتيًا ومسترشدًا، والمكذب مستشكلًا ومجادلًا، وكان على وفق ذلك يتنزل الكلام نجمًا فنجمًا، بمعان تختلف باختلاف تلك المناسبات والبواعث، وبمقادير تتفاوت قلة وكثرة، وعلى طرق تتنوع لينًا وشدة .. ومن هذه النجوم المختلفة المتفرقة صارت تتألف تلك المجاميع المسماة بالسور، لا على أساس التجانس بين أجزاء كل مجموعة منها، بل على أن يأوي إلى الحظيرة الواحدة ما شئت من فصائل الجنس الواحد والأجناس المتخالفة.
(وأمَّا) الطريق العجب الذي اتبع في تأليف تلك الأبنية من أجزائها - وهو السبب الثالث الذي رفع المسألة من حد العسر إلى حدِّ الإحالة - فهو أن ذلك الذي نزل عليه الذكر لم يتربص بترتيب نجومه حتى كملت نزولًا، بل لم يتريث
стр. 226
بتأليف سورة واحدة منه حتى تمت فصولًا، بل كان كلما ألقيت إليه آية أو آيات أمر بوضعها من فوره في مكان مرتب من سورة معينة. على حين أن هذه الآيات والسور لم تتخذ في ورودها التنزيلي سبيلها الذي اتبعته في وضعها الترتيبي؛ فكم من سورة نزلت جميعًا أو أشتاتًا في الفترات بين النجوم من سورة أخرى، وكم من آية في السورة الواحدة تقدمت فيها نزولًا وتأخرت ترتيبًا، وكم من آية على عكس ذلك.
نعم، لقد كان للنجوم القرآنية في تنزيلها وترتيبها ظاهرتان مختلفتان، وسبيلان قلَّما يلتقيان، ولقد خلص لنا من بين اختلافهما أكبر العبر في أمر هذا النظم القرآني.
فلو أنك نظرت إلى هذه النجوم عند تنزيلها، ونظرت إلى ما مهد لها من أسبابها، فرأيت كل نجم رهينًا بنزول حاجة ملمة، أو حدوث سبب عام أو خاص، إذًا لرأيت في كل واحد منها ذكرًا مُحدثًا لوقته، وقولًا مرتجلًا عند باعثته، لم يتقدم للنفس شعور به قبل حدوث سببه. ولرأيت فيه كذلك كلًّا قائمًا بنفسه لا يترسم نظامًا معينًا يجمعه وغيره في نسق واحد.
ولو أنك نظرت إليها في الوقت نفسه فرأيتها وقد أُعدَّ لكل نجم منها ساعة نزوله سياج خاص يأوي إليه سابقًا أو لاحقًا؛ وحدد له مكان معين في داخل ذلك السياج متقدمًا أو متأخرًا (١) إذًا لرأيتَ من خلال هذا التوزيع الفوري المحدود أن هنالك خطة تفصيلية شاملة قد رسمت فيها مواقع النجوم كلها من قبل نزولها، بل من قبل أن تخلق أسبابها، بل من قبل أن تبدأ الأطوار الممهدة لحدوث أسبابها، وأن هذه الخطة التي رسمت على أدق الحدود والتفاصيل قد أبرمت بآكد العزم والتصميم: فما من نجم وضع في سورة ما ثم جاوزها إلى غيرها، وما من
стр. 227
نجم جعل في مكان من السورة آخرًا أو أولًا، ثم وجد عنه أبد الدهر مصرفًا ولا متحوَّلًا.
وهنا تقف موقف الحيرة في أمرك، وتكاد تنكر ما تحت سمعك وبصرك، ثم ترجع إلى نفسك تسائلها عن وجه الجمع بين ما رأيت وما ترى: أليس هذا التنزيل قد سمعته الآن جديدًا وليد يومه، ووحيدًا رهين سببه؛ فما لي أراه ليس جديدًا ولا وحيدًا؟ لكأني به وبالقرآن كله كان ظاهرًا على قلب هذا الرجل قبل ظهوره على لسانه، وكان على هذه الصورة مؤلفًا في صدره قبل أن يؤلفه ببيانه. وإلا فما باله يؤلف هذا التأليف بين آحاد لا تتداعى إلى الاجتماع بطبائعها؟ لماذا لم يذرها كما جاءت فرادى منثورة؟ وهلا إذ أراد جمعها أدخلها كلها في مجموعة واحدة؟ أو هلا قسمها إلى مجاميع متساوية أو متجانسة؟ ترى على أية قاعدة بني توزيعها وتحديد أوضاعها هكذا قبل تمامها أو تمام طائفة منها؟ هل عسى أن تكون هذه الأوضاع كلها جارية على محض المصادفة والاتفاق؟ كلَّا، فقد ظهر في كل وضع منها أنه مقصود إليه بعينه، كما ظهر القصد في كل طائفة أن تنتظم منها وحدة محدودة ذات ترتيب ومقدار بعينه .. أم هل عسى أن تكون هذه الأوضاع - وإن قصدت - ليست وليدة تقدير سابق، وإنما هي تجربة اختبارية أثمرتها فكرة وقتية؟ كلَّا، فإن واضعها حين وضعها قد ضربها ضربة لازب، ثم لم يكر عليها بتبديل ولا تحويل، فعلام إذًا بنى ذلك القصد وهذا التصميم؟
ولن يكون الجواب الذي تسمعه من نفسك لو أصاخت إلى بديهة العقل إلا أن تقول:
إنَّه لا يجرؤ في قرارة الغيب على وضع هذه الخطة المفصلة المصممة إلا أحد اثنين:
جاهل جاهل في حضيض الجهل.
أو عالم عالم فوق أطوار العقل.
لا ثالث.
стр. 228
(فأمَّا) إن كان فرغ من نظام تأليفها وصورة تركيبها من قبل أن يستحكم له العلم بأسباب ذلك ومقاصده وأدباره وعواقبه، وإنما بنى أمره على الظن والتحسس وعلى التخيل والتمني، فذلك امرؤ بلغت به الجرأة على نفسه أن أعلن ملك ما لا يملكه وادعى علم ما ستكشف الأيام عن جهله، وما عليك إلا أن تتربص به قليلًا لترى بطلان أمره وفساد صنعته، فهيهات أن يلد الجهل نظامًا جاريًا، وإحكامًا باقيًا.
(وأمَّا) إن كان قد فصلها على علم وبصر، وأعطى كل جزء منها موقعه بميزان وقدر، فلا ريب أن سيكون نظامها مثال الإتقان وآية الجمال، ولكن واضعها إذًا لا يمكن أن يكون هو هذا الإنسان؛ إلا أن يكون قد استمدها من أفق أعلى من أفق نفسه ومحيط أوسع من محيط علمه؛ إذ أنى للإنسان وهو هذا المحكوم بطبيعة الدهر أن يكون عليها متحكمًا؟ أم كيف يتهيأ له وهو في جهله العتيد بمقدمات عمله أن يكون بنتائجها التفصيلية عالمًا؟ أفيكون بالشيء الواحد جاهلًا وعالمًا معًا؟ أم يكون من وجه واحد حاكمًا ومحكومًا معًا؟
وهل رأيت أو سمعت أن أحدًا من الكتاب أو الشعراء استطاع في مفتتح حياته الأدبية أن يحصي كل ما سيجيء على لسانه من جيد الشعر أو النثر في المناسبات المتنوعة إلى آخر عهده بالدنيا، وأن يضع من أول يوم منهاجًا لديوانه المنتظر، يفصِّله تفصيلًا لا يقنع فيه بتقدير أبوابه وفصوله حتى يقدر لكل باب عدة ما يحويه من خطاب أو قصيد، ويحدد لكل واحد من هذين مكانًا معلومًا لا يستقدم عنه ولا يستأخر، حتى إذا جاء عند داعيته رده إلى مكانه غير متلبث ولا متوقف، ثم ينجح في هذه التجربة نجاحًا مطردًا تنفذ فيه أحكامه وتتحقق به أحلامه، فيستقيم له النسق بين هذه المقطوعات كلها، من غير أن يقدم فيها شيئًا أو يؤخر شيئًا، ومن غير أن يزيد بينها أو ينقص شيئًا.
(لعمري) لئن صح هذا الفرض في أحد من البشر لصح مثله في نبي القرآن ﷺ ولكن الإنسان هو الإنسان، ومن لم يحط علمًا بما سيعترضه في دهره من بواعث القول وفنونه فهو عن الإحاطة بنصوص هذا القول أبعد، وهو عن الإحاطة بمراتب هذه النصوص أشد بعدًا، بل الإنسان حين تحفزه
стр. 229
باعثة القول وترد إليه سانحته لا يعدو فيها إحدى خطتين: فهو (إما) أن يدعها كما هي سانحة منعزلة، وكذلك يفعل في أمثالها، حتى إذا بلغ الغاية رجع أدراجه فأخذ فيها جمعًا وتفريقًا، وتبويبًا وترتيبًا.
(وإما) أن يأخذ في ضم هذه النصوص ولاءً على وفق ورودها الأول فالأول.
أما الثالثة وهي أن يجعلها هكذا (عزين)، ولا يزال يظاهرها من قريب وبعيد، عن أيمانها وعن شمائلها وفي خلالها، بهذه الطريقة المحددة، وبهذه الطريقة المشتتة المعقدة، على أن يجعل المكان الذي أحل كل سانحة فيه مكانًا مسجلًا لا تحول عنه ولا تزول، ثم يطمع أن يخرج له بتلك الصنعة ديوان كامل التقسيم والتبويب، جيد التنسيق والترتيب، مترابط متماسك في جملته وتفصيله، كلمة كلمة وحرفًا حرفًا، فتلك أمنية لا يظفر المرء منها إلا بعكس ما تمنى.
ها أنت ذا قد عرفت نهج التأليف الإنساني في صنعة البيان وغير البيان، ورأيت بُعْدَ ما بينه وبين نهج التأليف في نجوم القرآن، وعرفت ماذا كان يجب أن يحدث في النظم القرآني من جراء هذا النهج العجيب، في أسباب ثلاثة (١) من شأنها ألا يستقيم بها للكلام طبع، ولا يلتئم له معها شمل.
فانظر الآن هل استطاعت هذه الأسباب على تضافرها أن تنال شيئًا من استقامة النظم في السور المؤلفة على هذا النهج؟
أما العرب الذين تحداهم القرآن بسورة منه فلقد علمت لو أنهم وجدوا في نظم سورة منها مطمعًا لطامع، بله مغمزًا لغامز، لكان لهم معه شأن غير شأنهم، وهم هم.
وأما البلغاء من بعدهم فما زلنا نسمعهم يضربون الأمثال في جودة السبك وإحكام السرد بهذا القرآن حين ينتقل من فن إلى فن.
стр. 230
وأما أنت فأقبل بنفسك على تدبر هذا النظم الكريم لتعرف بأي يد وضع بنيانه؟ وعلى أي عين صنع نظامه؟ حتى كان كما وصفه الله ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨].
[النظم القرآني في سوره، ومجموعه] اعمد إلى سورة من تلك السور التي تتناول أكثر من معنى واحد وما أكثرها في القرآن، فهي جمهرته - وتنقل بفكرتك معها مرحلة مرحلة، ثم ارجع البصر كرتين: كيف بُدِئَت؟ وكيف خُتِمَت؟ وكيف تقابلت أوضاعها وتعادلت؟ وكيف تلاقت أركانها وتعانقت؟ وكيف ازدوجت مقدماتها بنتائجها ووطَّئت أولاها لأخراها؟
وأنا لك زعيم بأنك لن تجد البتة في نظام معانيها أو مبانيها ما تعرف به أكانت هذه السورة قد نزلت في نجم واحد أم في نجوم شتى.
ولسوف تحسب أن السبع الطوال (١) من سور القرآن قد نزلت كل واحدة منها دفعة، حتى يحدثك التاريخ أنها كلها أو جلها (٢) قد نزلت نجومًا.
أو لتقولن: إنها إن كانت بعد تنزيلها قد جمعت عن تفريق فلقد كانت في تنزيلها مفرقة عن جمع؛ كمثل بنيان كان قائمًا على قواعده فلما أريد نقله بصورته إلى غير مكانه قدرت أبعاده ورقمت لبناته، ثم فرق أنقاضًا فلم تلبث كل لبنة منه أن عرفت مكانها المرقوم، وإذا البنيان قد عاد مرصوصًا يشد بعضه بعضًا كهيئته أول مرة.
أجل، إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجَّمة يحسبها الجاهل أضغاثًا من المعاني حشيت حشوًا، وأوزاعًا من المباني جمعت عفوًا؛ فإذا هي - لو تَدبَّرتَ -
стр. 231
بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول؛ فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة واحدة، لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضامِّ والالتحام. كل ذلك بغير تكلفة ولا استعانة بأمر من خارج المعاني أنفسها، وإنما هو حسن السياقة ولطف التمهيد في مطلع كل غرض ومقطعه وأثنائه، يريك المنفصل متصلًا، والمختلف مؤتلفًا.
ولماذا نقول: إن هذه المعاني تنتسق في السورة كما تنتسق الحُجُرات في البينان؟ لا، بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان، فبين كل قطعة وجارتها رباط موضعي من أنفسهما، كما يلتقي العظمان عند المفصل ومن فوقهما تمتد شبكة من الوشائج (١) تحيط بهما عن كثب، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعصاب؛ ومن وراء ذلك كله يسري في جملة السورة اتجاه معين، وتؤدي بمجموعها غرضًا خاصًّا، كما يأخذ الجسم قوامًا واحدًا، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد، مع اختلاف وظائفه العضوية.
فيا ليت شعري: إذا كانت كافة الأجزاء والعناصر التي تتألف منها وحدة السور منوطة بأسباب لم تكن كلها واقعة ولا متوقعة، وكان لا بد لتمام هذه الوحدة من وقوع تلك الأسباب كلها في عصر نزول القرآن ليتناولها ببيانه، فما الذي أخضع دورة الفلك لنظام هذه الوحدات وجعل هذه النوازل تتوارد بأسرها في إبان التنزيل؟ لماذا لم يتفق في حادثة واحدة منها أن تخلفت عن عالم الوجود يومئذ لينخرم هذا النظام، فتجيء سورة من السور مبتورة في مفتتحها أو في مختتمها أو فيما بين ذلك؟ أليس مطاوعة تلك الأحداث الكونية ومعاونتها بدقة
стр. 232
دائمًا لنظام هذه الوحدات البيانية، شاهدًا واضحًا على أن هذا القول وذاك الفعل كانا يجيئان من طريق واحدة، وأن الذي صدرت هذه الكلمات عن علمه، هو نفسه الذي صدرت تلك الكائنات عن مشيئته (١)؟
بل ليت شعري لو أن هذا الإنسان الغريب الذي جاء القرآن على لسانه كان قد أحصى ما سوف يلده الزمان من مفاجآت الحوادث المستقبلة صغيرة وكبيرة في مدى دهره، ثم قدر ما سوف تتطلبه تلك النوازل من تعاليم الفرقان، فما علمه بالنظام البياني الذي ستوضع عليه صيغة تلك التعاليم؟ ثم ما علمه أي هذه التعاليم سيكون قرينة لهذا الجزء أو ذاك؛ ليتأهَّب لتلك القرائن قبل ورودها فيودع في كل جزء ساعة نزوله عروة لائقة بقرينته المعينة، حتى إذا قدمت استمسكت بعروتها فازدوجت بقرينها ذلك الازدواج المحكم؟ ولماذا حين وردت كل قرينة وجدت من قرينها جارًا لا يجور ولا يجار عليه، ووجدت بجانبه المكان الذي ينتظرها، لا ضيقًا فيزاحمها ويتبرم بها، ولا واسعًا فتنقطع الصلة بينهما، بل وجدته مقدرًا بمقدارها، حتى لا حاجة إلى الاستدراك على الماضي بمحو حرف، ولا بزيادة حرف، ولا بتبديل وضع، وحتى لا مجال هنا لقول: (ليت .. ) ولا (لو إن .. ).
بل كيف عرف كل جزء من هذه الأجزاء أين مجموعته، وأين مستقره بينها في رأس أو صدر أو طرف: من قبل أن تتبين سائر الآحاد والفصائل .. حتى إذا تم توزيع تلك الأجزاء المتفرقة، والأشلاء الممزقة، إذا الستار يرتفع في كل سورة عن دمية حسناء كاملة الأعضاء متناسقة الحلي؟
أيُّ تدبير محكم، وأي تقدير مبرم، وأي علم محيط لا يضل ولا ينسى، ولا يتردد ولا يتمكث؛ كان قد أعد لهذه المواد المبعثرة نظامها، وهداها في إبَّان تشتتها إلى ما قدره لها، حتى صيغ منها ذلك العقد النظيم، وسرى بينها هذا المزاج العجيب؟
стр. 233
سبحان الله! هل يمتري عاقل في أن هذا العلم البشري؛ وأن هذا الرأي الأُنُف البدائي (١) الذي يقول في الشيء: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لقلت أو فعلت، ولقدَّمت أو أخرت) لم يك أهلًا لأن يتقدم الزمان ويسبق الحوادث بعجيب هذا التدبير؟ أليس ذلك وحده آية بينة على أن هذا النظم القرآني ليس من وضع بشر، وإنما هو صنع العليم الخبير؟ بلى؛ ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
[مثال على الوحدة الموضوعية في السور القرآنية = سورة البقرة]
أمَّا إن طلبت شاهدًا من العيان على صحة ما أصلناه في هذا الفصل من نظام الوحدات في السور على كثرة أسباب اختلافها، وأما إن أحببت أن نريك نموذجًا من السور المنجمعة كيف التأمت منها سلسلة واحدة من الفكر تتلاحق فيها الفصول والحلقات، ونسق واحد من البيان تتعانق فيه الجمل والكلمات، فأي شيء أكبر شهادة وأصدق مثالًا من سورة نعرضها عليك هي أطول سور القرآن كافة، وهي أكثرها جمعًا للمعاني المختلفة، وهي أكثرها في التنزيل نجومًا، وهي أبعدها في هذا التنجيم تراخيًا.
تلك هي سورة البقرة التي جمعت بضعًا وثمانين ومائتي آية، وحوت فيما وصل إلينا من أسباب نزولها نيفًا وثمانين نجمًا، وكانت الفترات بين نجومها تسع سنين عددًا (٢).
واعلم أنه ليس من همنا الآن أن نكشف لك عن جملة الوشائج اللفظية والمعنوية التي تربط أجزاء هذه السورة الكريمة بعضها ببعض، فتلك دراسة تفصيلية لها محلها من كتب التفسير.
ذلك ولو نشاء لأريناك في القطعة الواحدة منها أسبابًا ممدودة عن أيمانها
стр. 234
وعن شمائلها تمتُّ بها إلى الجار ذي القربى والجار الجنب، في شبكة من العلائق يحار الناظر إلى خيوطها، مع أيها يتجه؟ ولا يدري أيها هو الذي قُصد بالقصد الأول.
وإنما نريد أن نعرض عليك السورة عرضًا واحدًا نرسم به خط سيرها إلى غايتها، ونبرز به وحدة نظامها المعنوي في جملتها، لكي ترى في ضوء هذا البيان كيف وقعت كل حلقة موقعها من تلك السلسلة العظمى.
* * *
[السياسة الرشيدة في دراسة النسق القرآني]
بيد أننا قبل أن نأخذ فيما قصدنا إليه نحب أن نقول (كلمة) ساق الحديث إليها: وهي أنَّ السياسة الرشيدة في دراسة النسق القرآني تقضي بأن يكون هذا النحو من الدرس هو الخطوة الأولى فيه، فلا يتقدم الناظر إلى البحث في الصلات الموضعية بين جزءٍ جزءٍ منه - وهي تلك الصلات المبثوثة في مثاني الآيات ومطالعها ومقاطعها - إلا بعد أن يحكم النظر في السورة كلها بإحصاء أجزائها وضبط مقاصدها على وجه يكون معوانًا له على السير في تلك التفاصيل عن بينة؛ فقديمًا قال الأئمة (١): (إنَّ السورة مهما تعددت قضاياها فهي كلام واحد يتعلق آخره بأوله، وأوله بآخره، ويترامى بجملته إلى غرض واحد، كما تتعلق الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة. وإنَّه لا غنى لمتفهم نظم السورة عن استيفاء النظر في جميعها، كما لا غنى عن ذلك في أجزاء القضية).
[من الأخطاء الواقعة في دراسة المناسبات بين الآيات]
وبهذا تعرف مبلغ الخطأ الذي يتعرض له الناظرون في المناسبات بين الآيات حين يعكفون على بحث تلك الصلات الجزئية بينها بنظر قريب إلى القضيتين أو القضايا المتجاورة، غاضين أبصارهم عن هذا النظام الكلي الذي وضعت عليه السورة في جملتها، فكم يجلب هذا النظر القاصر لصاحبه من جور
стр. 235
عن القصد، وكم ينأى به عن أروع نواحي الجمال في النظم؛ وهل يكون مثله في ذلك إلا كمثل امرئ عرضت عليه حلة موشية دقيقة الوشي ليتأمل نقوشها فجعل ينظر فيها خيطًا خيطًا ورقعة رقعة، لا يجاوز ببصره موضع كفه، فلما رآها يتجاور فيها الخيط الأبيض والخيط الأسود وخيوط أخر مختلف ألوانها اختلافًا قريبًا أو بعيدًا لم يجد فيها من حسن الجوار بين اللون واللون ما يروقه ويونقه.
ولكنه لو مدَّ بصره أبعد من ذلك إلى طرائف من نقوشها لرأى من حسن التشاكل بين الجملة والجملة، ما لم يره بين الواحد والواحد، ولتبين له من موقع كل لون في مجموعته بإزاء كل لون في المجموعة الأخرى ما لم يتبين له من قبل، حتى إذا ألقى على الحلة كلها نظرة جامعة تنتظم أطرافها وأوساطها بدا له من تناسق أشكالها ودقة صنعتها ما هو أبهى وأبهر، فكذلك ينبغي أن يصنع الناظر في تدبره لنظم السورة من سور القرآن.
[مهمات عن البحث في النسق القرآني]
(وكلمة أخرى) تمسُّ إليها حاجة الباحث في النسق إذا أقبل على تلك المناسبات الموضعية بين أجزاء السورة: وهي أن يعلم أن الصلة بين الجزء والجزء لا تعني اتحادهما أو تماثلهما أو تداخلهما أو ما إلى ذلك من الصلات الجنسية وحسب، كما ظنَّه بعض الباحثين في المناسبات، فجعل فريق منهم يذهب في محاولة هذا النوع من الاتصال مذاهب من التكلف والتعسف، وفريق آخر متى لم يجد هذه الصلة من وجه قريب أسرع إلى القول بأن في الموضع (١) اقتضابًا محضًا؛ جريًا على عادة العرب في الاقتضاب.
стр. 236
ألا إن هذا الرأي بشعبتيه لأوغل في الخطأ من سابقه (١)، وإن الأخذ به على علاته في القرآن لغفلة شديدة عن مستوى البلاغة التي تميز بها القرآن عن سائر الكلام.
فلو أن ذاهبًا ذهب يمحو تلك الفوارق الطبيعية بين المعاني المختلفة التي ينتظمها القرآن في سورة منه إذًا لجرده من أولى خصائصه، وهي أنه لا يسترسل في الحديث عن الجنس الواحد استرسالًا يرده إلى الإطالة المملة، كيف وهو الحديث الذي لا يمل؟
ولو أنه - من أجل المحافظة على استقلال هذه المعاني - ذهب يفرقها، ويقطع أرحامها، ويزيل التداعي المعنوي والنظمي من بينها، إذًا لجرده من خاصته الأخرى، وهي أنه لا ينتقل في حديثه انتقالًا طفريًّا يخرجه إلى حد المفارقات الصبيانية التي تجمع شتى الأحاديث على غير نظام، والتي لا تدع نفس السامع تستشرف إلى اختتام كلام وافتتاح كلام، كيف وهو القول الرصين المحكم؟
كلَّا، بل الحديث فيه كما علمت ذو شجون، ولكنه حين يجمع الأجناس المختلفة لا يدعها حتى يبرزها في صورة مؤتلفة، وحتى يجعل من اختلافها نفسه قوامًا لائتلافها، وهذا التأليف بين المختلفات ما زال هو (العقدة) التي يطلب حلها في كل فن وصنعة جميلة، وهو المقياس الدقيق الذي تقاس به مراتب البراعة ودقة الذوق في تلك الفنون والصناعات، فإن تقويم النسق وتعديل المزاج بين الألوان والعناصر الكثيرة أصعب مراسًا وأشد عناءً منه في أجزاء اللون الواحد والعنصر الواحد.
وعلى هذه القاعدة ترى القرآن يعمد تارة إلى الأضداد يجاور بينها، فيخرج بذلك محاسنها ومساويها في أجلى مظاهرها، ويعمد تارة أخرى إلى الأمور المختلفة في أنفسها من غير تضاد فيجعلها تتعاون في أحكامها بسوق بعضها إلى
стр. 237
بعض مساق التنظير أو التفريع، أو الاستشهاد أو الاستنباط، أو التكميل أو الاحتراس، إلى غير ذلك.
وربما جعل اقتران معنيين في الوقوع التاريخي، أو تجاور شيئين في الوضع المكاني، دعامة لاقترانهما في النظم، فيحسبه الجاهل بأسباب النزول وطبيعة المكان خروجًا وما هو بخروج، وإنما هو إجابة لحاجات النفوس التي تتداعى فيها تلك المعاني.
فإن لم يكن بين المعنيين نسب ولا صهر بوجه من هذه الوجوه ونحوها، رأيته يتلطف في الانتقال من أحدهما إلى الآخر إما بحسن التخلص والتمهيد، وإما بإمالة الصيغ التركيبية على وضع (١) يتلاقى فيه المتباعدان، ويتصافح به المتناكران.
стр. 238
وهذه كلها وجوهٌ حسنة لو نظر إليها بين آحاد المعاني لأغنى بعضها عن بعض في إقامة النسق.
على أن روعة النظم القرآني كما علمت لا تقوم دائمًا على حسن التجاور بين الآحاد، بل ربما تراه قد أتم طائفة من المعاني ثم عاد إلى طائفة أخرى تقابلها، فيكون حسن الموقع في التجاور بين الطائفتين موجبًا لحسن المقابلة بين الأوائل من كل منهما، أو بين الأواخر كذلك لا بين الأول من هذه والآخر من تلك.
وملاك الأمر في ذلك أن تنظر إلى النظام المجموعي الذي وضعت عليه السورة كلها كما وصيناك به من قبل. ونحن ذاكرون لك الآن نموذجًا منه لو وضعته نصب عينيك واحتذيته في سائر السور لكان ذلك نعم الدليل في دراستك.
وبالله التوفيق.
[نظام عقد المعاني في سورة البقرة]
اعلم أنَّ هذه السورة على طولها تتألف وحدتها من: مقدمة، وأربعة مقاصد، وخاتمة، على هذا الترتيب:
(المقدمة) في التعريف بشأن هذا القرآن (١)، وبيان أن ما فيه من الهداية قد بلغ حدًّا من الوضوح لا يتردد فيه ذو قلب سليم، وإنما يعرض عنه من لا قلب له، أو من كان في قلبه مرض.
(المقصد الأول) في دعوة الناس كافَّة إلى اعتناق الإسلام.
(المقصد الثاني) في دعوة أهل الكتاب دعوة خاصة إلى ترك باطلهم والدخول في هذا الدين الحق.
(المقصد الثالث) في عرض شرائع هذا الدين تفصيلًا.
(المقصد الرابع) ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على ملازمة تلك الشرائع ويعصم عن مخالفتها.
стр. 239
(الخاتمة) في التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة لتلك المقاصد وبيان ما يرجى لهم في آجلِهم وعاجلِهم.
стр. 240
رغبتنا إليك أيها القاريء الكريم حين تدرس معنا تفاصيل هذا النسق أن تستظهر بالمصحف بين يديك لتكون من الموقنين بصحة ما نشير إليه في كل خطوة (١).
المقدمة في عشرين آية (١ - ٢٠)
[الأحرف المقطعة]
(١) بدأت السورة الكريمة بثلاثة أحرف مقطعة لا عهد للعرب بتصدير مثلها في الإنشاء والإنشاد؛ وإنما عهدوها من القراء الكاتبين في بدء تعليمهم التهجي للناشئين (أ. ل. م).
ومهما يكن من أمر المعنى الذي قصد إليه بهذه الأحرف، والسر الذي وضعت هنا من أجله، فإن تقديمها بين يدي الخطاب مع غرابة نظمها وموقعها من شأنه أن يوقظ الأسماع ويوجه القلوب لما يلي هذا الأسلوب الغريب.
[الحديث عن القرآن]
(٢) وألحقت بهذه الأحرف الثلاثة جمل ثلاث:
أما أُولَاهن فإعلان للسامع أن ما سيتلى عليه الآن هو خير كتاب أخرج للناس، وأنه ليس في الوجود ما يصلح أن يسمى كتابًا بالقياس إليه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢].
وأما الأخريان فيدعمان هذا الحكم بالحجة والبرهان، أليس تفاضل الكتب إنما هو بمقياس ما تحويه من حق لا يشوبه باطل، أو ليس كمال هذا الحق أن يكون نيرًا لا يثير شبهة، أو ليس أكمل الكمال بعد هذا وذاك أن يكون ذلك الحق مما تمس إليه حاجة الناس في إنارة السبيل وإقامة الدليل إذا ما اشتبهت عليهم السبل وتفرقت المسالك، فذلكم القرآن هو جماع هذه الفضائل الثلاث: فهو الحق المحض الذي لا باطل فيه، بل هو الحق اللائح الذي لا شبهة باطل فيه،
стр. 241
ثم هو بعد ذلك الهدى المبين الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ٢].
هكذا كان موقع هذه الجمل الثلاث بعد تلك الأحرف الثلاثة موقع التنويه بالمقصود بعد التنبيه إليه.
وكذلك المربي الصالح (يبدأ) خطابه الجليل الشأن باستنصات الناس واسترعاء أسماعهم (ويثنِّي) باتخاذ الوسائل المشوقة التي تثير فيهم بواعث الإقبال على طلب الاستفادة.
[أثر القرآن]
(٣) أولُ ما تتشوف إليه النفس بعد سماع هذا الوصف البليغ للقرآن وهدايته هو تعرف الأثر الذي سيحدثه في الناس ومقدار إجابتهم لدعوته، فمسَّت الحاجة إلى أن ينساق الحديث لبيان هذه الحقيقة العجيبة، وهي انقسام الناس في شأنه إلى فئات ثلاث: فئة تؤمن به، وأخرى كافرة، وثالثة مترددة حائرة، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
فكيف ترى ينتقل من الحديث عن الكتاب إلى الحديث عن الناس؟ أيجعل الحديث عنهم حديثًا مؤتنفًا ائتنافًا بحتًا؟ .. أم يسوقه مساق الاستدراك على ما قبله؟ ..
شيء من ذلك لم يكن، ولكن انظر إليه وقد مزج الحديثين مزجًا عجيبًا يدع أدقَّ الناس فطنة لتصريف وجوه القول لا يفطن لما حدث بينهما من الانتقال، ذلك أنَّه في أول الأمر لم يعرض لذكر الطائفتين الأخيرتين، بل أعرض عنهما، كأن القرآن لم ينزل من أجلهما، ثم عمد إلى الطائفة الأولى فجعل الحديث عنها من تمام الحديث عن هداية القرآن نفسه قائلًا: إنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢ - ٣] فكانت هذه (اللام الجارة) هي المعبرة السرِّية التي انزلق عليها الكلام وانصب انصبابًا واحدًا إلى نهاية الحديث عن المؤمنين.
[أصناف الناس]
(٤) ولقد كان قصر الانتفاع بهداية القرآن على هذه الطائفة وحدها بعد وصف القرآن بأنه الحق الواضح الذي لا ريبة فيه - حَرِيًّا في بادئ الرأي أن يعد
стр. 242
من المفارقات التي تثير في نفس السامع أشد العجب، إذ كيف تكون الحقائق القرآنية بهذه المرتبة من الوضوح ثم لا تنفذ إلى قلب كل من يسمعها؟!
ومن جهة أخرى فقد كان موقف هذا النبي الرحيم ﷺ في جِدِّه البالغ في دعوة أمته، وحرصه الشديد على هدايتهم، مصورًا له في عين من يراه بصورة الطامع في إيمان الناس أجمعين، الظان أن هذه الأمنية ستصبح في متناول يده متى أخذ في أسبابها العادية، كأنه يرى أن ليس بينهم وبين هذه الهداية إلا أن يصل صوت القرآن إلى آذانهم فإذا هم مسلمون، ذلك مع أن القرآن يكاد يحدد الآن مهمته ويقول: إن الذي سينتفع بهداه إنما هم المتقون، فكان هذا التحديد مظنة لأن يبتهل الرسول ﷺ إلى ربِّه قائلًا: سبحانك اللهم، ولمَ لا يهتدي به الناس أجمعون؟!
وجب إذًا أن تقرر الحقيقة بصورة حاسمة لكل طماعية وتردد، مريحة للنفس من طلب ما لا سبيل إليه، وأن تبين مع ذلك الموانع الطبيعية من عموم هداية القرآن بأسلوب ينزه القرآن نفسه عن شائبة القصور، ويرد النقص إلى قابلية القابل لا إلى فاعلية الفاعل، وهل يغض من مهارة الطبيب أن يُعرض المريض عن تناول الدواء منه فيموت بجهله؟ وهل يضير الشمس ألا ينتفع بنورها العُمي أو المتعامون؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].
هكذا انتقل الحديث عن المؤمنين الذين سبقت لهم الحسنى، إلى الكافرين الذين حقت عليهم كلمة العذاب، لا على وجه اقتران الحديثين في القصد من أول الأمر، إذًا لعُطف أحدهما على الآخر، بل على وجه يُبنى فيه بعض الكلام على بعض، إجابة لهذا السؤال الذي نطقت به الحال، وإزالة لذلك التعجب الذي أثاره سابق المقال، وهذا هو ما يسميه علماء البلاغة بالاستئناف البياني.
(٥) وجرى الحديث عن هؤلاء إلى نهايته، فانضمَّ الشكل إلى شكله، وعطفت الطائفة الثالثة على أختها؛ لأنهم في التجافي عن الهدى مشتركون، تتشابه قلوبهم وإن اختلفت ألسنتهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
стр. 243
[تكملة الحديث عن أصناف الناس]
(٦) وارجع الآن قليلًا إلى نظام الأحاديث عن الطوائف الثلاثة، لترى كيف تقابلت أوضاعها أتمَّ التقابل، فقد اشتمل الحديث في كل طائفة على ثلاثة عناصر مرتبة على هذا النمط: وصف الحقيقة الواقعة، فبيان السبب فيها، فالإخبار عن نتيجتها المنتظرة.
(فحقيقة) الطائفة الأولى أنهم قوم حصلوا فضيلة التقوى بركنيها العلمي والعملي، (سبب ذلك) استمساكهم بالهدى وإمدادهم بالتوفيق من ربهم، و (مآل أمرهم) (الفوز والفلاح).
(وحقيقة) الطائفة الثانية أنهم مجرَّدون من أساس التقوى وهو الإيمان، وأنهم مُصرون على ذلك إصرارًا لا ينفع معه إنذار، (والسبب) عدم انتفاعهم بما وهبهم الله من وسائل العلم، فلهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، (وعاقبة أمرهم) العذاب العظيم.
(وحقيقة) الطائفة الثالثة صفة مركبة من ظاهر خير وباطن سوء، فهم يقولون بألسنتهم: إنهم مؤمنون، وليس في قلوبهم من الإيمان شيء، ولكل من الوصفين (سبب) و (جزاء) أما دعواهم الإيمان (فسببها) قصد المخادعة، و (جزاءُ) الخداع عائد إليهم، وأما إسرارهم الكفر (فسببُه) مرض قلوبهم، و (جزاؤه) زيادة المرض والعذاب الأليم.
وكما بيَّن في الطائفة الثانية أنها بلغت من الإصرار والغباوة مبلغًا لا يجدي معه الإنذار، بيَّن في الطائفة الثالثة أنها بلغت من الغرور والجهالة المركبة مبلغًا لا ينفع فيه نصح الناصحين، فهم المفسدون ويزعمون أنهم المصلحون، وهم السفهاء ويزعمون أنهم الراشدون، ومن لك بشفاء سقيم يعتقد أنه سليم؟
ثم كما ختم الكلام في شأن الطائفة الأولى بأن سجل لهم وصف الهدى والفلاح، ختم الكلام في شأن الطائفتين الأخريين بأن سجل عليهما (١) وصف الضلالة والخسران.
стр. 244
[المثلان في مطلع سورة البقرة]
(٧) على أن هذه الأوصاف التحقيقية للطائفتين لم تكن وحدها لتشفي النفس من العجب في أمرهم، فالعهد بالناس أنهم إنما يختلفون في الأمور الغامضة لا في الحقائق البينة، فاختلاف هؤلاء في شأن القرآن على وضوحه يعد شاذًّا عن العادات الجارية، محتاجًا إلى وصف تمثيلي يقربه من المشاهد المحس، حتى يطمئن القلب إلى إمكانه.
لذلك ضرب الله لكلتا (١) الطائفتين مثلًا يناسبها.
стр. 245
[المثل المضروب للكافرين]
فضرب مثلًا للمصرين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل فقام فيهم رجل استوقد لهم نارًا يهتدون بضوئها، فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر، بل لأمر مَا سُلبوا نور أبصارهم وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة.
فذلك مثل النور الذي طلع به محمد (١) ﷺ في تلك الأمة الأمية على فترة
стр. 246
من الرسل، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء
стр. 247
المستكبرين الذين ألفوا العيش في ظلام الجاهلية، فلم يرفعوا له رأسًا، بل نكسوا على رؤوسهم ولم يفتحوا له عينًا بل خروا عليه صمًّا وعميانًا: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك ينادون من مكان بعيد﴾ [فصلت: ٤٤].
[المثل المضروب للمنافقين]
وضرب مثلًا للمترددين المخادعين بقوم جادتهم السماء بغيث منهمر في ليلة ذات رعود وبروق، فأمَّا الغيث فلم يلقوا له بالًا، ولم ينالوا منه نيلًا، فلا شربوا منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة، ولا سقوا به زرعًا ولا ضرعًا.
وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هي مثار اهتمامهم، ومناط تفكيرهم؛ ولذلك جعلوا يترصدونها: ويدبرون أمورهم على وفقها، لابسين لكل حال لبوسها: سيرًا تارة، ووقوفًا تارة، واختفاءً تارة أخرى.
ذلك مَثلُ القرآن الذي أنزله الله غيثًا تحيا به القلوب، وتنبت به ثمرات الأخلاق الزكية والأعمال الصالحة؛ ثم ابتلى فيه المؤمنين بالجهاد والصبر وجعل لهم الأيام دولًا بين السِّلم والحرب، وبين الغلب والنصر، فما كان حظ بعض الناس منه إلا أن لبسوا شعاره على جلودهم دون أن يشربوا حبَّه في قلوبهم أو يتذوقوا ما فيه من غذاء الأرواح والعقول، بل أهمتهم أنفسهم وشغلتهم حظوظهم العاجلة؛ فحصروا كل تفكيرهم فيما قد يحيط به من مغانم يمشون إليها، أو مغارم يتقونها، أو مآزق تقفهم منه موقف الروية والانتظار، وهكذا ساروا في التدين به سيرًا متعرجًا متقلبًا مبنيًّا على قاعدة الربح والخسر، والسلامة الدنيوية.
стр. 248
فكانوا إذا رأوا عَرَضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا وبرقت لهم (بروق) الأمل في الغنيمة ساروا مع المؤمنين جنبًا إلى جنب، وإذا دارت رحى الحرب وانقضت (صواعقها) منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو قائلين: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]، أو رجعوا من بعض الطريق قائلين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة بل اشتبهت عليهم الأمور وتلبد الجو بالغيوم، فهنالك يقفون متربصين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولكن يلزمون شِقةَ الحياد ريثما تنقشعُ سحابة الشك ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٢ - ٧٣].
ذلك أبدًا دأب المنافقين في كل أمرهم؛ إن توقعوا ربحًا عاجلًا التمسوه في أي صف وجدوه، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التي ينالهم في سبيلها شيء من المكروه، وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيدًا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
أما الذي يؤمن بالله واليوم الآخر فإنَّ له قبلة واحدة يولي وجهه شطرها، هي قبلة الحق لا يخشى فيها لومة لائم.
وليس يبالي حين يُقتل مسلمًا … على أي جنب كان في الله مصرعه
* * * * *
[خلاصة المقدمة] هنا تمت المقدمة بعد أن وصفت القرآن بما هو أهله، ووصفت متبعيه ومخالفيه كلًّا بما يستحقه.
ولا مرية أن وصف هذه الطوائف جميعها راجع في المآل إلى الثناء على القرآن؛ فإن الشيء الذي يكون متبعوه هم أهل الهدى والفلاح، ومخالفوه هم أهل الضلالة والخسر لا يكون إلا حقًّا واضحًا لا ريب فيه.
стр. 249
فما هو ذلك الحق الذي لا يتبعه إلا مهتد مفلح، ولا يعرض عنه إلا ضال خاسر؟ بل ما هو ذلك الحق الذي ضربت له الأمثال بالضياء الباهر والغيث الكثير؟
لا شك أن هذا كله تشويق أي تشويق لسماع الحقائق التي يدعو القرآن الناس إليها، فانظر على أي نحو ساق بيانها.
لقد كان ظاهر السياق يقضي بأن يقال: إن هذه الحقائق هي أن يعبدوا ربهم وحده ويؤمنوا بكتابه ونبيه (الخ) جريًا على أسلوب الغيبة الذي جرى عليه في وصف الكتاب، وفي وصف الناس، ولكنه حوَّل مجرى الحديث من الأخبار والغيبة إلى النداء والمخاطبة قائلًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١].
أتعرف شيئًا من سر هذا التحويل؟
إنَّ ذلك الوصف الدقيق الذي وصف القرآن به الطوائف الثلاث: (متقين، وكافرين، ومخادعين) قد نقلهم عند السامع من حال إلى حال، فبعد أن كانوا غُيَّبًا في مبدأ الحديث عنهم أصبحوا الآن بعد ذلك الوصف الشافي حاضرين في خيال السامع كأنهم رأي عين، وفي مكان ينادون منه، فاستحقوا أن يوجه الحديث إليهم كما يوجه إلى الحاضرين في الحس والمشاهدة، هذا من الناحية العامة.
وأمَّا من الناحية الأخرى فإن هذه الأمثال البليغة التي ضربت في شأن المعرضين خاصَّة قد أبرزتهم أمام السامع في صورة محزنة تبعث في نفسه أقوى البواعث لنصحهم وتحذيرهم، حتى إنه لا يشفي صدره إلا أن يناديهم أو يسمع من يناديهم: أن افتحوا أعينكم أيها القوم وتعالوا إلى طريق النجاة. وهكذا استعدت النفس أتم استعداد لسماع هذا النداء، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] الآيات إلى آخر المقصد الأول.
* * *
стр. 250
المقصد الأول من مقاصد السورة: في خمس آيات (٢١ - ٢٥)
[المقصد الأول] في هذه الآيات الخمس تسمع نداءً قويًّا موجهًا إلى العالم كله بثلاثة مطالب:
١ - أن لا تعبدوا إلا الله ولا تشركوا به شيئًا.
٢ - أن آمنوا بكتابه الذي نزله على عبده.
٣ - أن اتقوا أليم عذابه، وابتغوا جزيل ثوابه.
هذه المطالب الثلاثة هي الأركان الثلاثة للعقيدة الإسلامية، تراها قد بُسطت مرتبة على ترتيبها الطبيعي، من المبدأ، إلى الواسطة، إلى الغاية.
وترى كل واحد من الركنين الأولين قد أقيم على أساسٍ من البرهان العقلي القاطع لكل شبهة، أما الركن الثالث فقد جيء به مجردًا عن هذا النوع من البرهان، ولكنَّه نفخ فيه من روح الإلهاب وتحريك الوجدان بالتحذير والتبشير ما يسد في موضعه مسد البرهان.
على أنك إذا أنعمت النظر في هذا الركن وجدته في غنى عن برهان جديد بعد تقرُّر سابقيه، إذ هو منهما بمنزلة النتيجة المنطقية من مقدماتها.
أرأيت لو أن ملكًا عظيم السلطان نافذ الحكم وجه إليك سفيرًا يحمل رسالة منه، وأيقنت أن الذي بيد السفير هو كتاب الملك المختوم بخاتمه، أكان يعوزك برهان جديد لتحقيق ما يحويه الكتاب من عجيب الأنباء والنذر، بعد ما وقَر في نفسك من العلم بأنه كلام مَنْ إذا قال صدق، وإذا وعد أنجز؟!
فكذلك ترى الحديث هنا عن السمعيات جيء به مفرعًا على ما تقرر في أمر النبوات، وبضربٍ من التخلص هو غاية في الحسن والبراعة، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤].
* * * * *