من الرسل، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء
стр. 247
المستكبرين الذين ألفوا العيش في ظلام الجاهلية، فلم يرفعوا له رأسًا، بل نكسوا على رؤوسهم ولم يفتحوا له عينًا بل خروا عليه صمًّا وعميانًا: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك ينادون من مكان بعيد﴾ [فصلت: ٤٤].
[المثل المضروب للمنافقين]
وضرب مثلًا للمترددين المخادعين بقوم جادتهم السماء بغيث منهمر في ليلة ذات رعود وبروق، فأمَّا الغيث فلم يلقوا له بالًا، ولم ينالوا منه نيلًا، فلا شربوا منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة، ولا سقوا به زرعًا ولا ضرعًا.
وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هي مثار اهتمامهم، ومناط تفكيرهم؛ ولذلك جعلوا يترصدونها: ويدبرون أمورهم على وفقها، لابسين لكل حال لبوسها: سيرًا تارة، ووقوفًا تارة، واختفاءً تارة أخرى.
ذلك مَثلُ القرآن الذي أنزله الله غيثًا تحيا به القلوب، وتنبت به ثمرات الأخلاق الزكية والأعمال الصالحة؛ ثم ابتلى فيه المؤمنين بالجهاد والصبر وجعل لهم الأيام دولًا بين السِّلم والحرب، وبين الغلب والنصر، فما كان حظ بعض الناس منه إلا أن لبسوا شعاره على جلودهم دون أن يشربوا حبَّه في قلوبهم أو يتذوقوا ما فيه من غذاء الأرواح والعقول، بل أهمتهم أنفسهم وشغلتهم حظوظهم العاجلة؛ فحصروا كل تفكيرهم فيما قد يحيط به من مغانم يمشون إليها، أو مغارم يتقونها، أو مآزق تقفهم منه موقف الروية والانتظار، وهكذا ساروا في التدين به سيرًا متعرجًا متقلبًا مبنيًّا على قاعدة الربح والخسر، والسلامة الدنيوية.
стр. 248
فكانوا إذا رأوا عَرَضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا وبرقت لهم (بروق) الأمل في الغنيمة ساروا مع المؤمنين جنبًا إلى جنب، وإذا دارت رحى الحرب وانقضت (صواعقها) منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو قائلين: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]، أو رجعوا من بعض الطريق قائلين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة بل اشتبهت عليهم الأمور وتلبد الجو بالغيوم، فهنالك يقفون متربصين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولكن يلزمون شِقةَ الحياد ريثما تنقشعُ سحابة الشك ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٢ - ٧٣].
ذلك أبدًا دأب المنافقين في كل أمرهم؛ إن توقعوا ربحًا عاجلًا التمسوه في أي صف وجدوه، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التي ينالهم في سبيلها شيء من المكروه، وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيدًا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
أما الذي يؤمن بالله واليوم الآخر فإنَّ له قبلة واحدة يولي وجهه شطرها، هي قبلة الحق لا يخشى فيها لومة لائم.
وليس يبالي حين يُقتل مسلمًا … على أي جنب كان في الله مصرعه
* * * * *
[خلاصة المقدمة] هنا تمت المقدمة بعد أن وصفت القرآن بما هو أهله، ووصفت متبعيه ومخالفيه كلًّا بما يستحقه.
ولا مرية أن وصف هذه الطوائف جميعها راجع في المآل إلى الثناء على القرآن؛ فإن الشيء الذي يكون متبعوه هم أهل الهدى والفلاح، ومخالفوه هم أهل الضلالة والخسر لا يكون إلا حقًّا واضحًا لا ريب فيه.
стр. 249
فما هو ذلك الحق الذي لا يتبعه إلا مهتد مفلح، ولا يعرض عنه إلا ضال خاسر؟ بل ما هو ذلك الحق الذي ضربت له الأمثال بالضياء الباهر والغيث الكثير؟
لا شك أن هذا كله تشويق أي تشويق لسماع الحقائق التي يدعو القرآن الناس إليها، فانظر على أي نحو ساق بيانها.
لقد كان ظاهر السياق يقضي بأن يقال: إن هذه الحقائق هي أن يعبدوا ربهم وحده ويؤمنوا بكتابه ونبيه (الخ) جريًا على أسلوب الغيبة الذي جرى عليه في وصف الكتاب، وفي وصف الناس، ولكنه حوَّل مجرى الحديث من الأخبار والغيبة إلى النداء والمخاطبة قائلًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١].
أتعرف شيئًا من سر هذا التحويل؟
إنَّ ذلك الوصف الدقيق الذي وصف القرآن به الطوائف الثلاث: (متقين، وكافرين، ومخادعين) قد نقلهم عند السامع من حال إلى حال، فبعد أن كانوا غُيَّبًا في مبدأ الحديث عنهم أصبحوا الآن بعد ذلك الوصف الشافي حاضرين في خيال السامع كأنهم رأي عين، وفي مكان ينادون منه، فاستحقوا أن يوجه الحديث إليهم كما يوجه إلى الحاضرين في الحس والمشاهدة، هذا من الناحية العامة.
وأمَّا من الناحية الأخرى فإن هذه الأمثال البليغة التي ضربت في شأن المعرضين خاصَّة قد أبرزتهم أمام السامع في صورة محزنة تبعث في نفسه أقوى البواعث لنصحهم وتحذيرهم، حتى إنه لا يشفي صدره إلا أن يناديهم أو يسمع من يناديهم: أن افتحوا أعينكم أيها القوم وتعالوا إلى طريق النجاة. وهكذا استعدت النفس أتم استعداد لسماع هذا النداء، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] الآيات إلى آخر المقصد الأول.
* * *
стр. 250
المقصد الأول من مقاصد السورة: في خمس آيات (٢١ - ٢٥)
[المقصد الأول] في هذه الآيات الخمس تسمع نداءً قويًّا موجهًا إلى العالم كله بثلاثة مطالب:
١ - أن لا تعبدوا إلا الله ولا تشركوا به شيئًا.
٢ - أن آمنوا بكتابه الذي نزله على عبده.
٣ - أن اتقوا أليم عذابه، وابتغوا جزيل ثوابه.
هذه المطالب الثلاثة هي الأركان الثلاثة للعقيدة الإسلامية، تراها قد بُسطت مرتبة على ترتيبها الطبيعي، من المبدأ، إلى الواسطة، إلى الغاية.
وترى كل واحد من الركنين الأولين قد أقيم على أساسٍ من البرهان العقلي القاطع لكل شبهة، أما الركن الثالث فقد جيء به مجردًا عن هذا النوع من البرهان، ولكنَّه نفخ فيه من روح الإلهاب وتحريك الوجدان بالتحذير والتبشير ما يسد في موضعه مسد البرهان.
على أنك إذا أنعمت النظر في هذا الركن وجدته في غنى عن برهان جديد بعد تقرُّر سابقيه، إذ هو منهما بمنزلة النتيجة المنطقية من مقدماتها.
أرأيت لو أن ملكًا عظيم السلطان نافذ الحكم وجه إليك سفيرًا يحمل رسالة منه، وأيقنت أن الذي بيد السفير هو كتاب الملك المختوم بخاتمه، أكان يعوزك برهان جديد لتحقيق ما يحويه الكتاب من عجيب الأنباء والنذر، بعد ما وقَر في نفسك من العلم بأنه كلام مَنْ إذا قال صدق، وإذا وعد أنجز؟!
فكذلك ترى الحديث هنا عن السمعيات جيء به مفرعًا على ما تقرر في أمر النبوات، وبضربٍ من التخلص هو غاية في الحسن والبراعة، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤].
* * * * *
стр. 251
عود على بدء: في أربع عشرة آية (٢٦ - ٣٩)
(١) بدأ الكلام في السورة - كما علمت - بوصف القرآن بما فيه من الهدى إجمالًا (١): فكان من الحق أن يعود إلى وصف طريقة القرآن في هذه الهداية، ليقول: إنها هداية كاملة بالبيان الوافي الشامل لكل شيء، فانظر كيف مهَّد لهذا الانتقال تمهيدًا يتصل من أول السورة إلى هذا الموضع:
أما المقدمة فقد وصف فيها الفرق الثلاث وصفًا شافيًا ضرب للناس أمثالهم، وحقق أن الذين كفروا اتبعوا الباطل، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم.
وأما المقصود فقد بين فيه أن لله وحده المثل الأعلى الذي لا يشاركه فيه شيء من الأنداد، ثم وضع فيه الفيصل بين النبي والمتنبي بتلك المعجزة العالمية التي لا يستطيع أحد من دون الله أن يأتي بمثلها، ثم ذكر مثل النار التي أعدت للكافرين، ومثل الجنة التي وعد المتقون.
فتراه قد تناول في هذه الأمثال ضروبًا شتى من الحقائق؛ علوية وسفلية، مادية ومعنوية .. حتى كانت نهاية الحديث أن عرض ما في الجنة من أنواع المتع واللذائذ الشخصية والجنسية، تلك المعاني التي قد يستحيي المرء من ذكرها، وقد يخالها الجاهل نابية عن سنن الخطاب الإلهي الأعظم، غافلًا عن أنه الحق الذي لا يستحيي من الحق، وأنه الرحيم الذي يتنزل برحمته إلى مستوى العقول البشرية فيبين لهم كل ما يحتاجون إلى بيانه مما يحبون أو يكرهون، ومما يرجون أو يحذرون.
وهكذا انساق الحديث من ذكر هذه النماذج المتفاوتة إلى استنباط القاعدة الكلية منها، ببيان أن هذه هي طريقة القرآن في هدايته، فهو يضرب الأمثال كلها، ويبين الحقائق؛ حلوها ومرها، واضعًا كل شيء في موضعه، مسميًا له باسمه،
стр. 252
لا يبالي أن يتناول في بيانه جلائل الأمور أو محقراتها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
حقًّا؛ إن شأنَ هذا الكتاب في تفصيل الحقِّ والباطل والضَّار والنافع شأنُ كتاب الأعمال في تفصيل الحسنات والسيئات، كلاهما لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وكما أن وصف القرآن بالهدى إجمالًا قد جر هناك إلى ذكر انقسام الناس في قبول هدايته، وإلى النَّعي على من أعرض عنه، كذلك وصف طريقته في الهداية قد جرَّ هاهنا إلى مثل هذا التقسيم: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] وإلى النَّعي على الضالين بذكر مساوئهم وتفصيل نقائصهم ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].
وكما أنَّ بيان أوصافهم هناك قد جلاهم أمام السامع في صورة تحرك داعيته لسماع ندائهم بالنصح والتعليم، كذلك بيان أوصافهم هنا قد استفز النفوس إلى سماع مخاطبتهم بالتعجيب والإنكار .. ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] الآيات.
[عودة الكلام إلى المقصد الأول]
(٢) وكذلك عادَ الكلام إلى المقصد الأول بأركانِه الثلاثة، ولكن في ثوبٍ جديد:
(أما في الركن الأول) فقد سمعته هناك يأمر بعبادة الله، وتسمعه هنا ينهى عن الكفر بالله.
وهناك ذكرهم بنعمة إيجادهم مجملة، وهنا يذكرهم بها مفصلة متممة، وهناك عرفهم بنعمة تسخير الأرض والسماء لهم، وهنا يعرفهم بذلك في شيء من التفصيل.
(وأما في الركن الثاني) فقد ذكر هناك نبوة هذا النبي الخاتم ﷺ وهنا يذكر نبوة ذلك النَّبي الأول آدم، لنعلم أن نبينا لم يكن بِدعًا من الرسل، وأن أمر التشريع والنبوات أمر قديم يتصل بنشأة الإنسان.
стр. 253
وقد مهَّد لهذا البيان بذكر تاريخ تلك النشأة العجيبة وما جرى في شأنها من الحديث مع الملائكة، ذلك الحديث الدال على مزيد العناية الإلهية بهذا النوع البشري، إذ اختاره الله لخلافة الأرض وآثره على سائر الخلق بفضيلة العلم، ليكون الامتنان بذلك جاريًا مع الامتنان بالنعم المذكورة في الركن الأول على أحسن نسق، ثم اتصل من هذا التفضيل إلى شرح ما نشأ عنه من حسد إبليس وعداوته القديمة للإنسان الأول ومخادعته إياه بوساوسه، وما انتهى إليه أمر الخادع والمخدوع من ابتلائهما وابتلاء ذريتهما بالتكاليف، وهو - كما ترى - حديث يطلب بعضه بعضًا، ويأخذ بعضه بأعناق بعض.
(وأما في الركن الثالث) فقد رأيته هناك يصف الجنة والنار بما لهما من وصف رائع أو مروع، وتراه هنا يكتفي عن وصفهما بذكر اسمهما وتعيين أهلهما ناظمًا وضع الأجزية مع وضع التكاليف في سلك واحد، ومتخلصًا أحسن تخلص من أحدهما إلى الآخر، بتقرير أن اتباع التكاليف أو عدم اتباعها هو مناط السعادة أو الشقاوة في العقبى.
ولقد ختم الكلام هنا - كما ختمه في المقدمة - بشأن المخالفين؛ تمهيدًا للانتقال مرة أخرى إلى نداء فريق منهم ودعوتهم إلى الإسلام وهو المقصد الثاني.
* * * * *
стр. 254
المقصد الثاني من مقاصد السورة: في ثلاثة وعشرين ومائة آية (٤٠ - ١٦٢)
[المقصد الثاني] بحسبك أن تعلم أنَّ هذه السورة هي غُرَّة السور المدنية، وأن المدينة كان يسكنها أشد الناس عداوة للذين آمنوا، وأكثرهم جدالًا في دينهم بما أوتوه من العلم قبلهم.
بحسبك أن تعلم هذا وذاك لتعرف سر تلك العناية الموفورة بهذا الجانب من الدعوة، نعني دعوة بني إسرائيل خاصة بعد دعوة الناس عامة، ولتعلم حكمة ذلك التبسط في الحديث معهم تارة، والحديث عنهم تارة أخرى، بألوان تختلف هجومًا، ودفاعًا، واستمالة، واستطالة، إلى ما بعد نصف السورة.
وسترى حين تنتقل في هذه الأحاديث مرحلة مرحلة ما يملك قلبك من جمال نظامها ودقة تقسيمها.
[بداية الحديثِ عن اليهود]
(بدأ) الكلام معهم بآية فذَّة (٤٠) هي على قلة كلماتها جامعة لأغراض الحديث كله: ففيها يناديهم بأحب أسمائهم وأشرف أنسابهم ويذكرهم بسابق نعمة الله عليهم إجمالًا، ويبني على ذلك دعوتهم إلى الوفاء بعهدهم، ويرغبهم ويرهبهم.
(ثم) رجع إلى هذه الأغراض يفصلها على تدرج وبقدر معلوم فشرح العهد الذي طلب منهم الوفاء به، في ست آيات (٤١ - ٤٦)، وبين مقدار النعمة التي امتنَّ بها عليهم في آية (٤٧)، ومقدار المخافة التي خوفهم منها في آية أخرى (٤٨).
(ثم) قسم الحديث إلى أربعة أقسام:
(القسم الأول) يذكر فيه سالفةَ اليهود منذ بعث فيهم موسى ﵇.
стр. 255
(القسم الثاني) يذكر فيه أحوالُ المعاصرين منهم للبعثة المحمدية.
(القسم الثالث) يذكر فيه أوَّلية المسلمين منذ إبراهيم ﵇.
(القسم الرابع) يذكر فيه حاضر المسلمين في وقت البعثة.
١ - ذكر سالفة اليهود (٤٩ - ٧٤):
[ذكر تاريخ اليهود]
استهلَّ الخطاب في هذا القسم بثماني آيات يعرف فيها بني إسرائيل بتفاصيل المنن التي امتن بها عليهم مرة بعد مرة، وهي تلك النعم التاريخية القديمة التي اتصل أثرها وسرى نفعها من الأصول إلى الفروع، فجعل يذكِّرهم بأيام الله فيهم؛ يوم أنجاهم من آل فرعون، ويوم أنجاهم من اليم وأغرق أعداءهم فيه، ويوم واعدهم بإنزال الكتاب عليهم، ويوم حقق وعده بإنزاله، ويوم قبل توبتهم عن الردة والشرك بالله، ويوم قبل توبتهم عن التمرد على نبيهم واقتراح العظائم عليه، وإنها لنعم جليلة (سابقة للذنب ولاحقة) تلين بذكراها القلوب، وتحرك الهمم لشكر المنعم وامتثال أمره.
وقبل أن ينتقل من تذكيرهم بتلك النعم الجليلة المطمعة للشاكرين في المزيد، إلى تذكيرهم بجرائمهم وما حاق بهم من ضروب النكال الموجبة للامتثال والاعتبار جعل بين الحديثين برزخًا مزج فيه ذكر بعض النِّعم بذكر ما قابلوها به، بعد أن أعد النفس للسير على هذا البرزخ بالتفاتة يسيرة، فيها رمز الإعراض وعدم الرضا، فبين أنَّه تعالى متَّعهم فوق هذا كله متاعًا حسنًا؛ إذ ظلل عليهم الغمام، ورزقهم من الطعام والشراب رزقًا هنيئًا من حيث لا يحتسبون، ومن حيث لا كَدَّ ولا نصب، فظلموا أنفسهم وبطروا تلك النعمة وحرفوا كلمة الشكر بتبديلها هزوًا ولعبًا، واقترحوا بدل ذلك الرزق الناعم عيشة الكدح والعناء، فألزمهم الله ما التزموا، وضرب عليهم الذلة والمسكنة.
[مخالفات اليهود، وعقوباتهم]
وهنا محض الحديث لذكر المخالفات والعقوبات، فذكر أنَّهم باءوا بغضب من الله؛ لأنهم كفروا بآيات الله وقتلوا النبيين، (غير أنَّه استثنى المؤمنين منهم من هذا الغضب) وتمردوا على أوامر التوراة جملة حتى أُرغموا عليها، ثم تولوا عنها بعد ذلك حتى صاروا جديرين بأن ينزل بهم ما نزل بأهل السبت لولا
стр. 256
فضل الله عليهم؛ وأنهم تباطأوا في تنفيذ أمر نبيهم، وبلغ بهم الجهل بمقام نبوته أن ظنوا في بعض تبليغه عن ربه أنه هازل فيه غير جاد ..
حلقة الاتصال بين القسمين الأول والثاني (٧٤):
وأراد القرآن أن يصل حاضرهم بماضيهم فانظر كيف وضع بينهما حلقة الاتصال في هذه الآية التي ختم بها القسم الأول: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] فقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤] كلمة حددت مبدأ تاريخ القسوة ولم تحدد نهايته، كأنها بذلك وضعت عليه طابع الاستمرار وتركته يتخطى العصور والأجيال في خيال السامع، حتى يظن أن الحديث قد أشرف به على العصر الحاضر، ثم لم يلبث هذا الظن أن ازداد قوة، بصيغة الجملة الاسمية في قوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤] دون أن يقول: فكانت كالحجارة.
ثم انظر كيف كان انتهاؤه إلى وصف قلوبهم بهذا الوصف توطئةً لتغيير الأسلوب فيهم، فإن من يبلغ قلبه هذا الحد من القسوة التي لا لين فيها يصبح استمرار الخطاب معه نابيًا عن الحكمة، ويصير جديرًا بصرف الخطاب عنه إلى غيره ممن له قلب سليم، وهكذا سينتقل الكلام من الحديث معهم في شأن سلفهم إلى الحديث معنا في شأنهم أنفسهم.
٢ - ذكر اليهود المعاصرين للبعثة (٧٥ - ١٢١):
افتتح الكلام في هذا القسم بجملة طريفة ليست على سنن ما قبلها وما بعدها من السرد الإخباري، جملة استفهامية يكتنفها حرفان عجيبان: (أحدهما) يعيد إلى الذاكرة كل ما مضى من وقائع القسم الأول، (والآخر) يفتح الباب لكل ما يأتي من حوادث هذا القسم، وتقع هي بين التاريخين القديم والحديث موقع العبرة المستنبطة والنتيجة المقرَّرة، بين أسباب مضت وأسباب تأتي: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥]؟!
فهذه الفاء تقول لنا: أبعدَ كل ما قصصناه يطمع طامع في إيمان هؤلاء القوم وهم الوارثون لذلك التاريخ الملوث؟ وهذه الواو تقول هذا ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣].
стр. 257
ويعود السرد الإخباري إلى مجراه التفصيلي، فيقص علينا من مساوئ أوصاف الحاضرين منهم ومنكرات أفاعيلهم وأقاويلِهم زهاء عشرين سببًا لا تُبقي مطمعًا لطامع في إيمانهم، سواء منها ما كان مختصًّا بهم، وما كان يشاركهم فيه غيرهم من أسلافهم، أو من النصارى أو الوثنيين.
ثم لا يدع زعمًا من مزاعمهم إلا قفى (١) عليه بما يليق به من الرد والتفنيد.
(وقد بدأ هذا الوصف) بتقسيمهم إلى فريقين: علماء يحرفون كلام الله ويتواصون بكتمان ما عندهم من العلم لئلا يكون حجة عليهم. وجهلاء أميين هم أسارى الأماني والأوهام، وضحايا التضليل والتلبيس الذي يأتيه علماؤهم، فمن ذا الذي يطمع في صلاح أمة جاهلها مضلل مخدوع يأخذ باسم الدين ما ليس بدين، وعالمها مضلل خادع يكتب الكتاب بيده ويقول هذا من عند الله.
(وثَنَّى) ببيان منشأ اجترائهم على كل موبقة، ألا وهو غرورهم بزعمهم أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة. ولقد أمر النبي ﷺ أن يوسع هذا الزعم دحضًا وإبطالًا، وأن يتدرج معهم في هذه المجادلة على درجات المنطق السليم والبحث المستقيم فيبدأ بمطالبتهم البرهان على ما زعموا. ثم ينقضه ببيان مخالفته لقانون العدل الإلهي الذي لا يعرف شيئًا من الظلم ولا المحاباة لأحد، بل الخلق أمامه سواء: كل امرئ رهين بعمله، ومن يعمل سوءًا أو حسنًا يجزَ به. ثم يعارضه بقلب القضية عليهم مبينًا لهم أنهم من أولئك الذين كسبوا السيئات وأحاطت بهم خطيئاتهم: ألم يؤخذ عليكم الميثاق بتقوى الله والإحسان إلى الناس فتوليتم؟ ألم يؤخذ عليكم الميثاق بترك الإثم والعدوان فاعتديتم؟ ثم آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض، وحكمتم أهواءكم في الشرائع فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم.
[من جرائم اليهود]
(ثم أتبع ذلك سائر هناتهم) فذكر:
١ - تصامهم عن سماع الحق بدعوى أن قلوبهم مقفلة.
стр. 258
٢ - كفرهم بالكتاب الجديد لأنه أنزل على غيرهم، بعد أن كانت أعناقهم مشرئبة إليه ينتظرون ظهوره على يد نبي ينصرهم على المشركين.
٣ - دعواهم القيام بواجبهم وهو الإيمان بما أنزل عليهم وكفى، مع أنهم كافرون حتى بما أنزل عليهم، وتلك شنشنتهم منذ عبدوا العجل وأشربوا حبه في قلوبهم.
٤ - زعمهم أن لهم الدار الآخرة خالصة، ثم مناقضتهم أنفسهم في ذلك بكراهتهم الموت وشدة حرصهم على الحياة.
٥ - عداوتهم لجبريل؛ لأنَّه أنزل الكتاب على غيرهم، مع أنه إنما أنزل بعلم الله.
٦ - تكرر نبذهم للعهود.
٧ - اشتغالهم بكتب السحر وترك كتب الله وراء ظهورهم.
٨ - ليهم ألسنتهم في خطاب الرسول ﷺ بكلمة (١) تنطوي على الاستهزاء به والطعن في دينه وإن كان ظاهرها التعظيم له، أو يراد منها إحراجه بكثرة الأسئلة والمقترحات كما سئل موسى من قبل (وقد سيق هذا في قالب تحذير المؤمنين من أن يقولوا تلك الكلمة).
٩ - حقدهم وأثرتهم هم وسائر المخالفين من أهل الكتاب والمشركين وكراهيتهم أن ينزل الوحي على غيرهم، مع أن لله أن يختص بنبوته من يشاء، وله أن ينسخ شريعة ويأتي بشريعة أخرى مثلها أو خير منها.
стр. 259
١٠ - رغبة كثير منهم في أن يردُّوا المؤمنين كفارًا.
١١ - زعم كلٌّ من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة غيرهم. أماني يتمنونها بغير برهان.
١٢ - طعن كلتا الطائفتين في أختها بقول اليهود: ليست النصارى على شيء، وقول النصارى: ليست اليهود على شيء، وطعن المشركين في كلتيهما.
١٣ - اشتراك الطوائف الثلاث في السعي لإخلاء المساجد من ذكر الله.
١٤ - اشتراكهم في الجهل بالله ونسبتهم الولد إليه.
١٥ - اشتراكهم في التوقف عن الإيمان بالرسل ﵈ حتى يكلمهم الله بغير واسطة أو ينزل عليهم آية ملجئة.
(ثم ختم هذه الهنات) بأدعاها إلى اليأس من إيمانهم، وهو أنهم يطمعون في تحويل الرسول ﷺ نفسه إلى اتباع أهوائهم، فكيف يطمع هو في استتباعهم إلى هداه؟ كلَّا ولكن حسبه أن الراسخين في العلم منهم وهم الذين يتلون الكتاب حق تلاوته يؤمنون بهذا الهدى الذي جاء به والكافرون هم الخاسرون.
٣ - ذكر قدامى المسلمين من لدن إبراهيم (١٢٢ - ١٣٤):
شأن المصلح الحكيم في دعوته شأن الزارع، يبدأ بالأرض فيقتلع أشواكها وينقيها من حشائشها الضارة قبل أن يلقي فيها البذور الصالحة أو يغرس فيها الأشجار النافعة، وكذلك الداعي الحكيم يبدأ بالنفوس فيلويها عن الباطل والفساد ثم يوجهها إلى طريق الحق والهدى.
فهذان دوران يقوم في أحدهما بالتطهير والتخلية، وفي الثاني بالتكميل والتحلية، وأنت قد رأيت الكلام في دعوة بني إسرائيل قد مضى إلى هذا الحد في بيان عوج الطريق الذي يسلكونه، ورأيته قد أوسع البيان في ذلك حتى أتى على نهاية الدور الأول: أليس من الحقِّ إذًا أن يبدأ الدور الثاني فيبين الطريق السوي الذي يجب أن يسلكوه؟
ثم رأيت كيف اختتم البيان السابق بذكر هدى الله والعلم الذي علمه لنبيه وذكر الفريق الذي يرجى إيمانهم به من أهل الكتاب، وهم الذي يتلون الكتاب
стр. 260
حق تلاوته، أليس هذا الاختتام نفسه مطلعًا تشرف النفس منه على هذا الافتتاح؟
ثم رأيت الحديث في الدور الأول منقسمًا إلى قسمين: قسم يتحدث فيه عن ماضي اليهود، وقسم يتحدث فيه عن حاضرهم. ألا يكون من حسن التقابل أن يقسم الحديث الثاني إلى القسمين. عن ماضي المسلمين وعن حاضرهم؟
ذلك هو ما تراه فيما يلي:
بل سترى ما هو أتم مقابلة ومشاكلة، فسيجري الكلام في القسم الأول هنا على سنن الخطاب مع بني إسرائيل، والكلام في القسم الثاني على سنن التحدث عنهم، كما جرى هنالك في القسمين سواء.
وأكبر من هذا كله أنك ترى الآيتين الكريمتين اللتين صدر بهما أول الحديث هناك قد صدر بهما أول الحديث هنا؛ ليدعوهم إلى اعتناق الحق بمثل ما دعاهم به إلى اجتناب الباطل، وليتقرر في نفس السامع من أول الأمر أن الحديث سيعود كما بدأ، ولكن في طريق يقابل ذلك الطريق، وبمعنى جديد هو عدل لذلك المعنى القديم ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) ? وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٢ - ١٢٤].
وهكذا أنشأ يدعو بني إسرائيل إلى طريق السلف الصالح، لا بأسلوب الأمر والتحريض الذي جرب من قبل فلم ينجع فيهم، بل بأسلوب قصصي جذاب يعرض فيه ذلك التاريخ المجيد لإبراهيم ﵇ وأبنائه وأحفاده في العصور الذهبية التي لا يختلف أحد من أهل الكتاب ولا المشركين في تعظيمها ومحبتها ومحبة الانتساب إليها، مكررًا على لسانهم جميعًا تلك الكلمة العذبة التي تركها إبراهيم باقية في عقبه، فتوارثها أبناؤه وأحفاده يوصي كل منهم بها بنيه، كلمة (الإسلام لله رب العالمين).
وتراه في أثناء عرضه لتاريخ إبراهيم ﵇ وإمامته للناس لا ينسى أن يحكي كلماته التي دعا بها ربه أن يجعل من ذريته إمامًا للناس كما جعله هو.
стр. 261
ثم تراه حين يروي قيام إبراهيم وابنه إسماعيل ببناء البيت المعظم الذي جعله الله حرمًا آمنًا ومثابة للناس وقبلة لصلاتهم، لا ينسى أن يحكي تضرعهما إلى الله أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة وأن يبعث فيهم رسولًا منهم يعلمهم ويزكيهم.
ممهدًا بهذا وذاك لتقرير تلك الصلة التاريخية المتينة التي تربط هذا النبي وأمته بذينك النبيين الجليلين؛ لا صلة النبوة النسبية فحسب، بل صلة المبدأ ورابطة الوحدة الدينية أيضًا، فهم من ذريتهما، ووجودهم تحقيق لقبول دعوتهما، وملتهم ملتهما؛ وقبلتهم قبلتهما، ومثابتهم في حجهم مثابتهما.
ومقررًا في الوقت نفسه انقطاع مثل هذه النسبة المشرفة عن اليهود الذين ينتسبون بالبنوة لإبراهيم ويعقوب، وهم عن ملتهما منحرفون ولوصيتهما مخالفون. فماذا يغني النسب عن الأدب؟ ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١].
٤ - ذكر حاضر المسلمين وقت البعثة (١٣٥ - ١٦٢):
واتصل ذكر الخلف بذكر السلف، وخرج الكلام من التلويح إلى التصريح، فأقبل يقرر -في جلاء- صلة هذه الأمة المسلمة بتلك الأمة الصالحة في أصول ملتها، وفي أهم فروعها، ويقص علينا ما يحاوله سفهاء الأحلام من بني إسرائيل وغيرهم لحرمان المسلمين من تلك الصلة، وذلك بدعوتهم المسلمين إلى اتباع ملتهم تارة، وبالطعن في قبلتهم تارة أخرى، ويكر على كلتا المحاولتين بالهدم والاستئصال.
وقد رأيت الحديث الآنف كيف امتزج فيه ذكر ملة إبراهيم بذكر قبلته فانظر كيف كان ذلك تأسيسًا قويًّا لما يبنى عليه هنا من ذكر ملة المسلمين وذكر قبلتهم.
قال في شأن الملة إن أهل الكتاب يدعونكم - بعد هذا البيان - أن تكونوا هودًا أو نصارى، فقولوا لهم: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفًا، وعرفوهم جلية الأمر في هذه الملة الحنيفية، وأنها إيمان بالله وإيمان بكل ما أنزل على النبيين لا نفرق بين أحد منهم، هذه عقيدتنا بيضاء ناصعة، فأي ركنيها تنقمون منا؟ وفي أيها
стр. 262
تخاصموننا؟ أفي الله وهو ربنا وربكم، أم في إبراهيم وبنيه، وهم ما كانوا هودًا أو نصارى ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١].
وكان هذا الترديد وحده كافيًا لإفحامهم وإغلاق الباب في وجوههم من هذه الناحية؛ إذ تبين أن أصول هذه الملة أمنع من أن نقبل الجدال في شيء منها.
فانتقل عنها وشيكًا إلى إبطال محاولتهم الأخرى في مسألة (الكعبة المعظمة) التي عليها يدور العمل بشعيرتين، هما أعظم شعائر الإسلام وأظهرها (الصلاة والحج)، والتي قد تقرر ما لها من الأصل الأصيل في الدين باتخاذ إبراهيم وإسماعيل إياها مثابة ومصلى.
ولكن هذا لم يكن كافيًا لإسكات المجادلين الذين اتخذوا من تحول المسلمين إليها وتركهم القبلة التي كانوا عليها مطعنًا على النبوة فتنوا به بعض ضعفاء المؤمنين، فمست الحاجة إلى مزيد بسط في شأنها تتقرر به الحجة وتدحض به الشبهة، ولذلك تراه يوجه إليها أكبر الشطرين من عنايته:
فيأمر النبي ﷺ بادئ ذي بدء أن يجيب المتسائلين عن حكمة هذا التحويل جواب عزة وإباء، يرد الأمر فيه إلى من لا يسأل عما يفعل، قائلًا لهم: إن الجهات كلها سواء، يوجهنا الله منها إلى ما يشاء، وهو الذي يهدي إلى الصراط المستقيم.
ثم أخذ يأمر النبي ﷺ تارة، والمؤمنين تارة، ويأمرهما معًا تارة أخرى، في أسلوب مؤكد مفصل أن يثبتوا على هذه القبلة حيث هم، وفي كل مكان يقيمون فيه حضرًا، وفي كل مكان يخرجون منه سفرًا.
وطفق ينثر في تضاعيف هذه الأوامر المؤكدة ما شاء من تعريف بأسرار التشريع القديم والجديد، فيقول: إن تشريع تلك القبلة الوقتية ما كان إلا اختبارًا لإيمان المهاجرين؛ ليتبين من يتبع الرسول ﷺ ممن ينقلب على عقبيه، وأما تشريع هذه القبلة الباقية فإنه ينطوي على الحكم البالغة والمقاصد الجليلة، فهي
стр. 263
القبلة الوسطى التي تليق بكم أيتها الأمة الوسطى، وهي القبلة التي ترضاها يا أيها النبي والتي طالما قلبت وجهك في السماء مستشرفًا إلى الوحي بها، وهي القبلة التي يعلم أهل الكتاب أنها الحق من ربهم، وإن كان يكتمون ذلك حسدًا وعنادًا، وهي القبلة التي يشهد الله بأنها الحق من عنده، وأخيرًا هي القبلة التي لا يبقى لأحد من المنصفين حجة عليكم. أما الظالمون فلن ينقطع جدالهم في شأنها ما بقيت عداوتهم لكم، ولكن لا تخشوهم، بل وطنوا أنفسكم على التضحية في سبيل الله، واصبروا ولا تحزنوا على من سيقتل منكم في هذه السبيل؛ فإن الموت فيها هو الحياة الباقية.
ثم أومأ إلى أن الجدال في هذه القبلة ليس صدًّا عن الشعائر التي في داخل المسجد الحرام فحسب، بل هو كذلك صد عما حوله من الشعائر: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله﴾ [البقرة: ١٥٨].
ثم أكد أمر هاتين الشعيرتين على نحو ما أكد أمر القبلة بالتعريض بأهل الكتاب الذين يعلمون أصلهما في تاريخ إبراهيم، ولكنهم يكتمون ما أنزله الله من البينات وهم يعلمون.
أرأيت هذه المراحل الأربع التي سلكها القرآن في دعوة بني إسرائيل كيف رتبها مرحلة مرحلة، وكيف سار في كل مرحلة منها خطوة خطوة.
فارجع البصر كرة أخرى إلى هذه المرحلة الأخيرة منها، لتنظر كيف استخدم موقعها هذا لتحقيق غرضين مختلفين، وجعلها حلقة اتصال بين مقصدين مُتنائِيين، فهي في جملتها مناجاة من الله للنبي والمؤمنين في خاصَّة شأنهم وفيما يعنيهم من أمر دينهم، ولكنه جعل لهذه النجوى طرفين، لوَّن كل طرف منها بلون المقصد الذي يتصل به، فالتقى المقصدان فيها على أمر قد قدر.
ألم تر كيف بدأها بأن قص على المؤمنين مقالة أعدائهم في بعض حقائق الإسلام، وعمد إلى هذه الحقائق التي تماروا فيها، فجعل يمسح غبار الشبهة عن وجهها حتى جلاها بيضاء للناظرين، فكانت هذه البداية كما ترى نهاية لتلك المعارك الطويلة التي حورب فيها الباطل في كل ميدان.
стр. 264
ثم رأيت كيف ساق الحديث فجعل يثبت أقدام المؤمنين على تلك الحقائق النظرية والعملية، ويحرضهم على الاستمساك بها في غير ما آية … أفلا تكون هذه النهاية بداية لمقصد جديد بعدها يراد به هداية المؤمنين إلى تعاليم الإسلام مفصلة.
بلى .. إن ذلك هو ما توحي به سياقة هذه النجوى المتواصلة، التي مدت في خطاب المؤمنين مدًّا، وحولت مجرى الحديث معهم رويدًا رويدًا، حتى صار كل من ألقى سمعه إليها مليًّا، يسمع في طيها نداءً خفيًّا: أن قد فرغنا اليوم من الأعداء جهادًا، وأقبلنا على الأولياء تعليمًا وإرشادًا، وأن قد طوينا كتاب الفجار، وجئنا نفتتح كتاب الأبرار، وأن هذه الصفحة الأخيرة من دعوة بني إسرائيل لم تك إلا طليعة من كتائب الحق، تنبئ أن سيتلوها جيشه الجرار، أو شعاعة من فجر الهدى سيتحول الزمان بها من سواد الليل إلى بياض النهار، ألا ترى الميدان قد أصبح خاليًا من تلك الأشباح الإسرائيلية التي كانت تتراءى لك في ظلام الباطل تهاجمها وتهاجمك. هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا؟
أو لا ترى هذه الأشعة الأولى من شمس الشريعة الإسلامية قد انبعثت يسوق بعضها بعضًا.
أصولٌ جامعة نظرية، تتبعها طائفة من فروعها الكبرى العملية … ألم يأنِ لسائر الفروع أن تجيء من خلفها حتى تبلغ الشمس ضحاها.
هكذا تفتحت الآذان لسماع شرائع الإسلام مفصلة، فلو أنها أقبلت علينا الآن عدًّا وسردًا ما حسبنا الحديث عنها حديثًا مقتضبًا.
لكن القرآن، وقد وضع على أدق الموازين البيانية وأرفقها بحاجات النفوس، لم يشأ أن يهجم على المقصود مكتفيًا بهذا التمهيد بل أراد أن يقدم بين يديه شقة تستجم النفس فيها من ذلك السفر البعيد .. وتأخذ أهبتها لرحلة أخرى إلى ذلك المقصد الجديد .. فانظر فيما يلي:
стр. 265
المدخل إلى المقصد الثالث: في خمس عشرة آية (١٦٣ - ١٧٧):
نيف وعشر من الآيات الكريمة، هي بمثابة الدهليز بين الباب والدار يقطعها السائر في خطوات ثلاث: (الخطوة الأولى) تقرير وحدة الخالق المعبود. (الخطوة الثانية) تقرير وحدة الآمر المطاع. (الخطوة الثالثة) فهرس إجمالي للأوامر والطاعات المطلوبة.
(الخطوة الأولى) تقرير وحدة الخالق المعبود:
[تقرير وحدة الخالق المعبود]
لقد جاءت هذه الخطوة في أشد أوقات الحاجة إليها بين سابقها ولاحقها، فإن ما مضى من تعظيم أمر الكعبة والمقام والصفا المروة كان من شأنه أن يلقي في روع الحديث العهد بالإسلام معنى من معاني الوثنية الأولى في تعظيم الأحجار والمواد، ولا سيما وهذه الأماكن المقدسة كانت يومئذ مباءة للأصنام والأنصاب من حولها ومن فوقها؛ فوجب ألا يترك هذا التعظيم دون تحديد وتقييد، وألا نترك هذه الخلجات النفسية دون دفع وإبعاد، حتى لا يبقى شك في أن قيام المصلين عند مقام إبراهيم وتوجيه وجوههم نحو الكعبة، وتمسح الطائفين بأركانها، وطواف الحجاج والمعتمرين بين الصفا والمروة، كل أولئك لا يقصد به الإسلام توجيه القلوب إلى هذه الأحجار والآثار؛ تزلفًا بعبادتها أو رجاء لرحمتها أو طلبًا لشفاعتها، وإنما يقصد تعظيم الإله الحق وامتثال أمره بعبادته في مواطن رحمته ومظان بركته التي تنزلت فيها على عباده الصالحين من قبل، ثم تجديد ذكرى أولئك الصالحين في النفوس، وتمكين محبتهم في القلوب، باقتفاء آثارهم، والتأسي بحركاتهم وسكناتهم، حتى يتصل حاضر الأمة بماضيها، وحتى تنتظم منها أمة واحدة تدور حول محور واحد، وتتجه إلى مقصد واحد هو أعلى المقاصد وأسماها ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣] أتدرون من هو … ؟ إنه ليس الكعبة وليس الصفا والمروة، ليس إبراهيم ولا مقام إبراهيم، ولكنه ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] الذي وسع كل شيء رحمة ونعمة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ … ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] والذي بيده القوة
стр. 266
كلها والبأس كله: لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
هذا من جانب المقصد الذي وقع الفراغ منه.
وأما من جانب المقصد الذي أقبلنا عليه فإن هذه الخطوة كانت أساسًا وتقدمة لا بد منها قبل الشروع في تفصيل الأحكام العملية، لتكون توجيهًا للأنظار إلى الناحية التي ينبغي أن يتلقى منها الخطاب في شأن تلك الأحكام. ذلك أن المرء إذا عرف له سيدًا واحدًا وأسلم وجهه إليه وجب ألا يصدر إلا عن أمره ولا يأخذ التشريع إلا من يده. ومن كانت له أرباب متفرقون، وتنازعت فيه شركاء متشاكسون تقاضاه كل واحد منهم نصيبه من طاعته، وكثرت عليه مصادر الأمر المطاع. فأمر للآباء والعشيرة، وأمر للعرف والعوائد الموروثة والمستحدثة، وأمر للسادة والكبراء، وأمر للشياطين والأهواء .. ولذلك عززها بالخطوة الثانية.
(الخطوة الثانية) تقرير وحدة الآمر المطاع:
[تقرير وحدة الآمر المطاع]
وهي ركن عقيدة التوحيد في الإسلام، فكما أن من أصل التوحيد ألا تتخذ في عبادتك إلهًا من دون الرحمن الذي بيده الخلق والرزق والضر والنفع، كذلك من أصل التوحيد ألا تجعل لغيره حكمًا في سائر تصرفاتك، بل تعتقد أن لا حكم إلا له، وأن بيده وحده الأمر والنهي والحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، ومن استحل حرامه أو حرم حلاله فقد كفر. وكما أنه لا يليق أن يكون هو الخالق ويعبد غيره، والرازق ويشكر غيره، لا يليق أن يكون هو الحاكم ويطاع غيره.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].
ولقد سلك في تقرير هذه الوحدة التشريعية نحوًا من مسلكه في تقرير وحدة الإلهية.
[طريقة القرآن في تقرير الوحدة التشريعيَّة]
(فبدأها) بأن تعرف إلى الناس بنعمة الله الشاملة ورحمته الكاملة في سهولة الشريعة وملاءمتها للفطرة، إذ إنه في سعة الاختيار لم يحرم عليهم من الطعام إلا
стр. 267
[الوحدة الشرعية]
أربعة أشياء كلها رجس خبيث، وأحل لهم ما وراء ذلك أن ينتفعوا بسائر ما في الأرض من الحلال الطيب، وفي ضيق الاضطرار جعل المحظورات كلها تنقلب مباحات مرفوعًا عنها الحرج ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وناهيك بهذا الأسلوب تليينًا للقلوب وحملًا لها على الخضوع لأمر هذا الرب الرؤوف بعباده. أفمن يحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث أحق أن يطاع، أم من ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع، أم من ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].
(ثم ختمها) بتعريفهم مبلغ غضبه وانتقامه ممن يكتم أمره ونهيه ويبدلهما بغير ما أمر ونهى ويأخذ على ذلك الرشا والسحت ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٤].
والناظر في منهج هذا التقرير إذا تأمل في وجه اختيار حديث المطاعم والمكاسب من بين ضروب الحلال والحرام يرى من لطائف موقعه هنا ما يعرف به أنه هو العروة الوثقى التي شد بها وثاق البيان، وسدت بها الفروج بين خطواته السابقة واللاحقة.
فهو من الوجهة العملية أحد تلك الفروع التي سينتقل إليها الحديث عما قريب، فذكره ها هنا يعد إشعارًا بقرب الشروع في المقصد الجديد، ثم هو من الجهة الاعتقادية يتصل اتصالًا تاريخيًّا وثيقًا بعقيدة التوحيد التي هو بصددها، ذلك أن أهل الجاهلية من وثنيين وكتابيين لما اتبعوا خطوات الشيطان فأزلهم عن توحيد المعبود حتى اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله لم يطل عليهم الأمد حتى فتح لهم باب التشريك في التشريع بعد التشريك في العبادة. فجعلوا يحرمون من الحرث والأنعام حلالها، ويحلون حرامها، بل جعلوا عند ذبح أنعامهم يهلون بها لغير الله - يهتفون بأسماء آلهتهم - ويستحلون طعمتها بذلك، فجمعوا فيها بين مفاسد ثلاث: المعصية، والبدعة، والشرك الأكبر.
стр. 268
(و) كأن باب التحريم والتحليل في المطاعم والمكاسب كان هو أول باب فتح في الجاهلية للتشريع بغير إذن الله، ولذلك كان هو أول باب سده القرآن بعد الشرك الأكبر. فترى النهي عنه والنص عليه وبيان الحق فيه تاليًا لذكر العقائد حتى في السور المكية كسورة الأنعام (١)، والأعراف، ويونس، والنحل، وغيرها.
ومما زاد موقعه هنا حسنًا أن مجيئه في سياق ذكر التوحيد وقع عدلًا لمجيء حكم القبلة في سياق ذكر ملة إبراهيم، فكلاهما فرع عظيم يتصل بأصل عظيم. ألا ترى كيف ختم الكلام في شأنه بمثل ما ختم به هناك من وعيد المعاندين ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤]؟ أو لا ترى كيف أن الإسلام جعل مسألتي القبلة والذبائح كليهما من الشعائر التي يتميز بها المسلم من غيره. كما يتميز بالشهادة والصلاة: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله» (٢).
على أن بدعة التحريم بالرأي في هذا الباب لم تقتصر على الفئة الخارجة عن الملة، بل إن بعض المسلمين في عصر النبوة كادت تصيبهم عدوى الأمم قبلهم، إذ هموا أن يترهبوا، ويحرموا على أنفسهم الطيبات من الطعام وغيره، لا تحريمًا لما أحل الله منها، بل زهادة فيها وحملًا للنفس على الصبر عنها بضرب من النذر أو اليمين أو العزيمة المصممة، فردَّ عليهم القرآن هذا الابتداع وأغلق بابه إغلاقًا، حتى لا يكون مدرجة لما وراءه، ونبههم إلى أن من قضية توحيدهم لله أن ينزلوا على حكمه فيما أحل لهم؛ قيامًا فيه بشريعة الشكر، كما
стр. 269
نزلوا على حكمه فيما حرم عليهم قيامًا فيه بشريعة الصبر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
فانظر كيف كان خطاب الناس عامة بهذا الأصل ولواحقه توطئة لخطاب المؤمنين خاصة به وبما سيتلوه من الأحكام، كما أن خطاب الناس عامة بأركان الإسلام في صدر السورة كان توطئة لما تلاه من خطاب بني إسرائيل خاصة بدعوتهم إلى الدخول فيه قلبًا وقالبًا، هل ترى أحسن من هذا النسق المتقابل المتعادل؟
والآن؛ وقد أخذت النفس أهبتها لتلقي سائر الأوامر والنواهي انظر كيف خطا إليها الخطوة الثالثة والأخيرة.
(الخطوة الأخيرة) إجمال الشرائع الدينية:
[إجمال الشرائع الدينية]
وترى فيها عجائب من صنعة النسق:
١ - انظر إلى حسن التخلص في ربطه بين المقصد القديم، والمقصد الجديد على وجه؛ به يتصلان لفظًا، وبه ينفصلان حكمًا .. فهو في جمعها لفظًا كأنه يضع إحدى قدميك عند آخر الماضي، وثانيتهما عند أول المستقبل. ولكنه في تفريقها حكمًا بأداتي النفي والاستدراك كأنما يحول قدميك جميعًا إلى الأمام: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ﴾ [البقرة: ١٧٧].
يقول: إن مسألة تعيين الأماكن والجهات في مظاهر العبادات - تلك المسألة التي شغلت بال المخالفين والمؤالفين نقدًا وردًّا - ليست هي كل ما يطلب الاشتغال به من أمر البر، بل هي شعبة واحدة من جملة الشعب التي تشتمل عليها خصلة واحدة من جملة خصاله، وإنما البر كلمة جامعة لخصال الخير كلها؛ نظرية وعملية، في معاملة المخلوق، وعبادة الخالق، وتزكية الأخلاق، فبتلك الخصال جميعها فلينشغل المؤمنون الصادقون.
٢ - ثم انظر إليه حين أقدم على تفصيل تلك الخصال كيف أنه لم يقبل عليها دفعة واحدة، بل أخذ يتدرج إليها في رفق ولين، فتقدم بكلمة فوق الإجمال ودون التفصيل هي بمثابة فهرس لقواعد الإيمان ولشرائع الإسلام ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
стр. 270
٣ - وانظر إلى سرد قواعد الإيمان هنا كيف عدل بها عن ترتيبها المطبوع الذي راعاه في صدر السورة غير مرة، فتراه هنا يجمع بين الطرفين (الإيمان بالله واليوم الآخر) وختم بالواسطة (الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين)؛ ذلك لأنَّ من هذه الوسائط تعرف الأحكام الشرعية، وعن يدها تؤخذ، فأخرها لتتصل بها تلك الأحكام؛ حتى لا يحول بين الأصل وفرعه حائل؛ ولذلك راعى ترتيب أركان هذه الواسطة فيما بينها. فصدر بالملائكة وهم حملة الوحي، وثنى بالكتاب وهو الوحي المحمول، وثلث بالنبيين وهم مهبط الوحي. ومن هنا اتصل ببيان تلك الشرائع التي وصلت إلينا عن طريق النبوة.
* * * * *
стр. 271
المقصد الثالث من مقاصد السورة: في ست ومائة آية (١٧٨ - ٢٨٣)
[بسط شرائع الإسلام]
بعد إرساء الأساس، تكون إقامة البنيان؛ وبعد الاطمئنان على سلامة الخارج، يجيء دور البناء والإنشاء في الداخل ..
نعم، لقد تم (إصلاح العقيدة) التي هي روح الدين وجوهره؛ فليبدأ (تفصيل الشريعة) التي هي مظهر الدين وهيكله .. لقد أزيلت شبهة المعاندين، وأقيمت الحجة عليهم فلم يبق إلا إنارة السبيل للسالكين، وإيضاح المحجة بين يديهم .. كانت العناية من قبل، موجهة إلى بيان (حقائق الإيمان) فلتتوجه الآن، إلى بسط (شرائع الإسلام).
وأنت فقد رأيت كيف مهدت السورة لهذا التحول، إذ وضعت برزخًا يربط أطراف الحديث، ويلتقي فيه سباقها وسياقها .. ولو أنك تلفتَّ الآن التفاتة يسيرة إلى جانبك، لرأيت أدنى هذا البرزخ إليك تلك الآية الجامعة (آية البر) التي انتظمت أصول الدعوة بشطريها: النظري، والعملي؛ ولرأيت أدنى هذين الشطرين إليك، هو هذا الشطر العملي.
فاعلم الآن، أن هذا الشطر العملي، الذي لمحناه من قبل مطويًّا في فهرس موجز، سنراه فيما يلي، مبسوطًا في بيان مفصل.
ففي نيف ومائة آية، سنرى فنًّا جديدًا من المعاني، مهمته رسم نظام العمل للمؤمنين، وتفصيل الواجب والحرام والحلال لهم في شتى مناحي الحياة: في شأن الفرد، وفي شأن الأسرة، وفي شأن الأمة .. بيانًا مؤتنفًا تارة، وجوابًا عن سؤال تارة أخرى، متناولًا في جملته عشرات من شعب الأحكام.
هذه الحكمة العامة في تأخير إقامة البنيان، ريثما أرسيت قواعده، وفي تأجيل الفروع حتى أحكمت أصولها، ستبدو من ورائها حكم جزئية، وأسرار دقيقة، لمن أقبل على هذه الفروع، ينظر إلى تلاصق لبناتها في بنيتها، وتناسق
стр. 272
حباتها في قلادتها، ثم رجع ينظر في وجه التقابل بين ذلك الإجمال السابق، وهذا التفصيل اللاحق ..
فلنأخذ في استعراض الحلقات الرئيسة لهذه السلسلة الجديدة:
لقد ختمت آية البر كما رأيت، بخصلة من خصال البر، ميزت في إعرابها تمييزًا، فكان ذلك تنويهًا بشأنها أي تنويه .. تلك هي خلة الصبر، التي شعبتها الآية المذكورة إلى ثلاث شعب: الصبر في البأساء، والصبر في الضراء، والصبر حين البأس .. فهل تعلم أنه الآن وقد بدأ دور التفصيل، ستكون هذه الخصلة بشعبها الثلاث، أول ما تُعنَى السورة بنشره من تلك الخصال، وأنها ستنشرها نشرًا مرتبًا ترتيبًا تصاعديًّا على عكس ترتيب الطي: الصبر حين البأس، ثم الصبر في الضراء، ثم الصبر في البأساء .. وهل تعلم أن هذا النظام التصاعدي نفسه سيتبع في سائر الخصال: الوفاء بالعهود والعقود.
ثم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والبذل والتضحية في سبيل الله؟ .. إليك البيان مفصلًا:
* الصبر حين البأس (١٧٨ - ١٨٢):
لا تحسبنه هنا صبرًا على الجروح والقروح في الحرب، فذلك معنى سلبي استسلامي؛ ولا تحسبنه صبرًا في البطش والفتك بالأعداء، فذلك جهد عملي إيجابي حقًّا، ولكن مرده إلى قوة العضل والعصب، لا إلى قوة الخلق والأدب (ليس الشديد بالصرعة، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب) (١) .. هكذا سيختار الله لنا من مثل الصبر أمثلها، ومن موازينه أوزنها في معايير القيم، ذلك هو ضبط النفس حين البأس، كفًّا لها عن الاندفاع وراء باعثة الانتقام، وردعًا لها عن الإسراف في القتل، ووقوفًا بها عند حد التماثل والتكافؤ العادل (القصاص: ١٧٨ - ١٧٩).
стр. 273
وإذ كان تداعي المعاني يسوقنا من الحديث عن القتلى إلى الحديث عمن هم بشرف الموت، ناسب تتميم الكلام ببيان ما يجب على المحتضر من الوصية لأقاربه برًّا بهم (الوصية: ١٨٠ - ١٨٢).
* الصبر في الضراء:
وكذلك سيختار الله لنا من أبواب الصبر في الضراء أعلاها: ليس الصبر على الأمراض والآلام بإطلاق، ولكنه الصبر على الظمأ والمخمصة في طاعة الله (الصوم: ١٨٣ - ١٨٧) .. ، وينساق الحديث من الصوم المؤقت عن بعض الحلال، إلى الصوم الدائم عن السحت والحرام (١٨٨).
* الصبر في البأساء:
وعلى هذا النمط نفسه، سنرى الصبر في البأساء هنا ليس هو ذلك الصبر الاضطراري على الفقر والأزمات المالية والجوائح السماوية، ولكنَّه الصبر الاختياري على التضحية بالأموال؟ إنفاقًا لها في سبيل الله، والمثال الذي يختاره التنزيل الحكيم هنا مثال مزدوج (١)، ينتظم الصبر في البأساء والضراء جميعًا؛ إذ يجمع بين الجهاد بالنفس والجهاد بالمال (الحج إلى بيت الله: (١٨٩ - ٢٠٣).
ولا تنسَ ها هنا أن تنظر إلى المعبرة اللطيفة التي انتقل بها الحديث من الصوم إلى الحج .. تلك هي مسألة الأهلة التي جعلها الله مواقيت للصوم وللحج جميعًا (١٨٩).
ولنقف بك ها هنا وقفة يسيرة، نشير فيها إلى شأن عجيب من شؤون النسق القرآني في هذا الموضع:
ذلك أنه حين بدأ بذكر الحج، لم تتصل به أحكامه ولاءً، بل فصل بين الشروع في الحديث عنه وحكمه (٢) بست آيات في أحكام الجهاد بالنفس والمال
стр. 274
في قتال الأعداء (١٩٠ - ١٩٥) .. فاصلة يحسبها الجاهل رقعة غريبة في ثوب المعنى الجديد .. ولكن الذي يعرف تاريخ الإسلام وأسباب نزول القرآن، يعرف ما لهذه الفاصلة من شرف الموقع وإصابة المحزِّ، لا لمجرد الاقتران الزماني بين تشريع الحج وبين غزوة الحديبية في السنة السادسة من الهجرة؛ ولكن لأنَّ أداء المناسك في ذلك العام كان عزمًا لم ينفذ، وأملًا لم يتحقق، إذ أحصر المسلمون يومئذ عن البيت، وهموا أن يبطشوا بأعدائهم الذين صدوهم عنه؛ ولولا أن الله نهاهم عن البدء بالعدوان وأمرهم ألا يقاتلوا في المسجد الحرام إلا من قاتلهم فيه، فانصرفوا راجعين، مستسلمين لأمر الله، منتظرين تحقيق وعد الله .. فكذلك فلينصرف القارئ أو المستمع ها هنا وهو متعطش لإتمام حديث الحج على أن يعود إليه بعد فاصل، كما انصرف المسلمون إذ ذاك عن مكة وهم إليها متعطشون، على أن يعودوا إليها من عام قابل .. هكذا كانت هذه الآيات الفاصلة تذكارًا خالدًا لتلك الأحداث الأولى .. وهكذا كان القرآن الحكيم مرآة صافية نطالع فيها صور الحقائق من كل لون نقتبسها طورًا من تصريح تعبيره، وطورًا من نهجه وأسلوبه في تعجيل البيان أو تأخيره، ثم كانت هذه الآيات الفاصلة في الوقت نفسه درسًا عمليًّا في صبر المتعلم على أستاذه، لا يعجله بالسؤال عن أمر في أثناء حديثه؛ ولكن يتلبث قليلًا حتى يحدث له منه ذكرًا في ساعته الموقوتة .. وهكذا لن يطول بنا الانتظار حتى نرى أحكام الحج والعمرة تجيء في إثر ذلك على شوق وظمأ، فتشبع وتروي بالبيان الشافي الوافي (١٩٦ - ٢٠٣)، وبتمام هذا البيان تتم الحلقة الأولى من الأحكام؛ أعني فريضة الصبر في البأساء والضراء وحين البأس.
استجمامة (٢٠٤ - ٢١٤):
وشاءت حكمة الله وتلطفه بنا في تربية نفوسنا على طاعة أمره، ألا يصعد بنا إلى الحلقة الثانية من فورنا هذا، ولكن بعد استرواحة فيها شيء من الموعظة العامة، يثبِّت بها القلوب على ما مضى، ويوطئ لها السبيل إلى ما بقي .. وكان من حسن الموقع لهذه الموعظة العامة، أنها اتصلت بالموعظة الخاصة التي ختم
стр. 275
بها حديث الحج، والتي قسمت الناس من حيث آمالهم ومطامحهم إلى فريقين: فريق يطلب خير الدنيا ولا يفكر في أمر الآخرة، وفريق لا تنسيه دنياه مصالح أخراه (٢٠٠ - ٢٠٢) فجاءت الموعظة العامة تقسم الناس من حيث ما فيهم من خلق الأثرة أو الإيثار إلى فئتين: فئة لا تبالي أن تضحي في سبيل أهوائها بحياة العباد، وعمران البلاد، وفئة على العكس من ذلك لا تضن أن تضحي بنفسها في سبيل مرضاة الله (٢٠٤ - ٢٠٧).
وتخلص الآيات الحكيمة من هذا التقسيم، إلى توجيه النصح للمؤمنين بأن يخلصوا نفوسهم من شوائب الهوى، ويستسلموا بكليتهم لأوامر الله، دون تفريق بين بعضها وبعض؛ محذِّرة إياهم من الزلل عنها بعد أن هدوا إليها ووقفوا عليها، معزِّية لهم عما قد يصيبهم من البأساء والضراء في سبيل إقامتها، ضاربة لهم المثل في ذلك بسنة السلف الصالح من الأمم السابقة (٢٠٨ - ٢١٤).
هنا تمت الاسترواحة بالموعظة العامة.
(و) ستكون الحلقة التالية في تفصيل الخصلة الثانية من الخصال العملية التي أُجملت في آية البر، وهي الوفاء بالعهود والعقود؛ وستختار من بين هذه العقود أحقها بالعناية والرعاية: عقدة الزواج وما يدور حول محورها من شؤون الأسرة. أليست الأسرة هي المجال الأول للتدريب على حسن العشرة، وعلى التنزه من رذيلة الأنانية والأثرة؟ ثم أليست الأمور متى استقامت في هذا المجتمع الصغير، استقامت بالتدريج في المجتمع الكبير، ثم في المجتمع الأكبر؟
تفصيل الشؤون الأسرية المتشابكة: (الآيات من ٢١٥ إلى ٢٣٧):
ترى كيف سيكون الانتقال إلى هذه الحلقة الثانية؟ هل يصعد القرآن بنا توًّا إلى تفصيل هذه الشؤون المنزلية المشتبكة المتشعبة؟ كلَّا إنَّ هذا البيان التربوي الحكيم لن يهجم بنا عليها دفعة، ولكنه سيتلطف في الوصول بنا إليها على معراج من الأسئلة والأجوبة، تتصل أوائلها بالأحكام الماضية: الإنفاق والجهاد (٢١٥ - ٢١٨) وتتصل أواخرها (١) بالأحكام التالية: مخالطة اليتامى، وشرائط
стр. 276
المصاهرة، وموانع المباشرة (٢٢٠ - ٢٢٢) .. وهكذا نصل في رفق ولين، دون اقتضاب ولا ابتسار إلى صميم الحلقة الثانية (٢٢٣ - ٢٣٧) حيث نتلقى في شأن الحياة الزوجية دستورًا حكيمًا مؤلفًا من شطرين؛ وشطره الأول يعالج شؤون الأسرة في أثناء اتصالها (٢٢٣ - ٢٣٢)، وشطره الأخير يعالج شؤونها في حال انحلالها وانفصالها (٢٣٣ - ٢٣٧).
فخذ هذه الحلقة الجديدة من السورة الكريمة، وتعرف أسباب نزولها، وانظر كيف كانت كل قضية منها فتيا في حادثة معينة منفصلة عن أخواتها؛ ثم عد لتنظر في أسلوبها البياني جملة؛ وحاول أن ترى عليه مسحة انفصال أو انتقال، أو أن تحس فيه أثرًا لصنعة لصق، أو تكلف لحام .. واعلم منذ الآن أنك ستحاول عبثًا؛ فإنك لن تجد أمامك إلا سبيكة واحدة يطرد فيها عرق واحد، ويجري فيها ماء واحد، على رغم أنها جمعت من معادن شتى ..
تأمَّل أول كل شيء في خط سير المعاني:
انظر كيف استهل الحديث بإرساء الأساس، وذلك بتقرير حق العشرة والمخالطة الزوجية (٢٢٣) ثم انظر كيف تلاه النهي عن إدخال اليمين في أمثال هذه الحقوق المقدسة، سواء بالحلف على منع البر عن مستحقه، أو على قطع ما أمر الله به أن يوصل (٢٢٤ - ٢٢٥) وكيف عقبه بحكم فرع من فروع هذا المبدأ متصل بالعلاقة الزوجية، وهو حكم من حلف على الامتناع عن زوجته (٢٢٦ - ٢٢٧) وكيف اتصل من هنا بأحكام الطلاق وما يتبع الطلاق من حقوق وواجبات (٢٢٨).
فإذا أعجبك هذا التسلسل المعنوي، وهذا التدرج المنطقي، في شؤون كانت متفرقة، ارتجلتها الحوادث ارتجالًا، فتعالَ معي لأضع يدك في هذه القطعة
стр. 277
على حرف واحد تلمس فيه مبلغ الإحكام في التأليف بين هذه المتفرقات، حتى صارت شأنًا واحدًا ذا نسق واحد:
ذلك هو موضع النقلة من فتيا الإيلاء إلى فتيا الطلاق: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] ألا ترى كيف أدير الأسلوب في حكم الإيلاء على وجه معين، يطل القارئ منه على أفق متلبد ينذر باحتمال الفراق؛ فلما جاء بعده الحديث عن أحكام الفراق لم يكن غريبًا، بل وجد مكانه مهيَّأً له من قبل؛ كأن خاتمة حكم الإيلاء كانت بمثابة عروة مفتوحة، تستشرف إلى عروة أخرى تشتبك معها؛ فلما جاءت فتيا الطلاق في إبانها كانت هي تلك العروة المنتظرة، وما هو إلا أن التقت العروتان حتى اعتنقتا وكانت منهما حلقة مفرغة لا يُدرى أين طرفاها، وهكذا أصبح الحديثان حديثًا واحدًا.
ترى من علم محمدًا - لو كان القرآن من عنده - أنه سوف يستفتى يومًا ما في تلك التفاصيل الدقيقة لأحكام الطلاق؟ ومن علَّمه أنه سيجد لهذا السؤال جوابًا، وأن هذا الجواب سيوضع في نسق مع حكم الإيلاء، وأنه ينبغي لاستقامة النسق كله أن يساق حكم الإيلاء الذي وقع الاستفتاء فيه الآن، على وجه يجعل آخر شقيه هو أدناهما إلى حديث الطلاق الذي سوف يسأل عنه بعد حين؛ لكي ينضمَّ الشكل إلى شكله متى جاء وقت بيانه؟ … هيهات أن يحوم علم البشر حول هذا الأفق الأعلى؛ فإنما ذلك شأن عالم الغيب والشهادة، الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
وتمضي السورة في هذا النمط الجديد، مفصلة آثار الطلاق وتوابعه كلها: عدة، ورجعة، وخلعًا، ورضاعًا، واسترضاعًا، وخطبة، وصداقًا، ومتعة .. إلى تمام هذه الحلقة الثانية (٢٣٧).
(و) هنالك تبدأ الحلقة الثالثة ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [٢٣٨ - ٢٧٤].
فلننظر: كيف تمت النُّقلة بين هاتين الحلقتين؟
стр. 278
إننا بمقدار ما رأينا من التلبُّث والتمكث، والاستجمام والتنفس بين الحلقة الأولى والثانية، سنرى على عكس ذلك بين الحلقة الثانية والثالثة، نقلة شبه خاطفة بل لفتة جد مباغتة، قد يحسبها الناظر اقتضابًا؛ وما هي باقتضاب إلا في حكم النظر السطحي .. أما من تابع معنا سير قافلة المعاني منذ بدايتها، وقطع معنا ثلثي الطريق الذي رسمته آية البر: من الوفاء بالعهود، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، فإنه لا ريب سوف يستشرف معنا إلى ثلثه الباقي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وبذل المال على حبه في سبيل الله، وسوف يرى أن هذه الحلقة الثالثة قد جاءت هنا في رتبتها وفي موضعها المقدر لها، وفق ترتيبها في الآية الجامعة.
سيقول قائل: نعم، لقد جاءت في موضعها ورتبتها، ولكن الانتقال إليها قد تم دون إعداد نفسي، ولا تمهيد بياني.
نقول: بل كان هذا الإعداد والتمهيد، في الآية الكريمة التي ختمت بها الحلقة السابقة: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فهذه لو تدبرت معبرة ذهبية وضعت في وقت الحاجة إليها بعد أن استطال الحديث في تفصيل الحقوق والواجبات المنزلية؛ معبرة جيء بها لتنقلنا من ضوضاء المحاسبة والمخاصمة، إلى سكون المسامحة والمكارمة؛ فكانت معراجًا وسطًا صعد بنا إلى أفق أعلى، تمهيدًا للعروج بنا فيما يلي إلى الأفق الأعلى .. ألا تسمع إلى هذه الكلمات: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] (لا تنسوا .. الفضل .. بينكم).
إنَّ كل حرف في هذه الكلمات ينادي بأنها كلمات حبيب مودع، كان قد أقام بيننا فترة ما، ليفصل في شؤوننا؛ ثم أخذ الآن يطوي صحيفة أحكامه، ليتحول بنا عنها إلى ما هو أهم منها؛ فقال لنا وهو يطويها: دعوا المشادة في هذه الشؤون الجزئية الصغرى، سووها فيما بينكم بقانون البر والفضل، الذي هو أسمى من قانون الحق والعدل؛ وحولوا أبصاركم معي إلى الشؤون الكلية الكبرى، التي هي أحق بأن يتوفر عليها العزم والقصد، وأحرى أن يشتغل بها
стр. 279
العقل والقلب .. نعم، نعم. لقد كفاكم هذا حديثًا عن حقوق الزوج والولد، فاستمعوا الآن إلى الحديث عن حقوق الله والوطن:
حافظوا على الصلاة .. أنفقوا في سبيل الله .. جاهدوا في سبيل الله .. (وبعد) فهل حديث الصلاة هنا يعتبر مقصدًا أصليًّا مستقلًّا، أم هو جزء من مقصد آخر.
لكي نحسن الجواب عن هذا السؤال، يجمل بنا أن نرجع البصر كرة أخرى، لننظر في جملة الخصال التي جمعت في آية البر، والتي فصلت في الآيات من بعدها إلى قرب آخر السورة، ولنقارن بين حظوظها من عناية الذكر الحكيم، فماذا نرى؟
نرى التنويه بفضيلتي الإنفاق والجهاد في سبيل الله، لا يزال يعاد ويردد في مطالع الحديث ومقاطعه، في إجماله وفي تفصيله، ترديدًا ينادي بأنه هو المقصود الأهم، والهدف الأعظم، من التشريع في هذه السورة .. فلو أننا، في ضوء هذا الأسلوب، تمثلنا تلك البيئة وأحداثها، وتمثَّلنَا القوم وهم تتلى عليهم شرائع هذه السورة وأحكامها، لتمثلنا معسكرًا ثابتًا للجهاد المزدوج؛ المالي والبدني، ولتمثلنا على رأس هذا المعسكر قائدًا يقظًا حريصًا، لا يعزب عنه شأن من شؤون جنوده؛ خاصها وعامها، ولا يفتأ يلقي عليهم أوامره وإرشاداته في مختلف تلك الشؤون كلما فرغ من إفتائهم في نوازلهم العارضة الوقتية، رجع بالحديث إلى مجراه العتيد، في شأن مهمتهم الرئيسة ..
ضع هذه اللوحة الجندية أمام عينيك .. فلن يكون عندك عجب أن ترى الحديث في شأن الجهاد يبرز الآن على إثر تلك الشؤون؛ ذلك أن بساطه كان أبدًا منشورًا، وأن داعيته كانت دائمًا قائمة؛ فإذا عاد ذكره بعد أن زال ما حوله من الشواغل الوقتية، فإنما يجيء على أصله وسجيته؛ فلا يسأل عن علته ..
ماذا نقول؟ .. شأن الجهاد!! أليس الحديث سيفتتح الآن بشأن الصلاة، وعدة الوفاة، لا بشأن الجهاد؟
стр. 280
بل نقول، ونحن نعني ما نقول: إن الحديث يعود الآن إلى شأن الجهاد، وإن الخطاب هنا بالصلاة وغيرها يتوجه إلى المجاهدين من حيث هم مجاهدون، ليحل المشاكل التي يثيرها موقف الجهاد نفسه، قبل أن يوجه إليهم الأمر الصريح بالقتال ..
فأول هذه المشاكل مشكلة الصلاة في الحرب: ألا يكون الجهاد رخصة في إسقاط هذا الواجب أو في تأجيله؟
يجيبنا الكتاب العزيز: لا رخصة في ترك الصلاة ولا في تأجيلها، لا في سلم ولا في حرب، ولا في أمن ولا في خوف: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وإنما الرخصة عند الخوف في شيء واحد: في صفات الصلاة وهيأتها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩].
والصلاة كما نعلم قوَّة معنوية على العدو، وعدة من عدد النصر (١)، لا جرم كان من الحكمة أن تزود بها أرواح المجاهدين، قبل أن يؤمروا بالقتال أمرًا صريحًا، والصلاة في الوقت نفسه طهرة للنفس من مساوئ الأخلاق، تنقيها من دنس الشح والحرص على حطام الدنيا (٢)، لا جرم كان من الحكمة كذلك جعلها دعامة للوصية الآنفة، التي أمرتنا بالتسامح والتكارم في المعاملات .. هكذا كان وضع حديث الصلاة مزدوج الفائدة: دواءً وغذاءً معًا، ينظر إلى الأمام وإلى الوراء جميعًا، بل قل: إنه مثلث الفائدة؛ لأنه في نظره إلى الخلف لا ينظر إلى الآية الآنفة وحدها، بل ينظر كذلك إلى الآية الجامعة، ليفصل إجمالها في هذا الجانب (٣) ..
стр. 281
والجنديُّ في الحرب تشغله على الأقل مخافتان: مخافة على نفسه وعلى المجاهدين معه من أخطار الموت أو الهزيمة، ومخافة على أهله من الضياع والعيلة لو قتل .. لذلك انساق البيان الكريم يطرد عن قلبه كلتا المخافتين، أمَّا أهله فقد وصى الله للزوجة، إذا مات زوجها، بأن تُمتَّع حولًا (١) كاملًا في بيته، وكذلك مطلقته سيتقرر لها حق في المتعة لا يُنسى، فليقر عينًا من هذه الناحية (٢٤٠ - ٢٤٢).
стр. 282
وأما خوف الموت فليعلم أن الذي يطلب الموت قد توهب له الحياة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ (٢٤٣).
(و) أما خوف الهزيمة، فإن النصر بيد الله ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وتلك سنة الله في المرسلين (٢٤٦ - ٢٥٣).
هكذا أُبعدت المخاوف كلها عن قلوب المجاهدين، بعد أن زوِّدت أرواحهم بزاد التقوى، وهكذا أصبحوا على استعداد نفسي كامل، لتلقي الأوامر العليا، فليصدر إليهم الأمر صريحًا بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم (٢٤٤ - ٢٤٥) (١).
ولتفصل لهم العبر التاريخية، التي تثبت أقدامهم حين البأس، والتي تزيدهم أملًا في النصر (٢٤٦ - ٢٥٣).
والجهاد كما قلنا جهادان: جهاد بالنفس، وجهاد بالمال، وليس الجهاد بالمال وقفًا على شؤون الحرب، بل هو بذله في كل ما يرفه عن الأمة، ويقوي شوكة الدولة، ويحمي حمى الملة.
стр. 283
ولقد أخذ الجهاد بالنفس حظه من الدعوة في آية قصيرة (٢٤٤) ثم في آيات كثيرة (٢٤٦ - ٢٥٣)، وأخذ الجهاد بالمال بعض حظه في آية قصيرة (٢٥٥) فمن العدل أن يأخذ تمام حظه في آيات كثيرة كذلك.
وهكذا نرى الدعوة إليه تأخذ الآن قسطها؛ مطبوعًا بطابع الشدة تارة (٢٥٤ - ٢٦٠). (٢٥٤ - ٢٦٠) (١) وطابع اللين تارة (٢٦١) وطابع التعليم المفصل لآداب البذل تارة أخرى (٢٦٢ - ٢٧٤).
الآيات من (٢٧٥ - ٢٨٣):
ثم ينساق الحديث من فضيلة التضحية والإيثار، التي هي أسمى الفضائل الاجتماعية، إلى رذيلة الجشع والاستئثار، التي هي في الطرف المقابل، أحط أنواع المعاملات البشرية (أعني رذيلة الربا، التي تستغل فيها حاجة الضعيف، ويتقاضى فيها المحسن ثمن المعروف الذي يبذله) (٢٧٥ - ٢٧٩).
وكان هذا الاقتران بينهما في البيان إبرازًا لمدى الافتراق بين قيمتهما في حكم الضمائر الحية.
وبين هذين الطرفين المتباعدين، يقيم القرآن ميزان القسط في الحد الأوسط، جاعلًا لصاحب الحق سلطانًا في المطالبة برأس ماله كله لا ينتقص منه شيء ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. غير أنه يحذرنا من سوء استعمال هذا الحق بإزاء المعسرين؛ فيأمرنا أن نتخذ فيهم إحدى الحسنيين: إما الانتظار إلى الميسرة، وإما التنازل لهم نهائيًّا عن الدين، وهذه أكرم وأفضل ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨٠ - ٢٨١).
ولما كان الطابع البارز في هذا التشريع القرآني، وهو طابع القناعة والسماحة، قد يوحي إلى النفوس شيئًا من التهاون في أمر المال، وربما مال بها
стр. 284
إلى التفريط في حفظه وتثميره، جاءت آيتا الدَّين والرِّهان (١) (٢٨٢ - ٢٨٣) تدفعان عن نفوسنا هذا التوهم، وتصوغان للمؤمنين دستورًا هو أدق الدساتير المدنية، في حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل، تمهيدًا لإنفاقها في أحسن الوجوه .. فمن لم يجد سبيلًا إلى التوثق بوثيقة ما، ولم يبق أمامه إلا أن يَكِلَ عميله إلى ذمته وأمانته ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وهكذا ختم الشطر العملي من السورة، بهذه القاعدة المثلى، التي هي أساس كل معاملة شريفة، أعني قاعدة الصدق والأمانة، جعلنا الله من أهل الصدق والأمانة .. آمين.
стр. 285
المقصد الرابع من مقاصد السورة: في آية واحدة (٢٨٤).
في الآية السابقة، انتهت مهمة الأحكام التفصيلية، عند الحد الذي أراد الله بيانه في هذه السورة؛ وبها ختم الشطر الثاني من الحقيقة الدينية، وهو شطرها العملي؛ بعد أن أرسى شطرها الاعتقادي في الآي (١٢٢) وما بعدها.
وهكذا تناول البيان حتى الآن:
١ - حقائق الإيمان.
٢ - شرائع الإسلام.
هل بقي في بنيان الدين شيء فوق هذه الأركان؟
نعم؛ لقد بقيت ذروته العليا، وحليته الكبرى .. بعد الإيمان .. والإسلام .. بقي الإحسان؛ وهو كما فسره صاحب الرسالة -صلوات الله وسلامه عليه- أن تراقب الله في كل شأنك، وأن تستشعر مشاهدته لك في سرك وإعلانك، وأن تستعد لمحاسبته لك، حتى على ذات صدرك، ودخيلة نفسك .. مطلب عزيز لا يطيق الوفاء به كل مؤمن، ولا كل مسلم؛ وإنما يحوم حول حماه صفوة الصفوة من المتقين .. وكأنه لعزة هذا المطلب ونفاسته صان الله درَّته اليتيمة في هذه الآية الواحدة، التي تَوَّج بها هامَة السورة: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
* * * * *
الخاتمة: في آيتين اثنتين (٢٨٥ - ٢٨٦):
والآن وقد تناول البيان أركان الدين كلها، وألمَّ بعناصره جميعها: الإيمان، والإسلام، والإحسان؛ لم يبق بعد تمام الحديث إلا طي صحيفته، وإعلان ختامه؟