← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1470

النبأ العظيم - ت عمرو الشرقاوي

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (287 стр.). Показаны 281–287 · переход к 286.

стр. 281

والجنديُّ في الحرب تشغله على الأقل مخافتان: مخافة على نفسه وعلى المجاهدين معه من أخطار الموت أو الهزيمة، ومخافة على أهله من الضياع والعيلة لو قتل .. لذلك انساق البيان الكريم يطرد عن قلبه كلتا المخافتين، أمَّا أهله فقد وصى الله للزوجة، إذا مات زوجها، بأن تُمتَّع حولًا (١) كاملًا في بيته، وكذلك مطلقته سيتقرر لها حق في المتعة لا يُنسى، فليقر عينًا من هذه الناحية (٢٤٠ - ٢٤٢).

стр. 282

وأما خوف الموت فليعلم أن الذي يطلب الموت قد توهب له الحياة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (٢٤٣). (و) أما خوف الهزيمة، فإن النصر بيد الله ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وتلك سنة الله في المرسلين (٢٤٦ - ٢٥٣). هكذا أُبعدت المخاوف كلها عن قلوب المجاهدين، بعد أن زوِّدت أرواحهم بزاد التقوى، وهكذا أصبحوا على استعداد نفسي كامل، لتلقي الأوامر العليا، فليصدر إليهم الأمر صريحًا بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم (٢٤٤ - ٢٤٥) (١). ولتفصل لهم العبر التاريخية، التي تثبت أقدامهم حين البأس، والتي تزيدهم أملًا في النصر (٢٤٦ - ٢٥٣). والجهاد كما قلنا جهادان: جهاد بالنفس، وجهاد بالمال، وليس الجهاد بالمال وقفًا على شؤون الحرب، بل هو بذله في كل ما يرفه عن الأمة، ويقوي شوكة الدولة، ويحمي حمى الملة.

стр. 283

ولقد أخذ الجهاد بالنفس حظه من الدعوة في آية قصيرة (٢٤٤) ثم في آيات كثيرة (٢٤٦ - ٢٥٣)، وأخذ الجهاد بالمال بعض حظه في آية قصيرة (٢٥٥) فمن العدل أن يأخذ تمام حظه في آيات كثيرة كذلك. وهكذا نرى الدعوة إليه تأخذ الآن قسطها؛ مطبوعًا بطابع الشدة تارة (٢٥٤ - ٢٦٠). (٢٥٤ - ٢٦٠) (١) وطابع اللين تارة (٢٦١) وطابع التعليم المفصل لآداب البذل تارة أخرى (٢٦٢ - ٢٧٤). الآيات من (٢٧٥ - ٢٨٣): ثم ينساق الحديث من فضيلة التضحية والإيثار، التي هي أسمى الفضائل الاجتماعية، إلى رذيلة الجشع والاستئثار، التي هي في الطرف المقابل، أحط أنواع المعاملات البشرية (أعني رذيلة الربا، التي تستغل فيها حاجة الضعيف، ويتقاضى فيها المحسن ثمن المعروف الذي يبذله) (٢٧٥ - ٢٧٩). وكان هذا الاقتران بينهما في البيان إبرازًا لمدى الافتراق بين قيمتهما في حكم الضمائر الحية. وبين هذين الطرفين المتباعدين، يقيم القرآن ميزان القسط في الحد الأوسط، جاعلًا لصاحب الحق سلطانًا في المطالبة برأس ماله كله لا ينتقص منه شيء ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. غير أنه يحذرنا من سوء استعمال هذا الحق بإزاء المعسرين؛ فيأمرنا أن نتخذ فيهم إحدى الحسنيين: إما الانتظار إلى الميسرة، وإما التنازل لهم نهائيًّا عن الدين، وهذه أكرم وأفضل ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨٠ - ٢٨١). ولما كان الطابع البارز في هذا التشريع القرآني، وهو طابع القناعة والسماحة، قد يوحي إلى النفوس شيئًا من التهاون في أمر المال، وربما مال بها

стр. 284

إلى التفريط في حفظه وتثميره، جاءت آيتا الدَّين والرِّهان (١) (٢٨٢ - ٢٨٣) تدفعان عن نفوسنا هذا التوهم، وتصوغان للمؤمنين دستورًا هو أدق الدساتير المدنية، في حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل، تمهيدًا لإنفاقها في أحسن الوجوه .. فمن لم يجد سبيلًا إلى التوثق بوثيقة ما، ولم يبق أمامه إلا أن يَكِلَ عميله إلى ذمته وأمانته ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وهكذا ختم الشطر العملي من السورة، بهذه القاعدة المثلى، التي هي أساس كل معاملة شريفة، أعني قاعدة الصدق والأمانة، جعلنا الله من أهل الصدق والأمانة .. آمين.

стр. 285

المقصد الرابع من مقاصد السورة: في آية واحدة (٢٨٤). في الآية السابقة، انتهت مهمة الأحكام التفصيلية، عند الحد الذي أراد الله بيانه في هذه السورة؛ وبها ختم الشطر الثاني من الحقيقة الدينية، وهو شطرها العملي؛ بعد أن أرسى شطرها الاعتقادي في الآي (١٢٢) وما بعدها. وهكذا تناول البيان حتى الآن: ١ - حقائق الإيمان. ٢ - شرائع الإسلام. هل بقي في بنيان الدين شيء فوق هذه الأركان؟ نعم؛ لقد بقيت ذروته العليا، وحليته الكبرى .. بعد الإيمان .. والإسلام .. بقي الإحسان؛ وهو كما فسره صاحب الرسالة -صلوات الله وسلامه عليه- أن تراقب الله في كل شأنك، وأن تستشعر مشاهدته لك في سرك وإعلانك، وأن تستعد لمحاسبته لك، حتى على ذات صدرك، ودخيلة نفسك .. مطلب عزيز لا يطيق الوفاء به كل مؤمن، ولا كل مسلم؛ وإنما يحوم حول حماه صفوة الصفوة من المتقين .. وكأنه لعزة هذا المطلب ونفاسته صان الله درَّته اليتيمة في هذه الآية الواحدة، التي تَوَّج بها هامَة السورة: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. * * * * * الخاتمة: في آيتين اثنتين (٢٨٥ - ٢٨٦): والآن وقد تناول البيان أركان الدين كلها، وألمَّ بعناصره جميعها: الإيمان، والإسلام، والإحسان؛ لم يبق بعد تمام الحديث إلا طي صحيفته، وإعلان ختامه؟

стр. 286

فهل تعرف كيف طويت صحيفة هذه السورة، وكيف أعلن ختامها؟ لنعد بذاكرتنا إلى الآيات الخمس التي افتتحت بها سورة البقرة؛ لنرى كيف تتجاوب تلك المقدمة مع هذه الخاتمة؛ ثم كيف يتعانق الطرفان هكذا ليلتحم من قوسيهما سور محكم يحيط بهذه السورة، فإذا هي سورة حقًّا، أي بنية محبوكة مسورة .. ألم يكن مطلع السورة وعدًا كريمًا لمن سيؤمن بها ويطيع أمرها بأنهم أهل الهدى وأهل الفلاح؟ ألسنا نترقب الآن صدى هذا الوعد؟ بلى؛ إننا ننتظر الآن أن تحدثنا السورة: هل آمن بها أحد، وهل اتبع هداها أحد، ثم ننتظر منها إن كان ذلك قد وقع، أن تحدثنا عن جزاء من استمع واتبع .. وهكذا سيكون مقطع السورة: ١ - بلاغًا عن نجاح دعوتها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ … ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ٢ - وفاءً بوعدها لكل نفس بذلت وسعها في اتباعها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ٣ - فتحًا لباب الأمل على مصراعيه أمام هؤلاء المهتدين، فليبسطوا إذًا أكفهم مبتهلين: (ربنا .. ربنا .. ربنا) … ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. * * * * * تلك هي سورة البقرة .. أرأيت وحدتها في كثرتها؟ أعرفت اتجاه خطوطها في لوحتها؟ أرأيت كيف التحمت لبناتها من غير ملاط يمسكها، وارتفعت سماؤها بغير عمد تسندها؟ أرأيت كيف انتظم من رأسها وصدرها وأحشائها وأطرافها، لا أقول أحسن دمية، بل أجمل صورة حية، كل ذرة في خليتها، وكل خلية في عضوها، وكل عضو في جهازه، وكل جهاز في جسمه، ينادي بأنه قد أخذ مكانه المقسوم، وفقًا لخط جامع مرسوم، رسمه مربي النفوس ومزكِّيها،

стр. 287

ومنور العقول وهاديها، ومرشد الأرواح وحاديها .. فتالله لو أن هذه السورة رتبت بعد تمام نزولها، لكان جمع أشتاتها على هذه الصورة معجزة، فكيف وكل نجم منها - كسائر النجوم في سائر السور - كان يوضع في رتبته من فور نزوله، وكان يحفظ لغيره مكانه انتظارًا لحلوله؛ وهكذا كان ما لم ينزل منها معروف الرتبة محدد الموقع قبل أن ينزل؟ ثم كيف وقد اختصت من بين السور المنجمة بأنها حددت مواقع نجومها لا قبل نزولها بعام أو بعض عام، بل بتسعة أعوام؟ لعمري لئن كانت للقرآن في بلاغة تعبيره معجزات، وفي أساليب تربيته معجزات، وفي نبوءاته الصادقة معجزات، وفي تشريعاته الخالدة معجزات، وفي كل ما استخدمه من حقائق العلوم النفسية والكونيَّة (معجزات) ومعجزات، لعمري إنه في ترتيب آيه على هذا الوجه لهو معجزة المعجزات! * * * * *